وما خسر الإنسانُ وجهَ سعادة ... إذا من فنون العلم وفِّر سهمُه
فما الجسم إلا خادمُ المالِ ساعيًا ... وما المال إلا خادم الجاه لمّه
وما الجاه إلا خادم الملك لائذاً ... وما الملك إلا خادم الشرع حزمُه
وما الشرع إلا خادم الحق مرشداً .... وبالحق قام الكون وانزاح ظلمُه
ثم قال:
فمن علم الأشياء وفى حقوقها ... ودان له فيما يحاول خصمه
وكل فنون العلم للملك نافع ... ولا سيما ما ساير الملك حكمه
أرى الملك مثل الفلك تحت رئيسه ... عويزًا إلى الأعوان فيما يؤمه
فذلك نوتيٌّ يعين بفعله ... وآخر خِرّيت قصاراه علمه
ومقصده جري السفين وحفظها ... ليسلم كلٌّ أو ليعظم غنمه
أيركب هوله البحر دون مقاوم ... وفي طيه حرب كما يؤذن اسمه
لذاك ترى ملك الفرنج مؤثلاً ... بعلم على الأيام يمتد يمه
ومملكة الإسلام يقلص ظلها ... وينقص من أطرافها ما تضمه
على أنها أجدى وأبسط رقعة ... وأوسط إقليماً من الطبع عظمه
وأعرق في منمى الحضارة موقعًا ... وأطول باعاً يفلق الهام دمه
وقدمًا تناهت في الفنون توغلاً ... وجمع طم الصنع فيها ورمه
ثم قال:
فمن لم يجس خبر أوربا وملكها ... ولم يتغلغل في المصانع فهمه
فذلك في بن البلاهة داجن ... وفي مضجع العادات يلهيه حلمه
стр. 1927
ومن لزم الأوطان أصبح كالكلا ... بمنبته منماه ثمة حطمه
هم غرسوا دوح التمدن فرعه الـ ... ـرياضي والعلم الطبيعي جذمه
فكان لهم في ظله متقيلٌ ... من الصول يحمي بالمكائد أطمه
أيجمل يا أهل الحفيظة أنهم ... يبزوننا علماً لنا كل فخمه
لقد فاتنا في بادئ الرأي صوبنا ... وأشفى لعمري أن يفوت ختمه
تباعد شوطاً مقدم ومقهقر ... إذا لم يحن منه التفاف يزمه
لعمري ليس الميت من أودع الثرى ... ولكن مطيق للغنى بأن عدمه
* نقد مقالة: سطوة الإلحاد على الأديان:
حكى الأستاذ في هذا المقال أن الإلحاد بدأ في القرن السابع قبل الميلاد على يد الفيلسوف اليوناني "طاليس"، وتقبل رأيه طائفة من فلاسفة اليونان، وكان مرماهم جميعاً التدليل على قيام الوجود بنفسه مستغنياً عن مدبر حكيم، فلم تقم لرأيهم قائمة بسبب شدة تمسك الناس بأديانهم، وقال من بعد: "ثم تطورت الآراء حتى جاء زمان أصبح الدليل فيه حاجة من حاجات العقول، فوجد الإلحاد مجالاً للظهور باعتبار أنه رأي علمي حق المثول بين الآراء المتباينة، ولم يكد يعطى هذا الحق، حتى نزع إلى الإعلان عن نفسه بأنه الرأي الوحيد الذي يوفي بحاجات العقول؛ إذ يستند إلى العلوم اليقينية القائمة على المشاهدة والتجربة، وأما ما عداه، فأساسه الهوى والخيال، وما قام الدليل المحسوس على منافاته للبداهات العقلية المقررة".
لا نناقش الأستاذ فيما تحدث به من بداية الإلحاد، ولا في إخفاقه حين قام يسعى بين المتمسكين بأديانهم، ولا في تطور الآراء حتى أصبح الدليل
стр. 1928
حاجة من حاجات العقول، وللأستاذ أن يصف الإلحاد بأنه رأي علمي له حق المثول بين الآراء المتباينة، ولنا أن نقول: للإلحاد أن يمثل بين الآراء المتباينة، ريثما تتناوله العقول بالنقد، فإذا وضع على محك النظر، استبان أنه رأي زائف، منشؤه قلة الروية، والوقوف في البحث عند غاية تتجاوزها العقول وهي مهتدية بنور العلم، معتصمة بقانون المنطق، وإذا أعلن الإلحاد عن نفسه بأنه يفي بحاجات العقول، نادته العقول أنفسها أن ليس في إنكار مدبر حكيم ما يقضي لها حاجة واحدة، فضلاً عن أن يفي بحاجاتها، وما جاء في وصف الإلحاد من أنه يستند إلى العلوم اليقينية القائمة على المشاهدة والتجربة، وأن ما عدا الإلحاد قائم على أساس الهوى والخيال، مدفوع بأن ليس في العلوم اليقينية القائمة على المشاهدة والتجربة ما يصح أن يكون مستنداً للإلحاد، وليس فيها ما يعترض الدين في سبيل، فإن ادعى الإلحاد أنه يستند إلى العلوم اليقينية، فقد افترى على هذه العلوم كذباً.
ثم قال الأستاذ: "فنشبت بين الإلحاد والدين من ذلك العين - القرن السادس عشر - معركة فاصلة لا تزال رحاها دائرة، استخدم فيها رجال الدين في أول عهدهم بها ما كان لهم من سلطان على الحكومات والعامة، فأسرفوا في البطش بخصومهم، لا بقوة الدليل، ولكن بقوة الحديد والنار".
يذكر الأستاذ في حديثه رجال الدين باطلاق، ثم يقابلهم بالإلحاد، ويعبر في بعض الجمل برجال الأديان، فإذا ناقشناه، فمن ناحية تحقيق البحث بالنظر إلى رجال الدين الإسلامي.
إذا تتبعنا تاريخ رجال الدين في الإسلام، نجدهم يرجعون في مقاومة الالحاد إلى الحجة، وما قامت طائفة الملاحدة بدعاية ظاهرة أو خفية،
стр. 1929
فيخشى أولو الأمر من أن يتفشى وجاء الإلحاد في الناس، فيفسد النفوس، ويفتك بالأخلاق الفاضلة، فيقضي عليهم النصح للأمة، والعمل لسعادتها أن يقطعوا شر الإلحاد عن العامة والأحداث، ولو بالقوة.
وقد دلت المشاهدة على أن من دعاة الإلحاد من لا ينقطعون عن دعايتهم، ولو أقمت لهم على ضلالهم ألف دليل، وإذا كان لأحدهم سبيل على طائفة من نشئنا، أخذ ينفخ فيهم روح الإلحاد على طريقة مبيتة، ومتى كان في الرئيس الأعلى غفلة وقلة صفاء، وجد أولئك الدعاة تحت رعايته المجال واسعًا، فعاثوا في الفطر السليمة فساداً، فلا يمضي حين حتى يتولد حولهم جماعات مطويات على ما تنطوي عليه الأراقم من سموم قاتلة، فإن كان الرئيس على بصيرة، أشفق على تلك الفطر أن تشوَّه، ووقاها من كل دعاية خرقاء، والرئيس الحازم لا يفوته أن لحرية الفكر حدوداً إذا تجاوزتها، كان إثمها أكبر من نفعها، ولا يدخل في حدودها الطعن في الدين، أو الجهر بآراء تنتزع النفوس من العفاف، وتقودها إلى الإباحية العمياء.
ومن مثار العجب أن يشكو دعاة الإلحاد حزم الرئيس المصلح واحتراسه من مكرهم، ويسمونه، اعتداء على حرية الفكر، حتى إذا ملك أحدهم قوة، أرهق بها فضلاء الناس خسفاً، ولا يكون من أولئك الذين كانوا يندبون حرية الفكر إلا أن يتغنوا بمديحه في الصحف، ويسمون إرهاقه الغاشم إصلاحاً.
قال الأستاذ: "ثم تقدم الزمان، وأفلتت الحكومات من سلطان رجال الدين، فاقتصر سلاح الدين على ما كان لديه من قوة الإقناع، في هذه الأثناء كان العلم الطبيعي يؤتي ثمراته من استكشاف المجهولات، وتخفيف الويلات، وتوقية الصناعات، وابتكار الأدوات والآلات، ويعمل على تجديد الحياة
стр. 1930
البشرية تجديداً رفعها عن المستوى، فشعر الناس بفارق جسيم بين ما انتهوا إليه في عهد الحياة الحرة، وتحت سلطان العلوم المادية، وبين ما كانوا عليه أيام خضوعهم لحفظة العقائد، فانتهز الإلحاد فرصة هذا الشعور الجديد، وازداد كليًا على مهاجمة الدين، واستهتر في مطامعه، فرمى إلى القضاء عليه القضاء الأخير".
