← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

ما يكون مصلحة من ناحية، ومفسدة من ناحية أخرى، فالشارع الحكيم ينظر إلى الأرجح منهما، ويفصل الحكم على قدر الأرجحية، فما رجحت مصلحته على مفسدته، أذن فيه على وجه الإباحة، أو الندب، أو الوجوب. وما رجحت مفسدته على مصلحته، نهى عنه على وجه الكراهة، أو التحريم. * التفقه في الأدلة السمعية: ذكرنا فيما سلف أن من أحكام الشريعة ما يدل عليه آية، أو سنّة صريحة؛ كتحريم الجمع بين الأختين، والقضاء للذكر في الإرث بمثل حظ الأنثيين، والقصاص، وقطع يد السارق والسارقة، وهذا النوع من الأحكام لا يختلف أئمة الدين في أنه شريعة عامة باقية، ولا يجوز لولي الأمر إهماله، ولا أن يستبدل به غيره. وربما دعت الضرورة إلى إرجاء إقامة الحد؛ كما أخّر الإِمام علي ﵁ القصاص من قتلة عثمان مرتقبًا وقتًا يتمكن فيه منهم، وهو آمنٌ من عصبيتهم. وفي "سنن أبي داود": أن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو. وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى الناس: أن لا يجلدنَّ أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدًا وهو غاز حتى يقطع الدَّرب قافلاً؛ لئلا تلحقه حمية الشيطان، فيلحق بالعدو. وقد تطرأ حال عامة تجعل ولي الأمر في ريب من أن تكون واقعة أخذ المال خفية من قبيل السرقة المفروض فيها حد القطع، فيكف يده عن إجرائه. وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ أسقط قطع يد السارق في عام المجاعة؛ لأن الحاجة كانت غالبة، فمن المحتمل القريب وقتئذ أن يكون الدافع إلى السرقة اضطراره إلى ما يسد رمقه، وينقذه من التهلكة.

стр. 1437

ولا يلحق بمثل هذا الحال أن تعتل أذواق قوم، وتساورهم شهوات طائشة، فيقيموا هذه الأذواق مقام العقل، وتلك الشهوات مقام المصلحة، فينكروا ما فرض الإِسلام على الزاني أو شارب الخمر من عقوبة. وعلى حكماء الأمة أن يعالجوا هذه الأذواق حتى تسلم من مرضها، ويقوِّموا تلك الشهوات حتى تعود إلى حال اعتدالها. يدخل الاجتهاد الأدلة السمعية على النحو الذي ذكرنا، ويدخلها من جهة الإطلاق والتقييد. أما الإطلاق، فكما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]. فأطلق الأئمة في تحريم الربا، وعدّوا قوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ من قبيل ما روعي فيه حال ما كانوا يفعلون وقت نزول الآية، ومن أدلة هذا الإطلاق قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، فهو صريح في حرمة الربا كثيرِه وقليله. ومن أمثلة هذا: أن الله تعالى حرّم على الرجل نكاح ربيبته، فقال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، وظاهر الآية: أن المحرّمة بنت الزوجة التي تكون في حجر الزوج، ولكن الأئمة تفقهوا في هذا الوصف، فلم يظهر فيه أثر للتحريم، فأوَّلوه على أنه من قبيل الأوصاف التي ترد في الكلام البليغ من جهة أنها الحال الغالبة في الموصوف، وأفتوا بتحريم الربيبة على زوج أمها، وإن لم تكن في حجره. وأما التقييد، فكحديث النهي عن بيع الماء، فقد خصصه الإِمام مالك بآبار الصحراء التي تتخذ في الأرضين غير المتملكة، فيكون صاحبها الذي حفرها أولى بها، فإذا قضى منها وطره، ورويت ماشيته، ترك الفضل للناس

стр. 1438

من غير ثمن، واستند الإِمام في هذا التخصيص، وصرف النهي عن بيع الماء في الأرض المملوكة إلى الأصل الذي ورد به السمع، وانعقد عليه الإجماع، وهو أنه لا يحل مال أحد إلا بطيب نفس منه. ومن أمثلة هذا الباب حديث: "شاهداك أو يمينه". فظاهر الحديث: أن اليمين حق على كل مُنْكِر، ولكن الإِمام مالكًا قيَّده بحال ما إذا كان بين المتقاضيين خلطة، وإنما قيّده بقاعدة درء المفاسد، إذ أخْذُ الحديث على إطلاقه يجرئ السفهاء على أهل الفضل، فيستطيعون أن يوجهوا عليهم متى شاؤوا دعاوى، ويقفوهم للحلف إيلاماً وامتهاناً. يقيَّد المجتهد النصوص، أو يطلقها على ما تقتضيه الأدلة السمعية، والأصول الشرعية، ولا يصرف نظره عن النص جملة إلا أن يثبت لديه أنه منسوخ، أو يعارضه ما هو أقوى سنداً أو دلالة، أو يكون الحكم مربوطاً بشيء على أنه علة مشروعيته، وتزول هذه العلة، فيتبعها الحكم، وتدخل الواقعة في نص آخر، أو تحتاج إلى حكم من المجتهد يطابقها. ومثال هذا: أن النبي ﷺ ترك صلاة التراويح في جماعة، وقال في وجه تركها: "ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها". وقد زالت بوفاته ﵊ الخشية من أن تفرض عليهم، ولهذا أقامها عمر بن الخطاب بعد، وقال: "نعم البدعة هذه". وقَصْرُ الحكم على حال وجود العلة متى كان منصوصاً عليها أمر واضح لا شبهة فيه. وقد يجيء الحكم مجردًا من ذكر العلة، فيقررها المجتهد استنباطاً، ويجعل الحكم مقصوراً على حال هذه العلة المستنبطة، ومن هذا

стр. 1439

القبيل: أن المؤلفة قلوبهم قد ذُكروا في آية مصارف الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية. فرأى بعض الأئمة أن علة جعلهم في مصارف الزكاة في بداية الإِسلام إلى تكثير أنصاره، أما حين قويت شوكته، وكثر أتباعه وحُماته، فقد زالت الحاجة إلى تأليف المخالفين، وسقطوا من مصارف الزكاة. ومن أقوال الرسول ﵊ ما يحمله المجتهد على أنه صادر منه بصفة الإمامة، لا أنه حكم عام كسائر أحكام الشريعة التي يراد بها التبليغ، ومثال هذا: قوله ﷺ في غزوة حنين: "من قتل قتيلاً، فله سَلَبه"؛ فإن من الأئمة من يذهب في هذا إلى أنه تصرف من جهة الإمامة، وأنه منظور فيه إلى ما اقتضته المصلحة في تلك الغزوة، فلقائد الجيوش من بعده أن لا يجعل سَلَب القتيل للقاتل حيث لم تدع إلى ذلك مصلحة. ولهذا النوع من أقواله ﵊ ناحية يرجع بها إلى التشريع، وهي أنه يجوز لولي الأمر أن يجتهد، ويقول: "من قتل قتيلاً، فله سلبه" أسوة برسول الله ﷺ ، ولا يرده عن هذا القول أن السلب من الغنيمة، والغنيمة في أصلها ملك للمجاهدين، أو أن هذه المنحة تنقص الإخلاص، وتجعل بعض الجند يقاتل للسلب، لا لإعلاء كلمة الله. هذه من الوجوه التي يدخل فيها الاجتهاد الصحيح عند التفقه في الأدلة السمعية، وها هنا قد تزلُّ أقدام بعض الناظرين في عجل، أو يفتضح بعض من يكيدون للشريعة من طريق التأويل؛ حيث يعمدون إلى بعض النصوص الشرعية، ويذهبون في تفسيرها مذهباً يخرجون به عن مقاصد الشريعة، أو ينقضون به أصلاً من أصولها.

стр. 1440

وجمهور أهل العلم على أن الأحكام المقررة بطريق السمع، وليس للمجتهد أن يتعداها هي ما جاء في كتاب أو سنّة أو إجماع، وقول الصحابي فيما لا يقال بالرأي هو من قبيل المرفوع، فهو داخل في السنّة، أما قوله الذي يمكن أن يكون اجتهاداً، فليس بحجة تقطع غيره عن الاجتهاد؛ لأن الصحابي غير معصوم عن الخطأ، ولأن الصحابة كانوا يختلفون فيما بينهم من غير إنكار، وما يقع في "موطأ مالك" من ذكر قول الصحابي في مقام الاحتجاج إنما يأتي به الإِمام في معنى التأييد لاجتهاده، أو للترجيح بين الأخبار عند اختلافها. قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح حديث: "عليكم بسنّتي، وسنّة الخلفاء الراشدين" من "سنن الترمذي ": "أمر بالرجوع إلى سنّة الخلفاء، وهو يكون على أمرين: الأول: التقليد لمن عجز عن النظر، والثاني: الترجيح عند اختلاف الصحابة، فيقدم فيه الخلفاء الأربعة، أو أبو بكر وعمر، وإلى هذه النزعة كان ينزع مالك، ونبّه عليه في الموطأ". واعتماد الإِمام مالك على عمل أهل المدينة فيما لا مجال للرأي فيه، أو فيما كان طريقه النقل المستفيض؛ كالصاع، والمد، والأذان، والإقامة يرجع إلى الاحتجاج بالسنّة، فإن العادة تقتضي أن يكون عملهم هذا من زمن النبي ﷺ ، إذ لو تغير عما كان عليه زمن الوحي، لعلموه، وإذا قدّم عمل أهل المدينة الذي هو في معنى السنّة على خبر الآحاد، فإنما قدّم على خبر الآحاد سنّة يراها أمتن سنداً وأقوى. وأنكر بعض أصحابه أن يكون قد وقع منه تقديم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح، قال أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة": "ومن

