← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قال المقري: "شهدت مجلس أبي تاشفين صاحب تلمسان، فذكر فيه أبو زيد بن الإِمام: أن ابن القاسم مقلّد لمالك، ونازعه أبو موسى بن عمران، وادعى أنه مطلق الاجتهاد، واحتج بمخالفته لمالك في كثير من المسائل، وذكر منها نظائر". وكذلك استدلّ ابن عبد السلام على أن ابن القاسم مجتهد مطلق بمخالفته للإمام في كثير من الأحكام، وخالفه ابن عرفة، ونفى عنه الاجتهاد المطلق، وقال: إن بضاعة ابن القاسم في الحديث مُزجاة. والظاهر من سيرة ابن القاسم في الفتوى: أنه يجري في اجتهاده على قواعد مذهب الإمام مالك؛ فإنه كان يقول للمستفتي: سمعت مالكاً يقول كذا، أو بلغني عنه كذا، ومسألتك مثلها، وهذه طريقة مجتهد المذهب. ولا يخرجه عن مرتبة الاجتهاد في المذهب أنه يخالف الإمام مالكاً في بعض المسائل؛ كما قال فيما كان من شأن الرجل والمرأة من متاع البيت: إنه يقسم بينهما عند التنازع بعد أيمانهما؛ لاشتراكهما في وضع اليد عليه، ومذهب مالك: أنه للرجل حتى تقيم المرأة البينة؛ لأن البيت بيته. وكما قال فيمن لم يوص به الأب إلى أحد، ولم يقدم عليه الحاكم من ينظر في أمره: إنه ينظر في حاله يوم بيعه وابتياعه، فإن كان رشيداً، جازت أفعاله، وإن كان سفيهاً، لم يجز منها شيء، ومذهب مالك: أن أفعاله كلها بعد البلوغ جائزة نافذة، رشيداً كان أو سفيهاً. وكما قال فيمن قال لعبده: أنت حر، وعليك مئة دينار: هو حر، ولا يتبع بشيء. ومذهب مالك: أن العبد حر، وتبقى المئة في ذمته. فأمثال هذه المخالفة محمولة على أنه رأى ما أفتى به الإمام غير جار

стр. 1577

على قواعده، فأفتى بما يراه المطابق لقواعد مذهب الإمام، ومقتضى هذا: أنه يرى الإمام غير مصيب في استنباط هذا الحكم الخاص، وليس في هذا غضاضة على الإمام مالك؛ فإنه لا يدعي لنفسه العصمة، ولا أن أهل العلم من أصحابه يعتقدون فيه أنه لا يخطئ في حال، وقد نقل عنه أنه قال: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيى، فما وافق الكتاب والسنّة، فخذوا به، وما لم يوافق، فاتركوه"، وإذا كان عمر بن الخطاب ﵁ قد غفل عن قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] , فأراد تحديد المهور حتى ذكرته بها امرأة، فرجع عن رأيه، فمن المحتمل أن يقع الإِمام مالك أو غيره من الأئمة في خطأ الاجتهاد، ولأصحابه من بعده أن ينقدوا فتواه، حتى إذا وجدوها غير مطابقة لقواعده، ردوها إلى أصلها، وصح من هذا الوجه نسبة الحكم الذي يقرره بعض أصحابه إلى مذهبه. وقد رجع الإمام نفسه في مسائل، فأفتى فيها بغير ما أفتى به أولاً، وهذه المسائل معروفة في كتب الفقه، وربما اعتمد أصحابه القول الذي رجع عنه، حيث يظهر لهم أنه أوضح دليلاً، وأقوم قيلاً. ومن يرى أن الاجتهاد المطلق يتجزأ، على معنى: أن في الفقهاء من يبلغ رتبة الاجتهاد في باب دون باب، وأن له أن يأخذ باجتهاده في الباب الذي استطاع فيه الاجتهاد، قد يحمل مخالفة ابن القاسم للإمام مالك على أنها من قبيل الاجتهاد في أبواب بلغ فيها رتبة الاجتهاد بإطلاق، ثم إن الفقهاء الذين جاؤوا بعد ابن القاسم، ولم يقصروا على درجة الترجيح، قد يرون في قول ابن القاسم رجحانًا، فيأخذون به، ويعدون قول الإمام تجاهه ضعيفاً. والخلاف الذي جرى في اجتهاد ابن القاسم قد جرى في الإمام أشهب،

стр. 1578

فذهب بعضهم إلى أنه مجتهد مطلق، واستدل على هذا بمخالفته للإمام مالك في كثير من المسائل، ويروى: أنه سئل عن مسألة من باب العتق، فافتى فيها بما يخالف مذهب الإِمام مالك، ولما ذكر له قول الإمام، قال: "وإن قاله مالك، فلسنا له بمماليك" والظاهر أن أشهب كابن القاسم، يجتهد في بعض المسائل على مقتضى أصول مالك، وإذا خالف الإمام، أو نفى أن يكون مملوكًا له، فلأنه يرى أن الأصول قد تقضي بغير ما أفتى به الإمام، وتمنعه من أن يتبعه في كل ما يفتي به متابعةَ العبد لمالكه، وقد رأينا كثيراً من المالكية؛ كأبي بكر بن العربي، وعبد الحميد الصائغ قد يأخذون بغير مذهب مالك في المسائل التي يظهر لهم أن أدلة غيره فيها أرجح من أدلته وأقوى.

стр. 1579

ليلة النصف من شعبان (١) سؤال: (١) لماذا يحتفل المسلمون في المساجد بإحياء ليلة النصف من شعبان من سائر ليالي العام؟ (٢) وهل ما يتلى من الدعوات، ويصلى من الركعات بين المغرب والعشاء من هذه الليلة بنية طول العمر، ودفع البلاء، والاستغناء عن الناس، ورد فيه نص شرعي؟ سؤال: ما السبب في إحياء ليلة النصف من شعبان، وصوم يومه، والتهليل فيها بالقراءة والأدعية والذكر، وجعلها في مصاف ليالي العيدين؟ سؤال: ما هي الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، ويبرم، هل هي ليلة القدر، أو ليلة النصف من شعبان؟ الجواب: احتفال المسلمين في المساجد بإحياء ليلة النصف من شعبان، لم يكن في عهد النبي ﷺ ، ولا في عهد الصحابة ﵃، والوارد: أن خالد ابن معدان، ومكحولاً الشاميّ من التابعين، كانا يجتهدان ليلة النصف من شعبان في العبادة، ولما اشتهر ذلك عنهما، اختلف الناس في تعظيم هذه الليلة وإحيائها بالعبادة، فمنهم من أقره، ومنهم من أنكره، والمقرّون على

стр. 1580

طائفتين: طائفة تذهب إلى استحباب إحيائها جماعة في المسجد، وممن وافق على هذا: إسحاق بن راهويه، وطائفة تكره الاجتماع لها في المسجد، ولا يكرهون للرجل أن يحيى تلك الليلة في الصلاة وحده، وهذا ما اختاره الأوزاعي إمام أهل الشام. والمنكرون لتخصيص هذه الليلة بتعظيم هم طائفة من علماء الحجازة كعطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، وفقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم. أما القائلون بإحياء هذه الليلة بالعبادة، فإنهم يستندون إلى أحاديث وردت في فضلهاة كحديث: "إن الله (١) ينزل إلى سماء الدنيا ليلة النصف من شعبان، فيغفر لأكثر من شعر غنم كلب". وحديث: "إن الله (٢) يطلع إلى عباده في ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد لحقدهم حتى يدعوه". وهذه الأحاديث قد صرح علماء الحديث بضعفها، فمن يستند إليها في فضل ليلة النصف من شعبان، فلأنه لا يعترف بضعفها، أو لأن الأحاديث الضعيفة تكفي لأن يستند إليها في فضائل الأعمال. ثم إن من أجاز إحياءها جماعة في المساجد يبني على أن لا بأس بصلاة النوافل في جماعة، وقد نص الإِمام الشافعي ﵁ في "مختصر البويطي" و"الربيع" على أن لا بأس بالجماعة في النافلة، وقد ورد في هذا أحاديث صحيحة؛ كحديث عتبان بن مالك، وغيره.

