← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من المودة، وهي المحبة. و ﴿لَوْ﴾ بمعنى أن المصدرية. و ﴿يُعَمَّر﴾: من التعمير، وهو إطالة العمر، يقال: عمره الله؛ أي: أطال عمره. و ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾: كناية عن طول المدة التي يود أن يعيشها. والمعنى: يتمنى الواحد منهم أن يعيش السنين الكثيرة، ولو تجاوزت الحد الذي يبلغه الإنسان في العادة، ذلك أن التمني يقع على الجائز، والمستحيل وقوعه عادة. ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾: الضمير ﴿هُوَ﴾ عائد على ﴿أَحَدُهُمْ﴾. و ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ من الزحزحة، وهي التبعيد والتنحية. والمعنى: ما أحد منهم يُبعده وينحِّيه تعميره من العذاب. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: هذه الجملة تهديد ووعيد لأولئك اليهود الذين ورد في الآيات السابقة ذكر مساويهم، وتبين أنهم كاذبون في دعوى أنهم أهل الجنة المختصون بنعيمها. و ﴿بَصِيرٌ﴾ من البصر، وهو إدراك المرئيات، وقد يراد به: العلم، يقال: إن لفلان بصراً بهذا الأمر؛ أي: معرفة، وعلى هذا الوجه تفسر الآية. والمعنى: أن الله عالم بأعمالهم، محيط بما يسرون منها وما يعلنون، فهو مجازيهم عنها كما يشاء. ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾: سبب نزول هذه الآية - كما جاءت به الروايات، وأجمع عليه أهل التفسير -: أن اليهود في عهد النبي ﷺ قالوا: إن جبريل عدونا، قالوا هذا عندما سمعوا أن جبريل هو الذي ينزل على النبي ﷺ بالوحي، وأرادوا من هذا: أنهم لا يؤمنون بوحي يجيء به عدوهم. وهذا نوع من منكرات أقوالهم.

стр. 212

ولا يستبعد أن يصدر منهم هذا القول؛ فقد قالوا بعد مشاهدتهم لمعجزات موسى ﵇ القاطعة: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. ويكفي في تصدي القرآن لإنكار قولهم: "إن جبريل عدونا" أن يقوله طائفة منهم على وجه العناد عندما يُدْعَون إلى إجابة الدعوة، ولا يلزم أن تكون عداوة جبريل عقيدة معروفة بين طوائف اليهود. وجبريل: اسم أعجمي، وقد تصرفت فيه العرب على عاداتها في تغيير الأسماء الأعجمية، فاختلفت اللغات في النطق به، وأفصحها: جبريل؛ كقنديل، وهي لغة أهل الحجاز. والضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾ عائد على جبريل، وفي قوله: ﴿نَزَّلَهُ﴾ عائد على القرآن المفهوم من سياق النظم. والاكتفاء في الدلالة على مرجع الضمير بما يفهم من سياق الكلام معهود في البلاغة العربية، وإنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وجعل محل تنزيل القرآن القلب، فقال: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾؛ لأن السبب في تمكنه ﷺ من تلاوة القرآن، وإبلاغه للناس ثباتُه في قلبه. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إذن الله: أمره. والمعنى: قل يا محمد: من كان عدواً لجبريل، فلا وجه لعدوانه؛ لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه، وإنما نزل بأمر الله الذي تجب طاعته في كل ما يأمر به؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ﴾ [مريم: ٦٤]. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ﴿مُصَدِّقًا﴾: مؤيداً، وهو حال تتصل بالضمير العائد على القرآن في

стр. 213

قوله ﴿نَزَّلَهُ﴾، وما بين يدي القرآن: ما نزل قبله من الكتب السماوية، وأعظمها: التوراة. وتأييد القرآن لها: موافقته لها في الدلالة على التوحيد وأصول الدين. ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: هذا معطوف على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾، وقد تضمن وصف القرآن بأنه هدى وبشرى؛ أي: هادٍ إلى سبيل السعادة والفلاح، ومبشرٌ للمؤمنين بالجنة، وقال: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى﴾؛ مبالغة في وصفه بالهداية والبشرى؛ كأنه - لعظم هدايته وبشراه - صار نفس الهداية والبشرى، وهذا ما يلاحظه البلغاء عند وصفهم للشيء، أو إخبارهم عنه بالمصدر بدل اسم الفاعل؛ نحو: زيد عدلٌ، بدل قولك: زيد عادل. وقال: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن الهدى إنما ينتفع به المؤمنون، والبشرى، وهي الخبر الدال على خير عظيم، لا يحصل إلا لهم. ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾: عداوة العبد لله في كفره به، ومخالفته لأوامره عناداً، وعداوته للملائكة في إنكار فضلهم، ووصفهم بما ينافي عصمتَهم ورفعةَ منزلهم عند الله، وعداوته للرسل تكذيبُه لهم، وقصده لإلحاق الأذى بهم ما استطاع. وإفراد جبريل وميكائيل بالذكر، مع اندراجهما تحت عموم (ملائكته) استدعاه تصريحُ اليهود بعداوة جبريل، وتعظيم ميكائيل في حديث سبب نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾، وفي إفرادهما بالذكر تقرير لفضل ميكائيل، وزيادة رد عليهم في عداوة جبريل. وعداوة الله للعبد: في غضبه

стр. 214

عليه، ومجازاته له على كفره، وعدم الاستمساك بعُرا طاعته. وقال: ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾، ولم يقل: عدو له، أو لهم؛ ليدل على أن عداوة كل واحد ممن اشتملت الآية على ذكرهم كفر. والمعنى: أن من عادى الله، أو ملَكاً من ملائكته، أو رسولاً من رسله، فقد كفر، وباء بعداوة الله له، ومن باء بعداوة الله، فجزاؤه الخزي وعذاب الحريق. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: تستعمل الآية بمعنى: المعجزة، وتطلق على جماعة حروف وكلمات من القرآن. وقوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ يجعل ﴿آيَاتٍ﴾ ظاهرة في هذا المعنى، فآيات القرآن بَيِّنات؛ أي: واضحة الدلالة على معانيها، فمن تعسف في تأويلها، وأتى بما لا تألفه العقول الراجحة، فقد خرج بها عن أن تكون آيات بينات. ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾: الفاسق: من الفسوق، وهو الخروج من شيء إلى آخر، ويستعمل في الكفر والمعصية؛ لأنه خروج من فطرة الله التي هي حق وصلاح إلى ما هو باطل وفساد. والفسق إن كان بالمعصية، فهو أعظمها، وإن كان بالكفر، فهو أعظم الكفر. ومعنى الجملة: ما يكفر بهذه الآيات البينات إلا الماردون على الكفر؛ ذلك أنها واضحة الدلالة بوجوه إعجازها على أنها تنزيل من رب العالمين، فمن تدبرها، أفضت به إلى الإيمان الصحيح لا محالة. ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: أفادت هذه الآية: أن من عادة اليهود نقض العهود. والاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ للإنكارة بمعنى: ما كان ينبغي. ﴿عَاهَدُوا عَهْدًا﴾:

