← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وأنكر عليه علماء بلد يقال لها: "الخنقة"، فأجابهم بقصيدة ذكر فيها بعض مستنداته في الفتوى، ويقول فيها: إلى السادة الأشراف من أهل "خنقة" ... لهم في ندور الواقعات نقول تمسكتم بالأصل والحق واضح ... ولا ينكر المعلوم إلا جهول ولكن إذا عم السداد بحادث ... تقدم أصلاً والقياس دليل كتضمين سمسار وتغريم صانع ... وما هو إلا مودع ووكيل ومن ذاك ما قد جوّزوا في سفاتج ... إذا عم بالخوف الشديد سبيل وفي كلها خلف الأصول لأنها ... مصالح عمت والصلاح جميل ومن أدب المسؤول قبل جوابه ... إذا وردت يوماً عليه سؤول تعرف عرف السائلين بأرضهم ... ليعلم ما يفتي به ويقول وما أنتم منا بأعلم بالذي ... به الضرّ يكفي عندنا ويزول فلو أهملت آثار سرّاق أرضنا ... لكان فساداً للخراب يؤول وفي الأخذ بالآثار إصلاح أمرنا ... وفي الترك عن قصد السبيل عدول وما الأثر إلا كالخطوط شهادة ... كذا قال قوم في القياس عدول فعرفانك الخط الذي غاب ربه ... لعرفان أثر المستراب عديل وفي ولدي عفراء لما تنازعا ... جهازَ أبي جهل وهو جديل بأثر دم في السيف كان نبينا .... قضى أنه للسيدين قتيل والوجه الذي لاحظه المعترضون لما أفتى به هذا الفقيه: أنّ النظر في المصلحة التي لم يقم على اعتبارها شاهد خاص منوط بوظيفة المجتهد،

стр. 1507

ولا يصح ممن لم يبارح منزلة التقليد. وهذا نظير ما اعترض به بعض المغاربة على ابن محسود، حين أفتى بجواز بيع أرض محبسة على مساكين في سنة قاحلة؛ دفعاً لما نزل بهم من الخصاصة. ويوافق الفتوى الأولى: ما نقله الحافظ ابن رجب البغدادي في كتاب "جامع العلوم" عن الإمامين: الشافعي، وأحمد من استحسان قول القافة (١) في سرقة الأموال، والأخذ بذلك، وقال الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه: إذا قال صاحب الزرع: أفسدت غنمُك زرعي بالليل، ينظر إلى الأثر، فإن لم يكن أثر غنمه في الزرع، فلا بد أن يجيء بالبينة، وهذا ظاهر في اكتفائها بمعرفة أثر الغنم، وإن البينة إنما تلزم عند عدم رؤية الأثر. ومما يؤكد أن الحكم الشرعي يعتبر في تفصيله طبيعة الواقعة بحسب ما يجري به العرف، ويحف به من مقتضيات الزمان: أن السلف كانوا يكرهون السؤال عن النوازل قبل حدوثها. نقل الحافظ ابن عبد البر: أن عمر كان يلعن من سأل عما لم يكن، وكان زيد بن ثابت ﵁ إذا سألة إنسان في نازلة، قال له: الله عليك، هل كان هذا؟ فإن قال: نعم، نظر في الحكم، وإن قال: لا، سكت عنه، ولم يعطه جوابًا. فيمكن أن يعد في أسباب كراهتهم للمسائل المقدرة: حذرهم من أن يفرضوا لصورة النازلة حكماً، فتبرز للخارج، ويقارنها بعض أحوال لو شاهدها المفتي، لغيّر حكمه، وفصله على ما يطابق تلك الأحوال. ومن وجوه هذه الكراهة - كما قال بعض العالمين -: أن الله يمد العلماء، وبؤيدهم بالسداد إذا توجهوا بأنظارهم إلى قضية ألجأتهم إليها

стр. 1508

الحاجة. ويضاف إلى هذا: أن الناظر في القضية المفروضة لا يجتمع له من الاهتمام بأمرها، وإبعاد النظر في سائر أطرافها، مثلما يتوفر له من العناية والهمّة عند حضورها، والاضطرار إلى العمل بها. هذه مقتبسات من مطالع الشرع الإسلامي، تمثل لنا حقيقته، وترينا رأي الباصرة كيف خلصت من كل كدر، وسلمت من كل خلل، حتى لا يستطيع الناشئ على أدب الإنصاف والاعتدال أن يرمي شيئاً من قوانينها بمخالفة الحكمة الثابتة، أو مناقضة قاعدة من قواعد العمران. ولا أنكر أن بعض من ينتمي إلى الفقهاء، قد صدرت عنه أقوال ساقطة، وأجهز عليها المحققّون بالإبطال والنكير، كما أسقط بعضهم شرط العلم في ولاية القضاء، وجوّز إلقاء هذه الخطة على عنق من لا يعلم، وزعم أن استشارته لغيره تقوم مقام ذلك الشرط العظيم. ووجه سخافة هذا القول، ونزوله عن مقام التحقيق: أن القاضي يؤمر بالاستشارة؛ ليستخلص الحق من بين الآراء المتعددة، وإذا كان في نفسه جاهلًا، فإنه لا يمكنه التمييز بين الآراء الصحيحة وغيرها حتى يتخير أقربها إلى الصواب، ولكن أمثال هذه الهفوة لا تلتصق بجانب الإسلام، وإنما ترسم في صحيفة من عثرت به الغفلة في أذيالها. * اختلاف المذاهب: كره الشارع التفرق في الآراء، وندب الأمة إلى الوفاق بقدر ما يمكنها، ولكنه يعلم أن تماسكهم وسيرهم في جميع الأحكام على مذهب واحد غير ميسر لهم، فأذن لهم بعد بذلهم الوسع في اتفاق الرأي، أن يأخذ كل طائفة بما استقرت عليه أفهامهم، ولا يضرهم متى تمكنوا في صناعة تقرير الأحكام،

стр. 1509

واستوفوا شروطها، أن لا يصيبوا وجه الحق في الواقع، قال ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر". وأطلق الشارع للعقود عنانها في الاجتهاد؛ ليفتح لها المجال في النظر، ويربيها على مبدأ الاستقلال بالرأي، حتى لا يستولي عليها التقليد من جميع جهاتها، فيتخللها الجمود، ويصبح الفرق بينها وبين العقول المتصرفة كالفرق بين الماء الراكد في حمأ، والماء المنهمر على الصفا لا يمازجه كدر. ومن شعر بهذه الحكمة، لا يمكنه الغضّ من جانب علماء الإِسلام؛ حيث أفضى بهم الاجتهاد إلى الاختلاف، بل هذا مما يجر إلى الاعتراف بمزيتهم، ويبرهن على أنهم نشؤوا على مبدأ البحث واستقلال الفكر، ولو أنهم كانوا بعقول خامدة، وإرادة ميتة، لاتبعوا ما يفتي به أول فقيه منهم، وتسلّموه بتقليد. لا محيص للمجتهدين من الخلاف لوجوه متعددة: منها: أن غالب الدلائل أقوال نزلت بلسان العرب، وطرق دلالة الألفاظ على المعاني مما يجري فيه الخلاف بين الناظرين في علم العربية، وجريان الخلاف في دلالة مفردات الألفاظ ومركباتها يوجب الاختلاف في الأحكام المأخوذة منها. ومنها: أن غالب الأحاديث يرويها الآحاد من الصحابة والتابعين، وقد يبلغ الحديث مجتهداً، ويصح عنده، فيبني عليه مذهبه، ولا يصل إلى مجتهد آخر، أو لا يثبت عنده، فيؤديه النظر إلى خلاف ما يتضمنه الحديث. ومنها: أن بعض الأحكام تركب على علل لا يصرح بها الشارع، ولا يوميء إليها، ويكلها إلى اجتهادات العقول، فتذهب في الفحص عنها، والتنقيب

стр. 1510

من ورائها إلى أن يستقر رأي بعضهم على علة، ويتعين عنده غير علة أخرى، وإذا اختلفت العلل، اختلف ما بسند إليها من الأحكام. ولا ننسى أن فروعاً كثيرة إنما انجرّ إليها الخلاف من تباين العرف، أو عدم اتحاد المصالح؛ لتبدل العصور، أو تباعد المواطن، ومثل هذا لا ينبغي إدراجه في مسائل الخلاف الحقيقي كما أومأنا إليه فيما سلف. ولو أن أهل الإسلام استمروا على تأليف الجمعيات العلمية؛ لتحرير أحكام الحوادث، واستخلاص الحقيقة من الآراء المتلاقية، لالتأمت عدة خلافات حقيقية، وسقطت أقوال كثيرة من حساب مسائل الخلاف. وقد كان للسلف اهتمام بجمع العلماء في المسائل المشكلة، فقد نقل الحافظ ابن عبد البر عن المسيب بن رافع: أنه جاء الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنّة، رفع إلى الأمراء، فجمعوا له أهل العلم، فما اجتمع عليه رأيهم، فهو الحق. وروي عن علي بن أبي طالب، قال: قلت: يا رسول الله! الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولا سنّة، قال: "اجمعوا له العالمين". وهذا الحديث قدح الحافظ ابن عبد البر في سنده، ولكنه يدل على أن تأليف الجمعيات لتحرير المسائل العلمية مما شعر بفائدته علماء الإسلام في القديم. * انتشار المذاهب: أنبتت العصور الأولى طوائف من المجتهدين، ولم يبق من مذاهبهم التي هي محل للتقليد سوى مذاهب كان لأئمتها أصحاب يتلقونها منهم، فأوسعوها بالتفريع، وحفظوها بالتدوين؛ كمذاهب أبي حنيفة، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل ﵃.

