← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وهم يسمعون، وأشار إلى أن وجه النهي عن هذا السب: إفضاؤه إلى ما فيه المفسدة، وهو إطلاق ألسنتهم بسب الله تعالى. ويضاهي هذا الشاهد قوله ﷺ : "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه"؛ قيل: يا رسول الله! وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه" (١)، فجعل الرجل شاتمًا لوالديه، ولم يصدر منه شتمهما، وإنما تعاطى وسيلة هذا الشتم؛ وهو شتمه لأبي الرجل الأجنبي أو أمه، فدل على أن فاعل الوسيلة بمنزلة فاعل ما يتبعها. وفي الشريعة أحكام كثيرة تقوم على إعطاء الوسائل حكم ما من شأنه أن يوجد بعدها من ضروب الفساد، تراها قد منعت نكاح المرأة قبل أن تنقضي عدتها؛ حذرًا من اختلاط الأنساب، ثم منعت خطبة المعتدة باللفظ الصريح؛ لأنها تفضي إلى تسرع المعتدة بالإجابة، وادعاء انقضاء العدة قبل انتهاء أجلها، وقبول الهدية مأذون فيه، ولكنه يحرم على المقرض قبول هدية من المفترض كراهة أن تتخذ الهدية طريقاً للربا. وكذلك القاضي لا يجوز له قبول الهدية؛ حذراً من أن تتخذ وسيلة لموبقة الارتشاء. قال ربيعة: "إياك والهدية؛ فإنها ذريعة الرشوة". وإذا أقبل القاضي على أحد الخصمين دون الآخر، وبشّ في وجهه، انكسر قلب خصمه، وضعف بيانه عن إقامة الحجة، فيضيع حقه. فيحرم هذا الإقبال؛ لأنه وسيلة إلى ضعف البيان الذي هو سبب ضياع كثير من الحقوق. وقد تلقى تبعة الضمان على فاعل الوسيلة إذا أفضت إلى ما فيه المفسدة؛ كربّان السفينة يخرج في تصريفها عن المعتاد، ويسير بها في خطر، وهو قادر

стр. 1472

على اجتنابه، فإنه يضمن ما يضيع بغرقها من الأموال والنفوس، وإن لم يقصد إلى إغراقها. وجاء في فتاوى علمائنا: أن من حفر بئرًا في طريق شخص قاصداً هلاكه، فوقع فمات، كان جزاؤه القصاص. ولا تختص الذرائع التي يجب سدها بالأفعال، بل يعد في قبيلها ترك الأفعال التي تحمى بها نفوس أو أموال. فمن وجد رضيعاً بمكان خال، وتركه بحاله، وهو قادر على إنقاذه، عالم بأن تركه يفضي إلى موته، فمات، عُدّ تركه للطفل في موقع التهلكة جريمة؛ إذ كان من وسائل الفساد التي يجب سدها، ومعاقبة من يرتكبها. وجاء في فتاوى الفقهاء: أن من منع فضل مائه مسافراً، وهو عالم أنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم يسقه، فمات، حقت عليه عقوبة القصاص. وكذلك الحارس ينام اختياراً في غير الوقت الذي اعتاد فيه النوم، فيضيع شيء مما أقيم لحراسته، فإنه يضمن ما ضاع، وليس نومه إلا تركاً للحراسة، وكان هذا الترك وسيلة إلى ضياع المال. لم يختلف العلماء في أن سد الذرائع من أصول الشريعة، وإنما يختلفون في بعض الفروع، يذهب بها بعضهم نحو سد الذرائع، ويرجع بها آخرون إلى أصل غير هذا الأصل. قال أبو إسحاق الشاطبي: "إن سد الذرائع أصل شرعي قطعي متفق عليه في الجملة، وإن اختلف العلماء في تفاصيله، وقد عمل به السلف بناء على ما تكرر من التواتر المعنوي في نوازل متعددة دلت على عمومات معنوية، وإن كانت النوازل خاصة، ولكنها كثيرة". يريد الشاطبي: أن السلف جروا في تفصيل بعض الأحكام على أصل سد الذرائع. ومستندهم في تحقيق هذا

стр. 1473

الأصل: ما ورد في الكتاب والسنّة من الأحكام- العائدة إلى هذا الأصل، وهذه الأحكام وإن كان كل واحد منها متعلقًا بنازلة خاصة - قد بلغت من الكثرة مبلغ ما يدل على قصد الشارع إلى سد ذرائع الفساد، فتكون هذه الأحكام الكثيرة بمنزلة قول عام يرد في القرآن أو السنّة مصرحاً ببناء الأحكام على سد الذرائع. والذرائع ثلاثة أقسام: أحدها: ما أجمع العلماء على سدِّه، وهي الوسيلة التي تفضي إلى ما فيه مفسدة على وجه القطع، أو الظن القريب منه؛ كإلقاء السموم في الأطعمة، وحفر الآبار في الطرق. فإلقاء السم في الطعام يفضي على وجه القطع أو الظن القريب منه إلى موت من يتناول الطعام، كما أن حفر الآبار في الطرق يفضي إلى وقوع السائرين بها في غفلة أو ظلام. ومن هذا القسم: صنع الخمر، والاتجار بها؛ فإنه يفضي إلى مفسدة تعاطي شربها قطعاً أو ظناً غالباً، ويدلكم على وجوب سد هذه الوسائل: حديث أنس فيما رواه الترمذي: "لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وواهبها، وآكل ثمنها" وللحاكم المسلم أن يمنع بمقتضى هذا من زرع المخدرات، والاتجار بها ويضع على ذلك عقوبة رادعة. ثانيها: ما أجمعوا على إلغائه، وعدم الالتفات إليه، وهي الوسائل التي يكون إفضاؤها إلى المفسدة نادراً، ومثال هذا: زرع العنب؛ فإنه يكون وسيلة إلى اتخاذ الخمر وتناولها شرباً، ولكن هذه المفسدة نادرة بالنسبة

стр. 1474

إلى الانتفاع بالعنب من حيث إنه ثمرة طيبة، فلا تمتد الحرمة من تعاطي الخمر إلى وسيلته التي هي زرع العنب، بل تبقى منوطة بنحو تحويله إلى خمر، أو تعاطي ما أسكر من عصيره. وقد يكون اتخاذ الخمر من العنب في بعض البلاد كثيراً، ولا تقتضي هذه الكثرة المنع من زرع العنب؛ فإن في هذا المنع حرمانًا للناس من منافعه الطيبة، وقد جعل الشارع لموبقة الخمر عقوبة، متى تولى القيام عليها حازم رشيد، طهرت البلاد من خبث المسكرات، وباهت سائر البلاد برجال لا يخالط عقولهم كدر، ولا يمس نشاطهم كسل، ولا يدنو من جِدِّهم هزل. وإذا فرض أن أمة تبلغ في السفاهة أن يكون اتخاذ الخمر هو الغالب على أعنابها؛ بحيث يكون انتفاعها من العنب في غير هذا الوجه نادرًا، كان للعارف بأصول الشريعة وسياستها النظر في هذه الحالة؛ ليقرر لها حكماً مطابقاً لها. وفي صناعة الطب مصلحة الشفاء من أمراض كثيرة، وقد تكون المداواة وسيلة إلى إتلاف بعض النفوس، وهذه الحالة نادرة بالنسبة إلى ما تفضي إليه من الصحة والسلامة، فتلغى الحالة النادرة، وتبقى المداواة مأذوناً فيها بإطلاق، وليس على الطبيب ضمان ما أتلف، إلا أن يتبين تفريطه، وعدم نصحه في العلاج. وفي تسيير السفن في البحر منافع لا تحصى، وقد يفضي تسيير السفينة إلى غرقها، وهلاك ركابها, ولكن الغرق نادر بالنظر إلى السلامة، فتلغى الحالة النادرة، ويبقى تسيير السفن مأذوناً فيه بإطلاق، وليس على ربّان السفينة

стр. 1475

متى غرقت من ضمان؛ إلا أن يتصرف فيها على وجه يتبين فيه تفريطه. ويلحق بهذا الضرب اتخاذ السيارات والطيارات والغواصات، فإنه قد ينشأ عن استعمال هذه المخترعات إتلاف بعض النفوس البريئة، ولكن هذا الضرر قليل بالنسبة إلى ما يترتب عليها من نحو مصلحة الدفاع، وقطع المسافات البعيدة في أقرب زمان، فلا تمتد الحرمة من إتلافها لبعض النفوس إلى أصل استعمالها، بل تبقى الحرمة مقصورة على استعمالها بدون روية واحتراس، وهو المفضي إلى نحو إهلاك النفوس أو الأموال. ثالثها: ما يتردد بين أن يكون ذريعة إلى مفسدة، وبين أن لا يكون، وهذا موضع اختلف فيه أهل العلم، فمنهم من قال بالمنع من هذا القسم؛ نظراً إلى ما قد يفضي إليه من المفسدة، ومنهم من ذهب إلى الإغماض عنه، وعدم عدّه في الذرائع التي يجب سدها، ومثال هذا: استناد القاضي في الحكم إلى ما يعلم من حال القضية ترفع إليه، فمن أهل العلم من منعه. وأوجب على القاضي الرجوع إلى البينات، والوقوف عندها؛ مخافة أن يتخذ القضاة الذين لم تشرب قلوبهم التقوى الاستناد إلى العلم ذريعة إلى الجور في القضية، فيفصل فيها اتباعاً للهوى، بزعم أنه يعلم منها ما لم تعلمه البينة. فاستناد القاضي إلى علمه متردد بين أن يكون وسيلة إلى حفظ الحق، وأن يكون ذريعة إلى مفسدة الجور في القضاء. والمحققون على سد الذريعة في مثل هذا الفرع. والقاضي الذي يعلم من القضية خلاف ما قامت عليه البينة، يصرف الحكم فيها إلى غيره، ويشهد لديه بما يعلم، فتجري عليه أحكام الشهادة، فإما أن يقبل، وإما أن يلغي.