стр. 215

أعطوا عهداً. و (نبذ) من النبذ، وهو طرحك الشيء غيرَ معتدّ به، ونبذُ العهد: نقضه، وترك العمل به. والفريق: الجماعة، قليلة أو كثيرة. و (كلما) في قوله تعالى: (كلما عاهدوا) تدل على أن نبذ العهود يتكرر منهم المرة بعد الأخرى، كما قال ابن جريج فيما نقل عنه في تفسير هذه الآية: "لم يكن في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه؛ يعاهدون اليوم، وينقضون غداً". وكم عاهدوا رسول الله ﷺ ولم يفوا بما عاهدوا؛ كما فعل بنو قريظة والنضير!. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنفال: ٥٦]. وإنما قال: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾؛ لأن من بني إسرائيل من لم ينبذ العهد؛ كعبدالله بن سلام. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿بَلْ﴾ حرف يستعمل للانتقال من خبر إلى خبر، وهي هنا للانتقال من الإخبار عن فريق من اليهود بأنهم ينقضون العهد كلما عاهدوا، إلى الإخبار عن أكثر اليهود بأنهم لا يؤمنون. والمعنى: أن فريقاً من اليهود ينقضون كل عهد يعاهدونه، بل أكثر اليهود لا يدخل الإيمان في قلوبهم. فيشمل لفظ ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ ذلك الفريق الذي ينبذ العهد، وغيرَهم ممن لم ينبذوا العهد، فكل منهما محكوم عليهم بأنهم لا يؤمنون، فلا يؤمن من اليهود عندما يدعون إلى الدين الحق إلا قليل. * * *

стр. 216

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١ - ١٠٣]. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ﴾: أخبر تعالى في الآية السابقة بأن عادة اليهود عدم الوفاء بالعهود؛ إذ قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. وفي ذلك تسلية لرسوله ﵊؛ حيث سلكوا معه الطريقة في عدم الأخذ بما انطوى عليه كتاب الله من التبشير به، وإلزامهم إتباعه، وهذا مورد قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ ... إلخ﴾. فالضمير (هم) في قوله:

стр. 217

﴿جَاءَهُمْ﴾ عائد على اليهود. والرسول: محمد ﷺ . ووصف الرسول بأنه آتٍ من عند الله؛ تعظيماً له، ومبالغة في إنكار عدم إيمانهم به. و (ما معهم) يراد منه: التوراة. وتصديق الرسول لها من جهة أن ما جاء به موافق لها في أصول الدين، أو لأنه جاء على الوصف الذي ينطبق على وصف الرسول المبشَّر به في التوراة. ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: النبذ: الطرح والإلقاء. و ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: اليهود، والكتاب الذي أوتوه: التوراة. وكتاب الله: التوراة. ونبذهم لها؛ لأنهم كانوا يتمسكون بها، وهي تدل على نبوة محمد ﷺ ، وصفته، وتوجب عليهم الإيمان به، فجحدوا، وأصروا على إنكار نبوته. وقوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ مثل يضرب للإعراض عن الشيء جملة، تقول العرب: جعل هذا الأمر وراء ظهره؛ أي: تولى عنه معرضاً؛ لأن ما يجعل وراء الظهر لا ينظر إليه، والإعراض عن بعض كتاب الله عناداً، إعراضٌ عن الكتاب كله. ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: كأن ذلك الفريق الذين أعرضوا عن كتاب الله لا يعلمون أنه كتاب الله، أو أنه صدق وحق، والواقع أنهم يعلمون ذلك، وإنما نبذوه مكابرة وعناداً. وشبههم بمن لا يعلمون؛ لأن العالِم الذي لا يسير في الحياة على مقتضى علمه يضاهي الجاهل في الخوض في الباطل، والانغماس في الآثام. ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾: من الاتباع، وهو الاقتداء. والضمير (واو الجماعة) يعود

стр. 218

على اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ . ﴿تَتْلُو﴾ من التلاوة بمعنى: الاتباع أو القراءة. و ﴿الشَّيَاطِينُ﴾ جمع شيطان، وهو كائن حي خلق من نار، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. ويطلق على الممتلئ شراً ومكراً من الأنس. وورد بهذا المعنى في قوله تعالى يصف حال المنافقين: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وفي قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. ومن هنا استطاع بعض المفسرين أن يحمل الشياطين في الآية التي نحن بصدد تفسيرها على الأشرار من الناس. وسليمان: هو النبي سليمان، ويرتقي نسبه إلى إسحاق بن إبراهيم ﵈. وما تتلوه الشياطين: هو السحر. وتلاوته على ملك سليمان: أي: اتباعه في عهد ملك سليمان، ومعلوم أن ملك سليمان كان شريعة ونبوة. ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾: نزه الله بهذه الجملة سليمان ﵇ عن عمل السحر الذي يتعاطاه أولئك الشياطين، وينسبونه إليه، ودلت الجملة على أن ذلك السحر ضرب من ضروب الكفر؛ إذ قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾، ودلت على أنه من اختلاق أولئك الشياطين، فقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾: الضمير في قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ عائد على الشياطين، أو على اليهود، ويكون الكلام عن الشياطين انتهى عند قوله: ﴿كَفَرُوا﴾، وتكون جملة: ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ بياناً لوجه اتباعهم للشيطان المخبر عنه بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا ...﴾.

стр. 219

والسحر في أصل اللغة: الصَّرف، وشاع استعماله في كل عمل يخفى سببه، ويصور الشيء بخلاف صورته، ويقلبه عن جنسه في الظاهر لا في الحقيقة، وورد السحر في القرآن والحديث، فاتفق علماء الإسلام على أن هناك شيئاً يسمى سحراً، واختلفوا في تصويره، فذهب كثير من أهل العلم إلى أن للسحر آثاراً حقيقة، وقالوا: هو مزاولة النفوس الخبيثة لأفعال يترتب عليها أمور خارقة للعادة، وقالوا: هو خارق للعادة يظهر من نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن السحر لا يبلغ أن يغير الحقائق في نفسها، وإنما هو تخجل وتمويه؛ كما قال تعالى في سحرة فرعون: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، فأخبر أن ما ظنوه سعياً منها لم يكن سعياً، وإنما كان تخييلاً، وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]؛ أي: موهوا على الناس حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى، وقال هؤلاء: "لا يفعل الإنسان في غيره فعلاً من غير مماسة ولا ملامسة. وإذا كان السحر لا يتجاوز التخييل والتمويه، استبان الفرق بينه وبين المعجزة جلياً، فالمعجزات على حقائقها، وباطنها كظاهرها، ولو اجتهد الخلق كلهم على مقابلتها بالمثل، لما استطاعوا أن يأتوا بمثلها، وأما السحر، فإنما هو ضرب من الحيلة والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها، ومن شاء أن يتعلم ذلك، بلغ فيه مبلغ غيره. وقد يلوح للناظر أن السحر الذي خاضوا في الحديث عنه نوعان: أحدهما: قلب حقيقة الشيء إلى حقيقة شيء آخر على وجه خرق العادة

стр. 220

في الواقع؛ كقلب جماد إلى حيوان، أو حيوان إلى جماد، وهذا النوع لم يقع لنا دليل، ولا ظاهر في الشريعة على وقوعه، وربما كانت الحاجة إلى الفرق بين المعجزة والسحر فرقاً واضحاً تقتضي عدم صحة وقوعه، فالساحر لا يبلغ أن يقلب العصا ثعباناً، ولا أن يفلق البحر فتمر بين فرقيه الجيوش، ولا أن يجعل الماء ينبع من بين الأصابع، فتروى منه العطاش، وأعني: أنه لا يجري على يده من خوارق العادات مثل ما يجري على أيدي الأنبياء للإعجاز. والنوع الآخر: وهو أن يزاول بعض النفوس الخبيثة أفعالاً يكون لها أثر في شخص آخر من غير اتصال ولا مماسة، فجائز الوقوع، ولا يبلغ في الاستبعاد مبلغ النوع الأول. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: هذا معطوف على ﴿السِّحْرَ﴾ في قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ و ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾: تثنية ملَك - بفتح اللام - والملك كائن نعلم من حقيقته أنه ذو حياة ونطق عقلي، ومن مميزاته: أنه لا يعصي الله فيما يأمره به؛ أي: إنه مفطور على الطاعة يأتيها من غير تكلف. و (بابل): بلدة قديمة بالعراق ينسب إليها السحر والخمر. و ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ اسمان للملكين. والذي أنزل عليهما: وصف السحر، وماهيته، وكيفية الاحتيال به؛ ليعرَّفاه الناس فيجتنبوه، ولكن الشياطين عرفوه، فعمِلوا به. والمؤمنون عرفوه، واستفادوا من الاطلاع عليه، فتجنبوه. واختصت بابل بالإنزال؛ لأنها كانت كثر البلاد عملاً بالسحر. ومما يروى في أصل

