← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

هل زوت زهرته حتى هبا (١) ... في كلال إن في نفس تسامت حسبا ... خيرُ وال * * * أبصر الجدُّ به روحَ الهمام ... باديا (٢) كالشذا ينبئ عن زهر الكِمام ... هاديا وتريك الشمس في قوس الغمام ... ماهيا حفه عطفاً كما تسري الصَّبا ... باعتلالِ ويدٌ ظلَّت تحابي الأنجبا ... لم تغالِ * * * ضرب الخطبُ على الملك الأثيل ... محدقا (٣) كم دها السفاح من حُرّ نبيل ... مرهقا (٤) وجرى المنصور في هذا السبيل ... مُوبقا ذهبت عصبته أيدي سبا ... في نكالِ وتداعى عرشه منتحبا ... للزوالِ * * *

стр. 1367

حدق الصقر برأي لا عجل ... لا حَسير وانبرى يطوي الفلا يطوي الأمل ... في الضمير ككَميّ فرَّ من وقع الأمل ... ليُغير عَمِيتْ عنه عيونُ الرُّقبا ... والموالي راح كالشمس تؤمُّ المغربا ... بارتحال * * * جمرةُ الأضغان في ذاك الوطن ... لافحه (١) كم قلوب بتباريح الإِحَنْ ... طافحه فرصة ظلت على وجه الزمن ... سانحه إنما الفرصة تدني الأربا ... بارتجالِ والفتى يرقبها محتسبا ... لليالي * * * نفض البرْدَين من نقع السفر ... في "مليله" (٢) ماله جند سوى الرأي الأغر ... والفضيلة بثَّ لُسناً نفثت نفث السحر ... في الخميلة دعوة حل لها الشعبُ الحُبا ... باحتفالِ

стр. 1368

يرتجي عزاً وعدلاً ذهبا ... في ضلالِ * * * آب (بدرٌ) بفؤاد يتألق ... كالجمانِ (١) إذ رمى عن قوس داهٍ وتفوَّق ... في الرهان ورأى غصن الأماني كيف أوْرَق ... في تداني آن للصمصام أن ينتصبا ... للصقالِ ولغالي الدم أن ينسكبا ... بابتذالِ * * * نهض الصقر ولا صيد سوى ... تاج مُلكِ يتهادى بعد شجو ونوى ... بين أَيْكِ يسبك السيرة في نهج سُوى ... خيرَ سبك عبر البحر يشق الحببا (٢) ... في جلالِ أقبل الأبعد يتلو الأقربا ... ويوالي * * * زج بالجند حواليْ "قرطبه" ... في اتّساق

стр. 1369

وغدا يوسف مما كربه ... في خناق (١) هو صبٌّ كيف يلوي الرقبه ... للفراق هاله الخطب غداة اقتربا ... للقتال لاذ بالرأي فأكدى وكبا ... في خبال * * * خال ما نمَّق كيداً يرشقه ... كسهام لا يبيع المجد شهم يعشقه ... بالحطام لا تُسليّه فتاة ترمقه ... بابتسام فأراه الصقر برقاً خلبا ... في المقالِ وأراه الأحوذيَّ القلبَّا ... بالفعالِ * * * هجم الداخل في وجه الزعيم ... كائدا فطوى ما خلفه طيَّ الظليم ... شاردا واقتفى آثاره الجيش النظيم ... صائدا رام "غرناطة" يبغي مركبا ... للنضالِ أمل أبرق حينا وخبا ... كالذُّبالِ * * *

стр. 1370

أغمد السيف ومد العنقا ... للسلامْ (١) فأراه الصقر عزماً ذلقا ... لا ينامْ أحرز ابنَيْهِ ليأبى الرهقا ... في الذِّمام (٢) كان في الناس زعيماً فاحتبى باعتزال لم يطق - كالطفل - صبراً إذ نبا ... عن فصال * * * تبَّ ليل شدَّ فيه المئزرا ... لانتقام (٣) وامتطى رأيا عقيماً أغبرا ... كالجَهَام ليته ما انسلَّ ليلاً وانبرى ... في احتدام (٤) في مغاني آل هود وثبا ... للصيالِ هزَّ جِذعَ الأمن ألقى الطُّنبا ... في اختلالِ

стр. 1371

أرهق ابنيه جفاء وهفا ... للرياسهْ ما تحامى أن يكون هدفا ... للسياسهْ ركبت من قتل هذا سرفا ... في الشراسهْ وطوت هذا ليبقى حقبا ... في اعتقالِ سلْ به إذ فرَّ ماذا ارتكبا ... من محالِ * * * قذفت نار الوغى في (ماردَهْ) ... بالشرار (١) أشرع الصقر قناة سائده ... بانتصار أطلق الفهريُّ رِجلًا جاهده ... في الفرار لحق الموت به واعجباً ... للنصالِ تنهض الحتفَ إذا ما نشبا ... في عقالِ * * * بلغ الصقر من العزِّ أشدَّه ... واستوى لبس الحزم لمن صاعر خدَّه ... والتوى هو لولا بأسه يحرس بَنْدَه ... لانطوى سار بالأمة شوطاً عجبا ... في اعتدالِ لا يُرى أسرى بها أو أوَّبا ... في ملالِ * * *

стр. 1372

بعث العرفان من مرقدهِ ... في رُواء وعلت عنق الهدى في عهدهِ ... كاللولاءِ ردَّتِ الشركَ مواضي جِدِّهِ ... في انزواء نفثت في (شرلمانَ) الرَّهبا ... كالسعالي (١) هابها (المنصور) يخشى الغلبا ... في السجالِ * * * لقي العمرانَ مقصوص الجناح ... خاملا راشه فانساب في تلك البطاح ... جائلا يضبط الشكوى كخصر في وشاح ... عادلا يمتطي المنبر يُلقى خُطبا ... ذات بالِ يقدمُ الناسَ إماماً مجتبى ... بابتهالِ * * * رحم الله الفتى أنضى العتاقْ ... في العلا (٢) وغدا إن عُدَّ فرسانُ السباقْ ... أوّلا شرب الحكمة بالكأس الدِّهاقْ ... عَللا عزمه كالفجر يفري الغيهبا ... في تعالي فهو جنديٌّ سياسيٌّ ربا ... في كمالِ

стр. 1373

أبو داود وكتابه "السُّنن " (١) من أئمة الحديث وأعلامه: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني (٢) المعروف بأبي داود. ولد أبو داود سنة ٢٠٢ اثنتين ومئتين، وأقبل على علوم الحديث حتى صار من أكابر حفاظه، والراسخين في العلم بمراتب الأحاديث وعللها، وما يستنبط منها من الأحكام والآداب. رحل لطلب العلم، وتجوّل في البلاد، فكتب عن علماء العراق والحجاز والشام ومصر والجزيرة وخراسان. وفي سنة ٢٧٥ التمس منه أبو أحمد الموفق أخو الخليفة بعد فتنة الزنج أن يقيم بالبصرة؛ ليعمرها بما أوتي من العلم، فأقام بها إلى أن توفي في منتصف شوال سنة ٢٧٥. كان أبو داود إماماً في الحديث، بالغًا فيه الذروة، قال الحافظ موسى ابن إبراهيم: خلق أبو فيداود الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة. وقال الحاكم أبو عبد الله: أبو داود إمام أهل الحديث بلا مدافعة.