стр. 1441

لا تحصيل له من أصحابنا يظن أن مالكاً يقمّ عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح، ولم يفعل ذلك قط، ولا ترك مالك قط حديثاً لأجل مخالفة أهل المدينة له بعملهم وفتواهم". لا يدخل الاجتهاد في النصوص المحكمة إلا بنحو الإطلاق أو التقييد على مقتضى الأصول الصادقة، وهذا واضح بنفسه فيما إذا كان النص قرآنًا أو سنّة متواترة، أما خبر الآحاد، فإن لم يره المجتهد معارضًا لأصل آخر، وجب العمل به عند أئمة الدين بلا مراء؛ كما أخذ عمر بن الخطاب ﵁ بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس، وهو قوله ﷺ : "سنوا بهم سنّة أهل الكتاب" (١). أما إذا ورد خبر الآحاد فيما يظهر معارضاً لقاعدة، أو قياس صحيح، فهذا موضع نظر أهل العلم واختلاف آرائهم، فمنهم من يقدّم الحديث على الأقيسة والقواعد، يظهر هذا من قول الإِمام الشافعي: إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ ، فاضربوا بقولي الحائط، وقوله: إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ ، وصح الإسناد به، فهو المنتهى، وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ إذا صح الخبر. ونجد آثاراً كثيرة عن الصحابة تدل على أنهم كانوا يتركون القياس لخبر الواحد؛ كما ترك عمر بن الخطاب القياس في الجنين؛ لخبر حمل بن مالك في إيجاب غُرة عبدٍ أو أمة، وقال: لولا هذا، لقضينا فيه برأينا (٢)، وروي أنه ترك القياس في تفريق دية الأصابع على قدر منافعها حين روى له

стр. 1442

حديث: "في كل أصبع عشر من الإبل". ويقول بعض المتمسكين بالحديث في كل حال: إنه لا يوجد حديث ثابت على خلاف القياس الصحيح، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأصناف بحكم يفارق به نظائره، فلا بد أن يختص ذلك الصنف بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لتلك النظائر، لكن الوصف الذي اختص به الصنف قد يظهر لبعض الناس، ويخفى على بعض، فمن رأى شيئاً من الشريعة مخالفاً للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، لا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر، وقد جاء هؤلاء إلى كل ما جاعت به السنة من أحكام؛ كالمساقاة، والمزارعة، وبيع العرايا (١)، وبسطوا في بيان الفرق بينها وبين أفراد القياس الذي ادعى أنها جاءت على خلافه. والواقع أن الذين يسمون مثل المساقاة والسلم والمصرّاة (٢) خارجة عن القياس يعترفون بأنه انضم إلى هذه الأبواب ما جعلها تخالف سائر أفراد القاعدة التي يبدو لأول النظر أنها من مشمولاتها. وهذا عز الدين بن عبد السلام يقول في قواعد المصالح: "أمر الله تعالى لإقامة مصالح متجانسة، وأخرج بعضها عن الأمر، إما لمشقة ملابستها، وإما لمفسدة تعارضها، وزجر عن مفاسد متماثلة، وأخرج بعضها عن الزجر،

стр. 1443

إما لمشقة اجتنابها، وإما لمصلحة تعارضها". ومن أهل العلم من يقدّم القاعدة والقياس الذي تكون مقدماته قاطعة على خبر الواحد، وقد تردد أصحاب الإمام مالك في مذهبه: فروى عنه أصحابه العراقيون تقديم القياس على الخبر، وروى عنه المدنيون والمغارية تقديم الخبر على القياس، والتحقيق: أن للإمام في كل حديث يتعارض مع القياس نظراً خاصًا، فيقدم - مثلاً - الحديث الذي تعضده قاعدة أخرى؛ كحديث العرايا: عارضته قاعدة الربا، وعضدته قاعدة المعروف. فقد أريناك أيها القارئ النبيه كيف كان علماء الإِسلام يرعون عند التفقه في الكتاب والسنّة قاعدة: حفظ المصالح ودرء المفاسد، وأن ما جاء به القرآن والسنة من الأحكام المفصلة كفيل بحفظ مصالح الوقائع، أو درء مفاسدها، وفي استطاعة الراسخين في العلم أن يبينوا ما حفظته من المصالح، أو درأته من المفاسد بياناً كافياً. وإذا كان من لازم الأحكام العادلة حفظ المصالح أو درء المفاسد، فليس من شرط كل حكم أن يتغير باختلاف العصور أو المواطن؛ فإن الواقعة قد تشتمل بطبيعتها على مصلحة، أوعلى مفسدة لا يختلف حالها باختلاف العصور والمواطن، فيكون لها حكم واحد لا يتغير إلا أن يتغير حال الواقعة نفسها. ومن الذي يعقل أن يكون القصاص - مثلاً - زاجراً عن القتل، مقللاً لوقائعه في عصر أو موطن دون آخر؟ والحقيقة أن حكم الواقعة إنما يتجدد عندما تتغير طبيعة الواقعة، وأن الحكم المشروع للواقعة بحق قد يبقى حكمها العادل، ولو مضت عليه أحقاب، حتى يعرض لها من الأحوال ما يستدعي تفصيل حكم غير ما شرع لها أولا؛

стр. 1444

ومن تيسر له أن يدرس ما فصلته الشريعة من أحكام محكمة - وهي فيما يرى أقل مما شرعته في ضمن أصول وقواعد- عزّ أن يجد فيها حكماً يتعلق بواقعة يختلف حالها باختلاف الزمان والمكان، وإذا وجد العالم الراسخ في فهم مقاصد الشريعة واقعة علّق عليها الشارع حكماً، ثم تغير حالها إلى حال تقتضي تغير الحكم اقتضاء ظاهراً، كان له أن يرجع بها إلى أصول الشريعة القاطعة، ويقتبس لها من هذه الأصول حكماً يطابقها، ومثال هذا: أن النبي ﷺ نهى عن منع النساء من الخروج إلى المساجد، فإذا نظر المجتهد إلى علة النهي عن منعهن، وجدها المحافظة على مصلحة المرأة من سعيها إلى المسجد، وحضورها صلاة الجماعة، وانتفاعها بما تسمع من قرآن أو خطبة، ولم يكن في خروجها لعهده ﵊ مفسدة تستدعي المنع، فإذا جاء عهد يكثر فيه تعرض السفلة من الرجال للنساء، وحدثت وقائع تدل على أن سلطان الدين أصبح ضعيف الأثر في نفوس هؤلاء وهؤلاء، فقد أخذت واقعة خروج المرأة إلى المسجد حالاً غير الحال التي كانت عليه في زمن النبوة، وانضم إلى مصلحة خروجها مفسدة، فللمجتهد أن ينظر في هذه المفسدة، ويقيسها بالمصلحة؛ ليعلم أيهما أرجح وزناً، ثم يرجع بالواقعة إلى أصول الشريعة، ويستنبط لها حكماً يراعي فيه حالتها الطارئة. وربما نظر الفقيه في مثل هذه نظرة مستعجل، فيخطئ المرمى، وهذا ما جرى لمروان بن الحكم حين قدّم خطبة العيد على الصلاة؛ نظراً إلى أن الناس كانوا في عهد النبوة والخلافة الرشيدة يجلسون بعد صلاة العيد لسماع الخطبة، فلم يكن في تقديم الصلاة على الخطبة من بأس، ولكنهم

стр. 1445

صاروا بعد ذلك العهد يكتفون بالصلاة، ويدعون سماع الخطبة، كما قال مروان معتذرًا لأبي سعيد الخدري: "إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة". وقد خالفه الصحابة والأئمة من بعدهم في ترك هذه السنّة؛ لأنهم رأوا أن هذا تصرف في أمر من قبيل العبادات التي يجب أن تقام كما وردت عن الشارع، على أن مفسدة خروج الناس قبل سماع الخطبة يمكن درؤها بوعظهم وإرشادهم إلى البقاء بالمسجد حتى انتهائها، وقد حضرت صلاة العيد في السنة الماضية بأحد المساجد الكبيرة في القاهرة، فوقف الإِمام قبل الصلاة، وذكر الحاضرين بعدم الخروج قبل انقضاء الخطبة، فامتثلوا. فالتفقه في الكتاب والسنّة على النحو الذي يحفظ الحقوق، ويسير بالأمة في أهدى سبل المدنية إنما يستطيعه من امتلاً بعلوم القرآن والحديث، وخاض في حكمة التشريع، وعرف مقاصد الشارع، وقدر المصالح والمفاسد بميزانها الصحيح.