стр. 221

سحر بابل: أنه كان مبنياً على تعظيم الكواكب، وتسميتها آلهة، والاعتراف بأنها تقدر على ضر الشخص ونفعه، وكانت للسحر وقتئذ رُقى تشتمل على شرك بالله، يتقربون بها إلى الكواكب، ويموهون بها على العامة. ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾: الضمير في قوله: ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ عائد إلى هاروت وماروت. والفتنة: المحنة والاختبار لتمييز المطيع من العاصي. ومعنى (لا تكفر): لا تعمل بما تتعلمه من السحر الذي هو من قبيل الكفر، وتعتقد صحته. ومعنى الآية: أن الملكين لا يعلِّمان أحداً من الناس السحر حتى يبذلا له النصيحة، ويقولا: إن هذا الذي نصفه لك إنما الغرض منه تمييز السحر من المعجزة، فحذار أن تستعمله فيما نهيت عنه، فتكون من الكافرين. والحكمة من تعليم الملكين الناس السحر: أن السحرة كثروا في ذلك العهد، واخترعوا فنوناً غريبة من السحر، وربما زعموا أنهم أنبياء، فبعث الله تعالى الملكين؛ ليعلما الناس وجوه السحر حتى يتمكنوا من الفرق بينه وبين المعجزة، ويعرفوا أن الذين يدعون النبوة كذباً إنما هم سحرة لا أنبياء. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾: الضمير في قوله: (يتعلمون) عائد على ﴿أَحَدٍ﴾، وعاد عليه ضمير الجمع (واو جماعة)، وهو في اللفظ مفرد؛ لأنه وارد في سياق النفي، ومن المعروف أن الاسم النكرة إذا ورد بعد النفي كان في معنى أفراد كثيرة، فيصح أن يعبر عنه بضمير الجمع. وذكر في هذه الجملة صنفاً خاصاً من السحر، وهو ما يتجه فيه الساحر إلى الزوجين، ويكون من أثره إزالة الألفة بينهما، وإحداث بغضاء تصير بهما

стр. 222

إلى أن يتفرقا. وتخصيص هذا الصنف من السحر بالذكر من قبيل التنبيه على صورة تظهر فيها مفسدة السحر بأشد ما يكون. ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾: نسب في الجملة السابقة إلى السحر الضرر إذ قال: ﴿مَا يَضُرُّهُمْ﴾، ودفع بهذه الجملة توهم أن يكون السحر مضراً بذاته؛ بحيث لا يتخلف عنه الضرر متى تعاطاه الساحر، وبين أن الضرر من السحر إنما يحصل بإذنه تعالى. والضمير (هم) عائد على السحرة الذين علمهم الشياطين السحر. و (ضارين) من الضرر، وهو ما يحصل به ألم في الجسم أو النفس. وإذنُ الله في هذه الآية: تخليته بين المسحور وضرر السحر؛ أي: إن شاء الله، حصل الضرر، وإن شاء، منعه، فلا يلحق المسحور منه أذى، وهذا ظاهر في أن لما كانوا يتعلمونه من السحر ضرراً، إلا أن يشاء الله وقاية المسحور منه. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: الضمير في قوله: ﴿عَلِمُوا﴾ عائد على أولئك اليهود الذين نبذوا كتاب الله، واستبدلوا به السحر. والخلاق: النصيب، والمعنى: ولقد علم أولئك النابذون لكتاب الله، المؤثرون عليه اتباع السحر: أن من استبدل السحر بكتاب الله، ليس له حظ من الجنة؛ إذ لم يكن له إيمان ولا عمل صالح يجازى به، ويثاب عليه. ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿شَرَوْا﴾ باعوا، وبيع الأنفس يعني به بيع حظوظها من نعيم الجنة.

стр. 223

والمعنى: ولبئس شيء باع به أولئك السحرة حظوظ أنفسهم تعلمُ ما يضر من السحر، والعملُ به، ولو كانوا من أهل العلم، أو لو كانوا يعلمون مذمومية الشراء المذكور، لامتنعوا عن ذلك. وأثبت لهم في الجملة السابقة العلم بأن من أقبل على السحر بدل كتاب الله ليس له في الجنة من نصيب، وهو يتضمن علمهم بقبح السحر، وأنه عمل مذموم؛ لأن الشراء المذكور لما كان موجباً للحرمان في الآخرة، كان مذموماً غاية الذم، ثم نفى عنهم في هذه الجملة علمهم بذلك؛ إذ قال: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، وهذا جار على الأسلوب المعروف في فنون البلاغة من أن العالِم بالشيء إذا لم يجر على موجب علمه قد ينزل منزلة الجاهل به، وينفى عنه العلم كما ينفى عن الجاهلين. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: هذه الجملة من قبيل تعقيب الوعيد بالوعد. والمثوبة: الثواب والأجر. والمعنى: ولو أن أولئك الذين يتعلمون السحر ويعلمونه آمنوا بالرسول المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾، أو بالقرآن والتوراة، واتقوا الله بامتثال ما أمر به، واجتنابِ ما نهى عنه، لأثيبوا، وثواب الله خير لهم من السحر، ولو كانوا من أولي العلم، لعلموا ذلك، واستبدلوا بالسحر ما هو خير منه. * * *

стр. 224

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٤ - ١٠٨]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: هذا نداء من الله - جل شأنه - للمؤمنين الذين يشهدون مجلس رسول الله ﷺ ، وقد صدرت به الآية؛ لأهمية الأدب الذي وردت الآية داعية إلى الأخذ به، فإن نداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله ونواهيه بحسن الطاعة. ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾: ﴿رَاعِنَا﴾: من المراعاة، وهي المراقبة والانتظار والإمهال، وقد

стр. 225

كره الله أن يخاطب نبيه ﵊ بهذه الكلمة، وإنما كرهها إذ لحقها وجه من المفسدة، هو أن المسلمين كانوا يقولون: يا رسول الله راعنا؛ أي: راقبنا وأمهلنا حتى نتمكن من حفظ ما تلقيه لنا، فسمعتهم اليهود، فصاروا يقولون: يا أبا القاسم! راعنا، يوهمون أنهم يريدون طلب المراعاة، وهم يريدون معنى اسم الفاعل من الرعونة التي هي الحمق، فنهى الله تعالى المسلمين عن استعمال هذه الكلمة في خطاب النبي ﷺ حتى لا يتخذها اليهود وسيلة إلى إذاية النبي بالسب والتنقيص. ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: نهى المسلمين عن أن يقولوا في خطاب النبي ﵊: راعنا، وأمرهم بأن يقولون مكانها: ﴿انْظُرْنَا﴾، وهي من نظر بمعنى: انتظر، تقول: نظرت الرجل أنظره: إذا انتظرته وارتقبته، وبهذا المعنى ورد قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وفي الآية تنبيه لأدب جميل هو أن الإنسان يتجنب في مخاطباته الألفاظ التي توهم جفاء أو تنقيصاً في مقام يقتضي إظهار مودة أو تعظيم. ﴿وَاسْمَعُوا﴾: أمر للمسلمين بحسن الاستماع إلى النبي ﷺ ؛ بأن يقبلوا عليه بقلوبهم حتى يحفظوا ما يلقيه عليهم، ولا يفوتهم منه شيء. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: الكافرون: اليهود الذين اتخذوا كلمة: ﴿رَاعِنَا﴾ وسيلة إلى إذايته ﵊. والأليم: الموجع.