стр. 1374

ولم يكن أبو داود محدثاً فحسب، بل كان محدثاً فقيهاً، وقد عده الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "طبقات الفقهاء" من جملة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل. وقال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهاً، وعلماً، وحفظاً، ونسكاً، وورعاً، وإتقاناً. وكان أبو داود يشبه الإمام أحمد بن حنبل في هديه وسمته، وروى عنه أحمد بن حنبل فَرْدَ حديث، فكان أبو داود يفخر بذلك، وكان أبو داود يقول: خير الكلام ما دخل الأذن من غير إذن. ومما يشهد بحلالة قدره في علم الحديث: كتاب "السنن" الذي هو أحد الصحاح الستة، وهو يشتمل على أربعة آلاف وثمان مئة حديث، انتخبها من خمس مئة ألف حديث كتبها عن رسول الله ﷺ ، ولم يورد في هذا الكتاب إلا الصحيح، أو ما يقارب الصحيح، وقال في رسالة بعث بها إلى أهل مكة: "وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء". قصد الإمام البخاري في "جامعه" تخريج الأحاديث الصحيحة المتصلة، وإفادة ما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام أو الآداب، أو التفسير أو السيرة، وقصد الإمام مسلم في "جامعه" تدوين الأحاديث الصحيحة من غير تعرض لوجوه الاستنباط. وقصد أبو داود جمع الأحاديث التي استند إليها الفقهاء، وجعلوها مآخذ للأحكام، فجمع في "سننه" الصحيح، والحسن، وإذا أورد هذا حديثاً ضعيفاً، صرح بضعفه. فكتاب "السنن" لأبي داود جمع أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن تنظيم، ولما أتم تأليفه، عرضه على الإمام أحمد بن حنبل، فاستجاده، واستحسنه، ولما اطلع عليه إبراهيم الحربي، قال: "ألِين لأبي

стр. 1375

داود الحديث، كما ألين لداود الحديد". وقال النووي في قطعة كتبها من شرحه على هذه السنن: ينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتناء بسنن أبي داود، وبمعرفته التامة؛ فإن معظم أحاديثه يحتج بها، مع سهولة تناوله، وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه. وقال ابن الأعرابي: لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله، ثم هذا الكتاب - يعني: سنن أبي داود -، لم يحتج معها إلى شيء من العلم. وقال أبو سليمان الخطابي في مقدمة شرحه (١) لهذه السنن: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدماً سبقه إليه، ولا متأخراً لحقه فيه.

стр. 1376

صفحة من حياة أبي الحسن الأشعري ّ (١) التحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى وقد أورث الناس ديناً ساطع الحجج، محكم الآيات، فساروا في ضوئه أمة واحدة، لا يختلفون في شيء يرجع إلى العقائد حتى آخر خلافة عثمان ﵁، حيث حميت تلك المناقشات السياسية، واتخذها مرضى القلوب أمثال عبد الله بن سبأ ذريعة إلى فتنة يكيدون بها الإسلام، ففتحوا بابها بقتل الخليفة، ونشأت خلافة علي - كرم الله وجهه -، وغبار الفتنة ثائر، فتولدت تحت مثاره آراء سياسية، ثم جعلت تلك الآراء تتحول إلى مذاهب دينية، ودبّ في النفوس مرض الاختلاف، ومن هذا الاختلاف ما يرجع إلى أصول العقائد، فيحل عروة الإيمان، ومنه ما يرجع إلى فروعها، فلا يزيد على أن يسمى: انحرافاً عن الصواب. كثرت الفرق، وتعددت الألقاب، فوهن حبل الاتحاد الإسلامي، ولولا هذا التفرق، لبلغ الإسلام من القوة فوق ما بلغ، وارتقى في السيادة ذروة فوق التي ارتقى. ومن هذه الفرق: فرقة يغلون في التشيع للإمام علي - كرم الله وجهه -. ومن أبعدهم في هذا الغلو: نزعة السبئية أتباع عبد الله بن سبأ الذي

стр. 1377

ادعى لعلي ﵇ وصف الإلهية، فنفاه علي إلى المدائن، ويقال: إنه كان يهودياً، فتظاهر بالإسلام ليكيد له بمثل هذه الدعوى. ويقابل هذه الفرقة: فرقة يدينون بكراهة علي ﷺ ، وهم الخوارج (١)، ونشأ هذا المذهب من جماعة كانوا مع علي في حرب صفّين، ثم خرجوا عليه عقب قضية التحكيم. ومن هذه الفرق: فرقة يبالغون في إثبات الوعد، حتى قال بعضهم: لا يضر مع الإيمان معصية، وهم المرجئة. أما الإرجاء الذي ينسب إلى بعض فضلاء التابعين؛ كالحسن بن محمد بن الحنفية (٢)، فمعناه: عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين من العلويين والأمويين بكونها مخطئة أو مصيبة، صارجاء أمرهما؛ أي: تأخيره وتفويضه إلى الله تعالى، وهو بهذا المعنى لا يمس جانب الإيمان، ولا يعد صاحبه عند أهل السنّة موضعاً للعيب. ومن هذه الفرق: فرقة يبالغون في إثبات القدرة للإنسان، وينكرون إضافة الخير والشر إلى القدر، وهم القدرية، وأول من تكلم بهذا: معبد بن عبد الله الجهني الذي خرج مع ابن الأشعث، ووقع في يد الحجاج، فقتله سنة ٨٠. ومن هذه الفرق: فرقة لا يثبتون للعبد قدرة. على الفعل، لا مؤثرة، ولا كاسبة، وهم الجبرية، وأول من ظهر بهذا المذهب: جهم بن صفوان

стр. 1378

الذي خرج مع الحارث بن سريح على بني أمية في أواخر دولتهم، ووقع في قبضتهم بعد انهزام الحارث، وقُتل سنة ١٢٨، أو ١٣١. ومن هذه الفرق: فرقة يشبِّهون الله - وهو واجب الوجود - ببعض مخلوقاته، وهم المشبهة، وممن تعزى إليه هذه البدعة: الجعد بن درهم مؤدبُ مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية. ومن غلاة المشبهة: الكرامية أتباع محمد بن كرام (١) وهو شيخ نشأ في سجستان، ثم دخل نيسابور، وباح بالتجسيم، فحبسه عبد الله بن طاهر، ثم أطلقه، فتخلص إلى القدس الشريف، وهناك توفى سنة ٢٥٦. ومن هذه الفرق: فرقة يؤولون القرآن والسنّة على غير ما يراد منهما؛ مكرًا بالدين، وصرفًا للناس عن هدايته، وهم الباطنية. وائتمار مَن أصلهم المجوسية بالكيد للإسلام وقع- على ما يقصه أبو بكر بن العربي (٢) - في عهد البرامكة، ولكن تأويل الظواهر على وجوه تعطل أحكام الشريعة، وتذهب ببهاء حكمتها، ظهر فيما بعد؛ ومن زعماء هذه النحلة: حمدان قرمط المتوفى سنة ٢٦٤، ومنه أخذ الباطنية لقب (القرامطة). ومن أذناب هذه الفرقة اليوم: الطائفة المسماة بالبابية أو البهائية، وكانت قبل هذا تعمل في خفاء، فسرى وباؤها في نفوس كثير من المسلمين الغافلين، حتى أخذ بعض زعماء الغرور، فجاهروا بشيء مما يسرون، فانكشفت للناس سريرتها، وافتضح أمرها، فلا تقوم لدعايتها بعد هذا - إن شاء الله - قائمة. ومن هذه الفرق: فرقة المعتزلة، ومن رؤوسها: أبو حذيفة واصل بن

