← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

الذين نزلت فيهم آية المباهلة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]. "فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله": أمره في الحديث بأن يدعو أهل الكتاب إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وظاهر هذا: أنهم غير مؤمنين بأن الله واحد، أما النصارى، فلأنهم يقولون: إن المسيح ابن الله، وانه إله، وهذه العقيدة تخرج بهم عن الإيمان الحق، وتجعلهم في حاجة إلى أن يُدعوا إلى توحيد الله قبل أن يُدعوا إلى الإيمان برسوله الكريم. وأما اليهود، فكانوا يعتقدون في عزير أنه ابن الله هو ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقد تبرأ بعض اليهود المتأخرين من هذه العقيدة، وبراءتهم هذه لا تقف في صدق الآية الكريمة، فقد نزلت واليهود بالمدينة، وحول المدينة ولم ينقل عن أحد منهم إنكار هذه العقيدة، فليس من شك في أنها كانت معروفة عندهم، ويكفي في صدق الآية أن تكون عقيدة طائفة منهم. وزِيَد في كلمة الشهادة: التصديق بالرسالة المحمدية؛ لأن حقيقة الإيمان لا تحصل إلا به، فمن لم يشهد برسالة النبي - صلوات الله عليه - فهو كافر. هذا ما اتفق عليه علماء الإِسلام، وأصبح معلوماً من الدين بالضرورة، ومن دلائله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: ١٣].

стр. 1612

"فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة": والحديث ظاهر في أن لا صلاة واجبة - أي: يعاقب على تركها - غير الصلوات الخمس، وصلاةُ الوتر في مرتبة السنّة، وقد استدل عبادة بن الصامت على عدم وجوبها بمثل هذا الحديث، روى مالك في "الموطأ": أن عبادة ابن الصامت ﵁ سئل عمن قال: إن الوتر واجب، فأنكر عبادة ذلك، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله ؛ على العباد، فمن جاء بهن، لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة". "فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم": نص في هذا الحديث على من تؤخذ منه الزكاة، وهم الأغنياء، والغني: من يملك نصابًا من الأنصبة المفصلة في أحاديث أخرى، وقوله: "أغنيائهم" جمع مضاف، والجمع المضاف يفيد العموم، ويؤخذ من عمومه: أن الزكاة واجبة في مال الصبي، وبهذا قال مالك، والشافعي، وكثير من الفقهاء، وأضافوا إلى دليل العموم في هذا الحديث: أثرين أوردهما الإمام مالك في "الموطأ": أولهما: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: اتجروا في أموال اليتامى؛ لا تأكلها الزكاة. ثانيهما: أن عائشة ﵂ كان في حجرها يتيمان، وكانت

стр. 1613

تُخرج من أموالهما الزكاة. وذهب بعض الأئمة إلى عدم وجوب الزكاة في مال الصبي، وقالوا: إن العموم في قوله: "من أغنيائهم" يحمل على المكلفين، والصبي فاقد لأحد شروط التكليف، وهو البلوغ، وأجابوا عن الأثرين - أعني: أثر عمر بن الخطاب، وأثر عائشة -: بأنهما من قبيل الاستدلال بمذهب الصحابي، ومذهب الصحابي لا يمنع المجتهد من أن يبحث عن الحكم في أصول الشريعة بنفسه، ويقرر في الواقعة الحكم الذي يصل إليه من طريق الاجتهاد. ويؤخذ من قوله: "أغنيائهم": أن الزكاة تجب في الحلي الذي تملكه المرأة لتتجمل بلبسه، فإنها تصير به غنية، وهو مذهب جماعة من الصحابة، وبه قال الإمام أبو حنيفة. وذهب جماعة من الصحابة إلى عدم وجوب الزكاة فيه، وبه أخذ الشافعية، والمالكية، وأورد مالك في "الموطأ" على هذا أثرين: أحدهما: أن عائشة ﵂ كانت تحلّي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج عن حليهن الزكاة. وثانيهما: أن عبد الله بن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة. فإن اتخذ الرجل حلي النساء ليلبسه أهله منهن، وكان عنده من اتخذه من أجلهن من نحو زوج أو بنات، فلا زكاة فيه، فإن اتخذه رجاء أن تكون له أهل يتجملن به، فهذا لا يسقط عنه الزكاة؛ لأنه اتخذ ما لا يباح له لبسه، وليس عنده أهل للتحلي به. ولا زكاة في الحلي المباح يتخذه الرجل للعارية؛ لأنه متخذ للبس

стр. 1614

مباح، مع ما اقترن بذلك من قصد القربة. وقوله: "فترد على فقرائهم" يدل على أن الزكاة تصرف للفقراء. واختلفوا في المقدار الذي يملكه الشخص، فينتفي عنه الفقر، وتحرم عليه الصدقة، وهذا الحديث يدل على أن من ملك نصاباً مما تجب فيه الزكاة، فهو غني، فلا حق له في الزكاة، ووجه دلالة هذا الحديث: أنه قال: "تؤخذ من أغنيائهم" فوصف من تؤخذ منه الزكاة بالغنى، ولا تحل الصدقة لغني. وظاهر هذا الحديث: أن الصدقة تصرف للفقير، ولو كان قادراً على الكسب؛ فإنه قال: "فترد على فقرائهم"، فجعل صرفها منوطاً بصفة الفقر. وذهب بعض الأئمة إلى أن الزكاة لا تحل لمن كان قوياً على الكسب، وإن لم يملك شيئاً؛ لأنه بالقدرة على الكسب أصبح في حكم الأغنياء. والمراد بالقوي على الكسب: من يقدر على كسب ما يقوم بضرورات الحياة، فسليم البنية الذي يبذل جهده في الكسب، ولا يصل إلى ما يقوم بالضروري من عيشه، أو عيش من يعولهم، يجوز صرف الزكاة له؛ لأنه لم يقدر على كسب ما يكفي حاجته. ودل قوله: "على فقرائهم" على أن الزكاة إنما تعطى للفقير المسلم، ولا حق فيها للفقير الكافر؛ فإن الضمير في قوله: "فقرائهم" يعود على من أطاعوا بالشهادتين، وصاروا بذلك من القوم المسلمين. ويؤخذ من قوله: "فقرائهم": أن الزكاة تفرق على الفقراء الذين هم بالبلد الذي أخذت منه الزكاة، وهذا هو الوجه، إلا أن تكون حاجة غيرهم أشد، فيجوز لولي الأمران يفرق بعض الصدقة بموضعها، وينقل الباقي

стр. 1615

إلى موضع الحاجة. ومن ذهب من الأئمة إلى جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر، يرى أن الضمير في قوله: "فقرائهم" يعود على من يدعوهم معاذ من أهل اليمن بصفتهم مسلمين، فكأنه يقول: يرد على فقراء المسلمين. وظاهر هذا الحديث - حيث اقتصر على الفقراء -: أنه يجوز صرف زكاة أهل البلد إلى صنف من الأصناف الثمانية المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] , وبهذا قال مالك، والقائلون بوجوب توزيعها على الأصناف الثمانية يتاولون هذا الحديث على أن الاقتصار على ذكر الفقراء روعي فيه الغالب؛ لأنهم أغلب جهة تصرف إليها الزكاة. ثم قال: "فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم": الكرائم: جمع كريمة، والمراد: نفائس الأموال من أي صنف كان. نهاه عن أخذ خيار المال؛ لأنه إجحاف بحق أصحاب الأموال، إلا أن يعطوا الخيار من أنفسهم، وفي كتاب "الموطأ": أن عمر بن الخطاب مر بغنم من الصدقة، فرأى فيها شاة حافلاً (١) ذات ضرع عظيم، فقال عمر: ما هذه الشاة؟ فقالوا: شاة من الصدقة، فقال عمر: "ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات (٢) المسلمين".