стр. 1581

وأما من أجاز إحياءها للناس فرادى دون اجتماع لها في المساجد، فلعله يرى رأي الإمام مالك ﵁ في أن لا تصلى النوافل جماعة حيث تشتهر، أو أن يجمع لها الناس، روى ابن وهب عن مالك: أنه لا بأس بأن يؤم النفر في النافلة، فأما أن يكون مشتهراً، ويجمع له الناس، فلا. قال الحافظ ابن حجر: وهذ بناء منه على قاعدة سد الذرائع؛ كراهة أن يظن من لا علم عنده أن ذلك فريضة، ويستثنى قيام رمضان؛ لاشتهار ذلك من فعل الصحابة. أما المنكرون لأن يكون لهذه الليلة فضل على غيرها، فلأنه لم يثبت عندهم في فضلها حديث. قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام": "وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه، لا في فضلها, ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليه". وقال في كتاب "العارضة": "وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يساوي سماعه". هذه مذاهب أهل العلم في تعظيم ليلة النصف من شعبان. وأما الصلاة المخصوصة التي يعمد إليها بعض الناس في هذه الليلة، فقد ورد حديثها في "الإحياء" لأبي حامد الغزالي، و"قوت القلوب" لأبي طالب المكي، ولكن جماعة من الحفّاظ صرحوا بأن حديثها موضوع. قال الحافظ ابن الجزري في "الحصين": "وأما صلاة الرغائب أول خميس من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وصلاة ليلة القدر من رمضان، فلا تصح، وسندها موضوع باطل".

стр. 1582

وقال الإمام النووي في كتاب "المجموع": "الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مئة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب "قوت القلوب"، و"إحياء علوم الدين"، ولا بالحديث المذكور فيهما؛ فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة، فصنف ورقات في استحبابهما؛ فإنه غالط في ذلك، وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي كتاباً نفيساً في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد". والليلة المباركة الواردة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣ - ٤] هي ليلة القدر، وتفسيرها بليلة النصف من شعبان ينسبه بعض المفسرين إلى عكرمة، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان؛ كما روى عكرمة، فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن في أنها في رمضان". وقال القاضي أبو بكر بن العربي: (وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر، ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان، وهو باطل؛ لأن الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] , فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عبر عن وقتية الليل هنا، فقال: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. ويتلخص الجواب: في أن ليلة النصف من شعبان ليست هي الليلة المرادة بالليلة المباركة الواردة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. وأن الصلاة المخصوصة التي يفعلها بعض الناس قد طعن كثير من الحفاظ

стр. 1583

في صحة حديثها، وأدخلوها في قبيل البدعة التي هي طريقة في الدين تخترع ليضاهى بها الطريقة الشرعية. أما إحياء الرجل لها بالعبادة في جملة ما يتيسر له إحياؤه من الليالي؛ رجاء أن يكون لها في استجابة الدعاء وقبول العبادة المزية التي وردت في أحاديث فضلها، فليس فيه من بأس، وهذه الأحاديث تكفي داعياً للإقبال فيها على العبادة، وتنفي أن يكون قيام الرجل فيها بشيء من العبادة المطلقة عن التقييد بعدد معين، أو هيئة مخصوصة، بدعة، وإن لم تبلغ هذه الأحاديث درجة الصحيح.

стр. 1584

نظرة في أحاديث المهدي (١) وردت أحاديث تنبئ بظهور رجل في آخر الزمان يقيم العدل، ويحكم الناس بالشريعة، وسمي في بعض هذه الأحاديث بالمهدي، وكثيراً ما يتشوف الناس إلى أن يقفوا على حقيقة هذه الأحاديث الواردة في شأنه، ويعرفوا موقعها من الصحة، ولا سيما عندما يقوم شخص يدعي المهدوية، أو تحدث حادث غريبة؛ كحادثة هذه الأيام، تدعو الناس إلى أن يجعلوا لها نصيباً من الحديث في مجالسهم. ذلك ما دعاني - بصفة أني كنت مدرساً للحديث وعلوم الحديث في كلية أصول الدين - إلى أن أعرض في هذه المحاضرة ما وصل إليه بحثي، واستقر عليه نظري في هذه القضية مستنداً إلى القواعد الصحيحة التي تضع كل حديث موضعه، غير غافل عما يترتب على بعض الاعتقادات من فساد في العلم، أو يجول في النفس من شبه يثيرها الوهم، فأقول: الأحاديث النبوية منها ما يسمّى بالحديث المتواتر، وهو ما يرويه عن النبي ﷺ جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، ومنها خبر الآحاد، وهو ما يرويه الثقة العدل عن النبي ﷺ .

стр. 1585

وما يدعو إليه الدين الحق، إما أن يكون أصلاً من أصول الدين؛ أي: لا تتم حقيقة الإيمان إلا به، وهذا لا يحتج عليه إلا بالحديث المتواتر، وإما أن يكون حكماً عملياً؛ كأن يقال: هذا واجب، أو حرام، أو جائز، وهذا موضع الاحتجاج بخبر الآحاد، ويلحق بالأحكام العملية - في صحة الاحتجاج عليه بخبر الآحاد - أشياء يخبر بها الشارع؛ ليعلمها الناس من غير أن يتوقف صحة إيمانهم على معرفتها، ومن هذا القبيل: حديث المهدي، فإذا ورد حديث صحيح عن النبي ﷺ بأنه سيقع في آخر الزمان كذا، حصل به العلم، ووجب الوقوف عنده من غير حاجة إلى أن يكثر رواة هذا الحديث حتى يبلغ مبلغ التواتر. والأحاديث الواردة في شأن المهدي على وجهين: أحاديث صرح فيها باسم المهدي؛ كحديث أبي سعيد الخدري ﵁: "المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً". وأحاديث لم يصرح فيها بهذا الاسم، وإنما أشير إليه فيها بصفات خاصة؛ كحديث: "لو لم يبق من الدهر إلا يوم، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً". ولم يرو في "الجامع الصحيح" للإمام البخاري حديث في شأن المهدي، وإنما ورد في "صحيح مسلم" حديث لم يصرح فيه باسمه، وحمله بعضهم على أن المراد منه: المهدي المصرح به في غيره من كتب السنة، وهو حديث جابر بن عبد الله، إذ قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، لا يعده عدداً"، وفي رواية عن جابر، وأبي سعيد الخدري في "مسلم" أيضاً: "يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال، ولا يعده".