стр. 1379

عطاء الغزال، وصاحبه عمرو بن عبيد، وكانا يجالسان الحسن البصري المتوفى سنة ١١٦، ثم اعتزلاه في نفر كانوا على رأيهما، وظهر بعد هؤلاء طبقة أخرى، من زعمائها: إبراهيم بن سيار النظام المتوفى سنة ٢٢١، ومحمد بن الهذيل العلاف المتوفى سنة ٢٣٥، وأحمد بن أبي داود المتوفى سنة ٢٤٠، وبشر المريسي المتوفى سنة ٢١٨، ثم عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٠، وظهر بعد هؤلاء طبقة من رجالها: أبو علي محمد الجبائي المتوفى سنة ٣٠٣، وهو أستاذ أبي الحسن الأشعري، وأبو القاسم عبد الله الكعصي المتوفى سنة ٣١٧، وإليه تنسب الفرقة الكعبية، وأبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي المتوفى سنة ٣٢١، وإليه تنسب الفرقة البهشمية، فالكعبي وأبو هاشم كانا معاصرين لأبي الحسن الأشعري. وظهر مذهب الاعتزال لذلك العهد؛ إذ كان لكثير من زعمائه البراعة في البيان، والوجاهة عند رجال الدولة، فعمرو بن عبيد كان رفيع المنزلة عند المنصور، وكان المجلس الذي يعقده البرامكة لأصحاب المقالات ينتظم من أبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وبشر بن المعتمر، وجعفر بن حرب، وثمامة بن أشرس، وجعفر بن بشر، وكلهم من زعماء الاعتزال. وأحمد بن أبي دؤاد كان وجيهاً لدى المأمون، وتولى قاضي القضاة في خلافة المعتصم، وهو الذي امتحن الإمام أحمد بن حنبل، وحاول إلزامه القول بخلق القرآن الكريم، وكذلك كان أبو دؤاد في عهد الواثق؛ ولما تقلد المتوكل الخلافة، أصيب ابن أبي دؤاد بفالج، فخلفه في القضاء ابنه محمد بن أحمد، ثم صرفه المتوكل عن القضاء، وولى مكانه يحيى بن أكثم، وكان يقتدي بمذهب أهل السنة. ومن أسباب ظهور الاعتزال: أن بعض زعمائه كانوا يتصدون للرد

стр. 1380

على الخارجين عن الملة من نحو الملاحدة والطبعيين، كما ردّ واصل الغزالي على المانوية، ورد أبو هاشم بن أبي علي الجبائي على القائلين بالطباع، ورد أبو الحسين بن أبي عمر الخياط على ابن الراوندي في كتاب "الانتصار"، وكانوا يدرسون الفلسفة، ويتناولون آراء رجالها بالنقض، فلأبي هاشم هذا كتاب "النقض على أرسطاليس في الكون والفساد". ومما نقرؤه في ترجمة النظام: أن جعفر بن يحيى البرامكي ذكر أرسطاليس، فقال النظام: قد نقضت عليه كتابه، فقال جعفر: كيف وأنت لا تحسن أن تقرأه! فقال النظام: أيهما أحب إليك: أن أقرأه من أوله إلى آخره، أم من آخره إلى أوله؟ ثم أخذ يذكره شيئاً فشيئًا، وينقض عليه، فتعجب جعفر منه. ودراسة المعتزلة للفلسفة أفادت في ردهم على بعض الفلاسفة والملاحدة، ولكن انحرفت ببعض آرائهم عن قصد السبيل، فتعسفوا في تأويل نصوص من الكتاب والسنّة؛ ظنًا منهم أن الفلسفة تتعاصى عن قبول ما تدل عليه هذه النصوص، ولم يكن المعتزلة في المسائل التي تعزى إليهم على رأي واحد، بل كانوا يختلفون في بعض الآراء، وقد ينتصب بعضهم لتفنيد آراء بعض، كما ألّف جعفر بن حرب في الرد على أبي الهذيل العلاف كتاباً سماه: "توبيخ أبي الهذيل"، وبالغ في الرد عليه حتى أشار إلى تكفيره. وزاد مذهب الاعتزال في القرن الثاني والثالث رواجاً أن أهل السنّة كانوا لا يعنون بمجادلتهم على طريقة نظرية يرخي فيها الخصم لخصمه العنان، ثم يدفع شبهه شبهة بعد أخرى، وينقض أدلته دليلاً بعد دليل، وكان الإمام أحمد بن حنبل ﵁ يكره التصدي لمجادلة المبتدعين، حكى عنه الغزالي

стр. 1381

في كتاب "المنقذ": أنه أنكر على الحارث المحاسبي تصنيفه في الرد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على البدعة فرض، فقال أحمد: نعم، ولكن حكيتَ شبهتهم أولًا، ثم أجبتَ عنها، فلا يؤمن أن يطالع الشبهة من تعلق بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب، أو ينظر إلى الجواب، ولا يفهم كنهه. قال الغزالي: وما ذكره أحمد حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر، أما إذا انتشرت، فالجواب عنها واجب، ولا يمكن الجواب إلا بعد الحكاية. كان أهل السنَّة من ناحية التفقه في الدين وتقرير أصول الأحكام يبسطون القول إلى أبعد غاية، أما موقفهم أمام الفرق التي تتكلم في العقائد، وما يتصل بها، فيشبه موقف من يستخف بقوة خصومه، فلا يعد لهم ما استطاع من قوة، أو لا يعمل في دفاعهم ما لديه من سلاخ، حتى يجوسوا خلال أرضه، وينقصوها من أطرافها. سادت في القرن الثالث الآراء المخالفة لمذهب السلف، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري، فأحسن التعبير عن مذهب أهل السنّة، وانقلب علم الكلام إلى هيئة غير هيئته التي خلعها عليه المعتزلة والمرجئة والمشبهة والقدرية، والذي يستطيع أن يجاهد، فيقلب أمماً كثيرة من وجهة إلى أخرى، جدير بأن يعدّ في أعاظم الرجال، فإذا عرضنا عليك صحيفة من حياة أبي الحسن الأشعري، فإنما نعرض عليك شيئاً من سيرة رجل كان له في إصلاح النفوس وتقويم العقول جهاد أي جهاد. * نسب أبي الحسن الأشعري ومولده: هو علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله ﷺ ؛

стр. 1382

والأشعري نسبة إلى أشعر أبي قبيلة باليمن، فنسبه عربي صريح، ومولده بالبصرة سنة ٢٦٠ ستين ومئتين. * نشأته العلمية: نشأ الأشعري بالبصرة، وهي يومئذ زاهية بالعلوم الدينية والعربية وفن الكلام، فأخذ السنّة عن الحافظ زكريا بن يحيى الساجي، وأبي خليفة الجمحي، وسهل بن نوح، ومحمد بن يعقوب المقري، وعبد الرحمن بن خلف الضبي، وقد أكثر في تفسيره من الرواية عن هؤلاء، ثم رحل إلى بغداد، وأخذ عمن لقيه فيها من علماء الحديث. ودرس علم الكلام على مذهب المعتزلة، فكان يتلقى على طائفة من كبارهم؛ مثل: أبي علي الجبائي، والشحام، والعطوي، وكان متقدمًا في هذا العلم على أقرانه، وسنحدثك قريباً عن براءته من مذهب المعتزلة، ورجوعه إلى مذهب أهل السنة. وإذا لم يُذكر الأشعري في طبقات المحدثين، فلأنّ همته لم تكن مصروفة إلى الإكثار من الرواية، وإنما كان يبذل جهده في تعرف آراء الفرق، والغوص على الحجج التي تنقض شبههم، وتدمغ باطلهم، فلا بأس عليه مما وصفه به بعض الحنابلة من أن خبرته بمقالات أهل الكلام أوسع من خبرته بمذاهب أهل الحديث، وكثير ممن عاصروه، أو تلقوا عنه، قد شهدوا له بغزارة العلم، وحسن التصرف فيما يعلم، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: كنت في جنب الشيخ أبي الحسن الباهلي كقطرة في جنب البحر، وسمعت الباهليّ يقول: كنت في جنب الأشعري كقطرة في جنب البحر. وهذه الشهادة - وإن كانت صادرة عن تواضع من أبي الحسن الباهلي -