стр. 1446

الأصول النظرية الشرعية لم يختلف المسلمون في أن الشريعة الإِسلامية نزلت لتقرير أحكام الوقائع، فلا واقعة إلا لها مدلول عليه بالنص، أو بأصل من الأصول المستمدة من النصوص. أما الأحكام المستفادة من النصوص، فهي الأحكام المأخوذة من الكتاب والسنّة؛ كتحريم الميسر، ومنع القاضي من أن يقضي وهو غضبان، وجواز الشفعة للشريك. وقد أريناك بوجه عام أن كل ما قرره الشارع من أحكام مفصلة هو دائر بين حفظ المصالح ودرء المفاسد. وسنتناول بإذن الله تعالى القول في هذه الأحكام بتفصيل كما اقتضى المقام بيانها. وأما الأحكام المدلول عليها بأصول عامة، فيستبين أمرها بالنظر في هذه الأصول، وهو ما أزمعنا البحث عنه منذ الآن. وسترى من هذه الأصول كيف تيسر للشريعة أن لا تدع واقعة من غير حكم، وكيف تتحرى بالأمة أرشد طرق المدنية، وأعدل نظم القضاء. واحتواء الشريعة على أصول عامة، وتناول الأصول لما لا يتناهى من الوقائع مما يزيدنا تفقهًا في قوله ﵊: "بعثت بجوامع الكلم"، ويضع في أيدينا معجزة ما زال كثير من الناس عنها في غطاء، وهي شريعة سمحة حكيمة تتناول كل ما يمكن تصوره من الحوادث على تباعد المواطن واختلاف الأجيال. وما جاءت على هذا

стр. 1447

النحو إلا لأن رسالة المبعوث بها عامة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبا: ٢٨]. ونحن نعلم أن الألفاظ وضعت للدلالة على ما في النفس، فمتى أتى المتكلم بلفظ شأنه أن يدل على ما في نفسه، وششبين منه المخاطبون قصده، وقف عنده، سواء كانت دلالته بالمنطوق، أو المفهوم، أو بمقتضى المعنى، أو بقرينة حال، أو عادة مطردة. ويكفي في الخطاب الموجه إلى الناس كافة أن يفهمه القوم المستنيرون منهم، وهم الذين يبلّغون سائر الطبقات ما فيه من أحكام وحكمة. وإذا كان هذا شأن المتكلم بلغة العرب، بل شأن المتكلمين بألسنة غيرها فيما يظهر، فمن حكمة الشريعة العامة الخالدة أن تسلكه في إرشادها، وفيما تسنّه من أحكام لا تنقضي وقائعها. والأصول التي نريد البحث عنها في هذا المقام هي: القياس، والاستصحاب، ومراعاة العرف، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، والاستحسان: * القياس: حقق علماء الإِسلام أن لكل حكم شرعي حكمة تلائم شرعه، ومرجع الحكمة إلى رعاية المصالح والمفاسد، وقد قرر المحققون؛ كأبي إسحاق الشاطبي، وغيره: أن أحكامه تعالى معللة بمصالح العباد، وهذا معروف باستقراء موارد الشريعة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ

стр. 1448

وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقوله ﷺ في وجه طهارة الهرة: "إنها هي من الطوافين عليكم والطوافات"، وقوله في وجه منع بيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها: "أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟! ". وإذا كانت الأحكام المنصوص عليها قائمة على رعاية المصالح، فإذا قرر الشارع للواقعة حكماً، ونبَّه في الآية أوالحديث على وجه المصلحة المناسبة لتقريره، أو كان ذلك الوجه ظاهراً ظهوراً لا تحوم عليه شبهة، صحَّ للمجتهد أن يعمد إلى كل واقعة تحقق فيها ذلك الوجه من المصلحة، ويسوِّي بينها وبين الواقعة المنصوص عليها فيما علّقه عليها الشارع من حكم، وذلك ما نسميه بالقياس. فالقياس: أن يعمد المجتهد إلى حكم أمر معلوم، فيثبته لأمر آخر؛ لاشتراك الأمرين في علة الحكم. ومثال هذا: أن النبي ﷺ قال: "لا يتناجى اثنان دون واحد"، وعلة هذا النهي: أن الاثنين إذا تناجيا دون رفيقهما، قد يقع في نفسه أن حديثهما في شأنه، ويحدث له من الظنون ما يكدر صفو الإخاء بينهم. وللفقيه متى اطمأن إلى هذه العلة أن يقرر حرمة محادثة اثنين بلسان لا يعرفه الثالث متى كانا يحسنان لساناً لا يعرفه رفيقهما؛ لأن علة النهي متحققة في هذه الصورة تحققها في المناجاة. فأي عالم يتلو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِوَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ولا يفهم أن علة الأمر بترك البيع عند النداء للصلاة كونه شاغلاً عن أدائها؟ وهذه العلة موجودة في غير البيع؛ نحو: الإجارة بلا فارق، فيصح إلحاقها بالبيع في منعها عند النداء لصلاة الجمعة.

стр. 1449

وأي عالم يسمع قوله ﵊: "لا يبيع بعضكم على بيع بعض"، ولا يفهم أن علة النهي: ما يحدثه هذا البيع من التقاطع والعداء، ثم ينتقل بوسيلة العلة إلى حرمة استئجاره على إجارته؟ وإنما جعلنا القياس في صدر البحث من نوع دلالة اللفظ بالمعقول؛ لأن اللفظ إذا دل بمقتضى وضعه على حكم واقعة، وعرفت علة الحكم؛ فإن العقل متى وجد هذه العلة متحققة في واقعة أخرى، أدرك أن حكمها حكم الأولى، نظراً إلى أن الشارع يسوّي بين الواقعتين حيث اشتركتا في الوصف المؤثر في الحكم، وتماثلتا فيه من كل وجه. فالقياس أصل من أصول الشريعة، وبه اتسع نطاقها، وصارت تتناول من الوقائع مالا يتناهى. قال الإمام أحمد بن حنبل: لا يستغني أحد عن القياس. وقال إبراهيم النخعي: ما كل شيء نسأل عنه نحفظه، ولكنَّا نعرف الشيء بالشيء، ونقيس الشيء بالشيء. وقال الشعبيّ: إنا نأخذ في زكاة البقر فيما زاد على الأربعين بالمقاييس. وقال المزني: الفقهاء من عصر رسول الله ﷺ إلى يومنا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، قال: وأجمعوا أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل. وقال ابن عقيل الحنبلي: قد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعمال القياس، وهو قطعي. وحقق أبو إسحاق الشاطبي أن أصل العادات (١) الالتفات إلى المعنى؛

стр. 1450

أي: إنها معقولة الحكمة، واستدل على هذا بامرين: أحدهما: الاستقراء، فقال: إنا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معها حيثما دارت، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كانت فيه مصلحة جاز. ثانيهما: أن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات، وأكثر ما علل بالمناسب الذي إذا عرض على المعقول، تلقته بالقبول، ثم قال: ففهمنا من ذلك: أن الشارع قصد منها اتباع المعاني، لا الوقوف على النصوص. جرى العمل بالقياس لعهد الصحابة ﵃، ثم التابعين، وظهر العمل عليه في العراق لعهد الإِمام أبي حنيفة وأصحابه أكثر من ظهوره في الحجاز، فاستكثروا منه، وبرعوا فيه، وما زال الناس يأخذون بالقياس إذا لم يجدوا في الواقعة نصاً، حتى جاء إبراهيم بن سيار النظام المتوفى سنة ٢٢١، فأحدث القول بإنكار القياس زاعماً الاستغناء عنه بالنظر إلى ما يدعونه من وصف الفعل بالحسن أو القبح الذاتيين. قال أبو القاسم عبيد بن عمر في كتاب "القياس": ما علمت أن أحداً من البصريين ولا غيرهم ممن له نباهة سبق إبراهيم بن سيار النظام إلى القول بنفي القياس والاجتهاد، ولم يلتفت إليه الجمهور، وممن خالفه في ذلك فريق من زعماء المعتزلة؛ كأبي الهذيل، وبشر بن المعتمر، وبشر المريسي. وظهر بعد هذا داود بن علي الأصبهاني المتوفى سنة ٢٧٠، ونشأ بظهوره مذهب الظاهرية، وروي عنه: أنه كان ينكر القياس، إلا أن يكون جلياً، وهو ما يكون المقيس فيه أولى بالحكم من المقيس عليه؛ كتحريم ضرب الوالدين

стр. 1451

قياسًا على التأفيف الثابتة حرمته في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]. أو مساويًا؛ كحرمة إتلاف مال اليتيم باللبس قياسًا على أكله الثابتة حرمته بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. وهذان النوعان يسميهما الأصوليون: مفهوم الموافقة. وأجاز بعضهم القياس الذي وقع النص على علته خاصة، وأنكروا ما كانت علته مستنبطة. وجاء بعد هؤلاء أبو محمد علي بن حزم الأندلسي المتوفى سنة ٤٥٦، فوقف في جمود، وأنكر أن تكون أحكام الشريعة معللة، وبنى على هذا الرأي الجامد. إنكار القياس جملة، ولم يفرق بين جليّ وخفيّ، وبين ما كانت علته منصوصة، وما كانت علته مستنبطة، قال في كتابه "الأحكام": ذهب أهل الظاهر إلى إبطال القياس جملة، وهو الذي ندين الله به، والقول بالعلل باطل" وقال: "لا يشرع الله شيئاً من الأحكام لعلة أصلًا، فإذا نص الله تعالى، أو رسوله ﷺ على أن أمر كذا بسبب كذا، أو من أجل كذا، أو لأنه كان كذا، فعندي أنه جعل ذلك سبباً للشيء في ذلك الموضع خاصة، ولا توجب تلك الأسباب شيئاً من تلك الأحكام في غير تلك المواضع البتة" وأغلظ القول على القائلين بالقياس، وحمل عليهم حملة جافية. والناظر في الشريعة بتدبر، القائم على سير الأئمة المجتهدين بيقظة، يدرك أن ابن حزم سار في غير سبيل، واعتمد على غير دليل. تحدث أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة" عن طائفة الظاهرية، وقال: وغُرّ بهم رجل كان عندنا يقال له: ابن حزم، انتدب لإبطال النظر، وسدِّ سبل العبر، ونسب نفسه إلى الظاهر اقتداءً بداود وأشياعه، واعتمد

