← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

داعي العاطفة الدينية، فأصدر حكمه في القضية على ما أذن به الدين، وأعرض عن داعي العاطفة الشخصية جانباً. وقد يتجاذب العاطفةَ الشخصية - كعاطفة الصداقة - ناحيتان، تقتضي إحداهما مسلكاً، وتقتضي الأخرى مسلكاً غيره، والكيّس يزن الناحيتين، ويقدم الناحية التي ينصح بها الدين، ويرتضيها العقل. قال السلطان صلاح الدين الأيوبي يوماً للقاضي الفاضل: لنا مدة لم نر فيها العماد الكاتب، فلعله مريض، امض إليه، وتفقد أحواله. فلما دخل القاضي الفاضل دار العماد، وجد أشياء أنكرها في نفسه؛ مثل: آثار مجالس الخمر وآلات الطرب، فخاطبه منشداً: ما ناصحتك خبايا الودِّ من رجل ... ما لم ينلك بمكروه من العذلِ محبتي فيك تأبى أن تسامحني ... بأن أراك على شيء من الخللِ فلما قام من عنده، أقلع العماد عما كان فيه، ولم يعد إليه. فعاطفة المودة قد تدعو إلى الإغضاء عن معايب الصديق؛ لأن تنبيهه إلى العيب قد يؤلمه، وربما أحدث جفاء بين الصديقين، وقد تدعو إلى تنبيهه لبعض ما يأخذه عليه الناس متى أبصروه، وهذا ما يدعو إليه الدين، وتنادي به الفضيلة. وكان ابن هبيرة يقول: اللهم إني أعوذ بك من صحبة مَن غايته خاصة نفسه، والانحطاط في هوى مستشيره، ومن لا يتلمس خالص مودة أصدقائه إلا بالتأتي لموافقة شهواتهم. * كيف تربى عاطفة الخير ؟ عواطف الخير كثيرة، وتربى العاطفة الشريفة ببيان ما يترتب على العمل

стр. 1857

من فوائد عامة أو خاصة، فقد يعتقد الإنسان بصلاح عمل من جهة ثقته بحكمة من يأمره به، أو لأنه اطلع على فائدة من فوائده، فيجد داعية على إجابة الأمر، ولكن هذه الداعية قد تبدو ضعيفة حيث لم يكن بجانبها عاطفة قوية تسهل عندها الصعاب، وتتضاءل أمامها العقبات. وتقوى العاطفة نحو الشيء يقدر ما تعرف النفس من فضله وحسن عواقبه، فصدور الأمر بالشيء من الشارع الحكيم- مثلاً - هو كاف لقبول الإنسان له، واعتقاده بصلاحه، ولكنه ينهض للعمل بنشاط أوفى، وعزم أمضى، متى ازداد علماً بما يترتب عليه من الآثار الحميدة. وتربى العاطفة الشريفة بالأساليب البارعة؛ من نحو: التشابيه والاستعارات وضرب الأمثال؛ حيث يُعرض الشيء المطلوب فعله في صورة شيء تألفه النفوس، وترغب فيه؛ فقد تدرك النفس حسن الشيء المطلوب فعله، ولكن عرضه في صورة ما ألفته واتجهت إليه من قبل، يجعلها تزداد ارتياحاً له، ورغبة فيه، ومن هنا كان الشعر مثيراً للعواطف، وصح أن يستعان به في توجيه النفوس إلى كثير من أعمال الخير. وقد سلك القرآن الكريم في تربيته العواطف هذا المسلك البديع، وكان لضربه الأمثال أثر عظيم في تثبيت حكمه البالغة في النفوس، وتنمية العواطف الدافعة إلى عظائم الأمور. وخلاصة البحث: أن أطيب الناس حياة، وأرفعهَم في المجد مقاماً، وأوفرَهم من خصال الحمد ثروة، ذلك الرجل الذي رزق عقلاً سليماً، وديناً قيماً، ورزق بجانب ذلك عواطف شريفة تتوجه حيثما توجه العقل، ولا تنساق إلا إلى ما يرتضيه الدين الحق.

стр. 1858

حقوق الفقراء على الأغنياء في الإسلام (١) نظّم الإسلام صلة المخلوق بالخالق - جل شأنه -، فأرشد إلى الإيمان الخالص، ودل على مظاهر العبادات الصحيحة، ولم يقتصر على هذه الصلة المقدسة، بل نظر إلى الناس وهم مدنيون بطبعهم، وعمد إلى ما يربطهم من صلات، فعدلها، وأخرجها لهم في أصفى لون، وأحسن وضع. عرفنا كيف تكون الصلة بين الإنسان ومن تصله بهم قرابة أو زوجية أو تعاون على القيام بما تستدعيه الحياة المنزلية، فكان نظام الأسرة والمنزل محفوفاً بالطمأنينة والهناءة. ثم عرفنا كيف تكون المعاملات القائمة على تبادل المنافع من نحو البيع والإجارة، فأرانا السبيل إلى أن نتعامل ونتفارق على وفاق وائتلاف. ثم نظر الإسلام نظرة بعيدة المدى إلى الفريق الذين يقعون في ضيق من العيش، ولا يستطيعون حيلة إلى ما يسد حاجتهم الحيوية، فأبت حكمته أن يظل هؤلاء البائسون بين ذوي اليسار يقاسون آلام الضراء، ويبيتون هم وأفلاذ أكبادهم في كرب من الجوع والبرد، فوضع بين فريقي البائسين والموسرين صلة أحكم ربطها، وحاطها بسياج من العدل.

стр. 1859

وموضوع حديثنا الليلة: هو النظر في هذه الصلة، وذكر مالها من حقوق، والتنبيه لما تأتي به رعايتها والاحتفاظ بحقوقها من ثمرات طيبة. بنى الإسلام أحكامه وآدابه على أساس العزة والكرامة، فكره للرجل أن يخلد إلى البطالة، ويتعرض للصدقات، وهو قادر على أن يضع يده في عمل يكسب به قوته أو قوت من يعول، قال - صلوات الله عليه -: "والذي نفسي بيده! لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خير من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله، فيسأله أعطاه أو منعه". وقد مر بنا قول المتنبي في مدح محمد بن عبد الله الخصيبي قاضي أنطاكية: أخلت مواهبك الأسواق من صنع ... أغنى يداك عن الأعمال والمهن فنعده من الشعر المنحو به نحو الغلو في الإطراء، ولكنّا نود من المتنبي أن يجعل أثر المواهب قطع دابر الفقر، كما قال ابن المولى في يزيد بن حاتم: لو كان مثلك آخَرٌ ... ما كان في الدنيا فقير لا أن يجعل أثر المواهب استغناء الناس عن الأعمال والمهن؛ إذ لا يليق بإنسان أن يترك عملاً، أو يقاطع مهنة؛ اتكالاً على مواهب قاض أو وزير أو أمير. وكره الإسلام لمن ابتلوا بقلة ذات اليد أن يسارعوا إلى الاستجداء ولهم في التجمل متسع، فانظروا كيف نبّه القرآن الكريم على فضل قوم ضاقت أيديهم عن الكسب، فلاذوا بالتعفف، وارتدوا بالتجمل، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣].