стр. 1511

انتشرت هذه المذاهب في الأقطار الإِسلامية، وتوزع الناس أتباعها، وكانت كل طائفة -مع اعتقاد أن مذهبها أرجح وزنًا- تنظر إلى مذهب غيرها باحترام، ومما يشهد لهذا: أن أبا جعفر المنصور لما حج دعا الإمام مالكاً، ثم قال له: إني قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها، يعني: "الموطأ"، فننسخ نسخًا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها, لا يتعدوها إلى غيرها، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملو ابه، ودانوا به، وإن ردّهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل بلد لأنفسهم. والسبب في اختصاص كل قطر بمذهب، أو غلبته فيه، يرجع لأمرين: أحدهما: تمسك الدولة به في سياستها؛ فإن الناس مولعة بمحاكاة رجال دولتها، ويزاد على هذا: أن غالب الوظائف والمناصب إنما ينالها من ينتحل المذهب الذي تتصرف به الدولة. ثانيهما: ما يتفق في القطر من كثرة علماء ذلك المذهب وقلتهم؛ كالمذهب المالكي؛ فإنه أخذ به أهل الأندلس والمغرب؛ لأن علماءهم كانوا يرحلون إلى الحجاز، وإمامه يومئذ مالك بن أنس، فيأخذون عنه، ثم يعودون وقد امتلأت حقائبهم من مذهبه، ثم تعلق به أمراء المغرب في سياستهم، فكان ذلك من أسباب استمرارهم على تقليده، مثلما انتشر مذهب الحنفية في بعض الممالك بكثرة ما انحاز إليها من فقهائه، واستدام فيها حيث ربطت به الدولة سياستها.

стр. 1512

والعاميّ يتمسك بالمذهب؛ لأنه وجد آباءه أو أهل بلدته يتبعونه، حتى إذا فارق الرجل مذهب عشيرته إلى مذهب آخر، كان مسؤولاً عن وجه هذا التبديل، قال بعضهم لأبي ذر أحمد الهروي: من أين تمذهبت بمذهب مالك، مع أنك هروي؟ فقال: قدمت بغداد، وصحبت القاضي أبا بكر الباقلاني، فتمذهبت بمذهبه. لم تكن العامة في الصدر الأول تلتزم اتباع المجتهد في سائر مذهبه، بل كان الواحد منهم يستفتي العالم في نازلة، فإذا عرضت له مسألة ثانية، ولقي عالماً آخر، عرضها عليه، واتبعه فيها كما اتبع العالم قبله في فتواه الأولى، ولكن القضية التي يأخذ فيها يقول إمام لا يتحول فيها إلى قول إمام آخر بغير وجه يرجحه؛ فإن انسلاله عن الفتوى الأولى، بعد أن اتثق بها شريعة، ورجوعه إلى غيرها بدون أن يترجح عنده دليله، أو تدعوه إليه ضرورة، هو في معنى الاسترسال مع الهوى، والعمل بما يلائم استحسان الطبيعة. ولم يجوزوا للمقلد أن يتخير من كل مذهب ما هو الأهون عليه، والأوفق برغبته؛ لأنه من قبيل التلاعب واتباع الهوى، وربما اتخذه أصحاب النوايا السيئة وسيلة إلى الخروج عن عهدة التكليف، حكى البيهقي عن إسماعيل القاضي، قال: دخلت على المعتضد، فرفع إليّ كتاباً نظرت فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، فقلت: مصنفُ هذا زنديق؛ فإن من أباح النبيذ لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء، وما من عالم إلّا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء، ثم أخذ به، ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب.

стр. 1513

* طبقات الفقهاء: يترتب أصحاب المدارك في الفقه إلى ثلاث طبقات: الأولى: طبقة المجتهدين باطلاق، وهم الذين يؤسسون قواعد الأصول، ثم يستخرجون أحكام الوقاع على طبقها؛ مثل: الأئمة الأربعة. الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، وهم القادرون على أخذ الأحكام من القواعد والأصول التي قررها أستاذهم؛ مثل: ابن القاسم في المالكية، وأبي يوسف في الحنفية، والمزني في الشافعية. الثالثة: طبقة أصحاب الترجيح، وهم الذين يفضلون بعض الروايات أو الأقوال على بعض، بمثل قولهم: هذا أرفق للناس، وهذا أعلق بالمصلحة، ومن هؤلاء: أبو عبد الله بن عرفة في المالكية، وأبو حسن القدودي في الحنفية. وها هنا طبقة رابعة تحفظ ما حرّره أصحاب المدارك، وتعلمه الناس من غير تصرف فيه، ومن هؤلاء من يأخذ مع بعض الأقوال مداركها، وبعضهم يحفظها نصوصاً مجردة، وفي هذه الطائفة يقول منذر بن سعيد البلوطي: عذيري من قوم يقولون كلّما ... طلبت دليلاً: هكذا قال مالك فإن عدت قالوا: هكذا قال أشهب ... وقد كان لا تخفى عليه المسالك تجد في أهل هذه الطبقة من له اطلاع واسع في الحديث، والتفسير، والقواعد، إلا أنهم لا يفرغون عنايتهم في البحث عن الرابطة بينها وبين الفروع، إلى أن يمكنهم الارتقاء عند استحضار الفروع إلى أصولها، والنزول من ذكر الأصول إلى فروعها؛ بحيث تتواصل الفروع والأصول، وتتعانق بهيئة علم واحد. يتفاضل الفقهاء أيضاً بمقدار حذقهم ومهارتهم في صناعة تطبيق الأحكام

стр. 1514

على النوازل في الخارج؛ فقد يكون الرجل قائماً بالأحكام، وتنشر بين يديه النازلة، ويتعذر عليه تمييز الحكم الذي ينطبق عليها من جميع جهاتها. وتنزيل الحكم على قدر الواقعة المعينة هو المسمّى عندهم بعلم القضاء، قال الإمام مالك في "المدونة": ليس علم القضاء كغيره من العلم، ولم يكن بهذا البلد أحد أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن، وكان قد أخذ شيئًاكان علم القضاء من أبان بن عثمان، وأخذ ذلك أبان عن أبيه عثمان، وكان أبو بكر هذا قاضياً لعمر بن عبد العزيز ﵁. وصف ابن خلدون العلماء بنقيصة الجهل بمناهج السياسة، وادعى أن هذه النقيصة جرّها إليهم وصف العلم بطبيعته، فقال: إن عمارة أفكارهم بالقو اعد، وتعودهم بالقياس الفقهي، يقتضي بطبيعة قصور أمدهم، وبعدهم عن الإصابة لوجه السياسة. والذي نختاره في وجه قصورهم عن مآخذ السياسة، وعدم تمكنهم من منازعها: إنما هو حصر وجهتهم في حفظ العلوم، وقلة الالتفات بها إلى أحوال العمران، أما من أضافوا إلى ما عندهم من العلم بأوضاع الشريعة النظرَ في الشؤون العامة، والكشف عن أسرار الحوادث، وما يعقبها في الخارج، فإنهم يحرزون السباق في نظام الدولة، والمحافظة على مصالح الأمة، كما يرشدنا إليه كمال خبرة المجتهدين والخلفاء الراشدين بمناهج السياسة، وحاجات الأمة، مع أنهم أغزر علماً ممن سمّاهم ابن خلدون بالعلماء. كان علماء الشريعة يفحصون عن أحوال الأمة، ويستطلعون على مجاري أعمالها؛ ليفرغوا عليها من الأحكام ما ينطبق عليها، ثم اتفق لبعض حملة