стр. 1586

وقد روى أحاديث المهدي المصرَّح فيها باسم المهدي، أو المشار فيها إلى بعض صفاته بقية كتب الحديث، فرواها الإمام أحمد بن حنبل، والحاكم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والطبراني، وأبو نعيم، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى، والدارقطني، والبيهقي، ونعيم بن حماد، وغيرهم. وجمعت هذه الأحاديث في رسائل مستقلة؛ مثل: "العرف الوردي في أخبار المهدي" للسيوطي، و"القول المختصر في علامات المهدي المنتظر" لابن حجر الهيثمي، و"البرهان في علامات مهدي آخر الزمان" لابن حسام الدين أحد تلاميذ ابن حجر، و"المورد الوردي في حقيقة المهدي" لملا علي قاري، و"التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح" للشوكاني. وأول من اتجه إلى نقد أحاديث المهدي فيما عرفناه: أبو زيد عبد الرحمن ابن خلدون، فقد ذكر في "مقدمة تاريخه": أن في الناس من أنكروا أحاديث المهدي، وتكلموا فيها، وأورد منها ثمانية وعشرين حديثاً، وقد منعه ما اعتاده من تحقيق البحث في القضايا العلمية أن يحكم عليها كما يفعل غير أهل العلم بأنها غير ثابتة، بل تصدى إلى نقدها بنقل ما قدح به أهل الفن في بعض رواتها، وأورد من بينها حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض جوراً وظلماً وعدواناً، ثم يخرج من أهل بيتي رجل يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً"، وقال: هذا الحديث رواه الحاكم، وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين - يعني: البخاري ومسلماً -، ولم يخرجاه، وأورد فيها ما رواه الحاكم أيضاً عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ ، قال: "في يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض لباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً؛ يعني: حججاً"، وقال الحاكم

стр. 1587

في هذا الحديث: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، يعني: البخاري ومسلماً. ثم اعترف ابن خلدون بعدُ بأن بعض الأحاديث خلص من النقد إذ قال: فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي، وخروجه آخر الزمان كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل، والأقل منه. ونحن نقول: متى ثبت حديث واحد من هذه الأحاديث، وسلم من النقد، كفى في العلم بما تضمنه من ظهور رجل في آخر الزمان يسوس الناس بالشرع، ويحكمهم بالعدل، إذ أريناك أن مسألة المهدي لم تكن من قبيل العقائد التي لا تثبت إلا بالأدلة القاطعة. والصحابة الذين رويت من طرقهم أحاديث المهدي نحو ٢٧ صحابياً ﵃، منهم: أبو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأم سلمة، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وعمار بن ياسر، والعباس بن عبد المطلب، وتميم الداري، وابن عباس. والواقع أن أحاديث المهدي بعد تنقيتها من الموضوع، والضعيف القريب منه، فإن الباقي منها لا يستطيع العالم الباحث على بصيرة أن يصرف عنه نظره، كما يصرفه عن الأحاديث الموضوعة. وقد صرح الشوكاني في رسالته المشار إليها آنفاً بأن هذه الأحاديث بلغت مبلغ التواتر، فقال: "والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك، بل يصدق وصف التوإتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول".

стр. 1588

يقول بعض المنكرين لأحاديث المهدي جملة: إن هذه الأحاديث من وضع الشيعة لا محالة. ويرد هذا؛ بأن هذه الأحاديث مروية بأسانيدها، ومنها ما تقصينا رجال سنده، فوجدناهم ممن عرفوا بالعدالة والضبط، ولم يتهمهم أحد من رجال التعديل والتجريح بتشيع، مع شهرة نقدهم للرجال. وقال ابن خلدون: وربما تمسك المنكرون لشأن المهدي بما رواه محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن البصري، عن أنس ابن مالك عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا مهدي إلا عيسى". وهذا حديث مصنوع، فقد قال نقاد الأسانيد كالحاكم: إن محمد ابن خالد رجل مجهول، وقال ابن عبد البر: إنه متروك، وقال الأزدي: منكر الحديث، وآخذ في مثل هذا بقول ابن حزم: إذا كان في سند الحديث رجل مجروح بكذب، أو غفلة، أو مجهول الحال، لا يحل عندنا القول به، ولا تصديقه، ولا الأخذ بشيء منه. وقد اتخذ مسألة المهدي كثير من القائمين لإنشاء دول وسيلة إلى الوصول إلى غاياتهم، فادعوا المهدوية؛ ليتهافت الناس على الالتفاف حولهم، فالدولة الفاطمية قامت على هذه الدعوة؛ إذ زعم مؤسسها عبيد الله أنه المهدي، ودولة الموحدين جرت على هذه الدعوة؛ فان مؤسسها محمد بن تومرت أقام أمره على هذه الدعوة. وظهر في أيام الدولة المرينية بفاس رجل يدعى: التوزري، واجتمع حوله رؤساء صنهاجة، وقتله المصامدة. وقام رجل اسمه العباس سنّة ٦٩٠ هـ في نواحي الريف من المغرب،

стр. 1589

وزعم أنه المهدي، واتبعه جماعة، وآل أمره إلى أن قتل، وانقطعت دعوته. وبعد ثورة أحمد عرابي بمصر ظهر في السودان رجل يسمى: محمد أحمد ادعى أنه المهدي، واتبعته قبيلة البقارة من جهبنة على أنه هو المهدي سنّة ١٣٠٠ هـ، وهو الذي خلفه بعد موته التعايشي أحد زعماء قبيلة البقارة. والفرقة الكيسانية يجعلون المهدي محمد بن الحنفية، ويزعمون أنه مختف في جبل رضوى بين المدينة وينبع. والشيعة الإمامية يقولون: إن محمد بن الحسن العسكري هو المهدي المنتظر، ويزعمون أنه اختفى في سرداب بالحلّة من بلاد العراق في أواخر القرن الخامس الهجري. وإذا أساء الناس فهم حديث نبوي، أو لم يحسنوا تطبيقه على وجهه الصحيح، حتى وقعت وراء ذلك مفاسد، فلا ينبغي أن يكون ذلك داعياً إلى الشك في صحة الحديث، أو المبادرة إلى إنكاره؛ فإن النبوة حقيقة واقعة بلا شبهة، وقد ادعاها أناس كذباً وافتراء، وأخلوا بدعواهم كثيراً من الناس؛ مثل ما يفعل طائفة القاديانية اليوم، والإِلهية ثابتة بأوضح من الشمس في كبد السماء، وقد ادعاها قوم لزعمائهم على معنى أن الله - جل شأنه - يحل فيهم؛ مثلما يفعل طائفة البهائية في هذا العهد. فليس من الصواب إنكار الحق من أجل ما ألصق به من الباطل. والخلاصة: أن في أحاديث المهدي ما يعد في الحديث الصحيح، وبما أني درست علم الحديث، ووقفت على ما يميز به الطيب من الخبيث، أراني مُلجأ إلى أن أقول كما قال رجال الحديث من قبلي: إن قضية المهدي ليست بقضية مصطنعة.

стр. 1590

ولا أترك مكاني هذا حتى أنبه على أنه لم يرد - ولو في الأحاديث الموضوعة-: أن المهدي يولد من غير أب، وأنبه على أن الحديث الذي ذكره أبو بكر الإسكافي في كتاب "فوائد الأخبار" موضوع، وهو حديث: "من كفر بالمهدي، فقد كفر"، وأبو بكر الإسكافي من المتهمين بوضع الأحاديث. ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].

стр. 1591

لا عدوى ولا طيرة (١) حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، وحمزة: أن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة". أوتي ﷺ جوامع الكلم، فترى الحديث الواحد ينبّه لأبواب يدخل فيها على الناس فساد كبير، فيعمد إلى هذه الأبواب، وشمدها سدًا محكمًا، حتى انتظمت الشريعة الغرّاء طرق الإصلاح بأكملها. ومن هذا القبيل قوله ﷺ : "لا عدوى ولا طِيَرَة". ونحن نبحث في هذه المحاضرة عن حقيقة العدوى والطيرة، وأثرهما في المجتمع، فنقول: العدوى: أن يجاوز المرض صاحبه إلى من يقرب منه، وهذا معروف في بعض الأمراض؛ كالجرب، والجذام، إذن فما معنى نفي العدوى في هذا الحديث؟ ونحن نورد أحاديث تنبئ بأن المرض قد ينتقل من شخص إلى آخر،

