أن أقبل بهمة على طريق الصوفية، فطالع كتبهم؛ مثل: "قوت القلوب" لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المنثورة عن الجنيد، والشبلي، وأبي يزيد البسطامي، وظهر عنده أن لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، ثم واظب على العزلة والخلوة.
فلا عجب أن يبلغ كتاب "الإحياء" في الغوص على أسرار الشريعة، والبحث عن دقائق علم الأخلاق وأحوال النفس، غاية بعيدة، فكتاب "الإحياء" من صنع عقل نشأ في قوة، ورسخ في علوم الشريعة، وخاض في العلوم العقلية، فوقف على كبيرها وصغيرها، وفرق بين سليمها ومعيبها، وخلص بعد هذا من كدور الهوى، وظلمات الحرص على عرض الدنيا.
وقد كان الناقدون لكتاب "الإحياء" يعيبونه بما احتواه من بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وربما اعتذروا عن مؤلفه بأنه لم يكن طويل الباع في علم الحديث، بل نقلوا عنه أنه كان يقول عن نفسه: "أنا مزجي البضاعة في علم الحديث".
وقد قام بإصلاح هذا النقص الحافظ العراقي، زين الدين عبد الرحيم، فألف في تخريج أحاديثه كتاباً في مجلدين، ثم اختصره في مجلد سماه "المغني عن حمل الأسفار في الأسفار".
وإذا وجد العلماء في كتاب "الإحياء" مآخذ معدودة، فإنه من صنع بشر غير معصوم من الزلل، وكفى كتاب "الإحياء" فضلاً وسموَّ منزلة أن تكون درر فوائده فوق ما يتناوله العد، وأن يظفر منه طلاب العلم وعشاق الفضيلة بما لا يظفرون به من كتاب غيره، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
стр. 1402
أبو بكر بن العربي (١)
أخرجت معاهد العلم في بلاد الشرق رجالاً خدموا الإسلام بصدق روايتهم، واستقلال أنظارهم، وشجاعتهم في الدعوة إلى الحق، وصبرهم على ما يلاقون في سبيل ذلك من الأذى، ورزقوا بعد هذا خلقاً سامياً، وازدراء لكل ما لا يدنيهم من مجادة في الدنيا، أو سعادة في الأخرى. وفي مقدمة هذه الطبقة- فيما أرى- القاضي أبو بكر بن العربي، وهو محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن أحمد بن العربي الإشبيلي الأندلسي.
* مولده ونشأته:
ولد صاحب الترجمة بإشبيلية سنة ٤٦٨، وكان والده عبد الله بن محمد من العلماء الذين أحرزوا في دولة بني عباد حظوة وصدارة، فنشأ أبو بكر في بيئة علم وفضل، وفي بيت يتصل بسياسة الدولة، وذلك مما يهيئ صاحب الفطرة السليمة كأبي بكر بن العربي لأن ينبغ في العلم، ويسبق إلى ذروة المجد.
بلغ أبو بكر سنّ التعلم، فأخذ عن أبيه عبد الله، وخاله أبي القاسم الحسن الهوزني، وأبي عبد الله السرقسطي، وقرأ القراءات، وأخذ حظاً عظيماً من علوم
стр. 1403
العربية وآدابها، ونقل عنه أنه قال: لم أرحل من الأندلس حتى أحكمت كتاب سيبويه.
* رحلته إلى الشرق:
لما انقرضت دولة بني عباد بإشبيلية، رحل به أبوه إلى الشرق وسنّه يومئذ ١٧ سنة، ودخل بلاداً كانت مشرقة بنور العلم، فأخذ عن أجلَّة علمائها، مثل "بجاية"، و"المهدية" بإفريقية، ثم الاسكندرية ومصر والشام والعراق والحجاز، وقفل راجعاً إلى وطنه، فلما وصل إلى الإسكندرية، توفي بها أبوه، وعاد إلى وطنه، والناس في أشد الحاجة إليه، وقضى في رحلته ثماني سنين في إحدى الروايات، وعشراً في بعضها.
قال القاضي أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد: لما رحلت إلى قرطبة، قرأت على الحافظ أبي بكر، ولزمته، فسمعني ذات يوم أذكر الانصراف إلى وطني بالمرية، فقال لي: ما هذا القلق؟! أقم حتى يكون لك في رحلتك عشرة أعوام كما كان لي.
* لقاؤه في رحلته أبا حامد الغزالي:
قال ابن العربي في "قانون التأويل": ورد علينا ذانشمند - يعني: أبا حامد الغزالي-، فنزل في رباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، معرضاً عن الدنيا، مقبلًا على الله تعالى، فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر على الغائب فوق المشاهدة، ليس على العموم، ولو رآه علي بن العباس لما قال:
стр. 1404
إذا مدحت امرأ غائباً ... فلا تغل في مدحه واقصد
فإنك إن تغل تغل الظنو ... ن فيه إلى الأمد الأبعد
فيصغر من حيث عظَّمْته ... لفضل المغيب على المشهد
ولم يمنع أبا بكر إجلالُه للغزالي أن يناقشه في كثير من المسائل، كما أنكر عليه قوله في كتاب "الإحياء": "ما في الإمكان أبدع مما كان (١) "، وقال: "ونحن وإن كنا قطرة في بحره، فلا نرد عليه إلا بقوله، فسبحان من كمل شيخنا بفواضل الخلائق، ثم صرف به عن هذه الواضحة في الطرائق".
* رجوعه إلى الأندلس:
عاد أبو بكر إلى الأندلس والنفوس إليه متطلعة، فوجدوه في العلم بحرًا زاخرًا، وفي الأدب قمراً زاهراً، فلقي منهم إقبالاً، وشملته منهم حظوة، ولسعة علمه، وقوة حفظه لما كان يرويه من الأحاديث والآثار، وقع في وهم بعض من لم يبلغ هذه الدرجة أن أبا بكر قد يروي ما لم يسمع، فقال:
يا أهل حمص (٢) ومن بها أوصيكم ... بالبر والتقوى وصية مشفق
فخذوا عن العربي أسمار الدجى ... وخذوا الرواية عن إمام مشفق
إن الفتى ذرب اللسان مهذب ... إن لم يجد خبراً صحيحاً يخلق
* شدة ارتياحه لرحلته:
ذكر أبو بكر مسألة استياك الصائم بعد العصر، وأورد الخلاف الذي
стр. 1405
جرى فيها بين المالكية والشافعية، وما استفاده من بعض علماء بغداد في وجهة نظر المالكية، وقال: لو لم أستفد في رحلتي إلا هذه المسألة، لكفاني.
* اتصاله بالسلطان:
لازم أبو عبد الله بن المجاهد مجلس أبي بكر نحواً من ثلاثة أشهر، ثم تخلف عنه، فسئل عن سبب تخلفه، فقال: كان - يعني: أبا بكر - يدرس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب للسلطان، والواقع أن اتصال العالم المتين في علمه وتقواه بالسلطان لا يأتي إلا بخير، فهنالك تكون النصيحة التي تكف شراً عظيماً، أو تثمر خيراً عاماً.
* ولايته قضاء إشبيلية:
تقلد منصب قاضي القضاة بإشبيلية، فأقام ميزان العدل، وضبط الأمور بيد الحزم، والتزم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يخاف لومة لائم، وربما صدرت عنه أحكام صارمة، كما روي أنه عاقب زمّاراً بثقب شدقه.
قال القاضي عياض يتحدث عن ابن العيي: "واستقضي ببلده، فنفع الله به أهلها؛ لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة، وتؤثر عنه في قضائه أحكام غريبة".
* محنته:
كان قد ألزم الناس بإحضار جلود ضحاياهم لإصلاح جانب من سور إشبيلية قد تهدم، ولم يكن هناك مال، فأحضروها وهم مكرهون، وبلغ من غيظ العامة أن أضمروا له شراً، وهجموا على منزله، ونهبوا أمواله وكتبه، ولولا أنه فرّ من ظهر البيت، لآذوه في نفسه.
