← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

الإسلام في الحال، والشقاوة هي الكفر كذلك، فإذا مات المسلم على الكفر، فقد انقلب شقياً، وإذا مات الكافر على الإسلام، فقد انقلب سعيدًا. ومثل هذا الخلاف يرجع إلى الخلاف في المراد من لفظ سعادة وشقاوة، مع الاتفاق في حكم الكافر إذا أسلم، والمسلم إذا ارتد. ومما اختلف فيه الفريقان اختلافاً يرجع إلى المعنى: عذاب المطيع، أجازه الأشعري عقلاً، وقال الماتريدية: ممنوع عقلاً، وهذا الاختلاف وإن رجع إلى المعنى، فأمره هين ما دام الفريقان متفقين على أن عذاب المطيع غير جائز شرعاً (١). ومن المعروف أن الحنفية يتبعون في العقائد مذهب أبي منصور الماتريدي، وقليل من الحنفية من انتسب في العقائد إلى الأشعري، حتى قيل: من المستظرف أن يكون حنفي أشعرياً (٢). وقال ابن السبكي في "طبقات الشافعية": إن الحنفية أكثرهم أشاعرة، وذكر أنه تأمل عقيدة الطحاوي التي ذكر منها ما كان عليه الإمام أبو حنيفة وصاحباه، فلم يجد فيها إلا ثلاث مسائل خالف فيها الأشعرية، ثم نظر في كتب الحنفية، فوجد المسائل التي يخالفون فيها الأشعرية في العقائد ثلاث عشرة مسألة، وقد عرفت أن الاختلاف في هذه المسائل من نوع الاختلاف الذي يجري بين الأشاعرة أنفسهم.

стр. 1892

* أهل الحديث: طريقة أهل الحديث أن يتلقوا العقائد من الكتاب والسنة مؤيدة بما أورده الشارع، أو نته له من الأدلة القريبة المأخذ من العقل، ويتمسكون من العقائد بما كان صريحاً، فإن عرضت لهم آية أو حديث يخالف بظاهره العقائد الصريحة؛ كالآيات والأحاديث التي توهم بحسب ما يظهر من لفظها التشبيه في الذات أو الصفات، اكتفوا بمعرفة أن ظاهره غير مراد، وتركوا الخوض في معناه، ولم يتعرضوا لتأويله. ولا يتجاوزون في العقائد ما جاء في الكتاب والسنة، فيمسكون عن الخوض في كيفيات تعلقات صفات الله تعالى، وعن تعددها واتحادها في نفسها. وهل هي الذات أو غيرها؟ وفي الكلام هل هو متحد أو منقسم؟ وإذا كان منقسماً، فهل ينقسم بالنوع أو الوصف؟ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور مع كونه حادثاً؟ ثم إذا انعدم المأمور هل يفي التعلق به؟ إلى غير ذلك من المباحث التي سكت عنها الصحابة ومن سلك سبيلهم، بل نهوا عن الخوض فيها؛ لعلمهم بأنه بحث عن كيفية من لم تعلم كيفيته بالعقل؛ لكون العقول لها حد تقف عنده، ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات. يكره أهل الحديث الخوض في علم الكلام، والمناظرة في العقائد، ولا سيما مناظرة تقوم على الطرق المحضة، وكذلك نرى أحمد بن حنبل لم يقعد لمناظرة المعتزلة في مسألة خلق القرآن، وكان لا يزيد على أن يقول: القرآن كلام الله، ويمتنع من أن يقول: القرآن مخلوق. وقال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول إذا جاء أحد من أهل الأهواء: أما أنا، فعلى بينة من ربي، وأما أنت، فشاكّ، فاذكره ب إلى شاكّ

стр. 1893

مثلك فخاصمه. فمن المسائل التي تعرض لها الأشاعرة والماتريدية بالبحث، وقرروا فيها آراء: مسائل لا يتعرض لها أهل الحديث؛ كمسألة التكليف بما لا يطاق، هل يجوز عقلاً، أو لا يجوز؟ وقد يجري الخلاف بين أهل الحديث وغيرهم من أهل السنة؛ كما اختلفوا في الأعمال، فقال أهل الحديث: هي جزء كمالي للإيمان، وقالله غيرهم كالأشاعرة: الإيمان: التصديق با لقلب، وأعمال الجوارح واجبات زائدة على الإيمان.

стр. 1894

اختلاط الجنسين في نظر الإسلام (١) ألقى أحد الأساتذة محاضرة تعرض فيها لاختلاط الفتيان والفتيات في الجامعة، وأبدى استحسانه لهذا الاختلاط، ووقف موقف الدفاع عنه. وما كنا ننتظر من الأستاذ المحاضر وقد قضى سنين غير قليلة وشؤون المجتمع تمر عليه بمقدماتها، وبما ينتج عنها من خير وشر، أن يقول ما قاله في تلك المحاضرة، بل كنا ننتظر منه أن يملي على أبنائنا وبناتنا كلمات يتلقونها على أنها آراء أحكمتها التجارب، فيستنيرون بها في حياتهم المحفوفة بالأخطار من كل جانب. ولكن الأستاذ لم يشأ إلا أن يتناول في محاضرته مسألة اختلاط الفتيان والفتيات، ويرضى عن ذلك الاختلاط، صارفاً النظر عما يجر إليه من الانحلال في الأخلاق، وغمز في الأغراض. وغرضنا من هذه المحاضرة نقدُ كلمات وردت في محاضرة الأستاذ، وإنما ننقدها على طريقة آداب البحث، وما تقتضيه قوانين المنطق، ثم انظروا ماذا ترون. وما كان في ولا للأستاذ - وقد أخذنا نبحث في شأن اجتماعي- أن

стр. 1895

نهمل وجهة الدين الإسلامي في هذه المسألة الهامة، فإذا نحن حققنا النظر فيها من حيث اتجاه الدين الإسلامي، وأعقبناه بالنظر في حكمة هذا الاتجاه، استطعنا أن نحكم على ما يقال في اختلاط الفتيان والفتيات بين جدران الجامعة أو حول جدرانها، ونحن على بينة من أمر هذا الحكم. قال الأستاذ في محاضرته: "ويتصل بخطأ الجمهور في فهم رسالة الجامعة: مسألة قبول الفتيات المصريات طالبات في الجامعة". يعد الأستاذ فيما أخطأ الجمهور في فهمه من رسالة الجامعة: مسألة قبول الفتيات المصريات طالبات في الجامعة، ويريد بخطأ الجمهور: إنكارهم لما صنعته الجامعة من قبولهن، وخلطهن بالفتيان في حجرات التدريس. والوقع أن الجمهور لم يخطئ، وأن الجامعة هي التي أخطأت في هذا الخلط، ذلك أن جمهور الأمة المصرية يستضيء في حياته بدين قامت لديه الأدلة القاطعة على أنه وحي سماوي، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإذا عرضت له مسألة اجتماعية؛ كالجمع بين الفتيان والفتيات على الوجه الذي يقع في الجامعة، أقبل يستفتي دينه الحق، فإن وجده قد أذن في ذلك، سكت عنه، ورضي به، وإن وجده قد نهى عنه، بادر إلى إنكاره. وتحريم الدين لاختلاط الجنسين على النحو الذي يقع في الجامعة معروف لدى عامة المسلمين، كما عرفه الخاصة من علمائهم، وأدلة المنع واردة في الكتاب والسنة، وسيرة السلف الذين عرفوا لباب الدين، وكانوا على بصيرة من حكمته السامية. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، ويقول: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ

стр. 1896

فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. ومعنى غضّ البصر: صرفه عن النظر الذي هو وسيلة الفتنة، والوقوع في فساد، ومن ذا الذي يجمع الفتيان والفتيات في غرفة، وينتظر من هؤلاء وهؤلاء أن يصرفوا أبصارهم عن النظر، ولا يتبعوا النظرة بأخواتها؟ وهل يستطيع أحد صادق أن يقول: إن أولئك المؤمنين والمؤمنات يحتفظون بأدب غض أبصارهم من حين الالتقاء بين جدران الجامعة إلى أن ينفضوا من حولها، والشريعة التي تأمر بغض النظر عن النظر إلى السافرات، تنهى أولي الأمر عن تصرف شأنه أن يدفع الفتيان والفتيات إلى عواقب وخيمة؟ ويقول الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]. والزينة: ما يتزين به؟ من نحو: القرط والقلادة، والخاتم والوشاح والشعر، والأصباغ؟ من نحو: الكحل والخضاب، والملابس الأنيقة، وما ظهر من الزينة: هو الثوب الذي يستر الجسد حتى لا يظهر ما تحته من حلي وشعر ونحوه. ثم إن القرآن قد استثنى طائفة من الناس تكثر مداخلاتهم للمرأة، فيكون في التزامها التستر - الذي تلتزمه مع الأجنبي - مشقة عليها، فأذن لها في عدم زينتها منهم، ثم إن توقع الفساد منهم شأنه أن يكون مفقوداً أو نادراً، إما لشدة القرابة؛ كالأب والابن، والأخ والخال، والعم وابن الأخ