стр. 1592

ونضع كل حديث موضعه؛ حتى يتضح أن لا إشكال في هذه الأحاديث، وأن الشريعة لا تجيء على خلاف الحقائق العلمية في حال: جاء في الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد"، والأمر بالفرار من المجذوم لا وجهة له - فيما يظهر - إلا اجتناب العدوى. وفي الصحيح أيضاً: أنه ﵊ قال: " لا يورد مُمرِض على مُصِح"؛ أي: لا يورد ذو إبل مريضة على ذي إبل صحيحة. والمعنى: أن لا تورد إبل مريضة على إبل صحيحة. وعلة النهي عن إيراد المريضة على الصحيحة: خوف العدوى. وجاء في الصحيح: أن النبي ﷺ قال في الوياء: "إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع في أرض، فلا تخرجوا منها". وهذا الحديث ظاهر في أن علة النهي عن الإقدام على أرض الوباء هو الحذر من العدوى. أما النهي عن الخروج من بلد الوياء فراراً منه، فمحمول على الكراهة، فلو خرج إنسان من البلد التي ضرب فيها الطاعون قاصداً الفرار من الإصابة به، لأتى شيئاً مكروهاً. وعلة النهي عن الفرار من الطاعون هي فيما يظهر: أن الإذن في الخروج قد يفتح الباب لأن يخرج الأصحاء، ويترك المرضى به، فلا يجد هؤلاء المرضى من يتعهدهم، ويقوم على أمرهم؛ من نحو: طعام وسقاء وعلاج، وليس من المقبول أن يقول قائل: إن هؤلاء المرضى قد أصيبوا، ووقعوا بمقربة من الموت، فإهمالهم أخفّ شراً من بقاء الأصحاء بموطن فيه المرض

стр. 1593

المفضي في غالب أحواله إلى الموت. فيرد هذا: بأن هلاك المرضى بخروج الأصحاء محقق، وإصابة الأصحاء وهلاكهم مظنون، ودرء الضرر المحقق مقدم على درء الضرر المحتمل الوقوع. والإلقاء بالتهلكة الذي نهى عنه الشارع بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، هو: أن يرمي الإنسان بنفسه في مواقع الهلاك دون أن يدفع بهذا الإلقاء شراً، أو يجلب به خيراً، أما إذا قصد الإنسان إلى دفع شرّ أمرَ الشارع بدفعه، أو جلبِ خير استحبَّ الشارع جلبه، وألقى بنفسه في هذا السبيل، وهو يعلم أنه سيقع في مهلك، فنهي الآية لا يتناوله، بل يعده الشارع من أولي العزم الذين يحظون بالكرامة عنده، ويرتفع ذكرهم بين ذوي الأخلاق السامية. وإذا أتينا البحث من ناحية الأخلاق، قلنا: إن خروج الأصحاء من موطن الطاعون لا لداعٍ غير الخوف من الموت، ينبئ أن نفوسهم خالية من العطف على من أصيبوا بالطاعون، حيث طابت نفوسهم أن يدَعوهم وهم يقاومون الآلام والجوع والظمأ حتى يموتوا في تلك الحالة المحزنة. ثم إن الحديث إنما نهى عن الخروج من بلد الطاعون متى كان القصد الفرار من الموت، أما إذا خرج الشخص من بلد الطاعون بقصد آخر من نحو التجارة أو التداوي، فذلك ما لا حرج فيه، ولا يتناوله النهي الوارد في الحديث؛ لأن الحديث يقول: "وإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه". فيؤخذ من لفظ الحديث وروح التشريع؛ أن خروج الأصحاء بحيث

стр. 1594

لا يبقى مع المرضى من يقوم بضرورات حياتهم، حرام، وأن خروج فرد أو جماعة لم يتعين عليهم القيام بشؤون المرضى، مكروه، متى قصدوا الفرار من الموت، فإذا قصدوا غرضاً آخر ذا فائدة، كان الخروج مباحاً. فأنتم ترون أن بين أيدينا أحاديث ثابتة بأن دعوى العدوى صحيحة، إذاً فما معنى العدوى في قوله ﷺ : "عدوى"؟. جواب هذا: أن العرب في الجاهلية كانوا يعتقدون أن بعض الأمراض؛ كالجرب والجذام تسري بطبيعتها من المصاب بها إلى من يقرب منه، دون أن يضيفوا المرض إلى مشيئة الله تعالى، فنفى النبي ﷺ العدوى بهذا المعنى؛ لأن اعتقادهم أن سريان مثل الجذام والجرب أمر طبيعي، دون أن يكون لمشيئة الله تعالى تأثير في ذلك، يخل بعقيدة التوحيد التي جاء الإسلام لبنائها. فلا يراد من الحديث: نفي أن تكون هناك أمراض قد جعل الله قرب الشخص من صاحبها سبباً لانتقالها إليه، بل المراد: نفي العدوى بالمعنى الذي يتصوره الجاهليون، وهو أن الانتقال من طبيعة المرض على أنه لا بد منه. وقد جاء في بعض روايات حديث: "عدوى": أن أعرابياً قال للنبي ﷺ : أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الظباء، فيخالطها البعير الأجرب، فيجربها؟ فقال رسول الله ﷺ : "فمن أعدى الأول؟ ". وهذا الجواب منه ﵊ في غاية الإبداع؛ فإن حال الأعرابي حال من ينفي أن يكون للجرب سبب غير العدوى؛ إذ لو كان يعتقد أن الجرب قد ينشأ عن أمر آخر غير العدوى، لما أورد قصة الجمل

стр. 1595

الأجرب، يخالط الإبل "الصحيحة" فإن إيرادها إنما يناسب حصر الإصابة بالجرب في العدوى؛ كقوله ﷺ : "فمن أعدى الأول؟ " تنبيه على أن الجرب قد وجد في حال لا يمكن فيها ادعاء أنه قد نشأ من العدوى، وهاهنا يرجع الأعرابي إلى النظر في سبب هذا الجرب، فإذا عرف أن هناك سبباً للجرب غير العدوى، صار من الجائز أن يكون هذا السبب هو سبب الجرب الذي أصاب الإبل بعد اختلاطها بالجمل الأجرب، فإذا قيل له: إن السبب الحقيقي في الإصابة بالجرب هي مشيئة الله تعالى، ولكنه قد يربط الإصابة بقرب الصحيح من المرض، وقد يربطها بسبب آخر، سهل انقياده إلى هذه العقيدة، وترك عقيدة أن العدوى تؤثر بطبيعتها. وإذا رأينا كثيراً ممن اتصلوا بذوي الأمراض المعدية، قد أصيبوا بهذه الأمراض، فقد نرى آخرين اقتربوا من أصحاب تلك الأمراض، فلم يصابوا بشيءمنها. وملخص الجواب: أن الحديث ورد في سياق الرد على ما كان لدى الجاهلية من اعتقاد أن العدوى أمر طبيعي، دون أن يضيفوها إلى مشيئة الخالق، والحديث لا ينفي أن الله تعالى قد يشاء، فيجعل مخالطة الصحيح للمصاب بشيء من الأمراض؛ كالجذام والجرب، سبباً لحدوث ذلك المرض في الصحيح. وقوله في بهاِّ: "ولا طيرة" نفي للتشاؤم؛ فإن الطيرة: التشاؤم بالشيء، وأصلها: أن العرب كانوا في الجاهلية يعتمدون في الإقدام على بعض الأعمال؛ كالسفر والزواج، على الطير، فإن مرّ الطير باليمين، تيمّن، وإن مرّ باليسار، تشاءم به، ثم أطلقت الطيرة على التشاؤم، ولو بغير الطيور.