стр. 1452

الرد على الحق نظمًا ونثراً. ثم أورد القاضي أبو بكر أبياتاً في الرد عليه، ومما يقول في الأبيات: إنَّ الظواهر معدودُ مواقعها ... فكيف تحصي بيانَ الحكم في البشر فالظاهريةُ في بطلانِ قولهم ... كالباطنية غير الفرق في الصور كلاهما هادم للدين من جهة ... والمقطع العدل موقوف على النظر هذي الصحابة تستمري خواطرها ... ولا تخاف عليها غرة الخطر وتعمل الرأي مضبوطاً مآخذه ... وتخرج الحق محفوظاً من الأثر بالغ ابن حزم في إنكار القياس وجحوده أن تكون أحكام الشريعة معللة، وادعى أن نصوص الشريعة وافية بكل ما يحتاج إليه من أحكام، وقد خرج بهذه النزعة عن طريقة السلف، ولم يرتضها منه المحققون من الخلف، وجمهور أهل العلم يتمسكون بأصل القياس، وإن كانوا يختلفون في بعض ضروبه، وهؤلاء اختلفوا في تقدير الأحكام المستفادة من النصوص، فمنهم من يراها قليلة بالنسبة لما يؤخذ من طريق الأقيسة، حتى قال إمام الحرمين: إن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة، وسائرها مأخوذ من طريق القياس. وقال قوم منهم ابن تيمية: إن النصوص وافية بمعظم أحكام العباد، والبقية مشروعة على طريق القياس. وقد يكون اختلافهم في هذا التقرير راجعاً إلى اختلافهم في فهم النصوص، وفيما تتناول من معان، فبعضهم لا يتعدى في تفسير اللفظ صورة واحدة، وغيره يذهب في تأويله إلى معنى واسع، ويجعله شاملاً لصور شتى، فالخمر المحرّمة بالكتاب - مثلاً - يحملها بعضهم على عصير العنب خاصة، وعليه فما لا يكون من عصير العنب من المسكرات، يرجع في حرمته إلى

стр. 1453

دليل آخر؛ كالقياس. ويذهب آخرون إلى أن الخمر في القرآن يتناول كل مسكر، واستدلوا على هذا بحديث مسلم: "كل مسكر خمر"، فعلم من الحديث أن لفظ الخمر لم يكن مخصوصًا بعصير العنب، فيكون المسكر من غير عصير العنب محرمًا بنص الآية، سواء أكان، الحديث مبيناً لمعنى الخمر لغة، أم مبيناً له على مقتضى عرف الشارع، فإن الشارع يتصرف اللغة، ومن تصرفاته فيها: أن يستعمل اللفظ فيما هو أعمّ من معناه؛ كما يستعمله فيما هو أخص منه. ونحن لا ننكر أن من أنصار القياس من أوردوا في الاستدلال على صحته ما يقصر عن أن يفيد علماً، أو يكسب ظنًا، كما أن منكري القياس ساقوا آيات واَثارًا تعسفوا في جعلها أدلة على بطلانه، وإنما يقصد بتلك الآيات والآثار: الآراء التي لا تستند إلى علم، والأقيسة التي تتكئ على غير أصل؛ كقياس الذين قالوا: "إنما البيع مثل الربا"، وأما القياس بمعنى: الحكم على الشيء بحكم نظيره الموافق له في المعنى، المقتضي للحكم بدون فارق، فذلك ما لا يختلف أولو الألباب في صحته. قال ابن قيِّم الجوزية: وهل يستريب عاقل في أن النبي ﷺ لما قال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" إنما كان ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين إنعام النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد، فمن قصر النهي على الغضب وحده دون الهم المزعج، والخوف المقلق، والجوع، والظمأ الشديد، وشغل القلب

стр. 1454

المانع من اللهم، فقد قلَّ فقهه وفهمه. فالقياس أصل في الشريعة أصيل، وإذا تعرض له نفر بعقول غير راجحة، أو بقلوب غير عامرة بالتقوى، فابتغوه وسيلة إلى أحكام تتبرأ منها الشريعة، فقد بليت النصوص - وهي حقائق كالصبح إذا أسفر - بامثال هؤلاء، فخرجوا بها عن مقتضى الحكمة والبلاغة، وجاؤوا في تأويلها بما يشاكل عقولهم، ويرضي شهواتهم. قال الإِمام الشافعي ﵁: "ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالماً بما مضى قبله من السنن, وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم، ولسان العرب، ويكون صحيح العقل، حتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه؛ لأن له في ذلك تنبيهاً على غفلة ربما كانت منه، أو تنبيهاً على فضل ما اعتقد من الصواب". * الاستصحاب: يجد الإنسان في نفسه أنه إذا تحقق عدم شيء أو وجوده، كان على ظن من استمرار ذلك الشيء على ما تحقق فيه من عدم أو وجود، ويبني على ذلك الظن أعمالاً ليس من شأنه أن يفعلها في حال ما إذا كان في شك من استمرار الشيء على العلم أو الوجود، فإذا ناقش أحد في مراسلة الشخص ممن عرف وجوده، وزعم أن مثل هذه المراسلة يكفي فيها أن يكون على شك من استمرار وجوده، فإنه لا يستطيع أن يناقش في أن من اشترى حيواناً غائبًا - مثلاً - كان قد رآه من قبل، ودفع ثمنه، أنه اعتمد على ظن استمرار حياته، ولا يستطيع أن يناقش في أن من اقتحم بصبيته مفازة مغبرَّة الأرجاء، دون أن يحمل معه ماءً كافياً، إنما اعتمد على ظنّه بقاء ما عرفه فيها من آبار

стр. 1455

نابعة. ولولا ما يغلب على ظن الأب العطوف من حياة ابنه الغائب في سفر، لما كان يبيت إلا في قلق وحيرة. وإنك لتجلس إلى الإنسان العاقل، وتسأله عن شخص عرف أحواله، ثم انقطع عنه شهرًا أو سنة، فيتحدث عنها بكلام من لا يشك في أنها واقعة في الحال، فيقول: هو موسر، أو بائس، له ولد، أو لا ولد له، وبينه وبين فلان عداوة أو صداقة. وظنُّ الإنسان لاستمرار ما تحقق عدمه أو وجوده، منبّه إلى أن الأصل في عدم الشيء أو وجوده الاستمرار حتى يقوم الشاهد على انقطاعه، وهذا الأصل مما نظر إليه الفقهاء عند تقرير الأصل الذي يسمونه: (الاستصحاب). الاستصحاب: أصل من أصول الشريعة التي تجعل العلماء في فسحة، وتخلصهم من مواقف الحيرة، وهو أصل متفق على العمل به في الجملة، وإن اختلفوا في بعض ضروبه. قال القرطبي: "القول باستصحاب لازم لكل أحد؛ لأنه أصل تنبني عليه النبوة والشريعة، فإن لم نقل باستمرار حال تلك الأدلة، لم يحصل العلم بشيء من تلك الأمور". واستمرار حال أدلة النبوة والشريعة من الاستصحاب الذي لا يختلف العقلاء في صحته، ولا يتطرق إليه الريب في حال. ونحن لا نقصد في هذا المقام إلى بسط القول بذكر مذاهب الفقهاء في الاستصحاب، وتقرير أدلتها، فموضع ذلك كتب الأصول، والقصد أن نتحدث عنه بمقدار ما يستبين القارئ حقيقة أصل من الأصول التي جعلت مجال الاجتهاد فسيحًا، وطريق الفتوى ممهدة، ولا تنجلي حقيقته إلا ببيان أقسامه، وضرب المثل لكل قسم منها، وذلك ما نتحرَّاه في هذا المقال:

стр. 1456

الاستصحاب: ثبوت أمر في الزمن الحاضر بناء على ثبوته فيما مضى، فالأمر الذي علم وجوده، ثم طرأ الشك في عدمه، فالأصل بقاؤه، والأمر الذي علم عدمه، ثم عرض الشك في وجوده، فالأصل استمراره في حال العلم، فمن تزوج فتاة على أنها بكر، ثم ادعى بعد البناء بها أنه وجدها ثيبًا، لم تقبل دعواه إلَّا ببينة؛ لأن حال البكارة ثابت من حين نشأتها، فيستصحب إلى حين البناء حتى تقوم على عدمه البينة. ومن اشترى طائراً أو كلباً على أنه يحسن الصيادة، وادعى بعدُ أنه وجده غير متعلم لها، سُمعت دعواه هذه، إلا أن تدفع ببينة؛ لأن حال الحيوان في الأصل عدم معرفة الصيادة حتى يعلَّمها، فإذا وقع فيها تردد، استصحب الأصل حتى يقوم الشاهد على ثبوتها. والاستصحاب كسائر الأصول التي يستخلصها المجتهد من استقراء جزئيات كثيرة من موارد الشريعة، ويرجع بمقتضى ما ذكره علماء الأصول إلى أربعة أقسام: أحدها: استصحاب ما هو حكم الأشياء في الأصل حتى يقوم الدليل على ما يخالفه، وبيان هذا: أن كثيراً من أئمة الشريعة ذهبوا إلى أن الأشياء في الأصل خالية من الحكم؛ أي: أنها لا توصف بشيء من الأحكام الشرعية من الوجوب والحرمة، والندب والكراهة والإباحة، ومقتضى هذا: رفع الحرج والإثم عن الفعل والترك، ورجَّح فريق أنها على الإباحة. ومآل القولين واحد، فإن الحرج في الفعل والترك مرفوع على كلا المذهبين، وإنما يمتاز مذهب الإباحة بأنه صريح في التخيير، أما مذهب انتفاء الأحكام، فغايته رفع الحرج، ورفع الحرج لا يستلزم التخيير في الأمر، لاحتمال أن يكون مكروهاً.