стр. 1860

وبعد هذا التعفف في مفاخر الجماعة، قال جزء بن ضرار يصف قومه: فقيرهم مبدي الغنى وغنيهم ... له ورق في السائلين رطيب كافح الإسلام البطالة، ونصح لمن وقع في فاقة بأن يحتفظ بماء وجهه، ويترفع عن التكفف ما وجد للصبر على العسرة موضعاً، ثم أقبل على أولي اليسار يربي فيهم عاطفة الإحسان، ويقيمها على قواعد حكيمة رشيدة. نراه قد عني بالإحسان إلى طوائف خاصة ممن يحتاجون إلى أن يعانوا على نوائب الزمان، فأمر بالإحسان إلى ذوي القربى، والآيات والأحاديث الواردة في فضل صلة الرحم، وماتأتي به من خيري الدنيا والآخرة، لا يسع المقام إيرادها، ويكفي شاهداً على ما نقول: أنه حثّ الرجل على أن يحسن إلى أقارب من كان صديقاً لأبيه، قال - صلوات الله عليه -: "إن من أبرّ البرّ صلة الرجل أهل ودِّ أبيه بعد أن يولي". وأمر بالإحسان إلى اليتامى، ذلك أنهم فقدوا أحضان من كان يرعاهم، ويكفيهم أمر عيشهم، وهم لضعفهم عاجزون عن أن يصلوا إلى قوتهم بأيديهم. وأمر الرجل بالإحسان إلى الجيران، ولو لم تربطهم به رابطة قرابة، قال - صلوات الله عليه -: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره". وأمر بالإحسان إلى أبناء السبيل، ذلك أنهم يقدمون البلد، وهم يجهلون موارد الرزق منه، أولا تصل أيديهم إلى كسب القوت بسهوله، وقد جمع القرآن الكريم هذه الطوائف، وأمر بالإحسان إليها في آية واحدة، قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦]. حرض الإسلام على الإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والجيران وأبناء

стр. 1861

السبيل، وأقبل يدعو إلى بذل المعروف على وجه عام، ويهزّ عواطف الموسرين إلى البر بكل فقير هزاً رفيقاً، فنجده يعد على الصدقات بالوقاية من النار، ويعد عليها بنعيم الجنة، ويدفع ظن من يقع في نفسه أن الصدقات نقص في الأموال، فيعد المتصدقين بتعويض ما أنفقوه في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، فهذه الآية دلت على أن الصدقات من أسباب سعة الرزق، ومن أصدقُ من الله قيلاً؟ ونجد القرآن الكريم يثني على المصطفين من الناس، فيذكر في خصالهم الحميدة: رحمتهم بالفقراء، وصرفهم جانباً من أموالهم في إغاثتهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] وأي مديح يسمو بصاحبه دون أن تذكر فيه خصلة السخاء وإغاثة الملهوفين؟!. ولا ننسى أن من حكمة فرض الصيام أن يذوق الأغنياء مرارة الجوع الشديد، فيذكروا ما يقاسيه الفقراء من أمثال هذا الجوع المؤلم، فيدعوهم إلى أن يبسطوا إلى الفقراء أيديهم بالإحسان ما استطاعوا. كانت أم حاتم تكثر من الإحسان، وتقول: والله! لقد مسني الجوع ما آليت معه أن لا أمنع سائلاً شيئاً. أراد الشارع أن لا يفوت أحداً من الناس فضل التصدق، فرَغَّب في الصدقة، واعتدَّ بالقليل أو الحقير مما يتصدق به، فقال- صلوات الله عليه -: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يكن، فبكلمة طيبة"، وقال: "لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق". وإذا ضم القليل إلى القليل، والحقير إلى الحقير، عادت القلة كثرة، والحقارة عظماً، ومن هنا يتيسر للإنسان أن يدخل في قبيل المحسنين، وإن لم يكن في سعة من الرزق،

стр. 1862

قال الشاعر: وليس الفتى المعطي على اليسر وحده ... ولكنه المعطي على اليسر والعسر ومن عناية الشارع بإغاثة الملهوفين: أناّ نجده يحثُّ من ليس بيده مال على أن يعمل ليدرك فضل التصدق. قال- صلوات الله عليه -: "على كل مسلم صدقة"، قالوا: فمن لم يجد؟ قال: "يعمل بيديه، فينفع نفسه، ويتصدق". عملُ الرجل بيده ليتصدق على الفقراء شاهدُ صدق على بلوغ النفس في الكرم ورقة العطف غاية سامية، ومن أصدق الشواهد على رسوخ النفس في الرأفة والسخاء: أن يؤثر الرجل مسكيناً ذا متربة بنحو مطعوم أو ملبوس، وإن كان هو في حاجة إليه، وإلى هذا الصنف من المحسنين يشير القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. ولا تعجبوا للرجل يعمل بيده ليغيث الملهوفين، أو يؤثر بالشيء وهو في حاجة إليه، فإنه يجد في الإحسان والإيثار لذة تجعل ما أحسن أو آثر به في نظره شيئاً حقيراً. ولم أر كالمعروف أما مذاقُه ... فحلوٌ وأما وجهه فجميلُ يريد الشارع من المتصدق أن يكون سمح النفس، فأرشده إلى أن ينفق من طيب ما عنده، ولا يزدري الفقير، فيقصد إلى الرديء من نحو طعام أو ثياب، فيتصدق به، وهو قادر على أن يتصدق بما هو خير منه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. حث الإسلام على الصدقات، وحاطها بآداب تجعلها لدى المتصدَّق

стр. 1863

عليه سائغة هنيئة، ندب إلى أن تعطى الصدقات في خفاء، ذلك أن إعطاءها صاحب الحاجة في علن، يكسر خاطره، وقد يأبى قبولها، حيث يكون ممن يتجملون ويكرهون أن يطلع الناس على أنهم في فاقة، وأشار إلى هذا الأدب رسول الله- صلوات الله عليه - حين ذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، فقال: "ورجل تصدق بصدقة وأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه". وأذكر أني كنت قد عرفت جمعية خيرية في بعض المدن الكبرى تبحث عن الفقراء من طرق سرية، وتبعث إلى من تحققت فقرَهم بمبالغ من المال على طريق البريد، دون أن يعلموا الجهة التي أرسلتها إليهم. ونبّه الشارع الحكيم على أن فضل الصدقات في أن يبذلها الإنسان إجابة لداعي الرحمة، ولا ينتظر ممن يبذلها لهم أن يقابلوها بجزاء أو شكر، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩]. ومن أجمل آداب الإحسان: أن يبذله الرجل بوجه طلق؛ فإن طلاقة الوجه تنبئ بأن الإحسان صادر عن نفس عريقة في الكرم، شاعرة بأن ما تتصدق به إنما هو رزق للفقير أجراه الله على طريقها. قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]. وقال بعض الكرام: لم لا أحبُّ الضيفَ أو ... أرتاح من طرب إليه والضيف يأكل رزقه ... عندي ويحمدني عليه وأصدق شاهد على سماحة الرجل ورقة عاطفته: أن يواصل بالإحسان، ولا يقطعه عن ذي الحاجة، ولو كان يمسه بأذى. وقد نبّه القرآن الكريم لهذا

стр. 1864

الأدب العظيم، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]. يشعر رقيق العاطفة بحاجة الفقير، فيصله بالإحسان دون أن يضطره إلى بذل ماء وجهه بالسؤال، قال معاوية لبعض جلسائه: ما الجود؟ قال: التبرع بالمال، والجود قبل السؤال. قال الأعشى: وما ذاك إلا أن كفيك بالندى ... يجودان بالمعروف قبل سؤالكا وقال مروان بن أبي حفصة يرثي معن بن زائدة: مضى من كان يحمل كلَّ ثقلٍ ... ويسبق فضلُ نائله السؤالا ومن أدب الإحسان: أن يتجنب الرجل المنّ بما أعطى، وإنما يعقب المنُّ عطاء لم يكن ناشئاً عن فضيلة، ولا عن عاطفة نبيلة، وقد جعل الشارع المنَّ ماحقاً للصدقة، فلا يقام لها وزن، ولا ترجى لها مثوبة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. ولإخلال المن بمزية الكرم نرى الشعراء حين يمدحون شخصاً بسعة النوال ينبهون على أنه لا يتبع عطاءه بالمن، كما قال المتنبي في مدح كافور: إلى الذي تهب الدولاتِ راحتُه ... ولا يمنُّ على آثار موهوب لا يليق بالمحسن أن يمن على الفقير بما أعطى، ولا أن يتبع إحسانه بأذى، ولا يليق بمن تلقى الإحسان أن يقابله بالكفران، وكفرانُ النعمة قد يكون سبباً لقطعها، والذين يواصلون الإحسان - ولو مع مقابلته بالكفران - ليسوا بكثير. والأصيل في الكرم يبادر إلى الإحسان ما استطاع، ومن لم ترسخ قدمه