стр. 226

﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ﴿يَوَدُّ﴾: من الود، وهو محبة الشيء مع تمنيه. أهل الكتاب: اليهود والنصارى. والمشركون: عبدة الأوثان. والمعنى: لا يحب الكافرون من اليهود والنصارى ولا المشركون أن ينزِّل الله عليكم شيئاً من الخير؛ بغضاً فيكم، وحسداً لكم، وأعظم خير ينزله الله على المسلمين، ويشتد حسد أهل الكتاب لهم عليه هو القرآن الكريم؛ لما فيه من حكمة رائعة، وحجة بالغة، وبلاغة باهرة. ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أفادت الجملة السابقة أن الكافرين لا يودون إنزال الخير على المؤمنين، وجاءت هذه الجملة لبيان أن لله التصرف المطلق في إنزال الخير على عباده، رضي من رضي، وكره من كره، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ﴾ ... إلخ. الاختصاص بالشيء: الانفراد به، تقول: اختص فلان بكذا؛ أي: انفرد به، ويستعمل متعدياً إلى المفعول به، فتقول: اختصصت فلاناً بكذا؛ أي: أفردته به، وجعلته مقصوراً عليه، وعلى هذا الوجه ورد الاختصاص في الآية. والرحمة تشمل النبوة والقرآن والنصر، وذلك كله مما لا يود الكافرون إنزاله على المؤمنين. وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾؛ ليعلم الناس أن اختصاصه بعض عباده بالرحمة منوط بمشيئته وحدها، وما لأحد عليه من حق. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: الفضل: الخير، وكل خير يناله العباد في دينهم أو دنياهم إنما هو من عنده تعالى، يتفضل به عليهم، وذلك هو الفضل العظيم.

стр. 227

﴿نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾: وجه انتظام هذه الآية بما قبلها: أن نسخ الآية بخير منها من قبيل الفضل العظيم، فكأنها جاءت لتدل على أن الله لا يترك أولياءه المؤمنين من أن ينزل عليهم خيراً يود الكافرون أن لا ينزل عليهم. والنسخ في اللغة: الإبطال والإزالة، يقال: نسخت الشمسُ الظل؛ أي: أزالته. وفي عرف الشرع: بيان انتهاء مدة الحكم بخطاب لولا هذا الخطاب، لاستمر الحكم على مشروعيته بمقتضى النص الذي تقرر به أولاً. والآية: طائفة من القرآن. ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ - بضم النون وكسر السين - من أنسى الشيء؛ أي: جعله منسياً، فمعنى نسخ الآية في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: رفع حكمها مع بقائها في نظم القرآن. ومعنى إنسائها في قوله: ﴿نُنْسِهَا﴾: رفع الآية من نظم القرآن جملة. وسمي رفع الآية من النظم جملة إنساء؛ لأن شأن ما لا يبقى في النظم أن ينساه الناس؛ لقلة جريانه على الألسنة بالتلاوة والاحتجاج به. ويصح إبقاء الإنساء على حقيقته، وهي إذهاب الآية من القلوب، وإزالتها من الحافظة بعد أن يقضي الله بنسخها. ذلك أن إنساء الناس آية لم تنسخ إضاعة لشيء من القرآن، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومما يدل على نسخ الآية المنساة؛ أي: انتهاء مدة التكليف بها: قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، فيكون قوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾

стр. 228

معبراً عن حال تعرض في بعض ما سيرفع من القرآن جملة، وهي أن ينساه الناس؛ لذهابه من قلوبهم قبل أن يعرفوا نسخه، ووجه ذكر هذا الحال بوجه خاص: أن ما ينسى لعدم حضوره في القلوب لا تعرف الآيات التي تقوم مقامه، فربما يقع في الوهم أنه ذهب من غير أن ينزل من الآيات ما يغني غناءه. وقرئ (ننسَأْها) - بالهمز -، من النسء، وهو التأخير. وعلى هذه القراءة يحمل النسخ في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ على النوعين السابقين: نسخ الآية حكماً فقط، ونسخها حكماً وتلاوة. ومعنى ننسأها: نؤخر إنزالها إلى وقت ثان، فلا ننزلها، وننزل ما يقوم مقامها في القيام بالمصلحة. ويصح أن يفهم على أن الله تعالى إذا نسخ آية، أتى بالآية الناسخة، وهي خير من المنسوخة، أو مثلها، وإذا أخر آية، وهي الناسخة؛ أي: أبقاها إلى أن يأتي وقتها المناسب، أنزل الآية التي يراد نسخها من بعد، وهي عند إنزالها خير من الناسخة، أو مثلها. والخيرية في قوله: (خير منها)، والمماثلة في قوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ ترجع إلى ثواب العمل بها؛ فقد يكون ثواب العمل بالناسخة أوفر من ثواب العمل بالمنسوخة قبل نسخها، ويكون مماثلاً له، وإن كان كل واحدة من الآيتين: الناسخة والمنسوخة - بالنظر إلى الوقت المقدر للعمل بها - أَقْوَمَ على المصلحة من الأخرى. ولم يزل علماء السلف منذ عهد الصحابة ﵃ يذهبون إلى أن نسخ بعض الأحكام ثابت في الشريعة، إلى أن ظهر أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المتوفى سنة ٣٢٢، فأنكر وقوع النسخ في شريعتنا، وحمل النسخ الوارد في الآية على معنى نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين.

стр. 229

قال أبو بكر الجصاص المتوفى سنة ٣٧٠ في كتاب "الأحكام": "وزعم بعض المتأخرين من غير أهل الفقه أنه لا نسخ في شريعة نبينا ﷺ ، وأن جميع ما ذكر فيها من النسخ فإن المراد منه نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين؛ كالسبت، والصلاة إلى المشرق". ثم قال: فارتكب هذا الرجل في الآي المنسوخة والناسخة، وفي أحكامها أموراً خرج بها عن أقاويل الأمة، مع تعسف المعاني واستكراهها. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: الاستفهام للتقرير، والخطاب للنبي ﷺ ، وهو موجه بمعناه إلى أمته المسلمين. و (القدير) في صفات الله: المتمكن من أن يفعل ما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة. ووجه اتصال هذه الجملة بحديث النسخ: أن النسخ إنما يكون بعد خلق أسباب يصير بها الشيء في وقتٍ مصلحةً، وفي وقت آخر مفسدة، ولا يخلق هذه الأسباب على الوجه المهيئ للنسخ، ويقرر الحكم الفاصل ملزماً به الناس، رضوا أم كرهوا، إلا القادر على كل شيء. وذهب بعض الكاتبين في التفسير منذ عهد قريب إلى أن المراد من ﴿آيَةٍ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: المعجزة، لا آية الأحكام. وهذا الرأي مستقيم من جهة اللغة، ويساعده ما اتصل بالآية من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ولكن السلف منذ عهد الصحابة ﵃ تضافروا على تفسيرها بآية الأحكام، ولم ينقل عنهم - فيما علمنا - خلافٌ في ذلك. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: هذه الجملة واقعة موقع الدليل على ما تضمنته الجملة السابقة من