стр. 1457

ورأى آخرون أنها على المنع. وأدلة هذه المذاهب مبسوطة كما ذكرنا في كتب الأصول. وتظهر فائدة الخلاف في الأشياء التي لا يجد المجتهد على حكمها من دليل. أو الأشياء التي تتعارض عندها الأدلة، ولا يبدو له في جانب أحدها وجه من الترجيح. فهذه الأشياء يرجع بها كل فريق من أصحاب هذه المذاهب إلى استصحاب ما يراه أصلًا للأشياء، فهذا يستصحب فيها انتفاء الحكم، فتلحق بما لا حرج فيه، وذاك يستصحب فيها الإباحة، فتكون من قبيل المخير في فعله وتركه، والآخر يستصحب فيها المنع، فتدخل فيما لا يجوز الإقدام عليه. وقد يسبق إلى ظنك أن القول بانتفاء الأحكام واستصحاب هذا الانتفاء فيما لا يطلع له المجتهد على حكم، يجعل بعض الأفعال خالية من أحكام الشريعة، فيدفع هذا الظن بأن المجتهد يصل به الدليل المعتدّ به في نظر الشارع إلى أن ما لا يجد له حكماً في نص أو قياس، يستصحب الأصل الذي هو انتفاء الأحكام الخمسة المقتضي رفع الحرج، فيرجع إلى أن حكم الشارع فيه رفع الحرج في الفعل والترك. هذا: وقد اختار كثير من المحققين أن الأصل في الأشياء الإباحة، فهي على التخيير حتى ينهض الدليل على ما سواه من كراهة أو حرمة، أو ندب أو وجوب، فإذا عرض لهؤلاء، أو للقائلين بأن الأصل انتفاء الأحكام أمر، اجتهدوا في تعرف حكمه من الأدلة السمعية أو القياس، فإن لم يظفروا

стр. 1458

به هنالك، استصحب الأولون فيه الإباحة، واستصحب الآخرون رفع الحرج والإثم. ومقتضى هذا الأصل أن كل ما يوجد في هذا الكون من جماد أو نبات أو حيوان، ولم يرد في الشرع ما يقتضي النهي عن تناوله واستعماله، يكون من قبيل المأذون فيه. ذلك ضرب من الاستصحاب. وهنا ضرب آخر، وهو استصحاب ما دلّ الشرع على ثبوته؛ كملك الأرض أو البضاعة عند تحقق القول المقتضي له، وحلِّ النكاح بعد امتلاك العصمة، وشغل الذمة عند التزام مال أو إتلافه، فإذا عرض شك في الملك، أو حل النكاح، أو شغل الذمة، ألغي الشك، وقضي باستمرار الملك حتى تقوم البينة على نفيه، وببقاء العصمة حتى يعلم انقطاعها، وببقاء الذمة مشغولة بما التزمت، وقيمة ما أتلفت حتى تثبت براءتها بإقرار أو بينة. والقضاء ببقاء الملك أو العصمة أو شغل الذمة، مع عروض الشك فيها، يستند إلى استصحاب ما دلّ الشرع على ثبوته قبل حال الشك، فصار بعد حال الشك بمنزلة المعلوم. ولم يختلف أهل العلم في العمل بهذا الضرب من الاستصحاب إلا أن يقوم تجاهه ما يراه المجتهد أقرب دلالة، وأظهر حكماً. ذانك ضربان من الاستصحاب. وهنا ضرب ثالث، وهو استصحاب العلم الأصلي؛ كأن يدعي الشريك أو المضارب أن المال لم ينتج عنه ربح، فتقبل دعواه استصحابًا للأصل الذي هو عدم الربح، إلا أن يثبت الربح ببينة. ومن مُثله: أن يشتري المضارب صنفًا من البضائع، فيدّعي صاحب المال أنه نهاه عن شراء هذا الصنف،

стр. 1459

وينكر المضارب، فالقول للمضارب؛ استصحاباً للأصل الذي هو عدم النهي. وهذا الضرب من الاستصحاب لا يخالف في العمل به أحد من أهل العلم، إلا أن يصرفه عنه دليل أظهر منه وأقوى. تلك ثلاثة أضرب من الاستصحاب. وهنا ضرب رابع منه، وهو أن يعلم ثبوت أمر عقلي أو حسي بإحدى طرق العلم، ثم يقع الشك في زواله، فيستصحب بقاؤه، وتجري الأحكام على هذا الاستصحاب حتى يحصل العلم أو الظن بزواله، ومن أمثلته الدائرة: أن يفقد شخص، فيقوم بعض من شأنه أن يرثه مدعيًا وفاته مطالباً بقسم ما ترك من مال، فترد دعواه بأن حياة ذلك الشخص كانت قبل الفقد معلومة، فتستصحب فيما بعد حتى يقوم الشاهد بوفاته. وهذا الضرب من الاستصحاب يعمل عليه كثير من أئمة الفقه، وخالف في حجيته أئمة آخرون، وذهبوا فيه مذاهب وسعتها كتب الأصول بحثاً واستدلالاً. تلك أربعة أضرب من الاستصحاب. وهنا ضرب خامس يسمى: استصحاب الإجماع، وهو أن يكون الأمر بحالة، ويتفق فيه على حكم، ثم يتغير إلى حالة أخرى، فيستصحب حكم الإجماع في الأمر بعد تغيره حتى يقوم الدليل على أن له حكماً غير ما انعقد عليه الإجماع. والمثال الذي يوضحه: مناظرة جرت بين أبي سعبد البردعي، وداود الظاهري في بيع أم الولد، قال داود الظاهري: قد اتفقنا على جواز بيعها قبل العلوق بالحمل، فمن زعم أن بيعها بعد الولادة لا يجوز، فعليه الدليل.

стр. 1460

فقال أبو سعيد: قد اتفقنا على منع بيعها حاملاً، فمن زعم أن بيعها بعد الوضع جائز فعليه الدليل. فسكت داود، ولم يحر جواباً، وهذا النوع من الاستصحاب قبله بعض أهل العلم وردَّ آخرون. ذلك الاستصحاب، وتلك أقسامه، وقد استنبط الفقهاء استصحاباً آخر هو على عكس الأول، ويسمى: الاستصحاب المقلوب. وحقيقته: ثبوت أمر في الزمن السابق بناءً على ثبوته في الزمن الحاضر، وللمالكية فتاوى مبنية على رعايته؛ كمسألة الوقف الذي لا يدرى بعد البحث أصلُ مصرفه، وشرط واقفه، ولكنَّا نجده في الزمن الحاضر يصرف على حالة، إذ قالوا: إن هذه الحالة تستصحب فيما قبله، ويحمل على أن مصرفه في الأصل هكذا، وتكون الحالة التي يصرف عليها صحيحة حتى تقوم البينة على عدم مطابقتها لما صدر من الواقف. وكمسألة الزوج يغيب عن زوجته دون أن يترك لها نفقة، فتطالبه بما أنفقت في غيبته، فيدعي أنه كان في مدة الغيبة معسراً، وتدعي هي أنه كان موسراً، إذ قالوا: إنه ينظر إلى حال قدومه من عسر أو يسر، وتستصحب في زمان الغيبة، فإن قدم موسراً، عدّ في الغيبة ذا يسار، وقضي عليه بما تطلب الزوجة من النفقة. فها هنا ثبت أمر، وهو يسار الزوج في الزمن السابق، أعني: زمن الغيبة، بناء على ثبوته في الزمن الحاضر؛ أي: زمن قدومه، بالاستصحاب. وإنما يعتمد المجتهد على الاستصحاب بجميع أقسامه بعد أن ينظر في الحادثة، ولا يجد لها حكماً في نص أو قياس. قال الخوارزمي في كتاب "الكافي": "الاستصحاب آخر مدار الفتوى؛ فإن المفتي إذا سئل عن حادثة، يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السنَّة، ثم

стр. 1461

في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجده، يأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردد في زواله، فالأصل بقاؤه، وإن كان التردد في ثبوته، فالأصل عدم ثبوته". هذا صفوة ما يقوله أهل العلم في الاستصحاب، وقد رأيته كيف يفتح للفقهاء طرقًا يصدرون بها الفتوى في يسر، وينفذون منها إلى فصل القضايا في سرعة، علاوة على ما فيه من الدلالة على سماحة الإسلام، وأنه دين الفطرة الذي لا يشعر أولياؤه بحرج فيما شرع من أحكام. * مراعاة العرف: للعادات أثر كبير في شرع النظم والقوانين، فلا غنى للمشرع عن مراعاتها، قليلاً أو كثيراً، ولها قسط وافر من عناية واضعي القوانين في القديم والحديث، فأساس القانون الروماني عادات كانت تجري في مدينة رومة؛ وأساس القانون الإنكليزي عادات السكسون والنورمان الذين فتحوا بلاد إنكلترة. وكذلك الشريعة الإِسلامية لم تقطع النظر عن العرف، وجعلت رعايته أصلاً من أصولها العامة على شروط نذكرها فيما بعد. ومن القواعد التي تدور عليها أحكامها السمحة: "العادة المحكمة". والعرف والعادة: ما يغلب على الناس من قول أو فعل أو ترك. ومثال العرف القولي من باب الوقف: قول الفقهاء في حبس يقول صاحبه: "هو حبس على ولدي": إنَّه يدخل فيه البنات، إذا كان لفظ الولد يطلق على الذكر والأنثى في عرف بلد الواقف، أو لم يكن هناك عرف، أما إذا كان عرفهم إطلاقه على الذكر فقط، فإنه يختص بالذكور، ولا يدخل