стр. 1476

ومما يساق في الحديث عن هذا القسم: أن الشريعة تحرم على الإنسان أن يقرض آخر عشرة دنانير - مثلاً - على أن يردها إليه خمسة عشرة دينارًا، فإن هذه العقدة هي الربا بعينه، ولو باع زيد سلعة لعمرو بخمسة عشر مؤجلة، ثم اشتراها منه بعشرة نقداً، لكان مآل هذا البيع والشراء إلى أن زيداً دفع إلى عمرو عشرة نقداً، وأخذ منه بعد أجل مسمّىً خمسة عشر، ومثل هذه الصورة قد يقصد فيها زيد وعمرو إلى البيع والشراء على وجه البت، ثم يبدو لزيد أن يشتري ما باع، فيكون هناك عقدان، كل منهما مستقل عن الآخر، فيفارق هذا البيع والشراء عقدة الربا. فإن قصدا من البيع والشراء إعطاء عشرة ليؤخذ بدلها خمسة عشر عند الأجل، فقد جعلا هذه المعاملة وسيلة إلى ما حرّم من الربا؛ لأنها - وإن جرت بألفاظ البيع والشراء - تشتمل على معنى الربا من جميع أطرافه. ومن كبار الأئمة من يمنع هذه المعاملة حيث يكثر قصد الناس فيها إلى القرض بمنفعة. ويستند في هذا المنع إلى قاعدة سد ذرائع الفساد. وقد بلغ بعض الفقهاء في مراعاة سد الذرائع أنه كره فعل بعض المندوبات إذا كان إظهارها، والمواظبة عليها وسيلة إلى اعتقاد العامة سنيتها أو وجوبها. وكان الإِمام مالك ﵁ يكره المجيء إلى بيت المقدس؛ خيفة أن يتخذ الناس ذلك سنّة، وقال سعيد بن حسان: كنت أقرأ على ابن نافع، فلما مررت بحديث التوسعة ليلة عاشوراء، قال لي: حرِّق (١) عليه، قلت: ولم ذلك يا أبا محمد؟ قال: خوفاً من أن يتخذ سنّة، وقد ذكرنا فيما سبق أن الإِمام مالكاً كره إتباع رمضان بصوم ستة أيام من شوال؛ مخافة أن يعتقد العامة أنها في حكم صوم

стр. 1477

رمضان، ومن لا يجيزون ترك المندوب لخوف اعتقاد وجوبه أو سنيته، ويعتمدون على أن من واجب العلماء تبيين أحكام الشريعة وآدابها للناس، وإزاحة ما يحوم بأذهانهم من الأوهام الباطلة، وهذا هو الوسيلة التي يكفي بها شر اعتقاد العامة لسنية الأمر المندوب أو وجوبه. وكمانظر الشارع إلى وسائل الفساد فسدّها، نظر إلى وسائل ما فيه صلاح، ففتحها بالإذن فيها، والحثّ عليها. ومثال هذا: تسعير ما يباع في الأسواق من نحو الأقوات؛ فإنه ذريعة إلى حماية العامة من أن يغبنوا، ويغلي الباعة عليهم ما يحتاجونه في كل يوم. فالإذن في التسعير فتح ذريعة إلى مصلحة اقتصادية لا يستهان بها. فلوليّ الأمران يجمع وجوه أهل السوق، ويحضر غيرهم استظهاراً على صدقهم، فيسألهم كيف يشترون، وكيف يبيعون، ويضع للحاجيات أثماناً محدودة فيها ربح للباعة، ولا تجحف بالعامة. ونرى الشريعة تأتي إلى الأمر يكون له وجه من الضرر، فتأمر به حيث يكون ذريعة إلى ما فيه مصلحة أكبر من ذلك الضرر، ومن هذا القبيل: بذل المال لفداء الأسرى، فالمال المبذول للعدو يزيده قوة، وحرام على المسلمين أن يمدوا عدوهم، ولو بوزن ذرة من ذهب أو فضة، ولكن هذا البذل ذريعة إلى مصلحة يصغر في جانبها ضرر البذل، والمصلحة هي إنقاذ المسلمين من أيدٍ تسومهم سوء العذاب أو الهوان. وفي حلف الشخص بالله كاذباً إثم كبير، ومقتضى هذا: أنه لا يجوز لصاحب الحق - متى أنكر المدعى عليه - أن يطالبه باليمين؛ لأنه يدفعه إلى ارتكاب الإثم الكبير، ولكن الشارع الحكيم أذن لصاحب الحق في تحليف

стр. 1478

المنكر، مع علمه بأنه سيحلف بالله كاذباً؛ إذ كان التحليف ذريعة إلى ظهور الحق في كثير من الأحيان، حيث يحمل المدعى عليه على الإقرار لأول الأمر، أو على الرجوع إليه بعد الإنكار، فهذه المسألة من المواضع التي أغمض فيها الشارع عن وجه الفساد، وفتح بها الذريعة إلى مصلحة ذات شأن خطير. وملخص المقال: أن الشريعة الإِسلامية قد بنت كثيراً من أحكامها المنطوق بها في الكتاب والسنة على رعاية سد الذرائع، وقد استخلص الفقهاء من هذه الأحكام الكثيرة: أن من أصول الشريعة: سد ذرائع الفساد، واستمدوا من هذا الأصل أحكاماً حالوا بها بين الناس وبين ما يفضي إلى كثير من مواقع الفساد، فقاعدة سد الذرائع قاعدة محكمة، وفيها شاهد واضح على أن الشرع الإِسلامي صالح لكل زمان ومكان. * المصالح المرسلة: من اطمأن قلبه إيماناً بأن الشريعة وحي نزل بها الروح الأمين على أفضل الخليقة، لم يرتب في أنها قائمة على حكمة، وأن الخير في الاقتداء بها، والوقوف عند حدودها، يقطع بهذا كل من صادفت فيه دلائل النبوة فطرة سليمة، أو ألمعية ثاقبة، ويزيد المتفقه في الشريعة بعد هذا الاعتقاد الذي اقتضاه أصل الإيمان؛ أنه يرى حق اليقين كيف قامت أصولها، وفصلت أحكامها على رعاية المصالح في الحياتين: العاجلة، والاَجلة، ولم يختلف أهل العلم في أن كل حكم شرعي مربوط بحكمة، وأن الحكمة هي التي دعت إلى تقريره، ومرجع هذه الحكم إلى المصالح والمفاسد، ومن هذا الأصل الذي دلّ على أن الله تعالى قد شرع الأحكام على طريقة جلب المصالح

стр. 1479

ودرء المفاسد، نشأت قاعدة: المصالح المرسلة. لا نزاع في بناء الأحكام على المصالح التي قام الدليل الشرعي على رعايتها، ومثال هذا: حفظ العقل الذي دلّ على رعايته تحريم الخمر، وإقامة الحد على شاربها، فإذا عرض للمجتهد مطعوم لا يسمّى خمراً، ولكنه يفعل بالعقل ما تفعله الخمر، لم يتردد في تحريمه؛ أخذاً بالدليل القائم على اعتداد الشارع بمصلحة حفظ العقل، وبنائه بعض الأحكام على رعايتها، وهذا هو أصل القياس في الشريعة، فإنه مبني على التفقه في بعض الأحكام المنصوصة، ومعرفة قصد الشارع فيها إلى مصلحة بعينها، حتى إذا وجدت هذه المصلحة في واقعة أخرى، أخذت حكم الواقعة المصرح بها. ولا نزاع في عدم الاعتداد بالمصالح التي قام الدليل الشرعي على إلغائها، والشارع الحكيم لا يلغي مصلحة إلا إذا عارضتها مصلحة أرجح منها، أو استتبعت مفسدة لا يستخف بأمرها، ومثال هذا: الاستسلام للعدو: قد يبدو أن فيه مصلحة حفظ النفوس من القتل، ولكن الشارع رأى أن هذه المصلحة مغمورة بالمفاسد من كل جانب، فلم يعتدّ بها، وأذن في دفاع العدو؛ نظراً إلى مصلحة أرجح منها، وهي: احتفاظ الأمة بالعزة والكرامة، والتمكن من المسابقة في مضمار الحياة. ومن هذا الباب: تعدد الزوجات: يتبعه من الضرر أن تتألم المرأة من أن تشاركها في صلة الزوجية امرأة أخرى، ففي ترك التعدد مصلحة هي: قطع وسيلة استياء الزوجة، ولكن الشارع ألغى هذه المصلحة مكئفيًا بما اشترطه من العدل بين الزوجات، وأباح التعدد؛ نظراً إلى ما قد يترتب عليه من المصالح؛ كتكثير النسمل، ومساعدة الرجل على تجنب الحرام الذي قد

стр. 1480

يقع فيه صاحب الزوجة الواحدة إذا عرض مانع من التمتع بها؛ مثل: المرض، والنفاس. ومما يدخل في هذا السلك: قصة أمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم إذ باشر إحدى نسائه في رمضان، ثم ندم على ما فعل، وجمع الفقهاء، وسألهم عمَّا يكفِّر به، فقال له يحيى بن يحيى الليثي: تكفِّر بصوم شهرين متتابعين، فلما خرجوا، قال له بعض الفقهاء: لم لم تفته بمذهب مالك، وهو التخيير بين العتق والصيام والإطعام؟ فقال: لو فتحنا له هذا الباب، سهل عليه أن يباشر كل يوم، ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور؛ لئلّا يعود. وقد أقيمت هذه الفتوى على رعاية مصلحة لم يعتدّ بها الشارع، ففي حمل الملك على الصوم مصلحة منعه من اتباع الشهوات، ولكن الشارع ألغى هذه المصلحة مكتفياً بالنهي عن الإفطار، وتأثيم من يرتكبه، وجعل الكفارة العتق أو الإطعام أو الصيام من غير فرق بين الملك وغيره. ويبقى النظر في المصالح التي لم يقم دليل على رعايتها أو على إلغائها، وهذه هي التي تسمّى: المصالح المرسلة، وقد اعتدّ بهذه المصالح كثير من الفقهاء، وبنوا بعض الفتاوى على رعايتها، والبخاري على بعض الألسنة والأقلام: أنها أصل من أصول المذهب المالكي، والواقع أن لها يداً في سائر المذاهب المعوَّل عليها, وللمالكية القسط الأوفر في استثمارها. قال ابن دقيق العيد: الذي لا شك فيه: أن لمالك ترجيحاً على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في استعماله. وقال البغدادي في "جنة الناظر": لا تظهر مخالفة الشافعي لمالك في

