← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وغير ذلك، فاعتزل فرقدٌ ناحية، فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا، ولكنه يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه، وقال: يا فريقد! أترى لُعابَ النحل بلُباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم؟!. وقد أنكر أبو بكر بن العربي ما يفعله بعض المتصوفة من اتخاذه ثوباً يصنعه من رقاع مختلفة، وعدّه من البدع المكروهة في الإسلام. ومما ورد في الحث على التجمل: حديث جابر ﵁، وهو أن رسول الله ﷺ نظر إلى رجل عليه بُردان قد خلقا "بليا"، فقال: "أما له ثوبان غير هذين؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، له ثوبان في العيبة كسوته إياهما. قال: "فادعه فمره أن يلبسهما"، قال: فدعوته، فلبسهما. وفي هذا الحديث شاهد على أن الدين يأمر الشخص بالتجمل في الملبس، وينهاه عن الخروج في أثواب تزدريها العيون، وهو يستطيع أن يخرج في أثواب نقية غير بالية، وقال عمر بن الخطاب: إذا أوسع الله عليكم، فأوسعوا على أنفسكم. وحمل هذا الأثر بعضُ أهل العلم على معنى: أن الرجل إذا أوسع الله عليه في ماله، فليوسع على نفسه في ملبسه، فيحمل نفسه على عادة مثله. وسئل مالك عن قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، فقال: أن يعيش ويأكل ويشرب غير مضيق عليه. وكان أهل الأندلس فيما حكاه صاحب "نفح الطيب": أشد خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون، وما يفرشون، وغير ذلك مما يتعلق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه، فيطويه صائماً، ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين عنها.

стр. 1822

فإن قال قائل: إن الصحابة ﵁ كانوا لا يحتفلون بأمر الملبس والمطعم؛ فقد روي أن عمر بن الخطاب كان وهو خليفة يأكل خبز الشعير، ويلبس الثوب المرقع، فمن حق الولاة والعلماء من بعدهم أن يسلكوا هذه السيرة، وينحوا في الزهد هذا النحو، فإذا خرجوا عنه، كانوا موضع اللوم والإنكار؟ قلنا: لا لوم ولا إنكار، فسماحة الدين تسع المسلم أن يتبسط في ملبسه ومأكله، ومسكنه ومركبه، من غير إسراف، والأمر في هذا يختلف باختلاف البيئات والأزمنة، يدلكم على هذا: أن عمر بن الخطاب قدم الشام، فوجد معاوية بن أبي سفيان قد اتخذ الحجاب، والمراكب النفسية، والثياب الفاخرة، فسأله عن ذلك، فقال: إنا بأرض نحتاج فيها لمثل هذا، فقال: لا أقرك ولا أنهاك ... ومعناه: أن الأمر في هذا يرجع إليك، فإن كانت الحاجة تدعو إليه، فهو حسن، وإن لم تدع إليه حاجة، فهو إنفاق لأموال الأمة في غير حق، وعمر بن الخطاب الذي كان يأكل خبز الشعير بالملح كان يفرض لعامله نصف شاة كل يوم، قال شهاب الدين القرافي: يفعل عمر هذا؛ لعلمه أن الحالة التي هو عليها لو سلكها غيره، لهان في نفوس الناس، ولم يحترموه، وتجاسروا عليه بالمخالفة، فاحتاج عمر إلى أن يضع غيره في مظهر آخر أدعى للاحترام، وأحفظ للنظام. * هل يدخل الورع في ترك المباح ؟ وقع في أوائل القرن السابع خلاف بين طائفة من العلماء في المباحات، هل يدخلها الورع؟ فقال الأستاذ الأبياني: ليس في تركها ورع؛ لأن الورع مندوب إليه، وهذه المباحات قد سوّى الله بين فعلها وتركها، والندب مع التسوية لا يستقيم.

стр. 1823

وقال الأستاذ بهاء الدين الحموي: قد يكون في تركها ورع؛ فإن السلف كانوا يزهدون في كثير من المباحات، وساق في الاستشهاد على هذا الرأي قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. والحق أن ترك المباح في نفسه ليس من الورع في شيء، فمن ترك طعاماً لذيذاً، أو ثوباً نفيساً، وهو يستطيعه، قاصداً التقرب إلى الله تعالى بهذا الترك، فقد أخطأ طريق التقوى، أما إذا ترك نوعاً من الزينة أو اللذة لغرض محمود في لسان الشارع؛ كأن يتركه في بعض الأوقات حذراً أن تجر المداومة عليه أو الإكثار منه إلى اعتياده، وصعوية الصبر عليه عند فقده، فذلك مما يصح أن يدخل في باب الورع، وعلى مثل هذا يحمل ما يروى عن بعض السلف من تركهم الزينة أو بعض الملاذ وهم يقدرون عليها. وأما الآية، فإنما وردت فيما يقال للكفار يوم القيامة، وأصلها: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]؛ أي: ليس لكم حظ من الطيبات إلا ما أصبتموه في دنياكم، فلا شاهد في الآية على أنّ تناول المؤمن من الطيبات في الدنيا ينقص نصيبه منها في الآخرة، ولا أن تركه لجانب منها في هذه الحياة يستحق به المثوبة في تلك الحياة. * قبول عطايا الأمراء الظالمين: اختلف الفقهاء في الاستمتاع بالمال يأتي ممن يغلب على ماله الحرام، فاستحلّه قوم، وحرّمه آخرون، واستدل المجيزون بأن جماعة من أئمة السلف أدركوا أيام بعض الأمراء الظالمين، وقبلوا عطاياهم؛ كما قبل أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري عطايا يزيد بن عبد الملك، وقبل ابن عمر، وابن عباس عطايا الحجاج، وأخذ مالك من الخلفاء أموالاً جمة، وأخذ الشافعي من هارون الرشيد

стр. 1824

ألف دينار في دفعة، وكان أسد بن الفرات يقبل عطايا السلطان، فسئل عن ذلك فقال: هذا بعض حقنا، والله حسيبهم في الباقي. وكثير منهم كانوا يتورعون عن قبول عطايا الظالمين؛ كسعيد بن المسيب؛ فإنه كان يتجر في الزيت، ويقول: إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين. والحق أن من يحس في نفسه الضعف، ويخشى أن ينحدر به قبولُ هبات الظالمين إلى التغاضي عن باطلهم، أو مجاراتهم في طغيانهم، فقبض يده عن قبولها، فقد أجاب داعي التقوى. قال أبو ذر للأحنف بن قيس: خذ العطاء ما كان نحلة، فإذا كان أثمان دينكم، فدعوه. وقد حمل بعض أهل العلم ما فعله بعض الأئمة من قبولهم لجوائز أولئك الأمراء، على أنهم يأخذونها لينفقوها على أولي الحاجة، روي عن جابر بن زيد: أنه جاءه مال من السلطان، فتصدق به، وقال: رأيت أن آخذه منه، وأتصدقَ به أحبُّ إليّ من أن أدعه في أيديهم. وروي أن ابن عمر كان يفرق ما يأخذه من الجوائز، حتى إنه استقرض مرة في المجلس الذي فرق فيه ستين ألفاً. والخلاصة: أن الإسلام جرى بالنفوس في الاستمتاع بالزينة والملاذ في طريق وسط، فدلّ على أنه الدين الذي يهدي إلى السعادة في الأخرى، ويرضى لأوليائه أن يعيشوا عيشاً طيباً في الحياة الدنيا.

стр. 1825

الصّداقة (١) عاطفة سامية القدر، غزيرة الفائدة، تلك هي الصداقة، والشارع رغب في أن تكون المعاملة بين المسلمين معاملة الصديق للصديق، ألا ترونه كيف أمر المسلم بأن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه؟ بل استحب للمسلم أن يؤثر أخاه المسلم، وإن كان به حاجة، وذلك أقصى ما يفعله الصديق مع صديقه. هذا الأدب الإسلامي نبهني لأن أتحدث إليكم في هذه الليلة عن الصداقة: * ما هي الصداقة ؟ المحبة إما أن تكون للمنفعة، وإما أن تكون للذَّة، وإما أن تكون للفضيلة، وقد يطلق على كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة اسم الصداقة. * صداقة المنفعة: هي أن يحب الإنسان شخصاً لما يناله منه من منافع، وشأن هذه الصداقة أن تبقى معقودة بين الشخصين ما دامت المنافع جارية، فإن انقطعت المنافع، انقطعت هذه الصداقة. * صداقة اللذة: هي المحبة التي تثيرها الشهوة، وقد تشتد فتسمى عشقاً، وشأن هذه