стр. 1462

فيه الإناث، وإن كان معنى الولد لغة يعم المصنفين. ويراعى العرف القولي، وإن لم يوافق لغة العرب، أو ما جاء في لسان الشارع. وعلى هذا ينبني قول بعض أهل العلم فيمن حلف لا يأكل لحماً، فأكل سمكاً: إنه لا يحنث؛ حيث إن السمك لا يسمّى في العرف لحماً، وإن سمي به في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢]. كما أن من حلف لا يجلس على بساط، لا يحنث بجلوسه على الأرض؛ لأنها لا تسمى في العرف بساطًا، وإن كان لفظ البساط يتناولها بمقتضى معناه في لسان العرب، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩]. يعتد بالعرف القولي متى كان عاماً لبلد أو قوم، وتحمل عليه ألفاظ المتكلمين من أهل تلك البلد بإطلاق، سواء في ذلك العقود والالتزامات، والأيمان والنذور، أما إذا كان العرف القولي خاصًا بالمتكلم دون قومه أو أهل بلده، حمل لفظه عند المالكية على عرفه الخاص في الأيمان والنذور والطلاق، أما العقود، فإنما يرجع فيها إلى العرف العام، أو الوضع اللغوي، إن لم يكن هناك عرف عام. ومثال العرف الفعلي: الزوجان يختلفان في المهر بعد البناء، فيدعي الزوج أنه دفعه لها، وتنكر الزوجة ذلك، فقد قال الإِمام مالك: إن القول للزوج؛ لأن العرف بالمدينة كان جارياً بدفع المهر قبل الدخول. وتطَّرِد هذه الفتوى في كل بلد تجري فيه العادة بدفع المهر قبل البناء. ومن هذا القبيل مسألة الحيازة عند المالكية، فمن حاز عقاراً عشر سنين، ثم قام شخص يدعى استحقاق ذلك العقار، ولم يقم عذراً عن سكوته تلك المدة؛ بنحو غيبته عن البلد، أو عدم علمه بحيازة المدعى عليه للعقار، فإنه لا ينتفع بالبينة

стр. 1463

التي تثبت له أصل الملك، ذلك لأن العرف جار على أن الرجل لا يشاهد غيره يتصرف في ملكه هذه المدة الطويلة، ويسكت عنه. وكذلك أفتى الإِمام المازري فيما إذا جرت عادة قوم بقدر الصداق، وعرفها المتعاقدان أن هذه العادة بمنزلة التسمية، ويحكم بذلك القدر المتعارف، ولا يكون النكاح من قبيل نكاح التفويض. هذا هو الشأن في العرف الفعلي العام لقوم أو أهل بلد، أما العرف الفعلي الخاص بفرد، فقد حكى شهاب الدين القرافي: الإجماع على عدم الاعتداد به، فلا تخصص به العمومات، ولا تقيد به المطلقات. وأنكر عليه بعض الفقهاء المالكية حكاية الإجماع، وأوردوا مسائل في المذهب تدل على التخصيص بالعوائد الفعلية، وإن كانت خاصة. ومما ساقه بعضهم مثالاً لهذا الضرب من العرف: مسألة الرجل يوكَّل آخر على شراء ثوب، فيشتر له ما لا يناسب عادته أو عادة خدمه، فقد أفتوا بأن ما اشترى غير لازم للموكل، بل هو لازم للوكيل. ومثال العرف الجاري بالترك: تسامح الناس في ثمر الغصن الخارج عن حدود البساتين، فمن وجد شيئاً منه واقعًا على الطريق - مثلاً -, ساغ له الانتفاع به دون توقف على الإذن الصريح من صاحبه؛ لأن أصحاب البساتين يتسامحون في مثله، ولا يتعرضون لمن يلتقطه. والعرف ثلاثة أقسام: أحدها: ما يقوم الدليل الخاص على اعتباره؛ كمراعاة الكفاءة في النكاح. ثانيها: ما يقوم الدليل على نفيه؛ كعادة الجاهلية في التبرج، وطوافهم

стр. 1464

بالبيت عراة، ومناصرة الأخ وإن كان ظالماً. ثالثها: ما لم يقم دليل على اعتباره أو نفيه، وهذا موضع نظر المجتهدين، فيذهب كثير منهم إلى مراعاته، ويجعلونه أصلاً من أصول الشريعة يبنون عليه فتاوى وأحكاماً، وأكثر ما تجد هذه الفتاوى في كتب المالكية والحنفية والحنابلة. وصلة العادة بالشريعة على وجهين: أحدهما: أن يغلب على الناس أمر، فيقرره الشارع، ويجعله حكماً يقضي به عند الاختلاف. ومثال هذا من الشريعة الغرّاء: وضع الدية على العاقلة، ومراعاة الكفاءة في النكاح. والتحقيق: أن الشريعة العادلة لا تجعل نفس العادة قانونًا إلا أن تكون العادة معقولة صالحة. ثانيهما: أن يغلب على الناس معنى، فيراعيه في تفصيل حكم الواقعة، حتى إذا تبدلوا بذلك المعنى عرفاً آخر، كان على المفتي إعادة النظر في الواقعة لتقرير حكم يراعى فيه العرف الطارئ، وهكذا يتجدد النظر في الواقعة ما تجددت العادات. ومثال هذا: أن يجري العرف في بضاعة بدفع ثمنها نقدًا، فإذا اشترى أحد شيئاً من هذه البضاعة، ووقع في حيازته، ثم قام البائع يدعي أنه لم يقبض ثمنها، وادعى المشتري أنه سلّم له الثمن حسب العادة الجارية، فأصل مراعاة العرف يقضي بأن يكون القول للمشتري مع اليمين متى عجز الباع عن إقامة البينة. فالحكم الذي بني على العرف في هذا المثال، وهو جعل القول للمشتري حيث صدّقه العرف حتى يكذبه البائع ببينة. ومن أمثلته: أن العادة جارية في كثير من البلاد على أن الرجل يستودع

стр. 1465

زوجته المال، فإذا سلم أحد إلى آخر وديعة، فوضعها عند زوجته، فضاعت منه، لا يكون ضامنًا لها، نظراً إلى هذا العرف، وكأن صاحب المال لعلمه بالعرضي إيداع الرجل لمال عند زوجته يعد راضياً بإيداع المال عند الزوجة، وإنما يضمن المودع إذا تصرف في الوديعة على وجه لا يرضى عنه صاحبها. * هل يرعى العرف الفاسد؟ إذا جرى عرف الناس ببعض العقود الفاسدة - مثلاً -، فهل يراعى هذا العرف في بناء الأحكام، أو إنما تبنى الأحكام على العرف البخاري على وجه صحيح؟ ذهب كثير من فقهائنا إلى عدم مراعاة العرف الفاسد، وذهب آخرون إلى مراعاته. ومما ينبني على هذا: أن يجري عرف قوم ببعض العقود الفاسدة شرعاً، ويختلف المتعاملان، فيدعي أحدهما أن العقد وقع على الوجه الفاسد، يروم نقض البيع، ويدعي الآخر أنه وقع على الوجه الصحيح، فالقائلون بصحة مراعاة العرف الفاسد يرون العرف هنا شاهداً بصدق مدعي الفساد، فينقض البيع، إلا أن يقيم الآخر البينة على أن المعاملة جرت على وجهها الصحيح. قال عبد المنعم بن الفرس في كتاب "أحكام القرآن": "وإذا تنازعا في بيع أو إجارة، وادعى أحدهما الصحة، والآخر الفساد، وكان الفساد الذي ادعاه جاريًا بين الناس، فالمشهور أن القول قول مدعي الصحة، ومن أصحاب مالك من يقول: القول عي الفساد، وتفسخ المعاملة". والقائلون بمراعاة العرف الفاسد يثظرون إلى أن المعنى الذي اقتضى