стр. 1865

في المكارم قد يصرف ذوي الحاجات بالوعد، وهو قادر على أن يسعفهم بحاجاتهم حال تعرضهم لمعروفه، ولعله يفعل هذا لينظر: أينجز الوعد، أم يخلفه؟ ومن هنا نرى الشعراء يمدحون كرام الناس بأنهم يجودون دون أن تسبق عطاياهم وعود، فلا يقال في حقهم: أنجزوا وعودهم، أم ماطلوا بها؟ قال المتنبي يمدح شجاع بن محمد: وحالت عطايا كفه دون وعده ... فليس له إنجاز وعد ولا مطلُ ولا يكلف الإنسان بأن يتداين ويتصدق، وفي كرام الناس من يلذ الإحسان، أو يقدر حسن عاقبة الإحسان، فيتحمل ثقل الدين ليغيث به ملهوفاً. وكان سعيد بن العاص يأتيه الرجل، فيسأله، فلا يكون له مال حال السؤال، فيقول للسائل: ما عندي شيء، ولكن اكتب عليّ به، فيكتب عليه كتاباً، ولا يكون من سعيد إلا أن يقضي الدين الذي أذن بأن يكتب عليه. أمر الشارع بإغاثة الفقراء على وجه عام دون أن يعين وقتاً للتصدق، أو مقداراً لما يتصدق به، بل وكل ذلك إلى استطاعة الرجل، وسماحة نفسه، وشعوره بحاجات البائسين، وجعل هذا مضماراً يتنافس فيه عشاق مكارم الأخلاق، ويتفاضلون فيه درجات. وأمر الشارع بعد هذا بصدقات تؤدى في أوقات معلومة، كما شرع زكاة الفطر عند قضاء شهر رمضان، وأمر بصرف قسط من لحوم الأضاحي إلى الفقراء. وفرض الشارع كفارات على بعض ما يرتكب من المخالفات، ونظر في تقرير هذه الكفارات إلى حاجة الفقراء، فجعل من أصنافها: إطعام المساكين، كما جعل من أصناف كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين، وأصناف كفارة

стр. 1866

الإفطار في رمضان عمداً إطعام ستين مسكيناً، وكذلك جعل إطعام المساكين للإخلال ببعض واجبات الحج. علم الشارع وهو علّام الغيوب أن في الناس شحاً، وأن في الناس أهواء طاغية، فلم يكتف بما دعا إليه على وجه التذكير بمكارم الأخلاق من إغاثة الملهوفين، فآذن الأغنياء بأن في الأموال التي تحت أيديهم حقوقاً للفقراء يجب أن يسلموها لهم طائعين أو مكرهين، وقدّر هذه الحقوق بحكمة، وعين لها أوقاتاً، وتلك فريضة الزكاة. فرضت الزكاة على الأغنياء، والغني في نظر الشارع من يملك عشرين ديناراً فما فوقها، كما فرضت الزكاة فيما يملكه الناس من الأنعام، أو تخرجه المزارع أو الأشجار من الحبوب والثمار. وأحكام الزكاة مفصلة في كتب الشريعة، وإنما نريد التنبيه لعظم فائدتها في إصلاح الأخلاق وحال الاجتماع، حتى استحقت أن تعد في أركان الإسلام الأربعة بعد الشهادتين. يقع الفقراء العاجزون عن اكتساب أقواتهم في كثير من البلايا: تعتل أجسامهم لقلة الغذاء الكافي لحفظ صحتهم، وتغتم قلوبهم خوفاً على حياتهم أو حياة من يعز عليهم من أبنائهم وأزواجهم، وقد يحملون في أنفسهم عداء لذوي الأموال؛ إذ يسبق إلى أذهانهم أن الموسرين شاعرون بما هم فيه من البأساء والضراء، ولم يكترثوا بهم. وحيث كان من مقاصد الإسلام تكوين أمة قوية الأجسام، مطمئنة القلب، متماسكة برباط الوداد والاتحاد، متمتعة بأمن شامل، بادر إلى علاج مرض البؤس والفاقة، ففرض الزكاة على وجه يجعل الفقراء العاجزين عن الكسب في كفاف.

стр. 1867

فإذا قلنا: إن الشارع جعل شطراً من الزكاة يصرف إلى الفقراء والمساكين، وشطراً منها يصرف في الاستعداد للدفاع، فكأنما قلنا: إن الشارع قد فرض الزكاة لتكون وسيلة القوة المادية والقوة النفسية، وبالقوتين تبلغ الأمة أقصى ما تروم من العزة والمنعة. ندب الإسلام إلى الصدقات، وفرض الزكاة فقدّرها أحسن تقدير، وأوجب على الناس أن يطعموا المسكين متى كان في مخمصة- ولو كانوا أدوا زكاة أموالهم-، وقد توعد على ترك هذا الواجب الإنساني الأليم، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٤٤]. يجازى بعذاب الحريق من منع المساكين حقوقهم من الزكاة، ومن أبصر مسكيناً في مجاعة فلم يغثه، وقد دل القرآن الكريم على أن قسطاً من هذه العقوبة يستحقه من لا يحضّ الموسرين على إطعام المساكين، يدل على هذا قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٤]. هذه كلمتنا في حقوق الفقراء على الأغنياء، ولو تعاونت الأمة والدولة على مكافحة البطالة، ثم عملوا بالتي هي أقوم على أن يؤدي الأغنياء هذه الحقوق، فتصل إلى أربابها على وجه منظم، لأصبحنا في مقدمة الأمم القوية في أخلاقها، المطمئنة في عيشها، وإذا ظفرت الأمة بقوة الأخلاق وطمأنينة العيش، فهناك تظهر طبقاتها متماسكة ما بين الثروة والكفاف، وهنالك تكون العزة والسعادة.

стр. 1868

السمو الخلقي في الإسلام (١) جاء الإسلام ليحرز به الناس في الدنيا مدنية فاضلة، ويغنموا به في الآخرة سعادة خالصة، وكان من مقتضيات هذا المقصد الأسمى أن تشتمل تعاليمه على نظم لصلة المخلوقين بالخالق- جل شأنه - وهي أحكام العبادات، ونظم لصلة الإنسان، بأخيه الإنسان، وهي أحكام المعاملات، ونريد من المعاملات: ما يشمل القضاء، وتدبير السياسة. وحيث كانت العبادات والمعاملات لا تجري على وجه صحيح منتظم، إلا أن تصدر عن آداب نفسية نبيلة راسخة، كان من حكمة الدعوة أن تعنى بتهذيب الأخلاق، ولا تكتفي بتقرير أحكام الأفعال التي هي مناط التكليف. ويهذا أخذ النظر في الأخلاق والآداب النفسية من علوم الشريعة مكاناً واسعاً. وإذا نظرنا إلى الأخلاق التي تساعد على القيام بالواجبات العملية، وجدناها ترجع إلى الحلم، والسخاء، والشجاعة، والحياء، وصدق اللهجة، والصبر، وعزة النفس، والتواضع، وكبر الهمة، والوفاء بالعهد، والزهد، والعدل، والأمانة.

стр. 1869

وليس من غرضنا الليلة أن نتحدث عن هذه الخصال مثلما يتحدث عنها علماء النفس بتفصيل؛ إذ يتعرضون للبحث عن حقائقها، ويقسمونها إلى أصول وفروع، ويذكرون ما بين فروعها من مناسبات أو فروق، ويدلون على الآثار المترتبة عليها، ويصلون حديثهم بالبحث عن كيفية تربية النشء عليها، كان هذا التفصيل يستدعي تخصيص كل خصلة منها بمحاضرة على أقل تقدير. والذي أستطيعه في هذا المقام إنما هو إلقاء نظرة على هذه الآداب، أقصر فيها القول على ناحية ارتباط الهداية الإسلامية بها، وتنبيهها على سمو مكانتها، وحثها الناس على التجمل بحليتها؛ حتى يزداد شبابنا علماً بأن الدين الحنيف قد أتى إلى الأخلاق، وهي الأساس الذي تقوم عليه سعادة الأمم، فهذبها، وأرشد إليها على طريقة أقرب إلى العقول، وأدعى إلى العمل عليها من الطرق التي سلكها الفلاسفة. أما الحلم، الذي هو ضبط النفس عن أن يهيجها الغضب بسهولة وسرعة، فقد ذكره القرآن المجيد في صفات المؤمنين بحق، فقال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فإن عقب هذه الطمأنينة ترك المؤاخذة على الإساءة، فذلك العفو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. فطمأنينة النفس عند الإساءة بحيث لا يحركها الغضب بسهولة، كمالٌ في نفسها، فإن انضم إليها ارتياح النفس لعدم المؤاخذة على الذنب، كان الكمال مضاعفاً. ووجه ارتباط خلق العفو بما دعا إليه الإسلام، هو أن من مقاصد الدعوة تكوين أمة مؤتلفة القلوب، متعاونة على البر والتقوى، ولا يمكن تحقيق

