← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وفي الفرق بين السنّة والبدعة، وتمييز البدعي من السني إصلاح كبير. * السنَّة: معنى السنّة في أصل اللغة: الطريقة، حسنة كانت أم سيئة، وقد تطلق على ما يقابل القرآن، فيراد بها: قول النبي ﷺ وفعلُه وتقريره، ويطلقها الفقهاء على ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه مما فعله النبي ﷺ وواظب عليه، وتطلق على ما يقابل البدعة، فيراد بها: ما وافق القرآن، أو حديث النبي ﵊ من قول أو فعل أو تقرير، وسواء كانت دلالة القرآن أوالحديث على طلب الفعل مباشرة، أو بوسيلة القواعد المأخوذة منهما، وينتظم في هذا السلك: عمل الخلفاء الراشدين، والصحابة الأكرمين؛ للثقة بأنهم لا يعملون إلا على بينة من أمر دينهم. قال عمر بن عبد العزيز: "سنّ رسول الله ﷺ وولاةُ الأمور بعده سنناً، الأخذُ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتدٍ، ومن خالفها، اتبع غير سبيل المؤمنين". أما دلالة القرآن، أو قول الرسول ﷺ على أن الأمر مشروع، فواضحة، ولا شأن للمجتهد في صيغ الأوامر إلا أن يتفقه فيها حتى يحملها على الوجوب أو الندب، ويتدبر أمرها فيما إذا عارضها دليل آخر؛ ليقضي بترجيح أحدهما على الآخر، أو يفصل في أن هذا ناسخ لذاك، وطرق الترجيح أو الحكم بالنسخ مقررة في كتب الأحكام. والذي يستدعيه البحث في هذا المقال: أن نحدثك عن فعله ﵊ وإقراره، حتى تعلم الضرب الذي كان لنا فيه أسوة حسنة، وسنّة قائمة:

стр. 1542

من أفعاله ﵊ ما يصدر عن وجه الجبلّة أو العادة؛ كالقيام والقعود والاضطجاع، والأكل والشرب واللبس، وهذا الضرب غير داخل فيما يطلب فيه التأسي، وغاية ما يفيده فعله ﵊ لمثل هذه الأشياء: الإِباحة، فإذا جلس رسول الله ﷺ ، أو قام في مكان أو زمان، أو ركب نوعاً من الدواب، أو تناول لوناً من الأطعمة، أو لبس صنفًا من الثياب، فلا يقال فيمن لم يفعل شيئاً من ذلك: إنه تارك للسنّة. ومن أفعاله ﵊ ما علم اختصاصه به؛ كالوصال في الصوم، والزيادة في النكاح على أربع، ولا نزاع في أن مثل هذا ليس محلاً للتأسي، وما كان لأحد أن يقتدي به فيما هو من خصائصه. ومنها: ما عرف كونه بياناً للقرآن؛ كقطعه يد السارق من الكوع بياناً لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وحكم الاقتداء به في هذا حكم المبين من وجوب أو استحباب. ومنها: ما لم يكن جبليّاً, ولا خصوصية، ولا بياناً، وهذا إذا علمت صفته في حقه ﵊ من وجوب أو ندب أو إباحة، فأمته متابعة له في الحكم؛ إذ الأصل تساوي المكلفين في الأحكام. فإن فعل ﷺ أمراً، ولم يقم دليل خاص على أنه فعله على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، فهذا إما أن يظهر فيه معنى القربة؛ كافتتاحه الرسائل بكلمة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فيحمل على أقل مراتب القرب، وهو الندب، وإما أن لا يظهر فيه معنى القربة، فيدل على أنه مأذون فيه، ومن أهل العلم من يذهب به مذهب المندوب إليه؛ نظراً إلى أنه ﵇ مشرعّ، فالأصل في أفعاله التشريع، ومثال هذا: إرساله ﵊ -

стр. 1543

شعر رأسه الشريف إلى شحمة الأذن، وهو عمل لا يظهر فيه معنى القربة، ولكن بعض أهل العلم؛ كالقاضي أبي بكر بن العربي، وأبي بكر الطرطوشي جعلوه من مواضع الاقتداء، ورأى آخرون أن هذا محمول على العادة، فإذا جرت عادة قوم بنحو الحلق، فلا يوصفون بأنهم تركوا ما هو سنّة. ومما يشبه إرسال الشعر إلى الأذن: إرساله ﵊ ذؤابة من العمامة، وهي المسماة: "العذبة"، وقد ورد في حديث عمرو بن حريث في فتح مكة: "كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ ، وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه" (١)، وحديث ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ إذا اعتم، سدل عمامته بين كتفيه (٢). وإذا كان إرسال ذؤابة من العمامة مما لا يظهر فيه معنى القربة، يكون موضعًا لاختلاف أهل العلم، فمنهم من يجعله من قبيل ما يتأسى به، وإلى هذا يجنح أبو بكر بن العربي، وقد روى الترمذي عن ابن عمر، وسالم، والقاسم: أنهم كانوا يفعلونه. ومنهم من يراه من قبيل العادة، فلا يعد المتعمِّم من غير عذبة تاركًا لسنّة، وهذه وجهة نظر من لم يكن يرسل العذبة من السلف، قال الإمام مالك: إنه لم ير أحداً يفعله إلا عامر بن عبد الله بن الزبير (٣). وقد يتقارب الحال في بعض الأفعال، فلا يظهر جلياً أهو عادة، أم شريعة؟ فتتردد فيه أنظار المجتهدين؛ نحو: جلسة الاستراحة عند قيامه

стр. 1544

للثانية أو الرابعة، فذهب بعضهم إلى أنه لم يفعلها على وجه القربة، فلا تدخل في قبيل السنّة، وعدّها طائفة فيما يستحب من أعمال الصلاة. ومما لم يظهر فيه معنى القربة: تقديم اسمه ﵊ في الرسائل على اسم المرسل إليه، ولهذا لم يحافظ عليه بعض السلف محافظتهم على ما يفهمون فيه معنى القربة، فأجازوا تأخير اسم المرسل على اسم المرسل إليه، وسئل الإمام مالك عن ذلك، فقال: لا بأس به، بل روى أن ابن عمر - وهو من أشد الناس محافظة على السنّة - قد كتب إلى معاوية، ثم إلى عبد الملك بن مروان، وقدم اسميهما على اسمه (١). * تركه: وكذلك يفصل القول في تركه ﵊ لبعض الأشياء، فما يتركه من أجل كراهته له جبلَّة؛ كما امتنع من أكل الضب، ولما قال له خالد بن الوليد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه" وليس تركه ﷺ للشيء على هذا الوجه من مواضع التأسي، وشاهده أن خالدًا ﵁ سمع هذا الجواب، وما لبث أن جرّ إليه الضب، فأكله. ويجري على هذا النحو ما يتركه ﷺ لتحريم يختص به؛ كتركه أكل الثوم وما شاكله من كل ذي رائحة كريهة، فلغيره من المسلمين تناوله، ولا يكون بتناوله هذا خارجاً عن حدود قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 1545

فإن لم يكن تركه ﵊ من ناحية الجبلّة، ولم يثبت أنه كان لمنع يختص به، فإن علم حكم هذا الترك في حقه من حرمة أو كراهة، كانت الحرمة أو الكراهة شاملة لأمته؛ بحجة أن الأصل عدم الخصوصية، فإن ترك ﵊ أمراً، ولم يعلم حكم هذا الترك، دلّ على عدم الإذن: في الفعل. وأقل مراتب عدم الإذن: الكراهة، فيحمل عليها حتى يقوم الليل على ما فوقها، وهو التحريم. وإذا ترك ﷺ الأمر لمانع من الفعل يصرح به، أو يفهمه المجتهد بطريق الاستنباط، ثم يزول هذا المانع، فإنه يصح النظر بعد في أمر المتروك، ويجري حكمه على ما تقتضيه أصول الشريعة؛ كما ترك ﷺ صلاة القيام في رمضان جماعة، وذكر أن المانع من استمراره عليها: خوف افتراضها عليهم، ولما انقطع الوحي بانتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ارتفع المانع من صلاة التراويح جماعة؛ وهو خوف الافتراض، فلم يبق في تركها موضع للتأسي، ولذلك رجع بها عمر بن الخطاب ﵁ إلى الأصل الذي هو فعل النبي ﷺ لها في جماعة. ومن هذا الباب: تركه ﷺ لقتل حاطب بن أبي بلتعة حين اطلع له على كتاب أرسله إلى قريش يخبرهم فيه ببعض أمر رسول الله ﷺ ، وقال ردًا على عمر بن الخطاب إذ قال له: دعني أضرب عنق هذا المنافق: "إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلّ الله اطلع على من شهد بدراً، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" (١)، ففي ظاهر الحديث تعليل عدم قتله بشهوده واقعة بدر، فمن لم تتحقق فيه هذه المزية ممن يتجسسون على المسلمين،