стр. 1466

جعل القول لمدعي الصحة فيما إذا جرى العرف على الصحة حاصل في العرف الفاسد، وهو غلبة معنى على الناس يقتضي غلبة الظن بصدق من اقترن هذا المعنى بدعواه. وبمراعاة العرف في كثير من الأحكام صحّ أن تختلف أحكام بعض الوقائع باختلاف المكان والزمان؛ لأن العادة قد تجري في موطن دون آخر، وتطرأ في عصر، وتنقطع في عصر، ولا يعد اختلاف الأحكام باختلاف العادات اختلافاً في أصل خطاب الشارع، بل معنى هذا الاختلاف: أن العادات إذا اختلفت، اقتضت كل عادة حكماً يلائمها، فالواقعة إذا صحبتها عادة، اقتضت حكماً غير الحكم الذي تقتضيه عندما تقترن بغيرها من العادات، فإذا جرت عادة قوم باستقباح كشف الرأس في جماعة، كان للقاضي أن يعزر من استحق التعزير الخفيف بكشف رأسه في ملأ من الناس، فعمل من استحق التعزير قد اقترن بعادة استقباح كشف الرأس، فكان التعزير بكشف الرأس مجزئًا. وإذا لم يكن كشف الرأس في عادة قوم مستقبحاً، امتنع أن يكون طريقاً كافياً للتعزير، ولا بدّ للقاضي من اتخاذ طريق آخر يكون له وقع الألم في نفس المستحق للتعزير. فخطاب الشارع الذي تعلق بالواقعة المقتضية للتعزير حال صحبتها لعادة استقباح كشف الرأس، غيرُ الخطاب الذي يتعلق بواقعة مثلها تصاحب عادة عدم استقباح ذلك. ولاختلاف الأحكام باختلاف العرف ترى فقهاء المذاهب لا يأخذون بفتاوى أئمتهم القائمة على رعاية العرف، متى تحققوا أن العرف قد تغير، وأن الواقعة أصبحت تستحق حكماً آخر غير ما قرره الأئمة من قبل، فلفقهاء المالكية؛ كأبي عبد الله بن عتاب، والقاضي أبي بكر بن العربي، وأبي الوليد

стр. 1467

ابن رشد، وأبي الأصبغ بن سهل، والقاضي ابن زرب - فتاوى عدلوا فيها عن المشهور في المذهب، وبنوها على رعاية العرف، وجرى باختيارهم عمل أهل القضاء والفتوى من بعدهم. قال شهاب الدين القرافي في "قواعده": إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك، لا تجره على عرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات - أيةً كانت - إضلال الذي الدين، وجهل بمقاصد المسلمين والسلف الماضين. وكذلك ترى فقهاء الحنفية يخالفون ما نص عليه أبو حنيفة في مسائل بناها على عرف كان جاريًا في زمنه. وقالوا في وجه هذه المخالفة: إن أبا حنيفة لو كان في زمنهم، لما وسعه إلا أن يفتي بما أفتوا به. ولم يعدّوا التصرف في الأحكام القائمة على العرف خروجاً عن المذهب، وإنما هو الأخذ بأصل إمامهم الذي يقتضي الرجوع إلى العرف في الأحكام. يراعى العرف في القضاء والفتوى، وليس للفقيه أن يفتي أو يقضي بما جرى به العرف المخالف لأصل من أصول الشريعة، إلا أن تدعو إلى ما جرى به العرف ضرورة، فيكون الحكم مبنيًا على مراعاة الضرورة، ويدخل في قبيل الرخصة التي يقررها الفقيه على سبيل الاجتهاد. فشأن الفقيه أن ينظر في المعاملات المخالفة لأصل من أصول الشريعة، فإن وجدها ناشئة عن ضرورة، كان له أن يستثنيها من أصل المنع، ويجعل الضرورة علة استثنائها من ذلك الأصل. فإن كانت ناشئة عن جهالة، أو هوى غالب، فما له إلا أن يفتي بفسادها، ويعلم الناس وجه المعاملة الصحيحة. ولا يصح جعل ما يجري به العرف الفاسد أمراً مشروعاً، ويفتى بصحته دون

стр. 1468

أن تدعو إليه ضرورة يحسن العارف بمقاصد الشريعة تقديرها. قال العلامة أبو عبد الله بن شعيب أحد علماء تونس في القرن الثامن: "وغلبة الفساد إنما هي من إهمال حملة الشريعة، ولو أنهم نقضوا عقود الفساد، لم يستمر الناس على الفساد". وقال الأستاذ الشيخ إبراهيم الرياحي التونسي في إحدى فتاويه: "والعرف المعتبر هو ما يخصص العام، ويقيد المطلق، وأما عرف يبطل الواجب، ويبيح الحرام، فلا يقول به أحد من أهل الإِسلام". فإذا أفتى بعض الفقهاء بصحة عقد مخالف لأصل شرعي، وظهر من عبارته أنه استند في إفتائه إلى جريان العرف بهذا العقد، فاعلم أن العبارة لم تفرغ في قالب التحقيق، أو أنه لم يزن الفتوى بقسطاس الشرع المستقيم. وقد يذكر بعض الفقهاء العرف في سياق الاستدلال على جواز أمر، ويريدون ما كان جاريًا في عهد النبوة، أو بين أهل العلم، وليس الدليل في الحقيقة نفس العرف، وإنما هو إقرار النبي ﷺ ، أو الإجماع الذي لا ينعقد إلا على دليل. ومثال هذا: أن الإِمام مالكاً خصّ قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بغير ذوات الأقدار والشرف، وقال: لا يجب على الشريفة إرضاع ولدها؛ لأن العادة جارية بذلك. ولا يريد الإمام: أن مجرد جريان العرف يسوغ هذا التخصص، وإنما أراد: جريان العرف مع عدم إنكار أهل العلم من السلف، فيرجع إلى الاستدلال بالإجماع. وقال بعض أهل العلم: عدم إرضاع الشريفة لولدها عادة عربية، واستمر الأمر فيها بعد الإِسلام إلى زمن مالك ﵁. ومن هذا القبيل: اكتفاؤهم في صحة البيع بالمعاطاة مستندين إلى العادة. وقالوا: إن استمرار هذه العادة،

стр. 1469

يشهد بصحة نقلها خلفاً عن السلف. ويغلب على الظن أنها كانت جارية في عهد رسول الله ﷺ (١). وقد نبه ابن السبكي على ما قلنا من أن العادة لا تخصص العام بنفسه، فقال في "جمع الجوامع": "والأصح أن العادة بترك بعض الأمور تخصيص إن أقرها النبي ﷺ ، أو الإجماع". هذا أصل من الأصول التي يستند إليها المفتي أو القاضي في تفصيل أحكام الحوادث، فتجيء صالحة عادلة. وبمثل هذا الأصل يعلم أن الشريعة الإِسلامية ملائمة لكل زمان ومكان. وليست كما يزعم خالي الذهن من تعاليمها أنها ضيقة المجال، فلا تقي بأحكام الحوادث، أو أنها قديمة العهد، فلا تحفظ مصالح ما تجدد من الأزمان. * سد الذرائع: من أعمال الإنسان أو أقواله ما يشتمل على المفسدة بنفسه؛ كالغصب يحرم الإنسان من الانتفاع بماله، وكالقذف يلوث عرض البريء، ويسقط مكانته من النفوس. ومن الأعمال أو الأقوال ما لا تنشأ عنه المفسدة مباشرة، بل يكون وسيلة إلى عمل أو قول فيه مفسدة؛ كمناولة السكين لمن يسفك بها دمًا معصومًا، فالمناولة في نفسها عارية عن المفسدة، وإنما هي وسيلة إلى ما فيه المفسدة، وهو سفك الدم بغير حق، وكدلالة الظالم على مكان شخص بريء يريد الظالم أن يناله بأذى، فليس في نفس الدلالة مفسدة تقع بوقوعها، وإنما

стр. 1470

المفسدة فيما كانت الدلالة وسيلة إليه، وهو إصابة النفس البريئة بالأذى. ويدلّك على أن مثل مناولة السكين، ودلالة الظالم على مكان البريء لا تحمل في نفسها مفسدة: أنها توجد في بعض الأحيان دون أن ينشأ عنها في الخارج فساد؛ كأن يقوم مانع من استعمال السكين في معصوم الدم، أو ينصرف الظالم عن أذية من دُلَّ على مكانه. وتخلف المفسدة عن الوسيلة لعارض لا يرفع الإثم عن فاعلها؛ لأن الإثم منوط بفعل الوسيلة، مع العلم بما شأنها أن تفضي إليه من فساد. ومن حكمة التشريع الإِسلامي: أنه لم يقصر النظر على ما يحتوى المفسدة بنفسه، بل وجّة نظره إلى وسائل ما فيه المفسدة، فمنعها. والنصوص الواردة في الكتاب والسنّة للنهي عن وسائل ما تقع المفسدة بوقوعه غير قليلة. ومن شواهد هذا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ [النور: ٣٠]، فالأمر بغض البصر من ناحية أن النظر يثير الهوى، والهوى يدفع إلى ارتكاب مفسدة هتك الأعراض، واختلاط الأنساب. ومن هذه الشواهد: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] منع المسلمين من أن يقولوا: ﴿رَاعِنَا﴾، مع قصدهم إلى طلب الرعاية؛ سدًا لباب كان اليهود يدخلون منه إلى سب النبي ﷺ ؛ إذ يستعملون هذه الكلمة، ولا يقصدون منها طلب الرعاية، وإنما يقصدون بها معنى اسم الفاعل المأخوذ من الرعونة. ومن هذا الباب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]؛ فقد نهى عن سب معبودات المشركين