стр. 230

كمال قدرته تعالى وشمولها لكل شيء؛ إذ معناها: أنه تعالى يملك كل ما هو كائن. وخص السموات والأرض بالذكر؛ لأنهما من أعظم المخلوقات، أو ليدل بالسموات على المخلوقات العلوية، ويالأرض على المخلوقات السفلية، فهو الذي يتصرف في جميع الكائنات، يفعل ما يشاء في ذواتها وأحوالها، وإنما يملك هذا التصرف المطلق من وسعت قدرته كل شيء. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: وليّ الإنسان: من يتولى أموره، ويُجريها على حسب مصالحه. ونصيره: من يعينه ويقويه على من يناوئه. فمعنى هذه الجملة: ما لكم من غير الله من يتولى أموركم ويدبرها بحق، ولا من يعينكم على أعدائكم حتى تخلصوا من شرورهم، وتكونوا أنتم الأعزاء وهم الأذلاء، ومن كان الله وليه ونصيره، علم يقيناً أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له في دنياه وآخرته. ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾: دلت آية النسخ على أنه تعالى يختار للمسلمين ما هو الخير والأصلح لهم في التشريع، وهذا يستدعي تفويض أمر هدايتهم إلى تدبيره، فيكتفون بما أقامه على صحة الدعوة من آيات بينات، ويتقبلون ما يشرعه لهم ملتزمين الوقوف عنده، وجاءت للتنبيه لهذا آية: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ ... إلخ. أم: بمعنى: بل، وهي تفيد انتقال من جملة إلى جملة، مع بقاء الجملة الأولى؛ أعني: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ بحالها من إفادة التقرير، وتقدر بعد أم همزة الاستفهام للإنكار، والخطاب للمسلمين. وإخراج الكلام في صورة خطاب الجماعة يشعر بأن الخطاب في الآية السابقة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ موجه في

стр. 231

المعنى إلى جماعة المؤمنين. والمعنى: لا ينبغي لكم أن تقصدوا إلى سؤال رسولكم مسائل لا تلائم الإيمان الحق كما فعل قوم موسى إذ ألقوا عليه - بعد ظهور المعجزات، ووضوح الدلائل على رسالته - مسائل تدل على عدم رسوخ الإيمان في قلوبهم؛ كقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]. وفي آية: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ ومبالغة في الوصاية بالحذر من الوقوع فيما وقع فيه بنو إسرائيل من الاقتراحات التي لا تصدر عن قوم يوقنون؛ إذ جعل محط الإنكار إرادتهم للسؤال، وفي النهي عن إرادة الشيء نهي عن فعله بأبلغ عبارة. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ تأكيد لما فهم من الفعل الماضي ﴿سُئِلَ﴾؛ فإنه يدل على أن سؤالهم كان في زمن مضى. ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: تبديل الكفر بالإيمان: أخذه بدل الإيمان. و ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: وسطه. والسائر في وسط الطريق هو الذي يكون بمأمن من أن يتيه عن الغاية المنشودة. ومفاد هذه الآية: أن من يقترح على الرسول ما يقترح بعد ظهور الآيات البينات، والدلائل الساطعات؛ مثلما كان بنو إسرائيل يقترحونه على موسى، فقد اختار الكفر على الإيمان، وخرج عن الصراط السوي الذي هو الدين القيم، ومن المعروف أن عقبى الكافرين النار. * * *

стр. 232

بِسْمِ اللهِ الرَّحَمنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٩ - ١١٢]. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾: هذا بيان لنوع من الشر الذي يضمره اليهود للمسلمين، وهو تمنيهم ارتداد المسلمين عن دينهم الحق. وودّ: تمنى. والكتاب: التوراة. والكثير من أهل الكتاب: بعض أحبار اليهود. و ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾ من رد بمعنى: صَيَّرَ، والردُّ إلى الكفر معناه: نقلهم من الإيمان إلى الكفر، فهو يستلزم أن يكونوا مؤمنين. وإنما صرح بذلك، فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾؛ لإظهار مزيد التشنيع عليهم فيما تمنوه؛ حيث تمنوا أن يكون مكان الإيمان كفر، وللتنبيه

стр. 233

على أن ما تمنوه بعيد الوقوع؛ فإن الإيمان الراسخ يمنع صاحبه من الانتقال منه إلى كفر. ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: هذا علة لما تضمنته الجملة السابقة من تمنيهم رد المسلمين كفاراً. والحسد: قلق النفس من رؤية نعمة يصيبها إنسان، وينشأ عن هذا القلق تمني زوال تلك النعمة، وتمني زوال النعمة عن الغير مذموم بكل لسان، إلا نعمة أصابها فاجر أو جائر يستعين بها على الشر والفساد؛ فإن تمني زوالها كراهة للجور والفساد لا يدخل في قبيل الحسد المذموم، فإن لم تتمنَّ زوال النعمة عن شخص، وإنما تمنيت لنفسك مثلها، فهي الغبطة والمنافسة، وهي محمود؛ لأنها قد تنتهي بالشخص إلى اكتساب محامد لولا المنافسة، لظل في غفلة عنها. والحسد قد يهجم على الإنسان، ولا يكون في وسعه دفعه لشدة النفرة بينه وبين المحسود، وإنما يؤاخذ الإنسان على رضاه به، وإظهار ما يستدعيه من القدح في المحسود، والقصد إلى إزالة النعمة عنه. وعلَّل تمنيهم للمسلمين الكفر بعد الإيمان بالحسد؛ لينفي ما قد يخطر بالبال من أن تمنيهم ذلك جاء من جهة تدينهم وميلهم إلى الحق، ولو بحسب زعمهم. ومعنى كون الحسد من عند أنفسهم: أنه راسخ في طبائعهم، فلا يطمع في صرفه عن قلوبهم في حكمة أو موعظة. ودل قوله: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ على أنهم يوقنون في أنفسهم بصحة دين الإسلام؛ إذ الإنسان لا يحسد آخر على دين إلا أن يعرف في نفسه صحته، وأنه سبيل النجاة والفلاح.

стр. 234

﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: معنى هذا: أن ودادتهم لكفركم بداعي الحسد وقعت بعد أن تبين لهم الحق، وهو صدق دعوة الإسلام؛ بما عرفوه من معجزات النبي ﷺ ، وما عاينوه في التوراة من النعوت المطابقة لما هو عليه، فكفْر هؤلاء كان على سبيل العناد، والجمود على الباطل، لا عن جهالة بصدق النبوة المحمدية. ويؤخذ من هذا: أن المراد بقوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: اليهود الذين لهم علم بما في التوراة، واطلاع على سيرة النبي ﷺ ، وذلك شأن أحبارهم. ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: بعد أن حذّر المسلمين من مكر يكنه كثير من أهل الكتاب في أنفسهم، وهو تمنيهم تصيير المسلمين كفاراً، أمر المسلمين بموادعتهم، والصفح عنهم إلى حين، فقال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ...﴾ إلخ. والعفو: ترك المؤاخذة على الذنب. والصفح: ترك التأنيب عنه، مأخوذ من الإعراض بصفحة العنق. والأمر في قوله تعالى: ﴿بِأَمْرِهِ﴾: الإذن للمسلمين بالقتال عندما يكون لهم قوة يتمكنون بها من جهاد عدوهم. ومعنى الجملة: قابلوا أولئك اليهود بوجه العفو؛ بأن لا تتعرضوا لمجازاتهم على ما يظهر من آثار ذلك التمني والحسد في قول أو فعل، وأظهِروا أنكم لم تطلعوا على شيء من مكرهم حتى يأذن الله لكم بقتالهم، ودفعِ شرهم بقوة السلاح. وسمى ترك عقوبة المسلمين للكافرين عفواً، مع ضعف المسلمين، وما كان للكفار وقتئذ من شوكة، والعفو إنما يكون عند القدرة؛ للتنبيه على أن أصحاب الحق الذين هم تحت رعاية الله وتأييده