والعبرة في هذه القصة: أن علماء الإسلام كانوا يوجهون أنظارهم
стр. 1406
إلى المصالح العامة، ولاسيما وسائل حماية البلاد من أن تمتد إليها يد عدوّ لا يرعى فيها عهداً، ولا تأخذه بها رأفة، وكم من عالم قد قرأنا في تاريخ حياته أنه مات شهيداً في سبيل الدفاع عن دينه ووطنه!.
وتومئ هذه الواقعة إلى أن الناس هم الناس، قد يبخلون بالأمر الحقير عن الأمور الهامة الجليلة، ويبلغ بهم البخل أن يبغضوا الداعي إلى الإصلاح، ويعملوا جهدهم في إيذائه ما استطاعوا.
* إقباله على نشر العلم:
صرف صاحب الترجمة من القضاء، وانتقل إلى قرطبة، وأقبل على نشر العلم غيرآسف على القضاء، وكان يقول: "إن القاضي إذا ولي القضاء عامين، نسي أكثر مما كان يحفظ، فينبغي له أن يعزل، وأن يتدارك نفسه".
وكنت وليت في تونس قضاء "بنزرت" وملحقاتها، فأحسست أن هذه الولاية ستقف بي في العلم عند حد، وصغرت في عيني، فاستقلت منها بعد أن قمت بواجبها نحو سنة وأربعة أشهر، ورجعت إلى الحاضرة، وأقبلت على التدريس بجامع الزيتونة.
وكان صاحب الترجمة منقطعاً للبحث والمطالعة، حتى إنه كان يضع الكتب عن يمين الفراش وشماره، ولا يطفئ المصباح، وإذا غلبه النوم، نام، ومهما استيقظ، مد يده إلى كتاب (١).
وممن أخذ عن ابن العربي، وسمع منه: القاضي عياض، والإمام السهيلي صاحب "الروض الأنف".
стр. 1407
* رسوخه في الأدب:
قد عرفنا أن أبا بكر قد درس علم الأدب قبل رحلته، وقرأنا من رحلته: أنه قرأ الأدب على التبريزي، ثم إن من ينظر في الجمل البليغة التي تجيء في مؤلفاته، يدرك أنها صادرة من أديب جال في منظوم البلغاء ومنثورهم جولة واسعة، وله شعر جيد، ولا ينتظر ممن يقضي الوقت في بحث العلوم ودراستها أن يأتي من الشعر بمثل ما يأتي به أبو تمام وابن الرومي.
* انتفاعه بالأدب في بعض الشدائد:
ذكر ابن العربي في كتاب "قانون التأويل" ركوبه البحر في رحلته من إفريقية، وحكى أن البحر عظم عليهم، وتلاطمت بهم أمواجه، فوقعوا في هول كبير، ولكن الله سلم، فخرجوا منه خروج الميت من القبر، وانتهوا بعد شدة إلى بيوت بني كعب بن سليم، ووقف ابن العربي على باب أميرهم، فوجده يدير أعواد الشاه (الشطرنج)، فدنا منه، وأشار على الأمير بتحريك قطعة، فعارضه صاحبه؛ فأشار عليه بتحريك قطعة أخرى، فهزم الأمير صاحبه (١)، وأضاف إلى هذا أحاديث من الأدب الرائق، فعظم في عين الأمير، فأقبل يتعجب منه، ويسأله عن سنه، ويستكشف حاله، فأخبره بما لاقوه من هول البحر، فاستدعى أباه، وبالغ في إكرامهم؛ قال أبو بكر: فانظر إلى هذا العلم - يعني: التلهي بالشطرنج - الذي هو إلى الجهل أقرب، مع تلك الصبابة اليسيرة من الأدب، كيف أنقذا من العطب.
* رأيه في طريقة التعليم:
يرى أبو بكر تقديم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم، ثم ينتقل
стр. 1408
منه إلى درس الحساب، ثم ينتقل منه إلى درس القرآن، ثم ينظر في أصول الدين، ثم في أصول الفقه، ثم الجدل، ثم الحديث وعلومه.
ومن رأيه: أن لا يخلط في التعليم علمان إلا أن يكون المتعلم قابلاً لذلك بجودة الفهم والنشاط، وأنكر على علماء بلده الذي يأخذون الصبي في أول أمره بكتاب الله، حيث إنه يقرأ ما لا يفهم.
قال ابن خلدون: وهو لعمري مذهب حسن، إلا أن العوائد لا تساعد عليه، ثم قال: ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثار للتبرك والثواب، وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم، فيفوته القرآن؛ لأنه ما دام في الحجر منقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ، وانحل من ريقة القهر، فربما عصفت به رياح الشبيبة، فألقته بساحل البطالة.
ولو أعطي جانب من أوقات الطفل إلى تعلم القرآن، وجانب منها إلى أخذ مبادئ من علم الحساب، وعلوم اللغة، ومختارات من الشعر، لكان خيراً.
* مؤلفاته:
المصنفون كثير، أما الذين يكتبون على بينة مما يكتبون، فيتقنون الرواية إذا رووا، ويراعون قانون أدب البحث إذا استنبطوا، فليسوا بكثير، ومن أهل هذه الطبقة أبو بكر بن العربي، فإنك لا تفتح كتاباً من مؤلفاته إلا وجدت علماً غزيراً، ونقداً عادلاً، وفكراً يتصرف في حرية، وعبارات على إيجازها تجعل ما أشكل من المسائل صبحاً بيناً، ومن مؤلفاته كتاب "أحكام القرآن"، وكتاب "القبس"، وكتاب "ترتيب المسالك" (كلاهما شرح
стр. 1409
لموطأ مالك) و"عارضة الأحوذي في شرح متن الترمذي"، و"قانون التأويل" (١)، و"أنوار الفجر" (كلاهما تفسير للقرآن المجيد)، وكتاب "النيرين في الصحيحين"، وكتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف"، إلى غير هذا من الكتب القيمة.
ولأبي بكر هذا فضل في انصرافي عن دراسة علوم الدين دراسة تقليد ومتابعة، شأن من لا يزيد في التفقه على قراءة مثل "مختصر خليل" وشروحه وحواشيه، ذلك أني اتصلت بمكتبة خالي وأستاذي المرحوم الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز، واستعرت منها كتاب "العارضة"، وكتاب "القبس"، وجزءاً من "ترتيب المسالك" (٢) ثم اتصلت بمكتبة صديقي العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام المالكي بتونس لهذا العهد، واستعرت منها كتاب "الأحكام"، وكتاب "العواصم من القواصم"، فأعجبت بطريقة المؤلف في التأليف، ووجدتها الطريقة التي تنهض بالفكر حتى يكون مثمراً؛ بل الطريقة التي تحبب إلى ذي الفطرة السليمة دراسة العلوم الدينية، والواقع أن هذه الكتب كانت أول ما أخذني إلى النظر في علوم الشريعة بتلهف، بعد أن كنت قد انقطعت إلى علوم اللغة العربية وآدابها.
* أخلاقه:
يجمع أبو بكر إلى غزارة العلم: "أدب الأخلاق، وحسن المعاشرة، ولين الكتف، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود" (٣).
стр. 1410
* وفاته:
بعد أن استولى الموحدون على مدينة إشبيلية فيما استولوا عليه من بلاد الأندلس، توجه أبو بكر بن العربي مع جماعة من أهل بلده إلى المغرب الأقصى، فأدركته المنية هناك، ودفن بفاس خارج باب المحروق، وقبره معروف، قال المقرري في "أزهار الرياض": وقد زرته مراراً. أفاض الله على قبره رحمة ونوراً.
стр. 1411
أحمد تيمور باشا (١)
أقف موقف التأبين لعظيم من أولئك العظماء الذين لا يسمح بهم الزمان إلا في أوقات نادرة، ليكونوا مُثلاً عالية لكمال الإنسان، حتى إذا قدر النبهاء من الناس أقدارهم، وأخذوا ينحون في بناء الشرف نحوهم، ورحلوا إلى دار السلام عند ربهم وغادروا القلوب تحترق أسفًا، والأكباد تتقطع تلهفاً.