стр. 1897

وابن الأخت، وإما لأن شأنهم الغيرة على حفظ عرض المرأة؛ كأبي الزوج وابنه؛ فإن أبا الزوج أو ابنه تدعوه الغيرة على أن يحافظ على عرض المرأة؛ لأن في حفظ عرضها حفظاً لعرض ابنه إن كان أباً، أو لعرض أبيه إن كان ابناً. وهؤلاء - وإن اشتركوا في جواز رؤية الزينة الباطنة - لا يتساوون فيما يصح أن يطلع عليه، فالزوج يحل له النظر إلى ما شاء، وأما الابن والأخ والجد، وكل ذي محرم، فلا يجب على المرأة أن تستر منهم الشعر والنحر والساقين والذرل، وأما غير أولي الإربة من الرجال، وهم الذين عرف منهم التعفف، وكانوا على حالة من لا يقدر على مباشرة النساء؛ كالطاعنين في السن الذين عرفوا بالصلاح، وعدمِ الحاجة إلى النساء، فإنما يحل للمرأة أن تظهر أمامهم في ثياب صفيقة، وإن لم تكن عليها ملحفة. وليس من شك في أن طالبات الجامعة لا يضربن بخمرهن على جيوبهن، وقد يأتين في أجمل ثيابهن، ويختلطن بفتيان ليس بينهم وبينهن صلة من الصلات المشار إليها في الآية الكريمة. ويقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] الجلباب: الثوب الذي يستر المرأة من فوق إلى أسفل، أو كل ثوب تلبسه المرأة فوف ثيابها، وإدناؤه عليهن: إرخاؤه عليهن، قال ابن عباس وجماعة من السلف: أن تلوي الجلباب فوق الجبين، وتشده، ثم تعطفه على الأنف، فتستر الصدر ومعظم الوجه إلا عينيها، ثم ذكر حكمة هذا الستر، وهي أن التستر يدل على العفاف والصيانة، إذ من كانت في هذا الحال من

стр. 1898

التستر لا يطمع الفساق في أن ينالوا من عرضها، فلا تلقى من الفساق تعرضاً يؤذيها مثلما تلقى المتبرجات بزينتهن، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. والأحاديث الصحيحة الواردة في النهي عن اختلاط المرأة بغير محرم لها، تدل بكثرتها على أن مقت الشريعة الغرّاء لهذا الاختلاط شديد، وأن عنايتها بأمر صيانة المرأة بالغة، وأذكر منها ما رواه البخاري في "صحيحبه" عن أبي سعيد الخدري: "قالت النساء للنبي ﷺ : غلبنا عليك الرجالُ، فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه، فوعظهن، وأمرهن". ولو كان اختلاط الطلاب بالطالبات مما يأذن به الدين، لكان للنساء أن يجلسن مع الرجال في مجلس رسول الله ﷺ ، ولما قلن له: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفسك، ولما وعدهن يوماً لقيهن فيه وحدهن. وأذكر منها: ما رواه الإمام البخاري في "صحيحه" عن عائشة ﵂، قالت: "لقد كان رسول الله ﷺ يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد". ولو كان اختلاط الرجال بالنساء مأذوناً فيه، لما احتاج المؤمنات إلى أن يتلفعن بمروطهن، ويرجعن إلى بيوتهن، دون أن يعرفهن أحد. وأذكر منها: ما رواه البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم "، قال رجل: يا رسول الله! إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، فقال: "اخرج معها". ولو كان اختلاط النساء والأجانب مأذوناً فيه، لما حرّمت الشريعة على المرأة أن تسافر لأداء فريضة

стр. 1899

الحج إلا أن يكون معها محرم، ولما نهى النبي ﷺ عن أن يدخل رجل على امرأة إلا ومعها محرم. وأذكر منها: ما رواه البخاري في "صحيحه " عن أم سلمة ﵂، قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا سلّم، قام النساء حينما يقضي تسليمه، وهو يمكث في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم، قالت: نرى- والله أعلم-: أن ذلك لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال"، فقيام النساء وانصرافهن عقب تسليمه ﷺ ؛ لأنه مأذون لهن في الصلاة دون البقاء في المسجد لغير صلاة، وقد أشارت رواية الحديث إلى أن مكث النبي ﷺ في مقامه عقب الصلاة من أجل تمكين النساء من الانصراف؛ لأن الرجال لا يقومون من موضع الصلاة إلا إذا قام ﵊، وفي هذا شاهد على كراهة الشارع لاختلاط الرجال الأجانب بالنساء، ثم إن سنة النساء في صلاة الجماعة أن يصلين خلف صفوف الرجال، روى البخاري في "صحيحه " عن أنس بن مالك ﵁: أنه قال: "صلّى النبي ﷺ في بيت أم سليم، فقمت ويتيم خلفه، وأم سليم خلفه". ويدلكم على أن النهي عن اختلاط الرجال بالنساء كان معروفاً بين الصحابة ﵁، حتى أصبحت قاعدة يذكرونها عندما يشتبه عليهم الأمر في بعض الآثار أو الأحاديث: ما رواه الإمام البخاري في "صحيحه" عن ابن جريج، قال: "أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهن، وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟! قلت: أبعدَ الحجاب أو قبل؟ قال: أي لعمري! لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطهن، كانت عائشة ﵂ تطوف في حجرة من

стр. 1900

الرجال لا تخالطهم. والحجرة: الناحية المنفردة، تقول: رأيت رجلاً يسير من القوم حجرة؛ أي: ناحية منفردة. فانظر كيف بدا لابن هشام أن يمنع النساء الطواف مع الرجال؛ أخذاً بالقاعدة المعروفة في الشريعة من منع اختلاط النساء بالرجال، ولما أنكر عليه عطاء، لم يقل له: إن اختلاط النساء بالرجال لا حرج فيه، ولكنه استدل بحديث: أن نساء النبي ﷺ كن يطفن مع الرجال، ولما بدا لابن جريج أن طوافهن مع الرجال يقتضي الاختلاط بهم، والاختلاط محظور في الشريعة، قال مستشكلًا الإذن لهن في الطواف مع الرجال: كيف يخالطهن الرجال؟ فلم يقل له ابن جريح: وأي مانع من هذا الاختلاط؟ بل بيّن أنهن يطفن مع الرجال دون أن يخالطنهم. وليست نصوص الدين وحدها هي التي تسوق الجمهور إلى إنكار اختلاط الطلاب والطالبات، بل المشاهدات والتجارب قد دلتا على أن في هذا الاختلاط فساداً لا يستهان به، ومن أنكر أن يكون لهذا الاختلاط آثار مقبوحة، فإما أن يكون غائبًا عن شؤون المجتمع، لا يرقبها من قريب ولا من بعيد، وإما أن يكون قد نظر إلى هذا الاختلاط وآثاره بعين لم تنبه إلى وجهة استقباحه، ووجوب العمل على قطع دابره. ومن عمد إلى البلاد التي يباح فيها اختلاط الجنسين، ونظر إلى ما يقع فيها من فساد الأعراض، وقاسه بالفساد الذي يقع في البلاد التي يغلب على رجالها ونسائها أن لا يجتمعوا إلا على وجه مشروع، وجد التفاوت بين الفسادين كبيراً. بل لا نحتاج في معرفة هذا التفاوت إلى إحصاء مفاسد هذه وتلك؛

стр. 1901

فإن المعروف بالبداهة أن الاختلاط يحدث في القلوب فتنة، ولا تلبث الفتنة أن تجرّ إلى فساد، فعلى قدر كثرة الاختلاط يكثر ابتذال الأعراض. قال الأستاذ: "وهي مسألة كانت قليلة الأنصار في الرأي العام"، يريد: أن قبول الطالبات في الجامعة لم يرض عنه فيما مضى إلا قليل من الناس، والواقع أن الذين يرضون عن هذا الاختلاط لا يزال عددهم قليلاً إذا نظر إليهم إزاء من ينكرونه، ويشكون من سوء مغبته، ولو استفتيت الأمة استفتاء صحيحاً، لظهر أن أنصاره لا يزالون في قلة، على أن المسائل الاجتماعية إنما يرجع الحكم فيها إلى الأدلة القائمة على رعاية ما يترتب عليها من مصالح أو مفاسد، أما كثرة الأنصار، فلا تجدي أمام النصوص الشرعية، والأدلة المؤيدة بالتجارب، ولو مثقال ذرة. قال الأستاذ: "بعد عشر سنوات من قبول هؤلاء الطالبات، قامت ضجة تنكر علينا هذا الاختلاط، فلم نأبه له؛ لأن التطور الاجتماعي معنا، والتطور لا غالب له ". ليس هناك تطور يعرض للاجتماع في نفسه، وإنما تطور الاجتماع أثر أفكار وأذواق وميول نفسية، ورقي هذا التطور أو انحطاطه يرجع إلى حال تلك الأفكار والأذواق والميول، فإن غلب على الناس جودة الفكر، وسلامة الذوق، وطهارة ميولهم النفسية، كان التطور الاجتماعي راقياً، وهذا هو الذي لا تنبغي معارضته، ويصح أن يقال فيه: إنه تطور لا غالب له، أما إذا غلب على الناس انحراف الأفكار في تصور الشؤون الاجتماعية، أو تغلبت أهواؤهم على عقولهم، كان التطور الاجتماعي في انحطاط، وهذا هو الذي تجب معارضته، وأقل دعوة تقوم لإصلاحه يمكنها أن تقوّم عوجه، وترد جماحه.