стр. 1383

لا تخلو من إيماء إلى عظم منزلة أبي الحسن الأشعري في العلم. * مذهبه في أصول الدين: كان أبو الحسن الأشعري في مبدأ أمره على مذهب الاعتزال، ولزم أبا علي الجبائي سنين كثيرة، ثم اهتدى إلى أن الحق في جانب أهل السنّة، وأراد أن يكون رجوعه عن الاعتزال علانية، فأتى المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة، ورقي كرسياً، ونادى بأعلى صوته قائلاً: من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فانا أعزفه بنفسي: أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا تراه الأبصار (يعني: في الدار الآخرة)، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة. والواقع أنه لم يات بمذهب جديد، وإنما صار إلى مذهب السلف، وما كان عليه الأئمة الراشدون، فقام بتاييده، والنضال عنه، وانما ينسب إليه المتمسكون بمذهب أهل السنّة؛ لأنه زاد المذهب حججًا، وألف فيه كتبًا كثيرة، وقد صرح في كتاب "الاستبانة" بأنه على طرَيقة السلف، فقال: "وديانتنا التي بها ندين: التمسك بكتاب الله، وسنّة نبيه ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون"، وعوده إلى مذهب أهل السنّة بعد الاعتزال شاهد - كما قال القاضي عياض في "المدارك" - على ثبات قدمه، وصحة يقينه في التزام السنّة؛ إذ لم يلزمها لأنه نشأ عليها، ولا اعتقدها تقليداً. * مذهبه في الأحكام العملية: تنازع بعض أصحاب المذهب أبا الحسن الأشعري، كلٌّ ينسبه إلى

стр. 1384

مذهبه، ذكره ابن السبكي في "طبقات الشافعية"، وقال؛ (قد زعم بعض الناس أن الشيخ كان مالكي المذهب، وليس بصحيح، وإنما كان شافعياً، تفقه على أبي إسحاق المروزي (١)، نص على ذلك الأستاذ أبو بكر بن فورك في "طبقات المتكلمين"، والأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني فيما نقله عنه الشيخ أبو محمد الجويني "في شرح الرسالة"). وذكره القاضي عياض في كتاب "المدارك" على أنه من فقهاء المالكية، وقال: ذكر محمد بن موسى بن عمران: أن الأشعري كان مالكياً: وقال: ذكر لي بعض الشافعية: أنه كان شافعيًا حتى لقيت الشيخ الفاضل رافعًا الحمال الشافعي، فذكر لي عن شيوخه: أن أبا الحسن كان مالكياً، وكان مذهب مالك - رحمه الله تعالى - في وقته شائعا في العراق، أيام إسماعيل (٢) ابن إسحاق. والذي يظهر: أن أبا الحسن الأشعري لم يؤلف كتاباً في الأحكام يستفاد منه أنه مستقل النظر في الأحكام، أو أنه مقتد بأحد الأئمة. * قوته على المناظرة: تمرن الأشعري على المناظرات منذ كان على مذهب الاعتزال، حتى إن أستاذه أبا علي الجبائي كان إذا حضرت مناظرة، قال له: نُبْ عني، وكان الجبائي صاحب قلم، ولم يكن قويًا على المناظرة في المجلس. وكان - رحمه الله تعالى - يقصد إلى مواطن المعتزلة ليناظرهم، فقيل

стр. 1385

له: كيف تخالط أهل البدع، وتقصدهم بنفسك، وقد أمرت بهجرهم؟ فقال: هم أولو رياسة، منهم الوالي والقاضي، ولرياستهم لا ينزلون إليّ، فإذا كانوا هم لا ينزلون إليّ، ولا أسير أنا إليهم، فكيف يظهر الحق، ويعلمون أن لأهل السنّة ناصراً بالحجة؟!. وكان لا يبتدئ مناظرته بالسؤال، بل يقف موقف المجيب المدافع، حضر الأستاذ أبو عبد الله بن خفيف مناظرة بين الأشعري وبعض مخالفيه، فقضى العجب من علمه وفصاحته، وقال له: لم لا تسأل أنت ابتداء؟ فقال الأشعري: أنا لا أكلم هؤلاء ابتداء، ولكن إذا خاضوا في ذكر ما لا يجوز في دين الله، رددنا عليهم بحكم ما فرض الله علينا من الرد على مخالفي الحق. وجرت مناظرات بين أبي الحسن الأشعري والجبائي، منها: مناظرة في قول الجبائي كسائر معتزلة البصرة: إنه يجب على الله تعالى مراعاة الأصلح؛ بمعنى: الأنفع للعبد، فسأل الأشعري أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة عاش أحدهم في الطاعة، وأحدهم في الكفر والمعصية، والآخر مات صغيرًا. فقال له الجبائي: يثاب الأول، ويعاقب الثاني، ولا يعاقب الثالث ولا يثاب. فقال الأشعري: إن قال الثالث: يا رب! هل عمرتني، فأصلح، فأدخل الجنة كما دخلها أخي المؤمن؟! فأجاب الجبائي بأن الرب يقول: كنت أعلم أنك لو عشت، لفسقت، فدخلت النار. ئم قال الأشعري: فإن قال الثاني: يا رب! لمَ لم تمتني صغيراً حتى لا أعصي، فلا أدخل النار كما أمتَّ الثالث؟! فانقطع الجبائي. فمعتزلة البصرة هم الذين يرون وجواب مراعاة الأصلح بمعنى الأنفع

стр. 1386

للعبد، أما معتزلة بغداد، فيذهبون في تفسير الأصلح الذي يجب على الله مراعاته إلى معنى: الأوفق في الحكمة والتدبير، وليس هذا المذهب بموضع المناظرة السالفة؛ لأن الحكمة لا تتبع جلب المنفعة، أو درء المفسدة الشخصية، وإنما تقوم على ما يقتضيه حسن النظام العام للخليقة. * أخلاقه وتقواه: كان في أبي الحسن دعابة، وكان له مع هذه الدعابة غيرة على الحق حامية، وتلك الغيرة هي التي تدفعه إلى مقارعة مخالفيه، غيرَ مبال بما كان لهم من جاه أو رياسة، قال أحد أصحابه: "إنه كان حضر معه مجلسًا في جماعة من المبتدعة، فقام فيه لله مقاماً حسناً، وكسر حجتهم، فلما خرج، قلت له: جازاك الله خيراً، قال: وما ذاك؟ قلت: لمقامك هذا لله تعالى ونصر دينه، فقال: يا أخي! إنا ابتلينا بأمراء سوء أظهروا بدع المخالفين، ونصرها، فوجب علينا القيام لله، والذبِّ عن دينه حسب الطاقة، فمسألة من معرفة ربك، وما تطيعه به، وتتقرب به إليه، أجدى عليك من هذا". وهذه القصة تدلك على أنه كان يؤثر الحق على رضا الأمراء، وأنه كان من التواضع بحال من يذكر أن الازدياد من معرفة الله والإقبال على فعل الطاعات يفضل ما كان يشتغل به من مقارعة الابتداع على طريقة علم الكلام. وفي أبي الحسن خصلة يعز في أهل العلم وجودها، وهي الرجوع عن الرأي عندما يستبين الحق، وشاهد هذا: أنه نفض يده من مذهب الاعتزال علانية عندما استبان أن الحق في جانب أهل السنّة؛ وكان قد صنف في أيام اعتزاله كتاباً كبيراً نصر فيه مذهب المعتزلة، ولما صار إلى مذهب أهل السنّة ألف كتاباً في نقض ذلك الكتاب الذي نصر فيه مذهب الاعتزال؛ وقد يقول