стр. 1515

الفقه أن قطعوا بحثهم عن الشؤون العامة، وألفوا مساكنهم، فإذا قصدهم أحد بمسألة، أعلموه بما يروونه عن سلفهم في حقها، وربما تكون فتوى القدماء مبنية على سبب استنتجوه من مطالعة الحالة الجارية بين الناس، وهذا السبب قد ينقرض، فيتعين استئناف النظر في الفتوى، والالتفات إلى ما بين يت عليه في الواقع. وقد جرت على كثير من الفقهاء الذي يجهرون بشيء من نتائج عقولهم محن واضطهادات، فكانت أحد الأسباب التي رمت الأفكار بالجمود، وجعلتها تدور على محور المنقول؛ مثلما وقع لأبي الوليد الباجي، وابن حزم. أحرق المعتضد بن عباد لابن حزم كتبه في "إشبيلية"، ومما قاله في هذه الواقعة: دعوني من إحراق رَقٍ وكاغدٍ ... وقولوا بعلمي كي يرى الناس من يدري فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي ... وينزل إن أنزل ويدفن في قبري وقد يتفق للفقيه دولة أمير عالم، أو وزير لا تشتبه عليه الحقائق، فيستوقف عنه الفئة المتهافتة في قطع سبيله، مئلما جرى للشيخ بقي بن مخلد؛ فإنه دخل الأندلس بمصنف ابن أبي شيبة، وأقرأه، فأنكر عليه جماعة بثه؛ لما فيه من مسائل الخلاف، وقام عليه جماعة من العامة، ومنعوه عن إقرائه، فاستحضره الأمير محمد، وتصفح الكتاب جزءاً جزءاً، حتى أتى على آخره،

стр. 1516

ثم قال لخازن كتبه: هذا كتاب لا تستغني خزانتنا عنه، فانظر لنا في نسخة منه، وقال للشيخ: انشر علمك، وارو ما عندك، ونهاهم أن يتعرضوا له. وكان للشيخ أبي الوليد الباجي علقة بالسلطان، فلامه بعض الفقهاء على هذه المداخلة، فقال لهم: لولا السلطان، لنقلني الذر (١) من الظل إلى الشمس. تشعر الأمم الراقية بقيم العقول الكبيرة، فإذا تفرست في بعض الناشئين قرائح جيدة، وأنظارًا ترمي إلى غرض بعيد، ربتهم في مهد عنايتها، وساعدتهم بكل ما يقطع المعذرة في متاركة مداركهم، وإيقافها عند نهاية، وقد تضافرت صحف التاريخ على أن صاحب العقل الراجح لا يملأ يده مما يؤمل، أو يشرب من صفو حياته بكأس راوية، إلا بين رجال استقامت موازينهم، وخلصت هممهم، فبقسطاسهم المستقيم يدركون غاية وزنه، وبخلوص هممهم يخجلون من أن يعترضوا سعيه بعقبات شاخصة. ومن الجليّ لدى كل متبصر: أن لرقي الشعب الذي يعيش فيه الرجل المفكر، وصفاء فطرتهم، تأثيراً شديداً في نماء أفكاره، واتساع مجالها؛ فإن الأمة إذا توجهت إلى ذي فكرة نافذة، ومثلت له في ألسنتها ما تحمله أفئدتها من رقة العواطف، انبعث في همته نشاط، ووصل صباحه بمسائه في استدرار قريحته، واعتصار مهجته؛ لتمحيص الحقائق، واستطلاع المخبآت من مكامنها؛ لينمّي سبيل معارفهم، ويزيد في رنة سمعتهم نغمة لذيذة. فانظروا إلى عمر بن الخطاب ﵁، يوم سأل النبي ﷺ جمعًا من الصحابة عن الشجرة التي هي مثل المسلم، ووقع في نفس ابنه أنها النخلة، كيف

стр. 1517

أسف لعدم إسراع ابنه بالجواب قبل أن يصفها النبي ﷺ ، فإن عمر أحب أن تظهر ألمعية ابنه وجودةُ قريحته في مجلس ينتظم شمله من رجال عظمت مداركهم، ولطف وجدانهم؛ لتنجذب إليه أفئدتهم ويحرز من استطلاعهم على فضيلته حظوة وعناية، ولو كان ابن عمر في مجمع لا يرتفع فيه شأن الأذكياء، لما أسف والده ذلك الأسف البالغ حين فاته أن يجهر بفكر يلوح إلى فطنة متنبهة. * الفقهاء والأمراء: إن للقائم بأمر الدولة ثلاث مقامات: أحدها: تقرير أحكام تتميز بها الحقوق، وترسم للناس نظامات الاجتماع. ثانيها: القضاء بها عند تحقق موجبها. ثالثها: تنفيذها عند إباية المقضى عليه. ولا تتمكن الدولة من الاحتفاظ بهذه المطالب الثلاثة إلا إذا صرفت عنايتها في نشر التعليم؛ لتستخلص رجالاً يقومون بمحكم واجباتها ونظاماتها، وآخرين يجيدون النظر في تطبيقاتها، كما يتعين عليها- لتستكمل قوتها التنفيذية-: أن تساعد الأمة على ترقية الصنائع، وتسهيل وسائل التجارة والفلاحة، وكل ما يعود على الثروة بالتوسعة، فشرف الدولة يرجع إلى أصلين: معنوي، وهو سعة المعارف، وحسن التدبير، وهذا هو السبب الذي يعرج بالأمة الخاملة إلى مطلع الفخر والسيادة. وحسي، وهو القوة والنظام، وهذا إنما تستمده الدولة من سعادة حال الأمة، وانظروا إلى الأمم الراقية فيما يقصه عليكم التاريخ, فإنها لا تكاد تنهض من مرقدها إلا حيث يقبض على زمام سياستها رجال أولو عقول نافذة، وتدبيرات صائبة، ثم تشاهد

стр. 1518

الشوكة، وتنسيق المشروعات المدنية لم يتحققا لهم على وجه كامل، إلا عند تقدم الشعب، وبلوغه إلى أن يكون الشرف سائداً في أفراده. ويتجلى من هذا: أن الدولة التي لها صبغة إسلامية، إنما يتحقق لها الشرف المعنوي بالرجال الذين يقومون بأحكام الإِسلام، ولهم المقدرة الطائلة في صناعة تطبيقها. كان الأمراء في الصدر الأول يقومون بمعرفة أحكام الشريعة؛ بحيث يكون الأمير نفسه مرجعًا للعامة في الفتاوى وفصل الخصومات، حتى إن ابن عمر وغيره كانوا يقولون للسائل عن الفتيا: اذهب إلى الأمير الذي تقلد أمور الناس، فضعها في عنقه، وهذا - كما قال الإمام الغزالي - إشارة إلى أن الفتيا في القضاء والأحكام من توابع الولاية والإِمارة. ثم عرض للأمراء ما استلفتهم عن القيام به؛ كاشتغالهم بوقائع الحروب، فصاروا يستعينون على ذلك بالعلماء، فكان الأمير يجلس وحوله بعض العلماء يرجع لهم في القضاء والأحكام، ويأمر أعوانه بتنفيذها. ولما وجب على صاحب الدولة في الإِسلام أن ينظر إلى السياسة بمرآة الشريعة، كانت الرابطة بين الفقهاء والأمراء متحتمة. والفقهاء في حالهم مع الأمراء على أربعة أصناف: الصنف الأول: يتباعد عن ساحة الأمراء، ويضمر في نيته التحاشي عن مشاهدة ما ينكر، أو الترفع عن الوقوف بين يدي ذي نخوة وشفوف، ومن هؤلاء من يقول: إن صحبنا الملوك تاهوا علينا ... واستخفوا كبراً بحق الجليس فلزمنا البيوت نستخرج العلم ... ونملا به بطون الطروس

стр. 1519

الصنف الثاني: يغشى منازلهم، ولا يغض طرفه عما يحدق بهم من المساوي، فيأمر بالقسط، ويصدع بالموعظة، ولو لم يأمن أن تقع حياته في خطر. نقل الحافظ ابن عبد البر: أن مالكاً ﵁ قيل له: إنك تدخل على السلطان، وهو يظلم ويجور! فقال: يرحمك الله، فأين الكلام في الحق؟. والصنف الثالث: يتقرب منهم، ولا يناديهم بالإرشاد في كل خلل يرتكبونه، وإنما يتعرض بنصيحته في الزلل الذي يعلم منهم التسامح فيه، والإغضاء عمن يعظهم في حقه. والصنف الرابع: يتردد على مجالس الأمراء، ويندمج في طباعهم، وربما بلغ به الإغراق في ملايمتهم وابتغاء مرضاتهم إلى تحريف الفتوى عن مواضع الحق، وفي مثل هؤلاء يقول بعض العلماء: قل للملوك نصيحة ... لا تركنون إلى الفقيه إن الفقيه إذا أتى ... أبوابكم لا خير فيه وهذا الصنف مما زاد الوهن في العلاقة بين الأمراء والفقهاء؛ فإن الأمراء الذين يضطهدون الحقوق، قد تعودوا من هذه الفئة التملق في خطابهم، والتنازل بالفتاوى إلى ما يوافق أهواءهم، فإذانظروا إلى فقيه ينطوي على كبر همة، وتحالف متين مع الحق، حسبوه مناوئاً لهم، غير مسالم لسياستهم. والأمراء باعتبار حالهم مع العلماء الذي يجاهرونهم بالنصيحة على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: تأخذه العزة بالإِثم، فتشمخ بمعطسه الكبرياء، ويقابل الداعي إلى الخير بعقوبة المجرمين.