стр. 1870

هذا القصد إلا أن تنتفي أسباب التجافي والتقاطع، وحيث كانت الجماعات الكبيرة لا تخلو من أن يتعرض طائفة لطائفة بمكروه من قول أو فعل، كان من الآداب التي عنيت بها دعوة الإسلام: الإغضاء عن أمثال هذه الهفوات، وشمولها بالعفو. وللحلم - بمعنى عدم إظهار الغضب - أثر عظيم في نجاح السياسة: ولربما ابتسم الكريم من الأذى ... وفؤاده من حرِّه يتأوه وقد عدّ الحلم - بمعنى الإغضاء عن بعض الزلات - في مقتضيات السياسة الرشيدة، قال الشاعر في وصف سياسة أميره: أناة فإن لم تغن عقّب بعدها ... وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه وفي عهد ذوي الحلم والأناة من رجال الدولة يجد المصلحون مجال الدعوة أمامهم فسيحاً، فيعملون في طمأنينة وثقة من إدراك أسمى المقاصد، وأحمد العواقب. وأما السخاء: فإن من مقاصد الشريعة سد حاجات الفقراء، وإعانتهم على القيام بتكاليف الحياة، ومن أجل هذا فرضت الزكاة، وندبت إلى الصدقات، وقررت بعد هذا على الرجل حقوقاً مالية؛ كالإنفاق على الزوجات والأبناء وبعض ذوي القربى، فلا جرم أن يعنى الإسلام بتطهير النفوس من رذيلة الشح، وتحليتها بفضيلة السخاء، حتى إذا ورد الأمر بالإنفاق في وجه من الوجوه، سارعت إلى امتثاله عن طيب خاطر، وجاءته كأنما تنحط من صَبَب. ولا كون مخطئاً إذا قلت: إنّ من أسباب العاقبة السيئة التي سار إليها كثير من الشعوب الإسلامية؛ انقباض الأيدي عن البذل في سبيل الله.

стр. 1871

لم يكتف الشرع الحكيم من المسلم أن ينفق من فضل ماله، بل مدحه بأعلى مراتب السخاء، وهو أن يؤثر غيره بالنوال وهو في حاجة إليه، فقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. وأما الشجاعة، فنوعان: شجاعة حربية: وهي بذل النفس في سبيل الدين أو العرض أو المال. وشجاعة أدبية: وهي إقدام الرجل على إسماع ذي سلطان كلمة الحق؛ من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، من غير مبالاة بما يلحقه من أذى السلطان، وكلتا الشجاعتين شملها الإسلام بعناية كبيرة. أما الشجاعة الحربية: فقد أمر الرجل الواحد من المسلمين بأن يقف في مشاهد القتال لرجلين اثنين من المخالفين المهاجمين، وجعل الفرار من الزحف كبيرة موجبة لغضب الله تعالى، وانما جزاؤها يوم القيامة الحرق بالنار. وأما الشجاعة الأدبية: فقد جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الإيمان، ولا يختص هذا الواجب بعلماء الدين الرسميين، ولا بالعلماء المتميزين بزي خاص، بل هو فريضة في عنق كل مسلم، تُرك أمامه معروف، وهو يعلم أنه معروف، أو فُعل أمامه منكر، وهو يعلم أنه منكر. وقد تكلم الفقهاء المحققون عن هذه الفريضة بما يشفي غليل الباحث، وأذكر هنا: أن الإمام ابن عرفة أفتى بأن خوف العزل من الوظيفة ليس بعذر يجيز ترك النهي عن المنكرات. فكل مسلم مطالب بأن يكون جامعاً للفضيلتين: الشجاعة الحربية، والشجاعة الأدبية ما استطاع. ومن عرف أن الأمة لا تقع تحت سلطان أجنبي غاشم إلا بفقدها للشجاعة الحربية، وأن الفسوق والبغي لا ينتشران بين بيوتها إلا بفقدها للشجاعة الأدبية،

стр. 1872

أدرك سر عناية الشرع الحكيم بهاتين الفضيلتين. وأما الحياء: وهو انفعال في النفس يمنع من ارتكاب ما لا يليق، فقد كانت عناية الدين به شديدة، حتى جعله ﵊ شعار الإسلام، فقال كما ورد في الصحيح: "لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء"، وفضلُه في أن يكون معتدلاً، واعتدالُه في أن يمنع من ارتكاب ما لا يليق، ولا يتجاوز إلى الإحجام عما يكون بعيداً. وقد نبّه ﵊ إلى أن النفس التي تفقد هذا الخلق لا يؤمل منها أن تكون على رشد أو عفاف، فقال: "إذا لم تستح، فاصنع ما شئت". ولعلكم شعرتم - كما شعرت -: أن كلمة الحرية على ألسنة أشخاص لا يدركون كنهها، ولا يضعونها موضعها، قد أنقصت جانباً من الحياء في نفوس بعض أبنائها، فنجد في شبابنا من لا يبالي أن يقول أو يفعل بحضرة والديه أو المتقدمين في السن من أقاربه أو غيرهم ما لا يقبله الذوق الأدبي، بزعم أنه من مقتضيات الحرية في هذا العصر. والواقع أن الحياء حلية يزداد بها الشيخ وقاراً، والشاب كياسة، وإني لممن يرى للأب أن يفسح المجال لابنه في أن يتكلم بحضرته في شؤون دنيوية، أو مسائل علمية، حتى يتمرن تحت إشرافه على إبدائه الآراء الصائبة ومناقشتها، وله متى رآه قد حاد عن أدب الحياء بكلمة أو حركة أن ينبهه برفق، ويعظه بحكمة. وأما صدق اللهجة، فله أثر كبير في شرف النفس، وانتظام الشؤون المدنية؛ فإن من جرب عليه الكذب يكون محتقراً بين الناس، مزدرى به

стр. 1873

في مجالسهم، ولا يمكنه أن يدرك بينهم ولو أدنى مرتبة من مراتب السيادة، ثم أن ظهور هذا الخلق عليه يفسد عليه أمر المعاملات، ويجعل رواياته وشهاداته مطروحة إلى وراء. فلا جرم أن يعنى الدين الذي جاء لإصلاح حال الأفراد والجماعات بفضيلة الصدق، ويحرّم الكذب تحريماً لا هوادة فيه، حتى إن النبي ﷺ قد جعل الكذب في الدرك الأسفل من الرذائل، ونبّه على أنه لا يجتمع مع الإيمان الصحيح في نفس واحدة. روى مالك في كتاب "الموطأ": أنه قيل لرسول الله ﷺ : أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: "لا". وأما الصبر، فيراد به: طمأنينة النفس، والتزامها السكينة عند حصول مكروه؛ من نحو: ضياع مال، أو فقد عزيز، ويراد منه: الثبات في طلب الأمر المحمود، واحتمال المشاق التي تعترض في سبيله، ومنه: الصبر على الطاعات، ويراد منه: كف النفس عن اتباع الشهوات، وارتكاب المحظورات، ومنه: الصبر عن المعصية. وكل هذه المعاني الثلاثة مبني على فضل وافر وعقل رصين؛ إذ لا يصبر عند مفاجأة المصيبة، أو عند السعي إلى غاية حميدة، أو عند طغيان الشهوات، إلا الراسخون في العلم بمصادر الأمور وعواقبها، ومن هنا كان الصبر بمعانيه الثلاثة في مقدمة الأخلاق التي شملها الإسلام برعايته. ومن مزايا الصبر: أن يساعد الإنسان على الاقتصاد في معيشته، ويحميه من أن يقع في غمِّ الدين ومذلَّته. وأما العزة، وهي أن يعرف الإنسان قدر نفسه، ولا يرضى لها أن تُمس