стр. 1387

في بعض مؤلفاته: ألفنا كتاباً في مسألة كذا، ورجعنا عنه، ونقضناه، فمن وقع إليه، فلا يعولن عليه. وكان ﵀ متجملاً بالحياء والورع؛ قال أحمد بن علي الفقيه: خدمت الإمام أبا الحسن بالبصرة سنتين، وعاشرته ببغداد إلى أن توفي، فلم أجد أورع منه، ولا أغض طرفاً، ولم أر أحداً أكثر حياء منه في أمور الدنيا، ولا أنشط منه في أمور الآخرة. وكان ينفق من غلة ضيعة جده بلال ابن أبي بردة. * خصومه: خصوم الرجل على قدر عظم شأنه، فكلما ارتفع الرجل درجة، أو ظهرت له مزية، تألم لها من أحسوا أنفسهم العجز عن أن يبلغوا شأوه، فليس من العجيب أن يكون لمثل الأشعري خصوم يناوئونه، ويعزون إليه من المقالات ما لم ينطق به لسانه، ولم يخطر على قلبه، وليس من المعقول أن يقف الأشعري لطوائف مختلفة المذاهب والآراء، وقفة من لا يعرف ذلك الذي يسميه الناس رهبة أو إحجاماً، ويرجو مع هذا أن يمضي في سلامة من أن يتحدثوا عنه في غير أمانة. ألصق به خصومه أقوالاً لم تسمع منه مناظرة، ولا توجد له في كتاب، كما عزوا إليه: أنه قال: إن المعجز هو كلام الله تعالى الذي لم يزل غير مخلوق، ولا نزل إلينا: ولا سمعناه قط، وقد ساق الأستاذ ركن الدين أبو عبد الله محمد الجويني في كتاب "عقيدة الإمام المطلبي" أشياء من هذه الأراجيف، وقال: "وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه، وتاملت نصوصه في هذه المسائل، فوجدتها كلها على خلاف ما نسب إليه". ثم قال: "ولا عجب

стр. 1388

أن اعترضوا عليه واخترصوا؛ فإنه - رحمه الله تعالى - فاضحُ القدرية وعامة المبتدعة، وكاشفُ عوراتهم، ولا خير فيمن لا يعرف حاسدة". وتحدث القاضي عياض في كتاب "المدارك" عمن يناوئون الأشعري، فنسب طائفة منهم إلى الغلو في ترك التأويل حتى وقعوا في التشبيه، ثم قال: "وأكثر من شنع عليه بالأندلس: ابن حزم؛ فإنه ملأ كتابه عليه وعلى أئمة أصحابه كذبًا وتشانيع باطلة، وذلك في كتابه المسمى: بالنصائح والفضائح". ولأبي العباس أحمد بن محمد بن عبد المنعم القرطبي رسالة ردَّ بها على شخص تورط في هجو الأشعري، تسمى: "ازجر المفتري على أبي الحسن الأشعري"، قال في طالعها: أسير الهوى ضلت خطاك عن القصد ... فها أنت لا تهدى لخير ولا تهدي سللت حساماً من لسانك كاذباً ... على عالم الإسلام والعلم الفرد تمرست في أعراض بيت مقدس ... رمى الله منك الثغر بالحجر الصلد ومما قال في وصف الأشعري: وسلَّ حساماً من بيان فهومه ... فرد سيوف الغي مغلولة الحد وأبدى علوماً ميزت فضل فضله ... كتمييز ذي البردين والغرس الورد

стр. 1389

فجاءت مجيء الصبح والصبح واضح ... وسارت مسير الشمس والشمس في السعد سللن سيوف الحق في موطن الهدى ... فغادرن صدعى الملحدين بلا لحد وأيدن دين الله في أفق العلا ... بلا منصل عضب ولا فرس نهَد وأمضين حكم النقل والعقل فاحتوى ... كلام إمام الحق مجداً على مجد * أنصاره: قلنا فيما سلف: إن الأشعري لم يبتدع مذهباً جديداً، وإنما هو مقرر لمذهب السلف المبني على الوقوف عند نصوص الكتاب والسنّة، وترك تأويلها حيث لم يعارضها قاطع من معقول أو محسوس، فمزية الأشعري أنه بسط البحث والمناضلة عنها بالحجج النظرية؛ أي: على طريقة علم الكلام، وهي الطريقة التي مكَّنته من الظهور على من يدرسون أو يدَّعون الفلسفة، ويتعلقون في الجدال عن مذاهبهم بشيء من آرائها، ولأخذه بظاهر الكتاب والسنّة، وتصديه لمدافعة كل فرقة شاذة أو ضالة بمثل سلاحها، فكان لمؤلفاته الوقع الحسن في نفوس أكثر أهل العلم من أتباع الأئمة. قال القاضي عياض في كتاب "المدارك": "فلما كثرت تآليفه، وانتفع بقوله، وظهر لأهل الحديث والفقه ذبه عن السنن والدين، تعلق بكتبه أهل السنّة، وأخذوا عنه، ودرسوا عليه، وتفقهوا في طريقه، وكثر طلبته وأتباعه لتعلم تلك الطرق في الذَّبِّ عن السنّة، وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة".

стр. 1390

وقد ينساق أبو الحسن الأشعري في مجادلة الخصوم إلى آراء لا تمس أصول العقائد، ولا ترجع إلى صريح القرآن أو السنّة، وأكثرُ ما يخالفه فيه بعض علماء السنّة الذين يجلونه؛ كإمام الحرمين وغيره من الراسخين في العلم، عائد إلى هذا القبيل. أنكر بعض أهل العلم على الإمام الرازي مناقشته للأشعري في بعض مؤلفاته فقال ابن السبكي: والإمام الرازي لا ينكر عظمة الأشعري، كيف وهو على طريقته يمشي، وبقوله يأخذ؟! ولكن لم تبرح الأئمة يعترض متأخرها على متقدمها، ولا يشينه ذلك، بل يزينه. ومن معاصري الأشعري: محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي المتوفى سنة ٣٣٣، وهو من أئمة أهل الحق، وبينه وبين الأشعري خلاف في مسائل يعذر كل منهما صاحبه في الاجتهاد فيها، ولا يراه حائداً بها عن مذهب أهل السنّة. * مؤلفاته: لأبي الحسن مؤلفات كثيرة، حتى قيل: إنها تزيد على مئتي مصنف، من هذه المؤلفات كتاب "الفصول" في الرد على الخارجين على الملّة من الملحدين والفلاسفة والطبيعيين، والدهريين، وأهل التشبيه والقائلين بقدم الدهر، على اختلاف مقالاتهم وأنواع مذاهبهم، ثم رد على البراهمة، واليهود والنصارى والمجوس، وهو كتاب كبير يشتمل على اثني عشر كتاباً. ومنه كتاب "الموجز"، وهو يشتمل على اثني عشر كتاباً على حسب تنوع مقالات المخالفين من الخارجين عن الملة والداخلين فيها، وآخره كتاب الإمامة.