стр. 235

في حكم الأقوياء. فترك هؤلاء المحقين للقيام في وجوه أولئك المبطلين اتقاء لضرر أكبر، يصح أن يسمى عفواً. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: تضمنت الجملة السابقة وعداً من الله للمؤمنين بالقوة والنصر، وكانوا وقتئذ في حال قلة وضعف بالنسبة إلى كثرة عدوهم وقوته. فاقتضت هذه الحال تأكيد ذلك الوعد، فجاءت هذه الجملة لتأكيده؛ إذ بينت لهم أن كل شيء داخل تحت سلطان قدرته تعالى، وقد وعدهم بالتأييد على عدوهم، وإذا كان تعالى قادراً على إنجاز ما يعدهم به، وقع الموعود به في الوقت المسمى له لا محالة. وذكر اسم الجلالة في الجملة السابقة يقتضي أن يؤتى في هذه الجملة بالضمير، فيقال: إنه على كل شيء قدير، ولكن إعادة ذكر اسم الجلالة في الجملة يجعلها مستقلة، بخلاف ما لو أتى بالضمير، فإنه يشعر بتبعيتها للجملة الأولى. واستقلال الجملة يدل على شدة عناية المتكلم بالمعنى الذي تتضمنه. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: أمرهم في الآية السابقة بالعفو والصفح عن أعدائهم، لحكمة تجعل العفو والصفح خيراً من العقوبة والتأنيب، وأمرهم في هذه الآية بالمواظبة على عمودي الإسلام، وهما: العبادة البدنية التي تؤكد صلة القرب من الله، وهي الصلاة، والعبادة المالية التي تؤلف بين قلوب الموسرين والمعسرين، وهي الزكاة.

стр. 236

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أمر في الجملة السابقة بالصلاة والزكاة على وجه خاص؛ لعظم شأنهما، وجاءت هذه الجملة مرغبة في فعل الخير على وجه عام، فتندرج فيها الصلاة والزكاة وغيرهما من الأعمال الصالحة فرضاً أو تطوعاً. وقال: ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ تنبيهاً على أن ما يقدمونه من خير إنما هو لمصلحة أنفسهم. والذي يجدونه عند الله هو ثواب ما يقدمونه من العمل الصالح. وقال: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ إشارة إلى عظم الثواب بعظمة من تدخر عنده أعمال الخير، ويتولى الجزاء عنها. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: دلت الجملة السابقة على أن كل خير يفعلونه يجدون ثوابه عند الله، وجاءت هذه الجملة لتأكيد ذلك الوعد، فقد دلت على أن الله لا يخفى عليه عمل عامل، قليلاً كان أو كثيراً، وإذا كان عالماً محيطاً بكل عمل يصدر من الإنسان، كانت الأعمال محفوظة عنده تعالى، فلا يضيع منها عمل دون أن يلقى العامل جزاءه يوم الدين. وإعادة ذكر اسم الجلالة في هذه الجملة، مع تقدم ذكره في قوله: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يجعل الجملة مستقلة، وقد سبق آنفاً أن استقلال الجملة يدل على شدة الاهتمام بالمعنى الذي تضمنته، ومن فوائد إظهار اسم الجلالة في مقام يجوز فيه الإضمار: أن تكون الجملة كحكمة تقال عند كل مناسبة؛ بخلاف ما لو أتى بدل الاسم الظاهر بالضمير، فإن إلقاءها عند المناسبة يستدير أن تذكر الجملة السابقة معها؛ حتى يعرف المراد من الضمير.

стр. 237

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾: هذا بيان لنوع آخر من أباطيل أهل الكتاب. والضمير في قوله: (قالوا) عائد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى. والهود: اليهود، وقدمهم في الذكر على النصارى؛ لتقدمهم في الزمان، وأصل اللفظ المساوي لمعنى الآية: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، ولكن الآية عدلت في أداء هذا المعنى عن طريق المساواة، وسلكت طريق الإيجاز، فأصدرت القولين في جملة واحدة، وعطفت أحد الفريقين على الآخر بأو، فجات الجملة في الأسلوب التي وردت به الآية ثقة بفهم السامع، وأنه لعلمه بتضليل كل واحد من الفريقين صاحبه لا يذهب في فهم الآية إلى أن كل واحد منهم يقول: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، بل المقصود المعنى الذي أوردناه في أسلوب المساواة. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٣٥]؛ أي: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى. ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾: الأماني: جمع أمنية، وهي ما يُتمنى. واسم الإشارة مشار به إلى ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ ... إلخ، وهو يتضمن أماني متعددة: أمنية اليهود أن لا يدخل الجنة إلا اليهود، وأمنية النصارى أن لا يدخل الجنة إلا النصارى، وأمنية كل من الفريقين حرمان غيرهم كالمسلمين من الجنة، ولهذا جاء خبر اسم الإشارة جمعاً، فقال تعالى: ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾.

стр. 238

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: لما ادعى كل من الفريقين اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتهم، جاءت هذه الجملة لمطالبتهم بالدليل على صحة دعواهم. و ﴿هَاتُوا﴾: أحضروا. والبرهان: الدليل على صحة الدعوى. ولما كانت دعواهم الاختصاص بدخول الجنة شأنها أن تثبت بوحي من الله، لا لمجرد التمني، وكتبهم خالية مما يدل على صحتها، قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾؛ أي: أحضروا الدليل من كتبكم على أنكم مختصون بدخول الجنة إن كنتم صادقين فيما تدعون. والآية وردت خطاباً للمدعي بالباطل، ومطالبة له بذكر الدليل على ما ادعى؛ تبكيتاً وتعجيزاً. ويؤخذ من الآية: بطلان التقليد في أمور الدين، وهو قبول قول الغير مجرداً من الدليل، فلا ينبغي للإنسان أن يقرر رأياً في الدين إلا أن يسنده إلى دليل، كما أنه لا يقبل من غيره قولاً إلا أن يكون مؤيداً بدليل. أما عدم صحة التقليد في أصول الدين - أي: فيما يرجع إلى حقيقة الإيمان - فالأمر فيه جلي واضح. ولا نريد من هذا أنه يجب على كل مكلف التعمق في الطرق المدونة في علم الكلام، بل يكتفى في إيمان الشخص بأي دليل ينشرح به صدره للإسلام، وتحصل له به الطمأنينة؛ كأن يستمد إيمانه بالله من التنبه لحكمة الله في إتقان المخلوقات، أو في رعاية اللطف والرفق بالإنسان، ويستمد إيمانه بصدق الرسول من الاستماع إلى القرآن الكريم، أو من سيرته التي لم يظهر بمثلها أو بما يقرب منها بشر غير رسول. والقصد أن لا يكون إسلامه لمجرد أنه نشأ في بيئة إسلامية، أو ولد من أب وأم مسلمين.

стр. 239

وأما التقليد في الفروع؛ أي: في الأحكام العملية، فالناس بالنظر إلى القدرة على تمييز الصواب من الخطأ درجات، فمن له قدرة على فهم الأدلة، ومعرفة الراجح من الأحكام، لا يجوز له أن يتلقى الحكم من غيره إلا مقروناً بدليل، وإن كان قاصراً عن هذه الدرجة، أخذ بما يفتيه به العالم المشهود له بالرسوخ في علم الشريعة، والمعروف بالمحافظة على لباس التقوى ما استطاع. ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: هذا جواب عن قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ ... إلخ. و ﴿بَلَى﴾ حرف يصدر به الجواب لإثبات ما نفي في الجملة السابقة، والجملة السابقة نفت أن يدخل غير اليهود والنصارى الجنة، فتكون كلمة ﴿بَلَى﴾ لإثبات دخول غيرهم فيها، وهم المشار إليهم بقوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ﴾. و ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾: اتجه إليه، وأخلص نفسه له، و ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: من الإحسان، وهو الإتيان بالعمل على وجه حسن. وقد فسر النبي ﷺ الإحسان بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه". والأجر: الثواب، وسمي الثواب أجراً؛ إيذاناً بقوة ارتباطه بالعمل، فمن المعروف أن الأجر لا ينال بدون العمل، وذكر الرب في هذا المقام يقوي رجاء العبد نيل الثواب الموعود به في الآية؛ فإن الرب - وهو الناظر في مصلحة العبد، المدبر لشؤونه - لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعماله الصالحة إلا أحصاها، وأعد لها الجزاء الأوفى. ولما كانت كثرة الثواب على الأعمال الصالحة لا تتم بها النعمة إلا إذا أمن الإنسان من أن يلحقه مكروه، أو يفوته مطلوب، قال تعالى:

стр. 240

﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: لا يخافون أن يصيبهم مكروه، ولا يحزنون لفوات مرغوب فيه. والمعنى: أنه لا يعتريهم ما يوجب الخوف أو الحزن، بل هم في أمن وسلامة من كل ما يكدر صفو ذلك النعيم المقيم. وأعيدت الضمائر على كلمة (من) في قوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ مفردة؛ مراعاة للفظها؛ فإنها في صورة المفرد، ثم أعيدت عليها ضمائر الجمع في قوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ مراعاة لمعناها؛ لأنه لم يرد منها شخص واحد، وإنما أريد منها كل شخص يتحقق فيه إسلام الوجه إلى الله. والجمع بين مراعاة لفظ (من) ومعناها في كلام واحد معروف في الأساليب العربية البليغة نثراً وشعراً. * * *

стр. 241

بِسْمِ اللهِ الرَّحَمْنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٣ - ١١٥]. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾: تضمنت الآية السابقة تزكيةَ كل فريق من اليهود والنصارى نفسَه، وتضليلَه لغيره على وجه عام، وجاءت هذه الآية لبيان تضليل كل فريق منهما الآخر بوجه خاص، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ ... إلخ. والشيء: الموجود، أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، وقد ينفى مبالغة في عدم الاعتداد به. واليهود كفرت بعيسى ﵇، وما زالوا يزعمون أن المسيح المبشر به في التوراة لم يأت، وسيأتي بعد، فهم يعتقدون أن النصارى

стр. 242

باتباعهم له ليسوا على أمر حقيقي من التدين. والنصارى تكفر اليهود؛ لعدم إيمانهم بالمسيح، وقد جاء لإتمام شريعتهم، ونشأ عن هذا النزاع عداوة اشتدت بها الأهواء والتعصب حتى صار كل فريق منهما يطعن في دين الآخر، وينفي عنه أن يكون له أصل من الحق. ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: ﴿يَتْلُونَ﴾: يقرؤون. واليهود يقرؤون التوراة، والنصارى يقرؤون الإنجيل. والمعنى: قالوا ذلك في حال كونهم من أهل العلم والكتاب. ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: ﴿كَذَلِكَ﴾ في الأصل كاف التشبيه متصلة باسم الإشارة إلى البعيد، وكثيراً ما تستعمل في تشبيه شيء تقدم ذكره، وقد تُجرد من معنى التشبيه، وتُستعمل لمجرد تثبيت الخبر المتقدم عليها، أو المتأخر عنها، كما وردت في هذه الآية؛ فإن تشبيه قول الذين لا يعلمون بقول اليهود والنصارى قد حصل بقوله تعالى: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، ولفظ (كذلك) إنما وقع موقع تثبيت الخبر، أعني قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾؛ كما وردت لهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨]. والذين لا يعلمون: الذين لا يتلون الكتاب من مشركي العرب وغيرهم؛ فإنهم يقولون في المسلمين: ليسوا على شيء؛ أي: إنهم على ديانة باطلة. والهدف الذي ترمي إليه الآية هو أن إنكار اليهود والنصارى لرسالة النبي ﷺ لا ينبغي أن يثير شبهة على عدم صحتها؛ حيث يسبق إلى أذهان

стр. 243

الضعفاء من الناس أن تلاوتهم للكتاب تجعلهم أعرف بالنبوة الصادقة من غيرها، فكأن القرآن يقول: إن تلاوتهم للكتاب وحدها لا ينبغي أن تكون شبهة على أنهم أنكروا دين الإسلام لعلمهم بأنه ليس بحق، ألا ترون اليهود والنصارى وهم يتلون الكتاب كيف أنكر كل فريق منهما أن يكون الآخر على شيء حقيقي من التدين، فسبيلهم في إنكار دين الإسلام كسبيل المشركين الذين أنكروه على جهالة به. ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: الضمير في قوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ عائد على اليهود والنصارى. والاختلاف: تقابل رأيين فيما ينبغي انفراد الرأي فيه. ولم تصرح الآية بماذا يحكم الله بينهم، ومن مظاهر حكم الله يوم القيامة: إثابة من كان على حق، وعقاب من كان على باطل. ويفهم هنا على معنى أنه عيَّن لكل من الفريقين عقاباً على قدر ما ارتكب من الباطل. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾: اختلف المفسرون فيمن نزلت فيهم هذه الآية، فمنهم من قال: وردت في شأن الرومانيين الذين غزوا بني إسرائيل، وخربوا بيت المقدس، ومنهم من ذهب إلى أنها نزلت في كفار قريش لما منعوا رسول الله ﷺ أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية، وكيفما كان سبب النزول، فالآية تشمل بذمها ووعيدها كل من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها. ﴿وَمَنْ﴾: استفهام يراد منه النفي، والمعنى: لا أظلم. و (المساجد) جمع مسجد، وهو المكان الخاص للعبادة، مأخوذة من السجود، وهو وضع الجبهة على الأرض خضوعاً لله وتعظيماً. وذكر اسم الله كناية عما

стр. 244

يؤدى فيها من العبادات؛ إذ لا تكاد عبادة تخلو من ذكر اسمه تعالى. والسعي في الأصل: المشي بسرعة، ويستعمل في معنى الطلب والعمل. والخراب: ضد العمارة، وهو التهدم، ويستعار لمعنى تعطيل المكان وخلوه مما وضع له. ومعنى الآية: لا أحد أظلم ممن حالَ بين المساجد وبين أن يعبد فيها الله، وعمل لخرابها بالهدم؛ كما فعل الرومان ببيت المقدس، أو بتعطيلها من العبادة؛ كما فعل كفار قريش، فهو مفرِط في الظلم، بالغ فيه أقصى غاية. ولا يتوهم متوهم أن بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢] تناقضاً، إذ ليس في الآيات الثلاث سوى نفي أن يكون ظالم أظلم ﴿مِمَّنْ مَنَعَ﴾، أو ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾، أو ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧]. فمفاد الآيات: لا أحد أشد ظلماً من هؤلاء الطوائف الثلاث. وهذا صادق عند تساويهم في الإفراط في الظلم، وبلوغهم فيه إلى ما ليس وراءه ظلم. ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ﴾: ما ينبغي لهم. والمعنى: ما ينبغي لأولئك الذين يحولون بين المساجد وذكر الله، ويسعون في خرابها أن يدخلوها إلا بخشية من الله، ولكن قست قلوبهم، وزين لهم الشيطان الكفر والعصيان، فسعوا في طمس مظاهر الهداية وانقطاع ذكر الله عنها، وهو السراج الذي يجعل الأرض مشرقة بنور ربها.