عبّر الأستاذ بخروج الحكومات من سلطان رجال الدين، وهو يريد خروجها من سلطان الدين نفسه، وذكر أن عهد خروجها من سلطان الدين أرقى من عهد خضوعها له، وسمَّى الأول: عهد الحياة الحرة، والثاني: عهد الخضوع لحفظة العقائد.
والواقع أن في كل عصر من العصور الماضية طائفة يدرسون مع العلوم الدينية العلوم النظرية، والفنون الأدبية، وفي كل عصر علماء لا يغفلون في تقرير الأحكام الدينية عن المصالح الاجتماعية، فمن الإنصاف أن نقول: أشد الناس صداقة للعلوم والتجديد الصالح علماء الإسلام.
وشاهد هذا: أنه حين تيقظ بعض رجال الدولة الإسلامية لمقتضيات المدنية، وجدوا من الرجال الراسخين في العلم مساعدة على كل ما أرادوا القيام به من إصلاح، يعرف هذا من اطلع على تاريخ النهضة الإسلامية في مثل مصر وتونس، ولكن الذي يزعم أن علماء الدين كانوا عقبة في سبيل الرقي، إما أنه ينظر إلى بعض من ينتمون إلى الدين وهم لا يفقهون من روحه شيئاً، فيرسل حكمه على علماء الدين مطلقاً، وإما أن يعد إنكارهم للفسوق والخلاعة والطعن في الدين معارضة للحرية، ووقوفاً في سبيل التجديد، وهم لم يريدوا إلا حماية الفضيلة، وسد ذرائع الفساد.
стр. 1931
فلا عذر للحكومات التي تفلت من سلطان الدين ما دامت تجد في رجاله الراسخين من يهديها السبيل المستبين، ويريها أن الدين يفسح للناس المجال حتى ينتهوا إلى الحياة الحرة، ويخوضوا في العلوم المادية إلى أبعد مدى.
ويخيل الأستاذ لقراء مقاله أن الحياة الحرة في إفلات الحكومات من سلطان الدين، وقد دلنا التاريخ، بل العصر الحاضر أن من الحكومات التي تفلت من سلطان الدين، وتنكث يدها منه جملة، تطلق للناس مجال الطعن في الدين، وتناوئ كل من يعظها في منكر، وترميه بعدم الإخلاص أو الطاعة، فأين الحياة الحرة عند إفلات الحكومات من سلطان الدين؟!.
وليست الحياة الحرة هي التي تجعل الإلحاد يطمع في أن يقضي على الدين القضاء الأخير كما يقول الأستاذ، وإنما يطمع الإلحاد في القضاء على الدين متى رأى أميراً أو وزيراً أو رئيس معهد علمي يحمل في صدره الإنكار والفسوق، ويرفع الملحدين على المتدينين درجات.
قال الأستاذ: "فلو كان خطأ رجال الدين وقف عند هذا الحد - يعني: إسرافهم في البطش بخصومهم الملاحدة -، لكان- مع الاعتراف بأنه حوب كبير- من الأمور التي وقعت فيها الطوائف، قديماً وحديثًا في الاجتماع والسياسة معاً، ولكنهم يشتركون في أمر ليس له ضريب في تاريخ الطوائف، وهو إجماعهم في كل مكان على إحباط ما جدَّ في العالم العلمي من المباحث التي ترمي إلى الوقوف على حدود العالم الروحاني على أسلوب العلم الطبيعي نفسه من المشاهدة والتجربة، واعتبار القائمين بها من عليه العلماء، وجلة الفلاسفة والمفكرين، فضوليين يشتغلون بما ليس من اختصاصهم من أمور
стр. 1932
الروح والروحانيات التي يحسبون أنفسهم من محتكريها دون غيرهم".
يريد الأستاذ بما جدّ في العالم الروحي: ما كان من قبيل التنويم المغناطيسي، واستحضار الأرواح، ويتهم رجال الدين بإحباط مساعي الباحثين في حدود العالم الروحاني، بدعوى أنهم يريدون احتكارها لأنفسهم دون غيرهم، ولو لم يقل الأستاذ: "في كل مكان"، لقلنا: يقصد طائفة خاصة من رجال الدين، ولكنه جرى على عادته في التعميم، فجرته المبالغة إلى الإخبار بما لا يعرفه الناس واقعاً.
والمشاهد أن من علماء الدين من يتلقى أحاديث هذه المباحث بقبول، فيثق بما يورده الكاتبون في شأنها، ويسبوقه تأييدًا لما قرره الدين من أن وراء هذه المادة عالماً روحانيًا، ومنهم من لا يبادر هذه الأحاديث بالإنكار، ولكنه يتحامى أن يعتمد عليها في بحثه العلمي؛ لأنه لم يدرس تلك المباحث بنفسه درس مشاهدة أو تجربة، وها نحن أولاء نخالط رجال الدين في العشي والإبكار، وكثيراً ما ينساق الحديث إلى هذا الذي جدَّ في العالم الروحي، فلم نشعر بهذا الذي يتهمهم به الأستاذ؛ أعني: اعتبارهم للقائمين بالمباحث الروحية فضوليين يشتغلون بما ليس من اختصاصهم.
قال الأستاذ: "فإلى أي حد ينتهي عجب القارئ إذا علم أن علوم الطبيعة والكيمياء والجغرافيا والفلك، وتاريخ الأديان، والتاريخ العام، والفلسفة إلخ لم تدع في الأديان مذهباً مقرراً، ولا أصلاً مدعماً إلا أوسعته نقداً على أسلوبها، ونقضته وقوفًا مع مقرراتها الرسمية".
لا تنال هذه العلوم من حقائق الدين كثيراً أو قليلاً، وقد رأينا فيمن قتلوها علماً من يستنيرون بإيمان لا يحوم عليه ريب، والذين يحاربون الدين،
стр. 1933
ويزعمون أنهم يستندون إليها، لم يستطيعوا أن يقيموا من مقرراتها الصحيحة شاهداً على أن فيها ما ينقض أصلاً من أصول الدين مدعمًا، وإذا زاغ فريق من أصحاب هذه العلوم، فإنما جاءهم الزيغ من الناحية التي يجيء منها إلى فريق لم يعرفوا لهذه العلوم إلا أسماء، وقد حاول بعض الملحدين أن يتخذ من هذه العلوم مستنداً، فلم يزد على أن دل الناس على أنه لم يفهم ما يقرره الدين، أو أنه لا يعرف قانون المنطق والشروط التي لا يستقيم الاستدلال إلا بمراعاتها.
قال الأستاذ: "قلنا: إلى أي حد ينتهي عجب القارى" إذا علم أن حفظة العقائد في كل مكان، أجمعوا أمرهم على محاربة هذه الفتوحات العلمية التي إذا ثبت في يوم من الأيام أنها ضلالة، فقدت أخص العقائد في الأديان كل أساس علمي، وأصبحت جميع مقرراتها مما لا يمكن الدفاع عنه بأية وسيلة من الوسائل".
قد أريناكم أن من حفظة العقائد من يتقبل هذا الذي يسميه الأستاذ: فتوحات علمية، ويورده تأييدًا لما عنده من أدلة على وجود عالم وراء المادة، ومنهم من وقف منها موقف المنتظر حتى يتسنى له أن يعلمها على طريق المشاهدة والتجربة، فدعوى الأستاذ إجماعَ حفطة العقائد في كل مكان على محاربة هذه الفتوحات، من قبيل المبالغات التي تقتحمها أقلام تسعى للتنفير من الدين على طريق الحط من شأن علماء الدين.
ثم ماذا يريد الأستاذ بدعوى أن المباحث الروحية التي يقوم بها بعض الأوروبيين متى ظهر بطلانها، فقدت العقائد في الأديان كل أساس علمي، وأصبحت جميع مقرراتها لا يمكن الدفاع عنها بأية وسيلة من الوسائل؟.