стр. 1391

ومنها تفسيره المسمى بالمختزن، قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "القواصم والعواصم": وانتدب الأضعري إلى كتاب الله، فشرحه في خمس مئة مجلد، وسماه بالمختزن، ومنه أخذ الناس كتبهم، ومنه أخذ عبد الجبار الهمداني كتابه في تفسير القرآن الذي يسمى بالمحيط في مئة سفر، ثم ذكر ابن العربي: أن الصاحب بن عباد بذل عشرة آلاف دينار لخازن الكتب في بغداد، فألقى النار في الخزانة، فاحترقت الكتب، واحترق من بينها "المختزن"، ولم تكن منه إلا نسخة واحدة، فنفدت من أيدي الناس. وكان الصاحب بن عباد على مذهب المعتزلة، ولأبيه عباد بن عباس كتاب في أحكام القرآن ينصر فيه مذهب الاعتزال. وليس بين أيدينا من مؤلفات أبي الحسن غير كتاب "الإبانة"، وهو كتاب قرر فيه عقيدة السلف، ورد على ما يخالفها من آراء اعتزالية، ومنه يقف القارئ على طريقة الشيخ في الرد على مخالفيه، ويعرف كيف كان يجمع في الاستدلال بين السمع والعقل. * وفاته: توفي أبو الحسن - رحمه الله تعالى -، في بغداد سنة أربع وعشرين وثلاث مئة. قال أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي: لما قرب أجل أبي الحسن الأضعري، دعاني، فأتيته، فقال: اشهد على أني لا أكفّر أحداً من أهل هذه القبلة؛ لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف عبارات. ومات في حجر أبي علي هذا، وكانوا يصفونه عند النداء لجنازته بناصر الدين، ودفن في تربة بين الكرخ وباب البصرة.

стр. 1392

قال أبو الحسن القابسي: لقد مات الأشعري يوم مات وأهل السنّة باكون عليه، وأهل البدع مستريحون منه. أفاض الله على قبره رحمة ونوراً.

стр. 1393

القاضي أبو الحسن الجرجاني (١) نعرض على حضرات القراء صفحة من حياة شخص غزير العلم، رائع الأدب، صافي الذوق، كامل الخلق، هو القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، من أعيان القرن الرابع. نشأ أبو الحسن في "جرجان"، وتقلب في البلاد للقاء كبار العلماء والأخذ عنهم، فدخل "نيسابور"، وطاف العراق والشام وغيرها، وأحرز في العلوم والآداب منزلة يشار إليها بالبنان. قال مؤرخوه: "لم يزل أبو الحسن يتقدم حتى ذكر في الدنيا"، ووصفه صاحب "يتيمة الدهر" فقال: "هو فرد الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم". ويعد أن بلغ الذروة في العلم والآداب، عرج على حضرة الصاحب بن عباد، فعرف قدره، وتمسك بصحبته، وكاد من شدة اختصاصه به لا يستطيع مفارقته، فكان لا يفارقه كما قال الصاحب في بعض رسائله: "مقيماً، وظاعناً، ومسافراً، وقاطناً". وتأخذ هذا من كتاب بعث به الصاحب إلى حسام الدولة العباسي تاشي الحاجب يوصيه فيه بمساعدة القاضي في كل ما يحتاج إليه عندما استأذنه في زيارة "جرجان"، فقد فقال: "فإن رأى الأمير أن يجعل من حظوظي الجسيمة عنده تجهد القاضي أبي الحسن فيما يعجل رده، فإني

стр. 1394

ما غاب كالمضل الناشد، واذا عاد كالغانم الواجد، فعل إن شاء الله". وكان الصاحب يتلقاه في "جرجان" بإقبال وإكرام أكثر مما يتلقاه به في غيرها من البلاد، قال القاضي: وقد استعفيته يوماً من فرط تحفيه بي، وتواضعه لي، فأنشدني: أكرم أخاك بأرض مولده ... وأمده من فعلك الحسن فالعز مطلوب وملتمس ... وأعزّه ما قيل في الوطن ثم قال له: قد فرغت من هذا المعنى في قصيدتك العينية، فقلت: لعل مولانا يريد قولي: وشيدت مجدي بين قومي فلم أقل ... ألا ليت قومي يعلمون صنيعي فقال: ما أردت غيره. وتولى قضاء "جرجان" على يد الصاحب، ثم تولى قاضي القضاة بالري، واستمر على ذلك إلى أن توفي، وكان حسن السيرة في قضائه. ويصفه المؤرخون، فنرى فيما يصفونه به خصالاً تعد أصولاً في مكارم الأخلاق؛ كصدق اللهجة، وعزة النفس، وشرف الهمة، ومن شواهد هذا: أبياته المنقطعة النظير في تصوير الاعتزاز بالعلم وسمو الهمة، وهي: يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما وما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل أهل الأرض أرضاه منعما ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته لي سُلَّما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة ... إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما

стр. 1395

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما وقد لهج بهذا المعنى في شعره، وقال من أبيات: فإن لم يكن عندالزمان سوى الذي ... أضيق به ذرعاً فعندي له الصبر وقال توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر وللقاضي ديوان شعر، وقد يعرج في شعره على الصاحب بن عباد، أو غيره من أقرانه الذين كانوا يمنحونه الوداد، وينظرون إليه بعين الإجلال، فكان يخاطبهم بلسان الشعر كالمجازاة على ما يلاقي من إسعادهم، وصدق مودتهم له، وقد رأيتم كيف كان الصاحب بن عباد يطلق لقلمه أن يثني عليه بأبلغ الثناء، ويسمي صلة الود بينهما إخاء، ولا يأبى أن يثني عليه في شعره. قال القاضي: انصرفت يوماً من دار الصاحب قبيل العيد، فجاءني رسوله بعطر العيد، ومعه رقعة بخطه فيها هذان البيتان: يا أيها القاضي الذي نفسي له ... مع قرب عهد لقائه مشتاقَهْ أهديت عطراً مثل طيب ثنائه ... فكأنما أهدي له أخلاقَهْ ونظر القاضي إلى ما يفضي إليه اقتراض المال وصرفه في شهوات النفس من سوء العواقب، فحاول معالجة هذا المرض بحكمة بالغة، فقال: إذا رمت أن تستقرض المال منفقاً ... على شهوات النفس في زمن العصر فسل نفسك الإنفاق من كنز صبرها ... عليك وإنظاراً إلى ساعة اليسر فإن أسعفت كنت الغني وان أبت ... فكل منوع بعدها واسع العذر ولم يكن القاضي بارعاً في صناعة الشعر فحسب، بل كان مبدعاً في النثر أيضاً، كما وصفه صاحب "يتيمة الدهر"، فقال: يجمع خط ابن مقلة،