لا أستطيع أن أرسم في هذا المقام صورة تمثل أو تكاد تمثل كمال الفقيد من كل ناحية، وإنما هي كلمة أصف بها جانباً من خصاله الحميدة، عسى أن يكون في إلقائها تذكرة لطلاب الفضيلة من أبنائنا الناهضين.
في سنة ١٣٤٠ زرتُ المكتبة الزكية وهي في جناح من دار الكتب المصرية، فلقيت هنالك صاحب السعادة أحمد تيمور باشا، فجرى بيننا تعارف، وسرعان ما انقلب التعارف وداً، وما برح الود ينمو حتى أخصب، وصار الصداقة التي يرتاب في وجودها بعض المتأدبين، ويزعم أنها ثالثة الغول والعنقاء، فإذا تحدثت عن شيء من كمال الفقيد، فإنما أتحدث عما كنت أشهده المرة بعد الأخرى، وأقرؤه في سريرته سافراً لا أجد دون قراءته ساتراً.
стр. 1412
* حياته الخلقية:
تلاقي العلامة الكبير أحمد تيمور باشا، فتشهد طلاقة محيا، وابتسامة تملأ ناظريك أنساً، فإذا مد يده إلى مصافحتك، انحنى قليلاً ليخالف عادة المترفين الذين يرفعون رؤوسهم في شيء من التعاظم والخيلاء.
وفي الناس من تجلس إليه ساعة من ليل أو نهار، فلا يلبث أن ينطلق في حديثه إلى شيء من الافتخار بما عنده، أما تيمور باشا، فحرام أن تسمع منه كلمة تومئ إلى فخر، ولو من طريق بعيد.
عرف الفقيد بالتواضع، وهو الخلق الذي كان يجذب إليه قلوب أهل الفضل لأول ما تقع عليه أبصارهم، وأقول الساعة: إنه كان يتواضع في ألمعية وحكمة، وربما خفض جناح التواضع لذي فطرة سليمة لا يقيم له أولو النعمة وزنًا، أكثر مما يخفضه لذي جاه نافذ أو مقام نبيه، وله مع هذا التواضع مقامات يمثل فيها شمم العلماء، وعزة المؤمنين.
يزدري الفقيد مظاهر الأبهة التي تهوي إليها أفئدة كثير ممن هم عن طريق الحمد غافلون، وإذا أصبح يؤثر العزلة إلا قليلاً، فإنه ما برح يخوض غمار الاجتماع بما يقدمه من نتائج عرفانه وجلائل إحسانه.
يأخذ الفقيد بسنّة الوصل والقطع في الله، ويسير على هذه السنّة بعزم لا يهن، وقدم لا يتزلزل، وأسوق على هذا: أنه كان قد اشترك في صحيفة من صحف الأقطار البعيدة عن مصر، فجاءته يوماً تحمل مدحاً له وثناء، لكنها سمَّت في مقام آخر الخروج على الإسلام إصلاحاً، والخارجين عليه مصلحين، فما كان منه إلا أن أعادها قاطعاً الاشتراك فيها، وقال: لا حاجة له في مدح صحيفة تطعن في الشريعة الغراء.
стр. 1413
عرف الفقيد بالتؤدة والرصانة، ومن أجلى ما يتمثل فيه هذا الخلق العظيم: أنه كان يحتفظ بالآداب القومية، ويأبى أن يستبد بها آداباً غير شرقية، فما كان ليضع في تاريخ الرسائل إلا الشهر العربي، والسنة الهجرية، ولو كانت الرسائل موجهة إلى شركة أجنبية.
وهذا مثال صغير ينبئكم عما وراءه من الاعتزاز بالقومية، وهل يحتقر الرجل قوميته بأكثر من أن يولع بتقليد قوم آخرين، ويحاكيهم فيما لا مدخل له في علو شأنهم وقوة سلطانهم؟.
ومن الأخلاق الضائعة في الشرق، إلا بين طبقة خاصة من الناس: خصلة القيام على الوعد، وصيانته من الإخلاف، وكان الفقيد يرعى هذه الخصلة حق رعايتها، فإذا قطع وعدًا في أمر جليل أو حقير، وجد في نفسه مذكرًا فطرياً حتى يكون الوعد ناجزاً، ولطول ما صحبناه على هذا الخلق الحازم لم نرتب فيما إذا عين وقتاً للّقاء أن يكون عند الوقت حاضراً.
يرعى الفقيد عهد إخوانه، ويبذل ما استطاع في قضاء ما يهمهم، ولا أنسى أن أمراً اقتضى سفري إلى الإسكندرية، وأشفق ﵀ من أن لا أهتدي طريق الوصول إليه، فأزمع السفر، ولا داعي له إلى هذا السفر إلا عاطفة المودة، وأمتعني بمرافقته ذهاباً وإياباً.
يزن تيمور باشا الرجال كما يزنهم غيره ليعلم أيهم أرجح في الفضل وزنًا، ولكنه لا يضع في جانب ما يفضل به قدر الرجل شيئاً غير العلم وسلامة العقيدة ومكارم الأخلاق، هذا قانون الفضل في رأي الفقيد، واحترامه القلبي والعملي للأشخاص، وإلقاؤه إليهم بالمودة لا يخرج عن حدود هذا القانون.
стр. 1414
ينفق الفقيد في وجوه البر بأريحية وبسط راحة، وإذا لم يظهر من إحسانه إلا ما يهبه لبعض الجمعيات الخيرية أو الأدبية، فإن المتواري منها؛ كالذي يسعف به ذوي الحاجات من الأسر والأفراد شيء كثير، ومن شواهد إخلاصه فيما ينفق: أنه كان يهب لبعض الجمعيات الإصلاحية في المرة الواحدة نحو الخمسين ديناراً، أو المئة دينار، وإذا جاءه من تسلم منه المبلغ بإيصال من الجمعية، أبى أن يقبله، وقال له: مزقه إن شئت، ولا وجه لكتابته، فضلاً عن الاحتفاظ به.
في الفقيد صبر جميل، وما هو على الحياة بحريص، كنت أزوره وهو على فراش مرَض خطير، فإذا تجاوزت باب الغرفة مقبلاً، هبّ على وجهه ابتسام يعقبه تحية، فمحادثته خالية من شكوى المرض، أو الضجر من مصابه.
يرتاح الفقيد للطرف الأدبية، ويوردها في المجلس حسب اقتضاء المقام، ولكنني لم أره يداعب في محادثته قريباً أو صديقاً، فضلاً عمن يلاقونه في أوقات نادرة، ونظره الصائب في هذه الحياة، ورسوخ طبيعة الجد في نفسه قد جعلاه لا يألف إلا حديثاً في علم أو أدب، أو شأن من شؤون الاجتماع، وهما اللذان جعلاه لا يشغل شيئاً من وقته في لهو، ولم أر قط في منزله نرداً، أو شطرنجاً، أو نحوهما من الملاهي التي تأكل عمر المغرم بها أكل النار للهشيم.
يتحدث الفقيد في صوت منخفض هادئ، وهو يملك أن يداري، فيبسط وجهاً رحباً، ولساناً بالتحية أو الحديث رطباً، وليس في استطاعته أن يداهن، فيقول للمسيء: أحسنت، أو للمخطئ: أصبت، وإذا منعه حياؤه
стр. 1415
الرقيق من أن يصارح جليسه بالتخطئة في علم أو رأي، فإنه يسلك في تنبيهه على الخطأ طريقة رفيقة بعيدة عن هيئة المعارضة، وليس من شأنها أن تجزَّ إلى مناقشة.
* حياته العلمية:
إذا كان نبوغ الرجل في العلم على قدر صفاء قريحته، وحرصه على أن يعلم ما لم يعلم، فحظ الفقيد من هاتين المزيتين عظيم.
كان ﵀ وضيء الفكر، ذا رغبة متناهية في أن يزداد كل يوم علماً، وقد هيأ الله له أن أنشا تلك المكتبة الحافلة بالكتب القيمة، فلا جرم أن كان العلامة الذي يقف دون شأوه كثير من فرسان البراعة والتحرير.