стр. 1826

الصداقة أيضاً أن تنقطع عندما تنصرف النفس عن اللذة التي بعثتها. * صداقة الفضيلة: هي المحبة التي يكون باعثها اعتقاد كل من الشخصين أن صاحبه على جانب من كمال النفس، وهذه هي الصداقة التي يهمنا الحديث عنها في هذا المقام. * الصداقة فضيلة: ليست صداقة المنفعة، ولا صداقة اللذة بمعدودة في خصال الشرف، وإنما الذي يصح أن يعدّ خصلة شريفة: الصداقة التي يبعثها في نفسك مجرد اعتقاد أن صاحبها يتحلى بخلق كريم، وهذه الصداقة تشبه سائر الفضائل في رسوخها في النفس، وايتائها ثمراً طيباً في كل حين، وهي التي توجد من الجبان شجاعة، ومن البخيل سخاء، فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر ليحمي صديقه من نكبة، والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانباً من ماله لإنقاذ صديقه من شدة، فالصداقة المتينة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة، فالمتكبر تنزل به الصداقة إلى أن يتواضع لأصدقائه، وسريع الغضب تضع الصداقة في نفسه شيئاً من كظم الغيظ، ويجلس لأصدقائه في حلم وأناة، وربما اعتاد التواضع والحلم، فيصير بعدُ متواضعاً حليماً، والفضل في خروجه من رذيلتي الكبر وطيش الغضب عائد إلى الصداقة. وإن شئت فقل: إن حب الشخص لك لفضيلتك علامة على كمال أصل خلقه؛ فإنك لا ترجو من شخص أن يحبك لفضيلتك إلا أن يكون صاحب فضيلة:

стр. 1827

وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي ... إلا امرؤ كان ذا فضلٍ وذا أدبِ * الداعي إلى اتخاذ الأصدقاء: في اتخاذ صديق حميم لذةٌ روحية يدركها من يَسَّرَ الله له أن انعقدت بينه وبين رجل من ذوي الأخلاق النبيلة، والآداب العالية مودّةٌ، ولا منشأ لهذه اللذة الروحية إلا الشعور بما بينه وبين ذلك الرجل النبيل المهذب من صداقة. وصديق الفضيلة هو الذي يجد في لقاء صديقه ارتياحاً وابتهاجاً، ويعد الوقت الذي يقضيه في الأنس به من أطيب الأوقات التي لا تسمح بها الأيام إلا قليلاً. ثم إن الصداقة - وإن قامت على أساس الفضيلة، ولم يكن للمنفعة أثر في تكوين رابطتها-تستدعي بطبيعتها جلب المنفعة، أو دفع الضرر، فإنها تبعث الصديق على أن يدفع عن صديقه الأذى بما عنده من قوة، وتهزه لأن يسعده في الشدائد بما أوتي من جاه أو سطوة. ولمثل هذا أوصى بعض الحكماء باتخاذ الأصدقاء، فقال: "أعجز الناس من فرّط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيعّ من ظفر به منهم". وقال الشاعر الحكيم: لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكنَّ إخوانَ الثقاتِ الذخائرُ * الاستكثار من الأصدقاء: متى حظي الإنسان بأصدقاء كثيرين، فقد ساقت له الأقدار خيراً كثيراً، ففي الصداقة: ابتهاج القلب عند لقاء الصديق، وفيها: لذة روحية، ولو في حال غيبة الصديق، وفيها: عون على تخفيف مصائب الحياة. وكذلك أوصى

стр. 1828

بعض الحكماء ابنه، فقال: "يا بني! إذا دخلت المصر، فاستكثر من الصديق، أما العدو، فلا يهمنَّك". وقال بعض الأدباء: ولن تنفك تُحسد أو تعادى ... فأكثرْ ما استطعت من الصديقِ ومبنى هذه النصيحة على أن شأن حساد الرجل وأعدائه: تدبير الوسائل للكيد له، وطَرْقُ كل باب يحتمل أن يكون من ورائه ما يشفي صدورهم، فإذا ساعده القدر على أن يكثر من الأصدقاء، فقد أكثر من الألسنة التي تدحض ما يُرمى به من المزاعم، والأيدي التي تساعده على السلامة من الأذى. * علامة الصداقة الفاضلة: ليس من علامة الصداقة الفاضلة أن يقوم لك الرجل مبتدراً، أو يلاقيك باسماً، أو يثني عليك في وجهك مسهباً ومكرراً، فذلك شيء يفعله كثير من الناس مع من يحملون له أشد العداوة والبغضاء، وأصبح كثير منهم يعدونه من الكياسة، ويخادعون به من إذا أسمعوه مدحاً، فكأنما سقوه خمراً، وربما استثقلوا من لم يسلك هذه الشعبة من النفاق، ونسبوه إلى جفاء الطبع، وقلة التدرب على الآداب الجارية في هذا العصر. وقد ذكر الأدباء للصداقة الخالصة علامات: منها: أن يدفع عنك وأنت غائب عنه، قال العتابي: وليس أخي من ودّني رأي عينه ... ولكن أخي من صدَّقته المغائبُ ومنها: أن تكون مودته في حال استغنائك عنه، واحتياجك إليه سواء، قال الأحنف بن قيس: "خير الإخوان من إن استغنيت عنه، لم يزدك في المودة، وإن احتجت إليه، لم ينقصك منها".

стр. 1829

ومنها: أن ينهض لكشف الكربة عنك ما استطاع كشفها، لا يحمله على ذلك إلا الوفاء بعهد الصداقة، قال بعضهم في صديق له: وكنتُ إذا الشدائد أرهقتني ... يقومُ لها وأقعدُ لا أقومُ والألمعي يعرف الصداقة من نظرات العيون، ويحسها في أساليب الخطاب، ويلمحها من وراء أحرف الرسائل: والنفسُ تدرك من عيني محدِّثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها ومن المثل العالية للصداقة المتينة: صداقة الوزير الوليد بن عبد الرحمن ابن غانم للوزير هاشم بن عبد العزيز. نقرأ في تاريخ الأندلس: أن الوزير هاشماً بعثه السلطان محمد بن عبد الرحمن الأموي على رأس جيش، فوقع هذا الوزير أسيراً في يد العدو، وجرى ذكره يوماً في مجلس السلطان محمد ابن عبد الرحمن، فاستقصره السلطان، ونسبه للطيش والعجلة والاستبداد بالرأي، فلم ينطق أحد من الحاضرين في الاعتذار عنه بكلمة، ما عدا صديقه الوليد، فإنه قال: "أصلح الله تعالى الأمير! إنه لم يكن على هاشم التخير في الأمور، ولا الخروج عن المقدور، بل قد استعمل جهده، واستفرغ نصحه، وقضى حق الإقدام، ولم يكن ملاك النصر بيده، فخذله من وثق به، ونكل عنه من كان معه، فلم يزحزح قدمه عن موطن حفاظه، حتى ملك مقبلاً غير مدبر، ملبياً غير فشل، فجوزي خيراً عن نفسه وسلطانه، فإنه لا طريق للملامة عليه، وليس عليه ما حنته الحرب الغشوم. وأيضاً فإنه ما قصد أن يجود بنفسه إلا رضا للأمير، واجتناباً لسخطه، فإذا كان ما اعتمد فيه الرضا جالب التقصير، فذلك معدود في سوء الحظ". وقع هذا الاعتذار من السلطان موقع الإعجاب، وشكر للوليد وفاءه

стр. 1830

لهاشم، وترك تفنيد هاشم، وسعى في تخليصه. ووصل خبر هذا الاعتذار إلى هاشم، فكتب خطاب شكر للوليد، ومما يقول في هذا الخطاب: "الصديق من صدقك في الشدة لا في الرخاء، والأخ من ذبَّ عنك في الغيب لا في المشهد، والوفيُّ من وفى لك إذا خانك زمان". ومما جاء في هذا الخطاب من الشعر: أيا ذاكري بالغيب في محفل به ... تصامت جمعٌ عن جواب به نصري أتتني والبيداء بيني وبينها ... رقى كلمات خلصتني من الأسر لئن قرَّب الله اللقاء فإنني ... سأجزيك ما لا ينقضي غابر الدهر فكتب إليه الوليد جواباً يقول فيه: "وصلني شكرك على أن قلت ما علمت، ولم أخرج عن النصح للسلطان بما ذكرته من ذلك، والله تعالى شاهد على أني أتيت ذلك في مجالس غير المجلس المنقول إلى سيدي، إن خفيت عن المخلوق، فما تخفى عن الخالق، ما أردت بهما إلا أداء بعض ما أعتقده لك، وكم سهرتَ وأنا نائم، وقمتَ في حقي وأنا قاعد! والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً". * الصداقة تقوم على التشابه: لا تنعقد الصداقة الصافية بين شخصين إلا أن يكون بين روحيهما تقارب، وفي آدابهما تشابه، قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: وما يلبث الإخوان أن يتفرقوا ... إذا لم يؤلف روحُ شكل إلى شكلِ فإن وجدت صحبة بين بخيل وكريم، أو جبان وشجاع، أو غبي وذكي، أو مهتد ومبتدع، فاعلم أن الصحبة لم تبلغ أن تكون صداقة بالغة، قال الطائي: عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني

стр. 1831

أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أبداننا بشآم أو خراسان * البعد من صداقة غير الفضلاء: ينبغي للرجل أن يتخير لصداقته الفضلاء من الناس، فهؤلاء هم الذين تجد الصداقة فيهم قلوباً طيبة، فتنبت نباتاً حسناً، وتأتي بثمر لذيذ، قال عبيد الله بن عبدالله بن عتبة: عزيزٌ إخائي لا ينال مودتي ... من القوم إلا مسلم كاملُ العقلِ وقال آخر: وبغضاء التقيِّ أقلُّ ضيراً ... وأسلم من مودة ذي الفسوق وكثيراً ما يقاس الرجل بأصدقائه، فإن رآه الناس يصاحب الفسّاف والمبتدعين، سبق إلى ظنونهم أنه راض عن الابتداع، ولا يتحرج من الفسوق. وقد صرح أحد الشعراء بأنه ترك مودة رجل من أجل أنه يصاحب الأرذال من الناس، فقال: يزهِّدني في ودِّك ابن مساحق ... مودتُك الأرذال دون ذوي الفضل * الاحتراس من الصديق: قد يوصي بعض الأدباء بالاحتراس من الصديق؛ كما قال أحدهم: أما العداة فقد أروك ظنونهم ... واقصد بسوء ظنونك الإخوانا وأتى على هذا المعنى آخر، وأبدى له وجهاً، هو: الخوف من أن ينقلب الصديق إلى عدو، فيكون أدرى بوجه الضرر، فقال: احذرْ عدوك مرةً ... واحذرْ صديقك ألف مرهْ فلربما انقلب الصديقُ ... فكان أعلمَ بالمضرَّهْ

стр. 1832

والقول الفاصل في هذا: أن صديق المنفعة متى عرف الإنسان وجه صداقته، كان له أن يحترس منه، ويكون هذا موضع الأشعار التي تنصح بالاحتراس من الأصدقاء، أما من انعقدت بينك وبينه صداقة الفضيلة، وكنت على يقين من أن هذا وجه صداقتكما، فلا موضع للاحتراس منه. فإن اجتهدت أيها الألمعي رأيك في صداقة شخص، وبدا لك أنها صداقةُ فضيلة، ثم رأيت منه ما لم تكن تحتسب، فلا يحملك هذا الخطأ في الاجتهاد على الاحتراس من كل صداقة، فإن ما وقع إنما هو أمر نادر، والأمور النادرة لا تتخذ مقياساً في معاملة الأصدقاء، ولا تستدعي أكثر من أن تستعيذ بالله من شرها، ثم تمضي مع أصدقائك الفضلاء في وداعة خلق، وسماحة نفس. * هل الصداقة اختيارية ؟ إذا كانت الصداقة الشريفة ترجع إلى محبة الشخص لفضيلته، كانت غير اختيارية؛ لأنها ترتبط بسبب هو الفضيلة. وقد أشار بعض الأدباء إلى أنه لا منّة له في الصداقة حتى يستحق عليها الحمد، فكتب إلى صديق له: "إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الانقياد إليك بغير زمام؛ لأن النفس يتبع بعضها بعضاً". والواقع أن الاختيار يرجع إلى فتح الصدر لها، وربط القلب عليها، والسير في الأقوال والأفعال على مقتضى عاطفتها، فإذا حمدت الرجل على صداقته، فإنما تحمده على أن أقرَّها في صدره مغتبطاً بها، ثم جرى على ما تستدعيه من نحو المواصلة والمؤانسة. * دعوى أن الصداقة الخالصة مفقودة: يزعم بعض الأدباء أن الصداقة الخالصة من كل شائبة مفقودة، ومن

стр. 1833

هؤلاء من ينفيها من الدنيا بإطلاق، كما قال أبو الجوائز الحسن بن علي: دع الناس طراً واصرف الودَّ عنهم ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامحُ ولا تبغ من دهرٍ تظاهر رنقه (١) ... صفاء بنيه والطباع جوامحُ وشيئان معدومان في الأرض: درهمٌ .... حلالٌ، وخلٌّ في الحقيقة ناصحُ وقال آخر: زمانٌ كلُّ حِبٍّ فيه خَبٌّ ... وطعم الخِلِّ خَلٌّ لو يذاقُ له سوقٌ بضاعته نفاقٌ ... فنافقَ فالنفاقُ له نَفاقُ ومنهم من يشكو أهل زمانه، ويخبر بأنه لم يجد من بينهم من يصطفيه للصداقة؛ كما قال بعضهم: خبرت بني الأيام طرّاً فلم أجدْ ... صديقاً صدوقاً مسعداً في النوائبِ وأصفيتهم مني الوداد فقابلوا ... صفاء ودادي بالنوى والشوائبِ وما اخترت منهم صاحباً وارتضيته ... فأحمدته في فعله والعواقبِ وكما قال الطغرائي: فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولا أنيس إليه منتهى جذلي والحق أن صاحب الفضيلة لا يعدم الصديق الفاضل، وتحمل هذه الأشعار وأمثالها على أن أصحابها قد نظموها في أحوال خاصة؛ كأن يروا من بعض من كانوا يعدونهم أصدقاء أموراً يكرهونها، أو يروا منهم سكوناً حيث يجب عليهم أن يتحركوا لإسعادهم.

стр. 1834

* الصديق المخلص عزيز: إن كان أصدقاء المنفعة كثيراً، فإن الذي يحبك لفضلك، وتحبه لفضله، حباً يبقى ما بقيت الفضيلة، عزيزُ المنال. قال يونس: اثنان ما في الأرض أقلُّ منهما، ولا يزدادان إلا قلة: درهم يوضع في حق، وأخ يُسكن إليه في الله. وهذا الصديق هو الذي حثك الشاعر على التمسك به، فقال: وإذا صفا لك من زمانك واحدٌ ... فاشدد عليه وعش بذاك الواحدِ وكلما قضى الإنسان مرحلة من عمره في الاعتبار والتجارب، ازداد علماً بأن أصدقاء الفضيلة لا تسمح بهم الأيام إلا قليلاً. وإذا بدا لك أن أصدقاءك في وقت الشباب أكثرُ من أصدقائك وأنت شيخ، فإن الشباب مقبل على الحياة في شيء كبير من النشاط والارتياح، فيكون أسرع إلى اتخاذ الأصدقاء من الشيخ الذي ترك طول السنين في عظامه فتوراً، وأبقت الحوادث في صدره ضيقاً. وإن شئت فقل: إن الشباب لم يزل على الفطرة، فيقيم صداقته على الظاهر، ولا يبالغ في نقد الناس مبالغة الشيخ الذي يحمله طول التجارب على أن يتريث في اختيار الأصدقاء. ويضاف إلى هذا: أن الشيخ لا يبلغ السن الذي يبلغه، حتى يأخذ الموت من أصدقائه فوجاً أو أفواجاً، وفقد الأصدقاء يترك في نفس الرجل وحشة، وربما وقع في ظنه، وجرى على لسانه استبعاد أن يجد بعد أولئك الأصدقاء من يماثلهم في إخلاص المودة والوفاء بالعهد. * الإغماض عن عثرات الأصدقاء: يرى الباحثون في طبائع البشر: أن ليس فيهم من يتخذ صديقاً، ويرجى منه أن يسير على ما يرضى صديقه في كل حال، ودلتهم التجارب على أن

стр. 1835

الصديق - وان بلغت صداقته المنتهى - قد يظهر لك من أمره ما لا يلائم صلة الصداقة، فلو أخذت تهجر من إخوانك كل من صدرت منه هفوة، لم تلبث أن تفقدهم جميعاً، ولا يبقى لك على ظهر الأرض صديق غير نفسك التي بين جنبيك. عرَّف هذا المعنى الشاعر الذي يقول: ولستَ بمستبقٍ أخاً لا تلمّه ... على شعثٍ أَيُّ الرجال المهذَّبُ؟! والذي يقول: أغمّضُ للصديق عن المساوي ... مخافة أن أعيش بلا صديق والذي يقول: ومن يتتبع جاهداً كلَّ عثرةٍ ... يجدها ولا يسلم له الدهرَ صاحبُ وقد عبر عن هذا المعنى بشار بن برد إذ قال: إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تُعاتِبُهْ فعش واحداً أوصل أخاك فإنه ... مقارف ذنبٍ مرة ومجانبهْ إذا أنت لم تشرب مراراً على القذي ... ظمئت، وأيُّ الناسِ تصفو مشاربُهْ واذا كان الصفح عن الزلات من أفضل خصال الحمد، فأحق الناس بأن تتغاضى عن هفواتهم رجال عرفت منهم المودة، ولم يقم لديك شاهد على أنهم صرفوا قلوبهم عنها. * معاملة الأصدقاء بالمثل: يذهب بعض الناس إلى أن يسيروا مع الأصدقاء على مثل سيرتهم معهم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، وأشار إلى هذا المذهب أبو القاسم الحريري في

