← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: هذا توبيخ وتجهيل لليهود الذين عاتبوا إخوانهم على تحديث المؤمنين بما فتح الله عليهم؛ فإن اعتقادهم بأن الله يعلم سرهم وعلانيتهم شأنه أن يمنعهم من أن ينهوا إخوانهم في السر عن تحديث المؤمنين بما في التوراة؛ فإنهم إنما يحدثونهم بحقائق أوجب الله عليهم أن يذيعوها بين الناس. ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾: الضمير في قوله: (منهم) يعود على اليهود المذكورين فيما سبق. والأميون: جمع أميّ، وهو الذي لا يحسن الكتابة، وسمّي أميّاً نسبة إلى الأم؛ أي: إنه باق على ما ولدته أمه من عدم معرفة الكتابة، أو نسبة إلى الأمَّة بمعنى: الخلقة؛ أي: إنه باق على خلقته، ولم يزد عليها تعلم الكتابة. والكتاب: التوراة. والأماني: جمع أمنية، وهي ما يقرأ. والمعنى: أن هذا الفريق من اليهود لا يعلمون من الكتاب إلا ما يقرؤونه قراءة عارية عن التدبر في معانيه. ويصح أن يكون المراد من الأمنية: ما يقدره الإنسان في نفسه، ويرغب في حصوله. وقد كان هؤلاء اليهود لا يعلمون الكتاب، وإنما كانت لهم أماني هي أن الله لا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، من غير أن يأخذوا أنفسهم بواجبات دينهم. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: الظن: ركون النفس إلى وجه من وجهين يحتملهما الأمر، دون أن تبلغ ذلك مرتبة القطع. وهو لا يكفي في معرفة أصول الدين مما يرجع إلى الإيمان، وإنما الواجب فيها أن تكون قائمة على الأدلة القاطعة، ومثلها

стр. 177

أصول الفقه التي تبنى عليها الأحكام العملية، وأما أحكام الوقائع الجزئية، فإن الراسخين في العلم يكتفون في تقريرها بما يصلون إليه من الظنون القوية. ومن أهل العلم من فسر الظن في الآية بمعنى: الشك، وهو التردد بين أمرين من غير أن يترجح أحدهما على الآخر، فيكون المعنى: أن هؤلاء اليهود ليسوا على علم من أمور الدين، وإنما هم في شك منها، وإن الشك لا يغني من الحق شيئاً. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: الويل: الفضيحة والخزي، وقيل: الويل: الهلاك، وهو وارد مورد الدعاء. و ﴿الْكِتَابَ﴾: ما يكتبونه من أشياء اختلقوها ووضعوها بدلاً مما في التوراة. وقال: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾؛ ليؤكد أن الكتابة باشروها بأنفسهم، ويدفع توهم أنهم أمروا غيرهم بكتابتها، وأَمْرُ الشخص آخر بكتابة الكتاب، يسيغ نسبة الكتاب إلى ذلك الشخص على وجه المجاز. ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ لأتباعهم الأميين: ﴿هَذَا﴾؛ أي: ما كتبوه بأيديهم ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: من نصوص التوراة التي أنزلها الله على موسى- ﵇، وإنما يقولون ذلك ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾؛ أي: المكتوب المحرف ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. والثمن: عرض الدنيا، وكل عرض يؤخذ في مقابلة وضع الحق مكان الباطل فهو قليل. ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: هذا وعيد لهم مرتب على كتابة الكتاب المحرَّف؛ أي: خزي وهلاك لهم على ما فعلوا من تحريف الكتاب.

стр. 178

﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾: الكسب: اجتلاب النفع أو الضرر، وهو المراد من الآية. وهذا وعيد على أخذهم الأموال من الأتباع المقلدين لهم بغير حق. والآية تدل على تحريم أخذ المال بالباطل؛ كالرشوة، وإن أخذها برضا المعطي. * * *

стр. 179

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨٣]. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾: الضمير في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ عائد إلى الذين يكتبون الكتاب المشار إليهم في الآية السابقة بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. والمس: الإصابة. ووصف الأيام بقولهم: ﴿مَعْدُودَةً﴾ كناية عن قلتها، يقال: شيء معدود؛ أي: قليل، وشيء غير معدود؛ أي: كثير. وروي عن اليهود - فيما يزعمون -: أنهم سيعذبون سبعة أيام، أو أربعين يوماً، ثم ينقطع عنهم العذاب. والمعنى: وقال أولئك الذين يكتبون الكتاب بأيديهم من اليهود: لن تصيبنا النار إلا أياماً قلائل.

стр. 180

وبهذا يجمعون إلى تبديل كتاب الله، وأخذِهم به المال الحرام، وافترائهم بأن هذا الذي كتبوه من عند الله، جريمةً أخرى هي الإخبار على وجه الكذب البحت بأنهم لا يقيمون في النار إلا أياماً معدودة. ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾: أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه الكريم بأن يرد على اليهود دعواهم الكاذبة؛ إذ زعموا أنهم لا يعذبون إلا أياماً قليلة، فقال تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾ والاستفهام في قوله: ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ للإنكار. والعهد: الوعد. وإخلافه: عدم الإيفاء بالشيء الموعود به. والمعنى: قل يا محمد منكراً على اليهود ورادّاً عليهم تلك الدعوى المزعومة: أتقدَّمَ لكم من الله وعدٌ بذلك حتى يكون الإيفاء بهذا الوعد متحققاً؟ فإن إخلاف الوعد يجعل الوعد كذباً، والله تعالى منزه عن أن يقول ما ليس بحق. والإنكار متوجه إلى زعمهم أن النار لا تمسهم أكثر من أيام معدودة. ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: هذا معطوف على قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، وكأنه يقول: أيُّ الأمرين واقع: اتخاذكم عند الله عهداً، أم قولكم على الله ما لا تعلمون؟ والواقع هو أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، لا أنهم اتخذوا عند الله عهداً، وإنما أخرج الكلام مخرج التردد فيما هو الواقع؛ لما في أسلوب الاستفهام من ظهور القصد إلى تقريرهم بأنهم قالوا على الله ما لا يعلمون؛ فإنهم لا يستطيعون أن يزعموا أن الله وعدهم بما أخبروا به من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة، وليس في أيديهم نص من كتابهم يستندون إليه في هذا الإخبار الذي جاؤوا به في صورة الجزم.

стр. 181

﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: هذا إبطال لقول اليهود: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. و ﴿بَلَى﴾ حرف جواب؛ كنعم، إلا أنها تجيء لإثبات فعل ورد قبلها منفياً، وهو في الآية قول اليهود: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، فهي لإثبات أن النار تمسهم أكثر من أيام معدودة. وقال: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾، فكان إبطالاً لقولهم على وجه يشملهم وسائر من يعمل عملهم ويكفر كفرهم. والكسب: جلب النفع، ويستعمل في جلب الضرر؛ كما ورد في هذه الآية. والسيئة: الذنب صغيراً أو كبيراً، وحيث كانت أفعال اليهود المحكية عنهم اَنفاً من قبيل الكبائر، صح حمل السيئة هنا على الفاحشة الموجبة للنار. والإحاطة: الاستيلاء، والأخذ بالشيء من جميع جهاته. والخطيئة: السيئة، وإنما تحيط بصاحبها إذا أخذت القلب، فحرم من الإيمان، وأخذت اللسان، فحرم من الإقرار به. فالآية تدل على أن الخطيئة الموجبة للخلود هي المحيطة بصاحبها، وهذه الإحاطة إنما تتحقق بالكفر، وصحبة الشيء للشيء تدل في أصل اللغة على بقائه معه قليلاً أو كثيراً، وقد جرى العرف باستعمالها في معنى الملازمة، فإضافة الأصحاب إلى النار تنبئ بملازمتهم لها. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لما ذكر الله تعالى أهل الفسوق والكفر، وما أعد لهم من العقاب الشديد الخالد، أتبع ذلك بذكر أهل الإيمان والتقوى، وما تفضل به عليهم