стр. 1596

والحديث ينفي على وجه العموم ما كان شائعاً في الجاهلية من التشاؤم بأمور لا دخل لها في نجاح الأعمال، ولا خيبتها؛ كالعطاس، ونعيق الغراب. وفي مثل هذا التشاؤم فساد كبير؛ إذ يمنع الشخص من الإقدام على عمل قد يكون فيه خير كثير، والإِقدام على الأعمال يرجع فيه إلى الرأي السديد، وما يستكشف في تلك الأعمال من جلب مصلحة، أو درء مفسدة، فإن اشتبه الأمر، وخفي على الإنسان عاقبته من خير أو شر، فقد جعل الشارع الحكيم مكان التشاؤم أو التفاؤل: الاستخارة المعروفة في كتب السنّة. ومن الأسف أن ينهى النبي ﷺ عن التشاؤم، ويبقى متفشيًا في الشعوب الإِسلامية، وقد أحدث الناس أنواعًا من التشاؤم لم تكن معروفة في الجاهلية، فأعرف في تونس أن الناس يتشاءمون بمناولة من يعزّ عليهم فراقه الصابون، أو آلة حادة؛ كالسكين، والمقص. ويدخل في التشاؤم الممقوت: ما أحدثه الناس من الاستخارات غير الشرعية؛ كالاستخارة بالسبحة، والاستخارة المنامية، والاستخارة بالقرآن المجيد. ويدخل في التشاؤم: الأخذ بأقوال الكهان والدجالين، فيمتنع من الشيء بمجرد قولهم له: إنه شر، أو لا خير فيه، فإن تعلّق الإنسان بشيء من ذلك، فقد خالف قول النبي ﷺ : "ولا طيرة". ولا يجوز التشاؤم بيوم من الأيام، سئل مالك عن الحجامة يوم السبت، ويوم الأربعاء، فقال: لا بأس بذلك، وليس يوم إلا وقد احتجمت فيه، ولا أكره شيئاً من هذا: حجامة، ولا اطلاء، ولا نكاحاً، ولا سفراً في شيء من الأيام.

стр. 1597

فإن قال قائل: حديث: "ولا طيرة" يعارضه ما جاء في الصحيح من قوله ﷺ : "الشؤم في المرأة والدار والفرس"، وإذا كان في هذه الثلاث شؤم، صح أن تكون موضع التشاؤم، فمن تشاءم بشيء منها لم يكن عليه حرج في هذا التشاؤم. وجواب هذا: أن شؤم الشيء في أن يكون فيه وجه من الشر؛ بحيث لو اتصل به شخص، ناله من أجل اتصاله به سوء، وللمرأة وجه من الشر هو سوء خلقها, وللدار وجه من الشر هو ضيقها، أو سوء جارها, وللفرس وجه من الشر هو شموسها، أو بطء سيرها، أو اتخاذها للمباهاة، وعدم استعمالها عندما يحتاج إليها ساعة الدفاع في سبيل الله، فمن المحتمل القريب تفسير الشؤم في الحديث على نحو هذه الوجوه، وقد رويت أحاديث يستأنس بها لهذا التأثير، منها قوله ﷺ : "من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء" (١). وفي رواية الحاكم: "ثلاثة من شقاء المرأة: تراها فتسوءك، وتحمل لسانها عليك، والدابة تكون قطوفاً، فإن ضربتها، أتعبتك، وإن تركتها, لم تلحق أصحابك، والدار ضيقة قليلة المرافق". وقوله ﷺ : "إن من شقاء المرء في الدنيا سوء الدار، والمرأة، والدابة"، وفيه: "سوء الدار: ضيق ساحتها، وخبث جيرانها، وسوء الدابة: منعها ظهرها، وسوء طبعها، وسوء المرأة: عقم رحمها، وسوء خلقها" (٢).

стр. 1598

أما تفسير الشؤم في المرأة على ما يفهمه العامة من التشاؤم بكعبها، فقد أنكره تقي الدين السبكي، وقال: هو شيء لم يقل به أحد من العلماء، ومن قال: إنها سبب فيما يحصل من الشر، فهو جاهل. وملخص القول: أن حديث: "ولا طيرة" هو الموافق لما جاءت به الشريعة من أن معرفة حسن عاقبة العمل أو سوئها، إنما يعتمد فيها على الشرع، وفهم ذوي الأنظار السديدة، بل هو الموافق للعقل؛ إذ ليس لنا أن نعتقد تأثير شيء في شيء، إلا أن تدل عليه المشاهدة، أو يظهر له وجه من العقل، أو ينص عليه الشارع، وليس للشؤم بالمعنى الذي يعتقده العامة صلة تجعله من قبيل المعقولات، أو المشاهدات، أو الشرعيات.

стр. 1599

باب في حديث السحر (١) باب السحر من كتاب الطب من "الجامع الصحيح" للإمام البخاري ﵁، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا عيسى بن يونس عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂, قالت: سحر رسول الله ﷺ رجل من بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم، دعا، ودعا، ثم قال: "يا عائشة! أشعرت أن الله أفتاني فيما إستفتيته فيه؟ أتاني رجلان، فقعد أحدهما على رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب (٢)، قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجفّ (٣) طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان"، فاتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه، فجاء فقال: "يا عائشة! كأن ماءها نقاعة (٤) الحنّاء، وكان رؤوس نخلها رؤوس الشياطين"، قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: "قد عافاني الله، فكرهت أن أثور على

стр. 1600

الناس فيه شراً"، فأمر بها فدفنت. السحر في أصل اللغة: الصرف (١)، وشاع استعماله في كل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، وورد في كلام الشارع، فاتفق علماء الإِسلام على أن هناك شيئاً يسمى: سحراً، واختلفوا في تصويره، فذهب جمهور أهل العلم إلى أن للسحر آثاراً حقيقية، وقالوا: هو مزاولة النفوس الخبيثة لأفعال وأحوال يترتب عليها أمور خارقة للعادة. وقالوا: هو خارق للعادة يظهر في نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة. والساحر عند هؤلاء قد يبلغ أن يطير في الهواء، ويمشي في الماء. وذهب بعض أهل العلم إلى أن السحر لا يبلغ أن يغير الحقائق في نفسها، وإنما هو تخييل وتمويه، وقالوا: لا يفعل الإنسان في غيره فعلاً من غير مماسة ولا ملامسة. وينسب هذا الرأي إلى المعتزلة، وجرى عليه أبو جعفر الاسترابادي، وأبو بكر الجصّاص. وإذا كان السحر لا يتجاوز التخييل والتمويه، استبان الفرق بينه وبين المعجزة جليًا، فالمعجزات على حقائقها، وبواطنها كظواهرها, ولو اجتهد الخلق كلهم على مضاهاتها ومقابلتها بمثلها, لظهر عجزهم عنها، وأما السحر، فإنما هو ضرب من الحيلة والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها، ومن شاء أن يتعلم ذلك، بلغ فيه مبلغ غيره. ويتلخص مما سبق: أن السحر نوعان: أولهما: قلب حقيقة شيء إلى حقيقة شيءآخر على وجه خرق العادة

стр. 1601

في الواقع؛ كقلب جماد إلى حيوان، أو حيوان إلى جماد. ثانيهما: مزاولة نفس شخص أفعالاً يكون لها أثر في شخص آخر من غير اتصال به، ولا مماسة؛ كأن يزاول فعلاً يكون من أثره تغيير حب شخص لشخص إلى بغضه إيّاه. ونحن لم يقع بأيدينا دليل على أن النوع الأول قد وقع. ولإيضاح الفرق بين المعجزة والسحر فرقاً ذاتياً، نقول: إن الساحر لا يبلغ أن يقلب العصا ثعباناً، ولا أن يفلق البحر فتمر منه الجيوش، ولا أن يبرئ الاكمه، أو يحيى الموتى، ولا يبلغ أن يجعل الماء ينبع من بين الأصابع، فتروى منه العشرات أو المئات من الناس؛ أي: إنه لا يجري على يده من خوارق العادة ما يجري مثله على أيدي الأنبياء ﵈. أما النوع الثاني، وهو أن يزاول بعض النفوس الخبيثة أفعالاً يظهر أثرها في شخص آخر من غير اتصال ولا مماسة، فقد دلت ظواهر الشريعة على صحته؛ لقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، والنفاثات وصف للنفوس؛ لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة، والأرواح الشريرة، وهذا وجه ذكر الوصف بصيغة التأنيث، وإذا دلت على صحته ظواهر الشريعة، ولم يقم دليل قاطع على نفيه، وكانت قدرة الله صالحة لأن تجعل للنفوس أثراً في شخص آخر من غير مماسة، لم يكن هناك داع إلى تأويل الظواهر. ونتخلص من هذا إلى أن الذين ينكرون السحر بنوعيه: قلب الحقائق، وتأثير النفوس من غير مماسة، ينكرون حديث سحر النبي ﷺ ؛ لأن الحديث