стр. 1874

بإهانة، فإن من مقاصد الشريعة: أن تتمتع الأمة بحياة طيبة، ولا حياة طيبة مع احتمال الذلة، ومن مقاصدها: أن تكون للأمة دولة قوية السلطان، مهيبة الجانب، وخلقُ العزة هو الذي يمنعها من أن تخفض جناحها لمن يريد أن يسومها ضيماً، وخلقُ العزة يدعو الإنسان إلى تجنب كل ما قد يجره إلى مهانة، فقد ينبه الموظف لأن يقوم بالمهمة التي تناط به كراهة أن يسمع عتاباً جافياً من رئيسه المسؤول عنه، وخلق العزة يتجه بالإنسان القادر على العمل إلى أن يعمل ويصرفه عن التشوف إلى ما في أيدي الناس. وأما التواضع، فهو أن يكون الإنسان عارفاً بقيمة نفسه في فضل أو علم، ويسير مع الناس سيرة نقية من الكبر والإعجاب بالنفس، وبمثل هذا تتأكد روابط الألفة بينه وبين الطبقات الكثيرة من الناس، والقرآن الكريم يسمي التواضع بخفض الجناح، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وقال في التواضع للوالدين: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. وإنما يتواضع الإنسان لمن يقدره قدره، ويعد خفض جناحه له من سماحة نفسه: تواضعْ لمن إن تواضعت له ... يرى ذاك للفضل لا للبلَهْ وجانب صداقة من لا يزال ... على الأصدقاء يرى الفضل لَهْ وأشار أحد الشعراء إلى أن في الناس من يخطئ في فهم بعض ما يتحلى به أهل الفضل من التواضع؛ كما يخطئون في فهم بعض ما يتجملون به من العزة، فقال: وفي الناس من عدَّ التواضع ذلَّة ... وعدّ اعتزاز النفس من جهله كبرا

стр. 1875

وأما كبر الهمة، فهو الخلق الذي يطمح به الإنسان إلى أغراض بعيدة المرمى، فيكون اتجاهه دائماً إلى أشرف الأعمال، وأرفع المنازل، ولا يرضى صاحبه بأدنى الأعمال أو المراتب وهو قادر على ما فوقها: وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم وقال آخر: له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجلُّ من الدهر والإسلام يحث على هذا الخلق النبيل؛ فإن الفتوحات العظيمة، والمشروعات الجليلة، والعبقرية والعلوم إنما هي آثار الهمم الكبيرة، فابن حزم عندما ترك الوزارة حتى ينقطع للازدياد من العلم، إنما فعل ما فعل منساقاً بكبر همته. وأما الوفاء بالعهد، فمن أعز الأخلاق التي رفع الإسلام شأنها، وشدّد الوعيد على الإخلال بها، فأوجبه على الأفراد لتهذيب نفوسهم، وإصلاح معاملاتهم، وأوجبه على رجال الدولة لتثق الدول بمعاهداتهم، ويستقيم أمر سياستهم، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. وقد نهى الدين المسلمَ أن يقول قولاً، ثم لا يعقبه بالنفاذ، وعدّ هذا من موجبات المقت عند الله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]. ويدخل في الوفاء بالعهد: الوفاء بالوعد مع القدرة على الوفاء، وهذه الآية الكريمة شاهدة على وجوب الوفاء بالوعد؛ إذ أصبح الموعود به من الخير حقاً من حقوق الموعود، وإخلافه كأنه اعتداء عليه.

стр. 1876

ويتصل بالوفاء أدب آخر يسمَّى: حسن العهد، وهو أن يرعى الإنسان حقوق الصداقة والعشرة، فيحافظ عليها، وإن حصلت بينه وبين صديقه فرقة، أو تغيرت حاله من يسر إلى عسر. إنَّ الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في الموضع الخشنِ وروي في الصحيح: أن النبى ﷺ دخلت عليه امرأة، فهشّ إليها، وأحسن السؤال عنها، ولما خرجت، قال: "إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان". وأما الزهد، فمعدود في آداب النفس التي استحبتها الشريعة، وأثنت على المتجملين بها، وهو استصغار شأن المال والملاذّ والزينة، وعدم تعلق القلب بها تعلقاً يتساهل معه الإنسان في أن يصل إليها ولو من طريق غير مشروعة، وهو بهذا المعنى يساعد على خلق العزة، وخلق السخاء، وخلق العفاف. وقد أساء بعض الناس فهم الزهد الذي هو أدب رفيع، ووصفوا به الشخص الذي يترك العمل لكسب الرزق وهو قادر عليه، ويرضى أن يكون في زمرة الفقراء الذين يتناولون أقواتهم من أيدي الأغنياء. وأما العدل، فهو خلق يدعو الإنسان إلى أن يعطي كل ذي حق حقه، وأكثر ما يظهر فضله في القضاء بين المتنازعين، وهو خلق لا يحكمه إلا من جمع فضائل شتى؛ من نحو: الشجاعة الأدبية، وعزة النفس، وقلة الحرص على المنافع المادية، وقد ورد الأمر بالعدل في آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وعرض النبي ﷺ أصناف الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، وذكر في صدرهم: الإمام العادل.

стр. 1877

وأما الأمانة، وهي الخلق الذي يرعى به الإنسان ما يؤتمن عليه من مال أو عمل، فقد حفتها الشريعة بعناية بالغة، وحرمت على الإنسان أن يتصرف فيما يوضع تحت يده على وجه الوديعة أو العارية أو الإجارة إلا بالمقدار الذي يسمح به مالكه، كما أمرته بحفظ ما يناط بعهدته من عمل، ويدخل في هذا: إتقان الصناعة، وحسن تدبير السياسة، والنصح في التعليم، فمن غش في صنع شيء لحريفه، ومن لم يحسن تدبير السياسة، فهو خائن لأمته، ومن لم يسر في التعليم على أقرب المناهج وأغزرها فائدة، فهو خائن لتلاميذه.

стр. 1878

المعتزلة وأهل السنة (١) * المعتزلة: أصل هذا المذهب: أن واصل بن عطاء الغزال كان يحضر مجلس الحسن البصري في زمن فتنة الأزارقة، وكان الناس يخوضون في حكم أصحاب الذنوب من أهل القِبلة، فخرج واصل بمذهب هو: أن مرتكب الكبيرة ليس بمسلم ولا كافر، بل هو بمنزلة بين المنزلتين، وهو مخلد في النار، وانضم إليه عمرو بن عبيد، قال الناس: اعتزلا قول الأمة، فسمِّي أتباعهما من ذلك الحين: معتزلة (٢). وقيل إن الحسن قال: قد اعتزلنا واصل، فلذلك سمّي هو وأصحابه معتزلة (٣). ومقتضى عبارة "القاموس" أنهم سموا أنفسهم المعتزلة، قال: والمعتزلة من القدرية، زعموا أنهم اعتزلوا فئتي الضلالة عندهم: أهل السنة، والخوارج.

стр. 1879

وقال ابن تيمية: كانت الخوارج قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة، وقالوا: إنهم كفار مخلدون في النار، فخاض الناس في ذلك، وخاض في ذلك القدرية بعد موت الحسن البصري، فقال عمرو بن عبيد وأصحابه: "لا هم مسلمون، ولا كفار"، بل لهم منزلة بين المنزلتين، وهم مخلدون في النار. فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون، وعلى أنه ليس معهم من الإيمان والإسلام شيء، ولكن لم يسموهم كفاراً، واعتزلوا حلقة أصحاب الحسن البصري، مثل: قتادة، وأيوب السختياني، وأمثالهما، فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن، وقيل: إن قتادة كان يقول: أولئك المعتزلة (١). ومقتضى هذا النقل: أن الاعتزال ولقب المعتزلة إنما ظهرا بعد وفاة الحسن البصري (٢). فالأصل الذي قام عليه الاعتزال هو القول بمنزلة بين المنزلتين. ويجمع المعتزلة على اختلاف طوائفهم - على ما ذكره بعض المؤلفين في المقالات؛ كعبد القاهر البغدادي - خمسة أصول: أولها: قولهم: إن الفاسق بمنزلة بين المنزلتين: الإيمان والكفر، وإنه مخلد في النار. ثانيها: إنكار القدر، وقولهم: إن العبد يخلق أفعاله.