стр. 182

من الخلود في دار النعيم، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهذا يتناول المؤمنين من أمة الإسلام، ومن كانوا على إيمان صحيح بما جاءتهم به رسلهم قبل البعثة المحمدية. والمعنى: أن من جمعوا بين الإيمان الصادق، والأعمال الصالحة، هم أصحاب الجنة الحقيقون بالخلود فيها. وهذا الوعد لا يتوجه إلى الذين آمنوا بقلويهم، وأقروا بألسنتهم، ولم يحافظوا على امتثال ما أمروا به، أو اجتناب ما نهوا عنه، فمصير هؤلاء إلى الجنة، وخلودهم فيها بعد جزائهم على ما ارتكبوا من عصيان، أو بعد عفو الله عنهم، يؤخذ من نصوص وأدلة أخرى، والنصوص التي قامت على أبدية الجنة أكثر من النصوص التي تدل على أبدية النار، ولم يخالف في أبدية الجنة عالم بحق. والمعروف بين علماء الإسلام: أن الخلود في النار متأبد، وأنها كدار النعيم لا يلحقها فناء. وقد تحدث عن هذه المسألة ابن تيمية، وبسط ابن القيم الحديث عنها في كتابه "حادي الأرواح". ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: وردت هذه الآية مناسبة للآيات السابقة في توبيخ بني إسرائيل على مساوئ ارتكبوها، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾. والميثاق: العهد، وعهد الله: ما يوصي به في بعض كتبه، أو على لسان رسول من رسله، فميثاق بني إسرائيل: ما أخذ عليهم في التوراة، أو على لسان موسى وغيره من أنبيائهم ﵈، والمأخوذ عليهم: ما ذكر مفصلاً في الآية من قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾. ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: عبادة الله: الإيمان به وبرسله، والعمل بما أنزل في كتبه. وقال:

стр. 183

﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ في صورة الخبر المنفي، والمراد: النهي عن عبادة غير الله. والمعنى: لا تعبدوا غير الله. وإيراد الخبر في مقام يقصد منه الأمر أو النهي يفيد تأكيد الأمر أو النهي. وتقررت هذه الطريقة من المبالغة والتأكيد على أن المتكلم يلاحظ أن هذا الأمر أو النهي حقيق بأن يُتلقى بحسن الطاعة، فكأن وقوع المأمور به، أو المنهي عنه متحقق الوقوع، وينزل المتحقق الوقوع في منزلة الواقع، ويصير المقام مقام الإخبار بأن المأمور فاعل للمأمور به، أو مجتنب للمنهي عنه في الحال. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: الوالدان: الأب والأم. والإحسان: مصدر في معنى أَحْسَنوا. والإحسان في الأصل: فعل الحسن. وإحسانك إلى غيرك، وبه: أن تنفعه بما هو حسن. والإحسان بالوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، والقيام بما أوجبه الله لهما من الحقوق. ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾: هذا معطوف على قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾.والقربى: مصدر بمعنى: القرابة، فذو القربي: من تكون بينك وبينه صلة قرابة من جهة الأب أو الأم. والإحسان بهم: القيام بما يحتاجون إليه بقدر الطاقة. ﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم، وهو من فقد أباه. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: جمع مسكين، وهو مرادف للفقير على معنى: من لا شيء له، أوله شيء طفيف من العيش لايكفي حاجته.

стр. 184

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: هذا من جملة ميثاق بني إسرائيل المفتتح بقوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. والحسن: ضد القبح، فهو مصدر بمعنى: حَسَن؛ أي: ذي حسن، وقع موقع الصفة لمصدر محذوف. والمعنى: قولوا قولاً حسناً. وفي وصف القول بالمصدر الذي هو الحُسْن مكان الوصف الذي هو ذو حُسن مبالغةٌ في حسنه على ما هو معروف في فنون البيان. والأعمال الصالحة إما أن ترجع إلى حسن طاعة العبد لربه، وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾، وإما أن ترجع إلى حسن معاملة العبد لغيره من الناس، وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. ثم إن حقوق الناس في حسن المعاملة متفاوتة، فأحقهم بالإحسان: الوالدان؛ لما لهما من فضل الولادة والعطف والتربية، ثم أولو القربى؛ رعاية لحق القرابة، ثم اليتامى؛ لقصور أيديهم وضعفها عن الكسب، ثم المساكين؛ لسد حاجاتهم، والفوز بثواب الرحمة بهم، وسائر الناس ممن ليسوا في حاجة إلى الإحسان إليهم بالفعل، يكفي في البر بهم أن يلاقيهم الإنسان بالطيب من القول، ويجيبهم بما يجب أن يجاب به. وهذا النوع من الإحسان سهل على النفوس؛ بحيث يستطيع الإنسان - متى قدر فضل التودد لخيار الناس قدره - أن يجري عليه في كل حال. بنيَّ إن البِرّ شيء هَيِّن ... وجه طليقٌ ولسانٌ لَيِّن ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: هذا خطاب لبني إسرائيل معطوف على ما قبله. والصلاة التي أمروا بإقامتها، والزكاة التي أمروا بإيتائها، هما الصلاة والزكاة المشروعتان في

стр. 185

ديانتهم، ولعظم شأن هاتين العبادتين: البدنية والمالية، ذُكرتا على وجه خاص بعد الأمر بعبادة الله؛ اهتماماً بهما، وتوكيداً لأمرهما. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾: تولى عن الشيء: رفضه، وانصرف عنه. والتوبيخ في الآية موجه إلى اليهود الذين كانوا في عصر النبي ﷺ ، واليهود الذين تولوا عن الميثاق من قبل، على طريقة تغليب الحاضرين على الغائبين؛ حيث أورد التوبيخ في صورة الخطاب، والفعل المنكر، وهو التولي، صادر من الحاضرين والغائبين. والقليل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هم من آمن قديماً من أسلافهم، أو حديثاً؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه. والإعراض: التولي، فقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ حال مؤكدة لمعنى الفعل الذي هو ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ إذ للتأكيد في لسان العرب طرق، منها: أن يعاد إسناد معنى الفعل إلى الفاعل في صورة الحال. والمعنى: ثم رفضتم أنتم وأسلافكم الميثاق رفضاً باتاً، إلا فريقاً منكم ليسوا بكثير استمروا على رعايته والعمل بموجبه. * * *

стр. 186

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٤ - ٨٦]. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾: هذا معطوف على ما تقدم من الآيات الواردة في نقض اليهود للمواثيق والعهود. وما تقدم من قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ... إلخ يتضمن أوامر، والميثاق المشار إليه في هذه الآية يتضمن نواهي ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. وقدم توبيخهم على عدم امتثال الأوامر على توبيخهم على عدم اجتناب المنهي عنها؛ لأن الأوامر هي الأصل في التكاليف الشرعية؛ حيث إنها تتضمن