стр. 1602

يتضمن أن لبيد بن الأعصم قد فعل فعلاً كان له أثر في النبي ﷺ ، وهو بعيد عنه. ورأى المنكرون للحديث: أن هناك ما ينفي بوجه خاص أن يكون النبي ﷺ قد سحر، وأوردوا ثلاثة وجوه: أحدها: أن الاعتقاد بثبوت سحر النبي ﷺ يكون تصديقًا لقول الكفّار فيما حكاه الله عنهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، وهذا كما قال فرعون لموسى ﵇ فيما قصه الله عنهما: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١]. ثانيها: أن سحر الأنبياء، وتمكّن الساحر من أن يفعل فعلاً يكون له أثر في قوة تفكيرهم يحط من منصب نبوتهم. ثالثها: أن تجويز السحر عليهم يشكك في نبوتهم، ويعدم الثقة بما شرّعوه من الشرائع؛ إذ يكون من المحتمل على هذا التجويز أن يخيل إلى النبي أنه يرى جبريل ﵇، ولم يكن هناك جبريل، وأنه يوحى إليه بشيء، ولم يوح إليه به. ونحن ننظر في سند الحديث، ثم ننظر فيما استند إليه المنكرون من الوجوه التي رأوها قاضية عليه بالوضع: الطرق التي روي بها هذا الحديث في "الصحيحين" كلها ترجع إلى هشام بن عروة عن عائشة ﵂، وعروة أحد الفقهاء السبعة، لم يطعن فيه أحد بكلمة، ومن رووه عن هشام بن عروة - مع كونهم كثيرين - هم من الرجال الموثوق بروايتهم، فقد رواه عن هشام: عيسى بن يونس، وأبو أسامة حمّاد بن أسامة، وأبو ضمرة أنس بن عياض، وابن جريج، وابن أبي الزناد، وابن نمير.

стр. 1603

وبقي هشام بن عروة الذي تدور عليه رواية الحديث في "الصحيحين"، وهو معدود من ثقات الرجال، وأئمة الحديث، وإنما تعرض له أبو الحسن ابن القطان، ومسّه من جهة الضبط، فقال: إنه اختلط في آخر حياته، وتصدى للرد على ابن القطان الحافظ الذهبي في كتاب "الميزان"، واشتد في الإنكار عليه، وقال: إن عروة لم يختلط، وإنما تناقض حفظه في الكبر، فنسي بعض محفوظه، أو وَهِمَ، وقال عبد الرحمن بن خراش: كان مالك لا يرضى هشام ابن عروة، نقم عليه حديثه لأهل العراق، وقدم الكوفة ثلاث مرات: قدمه كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة، والثانية كان يقول: أخبرني أبي عن عائشة، وقدم الثالثة، فكان يقول: أبي عن عائشة؛ (يعني: أنه كان يرسل عن أبيه). ولو روى هذا الحديث عن عائشة هشام وحده، لحام حوله شيء من الوهن، ولكن رواه البيهقي في "الدلائل" عن عمرة عن عائشة ﵂، ولم تنفرد برواية هذا الحديث عائشة، بل رواه ابن سعد عن ابن عباس، ورواه ابن سعد، وأبو بكر بن شيبة عن زيد بن أرقم، وصححه الحاكم. فرواية الحديث في "الصحيحين"، ثم رواية غير عروة له عن عائشة، ورواية غير عائشة له من الصحابة، يجعله في مأمن من أن يحكم عليه بوضع، أو ضعف من جهة سنده. وننظر بعدُ هذا الحديثَ من جهة المتن؛ لعلّنا نجد في رواياته اضطراباً واختلافاً يقضي بعدم التمسك به: اختلفت الروايات في بعض ألفاظ الحديث اختلافاً لا يزيد على الاختلاف الذي ينشأ من رواية الحديث بالمعنى، كما جاء في بعض الروايات: "جف

стр. 1604

طلع نخلة" - بالفاء - وفي بعضها: "جب" - بالباء - وفي بعض الروايات: "ومشاطة" - بالطاء -، وفي بعضها: "ومشاقة"- بالقاف -. واختلفت الروايات من جهة العموم والخصوص، كما جاء في بعض الروايات "يخيل إليه أنه يفعل الشيء، ولا يفعله"، وجاء في رواية أخرى: "يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن"، وهذا الاختلاف أيضاً لا يقضي بضعف الحديث أو وضعه، فمن المحتمل أن يكون الراوي قد عبر في الرواية الأولى بلفظ عام، والمراد: ما دلت عليه الرواية الثانية من مباشرة النساء. واختلفت الروايات اختلافاً يجعل بينها - فيما يظهر - تعارضاً؛ كما جاء في بعض الروايات: قلت: يا رسول الله! أفلا استخرجته؟ قال: "قد عافاني الله ﷺ "، وظاهر هذه الرواية: أنه لم يخرج ما وقع به السحر من جف الطلعة، وما حواه الجف، وجاء في رواية أخرى: "فاستخرج"، وهذا ظاهر في أنه أخرج، وهذا الاختلاف لا يبلغ بالحديث حد الوضع أو الضعف؛ إذ شأن المحدثين هنا أن يرجحوا إحدى الروايتين بأحد الوجوه المعروفة من الترجيح، كأن ترجح رواية: "فاستخرج"؛ لأن راويها سفيان بن عيينة، وهو أضبط من عيسى بن يونس، ويجمع بين الروايتين؛ بأن يحمل قولها: "فاستخرج" على معنى إخراجه من بئر ذروان حتى رآه وعلمه، ويحمل قولها: "فهلا استخرجته" على معنى: هلّا أخرجته للناس، وأريته إياهم حتى يعاينوه، فأخبرها بأن الذي منعه من إظهاره للناس هو أن المسلمين إذا رأوه، لا يسكتون، وقد يتعرضون للساحر بالأذى، فيغضب للساحر قومه، فتحدث فتنة، ولا داعي إليها بعد أن حصل الشفاء والعافية، فالاستخراج الذي وقع غير الاستخراج الذي سألته عائشة ﵂.