стр. 1616

لا يجوز للعامل على الزكاة أخذ كرائم الأموال، ولا يجوز له أن يأخذ معايبها، فقد جاء في "صحيح البخاري": "لا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار"، والعوار: العيب. ويؤخذ من الحديث: أن الحق إذا تعلق بمال تختلف أفراده بالخيار والرداءة، أخذ الحق من الوسط، وذلك ما يقتضيه العدل. وفي قوله: "واتق دعوة المظلوم" تنبيه على أن أخذ أطايب الأموال في الزكاة ظلم، وأخرج النهي في صيغة عامة؛ ليتناول النهي كل نوع من أنواع الظلم. "فإنه ليس بينها وبين الله حجاب": الحجاب في الأصل: الستر الحائل بين الرائي والمرئي. ولما كان الشأن في الساتر المنعَ من الوصول إلى المقصود، عبر بنفيه عن عدم المانع من وصول الدعوة إلى الله، فقوله: "ليس بينها وبين الله حجاب" يرجع إلى معنى: أنها ليس لها صارف يصرفها, ولا مانع يمنعها، ونفي المانع من وصول دعوة المظلوم إلى الله كناية عن قبولها وإجابتها. ودعوة المظلوم مقبولة، وإن كان عاصياً، يدل على هذا حديث أبي هريرة فيما رواه الإمام أحمد بن حنبل: "دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجراً، ففجوره على نفسه". والحديث يدل على قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به؛ ذلك أن النبي ﷺ وأرسل معاذًا إلى اليمن، وأمره أن يبلغهم الدعوة إلى الشهادة؛ والصلاة والزكاة، ولولا أن خبره حجة عليهم، لما اكتفى بإرساله إليهم وحده. وأدلة قبول خبر الواحد فيما يرجع إلى الأحكام العملية قائمة متوفرة،

стр. 1617

ويلحق بالأحكام العملية: العمليات التي لا ترجع إلى عقائد الإيمان؛ كالأخبار المتعلقة ببعض الأمور المغيبة مما لا يدخل في حقيقة الإيمان, وأما ما يرجع إلى العقائد، فإنما يتمسك فيه بالأدلة القطعية. واقتصر في الحديث على الصلاة والزكاة، ولم يذكر فيه فريضتي الصوم والحج، مع أن بعث معاذ إلى اليمن كان في سنّة عشر، وهاتان الفريضتان مشروعتان، ووجه ذلك: أن في الصلاة والزكاة مشقة على النفوس أعظم من مشقة الصوم والحج، أما مشقة الصلاة، فلتكررها في كل يوم خمس مرات، وأما مشقة الزكاة، فلغلبة الشح على النفوس؛ فقد يحتمل الإنسان مشاق بدنية دون أن يبذل شيئاً من ماله في وجه لا يراه يعود عليه بفائدة دنيوية عاجلة، ونرى كثيراً ممن لا يحافظون على الصلاة، ولا يؤدون زكاة أموالهم، قد يلتزمون الصوم، ويسافرون لأداء فريضة الحج. فمن أجاب دعوة الصلاة والزكاة، وسهل عليه أداؤهما، أجاب دعوة الصوم والحج عند إلاستطاعة من غير تردد.

стр. 1618

شرح مسأله الاقتداء بالمذهب المخالف (١) سؤال: يهمني أن تتكرموا بعرض المسألة الآتية على قلم التحرير؛ لتمحيصها وبحثها على مقتضى مذهبي الإمامين: الشافعي، والحنفي؛ لكثرة الجدل حولهما، وعدم الوقوف على حقيقتها، وهي: هل يسوغ لشافعي أو حنفي الاقتداء بمالكي تحقق لهما أنه توضأ بماء مستعمل؟ ثم هل يصح للشافعي أو الحنفي أن يقلّد المالكي في الوضوء بالماء المذكور "المستعمل"، ويصليا على مذهبهما أم لا؟ جواب: اقتداء تابع أحد المذاهب في الصلاة بمخالف له في المذهب من المسائل التي جرى فيها الخلاف بين أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وإليك البيان: مذهب الحنفية: الأصح في مذهب الحنفية: أن الحنفي إذا تحقق من الشافعي - مثلاً - أنه أخلّ بشيء مما يراه الحنفي شرطاً، أو ركنًا في الصلاة، لم يصح اقتداؤه به. قال الشيخ الشرنبلاوي في "حواشيه على الدرر": "وأما الاقتداء

стр. 1619

بالمخالف، فإن كان مراعياً للشروط والأركان عندنا، فالاقتداء به صحيح على الأصح، ويكره، وإلا، فلا يصح أصلاً"؛ فالحنفي إذا رأى من الشافعي ما يفسد الصلاة في مذهبه، لم يصح اقتداؤه به. وذهب أبو بكر الرازي من الحنفية إلى جواز الاقتداء بالمخالف في الفروع باطلاق، فقال: "يجوز للحنفي الاقتداء بمن يخالف مذهبنا من المجتهدين، وتقليدهم، وإن رأى فيه ما يبطل الصلاة على رأيه ومذهبه". ونقل ابن الهمام عن شيخه سراج الدين الشهير بقارئ الهداية: أنه كان يعتقد قول الرازي، حتى أنكر مرة أن يكون فساد الصلاة بذلك مروياً عن المتقدمين. وللشيخ محمد عبد العظيم بن فروخ رسالة اعتمد فيها قول الرازي، وبنى رسالته عليه؛ حيث قال: "هذا - يعني: قول الرازي - هو المنصور دراية، وإن اعتمدوا خلافه رواية" وهو الذي أميل إليه، وعليه يتمشى ما ذهبنا إليه في هذه الورقات". فإذا تحقق حنفي من مالكي أنه توضأ بماء مستعمل، لم يصح الاقتداء به في المشهور من مذهب الحنفية، وساغ له الاقتداء به في قول أبي بكر الرازي. مذهب الشافعية: الأصح في مذهب الشافعية، كما في "المجموع" للإمام النووي: أن المأموم إذا تحقق ترك الإِمام لشيء هو في اعتقاد المأموم معتبر في صحة الصلاة، لم يصح اقتداؤه به، وإن لم يحقق إتيانه به، أو شكّ في ذلك، صح الاقتداء. وذهب أبو بكر محمد بن علي القفّال - من أكابر علماء الشافعية - إلى

стр. 1620

أن العبرة باعتقاد الإمام، فيصح اقتداء الشافعي بالحنفي أو المالكي إذا أتى الصلاة على الوجه الصحيح في مذهبه، وإن لم تكن صحيحة على مذهب المأموم، وتحقق المأموم ذلك، فلو مس حنفي امرأة، أو ترك الطمأنينة في الصلاة - مثلاً -، لم يصح اقتداء الشافعي به على ما هو الأصح في المذهب، وصح الاقتداء على قول أبي بكر القفال، فاقتداء الشافعي بمالكي تحقق له أنه توضأ بماء مستعمل يمنعه جمهور الشافعية، ويجيزه القفال. مذهب المالكية: المقرر في مذهب المالكية: أن الاقتداء بالمخالف في المذهب صحيح، ولو لم تكن صلاته صحيحة على مذهبهم؛ كأن يترك الدلك، أو مسح الرأس في الوضوء، قال الشيخ خليل في "مختصره": "وجاز اقتداء بمخالف في الفروع الظنية، ولو أتى بمناف لصحة الصلاة؛ كمسح بعض رأسه". مذهب الحنابلة: يجيز الحنابلة الاقتداء بمخالف في الفروع كالمالكية. قال الشيخ ابن تيمية في "فتاويه": "وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف، فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم، ولم يتوضأ، أفنصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف سعيد بن المسيب، ومالك؟!. ومعنى هذا الجواب: أنه يصح للحنبلي أن يصلي وراء المخالف في المذهب، وإن تلبس بما ينافي الصلاة في مذهب الإِمام أحمد بن حنبل؛ فإن سعيد بن المسيب، ومالك بن أنس لا يريان الوضوء من خروج الدم، وقد أنكر أحمد بن حنبل على من تردد في الاقتداء بمن يرى رأيهما، وقد خرج منه الدم ولم يتوضأ. وجه صحة الاقتداء: قد عرفت أن المالكية، والحنابلة، وأبا بكر الرازي