стр. 1880

ثالثها: قولهم باستحالة رؤية الله بالأبصار. رابعها: نفيهم عن الله تعالى صفاته الأزلية. خامسها: قولهم: إن كلام الله حادث. وتختص بعد هذا كل فرقة من فرقهم بآراء يخالفها فيها فرق أخرى منهم، وربما حكم بعضهم بتكفير بعض. ومن المعروف أن إنكار القدر سبقهم به معبد بن خالد الجهني، وأن نفي الصفات، والقول بأن القرآن مخلوق سبقهم به جهم بن صفوان، والمعتزلة الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله إنما يتكلمون في الوعد والوعيد، وإنكار القدر، وحدث فيهم نفي الصفات بعد ذلك العهد، وذكر أحمد بن حنبل في رده على الجهمية مذهب جهم في نفي الصفات، وقال: فاتبعه قوم من أصحاب عمرو بن عبيد وغيره، واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام وأشباههم من أهل الكلام (١). وذكر المعتزلة أن مذهبهم قائم على أصول خمسة أشار إليها أبو الحسن الخياط من أصحابهم في كتاب "الانتصار"، فقال: "وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". وأهل السنة يرونهم مخطئين في بعض ما بنوه على هذه الأصول، كما جعلوا من مقتضى توحيد الله نفي صفاته الأزلية، وإنكار رؤيته بالأبصار، وكما جعلوا من مقتضى عدله أنه لم يخلق أفعال العباد، إلى نحو هذا مما هو مفصل في كتب علم الكلام.

стр. 1881

ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخالف فيه أحد من المسلمين، ولكن المعتزلة يقولون بوجوب الأمر والنهي بالسيف قولاً أشد من قول غيرهم، حتى إنهم قالوا: "إذا كنا جماعة، وكان الغالب عندنا أننا نكفي مخالفينا، عقدنا للإمام، ونهضنا، فقتلنا السلطان وأزلناه، وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا، فإن دخلوا في قولنا الذي هو التوحيد، وفي قولنا في القدر، وإلا قتلناهم (١). وكان المعتزلة فريقين: فريق بالبصرة، وفريق ببغداد، فمن معتزلة البصرة: واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبو الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وأبو علي الأسواري، وأبو يعقوب الشحام، وهشام الفوطي، وأبو بكر الأصم، ومعمر بن عباد، والجاحظ، وأبو علي الجبائي، وأبو الحسين محمد بن علي البصري. ومن معتزلة بغداد: بشر بن المعتمر، أبو موسى المزدار (٢)، وأحمد بن أبي دؤاد، وثمامة بن الأشرس، وجعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، وأوب جعفر الإسكافي، وأبو الحسين الخياط، وبشر المريسي (٣). * انتشار الاعتزال في صدر الدولة العباسية وأسبابه: كان الأمويون يقاومون بعض من يظهر برأي في العقائد غيرِ معروف،

стр. 1882

وقد يقابلون هذه الآراء بعقوبة القتل؛ كما قتل عبد الملك بن مروان معبداً الجهني، وهو أول من ظهر بإنكار القدر، وبعث هشام بن عبد الملك إلى نصر بن سيار كتاباً يأمره فيه بقتل جهم بن صفوان إن ظفر به (١)، وكذلك قتلُ خالد القسري للجعد بن درهم كان في عهد هشام، والاعتزال ظهر في عهد الدولة الأموية، ولكن الأمر الذي ظهر به واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد؛ كنفي الإيمان عن صاحب الكبيرة، أو الطعن في بعض الصحابة، فقد قال مثله فرق من قبلهم، ولم يتعرض لهم الأمويون بأذى، إلا أن ينزعوا إلى الخروج على الخلافة. وعندما جاءت الدولة العباسية، كان بعض المعتزلة مقرباً عند بعض الخلفاء؛ مثل: عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة؛ فإنه كان صديقاً لأبي جعفر المنصور قبل الخلافة. ولما ولي أبو جعفر الخلافة، قرّبه، ولكن عمرو بن عبيد كان آخذاً بمذهب الزهد، ومجاهرة الأمراء بإنكار الظلم، وإسداء النصيحة من غير أن ينزع إلى الخروج عليهم. ثم إن البرامكة في عهد الرشيد كانوا يعقدون مجالس للمناظرة، واختاروا له طائفة من المعتزلة، منهم: أبو الهذيل العلاف، وإبراهيم بن سيار، والنظام، وبشر بن المعتمر، وجعفر بن حرب، وثمامة بن الأشرس (٢). واتصل المعتزلة بالخلفاء؛ كالمأمون، والمعتصم، والواثق، فكان من أسباب انتشار الاعتزال: اتصال رؤسائه برجال الدولة، وسمو مكانتهم عندهم،

стр. 1883

وتمسك أولئك الخلفاء بمذهبهم، وأخبار هؤلاء الخلفاء الثلاثة في دعوة الناس إلى القول بخلق القرآن، وامتحان المعتصم والواثق لعلماء السنة بهذه المسألة معروفة عند كل طالب علم (١). وهناك سبب آخر هو: أن رجالاً من هذه الفرقة درسوا الفلسفة، وألّفوا في الرد على الدهريين والملاحدة والثنوية على طريقة النقد الفلسفي، ومثل هذا العمل قد يحمل كثيراً من الناس على حسن الظن بهم، والثقة بآرائهم، ولم يقم بهذا العمل - أعني: الرد على المخالفين من طريق البحث الفلسفي - غيرُهم من الفرق، وإنما ظهر عندما نشأ الأشعري نشأتهم، وأخذ يرد مذاهبهم ومذاهب غيرهم من الفرق على طريقة الجدل المعروفة عندهم بعد التمسك بالدليل السمعي من كتاب أو سنة. وكان للمعتزلة نشاط في الدعوة إلى مذهبهم، شأن أصحاب كل مذهب أو نحلة جديدة، خصوصاً صاحب مذهب يرى أنه ملكَ من قوة الجدل والبراعة في صناعة الكلام ما لم يملكه غيره، ويكفيك شاهداً على قوة اهتماهم بنشر مذهبهم: أنهم لم يكتفوا بالدعوة إليه على طريق الجدل، بل سعوا لدى الخلفاء ليحملوا الناس على آرائهم بالقوة. ونرى في التارلخ: أن مذهب الوصيلة من المعتزلة ظهر بالمغرب الأقصى، وأن فريقاً منهم كانوا بنواحي "تاهرت" لايقلون عن ثلاثين، وقيل: أربعين ألف مقاتل، ودارت بينهم وبين عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي المتوفى

стр. 1884

سنة ١٩٠ حروب (١). * أثر المعتزلة في الحياة العقلية: كان علماء الشريعة يتفقهون في الكتاب والسنة، ويطلقون أنظارهم في تقرير أصول الدين، واستنباط الأحكام على قدر ما يسعه دائرة ألفاظها العربية، وإذا تراءى لهم أن تعارضاً حصل بين ظاهري نصين من الكتاب والسنة، نظروا في الوجوه التي يترجح بها أحد الظاهرين على الآخر، فأخذوا بالراجح، وأوّلو االمرجوح على وجه يزول به التعارض، وكانت هذه الدائرة من النظر كافية في رد المتشابه إلى المحكم، ومعرفة الحق من العقائد، وتمييز صحيح الاستنباط من سقيمه، وكافية في وصول الناظر إلى قرار من العلم لا تلابسه فيه شبهة، ولا يزحزحه عنه مجادل. وكان كثير من العلماء الذين عرفوا أصول الدين حق اليقين، وأحكموا صناعة الاجتهاد في الأحكام لا يعنون بمناظرة أولي الآراء المبتدعة، بل لم يأذنوا في رد شبه المبطلين بالطرق التي لم ترد منها، قيل لمالك: الرجل له علم بالسنة، أيجادل عنها؟ قال: لا، ولكن ليخبر بالسنة، فإن قبل منه، وإلا، سكت. وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول إذا جاءه أحد من الأهواء: أما أنا، فعلى بينة من ربي، وأما أنت، فشاكّ، فاذهب إلى شاكّ مثلك فخاصمه. وجاءه رجل من أهل المغرب، فقال: إن الأهواء كثرت ببلادنا، فجعلت على نفسي إن أنا رأيتك أن آخذ بما تأمرني به، فوصف له مالك شرائع الإسلام،