стр. 1481

المصالح؛ فإن مالكاً يقول: إن المجتهد إذا استقرأ موارد الشرع ومصادره، أفضى نظره إلى العلم برعاية المصالح في جزئياته، وكلياته، وأن لا مصلحة إلا وهي معتبرة في جنسها, لكنه استثنى من هذه القاعدة كل مصلحة صادمها أصل من أصول الشريعة، وما حكاه أصحاب الشافعي عن الشافعي لا يعدو هذه المقالة. ولهذه القاعدة أمثلة مسوقة في كتب الأصول من فتاوى السلف وأقضيتهم، ومن هذه الأمثلة: قضاء الصحابة ﵃ بتضمين الصناع، فالرجل ينصب نفسه لصناعة؛ كالخياطة، أو الصبغ، فيدفع إليه شخص ثوباً ليخيطه أو يصبغه، فيدعي ضياعه، ولم يقم بينة على أنه تلف بغير سبب منه، فيقضى على الصانع بضمان الثوب؛ أخذًا بقاعدة المصالح المرسلة، ووجه المصلحة في هذا المثال: أن الناس في حاجة شديدة إلى الصنّاع، وهم يغيبون بالأمتعة عن أعين أصحابها, وليس من شأنهم الاحتياط في حفظها، فمن المصلحة القضاء بضمانهم حتى لا تضيع أموال كثيرة، وهذا معنى قول علي- كرم الله وجهه -: "لا يصلح الناس إلا ذاك"؛ يعني: تضمين الصنّاع. ومن أمثلته: قتل الجماعة بالواحد؛ فإن القصاص الوارد في النص هو قتل النفس بالنفس، فإذا اشترك جماعة في قتل شخص واحد، فهي قضية لم يوجد لها دليل معين، وقد ذهب الإمامان: مالك، والشافعي إلى قتل الجماعة بالواحد، وهو ما يروى عن عمر بن الخطاب ﵁، والمستند في هذا: قاعدة المصالح المرسلة، ووجه المصلحة: أن عدم أخذ الجماعة بالقصاص يذهب بدم القتيل المعصوم هدراً، ويفتح باباً قصد الشارع إلى إغلاقه، وهو باب سفك الدماء البريئة؛ فإن الجماعة متى أمنوا من عقوبة القصاص

стр. 1482

حين يشتركون في القتل، سهل على أحقادهم أو شهواتهم أن تسوقهم حتى يمدوا أيديهم إلى إزهاق الأرواح دفعة، ففي قتل الجماعة بالواحد مصلحة حياة نفوس كثيرة، وحفظها من أن يتواطأ على قتلها جماعات ما لها في احترام الأرواح من خلاق. ومما أسندوه إلى هذه القاعدة: أن يتحفز العدو للهجوم على بلاد الإِسلام، ولم يكن في بيت المال ما يقوم بحاجة الجند المهيأ لقتاله، فقد قال طائفة من علماء الأندلس: للامير العادل أن يفرض على الأغنياء ما يراه كافيًا للجند في الحال، ووجه المصلحة: أن هذا الفرض تقوى به شوكة الدولة، وتخلص به البلاد من استيلاء قوم إن ظهروا عليها, لا يرقبوا فيها إلاًّ ولا ذمة. وإلى هذه القاعدة يستند الإمام مالك في إجازته سجن المتهم، فالسجن عذاب، والأصل أن لا يعذب أحد لمجرد الدعوى، ولكن الإِمام - رحمه الله تعالى- نظر إلى أن في سجن المتهم مصلحة الوصول إلى الحق، وليس ببعيد أن يقصد الشارع إلى حفظ هذه المصلحة، ويغضي عما يلحق المتهم من ألم الاعتقال، والمراد من المتهم: من تقوم حوله قرينة تحيك في نفس الحاكم، وتؤثر في قلبه شيئاً من الظن. وليس في الأخذ بالمصالح المرسلة فتحُ طريق يدخل منه العوام إلى التصرف في أحكام الشريعة على ما يلائم آراءهم أو ينافرها - كما ظنه بعض الكاتبين -؛ فإن ما ذكرناه في شرط الأخذ بهذه المصالح؛ من عدم ورود دليل شرعي على رعايتها، أو إلغائها برفعها عن أن تكون في متناول آراء العامة أو أشباه العامة، إذ لا يدري أن هذه المصلحة لم يرد في مراعاتها أو

стр. 1483

إهمالها دليل شرعي إلا من كان أهلاً للاستنباط. قال الشيخ عمر الفاسي في رسالة له في الوقف: "وأنى للمقلد أن يدّعي غلبة الظن أن هذه المصلحة فيها تحصيل مقصود الشارع، وأنها لم يرد في الشرع ما يعارضها, ولا ما يشهد بإلغائها، مع أنه لا بحث له في الأدلة، ولانظر له فيها، وهل هذا إلا اجتراء على الدين، وإقدام على حكم شرعي بغير يقين؟ "، فليس كل ما يبدو للعقل أنه مصلحة يدخل في قبيل المصالح المرسلة، وتبنى عليه الأحكام، وإنما هي المصالح التي يتدبرها من هو أهل لتعرف الأحكام من مآخذها حتى يثق بأنه لم يرد في الشريعة شاهد على مراعاتها أو إلغائها. ولا يقف في سبيل المصالح المرسلة ما أورده بعض الكاتبين؛ من أنه يفضي إلى اختلاف الأحكام باختلاف المواطن والعصور؛ فإن هذا الاختلاف معدود في محاسن الشريعة، وهو ناحية من النواحي التي روعيت في جعلها الشريعة العامة الباقية. وليس اختلاف الأحكام الناشئ عن مراعاة المصالح المرسلة اختلافاً في أصل الخطاب، وإنما جاء من جهة تطبيق أصل عام دائم هو: أن المصلحة التي لم يرد دليل على مراعاتها بخصوصها أو إلغائها، يقضي فيها المجتهد على قدر ما يراه فيها من إصلاح. فالأحكام المبنية على رعاية المصالح المرسلة تستند إلى أصل تعرَّفه المجتهدون من موارد الشريعة، فكأن الشارع يقول للذين أوتوا العلم: إذا عرض لكم أمر فيه مصلحة، ولم تجدوا في الأدلة التي بين أيديكم ما يدل على رعايتها بخصوصها أو إلغائها، فزنوا تلك المصلحة بعقولكم الراسخة في فهم المقصود من التشريع، وفصّلوا لها حكماً يطابقها.

стр. 1484

وقد ادّعى بعض أهل العلم من غير المالكية: أن الإمام مالكاً أفتى - بانياً على قاعدة المصالح المرسلة - بجواز قتل ثلث العامة لمصلحة الثلثين، والمالكية ينكرون نسبة هذه الفتوى إلى الإمام مالك أشد الإنكار، ويقولون: إنها لم تنقل في كتبهم البتة، وإنما تكلموا كما تكلم غيرهم في مسألة العدو يضع أمامه الأسرى المسلمين يتترس بهم في الحرب، فأفتوا بأنه يجوز دفاع العدو بنحو الرمي متى خيف استئصال الأمة، ولو أفضى الدفاع إلى قتل أولئك الأسرى من المسلمين. ونقرأ في ترجمة الشيخ علاء الدين الجمالي أحد فقهاء الحنفية: أن السلطان سليماً همَّ بقتل جماعة خالفوا أمر السلطان في بيع الحرير، فدخل عليه الشيخ علاء الدين منكراً عليه قتلهم، فقال له السلطان: أما يحل قتل ثلث العالم لنظام الباقي؟ فقال الشيخ علاء الدين: نعم، ولكن إذا أدى الحال إلى خلل عظيم، فعفا السلطان عن الجميع. وقد حقق الباحثون في المصالح المرسلة النظر، وأجروها في أبواب المعاملات، وتجنبوا بها أصول العبادات؛ لأن المتفقه في علم الشريعة يدرك أن أحكام المعاملات مبنية على رعاية المصالح المدنية التي يتيسر للعقول السليمة، متى تلقتها من الشارع؛ وغاصت في تدبرها من كل جانب، أن تقف على أسرارها، وترى خير الحياة في التمسك بها، وأما العبادات، ففيها ما تستبين حكمته، ويبدو القصد من مشروعيته واضحاً، ومنها ما لم تقف العقول على حكمته الخاصة، وحسب العقل في الإيمان بحكمة ما كان من هذا القبيل: أنه صادر ممن قام الدليل القاطع على أنه لا يأمر إلا بخير. ولا يجد في هذا الإيمان حرجاً، ما دامت العبادات - على اختلاف ضروبها -