стр. 1934
يريد: أنه إذا ثبت أن تلك المباحث غير صحيحة على معنى: أن أولئك الباحثين غير صادقين في دعواهم أنهم استندوا فيها إلى المشاهدة والتجربة، انتقضت العقائد الدينية من أساسها، وهذا مردود بأن العقائد الدينية تقوم على أساس من الأدلة العلمية متين، فلا يضرها أن يفشل أولئك الباحثون، فلا يصلوا إلى إدراك ما وراء الطبيعة على طريق المشاهدة أو التجربة.
قال الأستاذ: "إن كان الدينيون يعلمون من أين أتى مقرراتهم الوهن، وتطرق إلى أصولهم الانحلال، لتطلبوا الوسائل لتقوية معاقلهم الدفاعية، واتخذوا من الأسلحة ما يمكنهم من الوقوف أمام هجمات العلم المتوالية".
يرى الأستاذ أن الوهن والانحلال قد دخلا على مقررات الدين وأصوله، وأسباب الوهن والانحلال في زعمه هي هجمات العلم المتوالية، والواقع أن مقررات الدين لم يأتها وهن، وأصوله لم يتطرقها الانحلال، فإن أراد من العلم: النظريات التي استقرت على وجهها الصحيح، ورفع العلماء أيديهم من بحثها، فهذه لا تهاجم الدين في حال، وإن أراد من العلم: النظريات التي لم تتعد مراتب الظنون، فهذا الصنف قد يوجد فيه ما يخالف الدين، ولكنه لا يزلزل أصلاً قائماً على أساس من الدين، فضلاً عن أن ينقضه نقضًا، ومع هذا، فإننا ممن يحث المتدينين على أن يطلقوا أعنتهم في المباحث العلمية، مادية أو روحية؛ لأنها تزيد معاقلهم الدفاعية قوة على قوتها.
قال الأستاذ: "وهم - يعني: رجال الدين - يرون أن العلم والفلسفة ينقصان من أطرافهم كل يوم، وأن الناس يتسللون عنهم زرافات، حتى لم يبق سواهم في المجال الذي هم فيه، فابتنى على ذلك: أن الفلسفة المادية التهمت الطبقات المتعلمة، وأصبحت عنصراً من عناصر روح العصر الحاضر،
стр. 1935
تنتزل منها العادات والآداب والأخلاق، بل والأنظمة والقوانين والمثل العليا".
لا ينقص العلم والفلسفة المعقولة من أطراف المتدينين ذرة، وإذا نقصت الفلسفة الزائفة من أطراف المتدينين نفراً، فلأنها وجدت نفوسًا لم تتلقن تعاليم الدين على طريقة الاستدلال الصحيح. وقد بالغ الأستاذ في دعواه أن الناس تسللوا عن المتدينين حتى لم يبق في المجال الذي هم فيه غيرهم. ولا أخال نظر الأستاذ إلا أنه قد سبق إلى بيئة يتجول فيها الزيغ في صلابة جبين، فقاس عليها البيئات التي لم يطأ أرضها، ولم يجس نبضها، ولو كان ممن يزنون القول وزناً، لما تطوح في المبالغة إلى هذا المكان البعيد.
فالفلسفة المادية لا تلتهم الطبقات المتعلمة، وإنما تلتهمهم سموم ينفثها فيهم بعض من يتولى تعليمهم من الزائغين وهم على فطرتهم الأولى. وقد دلنا تتبع حركة الإلحاد: أن في دعاة الإلحاد من لم يدرس الفلسفة المادية قط، أو لم يعرف منها إلا مبادئ يسيرة، ولكنه ينال مظهراً وجيهًا، فيفسد طائفة من النفوس، ويربيها على الجمود والإباحة تربية لا تمت للفلسفة المادية بصلة.
قال الأستاذ: "الذي يلوح في أن هذا الإلحاد سيبلغ أقصى مداه في الشرق والغرب معًا، وسيدفع في تياره الناس كافة، إلا أفرادًا تابعوا العلم في تطوره، وتطوحوا معه إلى أبعد مغامراته".
يحدثنا الأستاذ أن الإلحاد يستند إلى العلم والفلسفة المادية، وأن الناس يتسللون عن المتدينين أفواجًا أفواجًا، وزعم أن الإلحاد سيبلغ أقصى مداه في الشرق والغرب معًا، وسيأخذ في تياره الناس كافة، ما عدا أفراداً تابعوا العلم في تطوره، وأراد بهؤلاء الأفراد: من يشتغلون بالمباحث الروحية
стр. 1936
على طريق المشاهدة والتجربة، فقد قال في هذا المقال: "وإن المبحث الوحيد الذي يصلح لأن يصد هذا التيار الجارف، هو ما ثبت بجهاد أولئك الكملة من وجود عالم أرقى من عالم المادة، هو المؤثر فيها، والمصرف لقواها".
ثم خطر على بال الأستاذ سؤال هو: أن يقول قائل: ما بال أولئك الكملة من أصحاب المباحث الروحية لا يتكلمون فينقذون العالم من تيار الإلحاد؟ فقال: "وهؤلاء لا يقوون على صد العالم أجمع محفوزاً بعوامل لا تغالب من مقررات الفلسفة المادية صاحبة السلطان اليوم".
يدعي الأستاذ أن الإلحاد - الذي هو أبو الإباحية - سائد في هذا العصر، ولا مخلص للعالم من سلطانه، بانياً هذه الدعوى على أن رجال الدين لا يملكون لمقاومة الإلحاد سلاحًا، وأصحاب المباحث الروحية لا يجدون أذنًا واعية، فعلى رجال الدين إذن أن لا يقفوا في وجه الإلحاد؛ فإن الأعزل لا يقف في وجه شاكي السلاح، وعلى أصحاب المباحث الروحية أن يسالموا الإلحاد؛ لأنه استولى على كل سمع، واحتل كل نفس، وفي يده من الفلسفة المادية سلاح لا يغالب، فكان الأستاذ يتيسر على علماء الدين أن يقلعوا عن دعايتهم، ويقبلوا على شأنهم، ولكن هؤلاء العلماء يشعرون بأن لديهم أسلحة تصرع الإلحاد على فيه، ويثقون بأن النفوس التي يسبق إليها تعليم ديني حكيم تصبح في حصانة من أن يمسها الإلحاد، ولو خاضت غمار الفلسفة المادية، وأمعنت في كل باب من أبوابها.
زعم الأستاذ أن لا غالب للإلحاد في هذا العصر؛ لأنه عصر الفلسفة المادية، وتخبط في حديثه تخبط من لا يقدر الدعوة إلى الهداية قدرها، وكأنه
стр. 1937
خشي أن يكون في صدور المتدينين من هذه الاراء الجافية حرج، فعاد إلى أن قال: إذا تم الظفر للإلحاد، وبشمت النفوس من الرتوع في حمأة الإباحية، وغرقت المواهب الإنسانية في قذر الحياة الحيوانية، عادت الفطرة الإنسانية، فحولت قوى الإنسان المعنوية إلى عادة النظر في موقفها، فوجدت ذخرًا من العلم الصحيح عن الروح وعالمها، فأصابت ما يقيمها على الصراط السوي في حياتيها معاً.
كذلك الذي لا يثبت في حياته الأدبية على خطبة صريحة خالصة، فإنه يريد أن يرضي عواطفه إرضاء بالغًا، ولا يغضب قراء ما يكتبه إغضابًا شديداً، فلا مفر له من أن يقع إما في رياء، وإما في تناقض.
يذهب الأستاذ إلى أن الإلحاد يستند إلى الفلسفة المادية، وأن الفلسفة المادية هي عنصر من عناصر العصر الحاضر، ويصرح بأن تيار الإلحاد قد جرف الناس في هذا العصر، ويعترف بأن الإلحاد مدعاة إلى الرتوع في حمأة الإباحة، والغرق في قذر الحيوانية، ويقول مع هذا كله: إن العصر الحاضر نفحة إلهية.
فالأستاذ إما أن يكون معتقداً أن العصر الحاضر نفحة إلهية، ويعد الإلحاد السائد فيه من جملة العناصر الأدبية التي فضل بها كل ما تقدمه من العصور، وتكون هذه الكلمات التي عاب بها الإلحاد قد صدرت عن غير عقيدة، وإما أن يكون معترفًا بأن الإلحاد منشأ كل شر، فيضطر إلى الاعتراف بأن العصر الذي يسود فيه الإلحاد، وتتفشى فيه الإباحة، لا تكون عناصره الأدبية أرقى من كل ما سبقها في العصور الماضية.