стр. 1520

الصنف الثاني: يجد في صدره الحرج من مشافهته بالوعظ، ولا يقلع عما نكب عليه من الباطل، ولكنه يحترم مكان العالم، فلا يسومه بمهانة، ومثل هذا ما حكي صاحب "نفح الطيب": أن أبا الوليد الباجي لما قدم من المشرق إلى الأندلس، وجد ملوك الطوائف أحزاباً متفرقة، فمشى بينهم في الصلح، وهم يجلُّونه في الظاهر، ويسثقلونه في الباطن، ويستبردون نزعته، حتى خاب فيهم أمله، ولم يقترن سعيه بنجاح. الصنف الثالث: تأخذه رقة الحاشية، وصفاء الفطرة إلى طاعة الحق، وشكر الداعي. طلع عز الدين بن عبد السلام إلى السلطان أيوب نجم الدين مرة، وقال له: ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك مصر، ثم تبيح الخمور؟! فقال: هل جرى هذا؟ فقال: نعم، الحانة الفلانية يباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، فقال: أنا ما علمته، ثم أمر السلطان بإبطال تلك الحانة. وأكثر ما تؤثر الموعظة في قلوب الأمراء إذا برزت في صورة التعريض، أو ألقيت في مظهر الأقوال العامة، ومن مثل هذا: أن الشيخ أبا بكر بن سيد الناس قدم على حاضرة تونس، فاستدعاه المنتصر بالله، فلما دخل عليه، أمره أن يقرأ بين يديه آية من القرآن، فقرأ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فاستحسن المنتصر قراءته وقصده، وكان ذلك سبباً في حظوته، ورفعة منزلته عنده.

стр. 1521

النسخ في الشريعة الإسلامية (١) النسخ في اللغة: الإزالة، ويقال نسخت الشمس الظلّ، والنقل والتحويل، ومنه: تناسخ المواريث؛ أي: تحويل الميراث من واحد إلى آخر. أما النسخ في الشريعة، فهو: بيان انتهاء الحكم الشرعي المقدر في أوهام المكلفين دوامه، ويكون بيان انتهاء الحكم بخطاب. فالحكم المشروع ابتداء، وإن بيّن انتهاء حكم البراءة الأصلية، لا يسمَّى نسخًا؛ لأن البراءة الأصلية ليست عندهم بحكم شرعي، ولو كان رفعُ حكم البراءة الأصلية نسخاً، لزم أن يكون كل حكم شرعي ناسخاً؛ لأنه رافع لحكم البراءة الأصلية. وإنما أخذنا في حقيقة النسخ إمّا يكون المبيِّن لانتهاء الحكم خطاب من الشارع؛ لنحترز عن رفع الحكم بالدليل العقلي؛ كأن يكون المكلف نائماً، أو مصاباً بجنون؛ فإن حكم الصلاة - مثلاً - يرتفع عنه، وارتفاعه إنما يكون بدليل عقلي، لا بخطاب شرعي. ولم نقيد المبيّن لانتهاء الحكم بالتراخي كما ورد في بعض تعريفات النسخ؛ لأن التراخي إنما يذكر على أنه شرط، وقد جرى الخلاف في شرطيته.

стр. 1522

وسمي رفع الحكم نسخاً؛ لأن الحكم الرافع قد أزال الحكم السابق. ويظهر من كلام المتقدمين: أن النسخ في عرفهم أهمّ منه في كلام الأصوليين؛ فقد يطلقون النسخ على تخصيص العام، وتقييد المطلق، كما يطلقونه على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي، ومن شواهد هذا التعميم: قول ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] , هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. وجرى الخلاف في جواز النسخ ووقوعه. أما الخلاف في جوازه، فيحكي بعض الأصوليين أن بعض اليهود قد أنكروا النسخ، وقالوا بامتناعه عقلاً؛ بدعوى أنه منافٍ للحكمة؛ لأن النهي يعتمد المفسدة الخالصة أو الراجحة، فلو جاز نسخه بعد ذلك، لزم تجويز أن يأمر الله تعالى ويأذن في فعل المفاسد الخالصة أو الراجحة، وذلك محال على الله تعالى. ثم إن النسخ يتضمن الإذن فيما نهى عنه، أو النهي بما أذن فيه، والفعل إما أن يكون حسناً، أو قبيحاً، فإن كان حسناً، استحال النهي عنه، وإن كان قبيحاً، استحال الإِذن فيه، فالنسخ محال عليه تعالى على كلا التقديرين. وذهب أهل العلم في رفع هذه الشبهة مذهبين: فالذين ينكرون تعليل الأحكام يقولون: إنها مسندة إلى محض إرادة الله تعالى من غير باعث، فالله تعالى هو الحاكم المطلق الفعّال لما يريد، فيجوز في حقه أن يضع حكماً، ويرفع حكماً، لا لغرض، ولا لباعث، ومن هؤلاء: ابن حزم، إذ قال في كتاب "الأحكام": "إن الله تعالى أراد أن يحرّم علينا بعض

стр. 1523

ما خلق مدة، ثم أراد تعالى أن يحرمه علينا, ولا علّة لشيء من ذلك". وأما المحققون الذين يقولون: إن أحكام الله تعالى مراعىً فيها مصالح العباد، واللطف بهم، فيجيبون عن هذه الشبهة؛ بأن المصالح تختلف بحسب اختلاف الأوقات، فقد يكون الفعل مفسدة في وقت، ومصلحة في وقت آخر؛ كوجوب وقوف الواحد من المسلمين للعشرة من الكفار حيث اقتضته قلة المسلمين، ورفع هذا الوجوب حيث استغني عنه بكثرتهم. وإذا قالوا: إن النسخ من قبيل البداء، وهو مستحيل عليه تعالى، قلنا: بين النسخ والبداء فرق أجلى من الشمس، والفارق هو أن البداء يكون في الأمر بالشيء مع عدم العلم بما تؤول إليه حاله، وهذا هو المحال عليه تعالى، وأما النسخ (١)، فيكون الآمر عند شرعه الحكمَ الأول عالماً بأنه سيرفعه بعد مدة معلومة، وهذا يصح أن يكون من صفاته تعالى. وأما الخلاف في وقوعه: فقد قال أبو مسلم الأصفهاني (٢) بجوازه عقلاً، وأنكر وقوعه، ونسب أبو بكر الجصّاص في كتاب "الأحكام" إنكار وقوعه في شريعتنا إلى بعض معاصريه، فقال: "وزعم بعض المتأخرين من غير أهل الفقه: أنه لا نسخ في شريعة نبينا محمد ﷺ ، وأن جميع ما ذكر فيها من النسخ فإنما المراد منه نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين؛ كالسبت، والصلاة إلى المشرق والمغرب".