стр. 187

أفعالاً؛ بخلاف النواهي؛ فإنها تتضمن تروكاً، ومشقة الأفعال أشدُّ- في الغالب - من مشقة التروك. والميثاق: العهد. وسبق لنا: أن عهد الله: ما أوصى به في كتابه، أو على لسان رسله. والميثاق أخذ من أسلاف المخاطبين. فالمعنى: أخذنا ميثاق أسلافهم الذين كانوا في عهد موسى ﵇. والسفك: الصبّ. والدماء: جمع دم، وهو معروف. والنهي عن سفك الدماء في معنى النهي عن القتل، ومعنى ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾: لا يتعرض بعضكم لبعض بالقتل، كما قال ﵊ فيما روي في الصحيح: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض". ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: الديار: جمع دار، وهي المسكن. والمعنى: لا يخرج بعضكم بعضاً من مساكنهم. ويدخل في معنى الإخراج من الديار: أن يتصدى الرجل لإيذاء جاره حتى يلجئه إلى الخروج من داره؛ تخلصاً من شره. وقال: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، فجعل إجلاءهم غيرَهم من مساكنهم إجلاء لأنفسهم، فنبه بذلك على أن الأمة المتواصلة بالدين أو النسب بالغةٌ من الوحدة بحيث يعد قتل الرجل لغيره إنما هو قتل لنفسه، وإخراجه من منزله إنما هو إخراج لنفسه. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: أقررتم: اعترفتم. وتشهدون: من الشهادة، وهي الإخبار عن علم. والخطاب لليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ، فهو وارد مورد التوبيخ

стр. 188

لهم على عدم العمل بالتوراة، مع إقرارهم بصحة أحكامها. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ واقع موقع الحال المؤكدة لقوله: ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾؛ كما يقال: فلان مقر على نفسه بكذا، شاهداً عليها. ويصح أن يكون قوله: ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ إخباراً عن اعتراف سلفهم بالميثاق، وقد عرفنا أنه قد يجيء ما يصدر من السلف في صورة خطاب للخلف. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ إخبار عما وقع من اليهود الحاضرين في عهد نزول القرآن الكريم. والمعنى: اعترفتم؛ أي: اعترف أسلافكم بالميثاق، وأنتم تشهدون الآن على إقرارهم وقبولهم له. فيكون الإقرار في قوله: ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ صادراً من سلفهم، والشهادة مسندة إلى اليهود الحاضرين عند نزول الآية. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: هذا تقريع لهم على عصيانهم بارتكاب ما نُهوا عنه. وقد وردت هذه الجملة على أسلوب قول العرب: "ها أنت ذا قائماً". فالضمير ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، واسم الإشارة ﴿هَؤُلَاءِ﴾ خبر عنه، وجملة: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ حال، وهي من قبيل الأحوال التي لا تحصل الفائدة من الإخبار إلا بذكرها. والمعنى: ثم أنتم - يا معشر اليهود - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم، وبعد شهادتكم على أنفسكم بذلك، صرتم في حال غير الحال التي كنتم عليها، فنقضتم العهد، وارتكبتم ما نهيتم عنه من القتل والإخراج من الديار. ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: لما كان قتل بعضهم لبعض، وإجلاؤهم من ديارهم يحتاج إلى قوة وغلبة، بَيَّن تعالى أنهم يفعلون ذلك متعاونين عليه وهم آثمون ظالمون.

стр. 189

والتظاهر: التعاون. والإئم: الذي يستحق صاحبه الذَّم عليه والملام، أو: ما تنفر منه النفس، ولا يطمئن إليه القلب. والعدوان: تجاوز الحد في الظلم. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾: الأسارى: واحده أسير بمعنى: مأسور، وهو المأخوذ على سبيل القهر والغلبة. وفداء الأسارى: فكاكهم بإعطاء شيء عنهم. والمعنى: أنتم مع قتل بعضكم بعضاً، وإخراج بعضكم بعضاً من ديارهم، إذا وجدتم الذين أخرجتموهم من ديارهم أسرى في أيدي غيركم من الأعداء، تسعون لفكهم، وتبذلون عوضاً لإطلاقهم. وبيان هذا المعنى: أن حروباً كانت تنشب بين الأوس والخزرج قبيل الإسلام، وكان فريق من يهود المدينة حلفاء للخزرج، وفريق حلفاء للأوس، وكان كل فريق من اليهود يقاتل مع حلفائه، وقد يقتل اليهودُ من فريقٍ يهوداً من الفريق الآخر، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأمتعة، وإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أولئك الذين أخرجوهم من ديارهم. ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾: من أساليب البيان عندما يراد إعطاء الخبر جانباً من العناية والتأكيد: أن يصدر المتكلم الجملة بضمير المفرد الغائب "هو"، ثم يأتي بعده بالخبر، ويكون هذا الخبر هو معنى ذلك الضمير الذي وقع صدراً في الجملة، ويسمونه: ضمير الشأن. والضمير في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ هذا القبيل.

стр. 190

و ﴿مُحَرَّمٌ﴾ من حرَّم بمعنى: منع. والمحرّم شرعاً: ما يعاقب على فعله، ويثاب بالقصد إلى تركه امتثالاً لنهي الشارع عنه. والمعنى: أنكم تخرجون فريقاً منكم من ديارهم، وإذا صار هؤلاء الفريق في الأسر، فاديتموهم، وإخراجهم من ديارهم محرم عليكم، فلمَ لم تتبعوا حكمة التوراة في النهي عن إخراجهم كما اتبعتم حكمها في مفاداتهم؟. ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: هذا معطوف على قوله تعالى: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. والاستفهام للإنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكامه تعالى بالإيمان ببعض، والكفر ببعض. والكتاب: التوراة. وبعض الكتاب الذي آمنوا به: هو ما حرم عليهم من ترك الأسرى في أيدي عدوهم، وبعضه الذي كفروا به: هو ما حرم عليهم من القتل والإخراج من الديار. والمعنى: كيف تستبيحون القتل والإخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟! فالإنكار-كما عرفت- غير متوجه إلى الإيمان ببعض الكتاب، وإنما الذي أنكر عليهم هو جمعهم بين الكفر والإيمان؛ إذ كفروا ببعض الأحكام، وآمنوا ببعضها، وإنما سمي عصيانهم بالقتل والإخراج من الديار كفراً؛ لأن من عصى أمر الله بحكم عملي، معتقداً أن الحكمة والصلاح فيما فعله؛ بحيث يتعاطاه دون أن يكون في قلبه أثر من التحرج، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب، فقد خرج بهذه الحالة النفسية من سبيل المؤمنين. وفي الآية دليل واضح على أن الذي يؤمن ببعض ما تقرر في الدين بالدليل القاطع، ويكفر ببعضه، يدخل في حساب الكافرين؛ لأن الإيمان

стр. 191

لا يتجزأ. ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الجزاء: المكافأة على الشيء، ويستعمل في الخير والشر؛ أي: يكون ثواباً وعقاباً. واسم الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ مشار به إلى القتل والإخراج من الديار اللذين نقضوا بهما عهد الله بغياً وكفراً. والخزي: الهوان والمقت والعقوبة. وهذا وعيد من الله تعالى لأولئك اليهود الذين نقضوا عهده بالعقاب العاجل في الدنيا، وهذه سنة الله في كل أمة لا تتمسك بدينها، ولا تربط شؤونها الاجتماعية بأحكام شريعتها وآدابها. ومن أشد أنواع الخزي: أن يسلط عليها عدوها، فيرهقها بغياً وعدواناً، ويسومها سوء العذاب ليلاً ونهاراً. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾: أخبر في هذه الجملة أن الخزي الذي يصيبهم في الدنيا لا يكفر عنهم ذنوبهم، بل هم صائرون في الآخرة إلى عذاب أشد منه. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: زمان يمتد من البعث إلى أن يفصل الله بين العباد، ويستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. و ﴿يُرَدُّونَ﴾: يصيرون. ومن الوجوه التي صار بها عذاب الآخرة أشد: أنه عذاب خالد؛ بخلاف الخزي في الحياة الدنيا. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: هذا خطاب لليهود على وجه الالتفاف؛ أي: الانتقال من طريق الغيبة إلى طريق الخطاب؛ إذ قال: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، وقد قال تعالى فيما سبق: ﴿يُرَدُّونَ﴾. والغفلة: السهو. والمعنى: أنه تعالى لا يأخذه سهو عن أعمالكم حتى يترك مجازاتكم عليها. فالمراد من نفي الغفلة: ما يتسبب عنها من ترك مجازاتهم.