стр. 1546

ويبلغون أخبارهم للمحاربين، يبقى أمره موكولاً لاجتهاد الإمام؛ ليجازيه بما تقتضيه المصلحة، ولو بالإعدام، وهذا ما يقوله إمام دار الهجرة مالك ابن أنس ﵀. وإذا ترك ﷺ أمراً لم يظهر في عهده ما يقتضي فعله، ثم طرأ حال يجعل المصلحة في الفعل، ارتفع طلب التأسي في الترك، وأصبح ذلك الأمر مجالاً لنظر المجتهد، حتى يفصل له حكماً على قدر المصلحة الداعية إلى فعله. ومثال هذا: أن الرسول ﵊ لم يجمع القرآن في مصحف؛ إذ لم يظهر في عهده ما يدعو إلى هذا الجمع، ولكن كثرة من قتل في حرب أهل الردة من القرّاء أثارت الخوف على القرآن من الضياع، ورأى الخليفة الأول صحة الجمع لهذا المقتضى الذي لم يكن في عهد الوحي قائماً. ولا يدخل في الترك الذي نتحدث عنه عدم فعله ﷺ لأمور لم تكن وسائلها قد تهيأت، ولا الفنون التي يتوقف عليها إنشاؤها قد ظهرت، فلا يخطر على البال أن نمنع من وضع آلات تعرف بها الأوقات في المساجد، ونستند في هذا المنع إلى أن النبي ﷺ لم يفعل هذا في مسجده الشريف. وليس من الفقه أن نرد الخبر بثبوت شهر رمضان يأتي على طريق البرق أو المسرّة (١)؛ بدعوى أن الأخذ به مخالف للسنّة؛ إذ لم يأخذ النبي ﷺ في إثبات الشهر إلا بشهادة يؤديها من في حضرته. وإنما يعد مثل هذا من قبيل المسكوت عنه، فلأهل العلم أن يتناولوه بالاجتهاد، ويلحقوه بالأصل الذي يصح تطبيقه عليه.

стр. 1547

والترك الذي يدل على عدم الإذن هو ما يروى في لفظ صريح؛ كتركه ﵊ الأذان والإقامة ليوم العيد، وتركه غسل شهداء أحد، والصلاة عليهم. ويلحق بهذا: تركه الذي لم ينقل بلفظ صريح، ولكنه يفهم من عدم نقلهم للفعل الذي شأنه أن تتوفر الدواعي على نقله لو وقع. فيصح لنها أن نقول: من السنّة ترك رفع الأصوات بالذكر أمام الجنازة، ويكفي في الاستشهاد على أن السنّة ترك هذا الرفع: عدم نقلهم لفعله، وهو من الأمور التي لو فعلت، لتوفرت الدواعي على نقلها. وقد وردت أحاديث دلت على أن الصحابة ﵃ كانوا يتركون الأمر لمجرد ترك النبي ﷺ له؛ كما ورد أنه ﵊ خلع نعله في صلاة، فخلعوا نعالهم حتى أخبرهم بعدُ بأنه عَلِمَ من طريق الوحي أن بالنعل نجاسة (١). ومن شواهده: أنه كان ﵊ اتخذ خاتماً من الذهب، فاتخذوا خواتيم من ذهب، ثم نبذه، وقال: "إني لن ألبسه أبدًا" بها، فنبذوا خواتيمهم (٢). ومن عرف مسابقة الصحابة ﵃ إلى الاقتداء برسول الله ﷺ حتى في ترك المكروه، لم يجد في أمثال هذا الحديث دليلاً كافيًا على أن تركه ﵊ للشيء، يحمل على أشد مراتب النهي، وهو التحريم. وحرمة استعمال خاتم الذهب مأخوذة من الأحاديث الدالة على حرمة استعمال الذهب زينة للرجال.

стр. 1548

* تقريره: من مقتضى ما تقرر من عصمته ﷺ ، وأمانته في التبليغ: أن لا يقر أحداً على أمر غير مأذون فيه شرعاً، فيكون إقراره للأمر دليلاً على أنه لا حرج في فعله، سواء شاهده بنفسه فسكت، أو بلغه فلم ينكره. وما لا حرج فيه يشمل: الواجب، والمندوب، والمباح، فيحمل على أقل مراتبه، وهو الجواز، حتى يقوم الدليل على الندب أو الوجوب، ولا يدل الإقرار على جواز الفعل في حق من أقره النبي ﷺ وحده، بل يكون الجواز حكماً شاملاً لجميع المكلفين؛ أخذًا بالأصل الذي هو استواء الناس في أحكام الشريعة. فليس لأحد أن يعد اللعب في المسجد بالسلاح تمرينًا على الحرب أمراً مخالفاً للسنّة، بعد أن ثبت أن النبي ﷺ أقر الحبشة على اللعب في مسجده بالحراب. وليس لأحد أن ينكر على المعتدة عدة وفاة إذا خرجت للاستفتاء، بعد أن ثبت أن قريعة بنت مالك خرجت بعد وفاة زوجها تستأذن رسول الله ﷺ في موضع العدة، فقال لها: "امكثي حتى تنقضي عدتك"، ولم يتعرض لخروجها بإنكار. ويتصل ببحث السنّة مسألتان جرى فيهما اختلاف علماء الشريعة: إحداهما: ما يقوم الدليل على أنه سنّة، ثم يتهاون فيه الناس، ولا يحتفظ به إلا فريق عرفوا باسم المبتدعة من ناحية اعتقاد أو عمل. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى ترك هذه السنة احتراساً من التشبه بالمبتدعة. وضرب المثل لهذا بتسطيح القبور، والتختم باليمين، والحق أن محافظة بعض المبتدعة على سنّة حتى تفسير شعاراً لهم لا يخرجها عن حقيقة السنّة، ولا يزال خطاب الاقتداء بالنبي ﷺ فيها متوجهاً إلى أولئك الذين تركوا السنّة حتى يعودوا إليها.

стр. 1549

ثانيهما: ما يخشى من فعله اعتقاد العامة لوجوبه؛ فقد راعى بعض الأئمة مفسدة اعتقاد العامة لوجوب ما هو مندوب إليه؛ كما ذهب الإِمام مالك إلى كراهة صوم ستة أيام من شوال، مع صحة الحديث الوارد في فضله؛ خشية أن يعتقد العامة وجوبها. قال أبو إسحاق الشاطبي: والذي خشي منه مالك وقع في المعجم، فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والبواقين. وكذلك قال أبو إسحاق المروزي من أصحاب الإِمام الشافعي: لا أحب أن يداوم الإِمام على مثل أن يقرأ كل يوم جمعة بسورة الجمعة ونحوها؛ لئلا يعتقد العامة وجوبه، والجمهور لا يقيمون للخوف من اعتقاد العامة وزنًا. والتبعة في مثل هذا على أهل العلم؛ إذ هم المطالبون بتعليم الناس آداب دينهم، وهدايتهم إلى سبيل ربهم، وانظروا إلى ما صنع عمر بن الخطاب ﵁ حين قبّل الحجر الأسود، وقال: "إني أعلم أنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبّلك، ما قبّلت" (١)؛ فقد جمع بين الأخذ بالسنة، ودفع ما عساه يخطر في أذهان العامة من اعتقاد فاسد. * البدعة: البدعة في اللغة: الأمر المحدث على غير مثال، محموداً كان الأمر أم مذموماً، ووردت البدعة في لسان الشارع، فذهب الفقهاء في الحديث عنها مذهبين: أحدهما: مذهب من يتوسع في معناها، فيحملها على ما أحدث بعد