فلنعتمد في تأويل هذه الكمات على أن الأستاذ قد نقض قوله: "إن
стр. 1938
العصر الحاضر نفحة إلهية"، ويبقى لنا أن نرد عليه زعمه أن الإلحاد سيشمل من في الأرض جميعاً، إنما يتخلص منه من بعد على يد تلك المباحث الروحية، ونقول له: في كل سكينة وطمأنينة: إن تلك المباحث الروحية لا تقوى على مكافحة الإلحاد، وإنقاذ الناس من قذر الشهوات الحيوانية، والنفوس التي لا تهتدي بالحجج الساطعة، والحكم البالغة، لا يخرجها من ظلمات الإلحاد أن تستكشف بالمشاهدة أو التجربة شيئاً من وراء هذه المادة يسمى: "روحاً".
وها نحن أولاء نلقى في كل يوم من يحدثنا عن هذه المباحث الروحية حديث المستيقن بصحتها، ثم لا يتحاشى أن يبسط لسانه، أو يطلق قلمه بتحبيذ الإلحاد، والدعوة إلى الإباحية باسم التجديد، فإن كان لا يشعر بأنه يشد أزر الإلحاد، ويغري الإباحية على أن تنتشر في الأرض، فإن في هداية القرآن ما يفرق بين الإلحاد والإيمان، ويفصل الإباحية عن العدل والعفاف، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]
стр. 1939
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(٨)
«رسَائِلُ الإِصْلاحِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 1940
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 1941
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
ثمرة من ثمرات الجهاد العلمي الطويل والشاق كان هذا الكتاب "رسائل الإصلاح". بذل فيه الإمام محمد الخضر حسين الكثير من الوقت والعمل، وخطّه بحسن أسلوبه، وغزارة مادته، ودقة تحقيقه، وسعة اطلاعه، وسلاسة عبارته، وبلاغة بيانه وتبيانه، حتى كأن كل مقال فيه كتاب قائم بذاته، صيغ بموجز من الكلمات في صفحات، ومثله كمصباح يستضاء به في ظلمات الحياة.
لهذا الأثر القيّم مكانة خاصة وشهرة لدى الفقهاء والأدباء ورجال الثقافة وأصحاب القلم، وكثيراً ما يشار إليه في المصادر والمراجع على أنه من أهم الكتب التي تضمنت مقالات الإمام الشرعية والأحوال الاجتماعية.
صدر الكتاب في حياته المباركة في ثلاثة أجزاء متوسطة الحجم. ومنذ أن باشرت - بنعمة من الله وعونه وهداه - في جمع ونشر كتب الإمام التي افتقرت إليها المكتبة الإسلامية، وجدت أنه من الأرجح في الفائدة العلمية للكتاب وحدة مواضيعه؛ تسهيلاً للقارئ، وخدمة للعلم، وإن الحاجة آنذاك التي دفعت الناشر لجميع المقالات في مختلف المواضيع في كتاب واحد ظناً منه أنه ربما كان الكتاب الواحد الذي يصدر حاضناً ما كتبه الإمام في المجلات الدينية التي كان يرعاها، هذه الحاجة اختلفت الآن بعد أن أنعم الله علينا بجمع
стр. 1942
كافة المقالات وتقديمها في العديد من الكتب.
والأمانة في العلم ونقله توجب علينا تبيان ذلك، وما هي المقالات التي نقلت إلى الكتب الأخرى (١).
стр. 1943
والحمد لله على ما هدى، والحمد لله على نعمة الإسلام.
علي الرّضا الحسيني
стр. 1944
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمَة الإمام محمّد الخضر حسين
نحمَدك اللهم على أن هيأت لنا من أمرنا رشَداً، وأبيْتَ لنا أن نتخذ من المضلّين عَضُداً، ونصلّي ونسلّم على سيدنا محمد الذي أرسلته بشيراً ونذيراً، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الحق، ولم يتخذوا من دونك ولياً ولا نصيراً.
أمّا بعد:
فقد جرى القلم بتحرير مقالات في أغراض شتى، فاقترح عليّ بعض أهل العلم أن أجمعها في سِفْرٍ أو أسفار، حتى يَسْهُلَ تناولها، وتكون طوع يد من يريد مطالعتها، فحلَّ هذا الاقتراح من النفس محل القبول، وأخذت أجمعها، وأعيد النظر في بعض عباراتها، ووضعت لها اسماً هو: "رسائل الإصلاح".
وسيرى القارئ الألمعي أني قد طرقت في هذه الرسائل نواحي هي في حاجة إلى أن تُبْحثَ بفكر لا يتعصب لقديم، ولا يفتتن بجديد، يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويتقبل الحكم متى لاحت بجانبه حكمة، ويثق بالرواية بعد أن يُسْلِمَها النقدُ إلى صِدْقٍ.
وقد بذلت جهدي في أن أسلك بالبحث هذا السبيل، ولعلّي سرت فيه شوطاً غير قصير، فإن لم أبلغ فيه غاية بعيدة، فحسبي أني كنت قد تَبَيَّنْتُ
стр. 1945
رشدَه، ووَلَّيْتُ وجهي شطرَه، وآنست في أقلام إخواني الذين يجاهدون في الإصلاح أثَرَهُ.
وكأني بالناشئ الذي سَلِمَتْ فطرته، واتّقدتْ قريحته، يهبُ هذه الرسائل قسطاً من وقته، ويلقي عليها أشعة من ثاقب فكره، فإذا هو ينظر إلى قلم أمين، يطارحه الحديث في أسلوب حكيم.
وإذا نفقت كتب تمكُرُ بالحق، أو تسمي المجون أدباً، ووجدتْ نفوساً كثيرة تتهافت عليها تهافت الفراش على النار، فحسب "رسائل الإصلاح" أن تحظى عند قوم يبحثون عن الرشد بحثَ الخبير بقيمته، ويتعشَّقون الأدب النزيه كأنما صُوِّرَتْ نفوسهم من طينته.
ولو سبق لبعض الناشئين أن نظروا في تلك الكتب المنطوية على زْيغ أو مجون، ولم يتنبهوا لما دُسَّ في عباراتها من سموم، ثم أقبلوا على هذه الرسائل، نابذين تقليدَهم القديم، صارفين قلوبَهم عن إكبار أولئك الزائغين أو الماجنين، لما كان بعيداً أن يعودوا إلى إيمان نقيّ، وأدب سَنيّ، فينفعوا الأمة بجدهم وكمال رجولتهم، ويتمتعوا بالحياة الطيبة في أُولاهم وآخرتهم.
محمّد الخضر حسين
القاهرة
١٣٥٨ هـ - ١٩٣٩ م
стр. 1946
المروءة ومظاهرها الصّادقة (١)
خصلةٌ رفيعة القدرِ، تجري في منشآت الأدباء، ويُتحدَّث عن معناها في علوم اللغة والشريعة والأدب والأخلاق، تلك الفضيلة هي: المروءة.
ننظر في منشآت الأدباء من منظوم ومتثور، فنجد لفظ المروءة وارداً في مقامات المدح؛ كما قال زياد الأعجم يمدح عبد الله بن الحشرج:
إنّ السَّماحةَ والمروءةَ والنَّدى ... في قُبَّةٍ ضُرِبَتْ على ابْنِ الحَشْرَجِ
وقالوا في الذمّ: فلان زَمِنُ المروءة: أي: أن مروءته دارسة بالية.
أو الفخر؛ كما قال أحد شعراء الحماسة:
عادوا مروءَتَنا فَضُلِّلَ سَعْيُهُمْ ... ولكُلِّ بَيْتِ مُروءَةٍ أَعْداءُ
وننظر في كتاب اللغة، فنجدها تقول: المروءة: الإنسانية، أو كمال الرجولية، أو الرجولية الكاملة، وكمال الرجولية ينتظم من الأخلاق الحميدة، والآداب السامية. فالمروءة إذاً هي جماع مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، فمن يفوته جانب من هذه المكارم أو المحاسن، يفوته جانب من العناصر التي تتكون منها المروءة.