стр. 1621

من الحنفية، وأبا بكر القفال من الشافعية يجيزون الاقتداء بالمخالف في الفروع الظنية على الإطلاق، ووجه هذا المذهب: أن الأصل صحة اقتداء المسلمين بعضهم ببعض، ومن ذهب إلى عدم الصحة، فعليه إقامة الدليل، ولم نر للقائلين بعدم الصحة إلا دليلاً هو: اعتقاد المأموم أن إمامه على خطأ، وهذا غير كاف في الاستدلال؛ لأن المأموم يعتقد مع ذلك أن عمل الإمام صحيح عند الله؛ إذ كل مجتهد مطالب بأن يعمل على مقتضى اجتهاده، ومن قلده إنما يعمل على مقتضى هذا الاجتهاد، وإذا كان عمل المجتهد، أو من يقلده صحيحاً عند الله، فما المانع من الاقتداء به؟ ثم إن السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين كانوا يختلفون في الفروع، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرّج من الاقتداء بمن يخالفه في اجتهاده. * تقليد الشافعي أو الحنفي للمالكي: يجوز لأحد أتباع الأئمة المجتهدين تقليد مذهب إمام آخر إذا لم يقصد التلاعب، وهذا ما كان في عهد الصحابة ﵃؛ فإنه لم يرد أنهم أنكروا على العامة تقليد أحدهم في بعض المسائل، وآخر في غيرها، والمدار على أن يكون قاصد الانتقال من مذهبه على بينة من صحة الحكم في المذهب المنتقل إليه؛ كأن يتلقاه من عالم أمين، وصحة الوضوء بالماء المستعمل ثابتة في مذهب مالك، فإذا توضأ الشافعي أو الحنفي بالماء المستعمل مقلداً مذهب الإمام مالك، فصلاته صحيحة. هذا ما يقوله المحققون من علماء الأصول، غير أن منهم من يذكر للانتقال شروطاً، وأهم هذه الشروط: أن لا يحصل بالانتقال صورة يقع الإجماع على

стр. 1622

بطلانها؛ كأن يتزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود، وأن لا يكون شأنه التقاط رخص المذاهب أينما وجدها. وهذا الحكم واضح فيما إذا لم يعمل في الحادثة بمذهب إمامه قبل الانتقال إلى مذهب غيره، أما الانتقال في حادثة سبق له العمل فيها بمذهب التزم تقليده، فقد حكى فيه ابن الحاجب، والآمدي الاتفاق على المنع، وأنكر أبو عبد الله الزركشي في كتابه "البحر المحيط" هذا الاتفاق، وذكر أن الخلاف جار في الانتقال بعد العمل أيضاً؛ أي: إن من أهل العلم من يجيز للعامي أن ينتقل في الحادثة إلى مذهب آخر، ولو سبق له العمل فيها بمذهب إمامه.

стр. 1623

صنع الصّور واقتناؤها (١) سؤال: ما حكم الشرع الشريف في التصوير الفوتوغرافي، وهل الصور الفوتوغرافية تمنع دخول الملائكة في المحل الذي توجد فيه؟ وما حكم الشرع الشريف في إقامة تماثيل العظماء، هل يجوّزها، أو يحرّمها؟ سؤال: هل يحرم التصوير الشمسي (الفوتوغرافي)؟ وإذا كان، هل الحرمة مطلقة، أم هناك تفصيل؟ سؤال: هل يجوز حمل الصور والتماثيل، والنظر إليها، واقتناؤها في المكاتب والبيوت؟ وإذا كان ذلك حراماً، فما حكمة التحريم؟ وهل هناك فرق في التحريم بين التصوير الشمسي والرسم باليد (النصفي والكامل)، وصنع التماثيل (النصفية والكاملة)؟ وهل تصوير ما فيه روح وما لا روح فيه سواء، وما رأي "نور الإسلام" في إقامة تماثيل لعظماء الرجال بالميادين الفسيحة، والمنتزهات الكبيرة؟ سؤال: هل يجوز التصوير الشمسي؟ الجواب: يذكر فريق من أهل العلم حكم الصور، وما جرى فيها من

стр. 1624

خلاف، غير فارقين بين صنعها واقتنائها. ويرى فريق منهم: أن في الصور التي يحرم صنعها ما لا يحرم اقتناؤه، وطريقة هذا الفريق تدعونا إلى أن نبحث عن صنع الصور، ثم نبحث عن اتخاذها واقتنائها، والله ولي التوفيق. * التصوير: ورد في التصوير أحاديث صحيحة، منها: حديث: "إن أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصورون". وحديث: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" (١). ولما كان ظاهر هذين الحديثين يجعل المصور في أشد العذاب الذي هو جزاء الكافرين، وأصول الشريعة تقتضي أن عقوبة فعل المحرم لا تبلغ أشد العذاب، حمل بعض أهل العلم الحديث الأول على من يصور ما يعبد من دون الله، وحملوا الحديث الثاني على من يصور قاصداً أن يضاهي خلق الله، ومن يصنع الصور قاصداً لأن تعبد من دون الله، أو يصنعها قاصداً التشبه في فعله بخلق الله، فقد جاء بما لا يفعله إلا جاحد، فيستحق أن يكون من أشد الناس عذاباً يوم القيامة. ومقتضى فهم الحديثين على هذا الوجه يخرج من وعيدهما من يصور ما لا يعبد، ومن يصور غير قاصد المضاهاة بخلق الله. ووردت أحاديث في وعيد المصورين بالعذاب دون أن تجعلهم في أشد مراتبه؛ كحديث: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم" (١). وحديث: "من صور صورة، كلف يوم القيامة أن

стр. 1625

ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ" (١). جاءت هذه الأحاديث، وهي تدل بظاهرها على حرمة التصوير بوجه عام، ولكن العلماء اختلفوا في حكم تصوير الحيوان والإنسان على حسب اختلاف أنظارهم في فهم هذه الأحاديث، والتفقه في علة النهي، واختيار طريق الجمع بين ما يظهر في بعضها من تعارض. فذهب فريق إلى المنع من صنعها بإطلاق، وقالوا: تصوير الحيوان حرام بكل حال، وسواء كان في ثوب، أو بساط، أو دينار، أو درهم، أو فلس، أو إناء، أو حائط، وسواء في هذا كله ما له ظل، وما لا ظل له. واستثنى بعض أهل العلم من منع تصوير ما له ظل: الصور التي تصنع للعب البنات؛ لما ورد فيها من الرخصة، ذكر هذا القرطبي في "تفسيره"، ونقل الماوردي في "الأحكام السلطانية": أن أبا سعيد الإصطخري من أصحاب الإِمام الشافعي تقلد حسبة بغداد في أيام المقتدر، وأقر سوق اللُّعب، ولم يمنع منها، وقال: قد كانت عائشة - رضي الله عثها - تلعب بالبنات بمشهد رسول الله ﷺ ، فلا ينكره عليها (٢)، ثم قال: وليس ما ذكره من اللُّعب ببعيد من الاجتهاد. وأجاز بعض أهل العلم؛ كأصبغ بن الفرج المالكي صنعَ الصور مما لا يبقى طويلاً؛ كالعجين، ومن هذا ما يصنع في شكل الحيوان من الحلوى، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ

стр. 1626

وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣]: قد استثني من هذا الباب: لعب البنات، وما يصنع من الحلوى أو العجين، ووجه نظر هؤلاء: أن صورة ما يعظم ويعبد من دون الله ليس من شأنها أن تصنع مما لا يبقى زمناً طويلاً. وقيد آخرون منع الصور المجسمة بتمام الأعضاء الظاهرة، أما إذا كانت الصورة ناقصة عضواً لو قطع من الحيوان، فقد معه الحياة؛ كالرأس، والبطن، فصنعها غير محرم عند هؤلاء، ووجه هذا القيد: أن الحديث يقول في وعيد المصورين: "ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، ومقتضاه: أن تكون الصورة تامة الأعضاء التي لا حياة لها بدونها, ولا ينقصها إلا نفخ الروح الذي يكون به الإِحياء. ورأى بعض الفقهاء - فيما حكاه أبو محمد الجويني - جواز نسج الصور في الثوب، وأفتى آخرون لإباحة التصوير على الأرض ونحوها، وقال الخطابي: الذي يصور أشكال الحيوان (أي: يصنع صورتها دون أن يكون لها ظل) أرجو ألا يكون داخلاً في هذا الوعيد. ومما يصح أن يكون مستنداً لهؤلاء: أن النبي ﷺ لما أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، قال: "إلا رقماً في ثوب"، وهذا استثناء - وإن ورد في سياق النهي عن اتخاذ الصور - فهو يؤذن بأن رقم الصور في الثوب غير داخل فيما حرم من التصوير. وذهب بعض الناس في الشذوذ إلى مكان بعيد، فأجازوا تصوير ما له ظل بإطلاق، حكى هذا القول بعض المفسرين عند قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣]. قال ابن عطية: وذلك خطأ، ولا أعلم من أئمة العلم من يجوزه، ولا حجة لهم في هذه الآية على جواز تصوير ما له ظل، ولو سلمنا أن هذه