стр. 1550

عهد النبوة، سواء أكان راجعاً إلى العبادات، أم المعاملات، وسواء أكان حسناً، أم قبيحاً. قال الإِمام الشافعي ﵁: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث يخالف كتاباً، أو سنّة، أو أثراً، أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة. والثاني: ما أحدث من الخير، وهذه محدثة غير مذمومة. وعلى هذه الطريقة جرى عز الدين بن عبد السلام؛ إذ قسم البدعة إلى: واجبة؛ كوضع علم العربية وتعليمه، ومندوبة؛ كإقامة المدارس، ومكروهة؛ كتزويق المساجد، ومحرمة؛ كتلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي، ومباحة؛ كوضع الأطعمة على الموائد ألواناً. ثانيهما: مذهب من يفسر البدعة بالطريقة المخترعة على أنها من الدين، وليست من الدين في شيء، فهي مذمومة في كل حال، ولا يدخل في حقيقتها واجب أو مندوب أو مباح، وعلى هذا المعنى ورد قوله ﷺ : "وكل بدعة ضلالة"، وهذا ما يريده الإِمام مالك ﵁ في قوله: "من ابتدع في الإِسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] ". وأصحاب هذه الطريقة يحملون قول عمر بن الخطاب ﵁ في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه" على معنى: البدعة في اللغة؛ كما أن أصحاب الطريقة الأولى يذهبون في قوله ﷺ : "وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (١) إلى أن المراد من المحدثة والبدعة: نوع خاص من المحدثات والبدع، وهو ما كان مخالفاً للكتاب والسنّة.

стр. 1551

والابتداع إما إحداث أمر في الدين غير مشروع من أصله؛ كصلاة الرغائب في رجب، وصلاة ليلة عاشورإء. وإما زيادة على أمر مشروع؛ كالذكر يقرن بالرقص في حركات متطابقة. وإما نقص من المشروع؛ كالذكر باسم مفرد في رأي من يعده بدعة؛ نظراً إلى أن الوارد إنما هو ذكر الله بلفظ مركب مفيد. وإما تحويل المشروع عن موضعه؛ كتقديم خطبة العيد على صلاته. ويدخل في البدع: كل عمل استند صاحبه في ابتداعه إلى حديث موضوع؛ كالرقص في حال الذكر الذي يروي فيه فاعلوه حديثاً موضوعًا هو: "أن النبي ﷺ تواجد، واهتز حتى سقط الرداء عن منكبه"، أما الحديث الضعيف يدل على فضل عمل خاص، فينفي عن العمل اسم البدعة، بشرط أن لا يكون ضعيفاً جداً، وأن يشهد لما رغب فيه من العمل أصل عام من أصول الشريعة. ويدخل في البدعة: ترك المأذون فيه على وجه التدين، وتسمى: البدعة التَّرْكية، وقد سدّت الشريعة الطريق دون هذه البدعة إذ همّ قوم أن يقعوا في خطيئتها، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، ولم تعدم هذه البدعة بعد نزول الآية أناساً يتعلقون بها، ويحسبون أنهم يتقربون إلى الله بالتزامها، وإنما انحدروا إليها من ناحية الزهد، وللزهد مواطن لا يدخل ترك الطيبات في حدودها. دعي الحسن البصري إلى طعام، ومعه أصحابه، وفرقد السبخي (١)، فمَعدوا على المائدة، وعليها ألوان من الدجاج المسمن، والفالوذج، وغير ذلك، فاعتزل فرقد ناحية، فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا, ولكنه

стр. 1552

يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه، وقال: يا فرقد! أترى لُعاب النحل بلُباب البر بخالِص السمن، يعيبه مسلم؟! ومن البدع التي يلبسها بعض المتصوفة بدعوى الزهد: أثواب ينشئونها من قطع مختلفة، وتسمى: المرقعات. قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة": إن الثوب إذا خلق منه جزء، كان طرحُ جميعه من الكِبر والمباهاة والتكاثر في الدنيا. وإذا رقعه، كان بعكس ذلك كله، ورقع الخلفاء ثيابهم. والحديث مشهور عن عمر، وذلك شعار الصالحين، وسنة المتقين. حتى اتخذه الصوفية شعاراً، فجعلته في الجديد، وإنشاء مرقعة من أصلها، وهذا ليس سنّة، بل هو بدعة عظيمة، داخل في باب الرياء، وإنما المقصود بالترقيع: الانتفاع بالثوب على هيئة البِلى. ومن أقبح البدع: ما يوضع موضع سنّة؛ كالاستخارة بنحو المصحف والسبحة بدل الاستخارة الواردة في السنّة التي هي صلاة ركعتين بالفاتحة، - وسورتي: الكافرون، والإخلاص، ثم الدعاء "اللهم إني أستخيرك بعلمك إلخ"، ولو قال إنسان لآخر عند الملاقاة: (صباح الخير)، أو (أسعد الله صباحكم) - مثلاً - في موضع: السلام عليكم، لعد صنيعه هذا من قبيل وضع المحدث مكان السنّة. غير أن الفرق بين هذا المثال وما تقدمه: أن الاستخارة بنحو المصحف والسبحة ممنوعة في نفسها. قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام" بعد أن تكلم على التعرض للغيب: فإن قيل: فهل يجوز طلب ذلك في المصحف؟ قلنا: لا يجوز؛ فإنه لم يتبين المصحف ليعلم به الغيب، إنما بينت آياته، ورسمت

стр. 1553

كلماته؛ ليمنع عن الغيب، فلا تشتغلوا به، ولا يتعرض أحدكم له. وأما نحو: (أسعد الله صباحكم)، فإنما ينكر حيث يوضع موضع تحية الإِسلام، فلو أضيف إلى التحية الإسلامية، لم يكن إضافته إليها من بأس. ومما يفعله بعض الناس بدل حكايته الأذان والدعاء "اللهم رب هذه الدعوة التامة ... إلخ" الثابتين في الصحيح: أن يقول الشخص: "مرحبا بحبيبي وقرة عيني محمد بن عبد الله ﷺ "، ثم يقبل إبهاميه، ويجعلهما على عينيه، ولا نعلم لهذا الذي يفعلونه من سند يوثق به حتى يصح أن يقام مقام سنّة ثابتة. ولا يدخل في البدعة ما يفتي به البالغ درجة الاجتهاد، وإن خالف الجمهور، وإنما هو رأي مرجوح، وآخر راجح، إلا أن تكون الفتوى مخالفة للنص الجلي من القرآن أو السنّة، أو القواعد القاطعة، أو الإجماع؛ فإن الفتوى تكون حينئذ زلة لا يصح البقاء عليها، أو المتابعة فيها. والشاهد على ما نقول من أن الأعمال التي تستند إلى آراء اجتهادية - ولو كانت مرجوحة - لا تسمى بدعة: أن الأئمة المجتهدين يرون أقوال مخالفيهم بالنسبة إلى أقوالهم مرجوحة، ولا ينسبونهم إلى ضلال، ولا ينكرون على من يقتدي بهم في المذهب. وإجماعهم على أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، شاهد على أن المجتهد لا يرى أن العمل يقول مخالفه بدعة، ولو كان في نظره بدعة، لما أفتى بإقراره، وهو يعلم أن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فلا نسمّي الصلاة لغير الخسوف والكسوف؛ كالزلزلة، والربح الشديدة بدعة وضلالة، وصاحبها مبتدعاً ضالاً؛ لأنها مشروعة عند بعض الأئمة، وإن كانت أدلتهم فيما نرى، أو يرى الإِمام الذي تفقهنا على مذهبه،