стр. 1902

وإذا كان اختلاط الجنسين من قبيل التطور الاجتماعي، فهو من نوع ما ينشأ عن تغلب الأهواء، وتقليد الغربيين في غير مصلحة، فيتعين على دعاة الإصلاح أن يجهروا بإنكاره، ويعملوا على تنقية المجتمع من أقذائه، ومتى قويت عزائمهم، وجاهدوه من طرقه الحكيمة، أماطوا أذاه، وغلبوه على أمره. وما كانت حالة العرب في الجاهلية إلا تطوراً اجتماعياً، وقد قام النبي ﷺ يحارب هذا التطور، فقضى عليه في أعوام غير كثيرة. ولو عرض حال فرنسا قبل الحرب، ونظرنا إلى ما كان فيها من تهتك، وحاول بعض عقلائهم التخفيف من شر ذلك الاستهتار، لوجد من يقول له: هذا التهتك تطور اجتماعي، والتطور الاجتماعي لا غالب له. فهل يرضى الأستاذ المحاضر أن يسكت دعاة الإصلاح عما يغلب في الناس من الفساد، وييئسوا من إصلاحه بدعوة أنه تطور اجتماعي، والتطور الاجتماعي لا غالب له؟!. والذي نرى أن الإصلاح يسود بالدعاية الحكيمة، وقد يسود بقوة السلطان العادل متى كانت الأمة في عماية عن طريق الرشد، وصمم من مواعظ الحكماء، أما الباطل، فإنما يسود بوجاهة أشياعه، أو قوة سلطانهم، وإذا تغلب باطل بالدعاية الماكرة، فلأن أنصار الحق كانوا غارقين في نوم ثقيل، ولا يرفع الباطل صوته إلا في بيئة غاب عنها الدعاة المصلحون. وقد حسبنا عندما سقطت فرنسا في هذه الحرب تلك السقطة المزرية، أن يأخذ منها رجالنا عبرة بالغة، فيعود الذين كانوا يحبذون السفور واختلاط الجنسين دعاة إلى الإسلام من تستر المرأة بثياب العزة، وصيانتها عن مواقف

стр. 1903

الابتذال ومواطن الاختلاط. ومن دواعي الأسف أن يتنبه رجال فرنسا قبل أن يتنبه كثير من رجالنا، ويأخذ من سقوط دولتهم عبرة، هي أن سبب ضعف فرنسا، وانهيار بنائها، هو انحلال أخلاق شبابها، وإغراقهم في الملاذ والشهوات، ولا إغراق في الشهوات أكثر من تخلية السبيل للنساء يخالطن الرجال، ويبدين لهن ما بطن من زينتهن، دون أن تلتهب في نفس أبيها أو أخيها أو زوجها غيرة حامية. وقال الأستاذ المحاضر: "ومعنا العدل الذي يسوّي بين الأخ وأخته في أن يحصل كل منهما أسباب كماله الخاص". لا يتنازع أحد في العدل بين الأخ والأخت، ولا يماح من التسوية بينهما في تحصيل كل منهما أسباب كماله الخاص، لا يستدعي اختلاطها بالفتيان، بل يعد هذا الاختلاط عائقًا لها عن الوصول إلى كمالها الخاص؛ فإنه يذهب بجانب كبير من الحشمة وهدوء النفس، ويهيئها لأن تنحدر في حفرة من سوء السمعة، ولو كان ولي أمرها الناصح في تربيتها، ينظر إلى هذه العاقبة بعين تدرك حقيقتها، لحال بينها وبين هذا الاختلاط بكل ما يملك من قوة. ونحن لا نعارض في تعليم المرأة، ولا في استمرارها على التعليم إلى أبعد مدى، ولكنا نريد الاحتفاظ بأساس كمالها، وهو الصيانة ونقاء العرض، ولا شك في أن اختلاطها بالفتيان وسيلة قريبة إلى هدم ذلك الأساس، فالذين ينكرون اختلاط الطلاب بالطالبات هم الذين يناصرهم العدل الذي يسوّي بين الأخ وأخته في أن يحصل كل منهما أسباب كماله الخاص. فللمرأة أن تطلب من العلوم ما وسعها أن تطلبه، ولكن على أساس الصيانة، فإن كان طلبها لبعض العلوم يعرض هذا الأساس للانتقاص، فلتكتف

стр. 1904

بما وصلت إليه يدها من علم، وفي الرجال كفاية للقضاء والمحاماة وعضوية مجلس النواب، إلى ما يشابه هذا من الأعمال التي لو تولتها المرأة، لانجرت بطبيعة العمل إلى عاقبة سيئة هي الاختلاط بالرجال. قال الأستاذ المحاضر: "ومعنا فوق ذلك منفعة الأمة من تمهيد الأسباب لتكوين العائلة المصرية على وجه يأتلف مع أطماعنا في الارتقاء القومي ". إذا كنا لا نستسلم لتقليد أوريا في كل شأن من شؤون الاجتماع، وترفَّعنا عن أن نجعل حال الأوربيين المثال الكامل للارتقاء القومي، قلنا: إن أساس ارتقائنا القومي هو الاحتفاظ بآداب ديننا، وأن يكون في فتياتنا علم واسع، وعزم صارم، وإرادة ماضية، وصبر على تحمل المشاق، وأن يكون في فتياتنا حشمة وصيانة، وعلم يساعدهن على تأدية واجباتهن في الحياة؛ من نحو: تدبير المنزل، والقيام على تربية الولد، وقد دل النبي ﷺ على هاتين المهمتين بقوله: "خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده". وأشار النبي ﷺ إلى مهمة تدبير المنزل بقوله: "والمرأة راعية على بيت زوجها". فمن أطماعنا أن تكون المرأة على خلق عظيم من الحشمة، بعيدة من مواطن الفتنة والريبة، فرغبتنا في تكوين العائلة المصرية على وجه يأتلف مع أطماعنا، تدعونا وتلح في دعوتنا إلى أن نجعل بين الفتيات والفتيان فارقاً يقطع الفتنة، وتسلم به النفوس من خواطر السوء التي قد تنقلب إلى عزم، ثم إلى مقدرة. وإذا كان النظر إلى زينة المرأة، والتأمل في محاسن وجهها وسيلةَ تعلقِ القلب بها، وتعلقُ القلب مدرجة الفتنة، فالاختلاط الذي يستدعي تكرار

стр. 1905

النظر، ويجر إلى الأخذ بأطراف الحديث، يكون بلا ريب أمراً منكراً؛ إذ هو الوسيلة المباشرة لزلزلة نفوس الفتيان والفتيات بعد سكونها زلزلة قد تذهب بأعراض كانت مصونة، وإذا دخل ابتذال العرض في الأسرة، فمن أين لنا أن نكوّنها على وجه يأتلف مع أطماعنا في الارتقاء القومي؟!. وليس فىِ حماية الفتاة من الاختلاط بغير محارمها تضييق لدائرة الحياة في وجهها، وإنما هو احتفاظ بكرامتها، وتوفير لهناءتها؛ إذ بصيانتها عن الاختلاط تعيش بقلب طاهر، ونفس مطمئنة، وبهذه الصيانة تزيد الصلة بينها وبين زوجها وأولي الفضل من أقاربها متانة وصفاء. وأنا لا أستبعد صحة ما أسمعه كثيراً من أن النزاع بين الرجال وزوجاتهم أصبح أكثر مما كان، وأن منشأ هذا الخصام تهافتُ النساء على التبرج الممقوت، وتساهلهن في الاجتماع بغير محارمهن. والواقع أن أنصار اختلاط الجنسين لا يؤيدهم تطور اجتماع صحيح، ولا يناصرهم العدل بين الأخ وأخته في تحصيل كل منهما أسباب كماله الخاص، ولا تقف بجانبهم مصلحة الأمة في حال، وليس معهم إلا أنهم فعلوا ذلك، ففتحوا أبواب الجامعة للطالبات، وكان منكرو هذا الاختلاط على كثرتهم في تفرق، فلم يصدعوا بإنكارهم، واقتصروا على أن يرددوا هذا الإنكار في مجالسهم، وربما كتب أحدهم مقالة في صحيفة، أو قال كلمة في محاضرة. ولو عقد دعاة الإصلاح مؤتمراً أخلاقياً، ونظروا في شأن اختلاط الجنسين نظراً خالياً من كل هوى، وبسطوا القول في وجوه مفاسدة، لكان لقرارهم شأن، وكان لرجال السياسة الرشيدة في أمر الفتيات رأي يجمع بين إعطائهن حظهن من التعليم، وصيانتهن من مواضع الفتنة والابتذال.

стр. 1906

نقد آراء الأستاذ فريد وجدي من الناحية الدينية والاجتماعية * المحاضرة الأولى (١): كنا نقرأ للأستاذ فريد وجدي بعض مؤلفات، فنرى فيها جملاً يحيد بها عن السبيل، ولكنا نزنها بما كان يكتبه في تأييد الإسلام، فيبدو لنا أن صوابه أكثر من خطئه، ونحمل ذلك الخطأ على أنه وليد نظرة متسرعة، أو نلتمس له العذر من ناحية أنه لم يدرس علوم الدين وتاريخ الإسلام دراسة تحميه من أن يشذ عن الجادة إلى مكان بعيد. وللأستاذ المرحوم أحمد تيمور باشا تأليف في بيان ما اشتملت عليه "دائرة معارف" الأستاذ فريد وجدي من الخطأ الفاحش في التاريخ. ما زلنا نعتقد أن الأستاذ في صفوف الدعاة إلى الحق والإصلاح، على الرغم مما كان يظهر في بعض منشآته من شذوذ، حتى قرأنا له منذ ثلاث سنين مقالاً في مجلة تصدر في حلب يقال لها: "الحديث"، فأحسسنا في هذا المقال روحاً تخذل الروح الذي كان يتردد فيما ألفه من قبل، ولبثنا غير بعيد، فإذا نحن نقرأ للأستاذ ثلاث مقالات نشرها في جريدة "الأهرام" تحت عنوان:

стр. 1907

(الدعوة إلى التجديد)، فتزحزح فيها عن سيرته الأولى أكثر مما تزحزح، وجعل ناقدي مقالاته يحسبون قلمه في الأقلام التي تستخف بأمر الدين في غير رصانة، وأتبع هذه المقالات بمقالة جعل عنوانها: (سطوة الإلحاد على الأديان) وأكبرَ في هذا المقال حركة الإلحاد، وادّعى أن رجال الدين ليس بيدهم سلاح يقاوم سلاح الملحدين. كنا نقرأ هذه المقالات، ونصرف عنها النظرة رجاء أن يجد الأستاذ من نفسه واعظاً، أو من كتاب الله الذي اقتحم تفسيره منبهاً، حتى نشر الأستاذ الشيخ محمد التفتزاني في جريدة "الأهرام" مقالاً نقد فيه ما وقع في بعض بلاد الإسلام من ترجمة القرآن إلى غير العربية لتقوم الترجمة مقام الأصل، فكان من الأستاذ فريد وجدي أن جرد قلمه، وانهال يحبذ ذلك العمل، ويطري من ارتكبوه في إغراق، واستبان من لهجته أنه انقلب إلى دعاية لو أساغتها العقول، وأسلمت إليها النفوس، لقوضت باسم التجديد ما تعبت يد الإصلاح في بنائه. ذلك ما دعاني إلى أن أنقل من تلك المقالات قطعاً متجافية عن الحقيقة، حتى إذا شئت أيها الناشئ أن تقرأ شيئاً مما يخطه قلمه، قرأته وأنت على بينة من أنه لا يملك لعواطفه مردّاً. * نقد مقاله المدرج بمجلة "الحديث " (١): اندفع الأستاذ في هذا المقال اندفاع من تسحرهم المدنية الأوربية، فينظرون إلى كل ما تقع عليه أبصارهم من شؤون أوربا وعاداتها باستحسان

стр. 1908

بالغ وإعجاب، فأسرف في إطرائها، وطاش قلمه في تفضيلها، ولو أراد الأستاذ أن يصف روح العصر الحاضر كما يصفه الناقد الرصين، لما أحس في نفسه الحاجة إلى أن يمهد لمديحه بلمز العصور الإسلامية حتى عهد الخلفاء الراشدين، ولكنه استحب أن يرسل قلمه في المديح مخلوعَ العذار، وأن يخيل إلى الناس صحة ما يدعيه من أن "روح العصر الحاضر نفحة إلهية"، فذهب يفتش في تاريخ صدر الإسلام، ويلتقط ما حدث فيه من فتن ومنازعات، ولم يجد في صدره حرجًا أن يتعرض لعهد الخلفاء الراشدين، وهو يخاطب شبانًا يحتاجون إلى ما يذكرهم بعظمة أسلافهم، ولا خير لهم في أن يرسم لماضي أمتهم صورة مشوهة، ثم يضع لحاضر أوربا صورة يدعي لها من الكمال ما لا تعرفه أوربا نفسها. ولو سلك الأستاذ في إغمازه وإطرائه طريق الإنصاف، لوجد من لدناّ عذراً، ولكنه يعتسف الحديث اعتسافاً. نبش الأستاذ تاريخ صدر الإسلام منقباً عما حدث فيه من فتن، ثم قال: "فإن العناصر الأدبية التي تتألف منها الروح العصرية أرقى بما لا يقدر من كل ما سبقه من العصور الخالية". ذكر الأستاذ في جملة ما أغمز فيه من العصور الخالية عصرَ الخلفاء الراشدين، ثم حكم بأن العصر الحاضر أرقى أدبًا من كل ما سبقه من العصور الماضية، فهو لا يبالي أن يجعل العصر الحاضر أفضل من ذلك العصر الذهبي، وأرجح وزناً. ولو كان الأستاذ يتحدث عن العلوم الكونية، والفنون والصنائع، والبراعة في الاختيل، لما وجد منازعاً في أن نصيب العصر الحاضر من هذه العلوم والفنون أوفر من أنصباء ما سبقه من العصور الخالية، ولكنه يتحدث عن أدب النفس، وكل إنسان يدرس علم أحوال النفس بألمعية ثاقبة، ونظر

стр. 1909

مطمئن، ثم يقيس حال الناس اليوم بحال الناس في صدر الإسلام، ينكر على الأستاذ هذا التفضيل، ويراه مرتكباً في حكمه شططاً. وإذا أخذ علم الأخلاق في هذا العصر بحثاً أوسع، وظهر في أسلوب أبدع، فإن كفة عصر الخلفاء الراشدين من جهة العمل بما تقتضيه أصول الأخلاق الكريمة لا تزال راجحة. وقال الأستاذ في ذلك المقال: "كان الناس في الأزمان السالفة يعتبرون الحق للقوة، فكان القوي يتحكم في الضعيف، فيسخره لمنفعته، أو يبيده، لا ينازعه في ذلك منازع، وكانت الشعوب الضعيفة تفنى في الشعوب القوية تحت تأثير الأسر المكتسب بحق الفتح، وليس في العالم من يقول بهذا المذهب، وأشد الناس إنكاراً له الأقوياء أنفسهم ". إن كان الأستاذ يتحدث عن قوانين يشرعها بعض الدول، فالإسلام قد سبق إلى قاعدة المساواة في الحقوق، وحارب ما عساه أن يخالط. النفوس العاتية من أن الحق للقوة، وإن كان يتحدث عن آراء يقررها بعض الكتاب أو الخطباء، فلحكماء الصدر الأول أقوال بالغة غاية العدل والعطف على الإنسانية؛ وإن قصد من ذلك الإطراء السيرة العملية، فدولة الخلفاء الراشدين ومن نحا نحوهاة كدولة عمر بن عبد العزيز إنما قامت على قاعدة العدل والمساواة، وغلّ أيدي الأقوياء أن تمس الضعفاء بسوء. وإذا كان في دول الإسلام أفراد من الأقوياء يسخِّرون بعض الضعفاء في منافعهم، فلهم في هذا العصر الذي سماه: "نفحة إلهية" أشباه ليسوا بأقل منهم عدداً، ولا أخف على الأعناق وطأة. ولو ضرب الأستاذ في الأرض، أو صرف شيئاً من وقته في استكشاف أحوال الجماعات لأبصر كيف يعيش الضعفاء تحت سلطان

стр. 1910

الاستعمار الغاشم، ولأحجم عن أن يقول: ليس في العالم من يقول بمذهب تحكّم القوي في الضعيف، وتسخيره لمنفعته وإبادته، وأشد الناس اتقاء له الأقوياء أنفسهم. وهل عرف الأستاذ كما عرفنا حق اليقين أن القوي في كثير من البلاد (وهو الأوربي) يقتل الضعيف - أعني: المسلم - رمياً بالرصاص، ولم نسمع قط أن محكمة حكمت على هذا الصنف من الأقوياء بالسجن، فضلاً عن القصاص. ولو كانت محاضرتنا هذه سياسية، لملأنا النادي شواهد على أن الأقوياء في هذا العصر لا يألون جهداً في إبادة الضعفاء، وتسخيرهم لمنافعهم ما لم يجدوا نارًا أحز من نارهم، أو حديداً أصلب من حديدهم، وإن في قضية تنصير البربر، وحوادث طرابلس الغرب لعبرة لأولي الأبصار. قال الأستاذ: "كان الناس لا يأتون الفضائل، ولا يتجنبون الرذائل إلا خوفاً من عقاب، أو طمعاً في ثواب، واليوم يطلبون الفضيلة باعتبار أنها أجدر بكرامة الإنسانية، ويكرهون الرذيلة باعتبارها أنها من الصفات البهيمية". أدرك الناس في صدر الإسلام الفضيلة فالتزموها، وعرفوا الرذيلة فتجنبوها، ومن درس التاريخ مجرداً من كل عاطفة، يشهد أن الفضيلة كانت سائدة في ذلك العهد أكثر مما هي سائدة اليوم، ومن أين أتى للأستاذ أن أهل ذلك العهد لا يأتون الفضيلة باعتبار أنها أجدر بكرامة الإنسانية، ولا يتجنبون الرذيلة باعتبار أنها من الصفات البهيمية؟ فإن قال: إنهم يعتقدون أنهم يثابون على الفضيلة، ويعاقبون على الرذيلة، قلنا له: هذا الاعتقاد لا يمنع من أن يدخل في قصدهم إلى الفضيلة التحلي بما هو كمال إنساني، ويدخل في قصدهم إلى تجنب الرذيلة الترفع عما هو من صفات البهيمية.

стр. 1911

وإذا وجد في هذا العصر طلب الفضيلة لمجرد أنها أجدر بالكرامة الإنسانية، فإنه لا يزيد عن أن يكون في أفراد أنبتت العصور السالفة أمثالهم، فمن المبالغة غير المقبولة أن يذكر هذا على أنه عنصر من العناصر التي امتاز به العصر الحاضر عن كل ما تقدمه من العصور. قال الأستاذ: "كان الناس في الأيام الخالية يعتبرون عبيداً لحكوماتهم، واليوم تعتبر الحكومات خادمة للناس". ما كان للأستاذ أن يطلق في دعوى أن الناس في الأيام الخالية يعتبرون عبيداً لحكوماتهم، فإن دولة الخلفاء الراشدين إنما قامت على أساس أن تكون خادمة للناس، وأن يبقى الناس كما ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وقد كان هذا المعنى متمثلاً في ذلك العهد بأجلى مظهر وأكمل صورة، ولو ضرب الأستاذ في الأرض جنوبًا، أو شرقاً وغرباً، لترفق في هذا الحكم المطلق، وصاغ عبارته في غير هذا الأسلوب. قال الأستاذ: "لا يزال للضعفاء وللشعوب المقهورة ما يشكون منه، ولكنهم فيما يشكون يعتبرون مطالبين بحقوق طبيعية، وتعطى لهم الحرية العامة للدفاع عنها بكل وسيلة مشروعة، ولهم أن يعمدوا إلى التحكيم، وأن يرفعوا ظلاماتهم للمحاكم الدولية ضد غرمائهم الأقوياء، وأن يعقدوا المؤتمرات للبحث في شؤونهم العامة، وبون بعيد بين هذه الحالات والحالات التي سبقتها في القرون الماضية". كان المظلومون في عهد الخلفاء الراشدين ومن نحا نحوهم في العدل يعتبرون مطالبين بحقوق طبيعية، وتعطى لهم الحرية التامة للدفاع عنها بكل وسيلة مشروعة، ويجدون من اليد المستأصلة للظلم ما لا يجده كثير من