стр. 1605

واختلفت الروايات في شيء آخر قد يلوح أن يجعل بينها تعارضاً: هو أن رواية الحديث الذي سقناه تقول: إنه ﷺ أتى البئر في ناس من أصحابه، ورواية زيد بن أرقم للحديث تقول: إنه أرسل علياً، فاستخرجها، فجاء بها، ورواية ابن عباس عند ابن سعد: فبعث إلى عليّ وعمّار، فأمرهما أن يأتيا البئر، ورواية غيره عن عائشة: فنزل رجل فاستخرجه. والجمع بين هذه الروايات: أنه بعث علياً وعماراً إلى البئر لاستخراج ما فيها، ثم أدركهما في ناس من أصحابه، وقد نزل أحدهما إلى البئر، فاستخرج ما صنعه اليهودي، وكان الذي قدمه إلى النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁. فمتن الحديث سالم من الاضطراب، وعلى فرض أن يعدّ شيء من ذلك الاختلاف اضطرابًا، فقاعدة الأئمة أن يترك ما وقع فيه الاضطراب من ألفاظ الحديث، ويؤخذ بما اتفقت عليه الروايات منه، فإذا عدّ من الاضطراب اختلاف الروايات في تصريح بعضها بأنه ﵊ استخرج ما وقع به السحر، ودلالة أخرى على أنه لم يستخرجه، وفي قول بعضها: إنه ذهب إلى البئر بنفسه، وقول أخرى: إنه أرسل علياً ﵁، صرف النظر عن هذا الذي وقع فيه الاختلاف، وبقي أصل السحر ثابتاً من الروايات التي اتفقت عليه. ولم يرد - فيما رأينا من الروايات - رواية تنسب التخييل إلى قوله ﷺ ، فتقول: يخيل إليه أنه كان يقول الشيء ولم يقله، كما أنا لم نقف على رواية تذكر التخييل الذي أحدثه السحر على أن النبي ﷺ قال ذلك، وأخبر به، وقد وقع في تفسير أبي بكر الجصّاص - في سياق إنكار الحديث - هذان الزعمان، فقال: وزعموا أنه قال: يخيل إليّ أني أقول الشيء وأفعله،

стр. 1606

ولم أقله ولم أفعله. ونوجه النظر بعد هذا إلى ما أورده منكرو الحديث من الوجوه القاضية في رأيهم بوضعه، فنقول: أما ما قالوه من أن الحديث يقتضي تصديق الكفار في قولهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، فيرد بأن الكفار لا يريدون من قولهم: ﴿مَسْحُورً﴾: أن بعض الساحرين زاول فعلاً كان له أثر في اختلال عقله ﵊, وإنما يريدون: أنه زائل العقل؛ أي: إنه لا يعقل ما يقول؛ كما قص الله تعالى عنهم في آية أخرى أنهم قالوا: ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، وقالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، وصح إطلاق المسحور على المجنون؛ لأن السحر عند المعتقدين بحقيقته، قد يقصد به التأثير في الفكر، فيبلغ المسحور حد الجنون. وأما قولهم: إن سحر الأنبياء يحط من مناصبهم، فمسلم متى قيل: إن السحر قد أثر في قوتهم الفكرية، أما إذا قيل: إن السحر كان له أثر في جسده ﷺ دون عقله، وكان هذا الأثر ما عرض له من عدم القدرة على مباشرة أزواجه، فإنه لا يحط شيئاً من منصبه الشريف، ويحمل قول عائشة ﵂ في رواية سفيان بن عيينة: "حتى كان يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن" (١) على معنى: أنه كان يظهر له من نشاطه القدرة على مباشرة نسائه حسب العادة، فإذا دنا منهن، لم يقدر على إتيانهن، ورواية: "يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله" نرجع بها إلى رواية سفيان: "كان يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن"، ونحملها على أنها من تصرف بعض الرواة؛ إذ أتى بدل قولها: "يرى أنه

стр. 1607

يأتي النساء" بقوله: "كان يفعل الشيء"، وبدل قولها: "ولا يأتيهن" بقوله: "ولا يفعله"، فهذه الرواية عبّر فيها عن إتيان النساء وعدم إتيانهن بلفظ عام هو الفعل وعدم الفعل، وجاءت على خلاف قولها: "كان يرى أنه يأتي النساء"، فجاءت كلمة "كان" بعد كلمة "يخيل"، فقالت: "يخيل إليه أنه كان يفعل". وأما رواية: "يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله" وهي التي تشعر بأن السحر أثر في قوته الفكرية، ومثلها رواية: "يخيل إليه أنه صنع شيئاً، ولم يصنعه"، فنحملها أيضاً على أنها من تصرف الرواة الذي يقع بهم في غلط، وقد ينسب بعض المحققين من أهل العلم الغلط في بعض ألفاظ الحديث الوارد في "الصحيحين" إلى الراوي متى رأوا اللفظ صريحًا في معنى يخالف ما عرف من معقول أو منقول، ويبقى ما عدا اللفظ الذي هو موضع الغلط ثابت الرواية. وملخص ما نرى في هذا الحديث: أن أصله ثابت، ويحمل السحر على أنه أثّر في قوته الجسمية، دون أن يمس قوته العقلية بشيء، ومما يدل له: حديث ابن عباس عند ابن سعد: "مرض رسول الله ﷺ وأخذ عن النساء والطعام والشراب، فهبط عليه ملكان" الحديث، ونجعل قول عائشة ﵂ في رواية سفيان بن عيينة: "كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن " هو أصل الرواية, وما عداه من الروايات إما أن نرجع بتأويله إلى هذا الأصل، أو نحمله على أنه جرى على وجه الغلط من تصرف بعض الرواة. وهذا ما نراه في شرح الحديث. وأراني بعد هذا لا أنسب من ينكر

стр. 1608

هذا الحديث إلى ضلال، أو سوء قصد؛ لأن الشبه التي أوردها المنكرون ليست بهينة، وقصارى ما أقول فيه: إنه لم ينظر في الحديث نظراً يجمع بين ما تقتضيه قوانين علم الحديث، وما يقتضيه منصب النبوة من سمو مقام النبي من أن يكون للسحر أثر في عقله.

стр. 1609

السنن والحكم النّبوية (١) عن ابن عباس ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب". رواه البخاري في "صحيحه". اشتمل هذا الحديث الشريف على ثلاثة أركان من أركان الإِسلام، وهي: كلمة الشهادة، وفريضتا الصلاة والزكاة. ودل بعد هذا على أحكام متعددة، ومواعظ حسنة، فهو معدود من الأحاديث العظيمة الشأن. وقصة إرساله ﵊ معاذاً إلى اليمن مشهورة، أرسله ليدعو إلى الإسلام، ويلي أمر اليمن، ويقضي بين الناس. فكان معاذ داعياً ووالياً وقاضياً.

стр. 1610

أما الدعوة، فيدل لها هذا الحديث؛ فقد قال له: "فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله"، وهذه هي الدعوة، وأمره بأن يأخذ منهم الزكاة، وقال: "فإياك وكرائم أموالهم"، وذلك معنى الولاية. وأما القضاء، فيدل له الحديث الآخر، وهو أن رسول الله ﷺ -لما بعث معاذًا إلى اليمن، قال له: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ "، قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ "، قال: فبسنّة رسول الله ﷺ ، قال: "فإن لم يكن في سنّة رسول الله ﷺ ؟ "، قال: أجتهد رأي لا آلو؛ أي: لا أقصر (١). قال في الحديث: "إنك ستأتي أقواماً من أهل الكتاب": كان في اليمن أهل كتاب من يهود ونصارى، وغير أهل كتاب؛ كعبدة الأوثان، ومعاذ مرسل إلى أهل الكتاب وغيرهم من المشركين، وخص في الحديث أهل الكتاب بالذكر؛ لينبهه على أنه سيأتي قوماً أولي علم في الجملة، فيحتاج إلى عناية ويدل جهد في دعوتهم، وإقامة الحجة عليهم أكثر مما يحتاج إليه في دعوة غيرهم. ودخلت اليهودية اليمن منذ عهد بعيد، حتى دخل فيها بعض ملوك حمير، وقامت هناك دولة متهودة إلى أن جاء الحبش - وهم نصارى - كما فقوضوا أركانها، وبقيت طوائف من اليهود مفرقين في البلاد. وكانت النصرانية في نجران من بلاد اليمن، ومن المعروف في السيرة: أن وفد نجران قدموا على رسول الله ﷺ ، وكانوا من نصارى العرب، وهم