стр. 1554

واهية مرجوحة. نقول هذا؛ تحذيراً من قوم لم يدرسوا أصول الدين، ولم يتعرفوا مقاصد الشريعة، ولمجرد ما يتلون آية أو حديثاً، ويبدو لهم - وهم أشباه العامة- أن ما يقوله الإمام فلان، أو الأئمة الأربعة مخالف للآية أو الحديث، يعجلون إلى الإنكار، ولا يبالون أن يسموا العمل على ما ظهر لهم من أنه مخالف لنص الكتاب أو السنّة، بدعة، وصاحبها مبتدعاً. وإذا كان في أشباه العامة من يقرأ الحديث في "صحيح الإمام البخاري"، أو الإمام مسلم - مثلاً -، ولا يحسن أن يتفقه فيه على مقتضى أصول الشريعة، فيخف إلى الطعن في مذاهب الأئمة حتى ينبذها بلقب البدعة، فإن في المستضعفين من أهل العلم من يعمد إلى أعمال يبتدعها العامة مخالفة للنصوص الجلية أو القواعد القطعية، فيتطلب لها مخرجًا يبتغي بها مرضاتهم ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. ومن أضر البدع: ما يكون إتلافاً للمال، وإنفاقاً له في غير جدوى؛ كإيقاد الشموع على قبور الأولياء بقصد القربة. ومن أجلبها للخسار: ما يعوق عن فعل خير؛ كالاستخارات غير الشرعية، فقد يتفق لفاتح المصحف أن يقع نظره على آية فيها معنى النهي- مثلاً -، فيترك الأمر، ويكون في فعله - لو استشار، أو اعتمد على الاستخارة الشرعية - خير كثير. ومن شرها: ما يفعل بدعوى القربة، ويكون في الواقع مثيراً للأهواء، مبعدًا للنفوس عن التقوى؛ كهذه الأشعار التي توصف فيها الخمور والغواني والغلمان. ولا يتحاشى فيها عن ذكر العشق والهجر والوصال والعيون والثغور والرضاب، ويتغنى بها في المجامع بزعم أنها كنايات، أو إشارات لها تعلق

стр. 1555

بالحضرة الإلهية أو النبوية. ومن أسوأ البدع: ما يضاهي به بعض طرق المخالفين؛ كهذا الذي يدعو إليه بعض الزائغين أو المغفلين من إقامة خليفة (روحي) لا جند له ولا سلاح، ولا يملك من تنفيذ الأحكام الشرعية قليلاً ولا كثيراً، يدعو إليه الزائغون؛ لأنهم يريدون اتخاذه رمزاً لفصل الدين عن السياسة، ويدعو إليه بعض المغفلين؛ لأنهم لم ينتبهوا لسريرة الزائغين، أو لما قصد الشارع في إقامة الخليفة من مصلحة اتحاد كلمة المسلمين، وتنفيذ أحكام شريعته الغراء، وإنما يتحد المسلمون تحت راية من يحترمونه؛ لعدله، وجهاده في الحق جهادًا يطمس على أثر الباطل، وإنما يقيم أحكام الشريعة على وجهها من يكون في لسانه حجة، وفي يده قوة. ومن البدع التي جاء الإسلام ليقتلعها من منبتها: أعمال يبنيها أصحابها على زعم أنها تقي من الجن، وليس بينها وبين هذه الوقاية من صلة؛ كذبح حيوان، أو صنع طعام؛ باعتقاد أنه يجلب رضاهم، ويكون سبباً لدفع ضرر يتوهم أنه يجيء من ناحيتهم. ذكر لابن شهاب: أن إبراهيم بن هشام المخزومي أجرى عينًا، فقال له بعض المهندسين عند ظهور الماء: لو أهرقت عليها في دمًا، كان أحرى أن لا تغيض، ولا تفور فتقتل من يعمل فيها، فنحر جزائر (١) حتى جرى الماء مختلطًا بالدم، وأمر فصنع له ولأصحابه منه طعام. فقال ابن شهاب: أما بلغه أن النبي ﷺ نهى أن يذبح للجن؟ وقد عرفت أن ترك السنّة لا يستدعي فعل بدعة، إلا أن تترك السنّة

стр. 1556

على اعتقاد أن خير الدين في تركها، فيكون من قبيل البدعة التركية؛ كمن يترك الصلاة في جماعة بدعوى أن صلاته في حال انفراد أجمعُ للقلب، وأدعى للخشوع. أما من ترك السنّة لغرض دنيوي، فلا يسمى لمجرد تركه السنّة مبتدعاً، كما اعتاد الناس ترك تشميت (١) الرؤساء مهابة لهم، ولو حمدوا الله تعالى بعد العطاس. عطس المأمون مرة في محضر جماعة، فلم يشمته أحد، فقال لهم: لماذا لم تشمتوني؟ قالوا: هبناك، فقال: لا خير في مهابة تحرمني من رحمة الله. وإنما أمات هذه السنّة في مجالس الرؤساء استنكاف بعضهم من الرد على من يشمتهم، وما كان لهم أن يستنكفوا. وإذا كانت البدع تشوه وجه الدين الحنيف في نظر من يجهلون حقائقه، فضلاً عما تجره من المفاسد العظيمة والمآثم، فمن الواجب على أهل العلم أن يحاربوها بما استطاعوا، وعلى القوة الحاكمة أن تشد أزرهم في تغييرها. وكثير من البدع لا تقتلع عروقها، ويطمس على آثارها إلا أن تتعاضد القوتان العلمية والتنفيذية على إماتتها. قال عز الدين بن عبد السلام في رسالة (٢) أنكر فيها بدعة صلاة الرغائب: "ولما صح عند الملك الكامل ﵀ أنها من البدع المفتراة على رسول الله ﷺ ، أبطلها من الديار المصرية، فطوبى لمن تولى شيئاً من أمور المسلمين، فاعان على إماتة بدعة، أو إحياء سنّة".

стр. 1557

الرؤيا ليست طريقاً للأحكام الشرعية (١) كثيرُ من المرائي ينشأ من انطلاق المخيلة، وسيرها في غير نظام حيث تعطل الحواس، ويفقد التنبه، ولا يبقى للإرادة سلطان على تنظيم حركة التفكير. وقد تنشأ عن تعلق النفس بالشيء في حال اليقظة، وكثرة تفكيرها فيه، وربما نشأت عن أمر تنفعل له الأعصاب؛ كأن يقرع صوت الموسيقى أذن النائم، فتضطرب أعصابه، وتجري في مخيلته صور من خواص الموسيقى، فيرى نفسه في مجتمع سرور أو عرس. وجميع هذا من قبيل أضغاث الأحلام، لا يحتفل بتأويله، ولا ينبغي الالتفات إليه. وفي المرائي ما يكون من قبيل الإلهام، فيدل على بعض المعاني دلالة صحيحة، وقد دل على وجود هذا القسم: القرآن، والسنّة الصحيحة والتجارب التي لا تقف عند نهاية، بل دل القرآن على أن صدق الرؤيا قد يتحقق في رؤيا غير المؤمنين، ومن شواهد هذا: رؤيا عزيز مصر التي عبرها يوسف ﵇ ووقعت على نحو ما عبرها. ولما كان في المرائي المنامية ما هو من هذيان المخيلة، سقطت الرؤيا عن درجة الاعتبار، ولم يكن لها في مآخذ الأحكام الشرعية موضع.

стр. 1558

قرر أبو إسحاق الشاطبي: أن رؤيا النبي ﷺ طريق من طرق الوحي الصادق، ثم قال: "وأما أمته، فكل واحد منها غير معصوم، بل يجوز عليه الخطأ والغلط والنسيان، ويجوز أن تكون رؤياه حلماً؛ وكشفه غير حقيقي، وإن تبين في الوجود صدقه، واعتيد ذلك فيه، واطرد، فإمكان الخطأ والوهم بأن. وما كان هذا شأنه، لم يصح أن يقطع به حكم". وإنما كانت رؤيا الأنبياء وحياً؛ لأنهم معصومون من أن يتمثل لهم الباطل في صورة الحق، ولم يجعل الله للشيطان أو الخيال عليهم من سبيل. هذه نظرة في أصل الرؤيا، فإن ذكر الرجل أنه رأى النبي ﷺ في النوم، وأمره بأمر يخالف ما جاء في شريعته، أو أخبره بشيء يخالف ما يعلمه في اليقظة، فليس له التمسك بهذه الرؤيا، بل يأخذ بما جاء في الشريعة الغراء، ويبني على ما يعلمه في اليقظة. فإن قيل: إن رؤية النبي ﷺ في المنام حق؛ لقوله ﷺ : "من رآني في المنام، فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتخيل بي"، فيكون ما يأمر به أمراً حقاً، وما يخبر به خبراً صدقاً. قلنا: إن رؤية النبي ﷺ في النوم قد تكون لمثاله الصادق؛ كرؤيا الصحابي الذي رآه في اليقظة، فانطبع مثاله في نفسه، أو رؤيا من درس صفاته المنقولة في الكتب، فارتسمت منها في نفسه صورة مطابقة، أما رؤياه على غير هذا الوجه، فمحتمل لأن يكون من قبيل تخيل الشيطان، ثم إن رؤيا مثاله الصادق - وإن كانت حقاً - لا يصح الاستناد إليها في حكم شرعي؛ لاحتمال الخطأ والغلط في ضبط المثال في النوم. قال الزركشي في "البحر المحيط": "والصحيح أن المنام لا يثبت حكماً