стр. 1912

المظلومين في هذا العصر، ولو درس الأستاذ أحوال شعوب كثيرة تصلى نار الاحتلال الأجنبي بكرة وعشيًا، لما قال: "ولهم أن يعمدوا إلى التحكيم، وأن يرفعوا ظلاماتهم للمحكم الدولية ضد غرمائهم"، وها هي تلك الحكومات القاسية لا تسمح لشعب وضعت عليه يدها أن بحاكمها في شيء، ومن يحرك لسانه بطلب محاكمتها، سامته الخسف وعذاب الهوان، ولو انفلت طائفة من يدها، وتصدوا إلى محاكمتها، لما وجدوا محاكم دولية تسمع نداءهم، أو تخفف شيئاً من ويلاتهم، والحكومة التي ترى من يتحدث بمحاكمتها، فتكتم غيظها، إنما تعتمد على أن ليس هناك محاكم دولية تقصد أو تستطيع أن تخلص المظلوم من أسرها. يبالغ الأستاذ في تفضيل العصر الحاضر على كل ما سبقه من العصور، حتى نسب إليه ما ليس من روحه في شيء. وإن تعجب، فعجب قوله: "كان الناس لا ينفقون أموالهم لتخفيف الويلات إلا طمعاً في أن تضاعف لهم في الدنيا وفي الآخرة، واليوم يبذلون باعتبار أن الإنفاق في هذا السبيل واجب لا يصح التخلف عنه، غير منتظرين من ورائه جزاء ولا شكوراً". في المنفقين من يبذل المال للسمعة، وفيهم من يبذل المال ابتغاء رضوان الله، أو رجاء ثوابه في الآخرة، أو ازدياد نعمه عليه في الدنيا، وعلى هذا تدور مقاصد الإلهيين من الإنفاق القديم والحديث، وإذا استطعت أن تصدق أن ملحداً ينفق شيئاً من ماله خفية، فإنما هو منقاد بالعاطفة إلى ناحية يشعر بأن في الإنفاق فيها ما يعود عليه بمنفعة، فعلى فرض أن يوجد في الملاحدة من يبذل المال لإصلاح عشيرته أو أمته، لا يراعي جزاء منها ولا شكوراً، نقول: إنه مدفوع إلى الإنفاق بعاطفته نحوها، مراعياً أن سلامتها وصلاح شأنها

стр. 1913

يعود عليه بخير، وأن ضعفها وانحطاطها قد يمسه بسوء. ماذا يريد الأستاذ بقوله: "واليوم يبذلونها باعتبار أن الإنفاق في هذا السبيل واجب"؟ إن أراد أنهم يبذلونها ابتغاء مرضاة الله، فليس هذا القصد من خصائص العصر الحاضر، بل كان الناس في صدر الإسلام يبتغون وجه الله أكثر مما يبتغيه الناس اليوم، وإن أراد الإنفاق لمجرد العاطفة، فقد أريناه أنها لا تخلو من القصد إلى منفعة، وليس الباذل إجابة للعاطفة وحدها بأفضل من الباذل رجاء ثواب الله في الآخرة، على أن الإنفاق بدون قصد ثواب الله، ولا ابتغاء وجه الناس متى وجد، لا يكون إلا من النادر الذي لا يستقيم للأستاذ أن يذكره في الحديث عن روح العصر الحاضر، ليكثر به سواد أدلته على أنه نفحة إلهية. وهذه بدعة (يا نصيب) التي يرتكب موبقتها الناس، حتى بعض الجمعيات الخيرية، ليست إلا نداء على فساد الأخلاق في هذا العصر، ولو شاء أحد أن يقيمها حجة على أن أهل هذا العصر لا يبذلون درهماً إلا طمعاً في أن ينالوا بدله في الدنيا أضعافاً مضاعفة، لم يعدم سامعاً. وخشي الأستاذ أن يملأ الناس سمعه بتعداد الرذائل التي فشت في هذا العصر أكثر من فشوها في العصور الماضية؛ كتهتك النساء، وإباحة الخمور والميسر، وتحليل الربا، فحاول الدفاع عن أن تكون هذه الرذائل من روح العصر الحاضر، فما استطاع أن يعتذر عنها بأكثر من أن القوم ينكرونها، أو يقبحون أمرها، وأعقب هذا بأنها من بقايا ضعف الطبيعة البشرية. وهل وجود رجال ينكرون الرذائل الطاغية في عصر يكفي عذراً لعدم

стр. 1914

عدها من روح هذا العصر؟! وهل ادعاء أنها من بقايا ضعف الطبيعة البشرية يقلل من قذارتها المالئة وجه الأرض، ولا سيما رذائل وجدت ما لم تجده في العصور الماضية من أقلام تلقبها بألقاب لم توضع لها، وتسول للنفوس العمل على شاكلتها؟!. * نقد مقالات الدعوة إلى التجديد: تحدث الأستاذ فيما كتبه في جريدة "الأهرام" (١) تحت عنوان: "الدعوة إلى التجديد" عن الثورات العامة، وما تفعله في الأمم، ثم قال: "وينهار كل ما ورثته من صروح العقائد والتقاليد، وما أقامته على أصولها من النظم والعادات، ولكنها وهي تحت تاثير هذه الحالة الشاذة تندفع في الوقت عينه بمثل هذه الروح الثوربة إلى البناء والتشييد مدفوعة بحب البقاء، فلا تهدم حجراً حتى تضع حجرًا، ولا تحطم ركنًا حتى تقيم بدله ركنًا، وتتيقظ فيها أعلى فضائل الاجتماع من التعاون والإيثار ونكران الذات، فتعمل في سنين معدودة ما لا يمكن عمله إلا في أجيال". ثم ضرب المثل بثورة وقعت في بعض البلاد الإسلامية. يعترف الأستاذ بأن تلك الثورة انهارت فيها صروح العقائد والتقاليد، ويريد أن يدفع عنها لومة اللائمين، بدعوى أنهم لم يهدموا حجراً إلا وضعوا مكانه حجراً، ولم يحطموا ركنًا إلا أقاموا مكانه ركناً، ولم ينه الأستاذ قلمه عن الهوى، فيمنعه من أن يسمي انهيار صروح العقائد بين قوم مسلمين، ووضع أشياء أخرى موضعها: تيقظاً لأعلى فضائل الاجتماع.

стр. 1915

ليس في عقائد الإسلام، ولا في التقاليد القائمة على هذه العقائد ما يعدّ هدمه إصلاحاً، وتعاليم الإسلام هي التي توقظ أعلى فضائل الاجتماع، ولكن القلم الذي يستحب الوقوف في جانب الثورة على الهدى، لا يستطيع أن يخطو خطوة إلا بعد أن يضرب بقانون المنطق إلى وراء. وقال الأستاذ: "ولكننا في ثورتنا العامة التي نتخبط فيها اليوم، نعمل على تحطيم كل ما كان لآبائنا من عقائد وتقاليد، دون أن نسارع إلى إقامة سواها". لا ينكر الأستاذ من دعاة التجديد في مصر أن يحاربوا عقائد الدين، وما يقوم عليها من تقاليد، وإنما يثكر عليهم أنهم لم يسارعوا إلى إقامة غيرها بمكانها كما وقع في بعض البلاد الشرقية، فهو يدلنا فيما يكتب على أنه راض عن نزعة من يحطمون العقائد والتقاليد، ثم يتبعون التحطيم بالبناء. ونحن نذكره بأن هادم العقائد والآداب الإسلامية ناكث يده من عروة الدين، فلا يرتاح لصنيعه من يستيقن أن الدين هداية خالصة، وشريعة عامة باقية. تحدث الأستاذ عن دعاة التجديد في مصر، وذكر أن لهم عاملين في الهدم، وهما: التشكيك، وتحقير كل ما له بقية من الاحترام في النفوس، ثم قال: "وهم يعذرون؛ لأنهم مخلصون في محاولاتهم، ولكنهم من طبقة الذين يصلحون للهدم، ولا يصلحون للبناء والتجديد". ثم أشار عليهم مفسر القرآن بأن يقتدوا بالطبيعة في إتباع الهدم بالبناء، فهو لا يلوم دعاة التجديد في إثارة الشكوك، وتحقير كل ماله احترام في النفوس، فقد وصفهم بالإخلاص والصلاح للهدم، وإنما يلومهم في عدم وضعهم بدل ما يهدمونه بالتشكيك أو التحقير شيئاً جديداً.