стр. 192

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: اسم الإشارة ﴿أُولَئِكَ﴾ مشار به إلى من سبق توبيخهم من اليهود في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ... إلخ الآية. ومعنى اشتراء الحياة الدنيا بالآخرة: إيثار متاعها؛ من نحو الرياسة والمال، على نعيم الآخرة، فكأنهم جعلوا حظوظهم من نعيم الآخرة ثمناً لما تمتعوا به في الحياة الدنيا. و ﴿يُخَفَّفُ﴾ من التخفيف، وهو التسهيل والتهوين، ونصر الشخص لغيره: دفعه عنه ما يراد به من مكروه. ومعنى الآية: أن اليهود الذين تقدم ذكرهم قد آثروا متاع الحياة الدنيا، ورضوا بها عوضاً من نعيم الآخرة، فلا يقطع عنهم العذاب، ولا يقلّل، ثم لا يجدون أحداً يدفع عنهم بقوته أو بشفاعته ما وقعوا فيه من أشد العذاب. * * *

стр. 193

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) وَ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٨٧ - ٩٠]. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾: هذا تذكير لبني إسرائيل بضرب من النعم التي أمدهم الله بها، ثم قابلوها بالكفر والإجرام. و ﴿آتَيْنَا﴾: أعطينا. و ﴿الْكِتَابَ﴾: التوراة. ﴿وَقَفَّيْنَا﴾: أردفنا، وأتبعنا. وأصله من القفا، يقال: قَفَّاه: إذا تبعه، وقفاه بكذا: إذا أتبعه إياه. والرسل: جمع رسول بمعنى: مرسَل، وقد أرسل الله رسلاً بعد موسى

стр. 194

- ﵇، منهم: يوشع، وداود، وسليمان، وعزير، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى. ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾: ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحة الدالة على نبوته، فتشمل كل معجزة أوتيها عيسى- ﵇؛ كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، والإخبار ببعض المغيَّبات. وخص عيسى بالذكر؛ لكونه صاحب كتاب هو الإنجيل، ولأن شرعه نسخ بعض الأحكام من شريعة موسى ﵇. وفي إضافة عيسى إلى أمه إبطال لما يزعمه اليهود من أن له أباً من البشر، وقد مشى خلفهم في هذا الزعم الباطل طائفةٌ من أشياع غلام أحمد القادياني مدعي النبوة كذباً، ويسمون أنفسهم: الأحمدية. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: أيدناه: قوّيناه، مأخوذ من الأَيْد، وهو القوة. والروح في الأصل: ما تحصل به الحياة. والقدس: الطهر والبركة. وذهب كثير من المفسرين إلى إن المراد بروح القدس: جبريل- ﵇، وإطلاق هذا الاسم على جبريل ظاهر في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢]، ويصح تفسير روح القدس بالوحي الذي يمد الله به رسله؛ إذ هو شبيه بالروح الذي تحصل به الحياة؛ ذلك أن الأمم تحيا به حياة صالحة، وبغير الدين الحق لا يستقيم لها سير، ولا تنظم لها شؤون. ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾: هذه الآية واردة مورد التوبيخ لليهود الذين صدرت منهم هذه الأفعال الفظيعة؛ من تكذيب الرسل، وقتلهم فريقاً منهم. وتهوى: من هوي: إذا

стр. 195

أحب، والهوى يكون في الحق، ويكون في الباطل، وعلى هذا الوجه ورد قوله تعالى: ﴿بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾. و ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾: تكبرتم، والتكبر ينشأ عن الإعجاب بالنفس الذي هو أثر الجهل بها. ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: هذا معطوف على قوله تعالى: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، والمعنى: أنه كلما جاءكم رسول، استكبرتم عن إجابة دعوته؛ ازدراء له، فبادرتم فريقاً من الرسل بالتكذيب فقط؛ حيث لا تقدرون على قتلهم، وأقبلتم على فريق منهم بالقتل؛ حيث تقدرون على قتلهم، وقدم تكذيبهم للرسل على قتلهم إياهم؛ لأن التكذيب أول ما يصدر عنهم من الشر. وعبّر في جانب القتل بالفعل المضارع، فقال: ﴿تَقْتُلُونَ﴾، ولم يقل: قتلتم كما قال: ﴿كَذَّبْتُمْ﴾؛ لأن الفعل المضارع- كما هو المألوف في أساليب البلاغة- يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغاً عظيماً، ووجهه: أن المتكلم يعمد لذلك الفعل القبيح؛ كقتل الأنبياء، ويعبر عنه بالفعل المضارع الذي يدل بحسب وضعه على الفعل الواقع في الحال، فكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: هذا حديث عن اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ، وهو حكاية ما كانوا يقولون على سبيل الاعتذار عن عدم إيمانهم به. والغلف: جمع أغلف، ووصف القلوب بها على معنى: أن عليها أغشية تمنع ما جئت به

стр. 196

أن ينفذ فيها؛ كقولهم في آية أخرى: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥]. ويرجع هذا إلى معنى: أنها لا تفقه شيئاً مما تقوله. وقصدوا بهذا إقناطه ﵊ من إجابتهم لدعوته حتى لا يعيد عليهم الدعوة من بعد. ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾: هذا تكذيب لهم فيما زعموه من أن قلوبهم مستورة بأغطية تمنعها من الفهم. والمعنى: أن قلوبهم ليست غلفاً بحيث لا تخلص إليها دعوة الحق، بل هي متمكنة بأصل فطرتها من قبول الحق، ولكن الله أبعدهم من رحمته، وأعمى أبصارهم؛ من أجل كفرهم بالأنبياء، وانصرافهم عن العمل بالكتاب الذي أنزل إليهم من قبل، فقيامُ حجة الله عليهم من جهة أنه خلقهم على الفطرة، والتمكن من الإيمان، غير مقسورين على الكفر، ثم إنهم استحبّوا الكفر على الإيمان. ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾: الفاء في قوله: ﴿فَقَلِيلًا﴾ للدلالة على أن ما بعدها متسبب عما قبلها، و (ما) في قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا﴾ لتأكيد معنى القلة. والمعنى: أن الله لعنهم، وكان هذا اللعن سبباً لقلة إيمانهم، فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً، وقلة الإيمان ترجع إلى معنى أنهم لا يؤمنون إلا بقليل مما يجب عليهم الإيمان به، وقد وصفهم الله تعالى فيما سبق بأنهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾: هذا تنبيه لنوع آخر من ضلالات اليهود الذين كانوا في عهد النبي ﷺ .