يطلب فريقٌ العلمَ لليسار، والفقيد محفوف باليسار من قبل أن يطلب العلم.
ويطلبه فريق للمنصب، والفقيد تصافحه المناصب، فيسل يده من مصافحتها.
ويطلبه آخرون للمباهاة، وما بين الفقيد والمباهاة مثل ما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصاع.
إذن لم يطلب تيمور باشا العلم إلا لفضيلته، ومن طلب العلم لفضيلته يريد أن لا يدع ثمرة من ثمره إلا قطفها، ولا زهرة من أزهاره إلا تنسمها.
كنت أزوره وهو على فراش مرض أشار عليه الأطباء فيه بإلتزام السكون، وإراحة الفكر من كل عمل، فأرى بجانب قوارير الأدوية كتبا كثيرة، ويقول لي: إني لا أستطيع الانقطاع عن المطالعة، ولكن نظراً لإشارة الطبيب أقتصر
стр. 1416
على مطالعة الكتب التي لا تستدعي إجهاد فكر؛ ككتب الأدب والتاريخ.
لا يقنع الفقيد في بحث الموضوعات العلمية حتى يبلغ الأمد الأقصى، فيمعن في البحث، ويتقصى أثر الموضوع من الكتب التي شأنها التعرض له حتى يلم به من كل ناحية، وهذه مقالات الآثار النبوية التي حررها في "مجلة الهداية الإسلامية"، وهي آخر موضوع خاض فيه قلمه الأمين، لم يكتف فيها بما استمده من كتب الحديث والسيرة والتاريخ والأدب، فكان يبعث برسائل إلى سورية وفلسطين وتونس وغيرها من البلاد، ويسأل عما يوجد هنالك مما يدَّعى أنه آثار نبوية، وكان ينقد ما يورده في هذا القصد، ويضعه في الدرجة التي يستحقها بحكم آداب البحث.
يتلقى الفقيد نقد آرائه بأناة وطمانينة شأن من يخدم العلم بإخلاص، ولا يهمه إلا أن تظهر الحقائق سافرة كما هي، وليس من سمائه ولا أرضه الحرص على أن يعتقد فيه الناس العصمة من الخطأ، وإنما هو دأب المرائي في العلم، ينزعج من نقد آرائه، فيثور للدفاع عنها، وإن استيقنت نفسه أنها الباطل، مكشراً عن أنيابه تحت وضح البرهان.
عرف الفقيد بسعة الاطلاع، ودقة البحث، فكان كالوادي الخصب ينتجعه الباحثون في الشرق والغرب، فيجدون عنده ما يكشف الحيرة، ويجعل النفس في قرار من العلم.
وله بعد أجوبة المسترشدين مقالات علمية كان ينشرها بالصحف: "المؤيد" و"الهلال"، و"المقتطف"، و"المقتبس" ومجلة "الزهراء"، و"الفتح"، ومجلة "المجمع العلمي"، ومجلة "الهداية الإسلامية".
أما مؤلفاته، فهي "ذيل طبقات الأطباء"، و"تاريخ رجال القرن الثالث
стр. 1417
عشر والرابع عشر"، و"نظرة تاريخية في انتشار المذاهب الأربعة"، و"تاريخ الطائفة اليزيدية"، و"تاريخ العلم العثماني"، و"نقد القسم التاريخي لدائرة معارف فريد وجدي بك"، و"لُعب العرب"، و"التصوير عند العرب"، و"تراجم المهندسين من العرب"، و"معجم اللغة العامية"، والقصد من هذا التأليف: الرد على من يدعون إلى إقامة العامية مقام العربية الفصحى بدعوى أنه يوجد في العامية من الكلمات ما ليس له في اللغة الفصحى من رديف، و"معجم الفوائد"، وهو كتاب يشتمل على مسائل قيمة من علوم شتى، و"البرقيات"، وهو كتاب يحتوي على الكلمات التي يدل كل مفرد منها على معان متعددة، و"حياة أبي العلاء المعري وعقيدته"، و"مفتاح الخزانة".
يغار الفقيد على اللغة العربية، ويحرص على أن تكون نقية من الألفاظ الأجنبية، وكان من أجل هذا يتحامى أن يضع- ولو في رسائله المعتادة- كلمة غير عربية فصيحة، فكان يعبر عن التليفون - مثلاً - بالهاتف، كتب لي من الإسكندرية في الصيف الماضي: "رقم الهاتف (٧٥٧) البلد"، بل يعبر عن الجنيه بالدينار، كتب لي من هنالك: "سرني إقامة حفلة لمرور سنة على مجلة "الهداية الإسلامية"، وأتبرع لهذه الحفلة بعشرة دنانير"، وكان يعجبه أن يكتب كاتب الجمعية أو اللجنة في التواضع: (كاتم السر) بدل كلمة (السكرتير).
للفقيد ﵀ عناية بالآثار العلمية، فاجتمع في مكتبته من المؤلفات والأوراق المشتملة على خطوط العلماء ما لا أحسبه يوجد في مكتبة شرقية غيرها، وأذكر بهذه المناسبة: أني كنت أنهيت "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" بقلم ذي مداد أحمر (كوبية)، ونظمت أبياتاً على لسان
стр. 1418
القلم (١) وكتبتها بنفس القلم، وأهديته مع الأبيات إلى المكتبة التيمورية، فتلقاها الفقيد بارتياح، ووضعها في معرض الآثار العلمية، وقبل وفاته بيوم زار نادي الجمعية، ومعه الصحيفة المكتوب بها الأبيات، وقد تطاير أكثر حروفها، وأبدى رغبته في أن تعاد بمداد ثابت.
درس الفقيد الشريعة الإسلامية على النحو الذي يجعل لها في النفوس مكانة، فأخذ احترامها بمجامع قلبه، وكانت غيرته عليها بالغة، وهذا ما كان يهز أريحيته لمساعدة الجمعيات والصحف التي يقصد بها تقويم المنحرفين عن الدين الحنيف، وما قبل أن يكون عضواً في مجلس إدارة جمعية الهداية الإسلامية إلا ليساعدها برأيه وجاهه، كما كان يساعدها بعلمه ونواله.
هذه كلمة تصف شيئاً من كمال المرحوم أحمد تيمور باشا، ألقيها بقلب ملؤه الأسف لفراقه، والإعجاب بسيرته، ونرجو الله تعالى أن لا يبقي النهضة الإصلاحية كطائر هيض جناحه، أو بطل ضاع سلاحه، وأن يمتع الفقيد بواسع رحمته وحمده، ويجعل نجليه الماجدين قرة أعين أهل الفضل من بعده، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1419
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(٦)
«الشَّريْعَةُ الإسْلاميَّةُ صَالِحَة لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَان»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 1420
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 1421
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
" من روائع الفكر المؤمن للإمام العلامة المرحوم محمد الخضر حسين مباحث دينية في أصول الدين، وأصول الفقه، والأحكام العملية، والفتاوى، بعضها ألقيت محاضرات في قسم التخصص بكلية أصول الدين إحدى كليات الجامع الأزهر، أو في نواد وجمعيات إسلامية مختلفة، وبعضها نشرت مقالات في مجلتي "نور الإِسلام" التي كان يرأس تحريرها، ويصدرها الأزهر، و"الهداية الإِسلامية" التي كان يصدرها ويرأس تحريرها.
وقد جمعنا كافة هذه المباحث تحت اسم: "الشريعة الإِسلامية صالحة لكل زمان ومكان" وهو البحث الأول في هذا الكتاب، والذي كان يؤلف القسم الأكبر من الجزء الثالث من كتاب "رسائل الإصلاح".
ولما كانت غايتنا إحياء التراث العظيم للعم المرحوم محمد الخضر حسين- رضوان الله عليه-, فقد رأينا- تسهيلاً للقارئ- أن يضم كل سفر من الأسفار المواضيع المتجانسة الواحدة، وبالتالي يجد طوع يده كتاباً يطوي بين كنوزه درراً ولآلئ تضيء للفكر سبيل الهداية والعرفان.