стр. 1627

التماثيل التي كانت تعمل لسليمان ﵇ من قبيل الصور ذات الأجسام التامة الأعضاء، فإن الآية حديث عما يعمله الجن لسليمان ﵇، وشَرْعُ من قبلنا ليس شرعاً لنا عند كثير من أهل العلم حتى يقوم الدليل على مشروعيته. ومن يذهب إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا، يضع لذلك شرطاً هو: أن لا يرد في الكتاب أو السنّة ما يخالفه، وقد ورد في السنّة الصحيحة أحاديث صريحة في تحريم الصور، وليس وراء الصور ذوات الأجسام ما يصح أن يكون مناط التحريم في هذه الأحاديث. ويبقى النظر بعد هذا في أخذ الصور بالآلة المصورة (الفوتوغرافية) هل يجري في حكمه على ما برقم في الثوب، أو يرسم على الأرض أو الورق من أشكال الحيوان، فيكون من مواضع الخلاف السابق، حراماً عند قوم، جائزاً أو مكروهاً عند آخرين، أو أن لأخذ الصورة بالآلة المصورة نظراً آخر يستدعي من الحكم غير ما يستدعيه التصوير باليد مباشرة، فيكون جائزاً، ولو عند من يقول بحرمة التصوير أشكال الحيوان؟. من الواضح أن المصوِّر بنحو الرقم أو النقش، والمصور بالآلة المصورة يفترقان في وسيلة حصول الصورة. فالأول يمسك القلم أو الريشة بيده، ويأخذ في صنع الصورة جزءاً فجزءاً حتى يستوفي أجزاءها، ويخرجها في شكل ذي روح، فهو صانع الصورة بيده، وهذا ما يمكن أن يقترن بعلة مضاهاة الخالق؛ أعني: العلة الواردة في الحديث. أما حصول الصورة باستعمال الآلة المصورة، فطريقه: أن صاحب الآلة يضع ورق التصوير في مزيج من أملاح الفضة، و (يودور) الفضة، ومادة

стр. 1628

أخرى لزجة، بمقدار مناسب، ثم يعرض رق التصوير (الفلم) للضوء، فتنطبع فيه صورة ما يراد أخذ صورته بوسيلة دخول الضوء من عدسة الآلة، ووقوعه على الرق (الفيلم)، ويعالج بعد هذا بمحلول (هيبوسلفات السودة)، فتظهر الصورة بعد أن كانت خافية، وبعد ظهورها تعاد بحمض خاص لتصير ثابتة، غير أن أجزاء الجسم المستنيرة تظهر في الصورة سوداء، وأجزاؤها القاتمة تظهر بيضاء، وهذه هي الصورة المسماة عندهم بالصورة السالبة؛ والذي يصنعه المصور بعد هذا حتى تخرج الصورة موافقة لما في الواقع، هو أن يلصق الصورة السالبة بورقة من الورق الحساس، ويعرضها للضوء، فتنطبع الصورة في الورقة عائداً كل لون منها إلى أصله من بياض أو سواد، وتلك هي المسماة عندهم: الصورة الموجبة. فهذه الوسيلة لأخذ الصورة لم تكن معروفة لعهد الوحي في تصوير ما ليس له ظل، فمن يذهب إلى إباحة رقم الصور في الثوب يجيز التصوير بهذه الآلة من غير تردد؛ إذ لا تزيد على الرقم في الثوب، والنقش على الورق بشيء يقتضي منعها. ومن منع من تصوير ما ليس له ظل، قد يرى أن المنع مقصور على التصوير بالطريقة المعروفة لعهد الوحي؛ لأن التصوير إيجاد الصورة، وهذا المعنى ظاهر فيمن صنع أجزاء الصور بيده، أما الصورة الحادثة بالآلة المصورة، فمرجعها إلى ما أوجده الخالق تعالى في تلك المواد من خواص، ثم دخول الضوء من العدسة، وانطباع الصورة على الرق (الفيلم)، أو الزجاجة، ثم انطباعها على الورق الحساس، فليس من البعيد أن يكون لهذا الفرق أثر في أن يكون الجواز في التصوير الشمسي أظهر منه في رقم

стр. 1629

أشكال الحيوان باليد مباشرة، وهذا ما أفتى به حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية سابقاً. * علة تحريم التصوير: بعث النبي ﷺ والناس ينصبون تماثيل يسمونها: آلهة، ويعبدونها من دون الله؛ بزعم أنها تقربهم إلى الله زلفى، فجاء الإسلام منكراً لصنيعهم أشد الإنكار، ومعبراً عن سفه عقولهم بأبلغ بيان. ومن المناهج التي تسلكها الشريعة الحكيمة لظهور الرشد على الغي: أن تجيء إلى ما شأنه أن يكون وسيلة إلى ضلالة، ولا منفعة فيه البتة، أو تكون منفعته أقل من إثم ما يتوسل به إليه من ضلال، فتمنع من إتيانه، وهذه الطريقة تقتضي النهي عن التصوير الذي هو أحد الوسائل إلى عبادة غير الواحد الخلاق، وقد قرر بعض العلماء للمنع من التصوير هذه العلة، وهي كونه ذريعة للغلو في تعظيم غير الله. قال القاضي أبو بكر بن العربي: "والذي أوجب النهي عن التصوير في شرعنا- والله أعلم-: ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصورون ويعبدون، فقطع الله الذريعة، وحمى الباب". وإذا قيل: إن علة المنع من التصوير - فيما يظهر في الأحاديث - هي التشبه بخلق الله، يؤخذ هذا من قوله ﷺ : "إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله"، فقد نبه على أن علة عذابهم الأشد: تشبههم بخلق الله إلى صنعهم شيئاً يتشبهون فيه بالخالق، ودل على هذا الوجه أيضاً حديث: "ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، فقوله: "أحيوا ما خلقتم" مشعر بأن علة الإنكار هي التشبه بالخالق.

стр. 1630

إذا قيل هذا، قلنا: هذه العلة المشار إليها في الحديث لا تمنع من أن يكون للمنع من التصوير علتان: إحداهما تجعله مفسدة في نفسه، وهي التشبه بمبدع الخليقة، والأخرى كونه وسيلة إلى ما فيه أكبر مفسدة؛ أعني: الغلو في تعظيم غير الله. قال القاضي أبو بكر بن العربي - بعد أن ذكر علة سد الذريعة إلى عبادة الأصنام-: فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : "من صور صورة، عذبه الله بها حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ"، وفي رواية: "يتشبهون بخلق الله"، فعلل بغير ما زعمتم، قلنا: نهى عن الصورة، وذكر علة التشبه بخلق الله، وفيها زيادة على هذا: عبادتها من دون الله، ذنبه على أن نفس عملها معصية، فما ظنّك بعبادتها؟!. وهذا النظر يقتضي أن النهي عن التصوير قائم على هاتين العلتين، ولو كانت العلة سد الذريعة وحده، لكان لأنظار الفقهاء في حال انقطاع الناس عن اتخاذ الصور آلهة مجال، ولكن على المضاهاة بخلق الله تجعل المنع باقياً؛ حيث لم تقيد المضاهاة في الحديث بالقصد إليها، وقد عرفت أن العلماء الذين يذهبون إلى إباحة صنع بعض الصور؛ مثل: ما ليس له ظل، أو كان مجسماً غير تام الأعضاء، أو ما دعت إليه مصلحة التدريب على إدارة المنزل، يستندون فيما أفتوا به إلى أحاديث تجعل النهي مقصورًا على غير ما أفتوا لإباحته. * هل يجوز التصوير لمصالح تقتضيه؟: نهى النبي ﷺ عن التصوير؛ صَرفاً للناس عن حال التشبه بالخالق، وأذن بلعب البنات لمصلحة التمرين على إدارة المنزل، فدل على أن مصلحة هذا