стр. 197

والكتاب: القرآن، ووصفه بكونه من عند الله إيماء إلى أن ما يوحي به الخالق- جل شأنه - جدير بأن يُتلقى بالقبول وحسن الطاعة. و ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾؛ أي: مع اليهود: التوراة. ومعنى كون القرآن مصدقاً لما معهم من التوراة: أنه موافق لها فيها يختص ببعث النبي ﷺ ونعته. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾: يستنصرون؛ من الاستفتاح، وهو طلب الفتح؛ أي: النصرة. و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: المشركون. وقد كان اليهود يستنصرون على أعدائهم من المشركين بالنبي ﷺ قبل بعثته، فيقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبي الذي نجد نعته في التوراة. ولإيراد ما اشتملت عليه التوراة والإنجيل من النصوص الواردة في بعثة النبي ﷺ وصفته، مقامٌ غير هذا المقام. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾: ﴿مَا عَرَفُوا﴾: نبوة النبي ﷺ ، أو القرآن المشار إليه فيما سبق بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ومعرفتهم للنبوة أو القرآن - أي: صدقهما- حصلت بنظرهم في علامات النبي الموعود به في التوراة وصفاته، ومعرفتهم لتحققها في النبي محمد ﵊. وإيضاح هذا: أن انطباق العلامات والصفات الواردة في التوراة على النبي- صلوات الله عليه -، مع ما انضم إليه من آيات صدقه الأخرى، يجعل اليهود على معرفة لا يخالجها ريب بأن نبوته صادقة، وكتابه وحي سماوي، ولكن فوات ما كانوا يحرصون عليه من أن يكون خاتم النبيين منهم، ملأ قلوبهم غيظاً وحسداً، وأخذ هذا الغيظ والحسد يغالب تلك المعرفة حتى

стр. 198

تغلَّب عليها، وحال بينها وبين أن يكون لها أثر هو الإذعان بالقلب، والإقرار باللسان. ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: اللعنة: الإبعاد والطرد، فلعنة الله على الكافرين: إبعادهم وطردهم من مواقع رحمته وخيراته الباقية. وجعلت لعنتهم صادرة من الله؛ لإظهار شدتها، والإيمان إلى أنها لعنة لا مرد لها، ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢]. وقال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ولم يقل: عليهم؛ ليشعر بأن سبب حلول اللعنة هو كفرهم. ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: بئس: فعل يستعمل للذم، كما يستعمل (نعم) للمدح، وكل من الفعلين يستدعي ذكر اسمين مرفوعين، أولهما الفاعل، والثاني يسمونه: المخصوص بالذم، أو المدح، و (ما) في قوله: ﴿بِئْسَمَا﴾ بمعنى الذي، وهي الفاعل. و ﴿اشْتَرَوْا﴾ يحمل - كما قال الجمهور - على معنى: باعوا؛ فإن أولئك اليهود لما أمكنهم الله من الإيمان الذي يفضي بهم إلى السعادة الباقية، ومن الكفر الذي يؤدي بهم إلى شقاء دائم، صار اختيارهم للكفر على الإيمان بمنزلة اختيار صاحب السلعة ثمنها على سلعته، فكانهم أعطوا أنفسهم التي كان في إمكانهم الانتفاع بإيمانها، وأخذوا الكفر عوضاً منها. فأنفسهم بمنزلة السلعة المبيعة، والكفر بمنزلة ثمنها المقبوض. وقوله: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في معنى: كفرهم بما أنزل الله، وهو المخصوص بالذم المشار إليه بفعل (بئس). و (ما أنزل الله): القرآن، ودين الإسلام. والمعنى: بئس الشيء الذي باعوا به أنفسهم، وهو كفرهم

стр. 199

بما أنزل الله؛ من كتابه الحكيم، ودينه القويم. ويصح أن يفسر الاشتراء بمعناه الكثير في الاستعمال، فتكون أنفسهم - في زعمهم - مشتراة لا مبيعة؛ ذلك أن اليهود يظهرون التمسك باليهودية، وأنهم لو صدقوا النبي ﷺ ، واتبعوه، لوقعوا في عقاب الله، ويدَّعون في ظاهر حالهم أن تكذيبهم له يخلِّصهم من العقاب، فكأنهم يقولون: اشترينا أنفسنا؛ أي: خلصناها من العقاب بتكذيب النبي محمد ﷺ . وهذا لا ينافي أنهم عرفوا في أنفسهم صدق نبوته. ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: البغي: الحسد والظلم. وقال بعض علماء اللغة: البغي أصله الحسد، ثم سُمي الظلم بغياً؛ لأن الحاسد يظلم المحسود بابتغائه إزالة النعمة عنه. وجاء في الآية منصوباً على أنه علة لقوله: ﴿يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. والفضل: الوحي. والمحسود هو النبي ﷺ ؛ فقد حسدوه على النبوة لما لم يكن من بني إسرائيل، وكان من العرب من ولد إسماعيل. ولم يذكره في الآية على وجه التعيين؛ لعلمه من مساق النظم، وللتنبيه على أن الحسد في ذاته منكر مذموم كيفما كان حال المحسود. وقال: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾؛ ليكون أظهر دلالة على أن في الحسد معنى عدم الرضا بما يختاره الله لبعض عباده من خير. ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: باؤوا: رجعوا، ولما كان كفر اليهود يتعدد؛ كما كفروا بعيسى ﵇ وكفروا بالنبي ﷺ ، وكان كفرهم باقياً مستمراً، حق عليهم

стр. 200

غضب الله، وأن يكون الغضب بالنظر لتعدد أسبابه مترادفاً متكاثراً، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. ولصح أن يكون معنى قوله: ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ تأكيدَ وقوعهم تحت غضب الله، دون أن يراد منه ترادف الغضب وتكاثره. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: الكافرون: اليهود المتحدَّث عنهم في الآيات السابقة، وهم الذين عرفوا نبوة النبي ﷺ ، وكفروا بها، وباؤوا بغضب على غضب. وعبر عنهم بالاسم الظاهر، فقال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ دون الضمير، فيقول: ولهم؛ تنبيهاً على الوصف الذي لحقهم العذاب المهين من أجله، وهو الكفر. ويصح حمل قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ على أنه وعيد لكل كافر بما يجب الإيمان به، فيتناول أولئك اليهود في جملة من يتناولهم من سائر الكافرين. والمهين: المُذِل. والمهين في الحقيقة هو الله - جلَّ شأنه -، وإنما أسندت الإهانة إلى العذاب، فقال: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ لأن الإهانة تحصل بعذابهم، ومن أساليب البيان: إسناد الأفعال إلى أسبابها، ومن دواعيه: كون الفاعل الحقيقي معلوماً، والإيجاز هو اللائق بالمقام. * * *

стр. 201

بِسْمِ اللهِ الرَّحَمنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩١ - ٩٥]. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾: هذا إخبار عن اليهود الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ . ومعنى ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: القرآن. ولم يذكر المنزل عليه؛ كأن يقول: على محمد؛ للعلم به، أو للتنبيه على أن وجوب الإيمان بالكتاب يكفي فيه العلم بأنه منزل من عند الله، وإذا حصل الإيمان بأن القرآن منزل من عند الله، استتبع ذلك استحضار أنه أنزل على محمد ﵊.