стр. 1916

قال الأستاذ في مقاله الثاني (١): "وبما أننا نتكلم عن مصر، فإن حركة التجديد فيها وقفت منذ فقد المصريون الملكة الحربية بعد عهد رمسيس الثاني في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ومنذ أصيب كهنتهم بحب المال والسلطة، وطمع الجنود المسترزقة فيها أيضاً، وتوالت غارات الأمم على البلاد، وما تلا هذا كله من الأحداث التي كانت نتائجها ضروباً شتى من الأحوال إلى عهد مؤسس الأسرة المالكة محمد علي باشا ﵀ ". تحدث الأستاذ في هذه الجمل بلسان يضاهي لسان من يجحد فضل الإسلام والعرب، فجعل الفتح الإسلامي غارة من غارات الأمم التي لم تبث في مصر شيئاً من الحياة، ولم تحدث فيها شيئاً من التجدد، وأشعة العلم والأدب والقوة التي ضربت في مصر بعد الفتح الإسلامي لا تعد في نظر الأستاذ من أثر الحياة ولا التجدد النافع في شيء. فإذا كانت تلك الحياة السامية التي أفاضها الإسلام وأولياؤه على مصر قد يدركها في بعض الأحيان ضعف، فليس للأستاذ أن يطرحها من الحساب، ولا يزيد على أن يسميها غارة من غارات الأمم، أفلا يعلم أن للتاريخ عيناً باصرة، وأن حسابه على من يباهته غير يسير؟! ذكر الأستاذ أن الجامعة المصرية لما تأسست لأول عهدها، وتخرج فيها بعض الشبان، تمثلت لهم الحاجة إلى التجديد بكل شدتها، فنادوا بوجوبه، وكتبوا في ذلك مقالات تفيض بالملاحظات الحقة، والنظرات الصادقة، وكان من رأيهم: الإسراع إلى تقمص العقلية الأوربية، والتأدي إلى ما أدت أهلها إليه في جميع ضروب المحاولات الأدبية والمادية. ثم ذكر ثورة بعض الشعوب

стр. 1917

الشرقية، وقال: "فكانت مثالاً حياً ماضياً في قطع أمة برمتها صلاتها بالتقاليد والموروثات القديمة، وفي اقتباس أصول المدنية الغربية على ما هي عليه بدون قيد ولا شرط ". في مصر رجال لم يخرجوا في الجامعة، وقد تمثلت لهم الحاجة إلى التجديد بكل شدتها، ولكنهم ملكوا رشدهم، فلم ينادوا بتقليد أوربا في كل شيء، بل أخذوا يتأملون مظاهر أوربا الأدبية، ووسائل رقيها المادية، ويعرضونها على أصول الاجتماع ومقتضيات الحياة الماجدة، ويستعينون في نقدها بالتاريخ الذي دلّ على أن الأمم لا تخلو من نقائص، ولو بلغت من السطو والغلبة غاية قصوى، فكانوا موفقين في دعايتهم إلى التجديد النافع، مؤيدين في تقويم أولئك الذين يحاولون قطع الأمة عن كل ما له احترام في نفوسها. وليست الثورة التي وصفها بمثال حي أو ميت في قطع أمة برمتها صلاتها بالتقاليد والموروثات القديمة، فإن الأمة التي يتحدث عنها مسلمة، ولها حرص على التمسك بتقاليد دينها، وفيها زعماء يدعون إلى التجديد النافع الذي نسميه بالإصلاح، أما قطع صلاتها بالتقاليد جملة، وإجراء أصول المدنية الغربية عليها بدون قيد ولا شرط، فإنما ينزع إليه منها، ومن الإساءة للتاريخ أن يعمد الكاتب إلى ما يأتيه بعض الأفراد من محظور، فينسبه إلى الأمة بأسرها. تحدث الأستاذ بمقاله الثالث (١) عن حال حكومة نزعت إلى الانقطاع عن الشرق جملة، حتى قال: "فلما دخلت في دور الثورة التي لا تزال فيه

стр. 1918

اليوم، ونادت تحت تأثيره إلى تحطيم كل قديم، وأخذت الجرائد تنقل آراء الغلاة منهم والمعتدلين في وجوب إزالة كل حائل بين الأمة والترقي، مهما كانت درجة قدسيته في نظر الجماهير، صادف ذلك عندنا هوى في أفئدة الذين أساؤوا منهم التجديد، فتوهموه إباحة، فاندفعوا تحت قيادة فئات من المسترزقة الذين ذكرناهم يطلبون استكمال لذاتهم وشهواتهم، متوهمين أن الحياة الجديدة تقتضي ذلك ". ثم قال: "ومتخيلين أنهم على الطريق التي عليها ذلك الشعب الشرقي، بل التي عليها العالم أجمع اليوم". يريد الأستاذ أن يقيم فارقًا بين دعاة التجديد في تلك البلاد، ودعاة التجديد في مصر، فيبرئ الدعاة الأولين، ويمجد خطتهم، ويعيب الدعاة الآخرين، ويسفه أحلامهم. ونحن نلقن الأستاذ أن في مصر دعاة تجديد يسيرون في في عايتهم على نور من الحكمة، وفيها دعاية إلى تقليد الغربيين، ولو فيما يحرمه الدين تحريمًا مغلظًا، وهذه الدعاية هي التي يقوم بها الإباحيون والملاحدة في كل قطر، ولا نظن الإباحة والتهتك في دعاية تلك البلاد أضيق دائرة منها في دعاية مصر، فلم يتحر الأستاذ طريق الإنصاف حين سمّى الدعاية هنالك: دعاية إلى أعلى فضائل الاجتماع، والدعاية في مصر: دعاية لاستكمال اللذات والشهوات. ذكر الأستاذ في ذلك المقال أن قادة الانقلاب في تلك البلاد بيدهم زمام الحكم، وقال: "فهم يوجهون التيار إلى حيث يريدون، بالإقناع أولاً، فإن لم يفد، فبالقوة، وهم يتعهدون ثمرات أعمالهم بكل دقة، ويستطيعون إصلاح ما فسد منها، مثال ذلك: أنهم أباحوا السفور للنساء، والرقص مع الرجال على النحو الذي عليه الأوربيون، ولكنهم لما أنسوا أن هذه الإباحة

стр. 1919

دفعت الصغار إلى غشيان دور الرقص، وأدركوا أن في ذلك مضيعة لأوقاتهم، سنّوا قانوناً ألزموا فيه أصحاب تلك الدور بعدم قبول الفتيان قبل أن يستكملوا الثامنة عشرة من أعمارهم". يفرق الأستاذ بين المجددين في البلاد التي امتلكت عاطفته، والمجددين في مصر؛ بأن يزيد طائفة المجددين هنالك قوة على التنفيذ، وليس يزيد طائفة المجددين في مصر قوة منفذة. ومعنى هذا: أن من بيدهم القوة في مصر ليسوا من المجددين، أو ليسوا من أولي العزم على تنفيذ ما يرونه من التجديد. نعم، في تلك البلاد جراءة متناهية على تنفيذ ما يراه المجددون تخلصاً من العقائد والتقاليد، وجراعة متناهية في الأخذ بتقاليد أوربا، وإن كانت منكرة في نظر الدين، قبيحة في رأي العقل السليم. فإن أراد الأستاذ أن يجعل هذه الجراءة المتناهية مما يرجح بها وزن دعاة التجديد هنالك، فقد أخطأ فيما أراد؛ فإن استخفاف ذي القوة بدين الأمة وتقاليدها القائمة على أصوله، غير محمود الأثر، ولا مأمون العاقبة، وبالأحرى: إذا غلا في الثورة عليه. وإن أراد إغراء أولي القوة في مصر على أن يسلكوا في الجراءة على نبذ التقاليد وما له احترام في النفوس مسلك المتجبّرين، فقد اكتسب إثمًا حيث وضع أصبعه في العمل للثورة على دين الله. وإذا لم يجرؤ أولو القوة في مصر ما جرؤ عليه غيرهم من محاربة العقائد والتقاليد بدون قيد ولا شرط، فلأن في مصر قوة علمية دينية، ولأن الجالس على عرش مصر يقدر الدين الحنيف قدره، ويثق بأن الفلاح وحسن العاقبة في المحافظة على آدابه

стр. 1920

السامية، إذا اجتمع في الرئيسس الأعلى بصيرة نافذة وعزم فاصل، لم يستطع الملحدون والإباحيون إلى القضاء على العقائد الصحيحة والتقاليد القائمة عليها سبيلًا. وقد رأيتم الأستاذ كيف اعترف بأن أولئك القوم أباحوا رقص النساء مع الرجال، ثم ذكر أنهم أصلحوا ما جاء فاسداً من هذه الإباحة، فقصروا الإباحة على من استكملوا ثماني عشرة سنة، وحجروها على من لم يبلغوا هذه السن. فرقص الفتى مع الفتاة وقد بلغا ثماني عشرة سنة - على النحو الذي عليه الأورييون - يعد في نظر الأستاذ من التجديد المقبول، وليس هو من الإباحة التي يطلب بها استكمال اللذات والشهوات، فعلى الأستاذ أن يسوق لنا مثلاً من التجديد الذي أنكره على المجددين في مصر، وقال: إنهم يطلبون به استكمال لذاتهم وشهواتهم، ويكون هذا المثل أدخل في التهتك، وأجمع للذة والشهوة من رقص الفتيان مع الفتيات على النحو الذي عليه الأوربيون اليوم. وقد ذكرت بهذا أن أحد القائمين بمثل الدعاية التي يقوم بها الأستاذ كتب مذكرة يصف بها حال المسلمين في "فنلندا"، ومما جاء في هذه المذكرة: "إن الرجال والنساء يدخلون الحمامات عارين وعاريات، والأبصار مغضوضة، والفروج محفوظة". فلعل الأستاذ يدِّعي للراقصين مع الفتيات هذا العفاف الذي ادعاه صاحب المذكرة للعارين والعاريات من الفنلنديين، فإن ادعى هذا، قلنا له ولصاحب المذكرة: لأن تقولا: إن العفاف ليس بفضيلة، أيسرُ عليكما من أن تلبِسا على الناس معنى العفاف، وتعدّا الخلاعة عملاً سائغاً!.