стр. 1485

بريئة مما تنبذه العقول الراجحة. والفرق بين ما لا يقف العقل على مصلحته الخاصة، وما ينبذه لاشتماله على فساد راجح. لا يخفى إلا على ذي نظر سقيم. ولما أكثر في العبادات ما تخفى مصلحته الخاصة، قالوا: إن أصلها التعبد، وقصروا الأمر فيها على ما ورد عن الشارع الحكيم. ثم إن الشارع حذر من الزيادة على ما قرره من العبادات، وسمى ما يخترع بقصد القربة بدعة وضلالة، والتصرف في العبادات من طريق المصالح المرسلة يفتح باب البدع، ويدخل بالناس في ضلال بعيد. فلا نزاع في بطلان اختراع عبادات ذات أوضاع لم يرد بها كتاب أو سنّة، بدعوى أن فيها مصالح توافق قصد الشارع فيما وضع من العبادات. وقد يتصرف الفقهاء في أشياء تتصل بأصل العبادة، وينظرون إليها من ناحية المصالح الملائمة لتلك العبادة، فيصيبون في الحكم، ويخطئون، ومن أمثلة تصرفهم الصحيح: أن أذان الجمعة كان على عهد رسول الله ﷺ والخليفتين بعده واحداً يقام بباب المسجد، ومن الواضح الجلي: أن القصد من الأذان: الإعلام بدخول وقت الصلاة، ولما أكثر الناس، واتسع العمران بالمدينة، أقام عثمان ﵁ أذاناً بالزوراء (١)، وهذا العمل خارج عن البدعة؛ لأنه تصرف في إحدى وسائل العبادة، لا في أصل العبادة، ولأن القصد من الأذان واضح وضوحًا لا تحوم عليه ريبة، وهو إعلام المصلين بدخول الوقت، وفي الأذان بالزوراء إعلام بدخول الوقت على وجه أكمل، ولم

стр. 1486

يكن الباعث على زيادة هذا الأذان، وهو كثرة الناس، واتساع العمران، متحققاً في عهد النبي ﷺ حتى يقال: إن الشارع لم يعتدّ بهذه المصلحة، وإنها ليست من نوع المصالح التي توافق قصده من التشريع. وقد يتسرع إلى هذه القاعدة من لا يجيد فهمها، فيفتي بغير حق، أو يقضي بغير عدل، وقد رأيت السلطان سليمًا كيف توهم أن في قتل جماعة كثيرة خالفوا أمره في بيع الحرير مصلحة يأذن الشارع بالمحافظة عليها. وظنّ بعض القضاة أن هذه القاعدة تبيح له أن يقطع أنملة شاهد زور ليمنعه من الكتابة، واستشار ابن دقيق العيد في هذه العقوية، فأنكرها أشد الإنكار، وعدّها من المنكرات العظيمة الوقع في الدين، والاسترسال في أذى المسلمين. وخاتمة المقال: أن رعاية المصالح المرسلة من أهم القواعد التي تأتي بثمر طيب متى تناولها الراسخ في علوم الشريعة، البصير بتطبيق أصولها. * الاستحسان: جرى لفظ الاستحسان في عبارات بعض الأئمة على وجه يتوهم منه: أن الاستحسان أصل من الأصول التي يرجع إليها في استنباط الأحكام، وتعرض له علماء الأصول عند بحث الأدلة، ونسبوا الأخذ به إلى بعض الأئمة، ونقلوا إنكاره عن آخرين، واختلفوا في تفسيره، وإليك صفوة ما قيل في هذا الوجه من الاستدلال: روى محمد بن عبد العزيز العتبي في كتاب "المستخرجة" عن أصبغ ابن الفرج عن ابن القاسم: أن مالكاً قال: "تسعة أعشار العلم الاستحسان". وقال مالك في بعض فتاويه: أستحسن في كذا أن يكون الحكم كذا، وقال ابن خويز منداد، وهو من المالكية في كتابه "الجامع لأصول الفقه": "وقد

стр. 1487

عوّل مالك على الاستحسان وبنى عليه أبواباً ومسائل من مذهبه". واستند الحنفية إلى الاستحسان في تقرير كثير من الأحكام، ويعارضون به القياس، فيقولون في بعض الأحكام: هذا ما يقتضيه الاستحسان، وذاك ما يقتضيه القياس. وعبر الإمام الشافعي بالاستحسان في أحكام بعض الحوادث، فقال: أستحسن أن تكون المتعة ثلاثين، وقال: أستحسن أن يؤجل الشفيع ثلاثاً. وأنكر قوم أن يكون الاستحسان دليلاً شرعياً، وشنعوا على القائلين به؛ ظنًا منهم أن استحسان هؤلاء الأئمة من قبيل الرجوع إلى الرأي دون رعاية دليل شرعي ثابت. والرجوع إلى الرأي المحض في تقرير الأحكام الشرعية لا يقول به عامي مسلم، فضلاً عن إمام بلغ رتبة الاجتهاد أو الترجيح. ومن هنا تصدى علماء الأصول من المالكية والحنفية لتفسير الاستحسان الوارد في عبارات أئمتهم. وبينوا أنه عائد إلى أدلة متفق عليها، أو أدلة معروفة في مذهب المعبر به. وحملوا قول الإِمام الشافعي: "من استحسن، فقد شرع" على معنى: الاستحسان الذي لا يقوم على رعاية دليل شرعي، وكذلك الأثر الذي يسوقه بعض المحتجين لصحة القول بالاستحسان، وهو: "ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن (١) " إنما يحمل على أن المراد بالمسلمين: ذوو الكفاية لاستنباط الأحكام، فيكون دليل الاحتجاج بالإجماع. أما المالكية، فيقول محققوهم؛ كأبي الوليد الباجي: الاستحسان: هو الأخذ بأقوى الدليلين. وكذلك قال ابن خويز منداد: معنى الاستحسان عندنا: القول بأقوى الدليلين. ويضاهي هذا قول الحفيد بن رشد: الاستحسان

стр. 1488

عند مالك: هو الجمع بين الأدلة المتعارضة. ومعنى هذا: أن الاستحسان في مذهب مالك ليس بدليل مستقل, وإنما هو ترجيح أحد الدليلين على الآخر؛ كأن يتعارض في حادثة جزئية قياسان، أو يعارض أصلاً من الأصول عرف، أو مصلحة مرسلة، أو سد ذريعة، فينظر المجتهد، ويرجح أحد القياسين على الآخر، أو يرجح قاعدة العرف، أو المصالح المرسلة، أو سد الذريعة على ذلك الأصل المعارض. ونكتفي بذكر مثال لما تعارض فيه قياسان، ومن هذا المثال يتبين وجوه الترجيح في الأدلة الباقية: معروف في مذهب مالك: أن المتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن أو المبيع؛ كان يقول البائع: بعتك بعشرة، ويقول المشتري: إنما بعتني بستة، فوجه الحكم أن ينظر فيمن قوله أشبه؛ أي: أقرب إلى الصدق، فيقضي بقوله مع اليمين، فإن كان المبيع يساوي عشرة، ترجح قول البائع، وإن كان يساوي ستة، ترجح قول المشتري. ومعروف في المذهب أيضاً: أن المودع - بكسر الدال -، والمودعَ -بفتحها-، أو المعير والمستعير، إذا اختلفا في الشيء المودعَ أو المعار، كان القول للمودع أو المستعير؛ لأن كلًا منهما أمين على ما تسلمه. وجرت بين الفقهاء حادثة اختلاف المتراهنين؛ كأن يخرج المرتهن رهناً، فيقول الراهن: رهنتك ما هو أفضل منه، ويقول المرتهن: بل هو رهنك، وقد تجاذب هذه الحادثة قياسان: القياس على اختلاف المتبايعين، وهذا يقتضي أن يكون القول قول الراهن إن أشبه؛ أي: صدقه شاهد حال؛ كأن يرهنه رهناً بألف، فيخرج المرتهن رهناً يساوي مئة، وهذا ما ذهب إليه أصبغ

стр. 1489

ابن الفرج، والقياس على المودع والمستعير، وهذا يقتضي أن يكون القول للمرتهن، وان لم يخرج إلا ما يساوي درهماً، وهذا ما ذهب إليه أشهب. وقياس اختلاف المتراهنين على اختلاف المعير والمستعير، أو المودع والمودع، أجلى من قياسه على اختلاف المتبايعين؛ لأن المرتهن يشبه المودع أو المستعير في كونه مأمونًا على ما وضع عنده من الرهن، غير أن قياسه على المتبايعين الذي هو أخفى من قياسه على المودع أو المستعير قد تقوى بقلة الأمانة في الناس، وبأن الراهن سلم الرهن إلى المرتهن عن احتياج إلى الدين، أما المودع والمعير، فإنما سلم الوديعة أو العارية عن اختيار محض. فيصح أن يقال: إن قول أشهب مبني على القياس، وقول أصبغ مبني على الاستحسان؛ كما قال ابن رشد في كتاب "البيان": قول أشهب إغراق في القياس، وقول أصبغ استحسان، وهو أظهر. وهذه العبارة من العلامة ابن رشد تريك كيف يطلقون الاستحسان، ويريدون منه: القياس الخفي المعارض للقياس الجلي. وأما الحنفية، فيقولون: الاستحسان: ترك القياس الجلي بدليل أقوى منه، ويريدون من الدليل الأقوى: ما يشمل الحديث، والإجماع، والضرورة، والقياس الخفي. وأمثلة معارضة هذه الأدلة للقياس الجلي مفصلة في كتب أصول الفقه، ونكتفي بذكر الأمثال للأخذ بالقياس الخفي المعارض للقياس الجلي، وهو أنهم قالوا: سؤر (١) السباع من الطيور يتبادر إلى الذهن قياسه على سؤر سباع

стр. 1490

البهائم في الحكم بنجاسته؛ لاشتراك سباع الطيور وسباع البهائم في نجاسة اللعاب؛ لتولده من لحم حرام، وهذا هو القياس الجلي، ولكن سباع الطيور تشرب الماء بمنقارها، ومنقارها من عظم جافث طاهر، لا رطوبة فيه، فلا يخشى تنجس الماء بملاقاته، فيصح أن يقاس سؤرها على سؤرِ طاهرِ اللعاب؛ كالاَدمي، وما يؤكل من الأنعام؛ لعدم ملاقاة الماء للرطوبة التي يلاقيها من ألسنة السباع من البهائم، وهذا هو القياس الخفي. وإذا كان الاستحسان ترجيح أحد الدليلين المتعارضين فيما يتراءى للمجتهد أول النظر، لا ينبغي أن يجري في صحته اختلاف بين أهل العلم. وهو بهذا المعنى شاهد على دقة أنظار علماء الشريعة؛ إذ كانوا لا ينساقون في تقرير الأحكام إلى ما يتبادر لهم في الاستدلال إلا بعد النظر في الواقعة من جميع وجوهها. ومن فسَّر الاستحسان بدليل يقذفه الله في قلب المجتهد تقصر عنه عبارته، فقد فسره بما تتضافر أصول الشريعة على إسقاطه وإخراجه من دائرتها. ومن هذا الذي وصل إلى رتبة استنباط الأحكام، ولا يستطيع أن يعرب عمّا في ضميره، ويدل على ما خطر له من المعاني؟! ثم إن قبول مثل هذا الذي ينقدح في النفس، ويعجز اللسان عن بيانه، وعدّه في أدلة الأحكام، يفتح لأصحاب الأهواء باباً يخرجون منه إلى ما يشاؤون من الابتداع في الدين، والعبث بأحكامه.