стр. 202

ومعنى (ما أنزل علينا): التوراة، وما جاء مقرراً لأحكامها على لسان موسى ومن جاء بعده من أنبيائهم. ومعنى إنزالها عليهم: تكليفهم بما اشتملت عليه من أحكام وآداب. ومعنى الآية: أن هؤلاء اليهود إذا عرض عليهم الإيمان بالقرآن، أجابوا بأنهم يؤمنون بالتوراة، وأرادوا أن إيمانهم بها يغنيهم عن الإيمان بما سواها. ووجه ذمهم على هذا الجواب: أنهم مأمورون بأن يؤمنوا بكل كتاب أنزله الله، فأجابوا بأنهم آمنوا ببعض ما أنزل الله، وهو ما أُنزل عليهم، فلم يكن إيمانهم مطابقاً لما أمر به الله، ومن كفر ببعض ما يجب الإيمان به، ولو آمن ببعضه، كان معدوداً في صميم الكافرين لا محالة. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾: هذه جملة استؤنف بها الإخبار بصريح القول عن كفرهم بالقرآن، و (وراء) بمعنى: سوى، أو بعد، والضمير في قوله: ﴿وَرَاءَهُ﴾ عائد على: (ما أنزل علينا) المكنى به عن التوراة. والمراد بما سوى التوراة أو بعدها: القرآن الكريم. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾: الضمير (هو) عائد على القرآن المكنّى عنه بقوله: (ما وراءه). والحق: المطابق للواقع. ويوصف به القرآن، أو الدين؛ لاشتماله على الأحكام المطابقة للواقع. ﴿مُصَدِّقًا﴾: مؤيداً، و (ما معهم)؛ أي: ما مع اليهود، وهي التوراة. ومعنى كون القرآن مؤيداً للتوراة: أنه يدل على نبوة محمد ﷺ ، وبهذا كان مؤيداً للتوراة فيما اشتملت عليه من البشارة برسول ذكرت له نعوتاً لا تنطبق إلا على محمد ﷺ ، فمدعي الإيمان بالتوراة يجب أن يؤمن بما أنزل على محمد ﷺ ، وإلا، كان كاذباً في ادعائه الايمان بالتوراة.

стр. 203

﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: هذا أمر من الله تعالى للنبي ﷺ بتوبيخ اليهود، وإبطال زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل عليهم، والفاء في قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ واقعة في جواب شرط محذوف دل عليه ما جاء بعده من قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. والمعنى: إن كنتم مصدقين بالتوراة، فلأي شيء تقتلون أنبياء الله، والتوراة لا تسوغ قتل الأنبياء؛ فإنها تدل على أن المعجزة دليل الصدق، ومن كان صادقاً في دعوى النبوة، فقتله كفر. ويرجع معنى الآية إلى نفي فعل الشرط، وهو كونهم مؤمنين؛ إذ لا وجه لقتلهم الأنبياء إلا عدم إيمانهم بالتوراة. وهذا كما تريد أن تنفي عن رجل العقل؛ لفعله ما ليس شأنه أن يصدر من عاقل، فتقول له: إن كنت عاقلاً، فلم فعلت كذا؟ أي: أنت لست بعاقل. وقتل الأنبياء وقع من أسلافهم، ويصح توبيخ الخلف بما فعله سلفهم متى كان الخلف يمشي في عماية السلف، ويرضى بما صنعوه من عصيان، وقد حاول اليهود المخاطَبون بقوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ اغتيالَ رسول الله ﷺ ، وذهب كيدهم في ضلال. وكان الظاهر أن يقول: "فلم قتلتم الأنبياء من قبل؟ "؛ لأن القتل وقع وانقضى، ولكن قال: ﴿تَقْتُلُونَ﴾؛ ليدل على أن قتلهم الأنبياء يتجدد، ويقع منهم المرة بعد الأخرى، فهو شأن من الشؤون التي كانت عادة جارية بينهم. وأضاف الأنبياء إلى الله، فقال: ﴿أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾؛ للدلالة على شرفهم العظيم، ولزيادة التنبيه لفظاعة عصيان اليهود؛ إذ يقابلون بالقتل من لا ينبغي لهم إلا أن يقابلوهم بالطاعة والتعظيم.

стр. 204

﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾: البينات: الآيات الواضحة الدالة على صدق نبوته؛ كانقلاب العصا ثعباناً، وفلق البحر، وانفجار العيون من الحجر. ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾: وردت هذه الجملة فيما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾، وأسلفنا في تفسيرها: أن السامري بعد أن ذهب موسى ﵇ إلى الطور لمناجاة الله، صنع لليهود من حليهم عجلاً اتخذوه معبوداً من دون الله. والضمير في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ عائد على موسى؛ أي: من بعد مجيئه للمناجاة. والظلم: وضعُ الشيء في غير موضعه اللائق به. فمعنى ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾: وأنتم واضعون للعبادة في غير موضعها، أو: وأنتم قوم عادتكم وضع الأشياء في غير مواضعها. وفي تكرير قصة عبادتهم للعجل تنبيه على أنها بالغة الغايةَ القصوى من الفظاعة. ومن المعروف في بلاغة العرب أنهم إذا أرادوا التنبيه لتقبيح شيء، أو تعظيمه، كرروا الحديث عنه. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾: تقدمت هذه الجمل، وإنما أعيدت هنا؛ لرد دعوة اليهود أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم. والمعنى: إنكم تدعون الإيمان بما أنزل عليكم، وقد أعرضتم عما أمرتم به من قبول التوراة، ولم تتلقوا أحكامها بالطاعة حتى أُلجئتم إلى

стр. 205

قبولها بأن رفعنا فوقكم الطور، وقلنا لكم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بجد وحزم. ﴿وَاسْمَعُوا﴾: ليس معنى السمع هنا إدراك القول فقط، بل المراد: سماع ما أمروا به في التوراة سمع تدبر وطاعة والتزام، فهو مؤكد ومقرر لقوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾: هذا جواب منهم لقوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾. والمعنى: سمعنا قولك: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾، وعصينا أمرك. فيكون جوابهم هذا مبالغة منهم في التعنت والعصيان. هذا ما يقوله جمهور المفسرين؛ أخذاً بالظاهر من معنى ﴿قَالُوا﴾. وذهب بعضهم إلى أنهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ بلسان الحال، لا أنهم نطقوا بذلك، وإنما هو عبارة عن عدم قبولهم لما أمروا به، وقد يعبر بالقول مسنداً إلى الشيء حيث يفهم من حاله معنى كما يفهم من اللفظ الصريح؛ كما قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾: هذا معطوف على قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. والإشراب: السقي، وهو إيصال مائع إلى الجوف من طريق الفم، واستعمل على وجه التجوز في خلط لون بلون؛ كأن أحد اللونين سقى الآخر، فقالوا: بياض مشرَب بحمرة، وقالوا: أشرب قلبه حبّ كذا: إذا خالط حبه قلبه: إذا ما القلبُ أُشرب حبَّ شيءٍ ... فلا تأمل له الدهرَ انصرافا

стр. 206

ففي جملة: (أشربوا في قلوبهم العجل) مضاف محذوف؛ لدلالة المعنى عليه، وهو لفظ "حب". والتقدير: حب العجل. والمعنى: أن حب العجل خالطهم حتى خلص إلى قلوبهم كما يخالط الماء أعماق البدن. وحذفُ لفظ الحب من نظم الكلام يُشعر بشدة تعلق قلوبهم بالعجل حتى كأنهم أشربوا ذاتَ العجل. ودل قوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ على أن حبهم البالغ للعجل ناشئ عن كفر سابق، فهو كفر على كفر. ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: لما زعم اليهود أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم من التوراة، وكانوا مع هذا الزعم يفعلون أفاعيل تناقض الإيمان بها، أمر الله تعالى رسوله ﵊ بتبكيتهم، وذم ما يرتكبونه من أفعال هي الكفر بعينه، فقال تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أضاف الإيمان إليهم، فقال: ﴿إِيمَانُكُمْ﴾، ولم يقل الإيمان؛ لكونه إيماناً مزعوماً لهم، لا أنه إيمان صحيح. ولما كان الإيمان بكتاب يقتضي العمل بما اشتمل عليه من هداية وأحكام، صحّ أن يعبّر عن ذلك اقتضاء بالأمر، فقال: ﴿يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾؛ كما أطلق النهي على اقتضاء الصلاة لاجتناب الفحشاء والمنكر، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ تشكيكاً في إيمانهم بالتوراة، وهي في معنى نفي إيمانهم بها، فتكون التوراة بريئة من أن تأمر بشيء يبغضه الله، وتحق كلمة الذم على ما ارتكبوه من عصيان إنما أمرتهم به أهواؤهم. والمعنى:

стр. 207

قل يا محمد لهؤلاء اليهود: بئس الشيء الذي يدعوكم إليه إيمانكم قتلُ الأنبياء، والعصيانُ، وعبادةُ العجل، إن كنتم مصدقين كما زعمتم بالتوراة، والواقع أن التوراة لا تسيغ شيئاً مما أتيتم به، فما أنتم بمؤمنين. ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: زعم اليهود أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً؛ كما حكى الله عنهم ذلك في قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] فأمر الله نبيه ﵊ بأن يرد عليهم هذا الزعم الباطل، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ ... إلخ﴾. و ﴿الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾: الجنة كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]. و ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ بمعنى: في حكم الله؛ كما تقول: زيد عندي أفضل من عمرو؛ أي: في حكمي. و ﴿خَالِصَةً﴾: مختصة. والتمني يستعمل في المعنى القائم بالقلب، ويستعمل في اللفظ الدال على ذلك المعنى؛ كأن يقول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا. وبهذا يفسر قوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾؛ لأن المعنى القائم بالقلب لا يطلع عليه أحد، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب. ومعنى الآية: قل يا محمد لليهود: إن كانت الجنة مختصة بكم، وليس لأحد سواكم فيها حق، فتمنوا الموت بألسنتكم. ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: هذا من قبيل الإخبار بالغيب، وهو أن أولئك اليهود لا يتمنون الموت، ولو بألسنتهم. ودلَّت الآية على أن عدم تمنيهم الموت معلَّل بما قدمت أيديهم؛

стр. 208

من نحو: تكذيب الأنبياء، وقتلهم، وقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨]، إلى غير ذلك من كبائر المعاصي التي لم تصدر من أمة قبلهم ولا بعدهم. وهذا التمني الذي طلب منهم، ونفُي عنهم، لم يقع منهم؛ إذ لو وقع، لنقل، وتوفرت دواعي المخالفين للإسلام على نقله. ويكفي في تحقق هذه المعجزة: أن لا يقع تمني الموت من اليهود الذين تُحدوا بها في عهد النبوة، وهم الذين كانوا يناوئون النبي ﷺ ، ويجحدون نبوته عناداً، فلا يقدح فيها أن ينطق يهودي بعد ذلك العهد بتمني الموت، وهو حريص على الحياة. وقد يخطر على بالك: أنه ورد في الحديث الصحيح النهي عن تمني الموت، فكيف يأمر به اليهود؟ وجواب هذا: أن الحديث نهى عن تمني الموت عند الشدائد؛ لأن ذلك جزع، وعدم رضا بما قسم الله. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: هذه الجملة واردة مورد التهديد والوعيد. ومعنى الظالمين: اليهود الذين تقدم ذكرهم، أو يراد به: كل من صدر منه ظلم، ويتناول بعمومه أولئك اليهود؛ فقد ظلموا بتعديهم ما حدّ الله، وادعوا اختصاصهم بالجنة، وانفرادهم بها دون الناس. وقال: ﴿عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، مع أن علمه تعالى يتعلق بالظالمين وغيرهم، فكان التهديد والوعيد أظهر وأقوى مما لو قال: عليم بهم، أو عليم بالعباد. * * *

стр. 209

بِسْمِ اللهِ الرَحَمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٩٦ - ١٠٠]. ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾: ادّعى اليهود - فيما قص الله تعالى عنهم آنفاً -: أن الدار الآخرة خالصة لهم، ولما كان شأن الصادق في دعوى: أنه إذا مات، صار إلى الجنة، لا يكره الموت، أمر نبيه ﷺ أن يطلب منهم على وجه التحدي النطق بتمني الموت إن كانوا صادقين، فلم يفعلوا، ولما كان في الناس من لا يتمنى الموت، ولا يشتد حرصه على الحياة، أخبر في هذه الآية أن أولئك اليهود في غاية الحرص على الحياة، فقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾، فالضمير (هم) في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ عائد على اليهود الذين أخبر

стр. 210

عنهم بأنهم لن يتمنوا الموت أبداً. والخطاب للنبي ﷺ . و (تجد) من وجد بمعنى: علم، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. و ﴿أَحْرَصَ﴾ من الحرص، وهو شدة الطلب. والتنكير في قوله: ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾ يُشعر بأنهم يحرصون على مطلق حياة، ويفهم حرصهم على الحياة الطويلة بالأَولى. وشدة الحرص على الحياة في نفسها، ملقيةٌ في الجبن، واحتمال الضيم، ولا تقع أمة تحت سيطرة عدوها، وتظل أعناقها خاضعة له إلا من شدة حرصها على أن تحيا، ولو كما يحيا الأنعام. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: لما كان قوله تعالى: ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ في معنى: أحرص من جميع الناس، صح أن يراعى المعنى، ويكون قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ معطوفاً عليه، والمعنى: ولتجدن - يا محمد - أولئك اليهود أحرص من جميع الناس، وأحرص من الذين أشركوا على حياة. والذين أشركوا: أي: جعلوا لله شريكاً، أو شركاء في خلقه، ولا يؤمنون بالبعث، ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، وهؤلاء داخلون في عموم الناس من قوله: ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾. وإنما ذكروا بوجه خاص؛ مبالغة في توبيخ اليهود على شدة حرصهم على الحياة، حيث إن أولئك المشركين لا يؤمنون بحياة أخرى بعد هذه الحياة، فلا يستبعد حرصهم على طول البقاء في الدنيا، فإذا زاد حرص من له كتاب على حرصهم، وهو معترف بالدار الآخرة، كان جديراً بأعظم التوبيخ. ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: هذه جملة مستأنفة لبيان غلوهم في الحرص على الحياة. و ﴿يَوَدُّ﴾

стр. 211

من المودة، وهي المحبة. و ﴿لَوْ﴾ بمعنى أن المصدرية. و ﴿يُعَمَّر﴾: من التعمير، وهو إطالة العمر، يقال: عمره الله؛ أي: أطال عمره. و ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾: كناية عن طول المدة التي يود أن يعيشها. والمعنى: يتمنى الواحد منهم أن يعيش السنين الكثيرة، ولو تجاوزت الحد الذي يبلغه الإنسان في العادة، ذلك أن التمني يقع على الجائز، والمستحيل وقوعه عادة. ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾: الضمير ﴿هُوَ﴾ عائد على ﴿أَحَدُهُمْ﴾. و ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ من الزحزحة، وهي التبعيد والتنحية. والمعنى: ما أحد منهم يُبعده وينحِّيه تعميره من العذاب. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: هذه الجملة تهديد ووعيد لأولئك اليهود الذين ورد في الآيات السابقة ذكر مساويهم، وتبين أنهم كاذبون في دعوى أنهم أهل الجنة المختصون بنعيمها. و ﴿بَصِيرٌ﴾ من البصر، وهو إدراك المرئيات، وقد يراد به: العلم، يقال: إن لفلان بصراً بهذا الأمر؛ أي: معرفة، وعلى هذا الوجه تفسر الآية. والمعنى: أن الله عالم بأعمالهم، محيط بما يسرون منها وما يعلنون، فهو مجازيهم عنها كما يشاء. ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾: سبب نزول هذه الآية - كما جاءت به الروايات، وأجمع عليه أهل التفسير -: أن اليهود في عهد النبي ﷺ قالوا: إن جبريل عدونا، قالوا هذا عندما سمعوا أن جبريل هو الذي ينزل على النبي ﷺ بالوحي، وأرادوا من هذا: أنهم لا يؤمنون بوحي يجيء به عدوهم. وهذا نوع من منكرات أقوالهم.