стр. 1631

التمرين ترجح على مفسدة التصوير، فهل للفقهاء إذا عرفوا في تصوير شيء من الأشياء مصلحة جلية، أن يفتوا بإباحته على قدر ما تدعو إليه الحاجة؟ لم نجد في كتب الفقه ما يشعر بصحة هذا التصرف إلا كلمة قالها الماوردي في "الأحكام السلطانية" عند الحديث عن لعب البنات، ونصه: "وأما اللعب، فليس يقصد بها المعاصي، وإنما يقصد بها إلف البنات لتربية الأولاد، وفيها وجه من وجوه التدبير تقارنه معصية بتصوير ذوات الأرواح، ومشابهة الأصنام، فللتمكين منها وجه، وللمنع منها وجه، وبحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره". وإذا أراد الماوردي من شواهد الأحوال: الأحوال التي نص فيها الشارع على منع التصوير، أو إباحته، لم يبق بأيدينا نص من الفقهاء في إباحة التصوير عند ما يكون له - فيما يظهر - فائدة. ومن المواضع التي ينتفع فيها بالتصوير لهذا العهد: أن يوجد قتيل في خلاء، ولا يعرف من أي قبيل هو، فتؤخذ صورته لتعرض في الصحف؛ لعل أهله يطلعون عليها، ويترتب على درايتهم بقتله نحو: الإرث، وتنفيذ الوصايا، وفي حضور أهله معونة على تحقيق البحث في الجناية. ويشبه هذا: أن يوجد صبي ضائعاً، فتؤخذ صورته لتعرض في الصحف، حتى إذا رآها وليّه، جاء فتسلمه، ومن هذا القبيل: وضع صورة من مَرَدَ على الجنايات في الصحف، أو في المجتمعات العامة؛ ليحذره الناس، فيسلموا من أذيته، ويضاهي هذا: رسم أشكال الحيوان في كتب علم الحيوان؛ إذ يتوقف عليه الرسوخ في ذلك العلم.

стр. 1632

فهذه الأحوال ونحوها - مما يظهر فيه وجه الانتفاع بالتصوير - يصح أن يؤخذ فيها بمذهب من يحيى تصوير ما ليس له ظل، مرفوعاً كان أو ممتهناً، ناقص بعض الأعضاء أو تامها. * اتخاذ الصور: الصور على نوعين: ١ - ما ليس له ظل؛ كالمرقوم في ثوب، أو المرسوم في ورق. ٢ - وما له ظل، وهو ما كان ذا جسم قائم بنفسه. أما ما ليس له ظل، ففيه أربعة مذاهب: أحدها: المنع من اتخاذه بإطلاق؛ وقوفاً مع ظاهر الأحاديث الواردة في الوعيد أو النهي غير مصحوبة بقيد. ثانيها: منع ما تكون فيه الصورة متصلة الهيئة، تامة الشكل، وإباحةُ اتخاذ ما كان غير تام الشكل، وما تفرقت أجزاؤه بعد أن كانت ملتئمة، وهذا ما اختاره القاضي أبو بكر بن العربي، ورجحه ابن عبد البر، وهذا المذهب نشأ بالجمع بين حديثين في ظاهرهما تعارض، وهما: حديث هتك النبي ﷺ للستر الذي كان فيه تماثيل، وجعل عائشة ﵂ منه وسادتين؛ وحديث قيامه ﵊ بباب الحجرة؛ إذ رأى نُمرقة فيها تصاوير حتى قال منكراً ذلك: "ما هذه النمرقة؟ "، فقالت له عائشة: لتجلس عليها وتوسدها، فلم يقر ذلك، بل قال: "إن أصحاب هذه الصورة يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، فالحديث الأول يدل على أن الصورة المنسوجة في نحو الوسادة جائزة، والحديث الثاني يدل على أنها ممنوعة، ومتى قلنا: إن الصورة في الحديث الأول - عندما جعل الستر وسادة -

стр. 1633

لم تبق تامة الشكل، بل تفرقت أجزاؤها، فكانت جائزة، والصورة في الحديث الثاني كانت تامة الهيئة، فأنكرها ﵊، زالت شبهة التعارض بين الحديثين. ثالثها: منع ما يكون معلقاً أو مرفوعاً، وإباحة ما يكون مفروشاً أو ممتهناً بالاستعمال؛ كالصور المرقومة في وسائد، أو زرابي، وهذا هو الذي رواه المزني عن الإمام الشافعي، ورجّحه النووي، وقال: هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين، والفرق بين المعلق والمفروش: أن ما يوطأ ممتهن ومبتذل، والمرفوع يشبه ما نصب من الأصنام، والصور الممتهنة يرجح الإمام النووي جواز استعمالها، ويجزم مع هذا بحرمة صنعها. رابعها: الجواز بإطلاق، وهو ما نقله ابن أبي شيبة عن القاسم بن محمد أحدِ فقهاء المدينة السبعة، ولفظه: "عن أبي عوني، قال: دخلت على القاسم وهو بأعلى مكة في بيته، فرأيت في بيته حجلة فيها تصاوير القندس (١) والعنقاء". وهذا المذهب يستند إلى حديث بُسر بن سعيد عن زيد بن خالد، عن أبي طلحة: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه الصورة". قال بسر: ثم اشتكى زيد، فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله ربيب ميمونة زوج النبي ﷺ : ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: "إلا رقماً في ثوب"؟ وفي كتاب "الموطأ": "أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود دخل

стр. 1634

على أبي طلحة الأنصاري يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف، فدعا أبو طلحة إنسانًا، فنزع نمطًا من تحته: فقال سهل بن حنيف: لم تنزعه؟ قال: لأن فيه تصاوير، وقد قال رسول الله ﷺ ما قد علمتَ، فقال سهل: ألم يقل رسول الله ﷺ : "إلا رقماً ثوب"؟ قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي. وعلى هذا المذهب جرى المتأخرون من فقهاء المالكية، غير أنهم عبروا بالكراهة، وخلاف الأولى. قال الشيخ خليل في كتاب "التوضيح": التمثال إن كان لغير حيوان، جاز، وإن كان لحيوان، ويقيم (أي: يبقى طويلاً)، فهو حرام بإجماع، وكذا إن لم يقم؛ خلافاً لأصبغ، وما ليس له ظل إن كان غير ممتهن، فهو مكروه، وإن كان ممتهنًا، فتركه أولى. ومن أهل العلم من يرى أن النهي عن اتخاذ الصور قد جاء في أول الإِسلام عاماً؛ ليقطع الوسيلة إلى عبادة الأصنام، وبعد أن تقرر هذا الحكم، وعرف الناس شدة مقت الشارع للتغالي في تعظيم غير الله إلى حد العبادة، أذن في اتخاذ ما كان رقمًا في ثوب، فيكون حديث: "إلا رقمًا في ثوب، مرخصاً في بعض ما حرم في أول الأمر من التصاوير. وأما ما له ظل قائم، وكان تام الأعضاء، مصنوعاً مما يبقى زمناً طويلاً، ولم تدع إليه مصلحة التدريب على تدبير المنزل، فيحرم اتخاذه بلا خلاف، والرأي الشاذ الذي حكاه بعض المفسرين في جواز صنعه، ومقتضاه: جواز اقتنائه، لا يستند إلى أصل معقول، أو وجه يتلقاه النظر بالقبول. فإن كان ناقص بعض الأعضاء الظاهرة؛ كالرأس أو البطن، فذلك ما يفتي المتأخرون من فقهاء المالكية بإباحته، وإن كان مصنوعاً مما لا يبقى زمناً طويلاً، فهو ما يقول أصبع بجواز اتخاذه، وإن دعت إليه حاجة التدريب

стр. 1635

على إدارة شؤون المنزل، فهو جائز عند بعض الفقهاء، مستنداً إلى ما قدمناه لك من حديث عائشة ﵂ في اتخاذها صور بنات تلعب بهن على مرأى من رسول الله ﷺ من غير إنكار. وبهذا التفصيل يعلم حكم إقامة تماثيل للعظماء.