стр. 1524

ثم قال الجصّاص: "وكان هذا الرجل ذا حظ عظيم من البلاغة، وكثير من علم اللغة، غير محظوظ من علم الفقه وأصوله، وكان سليم الاعتقاد، غير مظنون به غير ظاهر أمره، ولكنه بَعُدَ من التوفيق بإظهار هذه المقالة؛ إذ لم يسبقه إليها أحد، بل عقلت الأمة سلفُها وخلفُها من دين الله وشريعته نسخَ كثير من شرائعه، ونقل إلينا ذلك نقلًا لا يرتابون فيه، ولا يجيزون فيه التأويل". ثم قال: "فارتكب هذا الرجل في الآية المنسوخة والناسخة وفي أحكامها أموراً أخرج بها عن أقاويل الأمة، مع تعسف المعاني واستكراهها، وما أدري ما الذي ألجأه إلى ذلك، وأكثر ظني فيه أنه إنما أتي من قلة علمه بنقل الناقلين لذلك، واستعمال رأيه فيه من غير معرفة منه بما قال السلف فيه، ونقلته الأمة، والله يغفر لنا وله" (١). وذهب جمهور أهل العلم ومحققوهم إلى أن النسخ واقع في الشريعة. وشبهة المنكرين لوقوع النسخ: أن اللفظ الدال على الحكم الأول إما أن يدل على الدوام، فإذا جاء الناسخ، كان متناقضاً، وإما أن لا يدل على الدوام، فيكون مطلقاً، ويكفي للعمل به مرة واحدة، وينقضي بذاته، فلا يحتاج إلى النسخ. والجواب عن هذه الشبهة: أنه تعالى يأمرنا بالشيء، ولا ينص على دوام، ولا على عدم الدوام، وإنما يأتي الأمر بصيغة يفهم منها تكرار العمل، فنمتثل مقدرين استمراره، فهذا جاء الناسخ، نعلم أنه تعالى أمرنا بالأمر، وهو يريد العمل به إلى هذا الوقت المعين في علمه، وهذا الوقت لا يلزم

стр. 1525

أن يكون معلومًا لنا؛ إذ لا يترتب على هذا العلم فائدة. ولما استدل الجمهور على النسخ بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٥٦] قال المنكرون للنسخ: إن الآية المراد منها: المعجزة؛ بدليل قوله تعالى بعد: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]؛ فإن وصف القدرة إنما يناسب الإِتيان بخير من الآية المتلوة، والإتيان بمثلها. ورد هذا؛ بأن الصحابة ﵃ وهم أعرف الناس بفهم القرآن، كانوا يفهمون الآية على نسخ الآيات المتلوة في القرآن، ففي "صحيح البخاري" عن ابن عباس، قال: قال عمر ﵁: أقرؤنا علي، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبيّ، وذاك أن أبيًّا يقول: لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله (١) ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾، يريد: أن أبيًّا ربما قرأ ما نسخت تلاوته؛ لكونه لم يبلغه النسخ. وقال المنكرون للنسخ أيضاً: نسلم أن قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ مراد منه: نسخ الآية المتلوة، لا المعجزة، ولكن الآية وردت شرطية، والقضية الشرطية لا تستلزم الوقوع. ويجاب عن هذا: بأن الآية - وإن كانت شرطية - قد وقعت في سياق الامتنان، والشرطية إذا وقعت في سياق الامتنان من الله تعالى، دلّت على وقوع فعل الشرط وجزائه. وقد عمد منكرو النسخ لآيات وأحاديث متعددة ظاهرة في النسخ،

стр. 1526

فتأولوها على وجوه يريدون بها الجمع بين ما قيل فيه: إنه من قبيل الناسخ والمنسوخ. وربما تعسف هؤلاء في التأويل، وأتوا بما لا يقع لدى العارف بحكمة التشريع ويلاغة القرآن موقع القبول. كما أن بعض القائلين بالنسخ قد يتسرعون إلى تخريج آيات وأحاديث على باب النسخ، ويكون وجه إبقائها في الآيات المحكمة قريباً، وقد أسقط أبو بكر بن العربي كثيراً مما عد في الناسخ والمنسوخ بطريقة الجمع بينهما على وجه مقبول. "والنسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة، بل ولا شطرها" (١). ولا يكفي في تخريج كلام الشارع على النسخ مجرد التنافي بين ظاهري النصين، بل لا بد من قيام شاهد على النسخ، وأقوى شواهده: نص الشارع على ذلك؛ كما قال ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها"، وقوله: "كنت نهيتكم عن ادخار لحم الأضاحي، فادخروها"، وقوله: "كنت نهيتكم عن الانتباذ، فانتبذوا". والنسح يقع في الشريعة لِحِكَم: منها: اختلاف المصلحة باختلاف الزمان؛ كنسخ وجوب وقوف المسلم للعشرة من العدو للقتال بوجوب وقوفه للاثنين منهم. ومنها: أخذ الناس إلى بعض الأحكام على وجه التدريج؛ حتى يسهل عليهم الامتثال؛ كما وقع تحريم الخمر، وتحريم الكلام في الصلاة بعد أن

стр. 1527

كان مباحاً. ووقع في شريعة موسى ﵇ نسخ الأخف بما هو أثقل منه؛ عقوبة على بعض المعاصي، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦٠ - ا ١٦]، ولا نعلم مثالاً لهذا في شريعتنا. المعروف أن النسخ ثلاثة أقسام: أولها: ما نسخ حكمه وتلاوته، ويسوقون في أمثلته: نسخ تحريم عشر رضعات بتحريم خمس رضعات، المشار إليه في حديث مسلم عن عائشة ﵂، قالت: "كان فيما نزل من القرآن عشر: رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات (١)، وتوفي رسول الله ﷺ ، وهن فيما يقرأ من القرآن" أي: يقرؤها من لم يبلغه نسخها. ثانيها: ما نسخ حكمه، وبقي لفظه؛ كآية: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]؛ إذ نسخ حكمها بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]. ثالثها: ما نسخ لفظه، وبقي حكمه، ومثاله: نسخ آية رجم الزاني المحصن مع بقاء الحكم، وشاهدهم على هذا: ما رواه ابن عباس ﵁، قال: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ "إن الله قد

стр. 1528

بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه آية الرجم، قرأناها، ورويناها، ونقلناها، فرجم رسولُ الله ﷺ ، ورجمنا بعده". هذه رواية مسلم في "صحيحه"، وروى مالك في "موطئه"، قال: "قدم عمر بن الخطاب المدينة، فخطب الناس، ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم بقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، فقد رجم رسولُ الله ﷺ ، ورجمتُ، والذي نفسي بيده! لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله (١) تعالى، لكتبتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، فإنا قد قرأناها". خشي عمر ﵁ أن ينكر عليه كتابة آية الرجم في المصحف قوم، ويقولوا: قد زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله، وهؤلاء الذين خشي عمر إنكارهم إما أناس يخالفونه في أن آية الرجم هذه نزلت في القرآن، وإما أناس يقولون إن هذه الآية غير مجمع عليها، وغير منقولة بالتواتر ولا يكتب في المصحف إلا ما نقل بالتواتر على أنه قرآن، وإما أناس يقرون بأنها نزلت قرآناً، ولكنهم يرون أنها نسخت تلاوتها، وبقي حكمها، فلا يجوز إثباتها في المصحف. والظاهر من كلام عمر بن الخطاب ﵁: أنه يرى أن آية الرجم لم تنسخ تلاوتها؛ إذ لو كان يعلم أنها نسخت تلاوة، لما خطر له أن يكتبها في المصحف، وكان المانع له من كتابتها نسخ تلاوتها, لا الخوف من قول الناس: زاد عمر في كتاب الله. وقد يقال: إن عمر كان عالماً بنسخها, ولم يرد كتابتها في المصحف

стр. 1529

داخلة بعض سوره، متصلة ببعض آياته، بل أراد بقوله: "لكتبتها": كتابتها في حواشي المصاحف، مع بيان أنها نسخت، حتى يطلع عليها كل من يقرأ المصحف، والذي منعه من كتابتها في المصحف على هذا الوجه؛ مخافة أن ينكر الناس عليه ذلك، ويسموه: زيادة في القرآن. وجاء في رواية أبي داود في "سننه": "ولولا أني كره أن أزيد في كتاب الله، لكتبتبه"، فجعل علة عدم الكتابة كراهته لأن يزيد في كتاب الله؛ أي: إنه كره أن يكتب آية الرجم، ولو في حاشية المصحف؛ لأنها زائدة على القرآن، وقد أمروا بتجريد القرآن عن كل ما ليس بقرآن يتلى؛ حذرًا من أن يتجه الناس - ولو بعد حين - إلى اعتقاد أنه من القرآن المتعبد بتلاوته. وليس فيما روي عن عمر بن الخطاب تصريح بأن ما نزل من الرجم قد نسخ، وإنما فهم النسخ من تسميتها آية، وقوله: قرأناها، مع عدم وجودها مكتوبة بين دفتي المصحف، ومن المحتمل أن يكون ما نزل في الرجم، لم ينزل على أنه قرآن يتعبد بتلاوته، ويأخذ مكاناً في المصحف، وإنما نزل بوحي؛ ليحفظ، ويعمل به. قال ابن حزم في كتاب "الأحكام": "ونحن لا نقطع أنها كانت قرآناً يتلى في الصلوات، ولكن نقول: إنها كانت وحيًا أوحاه الله تعالى إلى نبيه ﷺ مع ما أوحي إليه من القرآن، فقرئ المتلو مثبوتاً في المصاحف والصلوات، وقرئ سائر الوحي منقولاً محفوظاً معمولاً به كسائر كلامه الذي هو وحي فقط". وكان تسميتها آية على هذا الوجه مبنية على تفسير الآية بما نزل بوحي مطلقاً، ولا يختص بما نزل على أنه قرآن يتهجد به، ويتلى في الصلوات،

стр. 1530

وأما قوله: "قرأناها"، فغير صريح أيضاً في أنها قرآن؛ إذ القراءة تكون لغير القرآن. ومما يدل على أن آية الرجم كانت تعد من قبيل الأحاديث، لا أنها قرآن: ما رواه الطبراني عن العجماء، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة بما قضياه من اللذة". ورجاله رجال الصحيح (١).