стр. 1491

مدارك الشريعة الإِسلامية - وسياستها - (١) * حكمة التشريع: تتأثر النفس بما يخالطها من حالتي اللذة والألم، فيلتذ الإنسان بسلامة حواسه، واستقامة فكره، وحسن سيرته، ووفر ماله واتساع سلطته، وسعادة أصفيائه. ويتألم لفقد واحد من هذه المطالب. وقد طبعت النفوس على الميل والانعطاف لما فيه لذة، والكراهة والنفور لما فيه ألم، فكل شخص يسعى بحسب طبيعته لما فيه لذته، ويهرب مما فيه ألمه، بل لا يخلو في سائر أعماله التي يتعمَّدها أن يريد بها إدراك لذة، أو الحذر من ألم، فإذا ضرب صافحاً عن لذة، فليتوصل إلى لذة أوفر نصيباً، أو أطول مدة، وإذا أخذ يقتحم ألماً، فليتخلص من ألم أشد وقعًا، أو أبقى زمناً. وقد تتعارض اللذائذ والآلام، فيكون العمل الواحد محرزاً للذة طائفة، أو كاشفًا لألمهم، ومفوتًا لما فيه لذة قوم آخرين، أو موقعاً لهم فيما فيه ألمهم، فلو انتصب كل أحد ليحكم في استيفاء لذائذه، وإزاحة آلامه، لاستأثر باللذائذ الأقوياء، وثارت من تنازع المتكافئين في القوة فتن، واختلال راحة.

стр. 1492

وهذا التعارض في دواعي جلب اللذائذ وإبعاد الآلام، يستدعي لكل هيئة مجتمعة أن يكون لها نظام يوفي للضعيف ما يستحق من اللذة، ويفك الهرج بين القوتين المتكافئتين. فالقصد من وضع قوانين المعاملات والجنايات: تمكين الناس من حقوقهم التي تهوي إليها أفئدتهم، ووقايتهم مما يدخل على قلوبهم بالآثار المؤلمة، وليس كل ما فيه ألم يستحق أن يدفع، ولا كل ما فيه لذة هو أهل لأن يجلب، فقد يتجرّع الشخص مشقة تعود عليه بسعادة، ويلتذ براحة تلقي به في تهلكة؛ كالمريض تلذ له بعض مطعومات تسوق له منيته، ويشمئز ذوقه من بعضها، وفيها غنيمة شفائه. فالمعتبر لواضع الشريعة إنما هو اللذة التي لا يقارنها ألم راجح، ونسميها بالمنفعة أو المصلحة، والألم في لا تصاحبه لذة راجحة، ونعبر عنه بالمضرة أو المفسدة. ثم إن المنافع والمضار تتفاوت، وتفاوتها إما بحسب شدتها وضعفها، أو طول بقائها وقصره، أو تحقق حصولها والارتياب فيه. تتفاوت بحسب عقمها دانتاجها، فمن المنافع أو المضار ما يكون عقيمًا لا يتولد عنه مثله، ومنها ما يتناسب وتتلاحق به نتائج على شاكلته. ومما يلتفت إليه في الترجيح بين المصالح والمفاسد: أهمية ما ترجع إليه من دين، وعقب، وعرض، وبدن، ونسل، ومال. فالشريعة العادلة، هي التي تزن المنافع والمفاسد، وتلاحظ ما يتفرع عنها من النتائج، ثم تفصل لها من الأحكام ما يطابقها. وقد يسام الرجل بأدنى جناية، فتتفطر لها نفسه جزعاً، ويلذ له أن يقابل

стр. 1493

الجاني بأقصى عقوبة وأشدها، ثم يشاهد جناية قاسية يبتلى بها من يباغضه، فلا يتألم لقبح موقعها, ولا يرتاح لمجازاتها, ولو بأقل تعزير، فمقرر القانون لا يعتبر بهذه اللذائذ الخاصة والآلام، وإنما يقرره بمقدار الارتياح والألم الذي يشعر به جمهور الأمة وعقلاؤها. فبهذا يتحقق أن الشرع الذي يسنّه العالم بشعور الأمة، المطّلعُ على أحوال ضمائرها، يكون أحكم نظاماً، وأحفظ للمصالح، مما يضعه الذي لا يعرف سوى ظواهرها, ولم يحط خبرًا بعاداتها وأذواقها. ومن خصائص الشريعة المحكمة: أن تكون أحكامها قائمة على أسباب حقيقية، وقد اختل نسيج بعض القوانين الوضعية حيث ذهب مقررُها إلى إقامتها على علل خيالية، ومن أمثلة هذا الصنيع: أن بعض المتشرعين وضعوا قانونًا لمصادرة أموال بعض المجرمين، وعدم إبقائها لورثته، وعللّوه بأنه يعرض للدم فساد في بعض الأوقات، فيقتضي قطع الرحم بين الأقارب. ولقد اشتبه على هذا المعلّل مقام الشرع بمقام الشعر؛ فإن مثل هذه العلّة تحتملها النفس إذا تبرجت في حلل من الشعر، وتنبو عن سماعها إذا طرحت على بساط العلم، ومثل هذا: أنك تقرأ في تأليف بعض النحويين تعليلهم لامتناع دخول (هل) على اسم إذا كان في الجملة فعل؛ بأنّ (هل) إذا رأت الفعل في حيّزها، تذكرت عهوده السالفة، وحنّت إلى وصاله، فلم ترض إلا بمعانقته، فتحسّ بسخافة هذا التعليل وبرودته، ولكنك تتناول بعض مؤلفات في الأدب، فيقع نظرك على قول الشاعر: مليحة عشقت ظبياً حوى حوراً ... فمذ رأته سعت فوراً لخدمته كهل إذا ما رأت فعلاً بحيزها ... حنّت إليه ولاترضى بفرقته

стр. 1494

فيهش له ذوقك، وينفتح له خاطرك باستحسان. وفي وضع الشرائع شدة على الطباع، حيث كانت تحصر أعمال الناس في دائرة، ولا تبقيها أمام الإرادات الشخصية تصرفها كيف شاءت، لا سيما إذا صرفت خطابها إلى أمة لا تألف النظام؛ كحال العرب قبل طلوع الإِسلام، فيوشك أن يتملصوا منها, ولا يعدوا أعناقهم لأطواق تكاليفها، فمن حسن تدبير شارعها، وحكمته في تقريرها: أن ياخذهم بها على مهل، وترشح لهم بها أوامره قضية بعد قضية مترقيًا، مما يلائم عوائدهم إلى ما يقاربها حتى تستقر لهم قوانينها كاملة. وعلى مبدأ هذه السياسة جرى التشريع في الإِسلام. * الشرائع سماوية ووضعية: فالسماوية: ما نزل بها الوحي على رسول، والوضعية: ما يضعها البشر من تلقاء عقولهم. وتمتاز السماوية بأن معاملات الناس على طرائقها، وتصرفهم على مقتضى حدودها، من قبيل العمل برضا واجب الوجود واختياره؛ بخلاف القوانين الوضعية؛ فإن الداخل تحت سلطتها إنما يكون سائراً على حسب إرادة بشر يماثله، ولهذا لا يمكنها أن تأخذ من احترامات القلوب الموضع الذي تأخذه الشريعة التي هي تنزيل من حكيم حميد. وتمتاز السماوية بأنها تعزّز قوانينها بسلطة غيبية، فتهدد المخالف بعقوبة آجلة، أو بلاء ينزل به القدر في هذه العاجلة، وتبشر الطائع بنعيم خالد، أو عيش طيب في هذه الحياة، ولا يختص ذلك الانذار والبشارة بما هو حق لله خالصاً كالعبادات، بل ورد أيضاً في الأحكام الموضوعة لمصالح الخلق في الدنيا.