стр. 1885

ثم قال: خذ بهذا، ولا تخاصم أحداً. وهذه سيرة أكثر العلماء في الصدر الأول مع أصحاب الآراء الذين ينتمون إلى الإسلام، ويرجعون في الجدال إلى قرآن أو سنة، فلا يزيد هؤلاء العلماء على أن يذكروا لهم المحكم من قرآن أو سنة، ويدلوهم على الوجه الذي يحمل عليه المتشابه منهما. وظهر بعد هذا آراء فاسدة، ومذاهب باطلة لأقوام لا ينتمون إلى الإسلام، وجاءت هذه اللآراء والمذاهب مقرونة بشُبه، ومعبراً عنها بألسنة تحاول ترويجها بما يشبه الأقيسة المنطقية، فاشتدت الحاجة إلى مكافحة هذه اللآراء، ودفع ما يقارنها من الشبه، وتزييف ما زعموا أنه أدلة عقلية. وكان مع هذا أن طائفة من المعتزلة أقبلوا على دراسة الفلسفة، وخاضوا في مباحثها، وعرفوا الطرق التي يسلكها الفلاسفة في الاستدلال على آرائهم، وكان من أثر هذه الدراسة: أن قصدوا للرد على بعض الفرق الضالة؛ كالدهرية، والثنوية على طريقة البحث الفلسفي، وسلكوا هذه الطريقة في رد آراء تصدر من بعض أصحابهم، كما سلكوها في مناظرات تقع بينهم وبين من لا يرى رأيهم. ظهر المعتزلة بآراء لم تكن معروفة من قبل، وعقدوا المناظرات في مسائل لم تكن موضع الجدل في عهد السلف، وفتحوا للبحث طرقًا بعيدة المدى، فكان لهذه الحركة أثر في انطلاق الفكر في مسالك النظر، وإحرازه قوة في الكشف عن وجوه الباطل، والرمي بالحجة في وجه كل مرتاب أو منكر للحق، وستعلم كيف استفاد الأشعري من الخوض في غمار الاعتزال، واستطاع بذلك الدفاع عن مذهب أهل السنة دفاعاً وقف به الاعتزال في حد.

стр. 1886

* أهل السنة: يطلق هذا الاسم، ويراد منه: الأشعرية، والماتريدية، وأهل الحديث، وتجتمع هذه الفرق في أصول من العقائد هي: أن العالم حادث، وأنه لا خالق سوى الله، وأن الله قديم متصف بالعلم والقدرة، وسائر صفات الجلال، لا شبيه له (١)، ولا يحل في شيء، وأنه خالق أفعال العباد، وأنه مريد لجميع الكائنات، ومرئي للمؤمنين في الآخرة بلا انطباع ولا شعاع، ولا يجب عليه شيء، إن أثاب، فبفضله، وإن عاقب، فبعدله، وله الزيادة والنقصان في مخلوقاته (٢)، وأن المعاد الجسماني حق، والصراط والميزان حق، والشفاعة لأهل الكبائر حق، وخلود أهل الجنة في الجنة كخلود الكفار في النار حق (٣)،

стр. 1887

وبعثة الرسل بالمعجزات حق، وأهل بيعة الرضوان وأهل بدر في الجنة، وأنه يجب نصب الإمام، وأن الخلفاء الأربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلياً أئمة هدى، وأن المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب، وإنما يكفر بما فيه نفي للصانع الحكيم، أو شرك، أو إنكار للنبوة، أو ما علم مجيئه ﵇ به ضرورة. وقد يجري بين هذه الفرق خلاف في بعض المسائل، ويعذر كل منها مخالفه في الاجتهاد، ولا يعده برأيه المخالفِ مبتدعاً، إلا أفراد يسرفون في القول، فيطلقون لفظ مبتدع على كل من خالف مسلكهم في علم الكلام، ولو في مسائل ليست من صلب الدين، ولم تكن من النوع الذي وردت فيه نصوص صريحة أو ظاهرة ظهوراً لا يصح العدول عنه. * الأشعرية: منسوبون إلى أبي الحسن علي (١) بن إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل ابن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري.

стр. 1888

كان أبو الحسن على مذهب الاعتزال، ولزم أبا علي الجبائي نحو أربعين سنة، ثم أعلن رجوعه عن الاعتزال في مسجد البصرة، وكان يقصد إلى مواطن المعتزلة ليناظرهم، ويقول: هم أولو رياسة، منهم الوالي والقاضي، ولرياستهم لا ينزلون إلي، فإذا لم أسر أنا إليهم، فكيف يظهر الحق، ويعلمون أن لأهل السنة ناصراً بالحجة؟ ومذهبه قائم على ما كان عليه السلف، وصرَّح في كتاب "الإبانة" بأنه على طريقة السلف، فقال: "وديانتنا التي بها ندين: التمسك بكتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، ويما كان عليه أحمد بن حنبل- نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون". وأخذ الأشعري السنة عن زكريا بن يحيى الساجي (١) وغيره من أهل الحديث الذين هم على طريقة أحمد بن حنبل. وللأشعري في بعض المسائل آراء تتصل بأصول العقائد، وليست من الأصول، وهذه هي التي يجري فيها الخلاف بينه وبين بعض أهل السنة، كما قال: إن معرفة الله واجبة بالشرع، وقال الماتريدية: واجبة بالعقل، وكما قال: إن صفات التكوين؛ كالخلق والرزق، والإحياء والإماتة، حادثة، وقال الماتريدية: هي قديمة، وقد نرى بعض الأشاعرة يخالفون الأشعري في مثل هذه المسائل؛ كالباقلاني، والرازي. قال ابن السبكي: "والإمام الرازي لا ينكر عظمة الأشعري، كيف وهو

стр. 1889

على طريقته يمشي، وبقوله يأخذ، ولكن لم تبرح الأئمة يعترض متأخرها على متقدمها، ولا يشينه ذلك، بل يزينه" (١). وقال القاضي أبو بكر بن العربي في مناظرة جرت بينه وبين زعماء الشيعة: "إنك إذا سمعت أني أشعري، كيف حكمت عليّ بأني مقلد للأشعري في جميع قوله؟ وهل أنا إلا ناظر من النظّار، أدين بالاختيار، وأتصرف في الأصول بمقتضى الدليل؟ ". ولإمام الحرمين كلام عرض فيه نموذجاً من مذهب الأشعري في العقائد، فيذكر المذاهب الواقعة في جانب الإفراط أو التفريط، ويريك كيف سلك الأشعري بينها مذهباً وسطاً، وإليك ملخص ذلك المقال: إن لله علماً لا كالعلوم، وقدرة لا كالقدرة، وسمعاً لا كالأسماع، وبصراً لا كالأبصار، وإن العبد لا يقدر على الأحداث، ويقدر على الكسب، وإن الله يرى من غير حلول ولا حدود ولا تكيف، وإنه لا يحتاج إلى مكان، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه، وإن النزول صفة من صفاته، والاستواء صفة من صفاته، وفعل فعله في العرش، وإن القرآن كلام الله قديم غير مغير ولا مخلوق ولا حادث ولا مبتدع، فأما الحروف المقطعة والأجسام والألوان والأصوات، وكل ما في العالم من المكيفات، مخلوق مبتدع مخترع، وإن المؤمن الموحد الفاسق هو في مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، ثم أدخله الجنة، أما عقوبة متصلة مؤبدة، فلا يجازي بها كبيرة منفصلة منقطعة،

стр. 1890

وإن للرسول شفاعة مقبولة في المؤمنين المستحقين للعقوبة، وإن الخلفاء الأربعة، ومعاوية، وطلحة، والزبير، وأم المؤمنين عائشة على هدى، وإنهم لم يختلفوا في الأصول، وإنما اختلفوا في الفروع، فأدى اجتهاد كل واحد منهم إلى شيء. والمعروف أن المالكية والشافعية على مذهب الأشعري في العقائد، ذكر هذا ابن السبكي في "طبقات الشافعية"، فقال: لا يرى مالكي إلا أشعرياً، وقال: إن غالب الشافعية أشاعرة، لا يستثنى إلا من لحق منهم بتجسيم أو اعتزال ممن لا يعبأ الله بهم. * الماتريدية: منسوبون إلى أبي منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي (١)، وهو من أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵁، ومن المعروف أن أبا حنيفة تكلم في أصول الدين، وكان يسميه: الفقه الأكبر، وله فيها الكتاب المسمى: " الفقه الأكبر"، ولأبي منصور الماتريدي شرح على هذا الكتاب. فمذهب الماتريدية قائم على الأصول التي قررها الإمام أبو حنيفة. وبين الماتريدية والأشاعرة خلاف في مسائل معدودة لا تتجاوز ثلاث عشرة مسألة، منها: اختلافهم في السعادة والشقاوة، فهما عند الأشعري مقدرتان في الأزل لا يتغيران ولا يتبدلان؛ لأن السعادة هي الموت على الإسلام، والشقاوة الموت على الكفر، وقال الماتريدية: إن السعادة هي