стр. 1531

صحيح البخاري وأثره في حفظ الشريعة (١) أنزل الله تعالى القرآن المجيد بدين قيم، وشريعة محكمة، وأمر رسوله الكريم - صلوات الله عليه - أن يبين للناس ما لم تصل إليه أذهانهم من معانيه السامية؛ فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ثم أمر الله تعالى بطاعة الرسول فيما يأمر به، أو ينهى عنه، وإن لم يرد أمره أو نهيه في صورة أنه بيان للقرآن، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فدّلت الآيتان على أنّا مأمورون باتباع بيان الرسول للقرآن الكريم، واتباع ما يقرره من الأحكام، وإن لم يبد لنا وجه رجوعها إلى نص خاص من نصوص القرآن. فمطلع الدين القيم، والشريعة السمحة: كتاب الله، وسنة رسوله ﵊، وإكمال الدين الممتن به في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] إنما تحقق بنزول القرآن، وبما

стр. 1532

فصّله الرسول ﵊ في أحاديثه من أحكام وآداب. وقد تكفل الله تعالى بحفظ الذكر في قوله العزيز: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، ومن الجليّ أن الحكمة في حفظه إنما هي حفظ أصول الشريعة التي أراد الله تعالى أن تكون الشريعة العامة الخالدة، ومقتضى هذه الحكمة: أن يحفظ الله القرآن، ويحفظ السنّة التي تبين معاني بعض آياته، أو تقرر أحكامًا وأصولاً متممة للشريعة التي جاء لإقامتها. ومن هنا عني الصحابة والتابعون ﵃ بحفظ السنة رواية وكتابة، ومنذ عهد عمر بن عبد العزيز ﵁ أقبل العلماء على جمع الأحاديث، وإخراجها في مؤلفات اختلفت أنظارهم في أساليبها, ولكنهم لم يقصدوا فيها إلى كتاب "الموطأ"، وقصد في تأليفه جمع أحاديث صحيحة مرفوعة إلى رسول الله ﷺ ، وأضاف إليها كثيراً من الأحاديث المرسلة أو المنقطعة، وكثيراً من إفراد الأحاديث الصحيحة عن غيرها، حتى جاء الإِمام مالك ﵁، وألّف أقوال الصحابة والتابعين وفتاواهم، وقد تتبع بعض أئمة الحديث تلك الأحاديث المرسلة أو المنقطعة، فوجدوها موصولة في روايات أخرى إلا أربعة أحاديث، ولم يترددوا في أن يقولوا: إن أول من ألف في الصحيح: مالك بن أنس، حتى قال الإِمام الشافعي ﵁: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك. ثم جاء الإِمام البخاري ﵁، فألف كتابه "الجامع الصحيح"، فكانت أحاديثه المرفوعة المتصلة الإسناد إلى النبي ﷺ أكثر من أحاديث "الموطأ"، وما أودعه فيه من الأحاديث المرسلة أو المنقطعة، أو آثار الصحابة والتابعين أقلّ مما في كتاب "الموطأ".

стр. 1533

* كيف تيسّر للإمام البخاري أن يؤلف هذا الجامع الصحيح: نشأ الإِمام البخاري في عهد كان المقام الأسمى فيه لمن يتفقه في الدين، وكانت أمصار الإِسلام طافحة بأئمة الحديث وحفّاظه، فأقبل على رواية الحديث، وتلقى عن أئمة خراسان، ثم رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر، فلقي أئمتها وحفاظها, ولم يدخر جهداً في استقصاء ما عندهم من العلم، حتى تجمع له من الأحاديث ما لم يتجمع لغيره، وساعده على ذلك: سلامة الفطرة، وقوة الحافظة، وذكروا أنه روى عن أكثر من ألف شيخ، من بينهم: الإمام الحافظ علي بن المديني الذي قال فيه البخاري: "ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي بن المديني". فلقاء البخاري في رحلاته بعدد كبير من حفاظ الحديث، مع صفاء ألمعيته، وقوة حافظته رفعه في علم الحديث والفقه إلى أن قال الإمام أحمد من شيوخه: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري فقيه الأمة. * سبب تأليفه: قال البخاري: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح رسول الله ﵁، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع "الجامع الصحيح"، وابتدأ جمعه في المسجد الحرام، يدل لهذا قوله فيما روي عنه: صنفت كتابي "الجامع الصحيح" في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثاً حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين، وتيقنت صحته. * حسن أسلوب "الجامع الصحيح"، ووجه تكراره للأحاديث: اختلفت أساليب المصنفين في الحديث، فمنهم من رتبوا الأحاديث بالنظر إلى رواتها، وهي المسماة بالمسانيد؛ كما فعل الإمام أحمد بن حنبل

стр. 1534

ومَن بعده، ومنهم من يرتبها على حسب الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث باباً يختص به؛ كباب الصلاة، والزكاة، كما فعل مالك في "الموطأ"، وانتهى الأمر إلى زمن البخاري، فسلك هذه الطريقة، ولكن كثرت الأحاديث المودعة في كتابه، فكان أكثر أبواباً من كتاب "الموطأ". قال ابن خلدون: وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره، فخرج أحاديث السنّة على أبوابها في مسنده الصحيح بجميع الطرق التي للحجازيين والعراقيين والشاميين، واعتمد منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه، وكرر الأحاديث، يسوقها في كل باب بمعنى ذلك الباب الذي تضمنه الحديث، فتكررت لذلك أحاديثه. قالوا: لمسلم فضل، قلت البخاري أعلى ... قالوا: المكرر فيه، قلت المكرر أحلى * جمعة بين الرواية والتفقه في الحديث: لم يقتصر البخاري على رواية الحديث كما يفعل كثير من المؤلفين في الحديث، بل جعل من مقاصد "جامعه": التفقه في أحاديثه، والنزوع إلى استنباط الأحكام والآداب، كما يشير إلى ذلك بالتراجم التي يضعها في صدور الأبواب، وهذا القصد قد سبقه إليه الإِمام مالك في "موطئه"، ولكن البخاري قطع فيه مراحل بعيدة على حسب كثرة ما جاء في "جامعه" من الأحاديث. * استحسان شيوخه وغيرهم له عند عرضه عليهم: لما صنف البخاري هذا الجامع، عرضه على علي بن المديني، وأحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا

стр. 1535

أربعة أحاديث، قال العقيلي: والحق فيه مع البخاري فهي صحيحة. واستحسان شيوخ المؤلف للكتاب، وشهادتهم له بالصحة، وسيلة كبرى لرواج الكتاب، وتنافس الناس في الإقبال عليه. * تضافر العلماء من بعد على صحته، وترجيحه على غيره من كتب الحديث: قال المحدثون: صحيحا البخاري ومسلم أصحّ الكتب بعد كتاب الله، وقالوا: إن كتاب البخاري أصح من كتاب مسلم، وما ينفرد به البخاري أصح مما ينفرد به مسلم. وقال الأصوليون: إذا تعارض حديثان، أحدهما في صحيح البخاري، والآخر في غيره من كتب الحديث، رجّح الحديث المروي في صحيح البخاري. ومما ساعد البخاري على تحري الصحة في جامعه: أنه أخذ عن علي ابن المديني، وقد أجمعوا على أنه أعلم أقرانه بعلل الحديث، وأخذ عن محمد بن يحيى الذهلي، وكان أعلم أهل عصره بعلل الحديث. وقال ابن الصلاح: "وقد أجمعت الأمة على تلقي هذا الكتاب بالتسليم والقبول لصحة جميع ما فيه". وقال بعض أهل العلم: من حلف على صحة جميع ما في البخاري، كان باراً في يمينه. * إقبال الناس على روايته ودراسته: امتياز "الجامع الصحيح" بالصحة والرجحان على غيره، جعل الناس يقبلون على روايته بلهف، فقد ذكر الفربري الذي هو أحد رواة الجامع عن البخاري: أن الجامع سمعه من البخاري تسعون ألفاً، وإذا رأينا أكثر الروايات للجامع الصحيح تنتهي إلى أبي عبد الله محمد بن يوسف الفريري عن البخاري،