стр. 1495

وهذه السلطة المحتجبة هي التي تدعو النفوس الزكية إلى احترام قانونها، ولو في المواضع التي لا تنالها يد السلطة الطاهرة. وتمتاز السماوية بأنها توجب على الفرد إصلاح عمله، وتنهاه عما يضر بشخصه، وإن لم يسر منه الضرر إلى غيره، فحجرت على الإنسان أن يلقي بعضو من جسده في تلف، أو يرمي بقسط من ماله في سرف. والقوانين الوضعية تقول: لا يجب استعمال القانون بين الناس إلا لمنعهم من إيذاء بعضهم لبعض، ولهذا عرفوا القانون بما يوضع للحكم بين الرعايا. والسماوية تكلف الإنسان برفع الضرر عن غيره، وحمايته منه، وقد تلقي عليه التبعة إذا استطاع السبيل إلى خلاصه من أذى، أو وقايته من خطر، فمسك يده عن مساعدته، وأعرض بجانبه متهاوناً. ولم تنظر القوانين الوضعية إلى هذا المطلب باعتبار، وقد أخذ عليها بعض الكاتبين في أصولها ورجي منها حسن الالتفات إليه. * منابع الشريعة الإِسلامية: يتناول اسم الشريعة: ما أرشدت إليه دلائلها من عقائد وأخلاق وأعمال، والعلم الذي يبحث في الأحكام المتعلقة بالأعمال هو الذي نعنيه باسم: الفقه. وقد أفادت الشريعة بعض الأحكام العملية بالدلائل الصريحة، ورسمت لبقيتها مناهج يهتدي بها المجتهد إذا وقعت الواقعة. فكل حكم يعينه أحد علماء الإِسلام بإزاء واقعة، لا بد أن يستند فيه إلى مأخذ ظاهر من دلائل الشريعة حتى تصح إضافته إليها، ومن ثم طرح علماء الأصول الاستحسان الذي يفسره بعضهم: بدليل ينقدح في نفس

стр. 1496

المجتهد تقصر العبارة عن بيانه؛ فإن الباني للقضية على مجرد استحسانه وميله، بمنزلة من يدعو الناس ليوافقوا رأيه على شرط أن لا يجاذبوه طرف البحث والمناظرة، كما أسقطوا المرائي المنامية، وما يجول في النفس من الحديث المعبر عنه بالإلهام. ينحصر ما يتمسك به المستدل للحكم في نوعين: أحدهما: ما يدل بنفسه، وهو: القرآن، والحديث، والقياس. ثانيهما: ما يتضمن الدليل ويستلزمه، وهو الإجماع، وإنما كان متضمناً للدليل؛ لأنه لا ينعقد على حكم حادثة إلا إذا قام له دليل ثابت، ومستند صحيح. فالقرآن: كلام الله المنزل على سيدنا محمد ﷺ ، المنقول إلينا ما بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا. وقد أحصوا آيات الأحكام منه، فبلغت خمسمئة آية، وأفردها بعض العلماء بالنظر، وخصّها بالتفسير، كما صنع أبو بكر الرازي، وأبو بكر بن العربي، وعبد المنعم بن الفرس. والحديث: قول الرسول ﵊، وفعله، وتقريره، وهو مستقل بتشريع الأحكام، ومعتبر بمنزلة القرآن في العمل بتحليله وتحريمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وما يروى من طريق ثوبان في الأمر بعرض الأحاديث على القرآن حتى لا يقبل منها إلا ما كان بياناً له، فقال يحيى بن معين وغيره من الحفّاظ: إن هذا مما وضعته الزنادقة، وأما قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فيفهم على معنى أنه أرشد إلى جميع ما يحتاج إليه في تحصيل أمر السعادة، إم بنص، أو مقالة عامة، أو الإحالة على من

стр. 1497

هو أهل للتعليم. وإذا كان الحديث بمنزلة القرآن في التشريع، فلا يعدل المجتهد عن العمل بحديث إلا إذا ثبت لديه نسخه، أو ظفر بدليل أرجح منه في السند، أو أقوى في وجه الدلالة، ولهذا قال المالكية: إذا عرض للإِمام حديث، ونص على أنه لم يبلغه، ثم صح عند أهل الصناعة، فإنه يجب على مقلدي الإِمام العمل بالحديث. قال ابن عبد السلام: وهذا كحديث ابن عباس في "مسلم"، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب، ويقول: "السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفّان لمن لم يجد النعلين"، مع قول مالك في "الموطأ": لم يبلغني هذا في السراويل. ويعدّ المالكية الذين ينظرون في وجه ارتباط الفروع بالمدارك؛ كابن العربي، وعبد الحميد الصائغ، قد يتمسكون بالحديث الصحيح، ولو روى المذهب على خلافه، حيث لم يطلعوا على أصل ظاهر استند له أهل المذهب في ترك العمل بذلك الحديث، وكأنهم اعتصموا في هذا يقول مالك حسبما نقله الحافظ ابن عبد البر وغيره؛ انظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنّة، فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنّة، فاتركوه. وقد ثبت عن الإِمام أبي حنيفة أيضاً: أنه قال: إذا صحّ الحديث، فهو مذهبي. اشتهر بين الفقهاء أن مالكاً يقدّم إجماع أهل المدينة على الحديث الصحيح، وأنكره أبو بكر بن العربي، فقال في كتاب "العارضة": من لا تحصيل له من أصحابنا يظن أن مالكاً يقدم عمل أهل المدينة على الحديث، ولم

стр. 1498

يفعل ذلك قط، ولا ترك مالك حديثاً لأجل مخالفة أهل المدينة له بعملهم وفتواهم. والتحقيق: أن مالكاً إنما يحتج بإجماع أهل المدينة فيما طريقه النقل المستفيض؛ مما تقتضي العادة أنه لو يغيّر عما كان عليه في زمن النبي ﷺ ، لعُلِم؛ كالأذان والإقامة، فإن العهد بذلك الزمن ليس ببعيد عن عصر مالك، والفقهاء والمحدّثون بها متوافرون، مع ما عرف من تنافسهم وإقدامهم في الأمر بالمعروف، وأما ما يجمعون عليه من الأحكام المأخوذة بصناعة الاجتهاد، فلا يسعه تقليدهم، بل هم وغيرهم في نظره سواء. ويستثنى من تصرفاته ﷺ نوعان هما غير داخلين فيما يطلب فيه الاقتداء والتأسي: أحدهما: ما سار فيه على مقتضى العادة أو الجبلّة؛ كما ترك أكل لحم الضب، وقال: "لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه". ثانيهما: ما قام الدليل على اختصاصه به؛ كحرمة أكل ذي الرائحة الكريهة، وطلاق من تكره صحبته. وقد أفرز بعض العلماء أحاديث الأحكام على جانب، وألّفها مستقلة، ومن مؤلفاتها الجامعة كتاب "منتقى الأخبار" للحافظ مجد الدين المعروف بابن تيمية. والإجماع: اتفاق كلمة المجتهدين على حكم شرعي، فإذا انعقد في عصر، لم يسغ لمجتهد حدث خرق سياجه بالخلاف، ومن افتكر في حقيقة المجتهد، وعرف أنه المحيط بمدارك الشريعة، مع وصف العدالة، ثم أخذ من استقراء سيرة المجتهدين أنهم كانوا يترفعون عن المتابعة، ويتحفظون

стр. 1499

من القول بغير حجة، أدرك أنهم لا يتواردون على قضية، ويتضافرون على قطع الحكم فيها، إلا بعد النظر الواسع، والاعتماد على دليل واضح. واجتهادات الآحاد وإن كان كل واحد منها بانفراده ليس حجة على غيره؛ لأن احتمال الخطأ فيه ليس ببعيد، فإذا انضم بعضها إلى بعض، وانصبّت على مدرك واحد، بدون أن ينازعها فيه مخالف، بعدت عن احتمال الخطأ، وقويت دلالتها على إصابة الحكم، ومشاكلة الحقيقة. وقصر داود الظاهري الحجة في إجماع الصحابة ﵃، ومثله ما قال الإِمام أحمد بن حنبل في رواية أبي داود عنه: الإِجماع: أن يتبع ما جاء عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة، وهو في التابعين مخير. وإذا حققنا أن الإِجماع الذي يسد فم المجتهدين بعده، هو الذي يصرح فيه جميع المجتهدين بالحكم الواحد، ولا يكفي أن يتلفظ بعضهم، ويسكت بعض، ولو واحداً، ظهر أن انعقاده بعد عصر الصحابة، وقد اتسعت ممالك الإسلام، ونشأ العلماء في أقطار متباعدة، مما يعسر إثباته، ولكنه على فرض وقوعه يكون حجة؛ كما هو مذهب جمهور العلماء. وكثير من الفقهاء ينسب الإجماع إلى عدة مسائل، على معنى: أنه لم يعثر فيما طالع من الكتب على ذكر خلاف فيها, لا بمعنى أنه تتبع أقوال المجتهدين بأسرهم، فوجدها متصادفة على رأي واحد. والقياس: أن ينص الشارع على حكم أمر، فنبحث عن علة الحكم، فإذا ظفرنا بمعرفتها، فإنا نلحق بذلك الأمر كل ما شاركه في العلة، ونسوّيه به في حكمه إذناً أو نهياً، ومن الأمثلة التي توضح هذا الطريق المهم في التشريم: أن النبي ﷺ يقول: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"، فنبه في الحديث على أن

стр. 1500

الغضب علّة في منع القضاء، ويظهر بالنظر أن الغضب ليس علّة لذاته، بل لما يتضمنه من الدهشة المانعة من استيفاء الفكر، والتروي من حال الواقعة، فيقول المجتهد: "لا يقضي القاضي وهو متألم"، فيقيس المتألم بالغضبان، ويسوّيه به في المنع من القضاء؛ لاشتراكهما في علّته، وهي: قلق الفكر، واضطراب شعوره. واهتدى العلماء للاستدلال بقاعدته؛ حيث فهموا من استقراء مقاصد الشريعة: أن أحكامها مبنية على رعاية مصالح العباد، وخالف في صحة الاحتجاج به الظاهرية؛ بدعوى أن نصوص الشريعة تقي بجميع ما تدعو إليه الحاجة في جميع الحوادث. ومما قال أبو محمد اليزيدي في الحثّ على القياس، والعمل به: ما جهول لعالم بمدانٍ ... لا ولا العيّ كائن كبيان فإذا ما جهلت فاسألْ تخبَّرْ ... إنّ بعض الأخبار مثل العيان ثم قِسْ بعض ماسمعت ببعض ... وائت فيما تقول بالبرهان لاتكن كالحمار يحمل أسفا ... راً كما قد قرأت في القرآن إن هذا القياس في كل أمر ... عند أهل العقول كالميزان لا يجوز القياس في الدين إلاّ ... من فقيه لدينه صوّان إن من يحمل الحديث ولا يعـ ... ـرف فيه التأويل كالصيدلاني حين يلغي لديه كل دواء ... وهو بالطب جاهل غير ران ولنا في النبي صلى عليه اللـ ... ـهُ والراشدون كلَّ أوان أسوة في مقاله لمعاذٍ ... اقض بالرأي إن أتى الخصمان