стр. 1947
ولاشتمال المروءة على جملة الفضائل، يقتصر بعض الأدباء عليها في مقام إيجاز المديح؛ كما قال سعيد بن حميد يعاتب صديقاً له:
ولئن سبقتَ لتبكِينَّ بحسرَةٍ ... وليكثُرَنَّ عليَّ منك عويلُ
ولئن سبقت ولا سبقت ليمضين ... من لا يشاكله لديَّ خليلُ
وليذهَبنَّ بهاءُ كُلِّ مُروءَةٍ ... وليفقدَنَّ جمالُها المأهولُ
وننظر في كتب الشريعة، فنجد المروءة واردة فيما يروى من الأحاديث النبوية، ونجد الفقهاء يذكرونها في بعض أبواب الفقه؛ كباب: القضاء، وياب: الشهادة، ويقولون: المروءة: صيانة النفس عن كل خلق رديء، والسمت الحسن، وحفظ اللسان، وتجنب المجون.
وقال آخرون منهم: المروءة: أن لا يأتي الإنسان ما يعتذر منه مما يحط مرتبته عند أهل الفضل، قال ابن سعيد يوصي ابنه:
وكلُّ ما يُفْضي لِعُذْرٍ فلا ... تجعَلْهُ في الغُرْبَةِ مِنْ إرْبَتِك (١)
وما يقوله علماء الشريعة غير بعيد مما يقوله علماء اللغة من أن المروءة: كمال الرجولية.
وننظر في كتب الأدب، فنجدها تسوق لبعض بلغاء الرجال وحكمائهم عبارات تشير إلى بعض الواجبات والآداب التي تقوم عليها المروءة؛ كما قال الأحنف بن قيس: المروءة: العفة والحرفة.
وقال ميمون بن ميمون: أول المروءة: طلاقة الوجه، والثاني: التودد، والثالث: قضاء الحوائج.
стр. 1948
وقال مسلم بن قتيبة: المروءة: الصبر على الرجال، أي: الصبر على المكاره في معاشرتهم وقضاء مآربهم.
وقال ابن هبيرة: المروءة: إصلاح المال، والرزانة في المجلس، والغداء والعشاء في الفناء. ويريد من إصلاح المال: تنميته، والتصرف فيه على وجه الصلاح، وكنّى بالغداء والعشاء في الفناء، عن: الكرم والسخاء.
وقال معاوية: المروءة: ترك اللذة.
واللذات التي يعد تركها مروءة هي اللذات المحظورة على الإطلاق، واللذات الملهية عن الازدياد من الحمد، وإن لم تكن من المحظورات.
نَوْمُ الغَداةِ وشُرْبٌ بالعشيّات ... موكَّلانِ بتهديمِ المروءاتِ
وعبارات هؤلاء البلغاء والحكماء لا تخالف قول اللغويين: المروءة: كمال الرجولية؛ لأن البلغاء قد يتسامحون في بيان معاني الألفاظ، فيقتصر الواحد منهم على بعض المعنى؛ اهتماماً بشأنه، وحرصاً على أن يضعه نصب عين السائل؛ ليكون ذلك أدعى إلى عنايته به، ومحافظته عليه.
وننظر في كتب الأخلاق، فنرى بعضها يفسر المروءة بعِظَم النفس، ووجه هذا التفسير: أن عظم النفس هو المنمِّي لمكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، وعلى هذه المكارم والمحاسن يقوم كمال الرجولية.
ولا خلاف بين من تحدثوا عن المروءة أن هناك آداباً لا يعلو مقام الرجل في المروءة إلا بالمحافظة عليها. وبين أيدينا منابع للمروءة عذبة صافية هي الكتاب الحكيم، وسيرة النبي الكريم - صلوات الله عليه -. وإن في آثار العظماء من السلف بعد ذلك لعبرة.
وها أنا أسوق إلى حضراتكم جملة من تلكم الآداب كأمثلة يزداد بها
стр. 1949
معنى المروءة وضوحاً، فأقول:
من أدب صاحب المروءة: أن يكون ذا أناة وتؤدة، فلا يبدو في حركاته اضطراب أو عجلة؛ كأن يكثر الالتفات في الطريق، ويعجِّلَ في مشية العجلة الخارجة عن حد الاعتدال، وأما السرعة بمعنى: عدم التباطؤ والتثاقل، فدليل الحزم، والحزم من مقوِّمات المروءة.
ويتصل بهذا الأدب: أن يكون الرجل متئداً في كلامه، يرسل كلماته مفصلة، ولا يخطف حروفها خطفاً حتى يكاد بعضها يدخل في بعض.
وحيث كان لحسن البيان دخل في كمال الرجولية، صحَّ أن يعد في مظاهر المروءة. وينبّهُ لهذا قول عمر بن الخطاب: تعلموا العربية، فإنها تزيد في المروءة.
ومن أدب صاحب المروءة: أن يضبط نفسه عن هيجان الغضب، أو دهشة الفرح، ويقف موقف الاعتدال في حالي الضرّاء والسرّاء.
ولسْتُ بِمفْراحٍ إذا الدهرُ سرَّني ... ولا جازع مِنْ صرْفِه المتقلِّبِ
ومن هنا نرى ذا المروءة لا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة.
عدل معاوية عن تولية الأحنف بن قيس ثغر الهند، فقال له زياد: إن الأحنف بلغ من الشرف والحلم والسؤدد ما لا تنفعه الولاية، ولا يضره العزل.
وقال قاضي قرطبة محمد بن بشير: والله! لا أبالي في الحق من مدحني أو ذمّني، وما أُسرُّ للولاية، ولا أستوحش من العزل.
ومن أدب صاحب المروءة: الصراحة والترفع عن المواربة والنفاق، فلا يبدي لشخص الصداقة، وهو يحمل له العداوة، أو يشهد له باستقامة
стр. 1950
السيرة، وهو يراه منحرفاً عن السبيل.
فَسِرّي كإعْلاني وتلكَ خَليقَتي (١) ... وظُلْمَةُ لَيْلي مِثْلُ ضَوْءِ نَهاري
والمراد: أن صاحب المروءة لا يتخذ الظهور بخلاف ما يضمر عادة مثلما يفعل قوم لا تشمئز نفوسهم من الملق والرياء، أما إذا اقتضت الحكمة إخفاء بعض ما يضمر من نحو العداوة والصداقة، فإن اتباع ما تقتضيه الحكمة من مكملات المروءة.
ويتصل بهذا الأدب أدب آخر، وهو: أن لا يفعل الرجل في الخفاء ما لو ظهر للناس لعدّوه من سقطاته. وقد رفع محمد بن عمران التيمسي شأن هذا الأدب حتى جعله هو المروءة، فقال لما سئل عن المروءة: أن لا تعمل في السر ما تستحي منه في العلانية.
وعمل القبيح في السر يدل على أن تجنبه في العلانية تصنّع ورياء. والمروءة أن يجتنب الرجل القبائح لقبحها، ووخامة عاقبتها.
وإذا وجد في الناس من فيه استعداد لأن يعاشر من يحملون له في أنفسهم عداء واستهانة بشأنه، ولا يبالي أن يلاقيهم صباحاً ومساء لغير ضرورة، فإن صاحب المروءة يستطيع أن يلاقي الناس بطلاقة وجه، ولسان رطب، غير باحث عما تكنّه صدورهم من مودة أو بغضاء، ولكنه لا يستطيع أن يرافق ويعاشر إلا ودوداً مخلصاً.
وعِشْ إمّا قَرينَ أخٍ وَفِىٍّ ... أمينَ الغَيْبِ أوْ عَيْشَ الوِحادِ
ويطلق خفيف الوزن لسانه في أعراض الناس يلتقط معايبهم، أو يختلق
стр. 1951
لهم معايب، متخيلاً أنه يحظى باسم المروءة من إلصاق العيب بغيره، والعرب تقول: "فلان يتمرَّأ بنا"؛ أي: يطلب المروءة بنقصنا وعيبنا.
أما صاحب المروءة الصادقة، فيبخل بوقته عن هذه الطريقة الحقيرة، ولا يرضى إلا أن يشغله بما تتقاضاه المروءة من حقوق.
قال رجل لخالد بن صفوان: كان عبدة بن الطيب لا يحسن يهجو، فقال له: لا تقل ذلك، فوالله! ما تركه من عِيّ، ولكنه كان يترفع عن الهجاء، ويراهُ ضَعَة، كما يرى تركه مروءة وشرفاً، وأنشد قول أبي الهيذام:
وأجْرَأُ مَنْ رأيتُ بظَهْرِ غَيْبٍ ... على عَيْبِ الرّجالِ ذوُو العُيوبِ
وربما اضطر ذو المروءة أن يدافع شر خصومه الكاشحين بذكر شيء من سقطاتهم، ولكن المروءة تأبى له أن يختلق لهم عيباً يقذفهم به وهم برآء؛ فإن الإخبار بغير الواقع يقوِّضُ صرح المروءة، ولا يبقي لها عيناً ولا أثراً.