وهذه الرسائل كما قال الإمام "في حاجة إلى أن تبحث بفكر لا يتعصب لقديم، ولا يفتتن بجديد، يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويتقبل الحكم متى لاحت بجانبه حكمة، ويثق بالرواية بعد أن يسلمها النقد إلى صدق".
стр. 1422
وشيخنا الجليل لم يطرق باباً من أبواب العلم إلا كان سيداً مهاباً، يجتث بصارم الحق خبائث الضلال، ويمحق الباطل والظلام، فهو الفارس في كل حلبة، والصدر في كل مقام، ولا أدل على ثرائه العلمي من هذا الفيض لرائع قلمه، ونتاج فكره في الأخلاق والاجتماعيات، وأصول الدين والفقه، ومباحث السيرة النبوية، وتراجم الرجال والبحوث التاريخية، ومباحث اللغة وصناعة الأدب.
وقد زودني سيدي الوالد الشيخ زين العابدين التونسي ﵀ بالتوجيه القيم في الترتيب والجمع، والله نسأل السداد".
على الرّضا الحسينى
стр. 1423
الشريعة الإِسلامية صالحة لكل زمان ومكان
* تمهيد:
يقع في وهم من لا يدري ما الإِسلام: أن شريعته لا توافق حال العصر الحاضر، ويبني توهمه هذا على أن القوانين إنما تقوم على رعاية المصالح، ومصالح العصور تختلف اختلافًا كثيراً، فالدعوة إلى بقاء أحكامها نافذة هي في نظره دعوة إلى خطة غير صالحة.
ذلك ما نقصد في هذا المقال إلى تفنيده، وتفصيل القول في دفع شبهته، حتى يثبت بالدليل المرئي رأي العين أن الشريعة الغرّاء تساير كل عصر، وتحفظ مصالح كل جيل.
ولما كان التشريع الإِسلامي يعتمد في معظم أحكامه على الاجتهاد، استدعى البحث أن نصدره بكلمة في الاجتهاد، وفي هذه الكلمة ترى شيئاً من عظمة علماء الشريعة، ولا أخالك أن تقرأ البحث بدقة، فلا تأتي على آخره حتى تشهد بأنهم كانوا هداة مصلحين.
ونأخذ بعد بحث الاجتهاد في تقرير الأصول التي جعلت الشريعة تسع مقتضيات العصور على اختلافها، وتقوم بحاجات الشعوب على تباعد ما بينها، ونسوق لك الشواهد على هذا من عمل القضاة ورجال الفتوى،
стр. 1424
حتى لا يبقى في صدرك حرج من مزاعم أولئك الذين يكتبون، أو يخطبون فيما لا يعلمون (١).
* * *
стр. 1425
الاجتهاد في أحكام الشريعة
شريعة الإِسلام عامة، فلا يختص بها قبيل من البشر دون قبيل، ودائمة، فلا يختص بها جيل دون جيل، وأفعال البشر - على اختلاف أجناسهم، وتعاقب عصورهم - لا تنتهي إلى حد، ولا تدخل تحت حصر، ومن أجل هذا لم تنزل أحكامها في نسق واحد من التفصيل والبيان، بل أرشدت الشريعة إلى بعضها بدلائل خاصة، وقررت بقيتها في أصول كلية؛ ليستنبطها الذين أوتوا العلم عند الحاجة إليها.
يتمكن العالم من استنباط الأحكام بمعرفة أمرين:
أحدهما: الأدلة السمعية التي تنتزع منها القواعد والأحكام.
ثانيهما: وجود دلالة اللفظ المعتد بها في لسان العرب، واستعمال البلغاء.
ويرجع النظر في الأدلة السمعية إلى الكتاب والسنّة والإجماع، ويتصل بهذه الأدلة أصول اختلفت فيها أنظار الأئمة؛ كمذهب الصحابي، وعمل أهل المدينة، وشَرْع من قبلنا الذي لم يرد في شريعتنا ما ينسخه، فإن الأخذ بهذه الأصول يرجع إلى التمسك بدليل منقول لا يدخل فيه العقل إلا على وجه التفهم؛ كما يدخل في غيره من نصوص الكتاب والسنّة.
ويرجع النظر في وجوه الدلالات إلى: دلالة بالمنطوق، ودلالة بالمفهوم،
стр. 1426
ودلالة بالمعقول.
ومن متناول دلالة المعقول: ذلك الأصل الكبير الذي يسمونه: القياس، ويضارع القياس في هذه الدلالة أنواع جرى فيها الخلاف بين أهل العلم؛ مثل: الاستصحاب، والمصالح المرسلة، ومراعاة العرف، وسد الذرائع.
ثم إن الأدلة قد تتزاحم في نظر المجتهد، ويراها واردة على قضية واحدة، وكل منها يقتضي من الحكم غير ما يقتضيه الآخر، فيحتاج إلى أن ينقب عن الوجوه التي يترجح بها جانب أحدها, ليعتمد عليه في تقرير الحكم.
فدخل في الأركان التي يقوم عليها الاجتهاد: القدرة على الموازنة بين الأدلة، وترجيح أقواها على ما هو دونه عند تعارضها، فمن كان على بصيرة من الأدلة السمعية، ووجوه دلالتها، وطرق الترجيح بين الأدلة عند تعارضها، فقد قبض على زمام الاستنباط، واستعد لأن يجلس على منصة الاجتهاد.
فالاجتهاد: بَذْلُ الفقيه الوِسْعَ لاستخراج الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية.
* شرائط الاجتهاد:
قلنا: إن الاجتهاد يدور على معرفة الأدلة السمعية، ووجوه دلالتها، وطرق الترجيح عند تعارضها.
أما معرفة الأدلة السمعية، فتتحقق بمعرفة الكتاب والسنة، والأحكام المشتركة بينهما؛ كالعلم بالناسخ والمنسوخ، والأحكام الخاصة بالكتاب؛ كالعلم بوجوه القراءات، والأحكام الخاصة بالسنة؛ كالعلم بأصول الحديث،
стр. 1427
وأحوال الرواة.
وأما معرفة وجوه الدلالات، فتتحقق بالفرق بين المنطوق والمفهوم، والمجمَل والمبيَّن، والنص والظاهر، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه، والصريح والكناية، والمعاني التي يدل عليها الكلام بنفسه، والمعاني التي يراعيها البلغاء ويسميها علماء البيان بمستتبعات التراكيب.
فمن شروط الاجتهاد: العلم باللغة والنحو والمعاني والبيان، ومجمل القول: أن يكون عارفاً باللسان العربي، ووجوه تصرفات ألفاظه ومعانيه معرفة ترفعه بين علماء اللغة وبلغائها مكاناً عالياً.
أما طرق الترجيح، فمنها ما يعرف بالنظر في علوم الشريعة؛ كتقديم ما يتلى في الكتاب الكريم على ما يروى على أنه حديث، ومنها ما يعرف بالبحث عن حال الرواة؛ كتقديم ما يرويه البخاري على ما يرويه غيره، ومنها ما يعرف بالنظر في علوم اللغة، كتقديم النص على الظاهر، والمنطوق على المفهوم.
* الكتاب:
ذكرنا في شروط الاجتهاد: العلم بالقرآن الكريم، ولا سيما آيات الأحكام التي قدّرها الغزالي وابن العربي بخمس مئة آية، واقتصرا في تقديرها على هذا العدد؛ لأنهم رأوا مقاتل بن سليمان، وهو أول من أفرد آيات الأحكام في تصنيف، قد جعلها خمس مئة آية، وقد نازعهم ابن دقيق العيد في هذا التقرير، وقال: مقدارآيات الأحكام لا ينحصر في هذا العدد، بل هو يختلف باختلاف القرائح والأذهان، وما يفتحه الله من وجوه الاستنباط. والراسخ في
стр. 1428
علوم الشريعة يعرف أنّ من أصولها أو أحكامها ما يؤخذ من موارد متعددة، حتى الآيات الواردة في القصص والأمثال.