стр. 1559

شرعياً، ولا ينفيه، وإن كانت رؤية النبي ﷺ حقاً، والشيطان لا يتمثل به، ولكن النائم ليس من أهل التحمل والرواية؛ لعدم تحفظه". والخلاصة: أن من رأى النبي ﷺ على صورة غير مطابقة لشمائله الواردة في اللصحيح، فرؤياه هذه ليست هي الرؤيا التي وصفها النبي ﷺ بأنها حق، فضلاً عن أن تكون مأخذ حكم شرعي. فإن كانت مطابقة لما ورد في شمائله، فهي حق، ويؤخذ بها في نحو التحذير من عمل عرف من دلائل الشريعة أنه سيئ، أو الترغيب في عمل قام الدليل في اليقظة على أنه صالح. فالعمل الذي يذكر الإنسان أنه تلقنه عن النبي ﷺ في النوم، يعرض على دلائل الشريعة، ويوزن بمقاييسها، ويقضى فيه بأصولها؛ ويدخل في هذا الباب: صيغ التسبيح والتهليل؛ فيؤخذ فيها بما يرويه علماء السنّة، وتسعه أدلة الشريعة المتلقاة عنه ﵊ في حال اليقظة. وليس من المقبول أن يكون في بعض صيغ الأذكار المتلقاة في المنام فضل لا يوجد في الصيغ التي تلقاها الصحابة ﵃ في حال اليقظة.

стр. 1560

وجوب العمل بالحديث الشريف (١) كبر على الطائفة التي تظهر الإِسلام، وتخفي الإلحاد، أن يعلنوا إنكار القرآن الكريم، وهو الثابت بالتواتر ثبوتًا لا تحوم حوله شبهة، فذهبوا في تأويله مذهبًا يوافق أهواءهم، ويقضي ماَربهم، ولو خذلتهم قوانين اللغة، وتبرأت منهم أساليب بلاغتها، ثم قصدوا إلى هدم الشريعة من ناحية أخرى، هي: ناحية سنّة رسول الله ﷺ ، فأنكروا وجوب العمل بالحديث، ولفّقوا لإِنكارهم شبهاً هي أحقر من لا شيء. قال أبو نصر بن سلام: ليس شيء أثقل على الإلحاد، ولا أبغض إليها من سماع الحديث، وروايته وإسناده. ونحن نقصد في هذه المحاضرة على تفنيد ما يقوله أولئك المخادعون، ونقيم الحجّة على أن إنكار العمل بالأحاديث النبوية الصحيحة إنما نشأ عن زيغ في العقيدة، فنقول: الحديث الوارد في تقرير حكم شرعي يأتي على ثلاثة أوجه: أولاً: ما يكون موافقاً للقرآن من كل وجهة، فيكون توارد القرآن والحديث على الحكم الواحد من قبيل تظافر الأدلة، وهذا الوجه من التأكيد

стр. 1561

يدل على شدة عناية الشارع بذلك الحكم. ثانياً: ما يكون بياناً لما جاء مجملاً في القرآن، فيتعين الأخذ بهذا البيان متى ورد في الصحيح؛ إذ لا بيان بعد بيان رسول الله ﷺ ، فالله تعالى يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. ومثال هذا: الأحاديث المفصلة لأحكام الصلاة أو الزكاة أو الصيام. ثالثاً: ما يوجب حكماً لم يفهم إيجابه من القرآن؛ كحديث رجم الزاني المحصن، أو يحرم حكماً لم يفهم من القرآن تحريمًا؛ كحديث تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في عصمة، وحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". وهذا النوع من الأحاديث هو الذي نريد بحثه في هذه المحاضرة لوجه خاص. الحديث الشريف إن قرر حكماً سكت عنه القرآن، وجب الأخذ به لأنّ؛ السنّة أصل مستقل بالتشريع، وإن كانت رتبتها دون رتبة القرآن. ولنا على هذا أدلة من القرآن والسنّة، وعمل الخلفاء الراشدين، وغيرهم من الصحابة ﵃. أما القرآن، فقد قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهذه الآية بأخذ كل ما جاء به الرسول ﷺ من أمر، والبعد عن كل ما نهى عنه، سواء أكان أمره أو نهيه بياناً لمجمل القرآن، أم تقريراً لحكم سكت القرآن عنه. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، والأمر بإطاعته بعد الأمر بإطاعة الله يشمل ما أمر به أو

стр. 1562

نهى عنه من أشياء لا يفهم الأمر بها أو النهي عنها من القرآن الكريم. وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. توعدّت الآية من يخالفون أمر رسول الله ﷺ بإصابة الفتنة أو العذاب الأليم، فيتناول هذا الوعيد كل من خالف أمره ﵊، ولا فرق بين أن يكون أمره موافقاً للقرآن، أو مقررًا لحكم لم يدل عليه القرآن، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [النساء: ٥٩]. والظاهر من تفسير الآية: أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى رسول الله ﷺ هو الرد إليه في حال حياته، وإلى سنّته بعد مماته. وأما السنّة، فمنها: قوله ﷺ من حديث في "صحيح الإمام البخاري" ﵁: "فإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم". وأما عمل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة ﵃، فقد جرى على الاستدلال بسنّة رسول الله ﷺ ، وهذا أمر لم يخالف فيه أحد منهم، فمحاورة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب ﵄ في قتال مانعي الزكاة، إنما كانت تدور على التفقه في قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها". فعمر بن الخطاب ﵁ يقول: أموالهم وأنفسهم معصومة؛ لأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأبو بكر الصديق ﵁ ينظر إلى قوله: "إلا بحقها"، فيقول: لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال. وقد عمل الصحابة برواية أبي بكر لحديث: "نحن معاشر الأنبياء

стр. 1563

لا نورث"، وروايته لحديث: "الأنبياء يدفنون حيث يموتون"، وعملوا برواية عبد الرحمن بن عوف بحديث: "أخذ النبي ﷺ الجزية من المجوس". أما قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فالمراد منه: أن القرآن أرشد إلى أحكام كل الوقائع، إما بتفصيل منه مباشرة، وإما بالتنبيه لما يؤخذ منه حكم الواقعة بتفصيل، كما نبّه على أن من مصادر التشريع: سنّة رسول الله ﷺ ، بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقد روى ابن عبد البر في كتاب "جامع بيان العلم وفضله": أن امرأة من بني أسد أتت عبد الله بن مسعود، فقالت له: بلغني أنك لعنت كيت وكيت، والواشمة والمستوشمة، وإني قرأت بين اللوحين، فلم أجد الذي تقول، فقال لها: -أي: عبد الله بن مسعود-: أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ قالت: بلى، قال: فهو ذاك. وروى ابن عبد البر أيضاً: أن عبد الرحمن بن يزيد رأى محرماً عليه ثياب، فنهاه، فقال المحرم: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي، فقرأ عليه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الأحاديث الواردة في أحكام يبدو لنا أن القرآن سكت عنها، إنما هي مبينة لما دل عليه القرآن، غير أن دلالة القرآن على الحكم قد تقصر دونها أفهامنا, ولا يدركها إلا رسول الله ﷺ ، ورووا عن بعض السلف آثاراً ظاهرة في هذا الوجه الذي اختاروه، كما رووا عن سعيد بن جبيرة أنه قال: ما بلغني حديث عن رسول الله ﷺ على

стр. 1564

وجهه، إلا وجدت مصداقه في كتاب الله (١). وقالت طائفة: إن السنّة لا تستقل بتشريع الأحكام، وإنما يقبل منها ما كان موافقاً للقرآن، ويسوق هؤلاء حديثاً هو: "ما أتاكم عني، فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله، فأنا قلته، وإن خالف، فلم أقله". وهذا الحديث موضوع، قال عبد الرحمن بن المهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: "ما أتاكم عني، فاعرضوه على كتاب الله ... " وكذلك قال يحيى بن معين: إن هذا الحديث موضوع، وضعه الزنادقة. وقد عارض هذا الحديث قوم، فقالوا: عرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله، فخالفه؛ لأنّا وجدنا في كتاب الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وإذا وجد حديث غير ثابت، يتشبث به من يتهالكون على هدم أركان التشريع الإسلامي، فان الأدلة من القرآن والسنّة قد تدفقت تدفق السيل الجرّار على أن ما صح من حديث رسول الله ﷺ يجب الوقوف عنده، والعمل به على النحو الذي يهدي إليه العلم بمقاصد الشريعة، والإِلمام بوجوه دلالات الألفاظ العربية وأساليب بلاغتها. وقد وجدنا فيما روي من الأحاديث: أن النبي ﷺ أشار إلى هذه الطائفة التي تزعم أن التشريع مقصور على القرآن الكريم. وروى الحافظ ابن عبد البر في هذا المعنى أحاديث وصلت أسانيدها بثلاثة من الصحابة: المقدام بن معد يكرب، وجابر بن عبد الله، وأبي رافع.