стр. 1836

"مقاماته" بمثل قوله: "بل نتوازن في المقال وزن المثقال، ونتحاذى في الفعال حذو النعال". والقول الفصل في هذا: أن ما يصدر من الصديق، إن كان من قبيل العثرة التي تقع في حال غفلة، أو خطأ في اجتهاد الرأي، فذلك موضع الصفح والتجاوز، ولا ينبغي أن يكون له في نقض الصداقة أثر كثير أو قليل. أما إن كان عن زهد في الصحبة، وانصرافاً عن الصداقة، فلك أن تزهد في صحبته، وتقطع النظر عن صداقته، وهذا موضع الاستشهاد بمثل قول الكميت: وما أنا بالنكس الدنيء ولا الذي ... إذا صدَّ عني ذو المودة يقربُ ولكنه إن دام دمت وإن يكنْ ... له مذهبٌ عني فلي فيه مذهبُ ألا إن خير الودِّ ودٌّ تطوعت ... له النفسُ لا ودٌّ أتى وهو متعبُ والفرق بين عثرة قد تصدر من ذي صداقة، ويين جفاء لا يكون إلا من زاهد في الصداقة، يرجع فيه الرجل إلى الدلائل التي لا يبقى معها ريب، والتفريط في جانب الصديق ليس بالأمر الذي يستهان به، فلا ينبغي الإقدام عليه دون أن تقوم على قصده لقطع المودة بيّنةٌ واضحة. * عتاب الأصدقاء: لا يخلو الرجل، وهو معرَّض للغفلة والضرورة والخطأ في الرأي، أن يُخل بشيء من واجبات الصداقة، فإن كنت على ثقة من صفاء مودة صديقك، أقمت له من نفسك عذراً، وسرت في معاملته على أحسن ما تقتضيه الصداقة. فإن حام في قلبك شبهة أن يكون هذا الإخلال ناشئاً عن التهاون بحق الصداقة، فهذا موضع العتاب، فالعتاب يستدعي جواباً، فإن اشتمل الجواب على عذر، أو اعتراف بالتقصير، فاقبل العذر، وقابل التقصير بصفاء خاطر،

стр. 1837

وسماحة نفس. وعلى هذا الوجه يحمل قول الشاعر: أعاتبُ ذا المودة من صديق ... إذا ما سامني منه اغترابُ إذا ذهب العتاب فلا ودادٌ ... ويبقى الودُّ ما بقي العتاب ومما يدلك على أن صداقة صاحبك قد نبتت في صدر سليم: أن يجد في نفسه ما يدعوه إلى عتابك، حتى إذا لقيته بقلبك النقي، وجبينك الطلق، ذهب كل ما في نفسه، ولم يجد للعتاب داعياً. قال أحد الأدباء: أزور محمداً وإذا التقينا ... تكلمت الضمائر في الصدور فأرجع لم ألمه ولم يلمني ... وقد رضي الضمير عن الضمير فإن أكثر صاحبك من الإجحاف بحق الصداقة، ولم تجد له في هذا الإجحاف عذراً يزيل من نفسك الارتياب في صدق مودته، فذلك موضع قول الشاعر: أقللْ عتابَ من استربت بودّه ... ليست تُنال مودةٌ بعتاب * كتم السر عن الأصدقاء: من المعروف أن الإنسان لا يكتم عن أصدقائه سراً يخشى من إفشائه ضرراً، وقد يجد الرجل في نفسه شيئاً متى شعر بأن صديقه قد كتم عنه بعض ما يعلم من الشؤون. وأشار إلى هذا بعضهم فقال: والخِلُّ كالماء يُبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر ومن الأدباء من ذهب في النصح بكتم السر الذي يخشى من إذاعته ضرر إلى حد أن نصحَ بكتمه حتى عن الأصدقاء. ووجه هذا الرأي: إنما هو الخوف من أن يكون لصديقك صديق لا يكتم عنه حديثاً، وإذا انتقل السر إلى صديق

стр. 1838

الصديق، لم يؤمن عليه أن يصبح خبراً مذاعاً، قال محمد بن عبشون: إذا ما كتمت السر عمن أودُّهُ ... توهم أن الودَّ غير حقيقي ولم أخفِ عنه السرِّ من ظِنَّةٍ به ... ولكنني أخشى صديقَ صديقي والقول الفصل في هذا: أن الأمر يرجع إلى قوة ثقتك بصديق الفضيلة، وذكائه، وفهمه قصدك لأن يكون هذا السر في صدره، لا يتجاوز إلى غيره، فإن كان صديقك على هذا المثال، فأطلعه على ما في نفسك، فإنما أنت وهو روح واحدة، ولكنها في بدنين. فإن كان مع صداقته الخالصة لا تأمن أن يجري على لسانه بعض ما أفضيت به إليه، فذلك موضع قول الشاعر: ولكنني أخشى صديق صديقي ومن الأذكياء من يحرص على كتم سر صديقه، فلا يفضي به إلى صديق له آخر، ولا سيما صديقاً ليس بينه وبين الذي أودع عنده السر صلة صداقة، قال مسكين الدارمي: أُواخي رجالاً لست مطلع بعضهم ... على سر بعض غير أني جماعها يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها * أثر البعد في الصداقة: شأن الصداقة أن تنعقد بين شخصين يقيمان في موطن، وتبقى حافظة المظاهر ما دام الصديقان يتمتعان بأنس القرب والتزاور، فإن فرقت الأيام بين داريهما، وبدلتهما بالقرب بعداً، وبالأنس شوقاً، بقيت الصداقة في قوتها، وإنما يكون للبعد أثر في مظاهرها. وذكر أرسطو أن الغَيبة الطويلة من شأنها أن تنسي الصداقة، وساق على هذا المثل الذي يقوله:

стр. 1839

"كثيراً ما أودى بالصداقة سكوت طويل". ونحن نرى أن صداقة الفضيلة متى بلغت منتهاها، لا تأخذ الغَيبة الطويلة شيئاً أكثر من مظاهرها. وربما انعقدت الصداقة بين شخصين لم يتجاورا، ولم يلتقيا، وإنما عرف كل منهما فضل الآخر على بعد، ولم يكن بينهما اتصال إلا من طريق المراسلة: وإني امرؤ أحببتكم لمكارمٍ ... سمعت بها والأذنُ كالعين تَعشقُ وكثيراً ما تأتي هذه الصداقة بثمار طيبة غزيرة، وإن كان مسلكها في الروح غير مسلك الصداقة الناشئة عن لقاء ومشاهدة. * الصداقة صلة بين الشعوب: لا غنى للشعوب أن ترتبط بصلات تجعلها كأمة واحدة، تسير إلى غاية واحدة، وهذه الرابطة تتحقق بالصداقات التي تستوثق بين علمائها وزعمائها الناصحين. فالصداقة التي تنتظم بين طائفة من علماء الصين، وطائفة من علماء المغرب الأقصى - مثلاً - تجعل القطرين في اتحاد أدبي، وللاتحاد الأدبي غايات سامية لا يستهان بها. واذا دلنا التاريخ أو المشاهدة على صداقة كانت بين علماء متباعدي الأقطار، ولم تعد على تلك الأقطار بفائدة، فإن هذا الزمن يدعونا إلى أن نعمل على تقوية روابط الصداقة بين علماء الشرق والغرب، ونوجه جانباً من هذه الصداقات إلى خدمة المصالح العامة، والتعاون على أسباب السعادة المشتركة في الحياة.

стр. 1840

مضارُّ الإسراف (١) تعظم الأمة، وترقى في سماء العزة والمنعة بخصال، من أكبرها أثراً: الاقتصاد في الإنفاق، والاقتصاد فضيلة بين رذيلتين، هما: البخل، والإسراف. وتقديره يختلف باختلاف أحوال الأشخاص؛ من اليسار، وقلة ما في اليد، وضابطه: أن لا يتجاوز الإنسان في نحو مطعمه وملبسه ومسكنه وأثاث منزله سيرة من يماثلونه في مقدار ما يملك أو يكسب من المال، وهم يعيشون في مروءة وسلامة من هموم الدَّين. ولما كان الاقتصاد يقوم على عدم الاسراف في الترف، اخترنا أن نجعل حديثنا في الإسراف وما يجرُّ إليه من عواقب وخيمة. الإسراف يفضي إلى الفاقة، ذلك أن المسرف يطلق يده في الإنفاق إرضاء لشهواته حتى يفقده ما عنده، وينزل إلى طبقة المقلّين أو المعدمين، وكم من بيوت أسسها آباء مقتدرون، وعمَّروها بما يليق بها من المرافق والأمتعة، وأقاموا حولها وسائل للثروة؛ من نحو: المزارع أو المصانع أو المتاجر، ثم صارت إلى أبنائهم من بعدهم، وقد غلب عليهم حب الترف، فأطلقوا لشهواتهم العنان حتى أتلفوا وسائل الثروة، وتقوَّض بناء تلك البيوت،

стр. 1841

والتحق أولئك الخلف بطبقة الذين لا يجدون ما ينفقون. وإذا وقع الرجل في الفقر بعد اليسار، تجرّع مرارة الهوان المصحوب بحسرات، وكذلك الأمة تملك عزتها بقدر عمارة بيت مالها، قال أبو جعفر المنصور في وصيته للمهدي: "فإنك لا تزال عزيزاً ما دام بيت مالك عامراً". ومن ثم كان القاضي منذر بن سعيد البلوطي يواجه الخليفة عبد الرحمن الناصر بالنهي عن الإسراف في المباني وزخرفتها، ويلقي بحضرته الخطب الزاجرة، حتى خاطبه يوماً بقوله: يا باني الزهراء مستغرقاً ... أوقاته فيها أما تمهلُ لله ما أحسنَها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبل ثم قال: اللهم اشهد فقد بلّغت. والإسراف في الترف ينبت في النفوس أخلاقاً مرذولة، من نحو: الجبن، والجور، وقلة الأمانة، والإمساك عن البذل في وجوه الخير. أما أن الإسراف في الترف يدعو إلى الجبن، فلأن شدة تعلق النفوس بالزينة واللذائذ من العيش يقوّي حرصها على الحياة، ويحملها هذا الحرصُ على تجنب مواقع الحروب، وإن كانت مواقف شرف وذود عن النفس والعرض والمال. شأن المحفوف بالزينة وملاذ العيش أن تشتد كراهيته للموت، ولا يسابق إلى خوض غمار الحروب، لهذا ترى الرجل الذي يريد أن يجعل لشجاعة ممدوحه مزية زائدة، يحدثك أنه يندفع إلى الحروب غير مبال بما تركه وراءه من لذة وزينة، كما قال الحطيئة العبسي:

стр. 1842

إذا همَّ بالأعداء لم يثن عزمَه ... كَعابٌ عليها لؤلؤ وشنوفُ حَصانٌ لها في البيت زيٌّ وبهجة ... ومشيٌ كما تمشي القطاة قطوفُ وإذا كان شأن المترفين الفرار من الموت، فحق الأمة التي تريد النهوض من كبوتها أن تقلع عن الإسراف في الرفاهية، وتضع مكان الإسراف بذلاً في وجوه البر والإصلاح. وأما أن الإسراف في الترف يسهل على النفوس ارتكاب الجور، فلأن المنغمس في الترف يحرص على اكتساب المال ليشبع شهواته، فلا لا يبالي أن يأخذه من طرق غير مشروعة، فيمد يده إلى الاستيلاء على ما في يد غيره من طريق الرشوة، أو من طريق الغصب إن كان ذا سلطان وقوة. دعي العلامة محمد بن بشير إلى ولاية القضاء بقرطبة، فاستشار بعض أصحابه في قبول الولاية، فسأله صاحبه عن أشياء؛ ليعلم مقدار قوته في العدل، ومما قاله له: كيف حبك للأكل الطيب، واللباس اللين، والمركوب الفاره؟ قال: والله! لا أبالي ما رددت به جوعي، وسترت به بدني، وحملت به رحلي، قال: اقبل الولاية، فلا بأس عليك. وأما أن الإسراف في الترف يذهب بالأمانة، فلأن الغريق في الترف إنما همه الوصول إلى الزينة، أو لذة مطعم ونحوه، وكثيراً ما تدفعه هذه الشهوات إلى أن يخون من ائتمنه، فيمد يده إلى المال الذي يؤتمن عليه، وينفقه في شهواته الطاغية. وأما أن الإسراف في الترف يمسك الأيدي عن فعل الخير، فلأن من اعتاد الترف حتى أخذ بمجامع قلبه، كان أعظم قصده من جمع المال: إنفاقه فيما يلذه من مأمول، أو يتزين به من نحو ملبوس أو مفروش.

стр. 1843

لذلك كان الغالب على المترفين المسرفين قبض أيديهم حيث يبسط غيرهم يده إسعاداً لذوي الحاجات من الفقراء والمنكوبين، أو إجابة لما تدعو إليه المروءة من مجاملات الإخوان، ومن هنا نستبين أن للإسراف سيئة أخرى، هي قطع صلة التعاطف والتواد بين كثير من أفراد الأمة. وللإسراف في الترف أثر كبير في إهمال النصيحة، والدعوة إلى الحق، ذلك أن من اعتاد التقلب في الزينة، وألفت نفسه العيش الناعم، يغلب عليه الحرص على هذا الحال، فيتجنب المواقف التي يمكن أن تكون سبباً لفوات بعض النعيم؛ كسكوته عن كلمة حق بين يدي ذي جاه أو سلطان يكره أن يسمع صوت الحق، ومن ترك أن يواجه بكلمة حق ذا جاه أو سلطان يخشى أن يحول بينه وبين رفاهيته، سهل عليه أن يترك الدعوة إلى الحق جملة. وللإسراف في الترف أثر في الصحة؛ فقد دلت المشاهدات على أن المسرف في نحو المأكل والمشرب لا يتمتع بالصحة التي بها المقتصدون فيما يأكلون وما يشربون، وقد أورد ابن خلدون في "مقدمته" حديثاً عن الأمراض، ونبّه على أنها تكثر في أهل الحضر والأمصار؛ لخصب عيشهم، وكثرة مآكلهم، وقلة اقتصارهم على نوع واحد من الأغذية، ثم نبه على أن تلك الأمراض تقل في أهل البادية؛ لقلة مأكولاتهم، وبساطة أغذيتهم. وإذا كانت الصحة من متممات البطولة، كان حقاً على الأفراد والجماعات أن يأخذوا في مآكلهم ومشاربهم بحكمة الاقتصاد، فلا فضل للأمة في أن تضع على موائدها ألواناً من الأطعمة مختلفة، وإنما الفضل في أن يكون لها رجال سليمة أبدانهم، قوية عزائمهم، مضيئة بصائرهم. والإسراف في الترف يقل معه النبوغ في العلم، ذلك أن النفس المحفوفة

стр. 1844

بالرفاهية من كل جانب، يضعف طموحها إلى اللذات العقلية؛ لأنها في لذة قد تشغلها أن تطلب لذة كلذَّة العلوم طلباً يبلغ بها مرتبة العبقرية، ومن الجلي أن مرتبة العبقرية لا تدرَك إلا باحتمال مصاعب، واقتحام أخطار، والمسرف في الترف ضعيف العزيمة، لا يثبت أمام المكاره والشدائد. هذا شأن الإسراف في الترف. ولكن التاريخ قد حدثنا عن أفراد نشؤوا في بيوت توفرت فيها وسائل الرفاهية، ولم يكونوا بحال المترفين المستضعفين، بل نشؤوا وقد عظم في نفوسهم الطموح إلى معالي الأمور، فاحتقروا ما يسمى لذَّات حسيَّة، وإن كانت طوع أيمانهم وشمائلهم، وأقبلوا على العلم، أو على ضرب آخر من ضروب السيادة، فأدركوا فيه غاية قصوى؛ مثل: عمر بن عبد العزيز ﵁، فقد نشأ في بيت إمارة، وحينما تولى الخلافة، استطاع بما وهبه الله من الحكمة والروية أن لا يقيم للزينة والأطعمة الفاخرة وزناً، فعاش عيشة الكفاف، وخزائنُ الأرض طوع يمينه، وتوفي وقد أبقى سيرة غرًاء، وذكراً أطيب من ريح المسك. ومثل أبي محمد بن حزم الذي نشأ في بيت وزارة بالأندلس، وتولى هو نفسه الوزارة، ثم نفض يده، وانقطع للازدياد من العلم، حتى ارتقى إلى طبقة كبار العلماء بنظر مستقل، وقلم بارع. ونحن إذا حذرنا من الإسراف في الترف، لا نريد من الناس أن يكونوا على سنة واحدة من الإعراض عن الزينة والملاذ، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وإنما نريد: الدعوة إلى أخذ النفوس بالاقتصاد، وحمايتها من الحرص على الزينة واللذيذ من العيش، حتى لا تجعلها مظهر الفخار والمباهاة:

стр. 1845

يفاخرنا بمأكول ولبس ... وذلك فخر ذي حظ هزيل وقد سلكت هداية القرآن الكريم بالناس هذا الطريق القويم؛ أعني: طريق الاقتصاد، فبعد أن أمر في آيات كثيرة بالإنفاق في وجوه الخير، نهى عن الإسراف نهياً بالغاً، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، وألحق المسرفين بقبيل الشياطين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الأسراء: ٢٧]، وعدّهم في زمرة من يستحقون بغضه، فقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، ونفي محبة الله للطائفة كناية عن بغضه إياهم. وأثنى الله تعالى على المصطفين من عباده بفضيلة الاقتصاد، فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. ونظر الشارع الحكيم إلى أن الإسراف يذهب بسعادة الفرد والأسرة، فشرع إقامة أولياء على أموال من لم يبلغوا سن الرشد، أو من بلغوه وظهر عليهم السفه في تصرفاتهم؛ لينفق الأولياء عليهم باقتصاد، حتى يتبين رشدهم، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وإذا كان المسرف في إنفاق ماله ملوماً أو مذموماً، فإن الذي يقترض مال غيره لينفقه في الشهوات أحقُّ بالملام أوالمذمة، قال الشاعر الحكيم: إذا رمت أن تستقرض المال من أخ ... تعودت منه اليسر في زمن العسر فسل نفسك الإنفاق من كيس صبرها ... عليك وإنظارها إلى ساعة اليسر فإن أسعفت كنت الغني وإن أبت ... فكل منوع بعدها واسع العذر