стр. 245

﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: الخزي في الدنيا: الهوان والذلة، والعذاب العظيم في الآخرة: العذاب الخالد في النار، ولا أشقى ممن يعيش في هوان وذلة، وإذا مات، فمصيره إلى عذاب أليم لا يموت فيه ولا يحيا. ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: ﴿الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾: مكان شروق الشمس ومكان غروبها، ويراد منهما: جميع الأرض. واللام في قوله: (لله) تفيد معنى الملك. والمعنى: أن جميع الأرض ملك لله وحده. والتولية: الصرف من جهة إلى أخرى. و (ثم): اسم إشارة للمكان. والوجه: الجهة، فوجه الله: الجهة التي ارتضاها، وأمر بالتوجه إليها، وهي القبلة. والمعنى: ففي أي مكان من الأرض ولَّيتم وجوهَكم الجهةَ التي أمركم الله بالتوجه إليها، فهناك جهةُ الله التي تبرأ ذممكم باستقبالها. ومعنى هذا: الإذن بإقامة الصلاة في أي مكان من الأرض دون أن تختص بها المساجد، كما قال ﵊: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"، وكأن الآية تومئ إلى أن سعي أولئك في منع المساجد من ذكره تعالى وتخريبها لا يمنع من أداء العبادة له تعالى، فلله المشرق والمغرب وما بينهما، فأينما حل الإنسان، وتحرى القبلة المأمور بالتوجه إليها، فهناك جهة الله المطلوب منه استقبالها. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: أصل الوسع: تباعد الأطراف والحدود، وهذا المعنى محال في ذاته

стр. 246

تعالى، ولما ورد الواسع في أسمائه تعالى الحسنى، ذهب المفسرون في فهمه إلى أن الوسع عائد إلى صفة من صفاته؛ كالرحمة، على معنى: التوسعة على العباد، والتيسير عليهم في أمر الدين، وكالملك على معنى: أنه محيط بالأشياء ملكاً، فلا يقع شيء إلا في ملكه. ولهذا المعنى مناسبة ظاهرة لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. ﴿عَلِيمٌ﴾ لايخفى عليه فعل فاعل أينما كان، وكيفما كان. * * *

стр. 247

بِسْمِ اللهِ الرَّحِمْنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١١٦ - ١٢٠]. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: هذا معطوف على قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾. و ﴿اتَّخَذَ﴾ من الاتخاذ، وهو الصنع والجعل والعمل. والولد معروف، ويطلق على الذكر والأنثى، والواحد والجمع. والذين قالوا اتخذ الله ولداً هم اليهود والنصارى والمشركون، فقد حكى الله عن اليهود أنهم قالوا: عُزير ابن الله، وعن النصارى أنهم قالوا: المسيح ابن الله، وعن المشركين أنهم

стр. 248

قالوا: الملائكة بنات الله، فيصح أن يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ﴾ عائداً على الفرق الثلاث، أو على بعضهم. وقد عرفنا من قبل أن القرآن يجري على الأسلوب المعروف في المخاطبات؛ حيث يسند إلى القوم ما صدر من بعضهم , فلما قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] يكفي في صحة معنى الآية أن يكون هذا القول قد صدر من طائفة منهم. ﴿سُبْحَانَهُ﴾: سبحان: مصدر لسَبّح بمعنى: نَزَّه، وهو منصوب بفعل لم يسمع من العرب التصريحُ به معه، والأصل: أُسبّحه سبحاناً، فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وأضيف إلى ضمير المنزه. والمعنى: تنزيه الله تعالى عن السوء، وتبعيده عنه؛ أي: الحكم بنزاهته وبعده عن السوء. والتنزيه يتناول التنزيه بالقلب، وهو اعتقاد أن الله بريء من كل ما لا يليق بكماله، وباللسان؛ كقول: سبحان الله، والأول هو الأصل، والثاني ثمرة له؛ لأن الإنسان إذا اعتقد شيئاً، ظهر من قلبه على لسانه. ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: هذا إضراب عن مقالاتهم التي نسبوا بها إلى الله اتخاذ الولد، وأخذ في الاستدلال على بطلانها. اللام في قوله: ﴿لَهُ﴾ للاختصاص الكامل، وهو الملك الحقيقي. و ﴿مَا﴾ اسم موصول يراد منه الكائنات: ما يعقل منها، وما لا يعقل، ومن جملة هذه الكائنات: من ادعوا أنه ولد الله، والمعنى: أن قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ زعمٌ باطل؛ فإن جميع ما احتوت عليه السماوات والأرض مملوك لله، يوجد ما يشاء، ويتصرف فيه كيف يشاء، فلا حاجة له تعالى إلى اتخاذ الولد؛ إذ الولد إنما يسعى إليه الوالد، أو يرغب فيه؛ ليعتز

стр. 249

به، أو ليحيى ذكره، أو ليستعين به على القيام بأعباء الحياة، والله تعالى منزه عن أمثال هذه الأغراض التي لا تليق إلا بمن خلق ضعيفاً كالإنسان. ثم إن الحكمة من التوالد: بقاء النوع محفوظاً بتوارد أمثال الوالد حيث لا سبيل إلى بقائه بعينه، أما الخالق تعالى، فهو الواحد في ذاته وصفاته، الباقي على الدوام، كما قال - جل شأنه -: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: ﴿قَانِتُونَ﴾: من القنوت، وهو الطاعة والخضوع. والمعنى: كل ما في السماوات والأرض مطيعون له خاضعون، لا يستعصي شيء منهم على مشيئته وتكوينه. وهذا حكم شامل لمن يعقل ومن لا يعقل. وجمع الخبر بالواو والنون التي هي حقيقة فيما يعقل، فقال: ﴿قَانِتُونَ﴾ تغليباً للعقلاء على غير العقلاء؛ إذ معنى القنوت - وهو الطاعة والخضوع للمشيئة والقدرة - يتحقق في العقلاء، وغيرهم، إلا أن للعقلاء طاعة وخضوعاً فوق طاعة غيرهم وخضوعه، ذلك أنهم يطيعون الله، ويخضعون له عن شعور منهم واختيار. والتغليب من الفنون المعدودة في محاسن البيان، وهو إخراج القول على وجه يختص بحسب الوضع اللغوي بطائفة من الناس أو غيرهم، ولكن الحكم يكون شاملاً لهذه الطائفة وغيرها، ويكتفى في الدلالة على شمول الحكم بقرينة؛ كلفظ: (ما) في قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وإنما يعبر بالوجه الخاص؛ كجمع قانت بالواو والنون الخاص بالعقلاء لمعنى هو: أن إسناد القنوت الذي هو الطاعة والخضوع ظاهر في العقلاء بأكمل مما يظهر في غيرهم.

стр. 250

﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: لما ذكر أنه مالك لجميع ما في السماوات والأرض، وأن كل من فيها خاضع لسلطان مشيئته وقدرته، ذكر نفس السماوات والأرض، ودل على أنهما من آثار صنعه الحكيم. والبديع: المبدع، من أبدع. والإبداع: اختراع الشيء على غير مثال سبق. وخص السماوات والأرض بالإبدل؛ لأنهما أعظم ما يشاهد من المخلوقات. ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ﴿قَضَى﴾: أراد، والفعلان ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ من الكون بمعنى: الحدوث. ومن المحتمل القريب أن تكون الجملة واردة على وجه التمثيل؛ أي: تمثيل حصول مراده تعالى دفعة بلا مهلة بحصول ما يؤمر به المطيع الذي يسرع إلى الامتثال عقيب سماع الأمر. والمعنى: إذا أراد الله شيئاً، حصل من غير امتناع ولا مهلة؛ كما يحصل ما يؤمر به المطيع الخاضع من غير إباء أو توقف لحظة بعد سماع الأمر. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾: هذا معطوف على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ غير أن آية: ﴿وَقَالُوا﴾ قدح في التوحيد، واَية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾ قدح في النبوة. و ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: جهلة المشركين. و ﴿لَوْلَا﴾ هنا بمعنى: هلَّا المفيدة للتحضيض، وهو الحض على الفعل الذي يذكر بعدها وطلبه. والمعنى: هلا يكلمنا الله إما بالذات، وإما بإنزال الوحي إلينا، أو يرينا حجة تقوم على صدق رسالتك. وقالوا هذا على وجه العناد والجحود لأن تكون الآيات التي أقامها الله على صدق رسالته آيات حقاً.
следующие страницы →