стр. 1471

وهم يسمعون، وأشار إلى أن وجه النهي عن هذا السب: إفضاؤه إلى ما فيه المفسدة، وهو إطلاق ألسنتهم بسب الله تعالى. ويضاهي هذا الشاهد قوله ﷺ : "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه"؛ قيل: يا رسول الله! وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه" (١)، فجعل الرجل شاتمًا لوالديه، ولم يصدر منه شتمهما، وإنما تعاطى وسيلة هذا الشتم؛ وهو شتمه لأبي الرجل الأجنبي أو أمه، فدل على أن فاعل الوسيلة بمنزلة فاعل ما يتبعها. وفي الشريعة أحكام كثيرة تقوم على إعطاء الوسائل حكم ما من شأنه أن يوجد بعدها من ضروب الفساد، تراها قد منعت نكاح المرأة قبل أن تنقضي عدتها؛ حذرًا من اختلاط الأنساب، ثم منعت خطبة المعتدة باللفظ الصريح؛ لأنها تفضي إلى تسرع المعتدة بالإجابة، وادعاء انقضاء العدة قبل انتهاء أجلها، وقبول الهدية مأذون فيه، ولكنه يحرم على المقرض قبول هدية من المفترض كراهة أن تتخذ الهدية طريقاً للربا. وكذلك القاضي لا يجوز له قبول الهدية؛ حذراً من أن تتخذ وسيلة لموبقة الارتشاء. قال ربيعة: "إياك والهدية؛ فإنها ذريعة الرشوة". وإذا أقبل القاضي على أحد الخصمين دون الآخر، وبشّ في وجهه، انكسر قلب خصمه، وضعف بيانه عن إقامة الحجة، فيضيع حقه. فيحرم هذا الإقبال؛ لأنه وسيلة إلى ضعف البيان الذي هو سبب ضياع كثير من الحقوق. وقد تلقى تبعة الضمان على فاعل الوسيلة إذا أفضت إلى ما فيه المفسدة؛ كربّان السفينة يخرج في تصريفها عن المعتاد، ويسير بها في خطر، وهو قادر

стр. 1472

على اجتنابه، فإنه يضمن ما يضيع بغرقها من الأموال والنفوس، وإن لم يقصد إلى إغراقها. وجاء في فتاوى علمائنا: أن من حفر بئرًا في طريق شخص قاصداً هلاكه، فوقع فمات، كان جزاؤه القصاص. ولا تختص الذرائع التي يجب سدها بالأفعال، بل يعد في قبيلها ترك الأفعال التي تحمى بها نفوس أو أموال. فمن وجد رضيعاً بمكان خال، وتركه بحاله، وهو قادر على إنقاذه، عالم بأن تركه يفضي إلى موته، فمات، عُدّ تركه للطفل في موقع التهلكة جريمة؛ إذ كان من وسائل الفساد التي يجب سدها، ومعاقبة من يرتكبها. وجاء في فتاوى الفقهاء: أن من منع فضل مائه مسافراً، وهو عالم أنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم يسقه، فمات، حقت عليه عقوبة القصاص. وكذلك الحارس ينام اختياراً في غير الوقت الذي اعتاد فيه النوم، فيضيع شيء مما أقيم لحراسته، فإنه يضمن ما ضاع، وليس نومه إلا تركاً للحراسة، وكان هذا الترك وسيلة إلى ضياع المال. لم يختلف العلماء في أن سد الذرائع من أصول الشريعة، وإنما يختلفون في بعض الفروع، يذهب بها بعضهم نحو سد الذرائع، ويرجع بها آخرون إلى أصل غير هذا الأصل. قال أبو إسحاق الشاطبي: "إن سد الذرائع أصل شرعي قطعي متفق عليه في الجملة، وإن اختلف العلماء في تفاصيله، وقد عمل به السلف بناء على ما تكرر من التواتر المعنوي في نوازل متعددة دلت على عمومات معنوية، وإن كانت النوازل خاصة، ولكنها كثيرة". يريد الشاطبي: أن السلف جروا في تفصيل بعض الأحكام على أصل سد الذرائع. ومستندهم في تحقيق هذا

стр. 1473

الأصل: ما ورد في الكتاب والسنّة من الأحكام- العائدة إلى هذا الأصل، وهذه الأحكام وإن كان كل واحد منها متعلقًا بنازلة خاصة - قد بلغت من الكثرة مبلغ ما يدل على قصد الشارع إلى سد ذرائع الفساد، فتكون هذه الأحكام الكثيرة بمنزلة قول عام يرد في القرآن أو السنّة مصرحاً ببناء الأحكام على سد الذرائع. والذرائع ثلاثة أقسام: أحدها: ما أجمع العلماء على سدِّه، وهي الوسيلة التي تفضي إلى ما فيه مفسدة على وجه القطع، أو الظن القريب منه؛ كإلقاء السموم في الأطعمة، وحفر الآبار في الطرق. فإلقاء السم في الطعام يفضي على وجه القطع أو الظن القريب منه إلى موت من يتناول الطعام، كما أن حفر الآبار في الطرق يفضي إلى وقوع السائرين بها في غفلة أو ظلام. ومن هذا القسم: صنع الخمر، والاتجار بها؛ فإنه يفضي إلى مفسدة تعاطي شربها قطعاً أو ظناً غالباً، ويدلكم على وجوب سد هذه الوسائل: حديث أنس فيما رواه الترمذي: "لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وواهبها، وآكل ثمنها" وللحاكم المسلم أن يمنع بمقتضى هذا من زرع المخدرات، والاتجار بها ويضع على ذلك عقوبة رادعة. ثانيها: ما أجمعوا على إلغائه، وعدم الالتفات إليه، وهي الوسائل التي يكون إفضاؤها إلى المفسدة نادراً، ومثال هذا: زرع العنب؛ فإنه يكون وسيلة إلى اتخاذ الخمر وتناولها شرباً، ولكن هذه المفسدة نادرة بالنسبة

стр. 1474

إلى الانتفاع بالعنب من حيث إنه ثمرة طيبة، فلا تمتد الحرمة من تعاطي الخمر إلى وسيلته التي هي زرع العنب، بل تبقى منوطة بنحو تحويله إلى خمر، أو تعاطي ما أسكر من عصيره. وقد يكون اتخاذ الخمر من العنب في بعض البلاد كثيراً، ولا تقتضي هذه الكثرة المنع من زرع العنب؛ فإن في هذا المنع حرمانًا للناس من منافعه الطيبة، وقد جعل الشارع لموبقة الخمر عقوبة، متى تولى القيام عليها حازم رشيد، طهرت البلاد من خبث المسكرات، وباهت سائر البلاد برجال لا يخالط عقولهم كدر، ولا يمس نشاطهم كسل، ولا يدنو من جِدِّهم هزل. وإذا فرض أن أمة تبلغ في السفاهة أن يكون اتخاذ الخمر هو الغالب على أعنابها؛ بحيث يكون انتفاعها من العنب في غير هذا الوجه نادرًا، كان للعارف بأصول الشريعة وسياستها النظر في هذه الحالة؛ ليقرر لها حكماً مطابقاً لها. وفي صناعة الطب مصلحة الشفاء من أمراض كثيرة، وقد تكون المداواة وسيلة إلى إتلاف بعض النفوس، وهذه الحالة نادرة بالنسبة إلى ما تفضي إليه من الصحة والسلامة، فتلغى الحالة النادرة، وتبقى المداواة مأذوناً فيها بإطلاق، وليس على الطبيب ضمان ما أتلف، إلا أن يتبين تفريطه، وعدم نصحه في العلاج. وفي تسيير السفن في البحر منافع لا تحصى، وقد يفضي تسيير السفينة إلى غرقها، وهلاك ركابها, ولكن الغرق نادر بالنظر إلى السلامة، فتلغى الحالة النادرة، ويبقى تسيير السفن مأذوناً فيه بإطلاق، وليس على ربّان السفينة

стр. 1475

متى غرقت من ضمان؛ إلا أن يتصرف فيها على وجه يتبين فيه تفريطه. ويلحق بهذا الضرب اتخاذ السيارات والطيارات والغواصات، فإنه قد ينشأ عن استعمال هذه المخترعات إتلاف بعض النفوس البريئة، ولكن هذا الضرر قليل بالنسبة إلى ما يترتب عليها من نحو مصلحة الدفاع، وقطع المسافات البعيدة في أقرب زمان، فلا تمتد الحرمة من إتلافها لبعض النفوس إلى أصل استعمالها، بل تبقى الحرمة مقصورة على استعمالها بدون روية واحتراس، وهو المفضي إلى نحو إهلاك النفوس أو الأموال. ثالثها: ما يتردد بين أن يكون ذريعة إلى مفسدة، وبين أن لا يكون، وهذا موضع اختلف فيه أهل العلم، فمنهم من قال بالمنع من هذا القسم؛ نظراً إلى ما قد يفضي إليه من المفسدة، ومنهم من ذهب إلى الإغماض عنه، وعدم عدّه في الذرائع التي يجب سدها، ومثال هذا: استناد القاضي في الحكم إلى ما يعلم من حال القضية ترفع إليه، فمن أهل العلم من منعه. وأوجب على القاضي الرجوع إلى البينات، والوقوف عندها؛ مخافة أن يتخذ القضاة الذين لم تشرب قلوبهم التقوى الاستناد إلى العلم ذريعة إلى الجور في القضية، فيفصل فيها اتباعاً للهوى، بزعم أنه يعلم منها ما لم تعلمه البينة. فاستناد القاضي إلى علمه متردد بين أن يكون وسيلة إلى حفظ الحق، وأن يكون ذريعة إلى مفسدة الجور في القضاء. والمحققون على سد الذريعة في مثل هذا الفرع. والقاضي الذي يعلم من القضية خلاف ما قامت عليه البينة، يصرف الحكم فيها إلى غيره، ويشهد لديه بما يعلم، فتجري عليه أحكام الشهادة، فإما أن يقبل، وإما أن يلغي.
следующие страницы →