стр. 1846

وقد نظر بعض الحكماء إلى ما يجره الدين من الذلة والهموم، فكرهه حتى لمن تحدثه نفسه أن يقترض مالاً لينفقه في تثبيت سؤدده، فقال: أخذتُ الدَّين أدفع عن تلادي ... وأخذُ الدين أهلكُ للتلاد ولا حرج في الدين متى دعت إليه حاجة ملحة، وكان المقترض واثقاً بسماحة نفس المقرض، مع العزم على قضاء الدَّين عند حلول أجله. يعيرني بالدين قومي وإنما ... تداينت في أشياء تكسبهم حمدا نحذر من عواقب الإسراف، وندعو إلى الاقتصاد، ولا فضيلة في الاقتصاد إلا بعد أن يؤدي الرجل حق المال؛ من نحو: النفقات الواجبة عليه لأقاريه، والزكوات المفروضة للفقراء والمساكين، وبعد أن يبسط يده بالإعانة على بعض المصالح العامة؛ كإنشاء مساجد، أو مدارس، أو مستشفيات، أو ملاجئ، أو إعداد وسائل الاحتفاظ بسيادة الأمة، والدفاع عن حقوقها. وليس غنى إلا غنى زَيَّن الفتى ... عشية يعرى أو غداة ينيل ورُمي محمد بن عمران بالبخل، فقال: "والله إني لا أجمد في الحق، ولا أذوب في الباطل". ويقولون: "لا تصن كثيراً عن حق، ولا تنفق قليلاً في باطل". وقيل لكريم بذل في وجوه البر مالاً كثيراً: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. لا يضر أولي اليسار أن يقتصدوا في أطعمتهم وملابسهم متى كانوا يبذلون أموالهم فيما تكمل به المروءة، وتدعو إليه حقوق المجتمع، بل يزيدهم ذلك الاقتصاد مكرمة على مكرمة. قال قتيبة بن مسلم: أرسلني أبي إلى ضرار بن القعقاع، وقال لي: قل

стр. 1847

له: في قومك دماء وجراح، وقد أحبوا أن تحضر المسجد فيمن يحضر؛ لتقوم بقسطك من الديات، قال: فأتيته وأبلغته، فقال: يا جارية! هاتِ الغداء، فجاءت بأرغفة خُشن، ففتتهن في نقيع من التمر، ثم صب عليهن زيتاً، فأكل، وقال: الحمد لله، حنطة الأهواز، وتمر الفرات، وزيت الشام. ثم انطلق إلى المسجد، فصلى ركعتين، واجتمع من قومه الطالبون للديات والمطلوبون، فأكثروا الكلام، فقال ضرار: إلى ما صار أمركم؟ قالوا: إلى كذا وكذا من الإبل، فقال: هي عليَّ كلها، ثم قام وانصرف إلى منزله. فلو كان ضرار بن القعقاع من المسرفين في الترف، لما تبرع بجميع ما لزم القوم من الديات، ولم يزد على أن تحمل قسطاً ضئيلاً من نحو ما يتحمله المسرفون في الترف وهم كارهون. نشكو إطلاق الأيدي بإنفاق المال في غير جدوى، ومن أمثلة هذا الإسراف الممقوت: مظاهر الأفراح والمآتم؛ فإنها تقام عندنا على غير حكمة وحسن تقدير، وتأكل من الأموال ما لا يجر إلى صاحبها حمداً، بل شأنه أن يسوق إليه ذماً أو إثماً. وإذا كان الإسراف يوقع الأفراد والجماعات في مضار كثيرة، كان واجباً على أولياء الأمور ودعاة الإصلاح أن يتعاونوا على الجهاد في هذا السبيل، حتى يبتعد الناس عن الإسراف في مآكلهم ومشاريهم، وملابسهم ومراكبهم، ومساكنهم وأمتعة بيوتهم، ويتحروا في جميع ذلك الطريقة المثلى. قال ابن الخطيب في مقالته السياسية: "رعيتك ودائع الله عندك"، ثم قال: "ورِضْهم على الإنفاق بقدر الحال".

стр. 1848

تعاون العقل والعاطفة على الخير (١) في النفس قوة النظر والفكر، وذلك ما نسميه بالعقل، وفي النفس قوة الميل إلى الشيء والرغبة فيه، وذلك ما نسميه بالعاطفة. فالعقل يدرك حسن الشيء أو قبحه، والعاطفة تجعل النفس محبة له راغبة فيه. وإذا حدثنكم عن العقل، فإنما نريد: العقل السليم؛ فإن هذا هو العقل الذي يدرك في أغلب أحواله الخير أو الشر على ما هو عليه. ولا أسلم من عقل تربّى في أحضان الدين الحق، وتغذّى بلبان حكمته الغراء. أما العاطفة، فقد تتجه إلى ما يألفه العقل، وتسير مع العقل جنباً لجنب، وهي العاطفة الشريفة المحمودة. وقد تتجه إلى ما ينكره العقل، ويكون العقل في وادٍ وهي في وادٍ، وهي العواطف التي نسميها: أهواء وشهوات جامحة. * اختلاف العقل والعاطفة: يدرك العقل الخير والشر، ولا سيما عقلاً يزنهما بقسطاس الشريعة العادلة، ولكن العاطفة قد تنصرف عن الخير، وتأخذ بزمام النفس إلى ما هو شر، فتعد مناوئة للعقل، خارجة عن سلطانه، وقد نبّه القرآن المجيد لهذا النزاع، وحذّر من الانحطاط مع العواطف، فقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ

стр. 1849

تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. فالنفوس قد تحب الشيء، وحقُّها أن تكرهه؛ لأنه شر، وقد تنفر منه، وحقُّها أن ترغب فيه؛ لأنه خير. وينبني على هذا التنبيه: أن الإنسان لا ينبذ الشيء لأول ما تنقبض منه العاطفة، ولا يمد إليه يده لأول ما يحس تعلق العاطفة به، بل يرسل فكره في طلب الاستدلال على أنه خير حتى يتعاطاه، أو أنه شر حتى يتحاماه. يختلف العقل والعاطفة، وإذا تعلقت العاطفة بما أنكره العقل، كانت العاطفة هي الخاطئة، ومن جرى في عمله على إرضائها، فقد ازدرى العقل، وضلَّ سواء السبيل، وليس من الممكن أن يدرك العقل الناشئ في مهد العلم الصحيح شيئاً، ويذعن له، ثم تخالفه العاطفة، فتميل إلى غير ما أذعن له العقل، ويكون كل منهما على هدى، وقد زعمت طائفة من المناوئين للدين الحق أن قضايا الدين تتقلبها العواطف، وقضايا العلوم تتقبلها العقول، وأن العواطف قد تتقبل أشياء لا تسلمها العقول، ولم يكبر عليهم أن يقولوا: إن قبول العاطفة للقضية الدينية وإنكار العقل لها لا يتنافيان. قالوا هذا حين قصدوا لصرف الناس عن وجهة الدين من طريق المداجاة والمخاتلة، فتسمعهم يقولون لمن أرادوا إغواءه: إن الدين لا يلزم أن يكون مطابقاً للعلم؛ لأن العلم يجيء من ناحية العقل، فنقبله على أنه ثمرة الفكر، وإن الدين نتقبله بقلوبنا وعواطفنا، ولا يضره عدم تسليم العقل. وقد يأتي أولئك المخادعون إلى أشياء قررها الدين، وهي في زعمهم مخالفة للعلم، ويتظاهرون بأنهم يؤمنون بما جاء به الدين، فيقولون: هذا

стр. 1850

قرره العلم، فنتقبله بعقولنا، وهذا قرره الدين، فنتقبله بعواطفنا. ونحن نفهم أن الدين الحق قد يقرر شيئاً من الأحكام يقصر العقل عن فهم حكمتها؛ ككون صلاة المغرب ثلاث ركعات، أو يخبر بشيء يعجز العقل أن يقيم الدليل على إثباته؛ كبعض الأخبار الواردة في الجنة أو النار، ولكنا ننفي نفياً قاطعاً أن يقرر الدين شيئاً، فينكره العقل؛ أي: إن العقل يستطيع أن يقيم الدليل المقبول على انتفائه. الحقيقة التي نصدع بها موقنين، ونخرج من مقام الدفاع عنها ظافرين، هي أن كل ما يقرره الدين لا تجرؤ العقول على إنكاره، إلا عقولاً لا ترجع في إنكارها إلى منطق صحيح. والذين يريدون استهواء أفراد أو جماعات إلى مذهب زائغ، أوعمل فاسد، يتجنبون أن يأتوهم من ناحية العقل والمنطق؛ لعلمهم أن العقل والمنطق إنما يقفان بجانب الحق والفضيلة، فتجدونهم يلجؤون إلى أن يأتوهم من ناحية العواطف، حتى إذا وجدوها مستعدة لأن تنحدر في طريق غير طريق العقل، أخذوا يجاذبونها، ويغذونها بما يزيد في عوجها، حتى تخرج عن سلطان الحكمة، وهذا مايفعله الدعاة إلى غير هداية؛ من نحو: إعداد مستشفيات أو ملاجئ ينصبونها حبائل لاصطياد الغافلين من المسلمين. وكذلك يفعل الملاحدة والإباحيون؛ إذ يتخذون في وسائل إغواء فتياننا وفتياتنا، وإبعادهم عن حظيرة الدين، فتح باب الشهوات في وجوههم؛ من نحو: استحسان التبرج، واختلاط الجنسين، حتى يبلغ بعضهم أن يقول في غير استحياء: إن الدين لا يمنع من اختلاط الفتيان بالفتيات. وقد حذر بعض الحكماء من الطائفة التي تأتي الناس من ناحية أهوائهم،