стр. 1536

فلأن الفريري سمع "الجامع الصحيح" من البخاري مرتين: مرة بفرير ومرة ببخارى، وتعد روايته أضبط الروايات. ولثقة الناس بصحته، وعظم ما يقتبسونه من فوائده، ترى رجالاً يقرؤونه المرة بعد المرة في غير سآمة، فهذا غالب بن عطية الغرناطي يقول: كررت البخاري سبع مئة مرة. وذلك محدث اليمن سليمان بن إبراهيم العلوي يتحدثون عنه أنه أتى على البخاري نحو من مئتي مرة، قراءة وإقراء. وأصحّ نسخة للجامع الصحيح اعتمد عليها المغاربة: نسخة برواية أبي عمران موسى بن سعادة، سمعها على أبي علي الصدفي نحو ستين مرة، وأبو علي الصدفي روى "الجامع الصحيح" عن أبي الوليد الباجي، والباجي رواه من أبي ذر ﵁. * إقبال الناس عليه بالشرح والتعليق: ولبلوغ "الجامع الصحيح" في الصحة الغاية، أقبل العلماء على اختلاف مذاهبهم على شرحه، والتعليق على المواضع المشكلة منه؛ كابن بطّال، وابن المهلب، وابن التين، والكرماني، وابن حجر، والليثي، والقسطلاني، والشيخ زكريا، وغيرهم. ولم يستوف أكثر هؤلاء المصنفين ما يستحقه الكتاب من الشرح؛ إذ يحتاج شارحه- كما قال ابن خلدون- إلى معرفة الفرق المتعددة ورجالها من أهل الحجاز والشام والعراق، ومعرفة أحوالهم، واختلاف الناس فيهم، ولذلك يحتاج إلى إمعان النظر في التفقه في تراجمه؛ لأنه يترجم الترجمة، ويورد فيها الحديث بسند أو طريق، ثم يترجم أخرى، ويورد فيها ذلك الحديث بعينه؛ لما تضمنه من المعنى الذي ترجم به الباب، إلى أن يتكرر

стр. 1537

الحديث في أبواب كثيرة بحسب معانيه واختلافها، ثم قال: "ومن شرحه، ولم يستوف هذا فيه، فلم يوف حق الشرح؛ كابن بطال، وابن المهلب، وابن التين، ونحوهم، ولقد سمعت كثيراً من شيوخنا يقولون: شرح كتاب البخاري دين على الأمة، يعنون: أن أحداً من علماء الأمة لم يعرف ما يجب له من الشرح بهذا الاعتبار". وقال بعضهم: "لعل ذلك الدين قُضي بشرحي ابن حجر العسقلاني، والعيني". وأشار الشوكاني إلى أن في شرح ابن حجر المسمّى "فتح الباري" كفاية، فأجاب حين طلبوا منه وضع شرح للبخاري بقوله: "لا هجرة بعد الفتح". * أثره في تثبيت دعائم الإِسلام: للجامع الصحيح أثر كبير في توطيد أركان الشريعة، وحمايتها من أن تعبث بها أصابع الجاحدين، يشهد بهذا وجوه كثيرة. ومن هذه الوجوه: أن الأحاديث الضعيفة لا يعتمد عليها في استنباط الأحكام العملية، وتلقي الأمة للجامع الصحيح بالقبول والتسليم، يجعل أحاديثه كلها صالحة لأن يحتج بها في تقرير الأحكام العملية، فالجامع الصحيح وضع أمام الباحثين عن أحكام الشريعة جانباً عظيماً من الأحاديث التي لا يترددون في صحتها, ولا يشتبه عليهم الحال في عدالة رجالها. ومن هذه الوجوه: أن بقية الكتب الستة التي أصبحت مدار علوم الحديث؛ كصحيح مسلم، وسنن الترمذي إنما ظهرت بعد الجامع الصحيح، وكان له أثر في توجيه مؤلفيها، وإجادة سندهم في تأليفها. قال الدارقطني: لولا البخاري، لما ذهب مسلم ولا جاء.

стр. 1538

وقال الحاكم: رحم الله محمد بن إسماعيل الإمام، فإنه الذي ألف الأصول، وبين للناس، وكل من عمل بعده، فإنما أخذ من كتابه. وقال الإسماعيلي في "المدخل" بعد أن مدح البخاري في صنيعه، وذوقه: نحا نحوه في التصنيف جماعة، وذكر منهم: مسلم بن الحجاج، وقال: وكان يقاربه في العصر، فرام مرامه، وكان يأخذ عنه، أو عن كتبه. ومن هذه الوجوه: أن بعض المجتهدين قد يسبق إلى استنباط حكم، ويتخذه مذهبًا، فإذا اطلع أتباعه على حديث في الجامع الصحيح ينافي ذلك الحكم، بينوا أن ذلك الاستنباط غير صائب، وتحولوا إلى الاقتداء بالحديث الصحيح، وكل إمام يقول: "إذا صح هذا الحديث، فهو مذهبي". ومن هذه الوجوه: أن العلماء، بناء على شهرة الجامع الصحيح، وسمو مكانته في الصحة، وجهوا أنظارهم إلى البحث عن مرامي أحاديثه، والكشف عن أسرارها، وإيضاح ما أشكل منها، فجمعوا حول أحاديثه، وما يتصل بها من الآثار علماً غزيرًا، ومن هنا كانت شروحه من أقرب المراجع إلى أيدي الباحثين عن أحكام الشريعة وآدابها، وأفسحها مجالاً لمسائل الخلاف التي منشؤها التفقه في الحديث. ومن هذه الوجوه: أن نفراً من زائغي العقيدة يحاولون اليوم وقبل اليوم أن يطرحوا السنّة النبوية من أصول الشريعة؛ بزعم أن الأحاديث غير ثابتة الرواية عن النبي ﷺ ، ووجود الجامع الصحيح، وهو كتاب عرفه المسلمون بصحة السند، وأجمعوا على تلقيه بالقبول، يدفع هذا الزعم، ويكشف عن جهل صاحبه، أوسوء طويته. وأذكر عقب هذا: أن الجامع الصحيح ساعد على حفظ اللغة العربية،

стр. 1539

وإقامة قواعدها من وراء مساعدته على حفظ الشريعة وتأييد دعائمها؛ فإن ما في كتاب البخاري من أحاديث النبي ﷺ ، وأقوال الصحابة والتابعين يصح أن يستشهد به في اللغة، على ما بسطناه في رسالة قدمناها إلى المجمع, ونشرت في مجلته (١).

стр. 1540

السُّنّة والبدعة (١) شرع الله الدين الحنيف في سماحة وحكمة، فلم يأت بما فيه حرج، أو بما ينبو العقل السليم عن قبوله، وكانت هذه السماحة والحكمة من أسباب انتشاره في المعمورة، وظهوره على الأديان كلها في أعوام معدودة، وحيث بلي بعض الشرائع من قبل، فدخلها فساد التبديل والتأويل، اشتدت عناية الشارع بتحذير الناس من أن يحدثوا في الإِسلام ما ليس منه. قال ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رَدّ" (٢) وقال: "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٢). ولم يخلص الدين - مع هذه الزواجر - من طوائف يلصقون به ما ينافي سماحته، أو ما يشوّه وجه حكمته، وقد كئرت هذه البدع حتى حجبت جانباً من محاسنه، وكان لها أثر في تنكر بعض القلوب لهدايته، وهذا ما حمل كثيراً من أهل العلم على أن يتناولوا البدع بالتأليف خاصة؛ كما فعل أبو بكر الطرطوشي، وأبو إسحاق الشاطبي، وغيرهما من رجال الدين. وللبحث في البدع مجال واسع، ونحن نلم في هذا المقال بالقدر الكافي لإجابة رسائل اقترح أصحابها على المجلة بيان ما هو سنّة، وما هو بدعة،