стр. 1636

مكافحة الجشع والغش في المعاملات المالية (١) تحيا الأمة في سلامة أو سيادة، متى حظيت بقوتين عظيمتين، هما: القوة النفسية، والقوة العملية. والقوة النفسية: في استنارة عقولها، وسمو أخلاقها، والقوة العملية: في إتقان فن الزراعة، والبراعة في الصناعة، وإحكام أمر التجارة. فالزراعة والصناعة والتجارة هي الأصول التي تقوم عليها المدنية الزاخرة، ويحدث عنها ما يجري بين الأفراد والجماعات من المعاملات المالية. فإذا تحدثنا عن المعاملات المالية، وضربنا الأمثال لما يليق منها، وما لا يليق، فإنا نريد: المبايعات التي تقع بين التاجر أو الزارع أو الصاح، وبين من يأخذ منه حاجته بعوض مسمّى. وقد وجّه الشرع الإسلامي عنايته إلى المعاملات المالية، ووضع لها نظماً تَحفَظُ من أكل أموال الناس بالباطل، وحاط هذه النظم بمواعظ بالغة متى كان في الناس إيمان صادق، وحذرٌ من سوء العواقب. وليس من غرضنا التحدث عن تلك النظم التي يرجع إليها القضاة عند الفصل بين الخصوم؛ فإنها نظم واسعة النطاق، ولها مقامات غير هذا المقام،

стр. 1637

وإنما نريد تذكير الأمة في هذه الأوقات العسيرة بفضيلة العدل، والسماحة في المبايعات، ويما يعودان به على الفرد والجماعة من خيرات شاملة، وعواقب حسنة، ثم تذكيرها بضرر الخروج على نظم الشريعة، والذبذبة في طرق الغش والخداع. وينبغي أن نعلم أن لتعاطي التجارة والزراعة والصناعة ثلاثة أغراض: أولها: أن يقوم الإنسان بما تتطلبه حياته الخاصة؛ من نحو: المطعم والملبس والمسكن؛ ليحتفظ بكرامته، ويعيش في غنى عما في أيدي الناس. ثانيها: أن ييسر للناس أمر معايشهم؛ إذ ليس كل أحد يقدر على أن يزرع أو يصنع، أو يجلب الأقوات أو البضائع من أماكن بعيدة. ثالثها: أن يكون قومه في قوة يستطيعون أن يصدوا بها عدوّهم المهاجم، وقد عرفنا أن هذه الأصول الثلاثة هي قوام القوة العملية التي تجعل الأمة في أمن ومنعة. والناس في المبايعات أصناف: صنف يأخذ بالإنصاف، فيحرص على أن يستوفي حقه، ويأبى أن يتعداه إلى شيء من حقوق غيره، ويسير هذا الصنف في مبايعاته على طريقة المماكسة، وهي المساومة بالزيادة والنقصان. ولا بأس في الأخذ بهذه الطريقة ما دامت المساومة في حدود الاعتدال، وما زال الفضلاء يأخذون في مبايعاتهم بالمماكسة المعقولة. رُئي عبد الله بن جعفر يماكس في درهم، فقيل له: أتماكس في درهم، وأنت تجود من المال بما تجود؟ فقال: ذلك مالي جُدت به، وهذا عقلي بخلت به. ومن الناس من يلوذ بالعفاف، ويأبى أن يصل إلى يده شيء من حقوق

стр. 1638

غيره، وتطيب نفسه بأن يترك شيئاً من حقه للمبايع على وجه المكارمة؛ كان يحتمل في مبايعات الفقراء شيئاً من الغبن، أو يعطي المبايع شيئاً أفضل مما وقع عليه العقد. كان لرجل على رسول الله ﷺ دين، فقضاه بأحسن مما أخذ منه، فقال له الرجل: أوفيتني أوفى الله بك، فقال - صلوات الله عليه -: "إن خياركم أحسنكم قضاء". واستلف عبد الرحمن بن عمر من رجل دراهم، ثم قضاه دراهم خيراً منها، فقال له الرجل: يا أبا عبد الرحمن! هذه خير من دراهمي التي أسلفتك، فقال ابن عمر: قد علمت، ولكن نفسي بذلك طيبة. فلا يمدح الرجل على شرائه الشيء بأكثر من ثمنه، أو بيعه بأقل من ثمنه، وهو يجهل قيمته، وإنما يمدح على مثل هذه المعاملة متى كان يعلم قيمة ما باع أو اشترى. وإنما يتقبل الرجل ما زاد على حقه في المبايعة حيث يثق بأن الزيادة كانت على وجه المكارمة، فإن اشتبه عليه الحال، واحتمل أن تكون الزيادة وقعت على وجه الخطأ، أو الجهل بمقدار الحق، وجب عليه ردها إلى صاحبها، وإن هو لم يفعل، فقد وضع في بطنه أو في بيته جذوة من نار الحريق. اشترى ابن عمر شيئاً، فوضع يده فوق المكيال، وحثا له عليه، فقال له ابن عمر: أرسل يدك، ولا تمسك على رأسه؛ فإن في ما يحمله المكيال. وأذكر أن جرير بن عبد الله - وكان من أفاضل الصحابة - اشترى له غلامه فرسًا بثلاث مئة، فلما رأى جرير الفرس، ذهب إلى صاحبها، وقال له: إن فرسك خير من ثلاث مئة، وما زال يزيده في الثمن حتى أعطاه ثمان مئة.

стр. 1639

أما الصنف الثالث من الناس، فهم الذين يستوفون في المبايعات حقوقهم، وترضى لهم نفوسهم أن يبخسوا حق غيرهم، فينالوا منه ما استطاعوا على وجه الغش والخداع، وهذا الضرب من المعاملة إنما توحي به قلوب كالحجارة أو أشد قسوة، بل قلوب لم يدخل فيها الإيمان الحافظ من أكل أموال الناس بالباطل. ولا مرية في أن انسياق الرجل في مبايعاته مع الجشع، وارتكاب طرق الغش، يفسد عليه الأغراض الشريفة التي تقصد من التجارة: يفسد عليه غرض التيسير على قومه، وغرض مؤازرتهم على القوة التي بها سلامتهم وسيادتهم؛ فإن الشرِه والغاش في معاملاته إنما يريد بالقوم عسراً لا يسراً، ولا ينتظم للقوم قوة والقابضون على أصول حياتها شرهون مخادعون. بل الشرَه والغش يفسد على الرجل غرض الاحتفاظ بكرامته؛ إذ لا كرامة لمن تتلوث نفسه بالشره، وتنغمس في رذيلة الغش والخداع. ولفظاعة الجشع والغش في المعاملات، وإخلالهما بنظام الأمن، وتشويههما لوجه المدنية الفاضلة، عُنيت الشريعة الغراء بمكافحتها، قال رسول الله ﷺ : "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى". وقال ﵊: "من غشّنا، فليس منا". وتحدث- ﵊ عن زمان يكثر فيه الشر، ويغلب عليه الفساد، وقال: "فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة". يكون الغش بنقص كيل المبيع أو وزنه، وهو التطفيف المتوعَّد عليه في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ

стр. 1640

النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦]. وفي قوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] إيماء إلى أن عدم إيفاء الكيل والوزن في المبايعات؛ شأن من لا يصدق بأنه سيبعث، ويحاسب على ما قدمت يداه من أمثال هذه الخيانة الدنيئة. وإن شئتم أن تزدادوا علماً بخطر الغش في الكيل والوزن، فاقرؤوا ما قصّه الله تعالى في دعوة شعيب ﵇ لقومه، إذ قال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤]. فقد قرن شعيب ﵇ النهي عن نقص الكيل والوزن بالنهي عن الشرك بالله، وقرن بين الجريمتين في الوعيد، فدل على أن الغش في الكيل والوزن بالغ في الفساد إلى حال قريبة من الحال الشرك برب العالمين. ويلحق بالكيل والموزون: ما يباع بالذراع، فكل من نقص الكيل والوزن والذرع اعتداء على مال خفية، فعقوبة نقص الذرع هي عقوبة نقص الكيل والوزن، وخساسة ارتكاب هذا هي خساسة ارتكاب ذاك. ويكون الغش بكتم العيب في المبيع أو الثمن، وقد علَّمنا النبي ﷺ أن لهذا الغش جزاء في الدنيا قبل جزاء الآخرة، هو: زوال البركة من المال، فقد قال ﵇ في المتبايعين: "فإن بَيّنا، وصدقا، بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا، محقت بركة بيعهما ". ومن أسباب ذهاب البركة من المال، وتداعيه إلى نقص أو نفاد: أن الذي يخادع في معاملاته، يُعرف بهذا الخداع بين الناس، فينصرفون عنه