стр. 1611

الذين نزلت فيهم آية المباهلة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]. "فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله": أمره في الحديث بأن يدعو أهل الكتاب إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وظاهر هذا: أنهم غير مؤمنين بأن الله واحد، أما النصارى، فلأنهم يقولون: إن المسيح ابن الله، وانه إله، وهذه العقيدة تخرج بهم عن الإيمان الحق، وتجعلهم في حاجة إلى أن يُدعوا إلى توحيد الله قبل أن يُدعوا إلى الإيمان برسوله الكريم. وأما اليهود، فكانوا يعتقدون في عزير أنه ابن الله هو ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقد تبرأ بعض اليهود المتأخرين من هذه العقيدة، وبراءتهم هذه لا تقف في صدق الآية الكريمة، فقد نزلت واليهود بالمدينة، وحول المدينة ولم ينقل عن أحد منهم إنكار هذه العقيدة، فليس من شك في أنها كانت معروفة عندهم، ويكفي في صدق الآية أن تكون عقيدة طائفة منهم. وزِيَد في كلمة الشهادة: التصديق بالرسالة المحمدية؛ لأن حقيقة الإيمان لا تحصل إلا به، فمن لم يشهد برسالة النبي - صلوات الله عليه - فهو كافر. هذا ما اتفق عليه علماء الإِسلام، وأصبح معلوماً من الدين بالضرورة، ومن دلائله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: ١٣].

стр. 1612

"فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة": والحديث ظاهر في أن لا صلاة واجبة - أي: يعاقب على تركها - غير الصلوات الخمس، وصلاةُ الوتر في مرتبة السنّة، وقد استدل عبادة بن الصامت على عدم وجوبها بمثل هذا الحديث، روى مالك في "الموطأ": أن عبادة ابن الصامت ﵁ سئل عمن قال: إن الوتر واجب، فأنكر عبادة ذلك، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله ؛ على العباد، فمن جاء بهن، لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة". "فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم": نص في هذا الحديث على من تؤخذ منه الزكاة، وهم الأغنياء، والغني: من يملك نصابًا من الأنصبة المفصلة في أحاديث أخرى، وقوله: "أغنيائهم" جمع مضاف، والجمع المضاف يفيد العموم، ويؤخذ من عمومه: أن الزكاة واجبة في مال الصبي، وبهذا قال مالك، والشافعي، وكثير من الفقهاء، وأضافوا إلى دليل العموم في هذا الحديث: أثرين أوردهما الإمام مالك في "الموطأ": أولهما: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: اتجروا في أموال اليتامى؛ لا تأكلها الزكاة. ثانيهما: أن عائشة ﵂ كان في حجرها يتيمان، وكانت

стр. 1613

تُخرج من أموالهما الزكاة. وذهب بعض الأئمة إلى عدم وجوب الزكاة في مال الصبي، وقالوا: إن العموم في قوله: "من أغنيائهم" يحمل على المكلفين، والصبي فاقد لأحد شروط التكليف، وهو البلوغ، وأجابوا عن الأثرين - أعني: أثر عمر بن الخطاب، وأثر عائشة -: بأنهما من قبيل الاستدلال بمذهب الصحابي، ومذهب الصحابي لا يمنع المجتهد من أن يبحث عن الحكم في أصول الشريعة بنفسه، ويقرر في الواقعة الحكم الذي يصل إليه من طريق الاجتهاد. ويؤخذ من قوله: "أغنيائهم": أن الزكاة تجب في الحلي الذي تملكه المرأة لتتجمل بلبسه، فإنها تصير به غنية، وهو مذهب جماعة من الصحابة، وبه قال الإمام أبو حنيفة. وذهب جماعة من الصحابة إلى عدم وجوب الزكاة فيه، وبه أخذ الشافعية، والمالكية، وأورد مالك في "الموطأ" على هذا أثرين: أحدهما: أن عائشة ﵂ كانت تحلّي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج عن حليهن الزكاة. وثانيهما: أن عبد الله بن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة. فإن اتخذ الرجل حلي النساء ليلبسه أهله منهن، وكان عنده من اتخذه من أجلهن من نحو زوج أو بنات، فلا زكاة فيه، فإن اتخذه رجاء أن تكون له أهل يتجملن به، فهذا لا يسقط عنه الزكاة؛ لأنه اتخذ ما لا يباح له لبسه، وليس عنده أهل للتحلي به. ولا زكاة في الحلي المباح يتخذه الرجل للعارية؛ لأنه متخذ للبس

стр. 1614

مباح، مع ما اقترن بذلك من قصد القربة. وقوله: "فترد على فقرائهم" يدل على أن الزكاة تصرف للفقراء. واختلفوا في المقدار الذي يملكه الشخص، فينتفي عنه الفقر، وتحرم عليه الصدقة، وهذا الحديث يدل على أن من ملك نصاباً مما تجب فيه الزكاة، فهو غني، فلا حق له في الزكاة، ووجه دلالة هذا الحديث: أنه قال: "تؤخذ من أغنيائهم" فوصف من تؤخذ منه الزكاة بالغنى، ولا تحل الصدقة لغني. وظاهر هذا الحديث: أن الصدقة تصرف للفقير، ولو كان قادراً على الكسب؛ فإنه قال: "فترد على فقرائهم"، فجعل صرفها منوطاً بصفة الفقر. وذهب بعض الأئمة إلى أن الزكاة لا تحل لمن كان قوياً على الكسب، وإن لم يملك شيئاً؛ لأنه بالقدرة على الكسب أصبح في حكم الأغنياء. والمراد بالقوي على الكسب: من يقدر على كسب ما يقوم بضرورات الحياة، فسليم البنية الذي يبذل جهده في الكسب، ولا يصل إلى ما يقوم بالضروري من عيشه، أو عيش من يعولهم، يجوز صرف الزكاة له؛ لأنه لم يقدر على كسب ما يكفي حاجته. ودل قوله: "على فقرائهم" على أن الزكاة إنما تعطى للفقير المسلم، ولا حق فيها للفقير الكافر؛ فإن الضمير في قوله: "فقرائهم" يعود على من أطاعوا بالشهادتين، وصاروا بذلك من القوم المسلمين. ويؤخذ من قوله: "فقرائهم": أن الزكاة تفرق على الفقراء الذين هم بالبلد الذي أخذت منه الزكاة، وهذا هو الوجه، إلا أن تكون حاجة غيرهم أشد، فيجوز لولي الأمران يفرق بعض الصدقة بموضعها، وينقل الباقي

стр. 1615

إلى موضع الحاجة. ومن ذهب من الأئمة إلى جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر، يرى أن الضمير في قوله: "فقرائهم" يعود على من يدعوهم معاذ من أهل اليمن بصفتهم مسلمين، فكأنه يقول: يرد على فقراء المسلمين. وظاهر هذا الحديث - حيث اقتصر على الفقراء -: أنه يجوز صرف زكاة أهل البلد إلى صنف من الأصناف الثمانية المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] , وبهذا قال مالك، والقائلون بوجوب توزيعها على الأصناف الثمانية يتاولون هذا الحديث على أن الاقتصار على ذكر الفقراء روعي فيه الغالب؛ لأنهم أغلب جهة تصرف إليها الزكاة. ثم قال: "فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم": الكرائم: جمع كريمة، والمراد: نفائس الأموال من أي صنف كان. نهاه عن أخذ خيار المال؛ لأنه إجحاف بحق أصحاب الأموال، إلا أن يعطوا الخيار من أنفسهم، وفي كتاب "الموطأ": أن عمر بن الخطاب مر بغنم من الصدقة، فرأى فيها شاة حافلاً (١) ذات ضرع عظيم، فقال عمر: ما هذه الشاة؟ فقالوا: شاة من الصدقة، فقال عمر: "ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات (٢) المسلمين".
следующие страницы →