стр. 1396

إلى نثر الجاحظ، ونظم البحتري. وجمع القاضي الجرجاني إلى غزارة العلم ذوقاً سليماً، ونقداً للشعر عادلًا، وبسلامة الذوق والعدل في النقد استطاع أن يخرج كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه" في صنع حكيم، ووضع بديع، وكان الصاحب بن عباد ألف رسالة في إظهار مساوئ المتنبي، ولم تمنع القاضي الجرجاني صداقته للصاحب أن يؤلف كتاب "الوساطة"، ويسلك فيه مسلك الإنصاف، فيرد كثيراً مما عده الصاحب وغيره من سقطات المتنبي. ومن قرأ كتاب "الوساطة"، وذكر أن الشيخ عبد القاهر الجرجاني أخذ من القاضي الجرجاني، واغترف من بحره، وكان يفتخر بالانتماء إليه، تنبه لناحية من النواحي التي استمد منها عبد القادر براعته في كتابي "دلائل الإعجاز"، و"أسرار البلاغة". وإذا كان في المنتمين إلى قبيل العلماء من إذا أدرك شهادة أو منصباً أو وجاهة، قلَّ إقباله على العلم، وأصبح يأنس بلقاء الناس، وشمعى إليه ما استطاع، ولا يبالي أن يقضي الساعة أو الساعتين في محادثات تمضي مع الوقت دون أن يكون لهما أثر في نماء علم، أو إتقان عمل، فإن القاضي الجرجاني من الطبقة التي تلذ العلم، وتأنس بالكتاب، وترى في ذلك غنيمة الحياة، فاقرأ إن شئت قوله: ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليسا ليس شيء أعز عندي من العلـ ... ـم فلا أبتغي سواه أنيسا ولا يضر أمثال القاضي الجرجاني أن يقلل من لقاء الناس، ويؤثر أن يكون للييت والكتاب جليساً، ما دام يحمل في يمينه قلماً يبث به في القراطيس

стр. 1397

ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، فقد حرر بذلك القلم البارع مؤلفات غير كتاب " الوساطة"، منها: "تفسير القرآن المجيد"، وكتاب "تهذيب التاريخ". عاش القاضي الجرجاني في عزة ووجاهة واستقامة، وتوفي سنة ٣٦٦ هـ، وهو قاضي القضاة بالري، وحمل تابوته إلى "جرجان"، ودفن بها، جازاه الله عن إعزازه للعلم خير الجزاء.

стр. 1398

حجَّة الإسلام الغزاليّ (١) هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي. ولد في "طوس" سنة ٤٤٥، وتلقى العلم في بداية أمره على الأستاذ أحمد بن محمد الراذكاني، ورحل إلى "جرجان"، فأخذ عن الأستاذ أبي نصر الإسماعيلي، وعاد إلى "طوس"، فمكث بها نحو ثلاث سنين، وسافر إلى "نيسابور"، فاختلف إلى دروس إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن أبي محمد الجويني، وصرف همته في طلب العلم، فظهر نبوغه في أقرب وقت، وصار من الأعلام المشار إليهم بالبنان في حياة أستاذه إمام الحرمين، ولم يزل ملازمًا له إلى أن توفي سنة ٤٧٨. وخرج أبو حامد من نيسابور إلى "العسكر" حيث يقيم الوزير نظام الملك، فعرف الوزير قدره، وأقبل عليه باحتفاء، وصار فيمن يحضر مجالس الوزير من أفاضل العلماء، وظهر علمه، وعلا ذكره، فولاه التدريس بمدرسته النظامية ببغداد سنة ٤٨٤، فانتقل إلى بغداد، وأقبل على التدريس، فامتلأت قلوب أهل العراق بالإعجاب به، وسمت عندهم مكانته، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق، ولم يكن منه إلا أن نبذ الدنيا وراء ظهره، ولاذ بالزهد سنة ٤٨٨، فرحل من بغداد إلى الحجاز، فأدى فريضة الحج، وتوجه إلى

стр. 1399

الشام، فأقام بدمشق مدة، وانتقل منها إلى بيت المقدس، وبقي في تلك الديار نحو عشر سنين ألف فيها كتبًا قيمة، منها: كتاب "إحياء علوم الدين". ثم قصد مصر، فأقام بالإسكندرية حيناً يقصد - فيما يقال - الركوبَ في البحر إلى بلاد المغرب للاجتماع بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين، ولما بلغته وفاته، عدل عن السفر، ورجع إلى بغداد، وألقى بها دروسًا، ثم انتقل إلى خراسان، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية في "نيسابور"، وعاد بعدُ إلى بلده "طوس"، واتخذ خانقاه للصوفية، ومدرسة لطلاب العلم، وكان يقضي أوقاته في تلاوة القرآن، ومجالسة أهل التقوى، والجلوس للتدريس، إلى أن توفي سنة ٥٠٥ خمس وخمس مئة، ودفن بظاهر الطابران (إحدى بلدتي طوس). ولم يسلم الغزالي في حياته مما يبتلى به أكثر الراسخين في العلم من مناوأة جاهل لا يقدر الرسوخ في العلم قدره، وسعاية زائغ عن الرشد يحرق فؤادَه دعوةٌ إلى الحق خالصة القصد، قوية الحجة، مثل دعوة الغزالي. وقد أشار الحافظ ابن عساكر في كتاب "تبيين كذب المفتري" إلى ما كان الغزالي يقاسيه من مناوأة الخصوم، والسعي به إلى الملوك، وأن الله حفظه وصانه عن أن تنوشه أيدي النكبات، أو ينتهك ستر دينه بشيء من الزلات. وقد أطنب الكاتبون في الثناء على أبي حامد، وبسطوا الحديث عن حياته العلمية، وكتفي هنا بثناء أبي بكر بن العربي عليه في كتاب "قانون التأويل" إذ يقول: "ورد علينا- أي: في بغداد - ذانشمند - يعني: الغزالي -، فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، معرضاً عن الدنيا، مقبلاً على الله تعالى، فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنا

стр. 1400

ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن "الخبر على الغائب فوق المشاهدة" ليس على العموم، ولو رآه علي بن العباس لما قال: إذاما مدحت امرأً غائباً ... فلا تغلُ في مدحه واقصد فإنك إن تغلُ، تغل الظنو ... ن فيه إلى الأمد الأبعد فيصغر من حيث عظَّمته ... لفضل المغيب على المشهد وذكر في كتاب "القواسم والعواصم" بعد الحديث عن مسألة كشف الغيوب، فقال: "فاوضت فيها أبا حامد الغزالي حين لقائي له بمدرسة السلام في جمادى الآخرة سنة تسعين وأربع مئة، وقد كان راضَ نفسه بالطريقة الصوفية من سنة ست وثمانين إلى ذلك الوقت نحواً من خمسة أعوام، وتجرد لها، واصطحب مع العزلة، ونبذ كل فرقة، فتفرغ لي بسبب بيناه في ترتيب الرحلة، فقرأت عليه جملة من كتبه، وسمعت كتابه الذي سماه "الأحياء لعلوم الدين"، فسألت سؤال المسترشد في عقيدته، المستكشف عن طريقته، لأقف من سر تلك الرموز التي أومأ إليها في كتبه على موقف تام المعرفة، وطفق يجاوبني مجاوبة الفاهم لطريق التسديد للمريد؛ لعظيم مرتبته، وسمو منزلته، وما ثبت له في النفوس من تكرمة، فقال لي من لفظه، وكتبه لي بخطه: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس، وتجرد للمعقول، انكشفت له الحقائق، وهذه أمور لا تدرك إلا بالتجربة لها عند أربابها؛ بالسكون معهم، والصحبة لهم" إلخ. للغزالي مؤلفات كثيرة، ومن أنفس ما خطته يده كتاب "الإحياء"، وقد ألف الغزالي هذا الكتاب بعد أن درس الفلسفة، واستقصى ما عند أهلها، ويعد