стр. 1501

وكتاب الفاروق يرحمه اللـ ... ـهُ إلى الأشعري في تبيان قس إذا أشكلت عليك أمور ... واقض بالحق في رضا الرحمن لا يستقيم لقانون تفصّل أحكامه أن يطَّرد في جميع العصور، أو ينسحب على سائر الأقطار؛ لأن المصالح والمفاسد التي توضع لها القوانين، لا تلحق كل الأعمال لذاتها، أو لوصف لا ينفك عنها، حتى يكون العمل دائمًا لمصلحة أو مفسدة، بل المصلحة والمفسدة تترتب على الأفعال ترتب المسبّبات العادية على أسبابها، مثلَ ترتب منافع الأدوية ومضارها عليها، فإنها تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، فالعمل قد يكون منشأ لمصلحة في حال، أو في زمان، أو في حق أشخاص، فيستدعي الإثبات والإِقبال عليه، وقد ينتقل فعله إلى أن يتصل بمفسدة، فيستحق النفي والبعد عن جانبه. من هنا كان بعض من لا يعرف بطانة الشريعة الإسلامية يتردد ويرتاب في صلاح العمل بها في كل عصر وجيل، ويقول: إن حقيقة القانون لا تنطبق على ما قررته من القضايا؛ لأنه يؤخذ في خصائص القانون أن يتبدل ويتجدد بحسب تغير العصور والأحوال. ولا أرى هؤلاء إلا أنهم اعتقدوا شريعة الإسلام بمثال القوانين الوضعية، فصّلت أحكامًا، أو أعطت قواعد قريبة من التفصيل، ثم قطعت وحيها عن الناس. إن الشريعة ضمت تحت جوانحها حقائق حفظت مصالح كل العصور والأجيال، ومكنت المجتهد في كل عصر أن ينتزع لأي حادثة تعرض حكماً يلائم مصلحتها. فتحت الشريعة باب القياس، وهو - كما قرّرنا - إلحاق الأمور التي لم

стр. 1502

نطلع على نص مفصل أو عام يدل على حكمها، بالأمور التي تقررت لها أحكام؛ بجامع العلل التي هي دائرة على اعتبار المصالح والمفاسد، ويسع هذا الباب من الوقائع المتجددة ما لا يحيط به الاستقصاء. أقامت الشريعة دعائم كلية، وينبني على كل دعامة منها أصول وأحكام يستخرجها العارف بطبيعة النوازل، القائم بمقصد الشارع في أمثالها، ومن هذه الدعائم قولهم: "الضرر يزال". ومن مآخذها: قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار". ومنها: "المشقة تجلب التيسير"، ومن دلائلها: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ويدلنا دلالة جلية على اعتبار الشريعة للمصالح: أن المجتهدين الذين هم أعرف الناس بمقاصدها, لا يقفون في بعض الأحيان على ظواهر القرآن والحديث، فيقيدون مطلقاتها، ويخصصون عموماتها بمثل هذه القواعد، ومثال هذا. أن النبي ﷺ يقول: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه", وهذا مطلق، فقيّده الإِمام مالك بما إذا وقعت بين الخاطب والمخطوبة مراكنة واتفاق على الصداق، وقال في "الموطأ": وليس المراد إذا خطب الرجل المرأة، فلم يوافقها أمره، ولم تركن إليه، أن لا يخطبها أحد، فهذا باب فساد يدخل على الناس. أي: لما فيه من الحرج الذي هو مرفوع من الدين. ويماثل هذا حديث "الصحيحين": أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه، فحمله الإمام مالك وموافقوه على ما إذا كان بين المدعي والمدعى عليه خلطة؛ حذراً من أن يتجرأ السفهاء على أهل الفضل، ويبتذلوهم بتحليفهم في اليوم الواحد مراراً، فانظروا كيف خصن الحديث بشرط الخلطة؛

стр. 1503

لكفّ ما يتوقع من الضرر على أهل الفضل؛ حيث علم: أن من مقاصد الشريعة: سد الأبواب التي يطرق الفساد من ناحيتها. وقد يتوقف الأئمة عن العمل بحديث الآحاد، إذا ورد مناقضاً لقاعدة انتزعوها من موارد لا تحصى حتى قطعوا بصحتها، وقصد الشارع إلى إقامتها؛ كما صنع الإمام مالك وغيره في حديث: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا"؛ فإنه نظر إلى أن افتراقهما، وانفصال أحدهما عن الآخر ليس له وقت محدود، ولا غاية معينة، إلا أن يقوما، أو يقوم أحدهما، وهذه جهالة يقف عليها انعقاد البيع، فيصير في معنى الصور المقطوع بفسادها؛ كبيع الملامسة والمنابذة؛ بأن يقول له: إذا لمست، أو نبذت الحصاة، وجب البيع، والشأن في الصور المتماثلة، لا سيما في أبواب المعاملات التي هي مبنية على مقاصد عمرانية، وعلل ظاهرة للعقول: أن تكون أحكامها متساوية، فيجب أن يحشر جميعها زمرة واحدة تحت ما هو أقوى دلالة، وأبعد عن مواقع الظنون. ومن شواهد الاعتبار بالمصالح والمفاسد: أن من الأشياء ما يكون في نفسه خاليًا من المفسدة، ولكنه يقرب منها بحيث يجر بطبيعته إلى ما فيه المفسدة، فتعاليم الإِسلام تقتضي المنع منه، كما تأذن في الأعمال التي تكون عارية من المصلحة في ذاتها، إلا أنها تفضي بعادتها إلى الأعمال المقترنة بالمصالح، ولهذه القاعدة المعروفة بسد الذرائع وفتحها فائدة عظيمة، ومدخل في مواقع السياسة بديع. بسط الإسلام في رعاية المصالح المرسلة، وهي مصالح لم يقع التنصيص في الشرع على اعتبارها بخصوصها ولم يرد نص بإلغائها، ومن طرق الاحتجاج عليها: أن الصحابة ﵃ كانوا يتعلقون بما يرونه مصلحة، ما لم يظهر دليل

стр. 1504

خاص على منعه؛ ككتابتهم للمصحف، وولاية العهد من أبي بكر لعمر ﵄، وتدوين الدواوين، وعمل السكة، واتخاذ السجون، وما شاكل ذلك. ومن وفاء الإِسلام بحق المصالح: أن جعل للعرف والعادة اعتباراً في تفاصيل الأحكام، فإن من الأحكام ما يبنيه الشارع على رعاية حال مستمرة، وسبب لا ينقطع، فيتعين العمل به في كل مكان وزمان؛ كالمنع من الربا، ومطالبة المدعي بالبينة، ومنها ما يبنيه على رعاية أحوال تتغير، وعوائد تتجدد، وهذا النوع من الأحكام لا يلزم طرده في كل عصر، ولا إجراؤه بكل موطن، بل يجري العمل فيه على ما يقتضيه العرف السائد بين الناس. قال شهاب الدين القرافي في "قواعده": إن الأحكام تجري مع العرف والعادة، وينتقل الفقيه بانتقالها، ومن جهل المفتي جمودُه على المنصوب في الكتب غير ملتفت إلى تغير العرف، فإن القاعدة المجمع عليها: أن كل حكم مبني على عادة، إذا تغيرت العادة، تغير الحكم، والقول باختلاف الحكم عند تبدل الأحوال والعادات لا يستلزم القول بتغيره في أصل وضعه، والخطاب به كما توهمه بعضهم، وإنما الأمر تدعو إليه الحاجة عند قوم، أو في عصر، فيكون مصلحة، وتتناوله دلائل الطلب، فإن لم تقتضه عادتهم، ولا تعلقت به مصلحتهم، دخل تحت أصل من أصول الإباحة أو التحريم. وممن حقق أن في أحكام الشريعة ما يجري بحسب اختلاف الزمان: شهاب الدين القرافي؛ حيث قال: إن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفاً للشرع، بل تشهد له القواعد، ومن جملتها: أن الفساد قد أكثر وانتشر؛ بخلاف حاله في العصر الأول، ومقتضى ذلك: اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع.

стр. 1505

ويوافق هذا قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وقول عز الدين بن عبد السلام: تحدث للناس أحكام بقدر ما يحدثون من السياسات والمعاملات والاحتياطات. أي: يحدثون أسباباً، فتستدعي أحكامًا تنتزع لها من دلائل الشرع، ومن هنا لزم أن يكون المقرر لأحكام السياسة وغيرها، ممن أوتي العلم بقوانين الشريعة، والفهم الراسخ في مداركها، حتى لا يخرج في تقريره عن الرسوم المطابقة لمقاصدها. يتصرف علماء الإِسلام في الأحكام على نهج المصالح، فإذا أدركوا المصلحة في العمل بالقول الضعيف، أخذوا به، وتركوا ما هو المشهور حيث كان مجرداً عنها. قال أبو علي المسناوي: إذا جرى العمل ممن يقتدى به بمخالف المشهور لمصلحة وسبب، فالواقع في كلامهم أنه يعمل بما جرى به العمل، وإن كان مخالفاً للمشهور، وهذا ظاهر إذا تحقق استمرار تلك المصلحة وذلك السبب، وإلا، فالواجب الرجوع إلى المشهور. ويقول بعض الفقهاء في شروط الأخذ بما جرى به العمل: خامسها معرفة الأسباب ... فإنها معينة في الباب وعند جهل بعض هذي الخمس ... ما العمل اليوم كمثل أمس ولم يعدم الإسلام علماء يفقهون أن أحكامه واردة لحفظ المصالح، ودائرة على مقتضى الحاجات، فهذا أحد الفقهاء في قرية من صحراء الجزائر يقال له: خليفة بن حسن، نشأ في المئة الثالثة عشرة، فأفتى بجواز استناد الحاكم إلى آثار الأقدام في نحو السرقة؛ حيث كان لأهل بلاده براعة فائقة في معرفتها،