стр. 1641

إلى معاملة غيره، فيفوته أرباح كثيرة كانت تنمّي ماله لو جرى في مبايعاته على نصح وأمانة. قيل للزبير ﵁: بلغت من اليسار ما بلغت؟ فقال: "لم أرُدّ ربحاً، ولم أكتم عيباً". ويكون الغش بخلط المبيع بشيء أدنى منه، وبيعه على أنه صاف غير مخلوط؛ كبيع الحلي على أنه ذهب، وهو مخلوط بنحاس أو حديد، أو بيع الطعام على أنه قمح، وهو مخلوط بعدس أو شعير. ومن هذا القبيل: دفع المشتري في ثمن المبيع دراهم زائفة، وإيهام البائع أنها سليمة جيدة، وكان السلف يتعلمون علامات النقود الزائفة حتى لا يقبلوها على جهالة فيغبنوا، أو يسلموها إلى غيرهم في مبايعة، فيكونوا وسيلة إلى الإضرار به وهم لا يشعرون. ويكون الغش بدعوى أن البضاعة من صنف أعلى، وهي من صنف دونه، أو بنسبتها إلى بلد أو معمل عرفت مصنوعاته بالجودة والإتقان، وليست منه، ولكثرة وقوع هذا النوع من الغش في المعاملات قالوا: "من اشترى الأشياء على وصف أهلها، غُبِن". ويكون الغش بدعوى البائع أن هذه البضاعة لا توجد إلا عنده، أو أنه أُعطي بها عشرة أو مئة، وهو لم يعطَ بها هذا الثمن المسمّى، وتكبر الجريمة إذا أكد هذه الدعوى بيمين، فيستحق قسطًا كبيراً من وعيد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]

стр. 1642

ويضاهي هذا الضرب من الغش: أن يعرض التاجر سلعة، ويتفق مع آخر على أن يزيده في ثمنها، وهو لا يريد شراءها، وإنما يفعل هذا؛ ليوهم غيره أنها سلعة مرغوب فيها، فيبذل فيها ثمناً فوق ثمنها، وهذا ما يسمّى في عرف الشارع بالنجش، وهو ما نهى عنه النبي ﷺ بقوله: "ولا تناجشوا". يلحق الناس ضرر فادح من الغش في المبايعات، ويلحقهم ضرر مثله من أن يعمد متعاطي التجارة إلى الأطعمة والبضاح التي تكثر الحاجة إليها، فيحبسها عنده منتظرًا غلاءها، وذلك ما يسمى بالاحتكار، وقد كافح الإسلام هذا الشر بالزجر والوعيد البالغ، قال ﷺ : "لا يحتكر إلا خاطئ". وقال ﵊: "من احتكر على المسلمين طعامهم، ضربه الله بالجذام والإفلاس". وقال عمر بن الخطاب: "لا حُكْرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم أذهاب، إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا، فيحتكرونه علينا". ولم يختلف الفقهاء في حرمة الاحتكار في أيام العسرة والضيق، ونصوا على أن حرمة الاحتكار لا تختص بالطعام، بل تجري في كل ما يحتاج إليه الناس. قال مالك بن أنس ﵁: إن الطعام وغيره من الكتان والقطن وجميع ما يحتاج إليه في حرمة احتكارها سواء. يتوسل التجار الجشعون إلى أكل أموال الناس بالغش والخداع، ويرفعون أسعار الحاجيات من أنفسهم ليصلوا إلى أرباح وافرة، وقد أذن الشارع الحكيم في مكافحة هذا الجشع، وإماطة أذاه عن الناس، وأفتى علماؤنا بتحديد أسعار

стр. 1643

الحاجيات على وجه يراعى فيه مصالح البائعين والمشترين. قال القاضي أبو بكر بن العربي: "والحق التسعير، وضبط الأمر على قانون لا تكون فيه مظلمة على أحد من الطائفتين". وطريقة التسعير على ما وصفوا: أن يجمع الحاكم وجوه أهل السوق، ويحضر غيرهم من أهل الخبرة، ويتعرف كيف يشتري أهل السوق وكيف يبيعون، ثم يقرر للأشياء أثماناً يجعل فيها للباعة من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس. وكان التسعير وإنفاذه في بلاد الأندلس يرجع إلى ولاية الحسبة، يقول الكاتبون في تاريخ الأندلس: يمشي المحتسب في الأسواق راكبًا، وأعوانه معه، وميزانه الذي يزن به الخبز في يد أحد الأعوان؛ لأن الخبز عندهم معلوم الأوزان، وكذلك اللحم تكون عليه ورقة بسعره، ولا يجسر الجزّار أن يبيع بأكثر مما حدّه له المحتسب في الورقة، ولا يكاد تخفى خيانته، وإذا وقف لأحد على خيانة، اشتد في عقابه، وإن أكثر ذلك منه، ولم يتب، نفاه من البلد. وقص علينا القاضي أبو بكر بن العربي: أن الخليفة ببغداد كان إذا رفع التجار أسعار الطعام، فتح المخازن، وأذن في بيع ما فيها بأقل مما يبيع التجار، ولا يزال على هذا الحال حتى تعود الأسعار إلى أصلها، أو إلى القدر المناسب، قال: وبهذه الطريقة يغلب المحتكرين والجالبين، ويدفع عن الناس ضرراً عظيماً. وكان العلماء بحق يدركون خطر العبث بالأسعار، والغش في المبايعات، فلا يدخرون وسعاً في وعظ التجار، وتذكيرهم بتقوى علام الغيوب، وتربيتهم

стр. 1644

على القناعة بما تيسر من الأرباح. كان ابن عمر ﵁ على البائع، فيقول له: اتق الله، وأوف الكيل. وكان علي بن أبي طالب ﵁ يطوف سوق الكوفة، ويعظ التجار، ومما يقول في وعظه؛ "معاشر التجار! لا تردوا قليل الربح؛ فتحرموا كثيره". وخلاصة حديثنا هذا: أن قانون العدل وكرم الأخلاق ينادي الإنسان؛ لأن يأخذ نفسه بالأمانة والسماحة في المبايعات، فإن هو لم يفعل، وارتكب طريقة الجشع والغش، فقد انتبذ في النذالة مكاناً بعيداً، وأقام بينه وبين الإنسانية حجاباً غليظًا. فالشره والغش قذارة في النفوس، يجب على دعاة الإصلاح أن يغسلوها بالحكمة والموعظة، وعوجٌ في المجتمع يجب على من بيده الأمر أن يقومه بالعزائم الصادقة، والعقوبات العادلة النافذة.

стр. 1645

التّصوف (١) اختلفوا في أصل كلمة الصوفية، وذهبوا فيه مذاهب أصحُّها: أنها مأخوذة من الصوف؛ لأن الزهَّاد كانوا يعمدون إلى لبس الصوف؛ بعدًا وتجنباً للبس الفاخر من الثياب. وهناك آراء ضعيفة: منها: أن الصوفية نسبة إلى صُفَّة؛ لشبه الزهاد بأهل الصفَّة، وهم جماعة من فقراء الصحابة كانوا يقيمون بمسجد رسول الله ﷺ عابدين متفقهين، لا يفارقونه إلا لجهاد عدو. وهذا الوجه لا يوافق قاعدة النسب في اللغة، فإن القاعدة تقضي أن يقال في النسب إلى صفة: صُفِّيَّة، لا صوفية. ومنها: أن الصوفية نسبة إلى آل صوفة؛ تشبيهاً لهؤلاء الزهاد بآل صوفة، وهم قوم كانوا يخدمون الكعبة في الجاهلية، ويتنسكون، ويبعد هذا الوجه: أن آل صوفة قد ذهبوا بذهاب عصر الجاهلية، وقد تسمَّى هؤلاء العباد والزهاد في الإسلام باسم الصوفية، وقبلوا هذا الاسم، ولا أحسبهم يرضون بنسبتهم - ولو على وجه التشبيه - إلى طائفة كانت في الجاهلية على غير هدى. ومنها: أنها نسبة إلى الصوف على معنى: أنهم آثروا الانكسار، فكانوا