قال الأحنف: لا مروءة لكذوب، ولا سؤدد لبخيل.
ويتصل بهذا الأدب: أن المروءة تحفظ لسان صاحبها أن يلفظ مثلما يلفظ أهل الخلاعة من سفه القول:
وحَذارِ مِنْ سَفَهٍ يَشينُكَ وصْفُهُ ... إنَّ السَّفاهَ بِذي المروءةِ زَاري
ومن الاحتفاظ بالمروءة: أن يتجنب الرجل تكليف زائريه، ولو بعمل خفيف؛ كان يكون بالقرب من الزائر كتابٌ، فيطلب منه مناولته إياه، أو يكون بجانبه الزر الكهربائي، فيشير إليه بالضغط عليه لإنارة المنزل، أو استدعاء الخادم.
قال عمر بن عبد العزيز: "ليس من المروءة استخدام الضيف".
والمروءة تنادي صاحبها أن يسود في مجلسه الجد والحكمة، وأن لا يلم
стр. 1952
في حديثه بالمزاح إلا إلماماً مؤنساً في أحوال نادرة.
قال الأحنف بن قيس: "كثرة المزاح تُذهب المروءة"، ووجه ذلك: أن الذي يسرف في المزاح يكثر منه الوقوع في لغوالحديث، ولا يخلو من أن تصدر منه كلمات تؤذي بعض جلسائه، وكمال الإنسانية لا يلتقي بلغو الحديث، أو إيذاء بعض الإخوان في مجلس.
ومن أدب المروءة: حسن إصغاء الرجل لمن يحدثه من الإخوان؛ فإن إقباله على محدثه بالإصغاء إليه يدل على ارتياحه لمجالسته، وأنسه بحديثه، وجاء في الحديث الشريف: "من المروءة أن ينصت الأخ لأخيه إذا حدَّثه".
وإلى هذا الأدب الجميل يشير أبو تمام بقوله:
مَنْ لي بإنْسانٍ إذا أَغْضَبْتُهُ ... ورَضيتُ كانَ الحِلْمُ رَدَّ جوابِهِ
وتَراهُ يُصْغي للحديثِ بِقَلْبِهِ ... وَبِسَمْعِهِ ولعلَّهُ أَدْرى بِهِ
وشأن ذي المروءة أن يحتمل ضيق العيش، ولا يبذل ماء حياته وكرامته في السعي لما يجعل عيشه في سعة، أو يديه في ثراء، قال مهيار:
ونَفْسٌ حرَّةٌ لا يزْدَهيها ... حُلى الدُّنيا وزخرُفُها المُعارُ
يَبيتُ الحَقُّ أصدَقَ حاجَتَيْها ... وكَسْبُ العِزِّ أطْيَبُ ما يُمارُ
وذو المروءة لا يظهر الشكوى من حوادث الدهر إلا أن يتقاضى حقاً:
لا يفرحونَ إذا ما الدهرُ طاوَعَهُمْ ... يوماً بِيُسْرٍ ولا يشكون إن نُكِبُوا
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي في عمر بن عثمان بن عفان:
فَتىً غَيْرُ محجوبِ الغِنى عن صديقِهِ ... ولا مظهر الشكوى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ
стр. 1953
ويعد في مروءة الرجل: أن يكون حافظاً لما يؤتمن عليه من أسرار.
قال المتنبي من أبيات جعلها خطاباً لمن أودعه سراً، وخشي من إذاعته:
كَفَتْكَ المروءةُ ما تَتَّقي ... وأمَّنَكَ الوِدُّ ما تَحْذَرُ
يريد: أنه ذو مروءة، وذو المروءة لا يفشي سراً ائتمن عليه.
وذو المروءة يحذر أن يؤذي شخصاً، وأشد ما يحذر أن يؤذي ذا مروءة مثله:
وأستحي المروءةَ أنْ تَراني ... قتَلْتُ مُناسبي جَلَداً وقَهْرا
* في المروءة راحة ولذة:
إذا كانت المروءة تقتضي الإعراض عن كثير من اللذات، فإن في المروءة نفسها لذة تفوق كل نعيم في هذه الحياة، وإذا كان في حفظ المروءة ملاقاة كثير من المشاقّ، فإن راحة الضمير التي يجدها الرجل عندما يبلغ في المروءة غاية سامية تنسبه كل مشقة، ولا يبقى معها للتعب باقية.
قال المتنبي:
تَلَذُّ له المروءةُ وهي تُؤْذي ... ومَنْ يَعْشَقْ يَلَذُّ له الغرامُ
ولذة المروءة في شعور النفس ببلوغها كمال الرجولية، أو قربها منها، وإذايتها لصاحبها بما أشرنا إليه من أن للمروعة تكاليف باهظة لا ينهض بها إلا ذو صبر متين، حتى قال أبو عبد الله الكاتب: "الصبر على حقوق المروءة أشد من الصبر على ألم الحاجة".
* ذو المروءة حقيق بالإجلال:
إذا نظرنا في تفاصيل الأخلاق والآداب التي تقوم المروءة على رعايتها،
стр. 1954
وجدناها تبعث على إجلال صاحبها، وامتلاء الأعين بمهابته.
ومن الحكم السائرة: "ذو المروءة يُكرم وإن كان معدماً، كالأسد يُهاب وإن كان رابضاً، ومن لا مروءة له، يُهان وإن كان موسراً؛ كالكلب يُهان وإن طُوِّق وحُلِّي بالذهب".
* الغرض من هذا الحديث:
قد رأينا كيف انتظمت المروءة أخلاقاً سنية، وآداباً مضيئة، وعرفنا أن رسوخ هذه الأخلاق والآداب في النفس يحتاج إلى صبر ومجاهدة، ودقة ملاحظة، وسلامة ذوق، فحقيق بنا أن نربي أبناءنا على رعايتها منذ عهد التمييز، حتى لا تسبق إليهم أخلاق غير نقية، وعادات غير رضية، فتحول بينهم وبين الفضائل، فلا تجد المروءة إلى نفوسهم مدخلاً.
إذا المرءُ أَعْيَتْهُ المروءةُ ناشئاً ... فَمَطْلَبُها كَهْلاً عليه عَسِيرُ
نربّي أبناءنا على ما يثبت قواعد المروءة، ويرفع بنائها؛ ليحمدوا أبوتنا، ويكونوا قرَّة أعينٍ لنا، وأسوةً حسنة لأحفادنا، وزينةً لأوطاننا، وليفوزوا بالعزة في الدنيا، والسعادة في الآخرة.
стр. 1955
الإلحاد أسبابه، طبائعه، مفاسده، أسباب ظهوره، علاجه (١)
في الناس من يضع إلحاده على طرف لسانه، أو على ظاهر يده، فيريك ما في صدره، وهذا قد جعلك في حِلٍّ من أن تسميه ملحداً، ولم يحوجك إلى أن تنبه الناس لضلاله، أو تنصحَ لهم بالاحتراس من أقواله، إلا أن تعمد إلى ما يطعن به في الدين، فتكشف عن وجوه فساده، وتدفعه بالحجّة.
وفي الناس من يحمل في نفسه إلحاداً في الدين، ويُغضاً للشريعة، وإذا جلس إلى المؤمنين، حاول أن يضع بينهم وبين ما في نفسه حجاباً مستوراً، وإنما ينطلق بآرائه الزائغة حين يخلو بنفوس تَلَذُّ ما تَلَذُّ نفسُه من الطعن في وجود الإله الحق، أو في صدق النبوة وحكمة التشريع.
* أسباب الإلحاد:
للإلحاد مهيئات:
منها: أن ينشأ الشخص في بيت خالٍ من آداب الإسلام، ومبادئ هدايته، فلا يرى فيمن يقوم على أمر تربيته - من نحو والد أو أم أو أخ - استقامة، ولا يتلقى عنه ما يطبعه على حب الدين، ويجعله على بصيرة من حكمته، فأقلُّ شُبه تَمَسُّ ذهن هذا الناشئ تنحدر به في هاوية الضلال.