стр. 1891

الإسلام في الحال، والشقاوة هي الكفر كذلك، فإذا مات المسلم على الكفر، فقد انقلب شقياً، وإذا مات الكافر على الإسلام، فقد انقلب سعيدًا. ومثل هذا الخلاف يرجع إلى الخلاف في المراد من لفظ سعادة وشقاوة، مع الاتفاق في حكم الكافر إذا أسلم، والمسلم إذا ارتد. ومما اختلف فيه الفريقان اختلافاً يرجع إلى المعنى: عذاب المطيع، أجازه الأشعري عقلاً، وقال الماتريدية: ممنوع عقلاً، وهذا الاختلاف وإن رجع إلى المعنى، فأمره هين ما دام الفريقان متفقين على أن عذاب المطيع غير جائز شرعاً (١). ومن المعروف أن الحنفية يتبعون في العقائد مذهب أبي منصور الماتريدي، وقليل من الحنفية من انتسب في العقائد إلى الأشعري، حتى قيل: من المستظرف أن يكون حنفي أشعرياً (٢). وقال ابن السبكي في "طبقات الشافعية": إن الحنفية أكثرهم أشاعرة، وذكر أنه تأمل عقيدة الطحاوي التي ذكر منها ما كان عليه الإمام أبو حنيفة وصاحباه، فلم يجد فيها إلا ثلاث مسائل خالف فيها الأشعرية، ثم نظر في كتب الحنفية، فوجد المسائل التي يخالفون فيها الأشعرية في العقائد ثلاث عشرة مسألة، وقد عرفت أن الاختلاف في هذه المسائل من نوع الاختلاف الذي يجري بين الأشاعرة أنفسهم.

стр. 1892

* أهل الحديث: طريقة أهل الحديث أن يتلقوا العقائد من الكتاب والسنة مؤيدة بما أورده الشارع، أو نته له من الأدلة القريبة المأخذ من العقل، ويتمسكون من العقائد بما كان صريحاً، فإن عرضت لهم آية أو حديث يخالف بظاهره العقائد الصريحة؛ كالآيات والأحاديث التي توهم بحسب ما يظهر من لفظها التشبيه في الذات أو الصفات، اكتفوا بمعرفة أن ظاهره غير مراد، وتركوا الخوض في معناه، ولم يتعرضوا لتأويله. ولا يتجاوزون في العقائد ما جاء في الكتاب والسنة، فيمسكون عن الخوض في كيفيات تعلقات صفات الله تعالى، وعن تعددها واتحادها في نفسها. وهل هي الذات أو غيرها؟ وفي الكلام هل هو متحد أو منقسم؟ وإذا كان منقسماً، فهل ينقسم بالنوع أو الوصف؟ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور مع كونه حادثاً؟ ثم إذا انعدم المأمور هل يفي التعلق به؟ إلى غير ذلك من المباحث التي سكت عنها الصحابة ومن سلك سبيلهم، بل نهوا عن الخوض فيها؛ لعلمهم بأنه بحث عن كيفية من لم تعلم كيفيته بالعقل؛ لكون العقول لها حد تقف عنده، ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات. يكره أهل الحديث الخوض في علم الكلام، والمناظرة في العقائد، ولا سيما مناظرة تقوم على الطرق المحضة، وكذلك نرى أحمد بن حنبل لم يقعد لمناظرة المعتزلة في مسألة خلق القرآن، وكان لا يزيد على أن يقول: القرآن كلام الله، ويمتنع من أن يقول: القرآن مخلوق. وقال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول إذا جاء أحد من أهل الأهواء: أما أنا، فعلى بينة من ربي، وأما أنت، فشاكّ، فاذكره ب إلى شاكّ

стр. 1893

مثلك فخاصمه. فمن المسائل التي تعرض لها الأشاعرة والماتريدية بالبحث، وقرروا فيها آراء: مسائل لا يتعرض لها أهل الحديث؛ كمسألة التكليف بما لا يطاق، هل يجوز عقلاً، أو لا يجوز؟ وقد يجري الخلاف بين أهل الحديث وغيرهم من أهل السنة؛ كما اختلفوا في الأعمال، فقال أهل الحديث: هي جزء كمالي للإيمان، وقالله غيرهم كالأشاعرة: الإيمان: التصديق با لقلب، وأعمال الجوارح واجبات زائدة على الإيمان.

стр. 1894

اختلاط الجنسين في نظر الإسلام (١) ألقى أحد الأساتذة محاضرة تعرض فيها لاختلاط الفتيان والفتيات في الجامعة، وأبدى استحسانه لهذا الاختلاط، ووقف موقف الدفاع عنه. وما كنا ننتظر من الأستاذ المحاضر وقد قضى سنين غير قليلة وشؤون المجتمع تمر عليه بمقدماتها، وبما ينتج عنها من خير وشر، أن يقول ما قاله في تلك المحاضرة، بل كنا ننتظر منه أن يملي على أبنائنا وبناتنا كلمات يتلقونها على أنها آراء أحكمتها التجارب، فيستنيرون بها في حياتهم المحفوفة بالأخطار من كل جانب. ولكن الأستاذ لم يشأ إلا أن يتناول في محاضرته مسألة اختلاط الفتيان والفتيات، ويرضى عن ذلك الاختلاط، صارفاً النظر عما يجر إليه من الانحلال في الأخلاق، وغمز في الأغراض. وغرضنا من هذه المحاضرة نقدُ كلمات وردت في محاضرة الأستاذ، وإنما ننقدها على طريقة آداب البحث، وما تقتضيه قوانين المنطق، ثم انظروا ماذا ترون. وما كان في ولا للأستاذ - وقد أخذنا نبحث في شأن اجتماعي- أن

стр. 1895

نهمل وجهة الدين الإسلامي في هذه المسألة الهامة، فإذا نحن حققنا النظر فيها من حيث اتجاه الدين الإسلامي، وأعقبناه بالنظر في حكمة هذا الاتجاه، استطعنا أن نحكم على ما يقال في اختلاط الفتيان والفتيات بين جدران الجامعة أو حول جدرانها، ونحن على بينة من أمر هذا الحكم. قال الأستاذ في محاضرته: "ويتصل بخطأ الجمهور في فهم رسالة الجامعة: مسألة قبول الفتيات المصريات طالبات في الجامعة". يعد الأستاذ فيما أخطأ الجمهور في فهمه من رسالة الجامعة: مسألة قبول الفتيات المصريات طالبات في الجامعة، ويريد بخطأ الجمهور: إنكارهم لما صنعته الجامعة من قبولهن، وخلطهن بالفتيان في حجرات التدريس. والوقع أن الجمهور لم يخطئ، وأن الجامعة هي التي أخطأت في هذا الخلط، ذلك أن جمهور الأمة المصرية يستضيء في حياته بدين قامت لديه الأدلة القاطعة على أنه وحي سماوي، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإذا عرضت له مسألة اجتماعية؛ كالجمع بين الفتيان والفتيات على الوجه الذي يقع في الجامعة، أقبل يستفتي دينه الحق، فإن وجده قد أذن في ذلك، سكت عنه، ورضي به، وإن وجده قد نهى عنه، بادر إلى إنكاره. وتحريم الدين لاختلاط الجنسين على النحو الذي يقع في الجامعة معروف لدى عامة المسلمين، كما عرفه الخاصة من علمائهم، وأدلة المنع واردة في الكتاب والسنة، وسيرة السلف الذين عرفوا لباب الدين، وكانوا على بصيرة من حكمته السامية. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، ويقول: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ
следующие страницы →