стр. 1646

كالصوفة المرمية. وهذا وجه سخيف لا يلتفت إليه. ومنها: أن الصوفية نسبة إلى الصف؛ لأنهم في الصف الأول بين يدي الله تعالى. وقاعدة النسب لا تساعد على هذا الوجه، كما أنها لا تساعد على أن يكون مأخوذاً من الصفاءة لصفاء نفوسهم، وخلوص قلوبهم من شوائب الأهواء، وسيئات الأخلاق. وهذا الاسم حدث بعد عهد السلف. قال السهروردي في كتاب "عوارف المعارف": لم يعرف هذا الاسم إلى المئتين من الهجرة. وذكر ابن تيمية جماعة من الزهاد منهم: الفضيل بن عياض المتوفى سنة ١٨٧ هـ، وقال: في عصرهم حدث اسم التصوف. وقال القشيري في "الرسالة": واشتهر هذا الاسم - يعني: التصوف - قبل المئتين من الهجرة. وذكر حسن صديق في كتاب (أبجد العلوم): أن أول من دعي بهذا الاسم: أبو هاشم الصوفي، وقد توفي أبو هاشم هذا سنة ١٥٠ هـ. والتصوف رياضة النفس، ومجاهدة الطبع، برده عن الأخلاق الرذيلة، وحمله على الأخلاق الجميلة ابتغاء السعادة وهذه الرياضة والمجاهدة تكون بالعكوف على العبادة والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة مال أو جاه. * التصوف قبل الإسلام: متى أريد من التصوف: الزهد في الدنيا، والانقطاع إلى العبادة، ومجاهدة النفس بكفّها عن الشهوات، صح أن يبحث عن هذا المعنى في الأمم التي

стр. 1647

وجدت قبل الإسلام. وإذا بحثنا عن هذا المعنى مع قطع النظر عن اختلاف أوضاع العبادات، أو اختلاف الغرض من تلك المجاهدة، رأينا أن لحكماء اليونان في طلب الحقائق طريقتين: طريقة أرسطاطاليس وأتباعه، وهي طريقة البحث والقياس العقلي أو الاستقراء، وتسمى بالحكمة المشائية (١). وطريقة أفلاطون وأتباعه، وهي طريقة المكاشفة، وانقداح الحقائق في النفس، وتسمى: حكمة الإشراق؛ لأنها تعتمد على إشراق العقل بالارتياض والتجرد عن الرذائل. فالإشراقيون من الحكماء الإلهيين يشبهون الصوفية في مسلكهم، إلا ما يخالفون فيه هدي الإسلام. قال السهروردي في "حكمة الإِشراق": "والإشراقيون لا ينتظم أمرهم دون سوانح نورية، حتى إن وقع لهم شك، يزول عنهم بالنفس المنخلعة عن البدن". وفي البوذية ما يشبه الرهبانية؛ فإن مؤسس هذه النحلة دهري، لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر (جوتما (٢))، ومن مبادئه: أن الشقاوة في الدنيا ناشئة عن الشهوات، فيجب إطفاء هذه الشهوات؛ لينجو الإنسان من الشقاوة. ويرى هؤلاء: أن هناك محرمات على الرهبان والراهبات خاصة، وهي التزين بالزهور، والتطيب بالروائح الذكية، وسماع الغناء، والتفرج على الرقص، والجلوس

стр. 1648

على الأسرة العالية، واقتناء الذهب والفضة والجواهر، ويقولون: إن (جوتما) كان من أبناء الملوك، وزهد في الدنيا؛ لما رأى فيها من شقاوة الشيخوخة، والأمراض، والموت، فهجر أهله وولايته، ودخل في جبل الثلج يتقشف ويتفكر. ووجد ما يشبه التصوف - أعني: الزهد والانقطاع إلى العبادة - في الفرس، نرى ذلك منذ عهد زرادشت الذي ظهر في أيام الملك (كيستاسف)، فإن كيستاسف نفسه على ما ورد في التاريخ سار إلى جبل كرمان وسجستان، وانقطع به للعبادة، ودراسة دينهم، وسلم أمر الملك إلى ابنه إسفندار (١). وورد في تاريخ الفرس: أن أزدشير بن بابك من أعاظم ملوكهم، تبين أن الدنيا غرّارة ضرّارة قاتلة، ما حلا منها لامرئ جانب، إلا تمرّر منها عليه جانب، فزهد في الدنيا، وآثر التفرد عن المملكة، وتركها والتحق ببيوت النيران للعبادة والأنس بالوحدة (٢). وفي النصرانية رهبانية تشبه التصوف؛ من حيث قيامها على الزهد، والانقطاع إلى العبادة، قال الله تعالى في شأن النصارى: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧]. ومن المعاني الظاهرة في الآية: أن قوماً من أتباع عيسى ابتدعوا رهبانية يبتغون بها رضوان الله، ولكنهم لم يرعوا هذه الرهبانية حق رعايتها؛ أي: لم يحافظوا عليها حق المحافظة.

стр. 1649

وجاء في بعض الأحاديث المتعلقة بفرق النصارى: "وفرقة لم تكن لهم طاقة بمؤازرة الملوك، ولا بالمقام معهم، فساحوا في الجبال وترهبوا فيها" (١). * التصوف بعد الإسلام: عني الإسلام بتصفية النفوس من طبائعها الرديئة، وتخليصها من شهواتها الطاغية، ثم عطف على الأجسام، فخلّى سبيلها لأن تتمتع من نعيم هذه الحياة وزهرتها باعتدال، فبقدر ما يدرك الإنسان من صفاء النفس، وسلامة الضمير، بقدر ما يكون له من السلطان على شهواته، فلا تتعدى حدود الاعتدال، يصعد في مراقي الفلاح، ويدنو من مقام الكرامة والوجاهة عند الله. روي أن فريقاً من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا، وقرروا فيما بينهم أن يسردوا الصيام، ويعكفوا على العبادة، ولا يقربوا النساء والطيب، وأن يرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض، فبلغ رسول الله ﷺ أمرهم، فنهاهم في خطبة جامعة، وأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]. كان أصحاب رسول الله ﷺ يجدّون في العمل ما استطاعوا، ويزهدون في الدنيا زهد من لا يتناول منها إلاّ حلالاً طيباً، وزهد من لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وهم في هذا السبيل يتسابقون ويتفاضلون، وقد اشتهر كثير منهم بالجد في العبادة، والبلوغ في الزهد مكانة فضلى. ومن هذه الطائفة: أبو ذرّ الغفاري، وسلمان الفارسي ﵁.

стр. 1650

أما أبو ذر، فكان يحض عمَّال عثمان ﵁ حينما يراهم يتسعون في المراكب والملابس، فيتلو عليهم قوله تعالى: " ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. وكان يملأ آذانهم تقريعاً، ويدعوهم، ويشتد في دعوته إلى أن ينفقوا ما زاد على حاجتهم في سبيل الخير، وهذا أمر يطيقه الخاصة، ولا يحتمله كل إنسان، فأنهى معاوية أمره إلى عثمان، فكتب عثمان يأمر أبا ذرّ بالقدوم إلى المدينة، فقدمها، واجتمع إليه الناس، فجعل يسلك بهم ما كان يسلك في الشام، فقال له عثمان: لو اعتزلت؟. ومعناه: أن من كان مثلك في هذه المكانة من الزهد، فحاله يقتضي أن ينفرد عن الناس، أو يخالطهم في رفق، ويخلي سبيلهم ما قضوا حقوق أموالهم، وأذوا فريضة الزكاة على وجهها. فخرج أبو ذر إلى الربذة زاهداً ورعًا، وترك من ورائه قوماً يضاهونه، أو يقاربونه زهداً وورعاً. وأما سلمان الفارسي، فكان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج عطاؤه، تصدق به جميعاً، ولا يقتات إلا بما كسبت يده؛ تمسكاً بمثل قول النبي ﷺ فيما يرويه البخاري: "ما كل أحد طعامًا قط خيراً من أن يأكل من عمل يده". ويدلكم على مكانته في الزهد والتقوى: كتابه الذي بعث به من العراق إلى أبي الدرداء، وهو يومئذ القاضي بدمشق، ومما يقول فيه: "أما بعد: فقد كتبت إلي: أن الله رزقك مالاً وولداً، اعلمْ أن الخير ليس في المال والولد، وإنما الخير أن يكثر حلمك، وينفعك علمك، وكتبت إلي: أنك نزلت في الأرض المقدسة، اعلم أن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله".
следующие страницы →