стр. 1851

فقال: أخوك من صدقك، وأتاك من ناحية عقلك، لا من ناحية هواك. والظالمون المستبدون يعملون على هذه الشاكلة، حيث لا يجدون من ذوي العقول الراجحة أولياء، فيفتشون عمن ينقادون إلى عواطفهم- أي: أهوائهم - دون عقولهم، فيتخذون منهم أعواناً، ويشبعون أطماعهم بالأموال والمناصب وغيرها من الملاذّ المادية. ولو رجعنا إلى التاريخ، لوجدنا أكثر أعوان الظالمين هم من ذوي النفوس التي تجري مع العواطف السافلة، ولا تقيم لنصائح العقول وزناً. وقد جاء القرآن الكريم إلى عواطف شأنها أن تجمح بالإنسان إلى حيف، أو تصده عن القيام بواجبه، فحذر من الإفراط في مسايرتها؛ مثل: الأبوة والبنوة، والزوجية والصداقة، قال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. ونظر شارع الإسلام إلى عواطف يغلب عليها الخروج عن حد الاعتدال، وبنى الحكم على ما هو الغالب عليها من الإفراط والغلو، كما جعل الأبوة والبنوة والزوجية من وجوه الطعن في الشهادة، فلا تقبل شهادة الابن لأبيه، ولا شهادة الأب لابنه، وإن كانا معروفين بالعدالة، ذلك أن عاطفة الأبوة أو البنوة قد تطغى، فتقع بصاحبها في شهادة غير صادقة. وقد يتنازع العقل والعاطفة إرادةَ الشخص إلى أن يتغلب سلطان أحدهما على سلطان آخر، وكثيراً ما تحذر الشريعة السمحة من الانقياد إلى العاطفة التي

стр. 1852

تثور على سلطان العقل؛ كما قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢]. فالعقل يتجه إلى ما يوجهه إليه الدين من إنكار السفاح، واستحسان إقامة الحد على مرتكبه، ولكن عاطفة الشفقة قد تهز في القلب، فتجعله ينفر من إجراء العقوبة على الزاني، وهذا ما يحذر منه كتاب الله بقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. والذين ينكرون بعض ما شرع الله من الحدود؛ كقطع يد السارق، وجلد القاذف، ورجم الزاني المحصن، لا يرجعون في إنكارهم إلى رويَّة ونظرات في المصالح والمفاسد صحيحة، وإنما أخذوا إلى ما يقولون بعاطفة عمياء، أو ذوق غير سليم. تقوى العواطف وتضعف، والتغلب على العاطفة القوية دليل قوة البصيرة، وإيثار الفضيلة على الرذيلة، فمن يخرج للحرب - مثلاً -، وقد ترك وراءه رزقاً واسعاً، وأهلاً يعزّ عليه فراقهم، يفضُل من خرج إلى الحرب، ولم يترك من ورائه شيئاً يأسف عليه. وأراد جرير أن يبالغ في مدح قوم بطموحهم إلى أقصى مراقي المجادة، فنبه على أن العواطف التي شأنها أن تصرفهم عن هذه الوجهة، لا تنال من عزائمهم شيئاً، حيث قال: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار ونبه آخر على أن عاطفة المحبة لا تشغله عن واجب الدفاع، فقال: وترانا يوم الكريهة أحرا ... راً وفي السلم للغواني عبيدا وإذا كانت الشجاعة درجات، فإن هذه الدرجات ترتفع على قدر

стр. 1853

ما يقاوم الإنسان من العواطف الشخصية، ويرمي بها وراء ظهره. قال عبد الملك بن مروان لجلسائه: من أشجع الناس؟ فأكثروا من ذكر الأبطال، فقال لهم: أشجع الناس مصعب بن الزبير: جمع بين عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين، وأمة الحميد بنت عبد الله بن عباس، وولي العراقين، ثم زحف إلى الحرب، فبذلتُ له الأمان والمال والولاية، فأبى أن يقبل ذلك، واطّرح كل مشغوف به في ماله وأهله وراء ظهره، وأقبل بسيفه قَرْماً، يقاتل ما بقي سبعة نفر، حتى قتل كريماً. وعلى هذا المنوال يجري كثير من خصال الحمد؛ كالكرم، والإنصاف، قال المتنبي: لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يُعْدِم والإقدام قتّالُ والمشقة التي تعرض لطالب السيادة هي التعب الذي يلاقيه في مخالفة ميول نفسه، من نحو حب الحياة، والحرص على الاستئثار بالمال، والتوسع في الاستمتاع به. وشأن الإنسان حب الانتقام ممن ألحق به أذى، فإذا كان للأذى الذي لحقه وجه من الحق، وكان الذي ألحق به الأذى على جانب من الفضل، كان مدحه له بدل هجائه تقديماً لداعي العقل على العاطفة الجامحة، وذلك هو الإنصاف. كان سعيد بن الجودي عاقب المقدام بن المعافى، وكان شاعراً، وشأن هذا العقاب أن يهيج في نفس المقدام بغض سعيد، وحب الانتقام منه بما يقدر عليه من الهجاء، ولكن المقدام رثى سعيداً بعد موته، فقيل له: أترثيه، وقد أصابك بالضرب؟! فقال: والله! إنه نفعني حتى بذنوبه، ولقد نهاني ذلك الأدب

стр. 1854

عن مضار جمة كنت أقع فيها على رأسي، أفلا أرعى له ذلك؟ والله! ما ضربني إلا وأنا ظالم له، أفأبقى على ظلمي بعد موته؟!. * توافق العقل والعاطفة: يدرك العقل حسن الشيء وصلاحه، وتُسايره العاطفة. والأمر الذي يستحسنه العقل، وتتجه إليه العاطفة، تقبل عليه النفس بعزم صارم، وتعسى له بكل ما أوتيت من استطاعة، وذلك معنى تعاون العقل والعاطفة على الخير. اتجاه العاطفة إلى ما يتجه إليه العقل، يجعل الأمر الصعب سهلاً، والغاية البعيدة قريبة، والطريق الوعر معبداً، لهذا نرى القرآن الكريم بعد أن يدعو الناس إلى ما فيه خيرهم، قد يأتي النفوس من ناحية العواطف؛ إذ يعقب الأمر بما شأنه أن يثير حماستها، وخذوا مثلاً لهذا: أمره بدفاع العدو في قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، فشأن المسلم أن يتلقى أمر الله بالامتثال؛ لقيام الدليل القاطع على أنه لا يأمر إلا بخير، ولكن الأهواء قد تستولي على القلوب، وتعوقها على امتثال أمر القتال، فأخذ القرآن يهز العواطف حتى تتضافر هي والعقل على العزم والثبات في مواقف الدفاع؛ إذ قال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]، فذكّرهم فرض القتال بأنهم إذا تهاونوا بأمر الدفاع عن أوطانهم، بسط العدو عليهم سلطانه، واستبد فيهم لا يرعى لهم عهداً ولا ذمة، وليس من شك في أن التذكير بهذه العاقبة المشؤومة، يثير في نفوس الأمة رغبة شديدة في الاحتفاظ باستقلالها إن كانت مستقلة، أو في الأخذ بأسبابه إن كانت مستعبدة. وإن شئتم أن تزدادوا خبرة بأثر العاطفة من الإقدام على العمل الصالح

стр. 1855

بقوة، فانظروا إلى رجلين اتحدا في مقدار ما تلقياه من العلوم الدينية، وأحدهما متقد حماسة، مجدّ في الدعوة إلى سبيل الله، متفانٍ في الذود عن حياض الشريعة، والآخر منهما خِلْو من هذه الحماسة، فلا يؤلمه أن يرى حرمة الدين منتهَكة، وكلمته غير نافذة، ونفوس الناشئين عنه منصرفة، ذلك أن الأول متفقه في الدين، وتربّت له مع هذا التفقه عاطفة نحوه، أما الآخر، فتلّقى علوم الدين، وإنما صارت لمسائلة صور قائمة في ذهنه، دون أن تكون بجانبها عاطفة. والعلماء الذين كانوا يواجهون ذوي السلطان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يبالون بما يلاقونه في سبيل الدعوة من الأذى؛ مثل: سعيد بن المسيب، وعز الدين بن عبد السلام، ومنذر بن سعيد البلوطي، إنما امتازوا عن غيرهم من أهل العلم بشدة العاطفة الدينية المتدفقة غيرةً وحماسة. وقد تتعارض العاطفة الدينية والعاطفة الشخصية، والكيّس من يقدم العاطفة الدينية، ويرمي بالعاطفة الشخصية إلى وراء، وأسوق إلى حضراتكم مثلاً لهذا، هو: أن الخليفة هارون الرشيد كان جالساً بجانب القاضي أبي يوسف، فدخل يهودي رافعاً إلى القاضي دعوى على الخليفة، ومراعاةً للتسوية بين الخصمين في مجلس الحكم، قام أبو يوسف من مكانه، وأشار إلى اليهودي بأن يجلس به حتى يكون بجانب خصمه الذي هو الخليفة، وقضى لليهودي على الخليفة، ولكن أبا يوسف ذكر أن قلبه كان يميل إلى أن يكون الخليفة هو المحق، واليهودي مبطلاً، وكان يتألم من هذا الميل القلبي، ويستغفر الله منه. فانظر كيف كان في نفس أبي يوسف عاطفة شخصية نحو هارون الرشيد جعلته يحب انتصاره على اليهودي، وكان في نفسه عاطفة دينية تدعوه إلى أن يصدر الحكم على نحو ما أمر به الدين من العدل، فأجاب ﵀-