стр. 1956
ومن أسباب الإلحاد: أن يتصل الفتى الضعيف النفس بملحد يكون أقوى منه نفساً، وأبرع لساناً، فيأخذه ببراعته إلى سوء العقيدة، ويفسد عليه أمر دينه، ومن هنا نرى الآباء - الذين يعنون بتربية أبنائهم تربية الناصح الأمين - يحولون بينهم وبين مخالطة فاسدي العقيدة، يخشون أن تسري إليهم العدوى من تلك النفوس الخبيثة، فتخبث عقائدهم وأخلاقهم.
ومن أسباب الإلحاد: أن يقرأ الناشئ مؤلفات الملحدين، وقد دسوا فيها سموماً من الشُبه تحت ألفاظ منمقة، فتضعف نفسه أمام هذه الألفاظ المنمقة، والشُّبه المبهرجة، فلا يلبث أن يدخل في زمرة الملاحدة الألداء. ومن أسباب الألحاد: أن تغلب الشهوات على نفس الرجل، فتريه أن المصلحة في إباحتها، وأن تحريم الشارع لها خالٍ من كل حكمة، فيخرج من هذا الباب إلى إباحية وجحود.
* طبائع الإلحاد:
ساقتني صروف الليالي إلى ملاقاة طائفة من الملاحدة في تونس، وفي الآستانة، وفي الشام، وفي ألمانيا، وفي مصر، فرأيت هذه الطوائف تتشابه في أمور يبعد أن يكون تواردهم عليها من قبيل المصادفة، وإنما هي طباخ لما تواطأت عليه قلوبهم من جحود لآيات الله، وإنكار لدينه الحنيف، وهأنذا أتحدث عن شيء من هذه الطباخ التي لا تجتمع في شخص إلا أن يكون قلبه مصاباً بعلة الجحود.
* فرحهم بتهمة عالم كبير بالإلحاد:
يفرح الملحدون بإشاعة الإلحاد عن بعض العلماء المفكرين، والمثير لهذا الفرح: حرصهم على أن لا ينسب إلى الدين من ظهرت له أثارة
стр. 1957
من علم أو فكر.
* استهزاؤهم بالدين:
يستهزئون في مجالسهم بالدين، وربما رشحت ألسنتهم بهذا العبث في حضرة بعض المؤمنين؛ بزعم أنهم مازحون غير جادّين، كذلك كانت مجالس الزنادقة في القديم؛ أمثال: مطيع بن إياس، ويحيى بن زياد، وحمَّاد عجرد، وأصحابهم، وهكذا حال ملاحدة هذا العصر.
* انهماكهم في الفسوق:
ولا ينتظر ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر أن يترك شيئاً من شهواته إلا أن يخشى الناس، والتاريخ يحدثنا عمن كانوا يتهمون بالزندقة، فيرينا كيف كانت مجالسهم قائمة على شرب الخمور وما يتبعها من الخبائث، وكذلك كانت مجالس أولئك النفر المعروفين بالإلحاد في عهد الدولة العباسية.
قال بعض الرواة: إن حمّاد عجرد، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد نزلوا بالقرب منّا، فكانوا لا يُطاقون خبثاً ومجانة، وهكذا حال ملاحدة هذا العصر إذا خلوا في مجلس؛ فإنهم يرتكبون ما تترفع عنه مجالس الفضلاء، ومن تظاهر منهم بالرزانة وحسن السمت، فبمقدار، وإلى وقت.
* تناقضهم في الأقوال:
أشد النفوس طوعاً إلى الأهواء نفس لا تثق بأن لهذا العالَم مبدعاً حكيماً، أو لا تثق بأن وراء هذه الحياة دار جزاء، والنفوس المنقادة إلى الأهواء، قد تألف الشيء في وقت، وتنفر منه في وقت آخر، فتمدحه مرة، وتذمه أخرى، وقد تستقبح الأمر، وتستحسن ما يضاهيه من كل وجه، وربما استقبحت الشيء، واستحسنت ما هو أقبح وأشد مفسدة منه.
стр. 1958
وانظروا ما يكتبه بعض الملاحدة في الاجتماع أو السياسة، تجدوه متخاذلاً يلعن بعضه بعضاً.
* إنكارهم المعجزات الكونية:
يرى الملاحدة أن المعجزة أساس للنبوة والرسالة، فيتوجهون إلى هدم هذا الأساس، فينكرونه، ويلقون حوله الشبه، ويقولون: إن حكمة الدعوة كافية في الدلالة على نبوة صاحبها.
وقد قال هذا البهائية، والقاديانية، وأشخاص في قلوبهم مرض.
وتراهم يعمدون إلى ما قصه القرآن الكريم من معجزات الأنبياء، فيخرجونه بالتأويل غير المعقول إلى معان مصنوعة، مثال ذلك: القادياني الذي ترجم القرآن إلى اللغة الإنكليزية، فإنه لا يمر بآية فيها معجزة صريحة إلا كتب معلقاً عليها هذياناً يخرجها من وجه دلالتها العربية.
وتبعه على ذلك أحد الجاهلين الضالين في أوراق سماها: تفسيراً، ومن قرأ هذه الأوراق، رآها بالغة الغاية في الزندقة.
* دسُّهم في الشريعة ما ينافي حكمتها:
يعمل الملاحدة لتنفير النفوس من الدين. ومن الطرق التي يسلكونها للتنفير: إلصاقهم بالدين أشياء لا تطابق الحكمة، وقد وضع الزنادقة أحاديث كئيرة نسبوها إلى النَّبي ﷺ ، كما وضعوا حديث "الباذنجان لما أُكل له".
وقد كشف علماء الحديث عن الأحاديث الموضوعة، وبيّنوها للناس، ومن جملتها هذه الأحاديث التي وضعها الزنادقة.
* إنكارهم العمل بالحديث:
لا يزال السلف الصالح من الصحابة والتابعين يجعلون الأحاديث أصلاً
стр. 1959
من أصول الدين، يقفون عندها إذا وجدوها، ولا يتجاوزونها، حتى أخذت الزندقة تعبث من وراء ستار، فكان من مكايدها: أن أجرت على ألسنة شياطينها: أن مأخذ الدين هو القرآن وحده، وأن السنّة لا تستقل بإنشاء الأحكام، يقولون هذا؛ ليسقطوا جانباً كبيراً من أحكام الإسلام.
* تأويلهم القرآن على حسب أهوائهم:
يعمل الملاحدة لطرح السنَّة من أصول الدين، ثم يعمدون إلى القرآن المجيد، فيحرفون الآيات الحكيمة عن معانيها، ويفسرونها كما يشتهون؛ ليتم لهم بهذا التأويل تعطيل أوامر الدين ونواهيه، وذلك ما فعله الباطنية من قبل، وجرى فيه على آثارهم باطنية أهل هذا العصر؛ مثل: البهائية، والقاديانية، وأشخاص يطوون صدورهم على جحود غير قليل.
* صداقتهم للمجاهرين بالجحود:
من يشرح الله صدره للإيمان، لا ترتاح نفسه لصحبة الجاحدين، ولا يجد ودادهم إلى داخل نفسه سبيلاً، وقد يضطر المؤمن أن يلاقيهم ويشاركهم في بعض الأمور الحيوية أو الاجتماعية، فليكن اتصاله بهم على قدر الضرورة.
فإن رأيتَ شخصاً يصاحب جاحداً بآيات الله، وأحسست من لحن خطابه أن الصداقة بينهما محكمة، سبق إلى ذهنك أن منشأ هذه الصداقة التشابه في زيغ العقيدة ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
* إلحاحُهم في الدعوة إلى حرية الرأي في الدين:
غاية الملحد أن يطعن في الدين، ويصد عن سبيله بقلمه أو لسانه، وقد
стр. 1960
يرى أن الحال لا يسعه لأن يطعن في الدين، أو يصد عنه في علانية، فتجده يحتال لأن يذهب إلى غرضه من طريق البحث وإبداء الرأي، فيبالغ في الدعوة إلى حرية الرأي في الدين؛ ليكون مطلق العنان، يقول ويكتب ما يشاء من آراء يقوض بها صرح الدين من أساسه.
يدعون إلى حرية الرأي في الدين؛ لتجد دعوتهم المعادية للدين سعة، ومن ملك من هؤلاء قوة، استعملها في اضطهاد رجال الدين المستقيمين، وسدَّ باب الحرية في وجوههم، فإن لم يفعل ذلك على طريقة مكشوفة، فعله من طرق ملتوية.