стр. 1401

أن أقبل بهمة على طريق الصوفية، فطالع كتبهم؛ مثل: "قوت القلوب" لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المنثورة عن الجنيد، والشبلي، وأبي يزيد البسطامي، وظهر عنده أن لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، ثم واظب على العزلة والخلوة. فلا عجب أن يبلغ كتاب "الإحياء" في الغوص على أسرار الشريعة، والبحث عن دقائق علم الأخلاق وأحوال النفس، غاية بعيدة، فكتاب "الإحياء" من صنع عقل نشأ في قوة، ورسخ في علوم الشريعة، وخاض في العلوم العقلية، فوقف على كبيرها وصغيرها، وفرق بين سليمها ومعيبها، وخلص بعد هذا من كدور الهوى، وظلمات الحرص على عرض الدنيا. وقد كان الناقدون لكتاب "الإحياء" يعيبونه بما احتواه من بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وربما اعتذروا عن مؤلفه بأنه لم يكن طويل الباع في علم الحديث، بل نقلوا عنه أنه كان يقول عن نفسه: "أنا مزجي البضاعة في علم الحديث". وقد قام بإصلاح هذا النقص الحافظ العراقي، زين الدين عبد الرحيم، فألف في تخريج أحاديثه كتاباً في مجلدين، ثم اختصره في مجلد سماه "المغني عن حمل الأسفار في الأسفار". وإذا وجد العلماء في كتاب "الإحياء" مآخذ معدودة، فإنه من صنع بشر غير معصوم من الزلل، وكفى كتاب "الإحياء" فضلاً وسموَّ منزلة أن تكون درر فوائده فوق ما يتناوله العد، وأن يظفر منه طلاب العلم وعشاق الفضيلة بما لا يظفرون به من كتاب غيره، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].

стр. 1402

أبو بكر بن العربي (١) أخرجت معاهد العلم في بلاد الشرق رجالاً خدموا الإسلام بصدق روايتهم، واستقلال أنظارهم، وشجاعتهم في الدعوة إلى الحق، وصبرهم على ما يلاقون في سبيل ذلك من الأذى، ورزقوا بعد هذا خلقاً سامياً، وازدراء لكل ما لا يدنيهم من مجادة في الدنيا، أو سعادة في الأخرى. وفي مقدمة هذه الطبقة- فيما أرى- القاضي أبو بكر بن العربي، وهو محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن أحمد بن العربي الإشبيلي الأندلسي. * مولده ونشأته: ولد صاحب الترجمة بإشبيلية سنة ٤٦٨، وكان والده عبد الله بن محمد من العلماء الذين أحرزوا في دولة بني عباد حظوة وصدارة، فنشأ أبو بكر في بيئة علم وفضل، وفي بيت يتصل بسياسة الدولة، وذلك مما يهيئ صاحب الفطرة السليمة كأبي بكر بن العربي لأن ينبغ في العلم، ويسبق إلى ذروة المجد. بلغ أبو بكر سنّ التعلم، فأخذ عن أبيه عبد الله، وخاله أبي القاسم الحسن الهوزني، وأبي عبد الله السرقسطي، وقرأ القراءات، وأخذ حظاً عظيماً من علوم

стр. 1403

العربية وآدابها، ونقل عنه أنه قال: لم أرحل من الأندلس حتى أحكمت كتاب سيبويه. * رحلته إلى الشرق: لما انقرضت دولة بني عباد بإشبيلية، رحل به أبوه إلى الشرق وسنّه يومئذ ١٧ سنة، ودخل بلاداً كانت مشرقة بنور العلم، فأخذ عن أجلَّة علمائها، مثل "بجاية"، و"المهدية" بإفريقية، ثم الاسكندرية ومصر والشام والعراق والحجاز، وقفل راجعاً إلى وطنه، فلما وصل إلى الإسكندرية، توفي بها أبوه، وعاد إلى وطنه، والناس في أشد الحاجة إليه، وقضى في رحلته ثماني سنين في إحدى الروايات، وعشراً في بعضها. قال القاضي أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد: لما رحلت إلى قرطبة، قرأت على الحافظ أبي بكر، ولزمته، فسمعني ذات يوم أذكر الانصراف إلى وطني بالمرية، فقال لي: ما هذا القلق؟! أقم حتى يكون لك في رحلتك عشرة أعوام كما كان لي. * لقاؤه في رحلته أبا حامد الغزالي: قال ابن العربي في "قانون التأويل": ورد علينا ذانشمند - يعني: أبا حامد الغزالي-، فنزل في رباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، معرضاً عن الدنيا، مقبلًا على الله تعالى، فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر على الغائب فوق المشاهدة، ليس على العموم، ولو رآه علي بن العباس لما قال:

стр. 1404

إذا مدحت امرأ غائباً ... فلا تغل في مدحه واقصد فإنك إن تغل تغل الظنو ... ن فيه إلى الأمد الأبعد فيصغر من حيث عظَّمْته ... لفضل المغيب على المشهد ولم يمنع أبا بكر إجلالُه للغزالي أن يناقشه في كثير من المسائل، كما أنكر عليه قوله في كتاب "الإحياء": "ما في الإمكان أبدع مما كان (١) "، وقال: "ونحن وإن كنا قطرة في بحره، فلا نرد عليه إلا بقوله، فسبحان من كمل شيخنا بفواضل الخلائق، ثم صرف به عن هذه الواضحة في الطرائق". * رجوعه إلى الأندلس: عاد أبو بكر إلى الأندلس والنفوس إليه متطلعة، فوجدوه في العلم بحرًا زاخرًا، وفي الأدب قمراً زاهراً، فلقي منهم إقبالاً، وشملته منهم حظوة، ولسعة علمه، وقوة حفظه لما كان يرويه من الأحاديث والآثار، وقع في وهم بعض من لم يبلغ هذه الدرجة أن أبا بكر قد يروي ما لم يسمع، فقال: يا أهل حمص (٢) ومن بها أوصيكم ... بالبر والتقوى وصية مشفق فخذوا عن العربي أسمار الدجى ... وخذوا الرواية عن إمام مشفق إن الفتى ذرب اللسان مهذب ... إن لم يجد خبراً صحيحاً يخلق * شدة ارتياحه لرحلته: ذكر أبو بكر مسألة استياك الصائم بعد العصر، وأورد الخلاف الذي

стр. 1405

جرى فيها بين المالكية والشافعية، وما استفاده من بعض علماء بغداد في وجهة نظر المالكية، وقال: لو لم أستفد في رحلتي إلا هذه المسألة، لكفاني. * اتصاله بالسلطان: لازم أبو عبد الله بن المجاهد مجلس أبي بكر نحواً من ثلاثة أشهر، ثم تخلف عنه، فسئل عن سبب تخلفه، فقال: كان - يعني: أبا بكر - يدرس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب للسلطان، والواقع أن اتصال العالم المتين في علمه وتقواه بالسلطان لا يأتي إلا بخير، فهنالك تكون النصيحة التي تكف شراً عظيماً، أو تثمر خيراً عاماً. * ولايته قضاء إشبيلية: تقلد منصب قاضي القضاة بإشبيلية، فأقام ميزان العدل، وضبط الأمور بيد الحزم، والتزم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يخاف لومة لائم، وربما صدرت عنه أحكام صارمة، كما روي أنه عاقب زمّاراً بثقب شدقه. قال القاضي عياض يتحدث عن ابن العيي: "واستقضي ببلده، فنفع الله به أهلها؛ لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة، وتؤثر عنه في قضائه أحكام غريبة". * محنته: كان قد ألزم الناس بإحضار جلود ضحاياهم لإصلاح جانب من سور إشبيلية قد تهدم، ولم يكن هناك مال، فأحضروها وهم مكرهون، وبلغ من غيظ العامة أن أضمروا له شراً، وهجموا على منزله، ونهبوا أمواله وكتبه، ولولا أنه فرّ من ظهر البيت، لآذوه في نفسه. والعبرة في هذه القصة: أن علماء الإسلام كانوا يوجهون أنظارهم
следующие страницы →