стр. 1856

داعي العاطفة الدينية، فأصدر حكمه في القضية على ما أذن به الدين، وأعرض عن داعي العاطفة الشخصية جانباً. وقد يتجاذب العاطفةَ الشخصية - كعاطفة الصداقة - ناحيتان، تقتضي إحداهما مسلكاً، وتقتضي الأخرى مسلكاً غيره، والكيّس يزن الناحيتين، ويقدم الناحية التي ينصح بها الدين، ويرتضيها العقل. قال السلطان صلاح الدين الأيوبي يوماً للقاضي الفاضل: لنا مدة لم نر فيها العماد الكاتب، فلعله مريض، امض إليه، وتفقد أحواله. فلما دخل القاضي الفاضل دار العماد، وجد أشياء أنكرها في نفسه؛ مثل: آثار مجالس الخمر وآلات الطرب، فخاطبه منشداً: ما ناصحتك خبايا الودِّ من رجل ... ما لم ينلك بمكروه من العذلِ محبتي فيك تأبى أن تسامحني ... بأن أراك على شيء من الخللِ فلما قام من عنده، أقلع العماد عما كان فيه، ولم يعد إليه. فعاطفة المودة قد تدعو إلى الإغضاء عن معايب الصديق؛ لأن تنبيهه إلى العيب قد يؤلمه، وربما أحدث جفاء بين الصديقين، وقد تدعو إلى تنبيهه لبعض ما يأخذه عليه الناس متى أبصروه، وهذا ما يدعو إليه الدين، وتنادي به الفضيلة. وكان ابن هبيرة يقول: اللهم إني أعوذ بك من صحبة مَن غايته خاصة نفسه، والانحطاط في هوى مستشيره، ومن لا يتلمس خالص مودة أصدقائه إلا بالتأتي لموافقة شهواتهم. * كيف تربى عاطفة الخير ؟ عواطف الخير كثيرة، وتربى العاطفة الشريفة ببيان ما يترتب على العمل

стр. 1857

من فوائد عامة أو خاصة، فقد يعتقد الإنسان بصلاح عمل من جهة ثقته بحكمة من يأمره به، أو لأنه اطلع على فائدة من فوائده، فيجد داعية على إجابة الأمر، ولكن هذه الداعية قد تبدو ضعيفة حيث لم يكن بجانبها عاطفة قوية تسهل عندها الصعاب، وتتضاءل أمامها العقبات. وتقوى العاطفة نحو الشيء يقدر ما تعرف النفس من فضله وحسن عواقبه، فصدور الأمر بالشيء من الشارع الحكيم- مثلاً - هو كاف لقبول الإنسان له، واعتقاده بصلاحه، ولكنه ينهض للعمل بنشاط أوفى، وعزم أمضى، متى ازداد علماً بما يترتب عليه من الآثار الحميدة. وتربى العاطفة الشريفة بالأساليب البارعة؛ من نحو: التشابيه والاستعارات وضرب الأمثال؛ حيث يُعرض الشيء المطلوب فعله في صورة شيء تألفه النفوس، وترغب فيه؛ فقد تدرك النفس حسن الشيء المطلوب فعله، ولكن عرضه في صورة ما ألفته واتجهت إليه من قبل، يجعلها تزداد ارتياحاً له، ورغبة فيه، ومن هنا كان الشعر مثيراً للعواطف، وصح أن يستعان به في توجيه النفوس إلى كثير من أعمال الخير. وقد سلك القرآن الكريم في تربيته العواطف هذا المسلك البديع، وكان لضربه الأمثال أثر عظيم في تثبيت حكمه البالغة في النفوس، وتنمية العواطف الدافعة إلى عظائم الأمور. وخلاصة البحث: أن أطيب الناس حياة، وأرفعهَم في المجد مقاماً، وأوفرَهم من خصال الحمد ثروة، ذلك الرجل الذي رزق عقلاً سليماً، وديناً قيماً، ورزق بجانب ذلك عواطف شريفة تتوجه حيثما توجه العقل، ولا تنساق إلا إلى ما يرتضيه الدين الحق.

стр. 1858

حقوق الفقراء على الأغنياء في الإسلام (١) نظّم الإسلام صلة المخلوق بالخالق - جل شأنه -، فأرشد إلى الإيمان الخالص، ودل على مظاهر العبادات الصحيحة، ولم يقتصر على هذه الصلة المقدسة، بل نظر إلى الناس وهم مدنيون بطبعهم، وعمد إلى ما يربطهم من صلات، فعدلها، وأخرجها لهم في أصفى لون، وأحسن وضع. عرفنا كيف تكون الصلة بين الإنسان ومن تصله بهم قرابة أو زوجية أو تعاون على القيام بما تستدعيه الحياة المنزلية، فكان نظام الأسرة والمنزل محفوفاً بالطمأنينة والهناءة. ثم عرفنا كيف تكون المعاملات القائمة على تبادل المنافع من نحو البيع والإجارة، فأرانا السبيل إلى أن نتعامل ونتفارق على وفاق وائتلاف. ثم نظر الإسلام نظرة بعيدة المدى إلى الفريق الذين يقعون في ضيق من العيش، ولا يستطيعون حيلة إلى ما يسد حاجتهم الحيوية، فأبت حكمته أن يظل هؤلاء البائسون بين ذوي اليسار يقاسون آلام الضراء، ويبيتون هم وأفلاذ أكبادهم في كرب من الجوع والبرد، فوضع بين فريقي البائسين والموسرين صلة أحكم ربطها، وحاطها بسياج من العدل.

стр. 1859

وموضوع حديثنا الليلة: هو النظر في هذه الصلة، وذكر مالها من حقوق، والتنبيه لما تأتي به رعايتها والاحتفاظ بحقوقها من ثمرات طيبة. بنى الإسلام أحكامه وآدابه على أساس العزة والكرامة، فكره للرجل أن يخلد إلى البطالة، ويتعرض للصدقات، وهو قادر على أن يضع يده في عمل يكسب به قوته أو قوت من يعول، قال - صلوات الله عليه -: "والذي نفسي بيده! لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خير من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله، فيسأله أعطاه أو منعه". وقد مر بنا قول المتنبي في مدح محمد بن عبد الله الخصيبي قاضي أنطاكية: أخلت مواهبك الأسواق من صنع ... أغنى يداك عن الأعمال والمهن فنعده من الشعر المنحو به نحو الغلو في الإطراء، ولكنّا نود من المتنبي أن يجعل أثر المواهب قطع دابر الفقر، كما قال ابن المولى في يزيد بن حاتم: لو كان مثلك آخَرٌ ... ما كان في الدنيا فقير لا أن يجعل أثر المواهب استغناء الناس عن الأعمال والمهن؛ إذ لا يليق بإنسان أن يترك عملاً، أو يقاطع مهنة؛ اتكالاً على مواهب قاض أو وزير أو أمير. وكره الإسلام لمن ابتلوا بقلة ذات اليد أن يسارعوا إلى الاستجداء ولهم في التجمل متسع، فانظروا كيف نبّه القرآن الكريم على فضل قوم ضاقت أيديهم عن الكسب، فلاذوا بالتعفف، وارتدوا بالتجمل، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣].

стр. 1860

وبعد هذا التعفف في مفاخر الجماعة، قال جزء بن ضرار يصف قومه: فقيرهم مبدي الغنى وغنيهم ... له ورق في السائلين رطيب كافح الإسلام البطالة، ونصح لمن وقع في فاقة بأن يحتفظ بماء وجهه، ويترفع عن التكفف ما وجد للصبر على العسرة موضعاً، ثم أقبل على أولي اليسار يربي فيهم عاطفة الإحسان، ويقيمها على قواعد حكيمة رشيدة. نراه قد عني بالإحسان إلى طوائف خاصة ممن يحتاجون إلى أن يعانوا على نوائب الزمان، فأمر بالإحسان إلى ذوي القربى، والآيات والأحاديث الواردة في فضل صلة الرحم، وماتأتي به من خيري الدنيا والآخرة، لا يسع المقام إيرادها، ويكفي شاهداً على ما نقول: أنه حثّ الرجل على أن يحسن إلى أقارب من كان صديقاً لأبيه، قال - صلوات الله عليه -: "إن من أبرّ البرّ صلة الرجل أهل ودِّ أبيه بعد أن يولي". وأمر بالإحسان إلى اليتامى، ذلك أنهم فقدوا أحضان من كان يرعاهم، ويكفيهم أمر عيشهم، وهم لضعفهم عاجزون عن أن يصلوا إلى قوتهم بأيديهم. وأمر الرجل بالإحسان إلى الجيران، ولو لم تربطهم به رابطة قرابة، قال - صلوات الله عليه -: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره". وأمر بالإحسان إلى أبناء السبيل، ذلك أنهم يقدمون البلد، وهم يجهلون موارد الرزق منه، أولا تصل أيديهم إلى كسب القوت بسهوله، وقد جمع القرآن الكريم هذه الطوائف، وأمر بالإحسان إليها في آية واحدة، قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦]. حرض الإسلام على الإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والجيران وأبناء
следующие страницы →