стр. 212

ولا يستبعد أن يصدر منهم هذا القول؛ فقد قالوا بعد مشاهدتهم لمعجزات موسى ﵇ القاطعة: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. ويكفي في تصدي القرآن لإنكار قولهم: "إن جبريل عدونا" أن يقوله طائفة منهم على وجه العناد عندما يُدْعَون إلى إجابة الدعوة، ولا يلزم أن تكون عداوة جبريل عقيدة معروفة بين طوائف اليهود. وجبريل: اسم أعجمي، وقد تصرفت فيه العرب على عاداتها في تغيير الأسماء الأعجمية، فاختلفت اللغات في النطق به، وأفصحها: جبريل؛ كقنديل، وهي لغة أهل الحجاز. والضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾ عائد على جبريل، وفي قوله: ﴿نَزَّلَهُ﴾ عائد على القرآن المفهوم من سياق النظم. والاكتفاء في الدلالة على مرجع الضمير بما يفهم من سياق الكلام معهود في البلاغة العربية، وإنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وجعل محل تنزيل القرآن القلب، فقال: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾؛ لأن السبب في تمكنه ﷺ من تلاوة القرآن، وإبلاغه للناس ثباتُه في قلبه. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إذن الله: أمره. والمعنى: قل يا محمد: من كان عدواً لجبريل، فلا وجه لعدوانه؛ لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه، وإنما نزل بأمر الله الذي تجب طاعته في كل ما يأمر به؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ﴾ [مريم: ٦٤]. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ﴿مُصَدِّقًا﴾: مؤيداً، وهو حال تتصل بالضمير العائد على القرآن في

стр. 213

قوله ﴿نَزَّلَهُ﴾، وما بين يدي القرآن: ما نزل قبله من الكتب السماوية، وأعظمها: التوراة. وتأييد القرآن لها: موافقته لها في الدلالة على التوحيد وأصول الدين. ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: هذا معطوف على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾، وقد تضمن وصف القرآن بأنه هدى وبشرى؛ أي: هادٍ إلى سبيل السعادة والفلاح، ومبشرٌ للمؤمنين بالجنة، وقال: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى﴾؛ مبالغة في وصفه بالهداية والبشرى؛ كأنه - لعظم هدايته وبشراه - صار نفس الهداية والبشرى، وهذا ما يلاحظه البلغاء عند وصفهم للشيء، أو إخبارهم عنه بالمصدر بدل اسم الفاعل؛ نحو: زيد عدلٌ، بدل قولك: زيد عادل. وقال: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن الهدى إنما ينتفع به المؤمنون، والبشرى، وهي الخبر الدال على خير عظيم، لا يحصل إلا لهم. ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾: عداوة العبد لله في كفره به، ومخالفته لأوامره عناداً، وعداوته للملائكة في إنكار فضلهم، ووصفهم بما ينافي عصمتَهم ورفعةَ منزلهم عند الله، وعداوته للرسل تكذيبُه لهم، وقصده لإلحاق الأذى بهم ما استطاع. وإفراد جبريل وميكائيل بالذكر، مع اندراجهما تحت عموم (ملائكته) استدعاه تصريحُ اليهود بعداوة جبريل، وتعظيم ميكائيل في حديث سبب نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾، وفي إفرادهما بالذكر تقرير لفضل ميكائيل، وزيادة رد عليهم في عداوة جبريل. وعداوة الله للعبد: في غضبه

стр. 214

عليه، ومجازاته له على كفره، وعدم الاستمساك بعُرا طاعته. وقال: ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾، ولم يقل: عدو له، أو لهم؛ ليدل على أن عداوة كل واحد ممن اشتملت الآية على ذكرهم كفر. والمعنى: أن من عادى الله، أو ملَكاً من ملائكته، أو رسولاً من رسله، فقد كفر، وباء بعداوة الله له، ومن باء بعداوة الله، فجزاؤه الخزي وعذاب الحريق. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: تستعمل الآية بمعنى: المعجزة، وتطلق على جماعة حروف وكلمات من القرآن. وقوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ يجعل ﴿آيَاتٍ﴾ ظاهرة في هذا المعنى، فآيات القرآن بَيِّنات؛ أي: واضحة الدلالة على معانيها، فمن تعسف في تأويلها، وأتى بما لا تألفه العقول الراجحة، فقد خرج بها عن أن تكون آيات بينات. ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾: الفاسق: من الفسوق، وهو الخروج من شيء إلى آخر، ويستعمل في الكفر والمعصية؛ لأنه خروج من فطرة الله التي هي حق وصلاح إلى ما هو باطل وفساد. والفسق إن كان بالمعصية، فهو أعظمها، وإن كان بالكفر، فهو أعظم الكفر. ومعنى الجملة: ما يكفر بهذه الآيات البينات إلا الماردون على الكفر؛ ذلك أنها واضحة الدلالة بوجوه إعجازها على أنها تنزيل من رب العالمين، فمن تدبرها، أفضت به إلى الإيمان الصحيح لا محالة. ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: أفادت هذه الآية: أن من عادة اليهود نقض العهود. والاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ للإنكارة بمعنى: ما كان ينبغي. ﴿عَاهَدُوا عَهْدًا﴾:

стр. 215

أعطوا عهداً. و (نبذ) من النبذ، وهو طرحك الشيء غيرَ معتدّ به، ونبذُ العهد: نقضه، وترك العمل به. والفريق: الجماعة، قليلة أو كثيرة. و (كلما) في قوله تعالى: (كلما عاهدوا) تدل على أن نبذ العهود يتكرر منهم المرة بعد الأخرى، كما قال ابن جريج فيما نقل عنه في تفسير هذه الآية: "لم يكن في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه؛ يعاهدون اليوم، وينقضون غداً". وكم عاهدوا رسول الله ﷺ ولم يفوا بما عاهدوا؛ كما فعل بنو قريظة والنضير!. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنفال: ٥٦]. وإنما قال: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾؛ لأن من بني إسرائيل من لم ينبذ العهد؛ كعبدالله بن سلام. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿بَلْ﴾ حرف يستعمل للانتقال من خبر إلى خبر، وهي هنا للانتقال من الإخبار عن فريق من اليهود بأنهم ينقضون العهد كلما عاهدوا، إلى الإخبار عن أكثر اليهود بأنهم لا يؤمنون. والمعنى: أن فريقاً من اليهود ينقضون كل عهد يعاهدونه، بل أكثر اليهود لا يدخل الإيمان في قلوبهم. فيشمل لفظ ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ ذلك الفريق الذي ينبذ العهد، وغيرَهم ممن لم ينبذوا العهد، فكل منهما محكوم عليهم بأنهم لا يؤمنون، فلا يؤمن من اليهود عندما يدعون إلى الدين الحق إلا قليل. * * *
следующие страницы →