وقد عني طائفة من العلماء بآيات الأحكام بعد مقاتل، فألّفوا في تفسيرها خاصة؛ كما فعل منذر بن سعيد البلوطي قاضي قرطبة المتوفى سنة ٣٥٥، وأبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص المتوفى سنة ٣٧٠، وأبو بكر بن العربي المتوفى سنة ٤٦٨، وعبد المنعم بن محمد المعروف بابن الفرس المتوفى سنة ٥٩٩.
* السنّة:
أوردنا في شروط الاجتهاد: العلم بسنّة رسول الله ﷺ ، وقد اختلف أهل العلم في القدر الذي فيه كفاية، فقال أبو بكر بن العربي في كتاب "المحصول": هي ثلاثة آلاف حديث، ونقل عن أحمد بن حنبل: أن الأصول التي يدور عليها العلم ينبغي أن تكون ألفاً ومئتين، ويذهب ابن القيّم إلى أن الأصول التي تدور عليها الأحكام خمس مئة حديث، وهي مفصلة في نحو أربعة آلاف حديث.
والحق في جانب من يقول: إنه لا يحق الاجتهاد إلا لمن كان عالماً بما اشتملت عليه مجاميع السنّة؛ كالأمهات الست، وما يلحق بها من الكتب التي التزم مصنفوها الصحة فيما يروون؛ إذ من المحتمل أن يوجد فيها ما يدل على الحكم صراحة، ويأتي الاستنباط بما يخالفها، وكان أهل العلم فيما سلف إنما يرجعون بالواقعة إلى الاستنباط بعد أن يبحثوا جهد استطاعتهم، فلا يظفروا بآية أو سنّة تنص على حكمها.
في كتاب "القضاء" لأبي عبيد: أن أبا بكر الصديق كان إذا ورد عليه
стр. 1429
حكم، نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله، نظر في سنة رسول الله ﷺ ، فإن وجد فيها ما يقضي به، قضى به، فإن أعياه ذلك، سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم، فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنّة سنّها النبي ﷺ ، جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء، قضى به؛ وكان عمر يفعل ذلك.
والحديث الذي يرويه أحد الأئمة، ويصله بما ينبئ عن صحته، يسوغ للفقيه متى عرف مذهب الراوي في التعديل أن يعتمد على تصحيحه, ومن هذا القبيل ما يرويه البخاري ومسلم في "صحيحيهما". وأما ما يروى في الكتب التي لا تخلو من الضعيف، فلا بد له من النظر في سند الحديث، والبحث عن سيرة من يجهل حاله، حتى يكون على بينة من أمره.
* علوم اللغة العربية:
أخذنا في شروط المجتهد: أن يكون قائمًا على علوم اللغة العربية، بحيث يبلغ في فهم الكلام العربي مبلغ العرب الناشئين في الجاهلية أو في صدر الإِسلام.
قال أبو إسحاق الشاطبي: "لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب؛ بحيث يصير فهم خطابها طبعاً غير متكلف".
وقد يقع في خاطرك أن شرط الاجتهاد في اللسان العربي يجعل رتبة الاجتهاد في الشريعة بمنزلة المتعذر, فإنه يقتضي أن يسلك الفقيه في البحث عن معاني الألفاظ وأحكامها ووجوه بلاغتها الطرق التى سلكها أئمة تلك العلوم، ولا يكفيه أن يأخذ من "القاموس": أن النكاح - مثلاً - يطلق
стр. 1430
على الوطء، والعقد، ومن "كتاب سيبويه": أن الخفض يكون بالجوار، ومن "دلائل الإعجاز": أن تقديم المعمول، أو تعريف المسند يفيد القصر، حتى يتتبع كلام العرب بنفسه، ويقف على صحة إطلاق النكاح على الوطء والعقد، ويظفر بشواهد كثيرة يحقق بها قاعدة الخفض بالجوار، وشواهد أخرى يعلم بها أن تقديم المعمول، أو تعريف الطرفين يفيد الحصر. وتكليفه بأن يبلغ في علوم اللغة هذه الغاية يشبه التكليف بما لا تسعه الطاقة.
وجواب هذا:
أن المجتهد في الشريعة لا بدّ له من أن يرسخ في علوم اللغة رسوخ البالغين درجة الاجتهاد، وله أن يرجع في أحكام الألفاظ ومعانيها إلى رواية الثقة، وما يقوله الأئمة، وإذا وقع نزل في معنى أو حكم توقف عليه فهم نص شرعي، تعين عليه حينئذ بذل الوسع في معرفة الحق بين ذلك الاختلاف، ولا يسوغ له أن يعمل على أحد المذاهب النحوية أو البيانية في تقرير حكم إلا أن يستبين له رجحانه بدليل.
فالمجتهد في أحكام الشريعة - وإن ساغ له التقليد في العلوم التي هي وسائل الاستنباط - يجب عليه أن يكون في معرفتها بمكانة سامية، حتى إذا جرى اختلاف في رتبة حديث، أو قاعدة عربية احتاج إلى تطبيقها، جرّد نظره لاجتلاء الحقيقة دون أن يقف وقفة الحائر، أو يتمسك بأحد الآراء على غير بينة.
* أصول الفقه:
مسائل علم الأصول منها ما يستمد من النظر في الكتاب والسنّة، ومنها ما يستمد من النظر في علوم اللغة العربية، فيمكن من تضلَّع من موارد الشريعة،
стр. 1431
ورسخ في فهم لسان العرب، أن يدرك هذه الأصول بنفسه؛ كما أدركها الأئمة الذين نهضوا بالاجتهاد قبل أن يدون علم الأصول، ولكن الوصول إلى مسائل الأصول، وهي مدونة، أسهل على الطالب من أن يبذل جهده في استقرائها، ويرسل فكره في اقتناصها، باحثاً عنها في أبواب متفرقة، وموارد متشعبة، وعلى أي حال كان طالب الاجتهاد في الأحكام، لا يستقيم له هذا المنصب إلا أن ينظر في الأصول نظر الباحث المستقل، بحيث لا يبني في الاستنباط على الاستصحاب أو سد الذرائع - مثلاً -, ولا يقرر الحكم اعتماداً على عمل أهل المدينة، أو مذهب الصحابي، متابعة لمن يقول بحجيتها، فالاجتهاد في الأصول بمنزلة الأساس للاجتهاد في الأحكام، فلا يدخل في قبيل المجتهد المطلق من يبني في تقرير الأحكام على أصول قررها إمامه، وتلقاها منه بتقليد.
فالحق جمع من لم يرض لمدعي الاجتهاد إلا أن يرسخ في أصول الفقه، ويبحث مسائله بنظر قائم بنفسه، حتى لا يعتمد في الاستنباط إلا على أصل رأى كيف تشهد به البينة، وتقوم عليه الحجَّة.
* في الفقه:
يظهر في بادئ الرأي أن ليس من شروط الاجتهاد المطلق معرفة الأحكام التي استنبطها الفقهاء من دلائل الشريعة، ذلك لأنها صادرة عن اجتهاد، فيجب أن يكون الاجتهاد متقدماً عليها في الوجود، فهو مستقل عنها، وجائز أن يتحقق بدونها، ولو قدرنا ناشئاً درس علوم اللغة حتى أصبح في ذوقه وفهمه لدقائق العربية كالعربي الخالص، ثم أقبل على التفقه في الكتاب والسنّة حتى عرف مقاصد الشريعة، لأمكنه استنباط الأحكام من دلائلها
стр. 1432
كما استنبطها العلماء من قبل أن تدوّن المذاهب والآراء.
والتحقيق أن معرفة المذاهب، ودرس أحكام الفقه مربوطة بأصولها مما يخطو بالعالم في سبيل الاجتهاد خطوات سريعة، لولا دراسة الفقه على هذا الوجه؛ لأنفق في بلوغها مجهودًا كبيراً، وزمنًا طويلًا. ثم إنه يأمن العثار والخطأ في الفتوى أكثر مما إذا لم يدرس أقوال الأئمة من قبله، وهذا ما يراه طائفة من الأصوليين؛ كأبي حامد الغزالي إذ قال: "إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسة الفقه، فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان".