стр. 1565

وحديث المقدام بن معد يكرب: "يوشك رجل منكم متكئاً على أريكته يحدّث بحديث عني، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال، استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام، حرّمناه، ألا وإن الذي حرّم رسولُ الله ﷺ مثلُ الذي حرّم الله" (١). وإذا أقمنا هذا الحديث أمام ذلك الحديث الموضوع، ورجعنا إلى الحجج الدالة دلالة قاطعة على أن السنّة أصل يستقل بالتشريع، عرفت أن منكر العمل بالحديث النبوي إنما هو خارج من دائرة الدين، أو ضالّ عن سبيله بجهالة.

стр. 1566

أسباب وضع الحديث (١) إذا كان في الكذب على عامة الناس قبح شديد، وفساد كبير، فإن الكذب على رسول الله ﷺ أشد قبحًا، وكبر فساداً؛ فإنه ينقص من حكمة الدين، أو يقلب بعض حقائقه، وشر القول ما يفسد على الناس أمر دينهم، ولدرء هذا الفساد على ساحة الشريعة، قال ﷺ : "من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار"، وقد بلغ هذا الحديث من حيث معناه مبلغ التواتر، حتى قال السيوطي: روى هذا الحديث أكثر من مئة من الصحابة ﵃. وقد اختلف العلماء في حكم الكذب على رسول الله ﷺ ، فذهب الجمهور إلى أنه معصية كبرى، وذهب بعضهم - كأبي محمد الجويني والد إمام الحرمين- إلى أن من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ يكفر كفراً يخرجه عن الملّة. والصواب ما ذهب إليه الجمهور. ومع شدة هذا الوعيد قد دخل الوضع في الأحاديث لأغراض شتى. وضع الزنادقة أحاديث تناقض المحسوس، أو تصادم القواعد العلمية الصحيحة؛ ليدخلوا الريبة في نفوس ضعفاء الأحلام؛ كحديث: "الباذنجان شفاء من كل داء" فقد ذكر مُلاّ علي قاري: أنه من وضع الزنادقة، ومن

стр. 1567

هؤلاء الزنادقة: محمد بن سعيد الشامي، ومن موضوعاته: أنه جاء إلى حديث: "أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" وزاد فيه: "إلا أن يشاء الله". وقد يضع بعضهم أحاديث؛ ليأخذ بها الناس إلى نحلته أو ملته؛ كحديث: "لو أحسن أحدكم ظنّه بحجر، لنفعه"، فقد قال ابن القيم: هو من كلام عباد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالأحجار، وقال ملّا علي قاري: إنه من وضع المشركين عباد الأوثان. وقد يخترع بعض أصحاب الأهواء أحاديث يؤيدون بها مذاهبهم؛ كما قال بعض من كان على مذهب الخوارج، ثم تاب: "إن هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم؛ فإنا كنا إذا هوينا أمراً، صيّرناه حديثاً". ومن أسباب وضع الحديث: قصد التقرب من بعض الرؤساء، مثلما صنع غياث بن إبراهيم حين رأى المهديّ معجبًا بالحَمام، فروى له حديث: "لا سبقَ إلا في خف، أو حافر، أو نصل"، وزاد فيه: "أو جناح"، فأدرك المهدي كذبه، وأمر بذبح الحمام. ودخل الإِمام ابن شهاب الزهريّ على الوليد بن عبد الملك، فسأله عن حديث: "إن الله إذا استرعى عبدًا الخلافة، كتب له الحسنات، ولم يكتب له السيئات"، فقال له: هذا كذب، ثم تلا ابن شهاب قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] , فقال الوليد: "إن الناس ليغروننا عن ديننا". ومن أسباب الوضع: الغلو في الحب والتشيّع؛ كالأحاديث الموضوعة في فضل الإمام علي - كرم الله وجهه - أو معاوية بن أبي سفيان ﵁، وغيرهما،

стр. 1568

ومن هذا القبيل: الأحاديث الواردة في فضل بعض البلاد؛ كفاس، ومصر، وعسقلان. وربما كان الباعث على الوضع: داعية بغض أو حسد؛ كما وضع سعد بن طريف حديث: "معلمو صبيانكم شراركم" حين رأى ابنه يبكي، وقال له: ضربني المعلم. ومن الدواعي إلى الوضع: ترويج ما يتعاطاه الواضع للحديث من بعض المصنوعات؛ كحديث "أتيت بهريسة فأكلتها، فزادت في قوتي ... إلخ"، فقد وضعه محمد بن الحجّاج اللخمي، وكان صاحب هريسة، وغالب طرق الحديث يدور عليه، ثم سرقه منه كذابون آخرون. وقد يضع الحديث بعض الأغبياء؛ للحث على خير، أو الكف عن شر؛ بزعم أن هذا النوع من الوضع لا يدخل في الكذب على النبي ﷺ المتوعَّد عليه بتبوء المقعد في النار؛ كما وضع أبو عصمة المروزي أحاديث في فضائل سور من القرآن، وقال: إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن، فوضعت هذه الأحاديث حسبة. وليس قصد هؤلاء لحمل الناس على عمل الخير بمنجيهم من وعيد الكذب على النبي ﷺ . وقد بذل علماء الحديث عنايتهم في نقد الأحاديث، وتمييز صحيحها من ضعيفها، وضعيفها من موضوعها، ففتحوا باب الجرح في الرواية"ولم يخشوا أن يكون ذلك من باب الغيبة، أو الطعن في الأعراض. قيل ليحيى بن سعيد القطان: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذي تركت حديثهم خصماء لك عند الله تعالى؟ فقال: لأن يكون هؤلاء خصمائي، أحبُّ إليّ من أن يكون النبي ﷺ خصمي، يقول: لم لم تَذُبَّ الكذب عن حديثي.

стр. 1569

وقيل لشعبة: هذا الذي تتكلم في الناس، أليس هو غيبة؟ فقال: يا أحمق! هذا دين، وتركه محاباة. وقال محمد بن بندار الجرجاني لأحمد بن حنبل: إنه ليشتد عليّ أن أقول: فلان ضعيف، وفلان كذاب، فقال أحمد: إذا سكتَّ أنت، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟. والخلاصة: أن علماء الحديث قد نقدوا الأحاديث، ووضعوا كل حديث في مرتبته، وبينوا الرواة الضعفاء الوضّاعين، فما من حديث يعرض لك إلا كان في ميسورك أن ترجع فيه إلى كتبهم، فتعرف هل هو صحيح، أو ضعيف، أو موضوع.