стр. 1506

وأنكر عليه علماء بلد يقال لها: "الخنقة"، فأجابهم بقصيدة ذكر فيها بعض مستنداته في الفتوى، ويقول فيها: إلى السادة الأشراف من أهل "خنقة" ... لهم في ندور الواقعات نقول تمسكتم بالأصل والحق واضح ... ولا ينكر المعلوم إلا جهول ولكن إذا عم السداد بحادث ... تقدم أصلاً والقياس دليل كتضمين سمسار وتغريم صانع ... وما هو إلا مودع ووكيل ومن ذاك ما قد جوّزوا في سفاتج ... إذا عم بالخوف الشديد سبيل وفي كلها خلف الأصول لأنها ... مصالح عمت والصلاح جميل ومن أدب المسؤول قبل جوابه ... إذا وردت يوماً عليه سؤول تعرف عرف السائلين بأرضهم ... ليعلم ما يفتي به ويقول وما أنتم منا بأعلم بالذي ... به الضرّ يكفي عندنا ويزول فلو أهملت آثار سرّاق أرضنا ... لكان فساداً للخراب يؤول وفي الأخذ بالآثار إصلاح أمرنا ... وفي الترك عن قصد السبيل عدول وما الأثر إلا كالخطوط شهادة ... كذا قال قوم في القياس عدول فعرفانك الخط الذي غاب ربه ... لعرفان أثر المستراب عديل وفي ولدي عفراء لما تنازعا ... جهازَ أبي جهل وهو جديل بأثر دم في السيف كان نبينا .... قضى أنه للسيدين قتيل والوجه الذي لاحظه المعترضون لما أفتى به هذا الفقيه: أنّ النظر في المصلحة التي لم يقم على اعتبارها شاهد خاص منوط بوظيفة المجتهد،

стр. 1507

ولا يصح ممن لم يبارح منزلة التقليد. وهذا نظير ما اعترض به بعض المغاربة على ابن محسود، حين أفتى بجواز بيع أرض محبسة على مساكين في سنة قاحلة؛ دفعاً لما نزل بهم من الخصاصة. ويوافق الفتوى الأولى: ما نقله الحافظ ابن رجب البغدادي في كتاب "جامع العلوم" عن الإمامين: الشافعي، وأحمد من استحسان قول القافة (١) في سرقة الأموال، والأخذ بذلك، وقال الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه: إذا قال صاحب الزرع: أفسدت غنمُك زرعي بالليل، ينظر إلى الأثر، فإن لم يكن أثر غنمه في الزرع، فلا بد أن يجيء بالبينة، وهذا ظاهر في اكتفائها بمعرفة أثر الغنم، وإن البينة إنما تلزم عند عدم رؤية الأثر. ومما يؤكد أن الحكم الشرعي يعتبر في تفصيله طبيعة الواقعة بحسب ما يجري به العرف، ويحف به من مقتضيات الزمان: أن السلف كانوا يكرهون السؤال عن النوازل قبل حدوثها. نقل الحافظ ابن عبد البر: أن عمر كان يلعن من سأل عما لم يكن، وكان زيد بن ثابت ﵁ إذا سألة إنسان في نازلة، قال له: الله عليك، هل كان هذا؟ فإن قال: نعم، نظر في الحكم، وإن قال: لا، سكت عنه، ولم يعطه جوابًا. فيمكن أن يعد في أسباب كراهتهم للمسائل المقدرة: حذرهم من أن يفرضوا لصورة النازلة حكماً، فتبرز للخارج، ويقارنها بعض أحوال لو شاهدها المفتي، لغيّر حكمه، وفصله على ما يطابق تلك الأحوال. ومن وجوه هذه الكراهة - كما قال بعض العالمين -: أن الله يمد العلماء، وبؤيدهم بالسداد إذا توجهوا بأنظارهم إلى قضية ألجأتهم إليها

стр. 1508

الحاجة. ويضاف إلى هذا: أن الناظر في القضية المفروضة لا يجتمع له من الاهتمام بأمرها، وإبعاد النظر في سائر أطرافها، مثلما يتوفر له من العناية والهمّة عند حضورها، والاضطرار إلى العمل بها. هذه مقتبسات من مطالع الشرع الإسلامي، تمثل لنا حقيقته، وترينا رأي الباصرة كيف خلصت من كل كدر، وسلمت من كل خلل، حتى لا يستطيع الناشئ على أدب الإنصاف والاعتدال أن يرمي شيئاً من قوانينها بمخالفة الحكمة الثابتة، أو مناقضة قاعدة من قواعد العمران. ولا أنكر أن بعض من ينتمي إلى الفقهاء، قد صدرت عنه أقوال ساقطة، وأجهز عليها المحققّون بالإبطال والنكير، كما أسقط بعضهم شرط العلم في ولاية القضاء، وجوّز إلقاء هذه الخطة على عنق من لا يعلم، وزعم أن استشارته لغيره تقوم مقام ذلك الشرط العظيم. ووجه سخافة هذا القول، ونزوله عن مقام التحقيق: أن القاضي يؤمر بالاستشارة؛ ليستخلص الحق من بين الآراء المتعددة، وإذا كان في نفسه جاهلًا، فإنه لا يمكنه التمييز بين الآراء الصحيحة وغيرها حتى يتخير أقربها إلى الصواب، ولكن أمثال هذه الهفوة لا تلتصق بجانب الإسلام، وإنما ترسم في صحيفة من عثرت به الغفلة في أذيالها. * اختلاف المذاهب: كره الشارع التفرق في الآراء، وندب الأمة إلى الوفاق بقدر ما يمكنها، ولكنه يعلم أن تماسكهم وسيرهم في جميع الأحكام على مذهب واحد غير ميسر لهم، فأذن لهم بعد بذلهم الوسع في اتفاق الرأي، أن يأخذ كل طائفة بما استقرت عليه أفهامهم، ولا يضرهم متى تمكنوا في صناعة تقرير الأحكام،

стр. 1509

واستوفوا شروطها، أن لا يصيبوا وجه الحق في الواقع، قال ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر". وأطلق الشارع للعقود عنانها في الاجتهاد؛ ليفتح لها المجال في النظر، ويربيها على مبدأ الاستقلال بالرأي، حتى لا يستولي عليها التقليد من جميع جهاتها، فيتخللها الجمود، ويصبح الفرق بينها وبين العقول المتصرفة كالفرق بين الماء الراكد في حمأ، والماء المنهمر على الصفا لا يمازجه كدر. ومن شعر بهذه الحكمة، لا يمكنه الغضّ من جانب علماء الإِسلام؛ حيث أفضى بهم الاجتهاد إلى الاختلاف، بل هذا مما يجر إلى الاعتراف بمزيتهم، ويبرهن على أنهم نشؤوا على مبدأ البحث واستقلال الفكر، ولو أنهم كانوا بعقول خامدة، وإرادة ميتة، لاتبعوا ما يفتي به أول فقيه منهم، وتسلّموه بتقليد. لا محيص للمجتهدين من الخلاف لوجوه متعددة: منها: أن غالب الدلائل أقوال نزلت بلسان العرب، وطرق دلالة الألفاظ على المعاني مما يجري فيه الخلاف بين الناظرين في علم العربية، وجريان الخلاف في دلالة مفردات الألفاظ ومركباتها يوجب الاختلاف في الأحكام المأخوذة منها. ومنها: أن غالب الأحاديث يرويها الآحاد من الصحابة والتابعين، وقد يبلغ الحديث مجتهداً، ويصح عنده، فيبني عليه مذهبه، ولا يصل إلى مجتهد آخر، أو لا يثبت عنده، فيؤديه النظر إلى خلاف ما يتضمنه الحديث. ومنها: أن بعض الأحكام تركب على علل لا يصرح بها الشارع، ولا يوميء إليها، ويكلها إلى اجتهادات العقول، فتذهب في الفحص عنها، والتنقيب

стр. 1510

من ورائها إلى أن يستقر رأي بعضهم على علة، ويتعين عنده غير علة أخرى، وإذا اختلفت العلل، اختلف ما بسند إليها من الأحكام. ولا ننسى أن فروعاً كثيرة إنما انجرّ إليها الخلاف من تباين العرف، أو عدم اتحاد المصالح؛ لتبدل العصور، أو تباعد المواطن، ومثل هذا لا ينبغي إدراجه في مسائل الخلاف الحقيقي كما أومأنا إليه فيما سلف. ولو أن أهل الإسلام استمروا على تأليف الجمعيات العلمية؛ لتحرير أحكام الحوادث، واستخلاص الحقيقة من الآراء المتلاقية، لالتأمت عدة خلافات حقيقية، وسقطت أقوال كثيرة من حساب مسائل الخلاف. وقد كان للسلف اهتمام بجمع العلماء في المسائل المشكلة، فقد نقل الحافظ ابن عبد البر عن المسيب بن رافع: أنه جاء الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنّة، رفع إلى الأمراء، فجمعوا له أهل العلم، فما اجتمع عليه رأيهم، فهو الحق. وروي عن علي بن أبي طالب، قال: قلت: يا رسول الله! الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولا سنّة، قال: "اجمعوا له العالمين". وهذا الحديث قدح الحافظ ابن عبد البر في سنده، ولكنه يدل على أن تأليف الجمعيات لتحرير المسائل العلمية مما شعر بفائدته علماء الإسلام في القديم. * انتشار المذاهب: أنبتت العصور الأولى طوائف من المجتهدين، ولم يبق من مذاهبهم التي هي محل للتقليد سوى مذاهب كان لأئمتها أصحاب يتلقونها منهم، فأوسعوها بالتفريع، وحفظوها بالتدوين؛ كمذاهب أبي حنيفة، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل ﵃.
следующие страницы →