وهذا مجمل ما ينقل عن السلف من حثّ الفقهاء على معرفة اختلاف أهل العلم من قبلهم.
قال هشام بن عبد الله الرازي: "من لم يعرف اختلاف الفقهاء، فليس بفقيه".
وقال عطاء: "لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالماً باختلاف الناس؛ فإنه إن لم يكن كذلك، رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه".
وقال سفيان بن عيينة: "أجرأ الناس على الفتوى: أقلّهم علماً باختلاف العلماء".
وقال سعيد بن أبي عروبة: "من لم يسمع الاختلاف، فلا تعدّه عالماً".
ولا يقصدون بهذا حفظ مجرد الخلاف، بل القصد أن يعرف أقوال السلف ومداركها.
* مواقع الإجماع:
يذكر الأصوليون في شرط المجتهد: أن يكون عارفاً بمواقع الإجماع، وهذا في الواقع شرط لصحة الاجتهاد بالفعل، وليس بشرط في بلوغ رتبة
стр. 1433
الاجتهاد، وإنما أخذوا هذا شرطاً لصحته؛ لئلا يقرر الفقيه حكماً يخرج به عن الإجماع؛ إذ كل فتوى يخرق بها صاحبها الإجماع هي في نظر أئمة الدين باطلة.
وقد خفف الإمام الغزالي في هذا الشرط، فقال: ليس من واجبه أن يحفظ المسائل التي وقع عليها الإجماع، فالواقعة التي علم أنها كانت موضع اختلاف، والحادثة التي يعرف من حالها أنها وليدة عصره، ولم يقع لها مثيل في العصور المتقدمة، له أن يجتهد ويفتي فيهما بما قام الدليل على رجحانه، وإن لم يكن ملماً بالمسائل التي انعقد عليها الإجماع.
فإن وقعت الواقعة، ولم يكن قد بلغه أنه قد جرى فيها اختلاف، ولم يشق بأنها وليدة عصره، بحث ما استطاع، فإن لم يقف على أنها مسألة مجمع عليها، تناولها بالاجتهاد، وفصل لها حكماً مطابقاً.
* القياس:
هل يعد في شروط المجتهد أن يكون ممن يقول بأصل القياس؟
هذا ما يراه أبو إسحاق الإسفراييني، وعزا إلى الجمهور أنهم قالوا: إن نفاة القياس لا يبلغون درجة الاجتهاد، وأخذ به إمام الحرمين، وقال: علماء الشافعية لا يقيمون لأهل الظاهر وزناً.
ومن أهل العلم من لم يتمسك بهذا الشرط، وعدَّ الظاهريَّ الذي تحققت فيه الشروط الآنفة في قبيل أهل الاجتهاد، وينبني على هذا: أن يكون خلافهم معتدًا به، فلا إجماع فيما خالفوا فيه من الأحكام. وهذا ما ذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي أنه الصحيح من مذهب الشافعية، وقال ابن الصلاح: إنه الذي استقر عليه الأمر.
стр. 1434
وسنسوق في مقام آخر الأدلة على أن القياس أصل من أصول الشريعة الغراء.
* العدالة والاستقامة:
ليست العدالة شرطاً لتحقق وصف الاجتهاد في نفسه، وإنما هي شرط في قبول فتوى المجتهد, إذ الفتوى من قبيل الإخبار، والنفس لا تركن إلى خبر الفاسق، ومن يعمل سوءاً، يسهل عليه أن يقول زوراً، والتقوى هي التي تحمل المجتهد على التروي في تفصيل الحكم، فلا يلفظ بالفتوى إلا بعد النظر في الواقعة، وما يترتب عليها من مصالح أو مفاسد، ثم يعود إلى قواعد الشريعة، فيفصل لها حكماً يطابقها.
قال مالك بن أنس: "ربما وردت عليَّ المسألة، فتمنعني من الطعام والشراب والنوم"، فقيل له: يا أبا عبد الله! والله! ما كلامك عند الناس إلا نقر في حجر، ما تقول شيئاً إلا تلقّوه منك. قال: "فمن أحق أن يكون هكذا إلا من كان هكذا؟! ". وقال: "ربما وردت عليَّ المسألة، فأفكر فيها ليالي". وكان إذا سئل عن المسألة يقول للسائل: "انصرف حتى أنظر فيها"، فينصرف السائل، ويجعل مالك يردد النظر في المسألة، فقيل له في ذلك، فقال: "إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأيُّ يوم! "
وكذلك كان السلف من الصحابة والتابعين، يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكون غيره قد كفاه أمرها، حتى إذا رآها قد تعينت عليه، بذل جهده في تعرُّف حكمها، ثم أفتى.
стр. 1435
بناء الشريعة على حفظ المصالح ودرء المفاسد
القوانين العادلة: التي تقوم على رعاية حفظ المصالح، ودرء المفاسد، ولا يختلف علماء الإِسلام في أن أحكام الشريعة قائمة على رعاية هذين الأصلين، وإذا كانت المصالح والمفاسد قد تخفى في بعض ما يشرّع على أنه عبادة، فإن الأحكام المشروعة لغير العبادات؛ من آداب الاجتماع، ونظم المعاملات والجنايات، لا تقصر العقول السليمة عن إدراك أسرارها، ومن الميسور تقريرها على وجه يظهر به فضل الشريعة السماوية على القوانين الوضعية.
يقرر الباحثون عن حكمة التشربع من علمائنا أن المصالح أربعة أنواع: اللذات وأسبابها.
والأفراح وأسبابها، وأن المفاسد أربعة أنواع: الآلام وأسبابها، والغموم وأسبابها.
ويسمون اللذات والأفراح بالمصالح الحقيقية، وأسبابها المصالح المجازية، كما يسمون الآلام والغموم المفاسد الحقيقية، وأسبابها المفاسد المجازية، ويذكرون أن المصالح المحضة كالمفاسد المحضة نادرة الوجود، وأكثر الوقائع ما تجتمع فيه المصلحة والمفسدة، فما كان مصلحة محضة، فحكمه الإذن قطعًا. وما كان مفسدة محضة، فحكمه النهي بلا مراء، فأما
стр. 1436
ما يكون مصلحة من ناحية، ومفسدة من ناحية أخرى، فالشارع الحكيم ينظر إلى الأرجح منهما، ويفصل الحكم على قدر الأرجحية، فما رجحت مصلحته على مفسدته، أذن فيه على وجه الإباحة، أو الندب، أو الوجوب. وما رجحت مفسدته على مصلحته، نهى عنه على وجه الكراهة، أو التحريم.
* التفقه في الأدلة السمعية:
ذكرنا فيما سلف أن من أحكام الشريعة ما يدل عليه آية، أو سنّة صريحة؛ كتحريم الجمع بين الأختين، والقضاء للذكر في الإرث بمثل حظ الأنثيين، والقصاص، وقطع يد السارق والسارقة، وهذا النوع من الأحكام لا يختلف أئمة الدين في أنه شريعة عامة باقية، ولا يجوز لولي الأمر إهماله، ولا أن يستبدل به غيره.
وربما دعت الضرورة إلى إرجاء إقامة الحد؛ كما أخّر الإِمام علي ﵁ القصاص من قتلة عثمان مرتقبًا وقتًا يتمكن فيه منهم، وهو آمنٌ من عصبيتهم.
وفي "سنن أبي داود": أن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو.
وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى الناس: أن لا يجلدنَّ أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدًا وهو غاز حتى يقطع الدَّرب قافلاً؛ لئلا تلحقه حمية الشيطان، فيلحق بالعدو.
وقد تطرأ حال عامة تجعل ولي الأمر في ريب من أن تكون واقعة أخذ المال خفية من قبيل السرقة المفروض فيها حد القطع، فيكف يده عن إجرائه. وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ أسقط قطع يد السارق في عام المجاعة؛ لأن الحاجة كانت غالبة، فمن المحتمل القريب وقتئذ أن يكون الدافع إلى السرقة اضطراره إلى ما يسد رمقه، وينقذه من التهلكة.