стр. 1570

الحديث المتواتر وحكم مما رواه الإمامان البخاري ومسلم (١) سؤال (١) - ما هي الأحاديث التي حازت درجة التواتر بالإجماع، أو ما هو أقرب إلى الإجماع؟ جواب: الحديث المتواتر: ما يرويه جمع يحيل العقل- نظراً إلى العادة- تواطؤهم على الكذب، ولا بد من تحقيق هذا الشرط في كل طبقة من ابتداء الرواية إلى من أخبروا يقول النبي ﷺ ، أو فعله، أو حال من أحواله، وإذا كان ما يرويه كل واحد من الجمع هو ما يرويه الاخرون بعينه، سمّي: تواتراً لفظياً، وإذا اختلف ما يرويه الجماعة في اللفظ، ولكن أخبارهم تتوارد على معنى مشترك بينها، فهو التواتر المعنوي. وقد نفى بعض أهل العلم أن يكون في السنّة حديث متواتر تواتراً لفظياً. وقال ابن الصلاح: إنه عزيز الوجود، وذكر حديث: "من كذب عليّ متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار"، وقال: نراه مثالاً للتواتر اللفظي، فإنه نقله من الصحابة العدد الجم، وهو في "الصحيحين" مروي عن جماعة منهم (٢). ولم يرتض بعض الحفّاظ ما قاله ابن الصلاح، وأورد للتواتر اللفظي

стр. 1571

أحاديث كثيرة: منها: حديث: "نضر الله أمرأً سمع مقالتي فوعاهاها"، وحديث: "نزل القرآن على سبعة أحرف"، وحديث الشفاعة، وحديث الحوض، وحديث رؤية الله في الآخرة. ومما أوردوه مثالاً للتواتر المعنوي: حديث رفع اليدين في الدعاء؛ فقد روح فيه نحو مئة حديث، ولكنها في وقائع مختلفة، فكل واقعة منها لم تتواتر، إلا أن القدر المشترك فيها - وهو الرفع - متواتر بالنظر إلى مجموعة الروايات. ولا يضر أن لا تكثر في الشريعة الأحاديث المتواترة تواتراً لفظياً؛ لأن التواتر المعنوي يكفي في الاحتجاج على ما يرجع إلى العلم والاعتقاد، وخبر الآحاد يكفي في الاستدلال على ما يرجع إلى الأحكام العملية. * * * سؤال (٢) - هل يكفر المسلم إذا أنكر حديثاً صحيحاً أو متواتراً؟. جواب: لا يكفر منكر حديث الآحاد، ولو كان صحيحاً، ومتى كان إنكاره للحديث الصحيح عن هوى في النفس، أو تعصب لرأي، فهو فاسق آثم. وأما الحديث المتواتر، فإن جرى الخلاف في تواتره، فلا يكون منكره خارجاً عن حوزة الدين، وهو فاسق؛ كمنكر خبر الآحاد لهوى في نفسه، أو تعصب لرأيه، وإذا وجد حديث انعقد الإجماع على تواتره، وأصبح حكمه في جملة المعروف بين خاصة المسلمين وعامتهم، كان إنكاره كفراً، وهذا الحكم في إنكار كل ما أجمع المسلمون على إسناده إلى رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو هيئة، وتناقلوه جيلاً بعد جيل؛

стр. 1572

كعدد الصلوات الخمس وركعاتها، ومناسك الحج؛ من نحو: الطواف، والوقوف بعرفة. * * * سؤال (٣) - هل يمكن القول: إن كل ما في "الصحيحين"- البخاري ومسلم- من الأحاديث الشريفة على وجه القطع واليقين من رسول الله ﷺ ؟. جواب: ذهب ابن الصلاح إلى أن ما رواه الشيخان: البخاري ومسلم، بإسناد متصل، أو رواه أحدهما كذلك، مقطوعُ بصحته؛ لاتفاق الأمة على تلقيهما بالقبول، والأمة لا تتفق على خطأ، وأما ما يروى فيهما معلقاً، وهو ما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، فلا يبلغ مرتبة القطع عنده؛ كما استثني من المقطوع بصحته ما تكلم فيه من أحاديثهما، وهي مئتان وعشرون حديثاً، وقد أفرد الحافظ العراقي هذه الأحاديث بكتاب تصدى فيه للجواب عنها، وتعرض الحافظ ابن حجر في مقدمة "فتح الباري" لما طعن فيه من أحاديث "الجامع الصحيح" للإمام البخاري، ودفع ما وجه إليها من مأخذ بتفصيل. ونازع الإِمام النووي ابن الصلاح في دعوى أن ما رواه الشيخان إلا ما استثني مقطوع بصحته، وقال: إن المحققين والأكثرين يذهبون إلى أن صحة ما روياه مظنونة، إلا أن يكون متواتراً، وأما تلقي الأمة لهما بالقبول، فلأن ما روياه يفيد ظنًا، والظن كاف في تقرير الأحكام العملية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، محمول على ما يرجع إلى أصول الدين؛ لأنه يقصد منها العلم واليقين، أما الأحكام العملية، فإنما تراد للعمل، فيكفي فيها الاستناد إلى ما يفيد الظن. على أن الشارع إذا جعل ظن الحكم

стр. 1573

علامة على تقديره، كان الحكم عند وجود الظن معلوماً قطعاً، وكان العامل على هذا الحكم ممتثلاً للأمر بلا شبهة. ومزية "الصحيحين" على هذا المذهب في أن ما روي فيهما صحيح لا يحتاج إلى النظر والبحث؛ بخلاف ما يروى في غيرهما من كتب الحديث، فإنما يعتمد في الاستدلال بعد النظر في سنده ومعرفة رتبته. والحق أن في الأحاديث التي لا تبلغ مبلغ التواتر ما يأخذ حكم المتواتر في إفادة العلم، وهو ما يكون رواته من الصدق والضبط في مرتبة يطمئن بها السامع إلى روايتهم اطمئنانًا لا يخالجه تردد، فالعلم يحصل من كثرة رواة الخبر تارة، ويحصل من تحقق أمانتهم وضبطهم تارة أخرى، وجمهور ما في البخاري ومسلم من هذا القبيل، وهذا ما يسميه بعض الحفاظ: متواتراً خاصًا؛ نظراً إلى أن أهل الحديث قد يحصل لهم العلم برواية رجلين عرفا بالاستقامة والضبط ما يحصل لغيرهم من رواية جمع كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب، ويعتبر في هذا يقول الإمام مالك ﵁: "إذا سمعت الخبر من نافع، لا أبالي أن لا أسمعه من غيره"، ونحن نعلم أن من أئمة الحديث من يأخذون في الرواية بما هو الأحوط، فلا يكتفون بصدق الراوي وتقواه وورعه حتى يعرف بالضبط لما يحفظ، والإتقان لما يروي، قال الإمام مالك: أدركت بالمدينة أقواماً لو استُسقي بهم القطر، لسُقوا، قد سمعوا الحديث كثيراً، وما حدَّثتُ عن واحد منهم شيئاً؛ لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم الزهد، وهذا الشأن -يعني الحديث- يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وإتقان، وعلم وفهم، فأما رجل بلا إتقان ولا معرفة، فلا ينتفع به، ولا هو حجّة. ونلخص القول: أن ما رواه الشيخان متصل الإسناد من طريقين فأكثر،

стр. 1574

وتلقاه نقّاد الحديث بالقبول، يفيد العلم بصحة نسبته إلى النبي ﷺ ؛ كخبر الآحاد الذي تحتف به قرائن الصدق، فلا تبقي لمتلقيه شيئاً من التردد في صحته.

стр. 1575

اجتهاد ابن القاسم (١) سؤال: نجد في كتب الفقه مسائل يجتمع فيها قول الإِمام مالك، وقول ابن القاسم تلميذِه، فيقولون: قول مالك ضعيف، وقول ابن القاسم هو المعتمد. فهل قول ابن القاسم هذا معدود من أقوال الإِمام، أم لا؟ فإذا كان قوله استنبطه من أقوال إمامه، فكيف يصح العزو إليه، ويجعل مقابلاً لقول الإِمام، ورداً عليه؟ وإذا كان من عند نفسه، فكيف يسوغ لنا أن نترك قول إمام المذهب، وتتبع قول تلميذه؟ وكيف نجترئ ونقول: قول الإمام ضعيف، وقول تلميذه هو المعتمد، ومن اعتمد هذا، وضعف ذاك؟ الجواب: يقسم علماء الشريعة المجتهد إلى: مجتهد مطلق، وهو الذي يرجج في تقرير الحكم إلى الكتاب والسنّة، وما يرجع إليهما من الأقيسة "الصحيحة" والقواعد القاطعة، ومجتهد مذهب، وهو الذي يجري على طريقة إمامه في الاستدلال، فيراعط قواعده، وما يراه شرطاً لصحة الاستنباط. وقد جرى خلاف في ابن القاسم هل هو مجتهد مطلق، أو مقيد بطريقة الإِمام مالك في الاستدلال؟