стр. 1541

وفي الفرق بين السنّة والبدعة، وتمييز البدعي من السني إصلاح كبير. * السنَّة: معنى السنّة في أصل اللغة: الطريقة، حسنة كانت أم سيئة، وقد تطلق على ما يقابل القرآن، فيراد بها: قول النبي ﷺ وفعلُه وتقريره، ويطلقها الفقهاء على ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه مما فعله النبي ﷺ وواظب عليه، وتطلق على ما يقابل البدعة، فيراد بها: ما وافق القرآن، أو حديث النبي ﵊ من قول أو فعل أو تقرير، وسواء كانت دلالة القرآن أوالحديث على طلب الفعل مباشرة، أو بوسيلة القواعد المأخوذة منهما، وينتظم في هذا السلك: عمل الخلفاء الراشدين، والصحابة الأكرمين؛ للثقة بأنهم لا يعملون إلا على بينة من أمر دينهم. قال عمر بن عبد العزيز: "سنّ رسول الله ﷺ وولاةُ الأمور بعده سنناً، الأخذُ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتدٍ، ومن خالفها، اتبع غير سبيل المؤمنين". أما دلالة القرآن، أو قول الرسول ﷺ على أن الأمر مشروع، فواضحة، ولا شأن للمجتهد في صيغ الأوامر إلا أن يتفقه فيها حتى يحملها على الوجوب أو الندب، ويتدبر أمرها فيما إذا عارضها دليل آخر؛ ليقضي بترجيح أحدهما على الآخر، أو يفصل في أن هذا ناسخ لذاك، وطرق الترجيح أو الحكم بالنسخ مقررة في كتب الأحكام. والذي يستدعيه البحث في هذا المقال: أن نحدثك عن فعله ﵊ وإقراره، حتى تعلم الضرب الذي كان لنا فيه أسوة حسنة، وسنّة قائمة:

стр. 1542

من أفعاله ﵊ ما يصدر عن وجه الجبلّة أو العادة؛ كالقيام والقعود والاضطجاع، والأكل والشرب واللبس، وهذا الضرب غير داخل فيما يطلب فيه التأسي، وغاية ما يفيده فعله ﵊ لمثل هذه الأشياء: الإِباحة، فإذا جلس رسول الله ﷺ ، أو قام في مكان أو زمان، أو ركب نوعاً من الدواب، أو تناول لوناً من الأطعمة، أو لبس صنفًا من الثياب، فلا يقال فيمن لم يفعل شيئاً من ذلك: إنه تارك للسنّة. ومن أفعاله ﵊ ما علم اختصاصه به؛ كالوصال في الصوم، والزيادة في النكاح على أربع، ولا نزاع في أن مثل هذا ليس محلاً للتأسي، وما كان لأحد أن يقتدي به فيما هو من خصائصه. ومنها: ما عرف كونه بياناً للقرآن؛ كقطعه يد السارق من الكوع بياناً لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وحكم الاقتداء به في هذا حكم المبين من وجوب أو استحباب. ومنها: ما لم يكن جبليّاً, ولا خصوصية، ولا بياناً، وهذا إذا علمت صفته في حقه ﵊ من وجوب أو ندب أو إباحة، فأمته متابعة له في الحكم؛ إذ الأصل تساوي المكلفين في الأحكام. فإن فعل ﷺ أمراً، ولم يقم دليل خاص على أنه فعله على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، فهذا إما أن يظهر فيه معنى القربة؛ كافتتاحه الرسائل بكلمة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فيحمل على أقل مراتب القرب، وهو الندب، وإما أن لا يظهر فيه معنى القربة، فيدل على أنه مأذون فيه، ومن أهل العلم من يذهب به مذهب المندوب إليه؛ نظراً إلى أنه ﵇ مشرعّ، فالأصل في أفعاله التشريع، ومثال هذا: إرساله ﵊ -

стр. 1543

شعر رأسه الشريف إلى شحمة الأذن، وهو عمل لا يظهر فيه معنى القربة، ولكن بعض أهل العلم؛ كالقاضي أبي بكر بن العربي، وأبي بكر الطرطوشي جعلوه من مواضع الاقتداء، ورأى آخرون أن هذا محمول على العادة، فإذا جرت عادة قوم بنحو الحلق، فلا يوصفون بأنهم تركوا ما هو سنّة. ومما يشبه إرسال الشعر إلى الأذن: إرساله ﵊ ذؤابة من العمامة، وهي المسماة: "العذبة"، وقد ورد في حديث عمرو بن حريث في فتح مكة: "كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ ، وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه" (١)، وحديث ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ إذا اعتم، سدل عمامته بين كتفيه (٢). وإذا كان إرسال ذؤابة من العمامة مما لا يظهر فيه معنى القربة، يكون موضعًا لاختلاف أهل العلم، فمنهم من يجعله من قبيل ما يتأسى به، وإلى هذا يجنح أبو بكر بن العربي، وقد روى الترمذي عن ابن عمر، وسالم، والقاسم: أنهم كانوا يفعلونه. ومنهم من يراه من قبيل العادة، فلا يعد المتعمِّم من غير عذبة تاركًا لسنّة، وهذه وجهة نظر من لم يكن يرسل العذبة من السلف، قال الإمام مالك: إنه لم ير أحداً يفعله إلا عامر بن عبد الله بن الزبير (٣). وقد يتقارب الحال في بعض الأفعال، فلا يظهر جلياً أهو عادة، أم شريعة؟ فتتردد فيه أنظار المجتهدين؛ نحو: جلسة الاستراحة عند قيامه

стр. 1544

للثانية أو الرابعة، فذهب بعضهم إلى أنه لم يفعلها على وجه القربة، فلا تدخل في قبيل السنّة، وعدّها طائفة فيما يستحب من أعمال الصلاة. ومما لم يظهر فيه معنى القربة: تقديم اسمه ﵊ في الرسائل على اسم المرسل إليه، ولهذا لم يحافظ عليه بعض السلف محافظتهم على ما يفهمون فيه معنى القربة، فأجازوا تأخير اسم المرسل على اسم المرسل إليه، وسئل الإمام مالك عن ذلك، فقال: لا بأس به، بل روى أن ابن عمر - وهو من أشد الناس محافظة على السنّة - قد كتب إلى معاوية، ثم إلى عبد الملك بن مروان، وقدم اسميهما على اسمه (١). * تركه: وكذلك يفصل القول في تركه ﵊ لبعض الأشياء، فما يتركه من أجل كراهته له جبلَّة؛ كما امتنع من أكل الضب، ولما قال له خالد بن الوليد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه" وليس تركه ﷺ للشيء على هذا الوجه من مواضع التأسي، وشاهده أن خالدًا ﵁ سمع هذا الجواب، وما لبث أن جرّ إليه الضب، فأكله. ويجري على هذا النحو ما يتركه ﷺ لتحريم يختص به؛ كتركه أكل الثوم وما شاكله من كل ذي رائحة كريهة، فلغيره من المسلمين تناوله، ولا يكون بتناوله هذا خارجاً عن حدود قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 1545

فإن لم يكن تركه ﵊ من ناحية الجبلّة، ولم يثبت أنه كان لمنع يختص به، فإن علم حكم هذا الترك في حقه من حرمة أو كراهة، كانت الحرمة أو الكراهة شاملة لأمته؛ بحجة أن الأصل عدم الخصوصية، فإن ترك ﵊ أمراً، ولم يعلم حكم هذا الترك، دلّ على عدم الإذن: في الفعل. وأقل مراتب عدم الإذن: الكراهة، فيحمل عليها حتى يقوم الليل على ما فوقها، وهو التحريم. وإذا ترك ﷺ الأمر لمانع من الفعل يصرح به، أو يفهمه المجتهد بطريق الاستنباط، ثم يزول هذا المانع، فإنه يصح النظر بعد في أمر المتروك، ويجري حكمه على ما تقتضيه أصول الشريعة؛ كما ترك ﷺ صلاة القيام في رمضان جماعة، وذكر أن المانع من استمراره عليها: خوف افتراضها عليهم، ولما انقطع الوحي بانتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ارتفع المانع من صلاة التراويح جماعة؛ وهو خوف الافتراض، فلم يبق في تركها موضع للتأسي، ولذلك رجع بها عمر بن الخطاب ﵁ إلى الأصل الذي هو فعل النبي ﷺ لها في جماعة. ومن هذا الباب: تركه ﷺ لقتل حاطب بن أبي بلتعة حين اطلع له على كتاب أرسله إلى قريش يخبرهم فيه ببعض أمر رسول الله ﷺ ، وقال ردًا على عمر بن الخطاب إذ قال له: دعني أضرب عنق هذا المنافق: "إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلّ الله اطلع على من شهد بدراً، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" (١)، ففي ظاهر الحديث تعليل عدم قتله بشهوده واقعة بدر، فمن لم تتحقق فيه هذه المزية ممن يتجسسون على المسلمين،
следующие страницы →