стр. 1437
ولا يلحق بمثل هذا الحال أن تعتل أذواق قوم، وتساورهم شهوات طائشة، فيقيموا هذه الأذواق مقام العقل، وتلك الشهوات مقام المصلحة، فينكروا ما فرض الإِسلام على الزاني أو شارب الخمر من عقوبة. وعلى حكماء الأمة أن يعالجوا هذه الأذواق حتى تسلم من مرضها، ويقوِّموا تلك الشهوات حتى تعود إلى حال اعتدالها.
يدخل الاجتهاد الأدلة السمعية على النحو الذي ذكرنا، ويدخلها من جهة الإطلاق والتقييد.
أما الإطلاق، فكما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]. فأطلق الأئمة في تحريم الربا، وعدّوا قوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ من قبيل ما روعي فيه حال ما كانوا يفعلون وقت نزول الآية، ومن أدلة هذا الإطلاق قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، فهو صريح في حرمة الربا كثيرِه وقليله.
ومن أمثلة هذا: أن الله تعالى حرّم على الرجل نكاح ربيبته، فقال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، وظاهر الآية: أن المحرّمة بنت الزوجة التي تكون في حجر الزوج، ولكن الأئمة تفقهوا في هذا الوصف، فلم يظهر فيه أثر للتحريم، فأوَّلوه على أنه من قبيل الأوصاف التي ترد في الكلام البليغ من جهة أنها الحال الغالبة في الموصوف، وأفتوا بتحريم الربيبة على زوج أمها، وإن لم تكن في حجره.
وأما التقييد، فكحديث النهي عن بيع الماء، فقد خصصه الإِمام مالك بآبار الصحراء التي تتخذ في الأرضين غير المتملكة، فيكون صاحبها الذي حفرها أولى بها، فإذا قضى منها وطره، ورويت ماشيته، ترك الفضل للناس
стр. 1438
من غير ثمن، واستند الإِمام في هذا التخصيص، وصرف النهي عن بيع الماء في الأرض المملوكة إلى الأصل الذي ورد به السمع، وانعقد عليه الإجماع، وهو أنه لا يحل مال أحد إلا بطيب نفس منه.
ومن أمثلة هذا الباب حديث: "شاهداك أو يمينه".
فظاهر الحديث: أن اليمين حق على كل مُنْكِر، ولكن الإِمام مالكًا قيَّده بحال ما إذا كان بين المتقاضيين خلطة، وإنما قيّده بقاعدة درء المفاسد، إذ أخْذُ الحديث على إطلاقه يجرئ السفهاء على أهل الفضل، فيستطيعون أن يوجهوا عليهم متى شاؤوا دعاوى، ويقفوهم للحلف إيلاماً وامتهاناً.
يقيَّد المجتهد النصوص، أو يطلقها على ما تقتضيه الأدلة السمعية، والأصول الشرعية، ولا يصرف نظره عن النص جملة إلا أن يثبت لديه أنه منسوخ، أو يعارضه ما هو أقوى سنداً أو دلالة، أو يكون الحكم مربوطاً بشيء على أنه علة مشروعيته، وتزول هذه العلة، فيتبعها الحكم، وتدخل الواقعة في نص آخر، أو تحتاج إلى حكم من المجتهد يطابقها.
ومثال هذا: أن النبي ﷺ ترك صلاة التراويح في جماعة، وقال في وجه تركها: "ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها". وقد زالت بوفاته ﵊ الخشية من أن تفرض عليهم، ولهذا أقامها عمر بن الخطاب بعد، وقال: "نعم البدعة هذه".
وقَصْرُ الحكم على حال وجود العلة متى كان منصوصاً عليها أمر واضح لا شبهة فيه. وقد يجيء الحكم مجردًا من ذكر العلة، فيقررها المجتهد استنباطاً، ويجعل الحكم مقصوراً على حال هذه العلة المستنبطة، ومن هذا
стр. 1439
القبيل: أن المؤلفة قلوبهم قد ذُكروا في آية مصارف الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية.
فرأى بعض الأئمة أن علة جعلهم في مصارف الزكاة في بداية الإِسلام إلى تكثير أنصاره، أما حين قويت شوكته، وكثر أتباعه وحُماته، فقد زالت الحاجة إلى تأليف المخالفين، وسقطوا من مصارف الزكاة.
ومن أقوال الرسول ﵊ ما يحمله المجتهد على أنه صادر منه بصفة الإمامة، لا أنه حكم عام كسائر أحكام الشريعة التي يراد بها التبليغ، ومثال هذا: قوله ﷺ في غزوة حنين: "من قتل قتيلاً، فله سَلَبه"؛ فإن من الأئمة من يذهب في هذا إلى أنه تصرف من جهة الإمامة، وأنه منظور فيه إلى ما اقتضته المصلحة في تلك الغزوة، فلقائد الجيوش من بعده أن لا يجعل سَلَب القتيل للقاتل حيث لم تدع إلى ذلك مصلحة. ولهذا النوع من أقواله ﵊ ناحية يرجع بها إلى التشريع، وهي أنه يجوز لولي الأمر أن يجتهد، ويقول: "من قتل قتيلاً، فله سلبه" أسوة برسول الله ﷺ ، ولا يرده عن هذا القول أن السلب من الغنيمة، والغنيمة في أصلها ملك للمجاهدين، أو أن هذه المنحة تنقص الإخلاص، وتجعل بعض الجند يقاتل للسلب، لا لإعلاء كلمة الله.
هذه من الوجوه التي يدخل فيها الاجتهاد الصحيح عند التفقه في الأدلة السمعية، وها هنا قد تزلُّ أقدام بعض الناظرين في عجل، أو يفتضح بعض من يكيدون للشريعة من طريق التأويل؛ حيث يعمدون إلى بعض النصوص الشرعية، ويذهبون في تفسيرها مذهباً يخرجون به عن مقاصد الشريعة، أو ينقضون به أصلاً من أصولها.
стр. 1440
وجمهور أهل العلم على أن الأحكام المقررة بطريق السمع، وليس للمجتهد أن يتعداها هي ما جاء في كتاب أو سنّة أو إجماع، وقول الصحابي فيما لا يقال بالرأي هو من قبيل المرفوع، فهو داخل في السنّة، أما قوله الذي يمكن أن يكون اجتهاداً، فليس بحجة تقطع غيره عن الاجتهاد؛ لأن الصحابي غير معصوم عن الخطأ، ولأن الصحابة كانوا يختلفون فيما بينهم من غير إنكار، وما يقع في "موطأ مالك" من ذكر قول الصحابي في مقام الاحتجاج إنما يأتي به الإِمام في معنى التأييد لاجتهاده، أو للترجيح بين الأخبار عند اختلافها.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح حديث: "عليكم بسنّتي، وسنّة الخلفاء الراشدين" من "سنن الترمذي ": "أمر بالرجوع إلى سنّة الخلفاء، وهو يكون على أمرين: الأول: التقليد لمن عجز عن النظر، والثاني: الترجيح عند اختلاف الصحابة، فيقدم فيه الخلفاء الأربعة، أو أبو بكر وعمر، وإلى هذه النزعة كان ينزع مالك، ونبّه عليه في الموطأ".
واعتماد الإِمام مالك على عمل أهل المدينة فيما لا مجال للرأي فيه، أو فيما كان طريقه النقل المستفيض؛ كالصاع، والمد، والأذان، والإقامة يرجع إلى الاحتجاج بالسنّة، فإن العادة تقتضي أن يكون عملهم هذا من زمن النبي ﷺ ، إذ لو تغير عما كان عليه زمن الوحي، لعلموه، وإذا قدّم عمل أهل المدينة الذي هو في معنى السنّة على خبر الآحاد، فإنما قدّم على خبر الآحاد سنّة يراها أمتن سنداً وأقوى.
وأنكر بعض أصحابه أن يكون قد وقع منه تقديم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح، قال أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة": "ومن