стр. 1921

نقد آراء الأستاذ فريد وجدي من الناحية الدينية والاجتماعية * المحاضرة الثانية (١): لا نود التعرض لما تكتبه أقلام ليس علينا من حسابها من شيء، ولكنَّ قلمًا كان قد وقف في جانب الإسلام حينًا، ثم تزحزح عن موقفه متحيزًا إلى ناحية أخرى، نخشى أن يتمادى هذا التحيز، فيغير ما في النفوس من رشد، ذلك قلم الأستاذ فريد وجدي، وقد أوردنا في المحاضرة الأولى قِطَعاً من مقالات حاد فيها عن السبيل، واليوم ننقل لحضراتكم من تلك المقالات قطعاً أخرى؛ لتزدادوا خبرة بأن الأستاذ قد خلط بعض الآراء المنبوذة بشيء من الحقائق المألوفة؛ لتسيغها الأسماع، وتتقبلها القلوب وهي في غفلة عن سوء مغبتها. قال الأستاذ في المقال الثالث المنشور تحت عنوان: "الدعوة إلى التجديد": "الانقلاب التركي متهم بمجافاته للدين، ولكنه من هذه الناحية على منهاج كل انقلاب حدث في العالم، ومن يدرس تاريخ الانقلابات الإنكليزية والفرنسية والروسية، يجد ذلك مائلاً أمام عينيه، وسبب هذه المجافاة: أن

стр. 1922

المجددين يتطلبون جواً حراً خالصاً من كل تحكم، فيحدث بطبيعة الحال خلاف بينهم وبين رجال الدين، حتى يتولد العهد الجديد، ويألفه الناس، فيعرف كل قبيل حده الطبيعي، ويقف عنده". ذكر الأستاذ وصف الناس للانقلاب التركي بالمجافاة للدين، وسمّاه اتهامًا، وقد ظننا أنه سينفي عنهم هذه المجافاة، ولكنه اعترف بها، وحاول الاعتذار عنها بأنها جاءت على منهاج كل انقلاب حدث في العالم، وادعى أن لها سبباً يدفع الإنكار، هو: تطلب المجددين لجو حرٌّ خالص من كل تحكم. ونحن نقول: ليس التجافي عن الدين من طبيعة كل انقلاب اجتماعي إلا أن يكون زعماء الانقلاب منصرفين عن الدين انصراف من لا يفقهون حكمته، ومتى كانت نفوس زعماء الانقلاب عامرة بشيء من احترامه، لم يكن منهم إلا أن يوجهوا قوتهم إلى التجديد المعقول، محافظين - في الأقل - على ما أجمع الناس على أنه أصل من أصول الدين الصحيحة، والقوة التي تسطو على الدين، وترهق أولياءه عسفاً، تستطيع أن تتوجه إلى الخير، وتقيم الإصلاح في جو هادئ كيف تشاء، وتجد من الأعوان أكثر مما تجد يوم تتجافى عن الدين، وتتولاها الإباحية الخرقاء، وها هو ذا الانقلاب الأفغاني الأخير لم يجد زعماؤه أنفسهم في حاجة إلى العثور على الدين، بل اتخذوه أساس نهضتهم المباركة، متى استمر زعماؤه على هذه السيرة، دخلوا في حياة راضية، وبلغوا من المدنية الطاهرة ما لا يبلغون منها لو كانوا قوماً يجحدون. فإن قال الأستاذ - ولا أخاله يقول -: لا أسمي نهضة الأفغان الأخيرة انقلاباً اجتماعياً؛ لأنهم لم يثوروا على الدين، ولم يبيحوا رقص الفتيان مع

стр. 1923

الفتيات، ولم ينقلوا قانوناً من بلاد أوربية ليتبدلوه بالشريعة الإسلامية، طوينا بساط البحث معه، وقلنا له: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]. زعم الأستاذ أن الأتراك مضطرون إلى مجافاة الدين بحكم الانقلاب، والتفت يرائي جماعة المسلمين، ويهدئ من روعهم، فزعم أن الخلاف الذي يحدث بين المجددين ورجال الدين سيولد عهدًا يألفه الناس، فيعرف كل من الفريقين حده الطبيعي، فيقف عنده. وهذه المراءاة والتهدئة قد قرأناها لأحد زعماء الزيغ منذ ثلاث سنين، فإن كان الأستاذ قد استمدها منه، أو من المنبع الذي استمد منه ذلك الزعيم، فقد راجت في ذهنه كلمة اخترعت لإرضاء الناقمين على من يحارب الدين بقوة، أما المسلمون، فإنهم ينظرون بنور الله، ويميزون بين الكلمة التي تصدر عن نصيحة، والكلمة التي تلقى إليهم على وجه الاحتيال. قال الأستاذ: "ولكنا نحن من أمر الدين في حال لم يعهد له في تاريخ الأمم شبيه، فإن حركة التجديد عندنا، حتى على ما آلت إليه من تسلط المسترزقة عليها، لم تصطدم بمقاومة من رجال الدين". ثم قال: "فثورة مجددينا على الدين ليس لها معنى ما دامت المقاومة معدومة كما رأيت، فحركة التجديد عندنا - والحال كما ترى - لم تستكمل عناصرها المقومة لها، فسهل على دعاة الشهوات من المسترزقة أن يدفعوها في طريق الإباحة البحتة". لا يتحامى الأستاذ أن يسلك إلى الغاية التي يرمي إليها مسالك تزلزل مكانه العلمي زلزالًا عنيفًا، فقد قال في مجددي تركيا: إنهم ثاروا على الدين ليقيموا الإصلاح في جو حر، ولقن قراء مقالاته: أن حركة التجديد هنالك

стр. 1924

صودمت بمقاومة من رجال الدين، فكانت هذه المقاومة الداعي إلى الثورة على الدين، ثم انتقل إلى الحديث عن حركة التجديد في مصر، فذكر أنها لم تصطدم بمقاومة من رجال الدين، وأقبل على المجددين يعظهم بأن لا معنى للثورة على الدين ما دام رجال الدين لا يعارضونكم في حركة التجديد، ونبه على أنه يريد بهذه الموعظة القدح في رجال الدين في مصرة إذ جعل مقاومة رجال الدين في تركيا عنصرًا من العناصر المقومة للتجديد، وانتهى إلى أن حركة التجديد عندنا ينقصها عنصر هو مقاومة رجال الدين التي تمنعها من الاندفاع في طريق الإباحة. وملخص حديث الأستاذ: أن المجددين في تركيا خير من المجددين في مصرة لأن أولئك يهدمون العقائد والتقاليد، ويضعون بدل الهدم بناء، وهؤلاء يهدمون الأركان أو الأحجار، ولا يضعون بعد الهدم ركنًا ولا حجرًا، ولأن مجددي الأتراك ثاروا على الدين من أجل مقاومة رجال الدين لحركة تجديدهم، ومجددي مصر ثاروا على الدين من غير سبب؛ لأن رجال الدين في مصر يلقون حبل حركة التجديد على غاربها. ونحن نعود فنذكر الأستاذ بأن ثورة من ثار على الدين في تلك البلاد، لا يصح أن يذكر في أسبابها مقاومة رجال الدين لحركة التجديد، فرجال الدين في تركيا كرجال الدين في مصر، قد ينكرون بعض المحدثات، ولا يزيدون على أن يعبروا عن هذا الإنكار بأقلامهم أو ألسنتهم، وقد أقمنا بمرأى ومسمع من رجال الدين في تركيا سنين غير قليلة، فلم نرهم يقاومون التجديد بأشد مما يقاومه رجال الدين في مصر، فدعوى أن علة ثورة المجددين في تركيا على الدين هي مقاومة رجال الدين لحركة التجديد غير معقولة.

стр. 1925

وما ذكره الأستاذ من عدم مقاومة رجال الدين في مصر لحركة التجديد أقل ما يقال فيه: إنه كلام غير مستبين، فإن كان الأستاذ يريد التجديد الخارج عن الكياسة، والذي هو شقيق الإباحية، فما قعد رجال الدين عن مقاومته، وما زالوا يكتبون ويخطبون في تفنيد آراء الفئة التي تدعو إلى تقليد أوربا فيما لا خير فيه، ولعل الأستاذ لم يتيسر له أن يقرأ في أيام عزلته أو سكوته إلا بعض الصحف أو المؤلفات التي تدعو إلى الإباحة أو الجحود، ولو كان يقرأ ما يكتبه أهل العلم في تقويم عوجها، وكشف الغطاء عن سوء سريرتها، لعرف أن العلماء يقاومون حركة التجديد الأرعن، وأقام لثورة المجددين على الدين في مصر من هذه المقاومة عذراً. فإن أراد الأستاذ: أن رجال الدين في مصر لا يقاومون حركة التجديد الصالح- ولا أخاله يريد هذا -, قلنا له: إن رجال الدين في مقدمة الداعين إلى التجديد النافع؛ ففي مصر وغيرها من بلاد الإسلام رجال وصلوا في علم الدين إلى اللباب، وعرفوا ما تقتضيه المدنية من إصلاح، وماذا يجري في الشرق والغرب من أطوار، ولجهاد هؤلاء أثر في بعث الشرق من خموله يفوق كل أثر. ولا يسع المقام لأن أسوق المشاهد على أن لعلماء الإسلام أكبر يد في نهضة الشرق، فاكتفي بأن أورد شاهداً من تلك الشواهد المفحمة، هو أثر من آثار المفتي بتونس الشيخ محمود قبادو (١) المتوفى سنة ١٢٨٨، فقد قام يدعو إلى الإصلاح ومجاراة أوربا في العلوم والفنون والصنائع في قصائد مختلفة، وأذكر من قصيدة له تلاها على الوزير خزندار الأبيات الآتية:

стр. 1926

وما خسر الإنسانُ وجهَ سعادة ... إذا من فنون العلم وفِّر سهمُه فما الجسم إلا خادمُ المالِ ساعيًا ... وما المال إلا خادم الجاه لمّه وما الجاه إلا خادم الملك لائذاً ... وما الملك إلا خادم الشرع حزمُه وما الشرع إلا خادم الحق مرشداً .... وبالحق قام الكون وانزاح ظلمُه ثم قال: فمن علم الأشياء وفى حقوقها ... ودان له فيما يحاول خصمه وكل فنون العلم للملك نافع ... ولا سيما ما ساير الملك حكمه أرى الملك مثل الفلك تحت رئيسه ... عويزًا إلى الأعوان فيما يؤمه فذلك نوتيٌّ يعين بفعله ... وآخر خِرّيت قصاراه علمه ومقصده جري السفين وحفظها ... ليسلم كلٌّ أو ليعظم غنمه أيركب هوله البحر دون مقاوم ... وفي طيه حرب كما يؤذن اسمه لذاك ترى ملك الفرنج مؤثلاً ... بعلم على الأيام يمتد يمه ومملكة الإسلام يقلص ظلها ... وينقص من أطرافها ما تضمه على أنها أجدى وأبسط رقعة ... وأوسط إقليماً من الطبع عظمه وأعرق في منمى الحضارة موقعًا ... وأطول باعاً يفلق الهام دمه وقدمًا تناهت في الفنون توغلاً ... وجمع طم الصنع فيها ورمه ثم قال: فمن لم يجس خبر أوربا وملكها ... ولم يتغلغل في المصانع فهمه فذلك في بن البلاهة داجن ... وفي مضجع العادات يلهيه حلمه

стр. 1927

ومن لزم الأوطان أصبح كالكلا ... بمنبته منماه ثمة حطمه هم غرسوا دوح التمدن فرعه الـ ... ـرياضي والعلم الطبيعي جذمه فكان لهم في ظله متقيلٌ ... من الصول يحمي بالمكائد أطمه أيجمل يا أهل الحفيظة أنهم ... يبزوننا علماً لنا كل فخمه لقد فاتنا في بادئ الرأي صوبنا ... وأشفى لعمري أن يفوت ختمه تباعد شوطاً مقدم ومقهقر ... إذا لم يحن منه التفاف يزمه لعمري ليس الميت من أودع الثرى ... ولكن مطيق للغنى بأن عدمه * نقد مقالة: سطوة الإلحاد على الأديان: حكى الأستاذ في هذا المقال أن الإلحاد بدأ في القرن السابع قبل الميلاد على يد الفيلسوف اليوناني "طاليس"، وتقبل رأيه طائفة من فلاسفة اليونان، وكان مرماهم جميعاً التدليل على قيام الوجود بنفسه مستغنياً عن مدبر حكيم، فلم تقم لرأيهم قائمة بسبب شدة تمسك الناس بأديانهم، وقال من بعد: "ثم تطورت الآراء حتى جاء زمان أصبح الدليل فيه حاجة من حاجات العقول، فوجد الإلحاد مجالاً للظهور باعتبار أنه رأي علمي حق المثول بين الآراء المتباينة، ولم يكد يعطى هذا الحق، حتى نزع إلى الإعلان عن نفسه بأنه الرأي الوحيد الذي يوفي بحاجات العقول؛ إذ يستند إلى العلوم اليقينية القائمة على المشاهدة والتجربة، وأما ما عداه، فأساسه الهوى والخيال، وما قام الدليل المحسوس على منافاته للبداهات العقلية المقررة". لا نناقش الأستاذ فيما تحدث به من بداية الإلحاد، ولا في إخفاقه حين قام يسعى بين المتمسكين بأديانهم، ولا في تطور الآراء حتى أصبح الدليل

стр. 1928

حاجة من حاجات العقول، وللأستاذ أن يصف الإلحاد بأنه رأي علمي له حق المثول بين الآراء المتباينة، ولنا أن نقول: للإلحاد أن يمثل بين الآراء المتباينة، ريثما تتناوله العقول بالنقد، فإذا وضع على محك النظر، استبان أنه رأي زائف، منشؤه قلة الروية، والوقوف في البحث عند غاية تتجاوزها العقول وهي مهتدية بنور العلم، معتصمة بقانون المنطق، وإذا أعلن الإلحاد عن نفسه بأنه يفي بحاجات العقول، نادته العقول أنفسها أن ليس في إنكار مدبر حكيم ما يقضي لها حاجة واحدة، فضلاً عن أن يفي بحاجاتها، وما جاء في وصف الإلحاد من أنه يستند إلى العلوم اليقينية القائمة على المشاهدة والتجربة، وأن ما عدا الإلحاد قائم على أساس الهوى والخيال، مدفوع بأن ليس في العلوم اليقينية القائمة على المشاهدة والتجربة ما يصح أن يكون مستنداً للإلحاد، وليس فيها ما يعترض الدين في سبيل، فإن ادعى الإلحاد أنه يستند إلى العلوم اليقينية، فقد افترى على هذه العلوم كذباً. ثم قال الأستاذ: "فنشبت بين الإلحاد والدين من ذلك العين - القرن السادس عشر - معركة فاصلة لا تزال رحاها دائرة، استخدم فيها رجال الدين في أول عهدهم بها ما كان لهم من سلطان على الحكومات والعامة، فأسرفوا في البطش بخصومهم، لا بقوة الدليل، ولكن بقوة الحديد والنار". يذكر الأستاذ في حديثه رجال الدين باطلاق، ثم يقابلهم بالإلحاد، ويعبر في بعض الجمل برجال الأديان، فإذا ناقشناه، فمن ناحية تحقيق البحث بالنظر إلى رجال الدين الإسلامي. إذا تتبعنا تاريخ رجال الدين في الإسلام، نجدهم يرجعون في مقاومة الالحاد إلى الحجة، وما قامت طائفة الملاحدة بدعاية ظاهرة أو خفية،

стр. 1929

فيخشى أولو الأمر من أن يتفشى وجاء الإلحاد في الناس، فيفسد النفوس، ويفتك بالأخلاق الفاضلة، فيقضي عليهم النصح للأمة، والعمل لسعادتها أن يقطعوا شر الإلحاد عن العامة والأحداث، ولو بالقوة. وقد دلت المشاهدة على أن من دعاة الإلحاد من لا ينقطعون عن دعايتهم، ولو أقمت لهم على ضلالهم ألف دليل، وإذا كان لأحدهم سبيل على طائفة من نشئنا، أخذ ينفخ فيهم روح الإلحاد على طريقة مبيتة، ومتى كان في الرئيس الأعلى غفلة وقلة صفاء، وجد أولئك الدعاة تحت رعايته المجال واسعًا، فعاثوا في الفطر السليمة فساداً، فلا يمضي حين حتى يتولد حولهم جماعات مطويات على ما تنطوي عليه الأراقم من سموم قاتلة، فإن كان الرئيس على بصيرة، أشفق على تلك الفطر أن تشوَّه، ووقاها من كل دعاية خرقاء، والرئيس الحازم لا يفوته أن لحرية الفكر حدوداً إذا تجاوزتها، كان إثمها أكبر من نفعها، ولا يدخل في حدودها الطعن في الدين، أو الجهر بآراء تنتزع النفوس من العفاف، وتقودها إلى الإباحية العمياء. ومن مثار العجب أن يشكو دعاة الإلحاد حزم الرئيس المصلح واحتراسه من مكرهم، ويسمونه، اعتداء على حرية الفكر، حتى إذا ملك أحدهم قوة، أرهق بها فضلاء الناس خسفاً، ولا يكون من أولئك الذين كانوا يندبون حرية الفكر إلا أن يتغنوا بمديحه في الصحف، ويسمون إرهاقه الغاشم إصلاحاً. قال الأستاذ: "ثم تقدم الزمان، وأفلتت الحكومات من سلطان رجال الدين، فاقتصر سلاح الدين على ما كان لديه من قوة الإقناع، في هذه الأثناء كان العلم الطبيعي يؤتي ثمراته من استكشاف المجهولات، وتخفيف الويلات، وتوقية الصناعات، وابتكار الأدوات والآلات، ويعمل على تجديد الحياة

стр. 1930

البشرية تجديداً رفعها عن المستوى، فشعر الناس بفارق جسيم بين ما انتهوا إليه في عهد الحياة الحرة، وتحت سلطان العلوم المادية، وبين ما كانوا عليه أيام خضوعهم لحفظة العقائد، فانتهز الإلحاد فرصة هذا الشعور الجديد، وازداد كليًا على مهاجمة الدين، واستهتر في مطامعه، فرمى إلى القضاء عليه القضاء الأخير". عبّر الأستاذ بخروج الحكومات من سلطان رجال الدين، وهو يريد خروجها من سلطان الدين نفسه، وذكر أن عهد خروجها من سلطان الدين أرقى من عهد خضوعها له، وسمَّى الأول: عهد الحياة الحرة، والثاني: عهد الخضوع لحفظة العقائد. والواقع أن في كل عصر من العصور الماضية طائفة يدرسون مع العلوم الدينية العلوم النظرية، والفنون الأدبية، وفي كل عصر علماء لا يغفلون في تقرير الأحكام الدينية عن المصالح الاجتماعية، فمن الإنصاف أن نقول: أشد الناس صداقة للعلوم والتجديد الصالح علماء الإسلام. وشاهد هذا: أنه حين تيقظ بعض رجال الدولة الإسلامية لمقتضيات المدنية، وجدوا من الرجال الراسخين في العلم مساعدة على كل ما أرادوا القيام به من إصلاح، يعرف هذا من اطلع على تاريخ النهضة الإسلامية في مثل مصر وتونس، ولكن الذي يزعم أن علماء الدين كانوا عقبة في سبيل الرقي، إما أنه ينظر إلى بعض من ينتمون إلى الدين وهم لا يفقهون من روحه شيئاً، فيرسل حكمه على علماء الدين مطلقاً، وإما أن يعد إنكارهم للفسوق والخلاعة والطعن في الدين معارضة للحرية، ووقوفاً في سبيل التجديد، وهم لم يريدوا إلا حماية الفضيلة، وسد ذرائع الفساد.
следующие страницы →