стр. 1576

قال المقري: "شهدت مجلس أبي تاشفين صاحب تلمسان، فذكر فيه أبو زيد بن الإِمام: أن ابن القاسم مقلّد لمالك، ونازعه أبو موسى بن عمران، وادعى أنه مطلق الاجتهاد، واحتج بمخالفته لمالك في كثير من المسائل، وذكر منها نظائر". وكذلك استدلّ ابن عبد السلام على أن ابن القاسم مجتهد مطلق بمخالفته للإمام في كثير من الأحكام، وخالفه ابن عرفة، ونفى عنه الاجتهاد المطلق، وقال: إن بضاعة ابن القاسم في الحديث مُزجاة. والظاهر من سيرة ابن القاسم في الفتوى: أنه يجري في اجتهاده على قواعد مذهب الإمام مالك؛ فإنه كان يقول للمستفتي: سمعت مالكاً يقول كذا، أو بلغني عنه كذا، ومسألتك مثلها، وهذه طريقة مجتهد المذهب. ولا يخرجه عن مرتبة الاجتهاد في المذهب أنه يخالف الإمام مالكاً في بعض المسائل؛ كما قال فيما كان من شأن الرجل والمرأة من متاع البيت: إنه يقسم بينهما عند التنازع بعد أيمانهما؛ لاشتراكهما في وضع اليد عليه، ومذهب مالك: أنه للرجل حتى تقيم المرأة البينة؛ لأن البيت بيته. وكما قال فيمن لم يوص به الأب إلى أحد، ولم يقدم عليه الحاكم من ينظر في أمره: إنه ينظر في حاله يوم بيعه وابتياعه، فإن كان رشيداً، جازت أفعاله، وإن كان سفيهاً، لم يجز منها شيء، ومذهب مالك: أن أفعاله كلها بعد البلوغ جائزة نافذة، رشيداً كان أو سفيهاً. وكما قال فيمن قال لعبده: أنت حر، وعليك مئة دينار: هو حر، ولا يتبع بشيء. ومذهب مالك: أن العبد حر، وتبقى المئة في ذمته. فأمثال هذه المخالفة محمولة على أنه رأى ما أفتى به الإمام غير جار

стр. 1577

على قواعده، فأفتى بما يراه المطابق لقواعد مذهب الإمام، ومقتضى هذا: أنه يرى الإمام غير مصيب في استنباط هذا الحكم الخاص، وليس في هذا غضاضة على الإمام مالك؛ فإنه لا يدعي لنفسه العصمة، ولا أن أهل العلم من أصحابه يعتقدون فيه أنه لا يخطئ في حال، وقد نقل عنه أنه قال: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيى، فما وافق الكتاب والسنّة، فخذوا به، وما لم يوافق، فاتركوه"، وإذا كان عمر بن الخطاب ﵁ قد غفل عن قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] , فأراد تحديد المهور حتى ذكرته بها امرأة، فرجع عن رأيه، فمن المحتمل أن يقع الإِمام مالك أو غيره من الأئمة في خطأ الاجتهاد، ولأصحابه من بعده أن ينقدوا فتواه، حتى إذا وجدوها غير مطابقة لقواعده، ردوها إلى أصلها، وصح من هذا الوجه نسبة الحكم الذي يقرره بعض أصحابه إلى مذهبه. وقد رجع الإمام نفسه في مسائل، فأفتى فيها بغير ما أفتى به أولاً، وهذه المسائل معروفة في كتب الفقه، وربما اعتمد أصحابه القول الذي رجع عنه، حيث يظهر لهم أنه أوضح دليلاً، وأقوم قيلاً. ومن يرى أن الاجتهاد المطلق يتجزأ، على معنى: أن في الفقهاء من يبلغ رتبة الاجتهاد في باب دون باب، وأن له أن يأخذ باجتهاده في الباب الذي استطاع فيه الاجتهاد، قد يحمل مخالفة ابن القاسم للإمام مالك على أنها من قبيل الاجتهاد في أبواب بلغ فيها رتبة الاجتهاد بإطلاق، ثم إن الفقهاء الذين جاؤوا بعد ابن القاسم، ولم يقصروا على درجة الترجيح، قد يرون في قول ابن القاسم رجحانًا، فيأخذون به، ويعدون قول الإمام تجاهه ضعيفاً. والخلاف الذي جرى في اجتهاد ابن القاسم قد جرى في الإمام أشهب،

стр. 1578

فذهب بعضهم إلى أنه مجتهد مطلق، واستدل على هذا بمخالفته للإمام مالك في كثير من المسائل، ويروى: أنه سئل عن مسألة من باب العتق، فافتى فيها بما يخالف مذهب الإِمام مالك، ولما ذكر له قول الإمام، قال: "وإن قاله مالك، فلسنا له بمماليك" والظاهر أن أشهب كابن القاسم، يجتهد في بعض المسائل على مقتضى أصول مالك، وإذا خالف الإمام، أو نفى أن يكون مملوكًا له، فلأنه يرى أن الأصول قد تقضي بغير ما أفتى به الإمام، وتمنعه من أن يتبعه في كل ما يفتي به متابعةَ العبد لمالكه، وقد رأينا كثيراً من المالكية؛ كأبي بكر بن العربي، وعبد الحميد الصائغ قد يأخذون بغير مذهب مالك في المسائل التي يظهر لهم أن أدلة غيره فيها أرجح من أدلته وأقوى.

стр. 1579

ليلة النصف من شعبان (١) سؤال: (١) لماذا يحتفل المسلمون في المساجد بإحياء ليلة النصف من شعبان من سائر ليالي العام؟ (٢) وهل ما يتلى من الدعوات، ويصلى من الركعات بين المغرب والعشاء من هذه الليلة بنية طول العمر، ودفع البلاء، والاستغناء عن الناس، ورد فيه نص شرعي؟ سؤال: ما السبب في إحياء ليلة النصف من شعبان، وصوم يومه، والتهليل فيها بالقراءة والأدعية والذكر، وجعلها في مصاف ليالي العيدين؟ سؤال: ما هي الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، ويبرم، هل هي ليلة القدر، أو ليلة النصف من شعبان؟ الجواب: احتفال المسلمين في المساجد بإحياء ليلة النصف من شعبان، لم يكن في عهد النبي ﷺ ، ولا في عهد الصحابة ﵃، والوارد: أن خالد ابن معدان، ومكحولاً الشاميّ من التابعين، كانا يجتهدان ليلة النصف من شعبان في العبادة، ولما اشتهر ذلك عنهما، اختلف الناس في تعظيم هذه الليلة وإحيائها بالعبادة، فمنهم من أقره، ومنهم من أنكره، والمقرّون على

стр. 1580

طائفتين: طائفة تذهب إلى استحباب إحيائها جماعة في المسجد، وممن وافق على هذا: إسحاق بن راهويه، وطائفة تكره الاجتماع لها في المسجد، ولا يكرهون للرجل أن يحيى تلك الليلة في الصلاة وحده، وهذا ما اختاره الأوزاعي إمام أهل الشام. والمنكرون لتخصيص هذه الليلة بتعظيم هم طائفة من علماء الحجازة كعطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، وفقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم. أما القائلون بإحياء هذه الليلة بالعبادة، فإنهم يستندون إلى أحاديث وردت في فضلهاة كحديث: "إن الله (١) ينزل إلى سماء الدنيا ليلة النصف من شعبان، فيغفر لأكثر من شعر غنم كلب". وحديث: "إن الله (٢) يطلع إلى عباده في ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد لحقدهم حتى يدعوه". وهذه الأحاديث قد صرح علماء الحديث بضعفها، فمن يستند إليها في فضل ليلة النصف من شعبان، فلأنه لا يعترف بضعفها، أو لأن الأحاديث الضعيفة تكفي لأن يستند إليها في فضائل الأعمال. ثم إن من أجاز إحياءها جماعة في المساجد يبني على أن لا بأس بصلاة النوافل في جماعة، وقد نص الإِمام الشافعي ﵁ في "مختصر البويطي" و"الربيع" على أن لا بأس بالجماعة في النافلة، وقد ورد في هذا أحاديث صحيحة؛ كحديث عتبان بن مالك، وغيره.
следующие страницы →