* بَسْطُ ألسنتهم في رجال الدين:
من طبائع الملحدين الحطُّ من شأن علماء الدين المستقيمين؛ باعتقاد أن هدم من يتمثل فيهم الدين القويم هدم للدين نفسه، فإذا بلغوا أن جعلوا الناس يزدرون برجال الدين، ويصرفون أسماعهم عما يدعونهم إليه من حق، فقد بلغوا أمنيتهم من تعطيل أوامر الدين، وإهمال آدابه، وإطفاء نور حكمته.
* دعوتهم إلى الإلحاد:
في الملاحدة من يعجز أن يكون داعية إلى الإلحاد، فيكتفي بأن يطلق لنفسه العنان في الإباحية، ومنهم من يدفعه بغض الدين إلى أن يعمل بلسانه أو بقلمه لهدم أصوله، والصدّ عن سبيله، ولهؤلاء طرق يأتمرون لتدبيرها، وهي شبيهة بطريق إخوانهم الباطنية، وذلك أنهم يبتدئون من يريدون إغواعه بعرض شيء من الشبه في صورة السائل، أو الحائر في دفعها، ثم ينظرون إليه ماذا يكون حاله من الاستخفاف بتلك الشبه، أو التأثر بها، فإن رأوه قد ضعف أمام هذه الشبه، أكثروا من إلقاء أمثالها عليه حتى يقع في حيرة، ويستبينوا منه
стр. 1961
أن إيمانه قد تزلزل، وعند ذلك يوحون إليه بما شاؤوا من الغمز في الدين، حتى يجردوه من عقيدة الحق، ويتخذوه عضواً في مجامعهم.
* مفاسد الإلحاد الاجتماعية:
عرفنا أن من طباع الإلحاد: اتباع الشهوات، والانطلاق في الإباحية، فالملحد لا يحافظ على عِرْضِ أحد، ولا على ماله، ولا على حرمه، إلا أن يعجز عن الوصول إلى شيء من ذلك، ومتى ساعدته الفرصة، وظن أنه بمأمن من العقوبة، عاث في الأعراض والأموال غير متحرج من انتهاك حرماتها، وقد يقع انتهاك الأعراض ونحوها من غير الملحد بدافع الشهوة، أما الملحد، فإنه يأتيها مستبيحاً لها، وضرر الطائفة التي ترتكب الفسوق مستبيحة له أشد من ضرر من يفعله معتقداً أنه يأتي أمراً محرماً.
ولنتخيَّل أمة مؤلفة من الملاحدة، أو كانت الأغلبية فيها للملاحدة، وننظر كيف تكون سيرتها، وماذا تكون عاقبتها في هذه الحياة؟.
لا شك أنها تسير في غير طريق، وتكون عاقبتها السقوط إلى الحضيض؛ إذ أن الملاحدة يبيحون موبقة الزنى وما يضاهيها من الفواحش، ويبيحون الخمور، ولا يتحرجون أن يضموا إليهم أموال غيرهم بغير حق، وإذا وجدت في أهل الدين من لا يفعل فاحشة، أو لا يعتدي على حق، ولو أمن من أن يطلع عليه مخلوق، فإن الملحد لا يكف نفسه عن الهوى، إلا أن يخاف ألماً يأتيه من الناس أكبر من ذلك الهوى.
وإذا وجدت في زائغي العقيدة من يتحدث عن الأخلاق، ويوهم الناس أن الأخلاق تكفي في استقامة السيرة والاحتفاظ بالعفاف، فإن ذلك كله رياء ونفاق. نَعَمْ، للأخلاق أثر في تقليل الشر، ولكنها لا تأتي بأثر عظيم في
стр. 1962
انتظام حال الاجتماع، إلا حينما تسير تحت مراقبة عقيدة دينية ثابتة.
* أسباب ظهور الإلحاد:
لا سعادة للأمة إلا بالوحدة، ولا وحدة للأمة إلا أن تكون سليمة العقيدة، سنية الأخلاق والآداب، فمن الحكمة: أن يراعى الإسلام هذه الوحدة التي هي وسيلة، ويأخذ في المحافظة عليها بالتي هي أحزم، فكان من أحكامه: منع الناس من أن يركبوا الطيش، ويعلنوا إلحادهم تحت رايته، فلم يكن الملاحدة قبل اليوم يعلنون إلحادهم، وما كانوا يدعون إليه إلا من وراء ستار، فكان الإلحاد في العصور الماضية لا يتجاوز نفراً قليلاً يعرفهم الناس في لحن أقوالهم، وبانهماكهم في الفجور، وقضاء أوقاتهم في المجون.
أما اليوم، فقد ظهر الإلحاد، ورفع رأسه، وتجاوز المجالس الخاصة إلى الصحف والمؤلفات، ولهذا - فيما أرى - أربعة أسباب:
أحدها: أن بعض الحكومات صارت تضع قوانينها الدستورية في عبارات لا يرى فيها الملحد قيداً يكفه عن إعلان إلحاده، أو الدعوة إليه كما يشاء.
ثانيها: أن كثيراً من المنتمين إلى علوم الشريعة، فرَّطوا في جانب الغيرة على الحق، فتراهم يوادّون من يصفهم الناس بالإلحاد، ويتملقونهم بالإطراء، ويشهدون لهم بالإخلاص للدين، يفعلون هذا رجاء متاع الحياة الدنيا، وهم يعلمون أنهم إنما يمدحون طائفة تفسد على الأمة أمر دينها وأخلاقها.
ثالثها: أن بعض الحكومات الإسلامية ترفع إلى مناصبها العالية من لم يتلقوا من علوم الدين ما يميزون به المفسد من المصلح، فيجد الجاحدون لديهم حظوة، ولو مع إعلانهم الإلحاد، وجراءتهم على الطعن في الشريعة الغراء، وإقبال كبراء الدولة على الملحد وتمكينه من المناصب التي يتخذها
стр. 1963
وسيلة لنفث سموم إلحاده، قد يكون مشجعاً لغيره من زائغي العقيدة على أن يجهروا بزيغهم، ويدعوا إليه وهم آمنون.
رابعها: أن بعض الملاحدة دخلوا في الحركات الوطنية، وتظاهروا بالغيرة على الوطن، فانخدع بهم الناس حتى خلعوا عليهم بلقب الزعامة، فأخذ هؤلاء الزعماء الملاحدة يعملون لنشر الإلحاد بين من يتصل بهم من الشبان.
* كيف يعالج الإلحاد؟
متى قيَّضَ الله للحكومات الإسلامية رجالاً يقدّرون فضل الدين في إصلاح حال الأفراد والجماعات، وفضله في إخراج رجال يطمحون إلى العزة، ويقتحمون كل ما يعترضهم في سبيلها من عقبات، وفضله في بسط الأمن في البلاد، متى قدر أولو الأمر فضل الدين، ومتى تضافر علماء الشريعة على الدعوة إلى الحق بحكمة، وعلى مكافحة الزائغين بالحجة، طهرت الأمة من خبث الإلحاد، وبلغت أقصى غايات المجد والفلاح.
стр. 1964
في مفاسد البغاء (١)
في البغاء فساد كبير، وشر مستطير: يفتك بالفضيلة، يدنس الأعراض، يعكر صفو الأمن، يفصم رابطة الوفاق، يبعث الأمراض القاتلة في الأجسام، وأي حياة لجماعة تضيع أخلاقها، وتتسخ أعراضها، ويختل أمنها، وتدب البغضاء في نفوسها، وتنهك العلل أجسامها؟!.
أما فتكه بالفضيلة، فإنه يقتلع الحياء من منابته، فلا يبقي في نفس صاحبه ذرة من الحياء، ويلبس وجهه رقعة من الصفاقة، ومن لم يستح، هان عليه ارتكاب ما لا يليق بالإنسانية أن ترتكبه.
ومن يرتكب فاحشة الزنى، ينادي على نفسه بأنه محروم من أدب سام أرشد إليه النبي ﷺ بقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه". ذلك أن كل إنسان يحب لمن تنتمي إليه من بنت أو أخت أو زوجة العفاف، ويجاهد في صيانتهن إلى آخر نفس من حياته، ومن ثمرات إيمانك الصادق، وخلقك المهذب: أن تحب لمحارم غيرك من العفاف والطهارة ما تحب لمحارمك.
ومما يغلب على الزاني: أن تكون غيرته على محارمه ضعيفة جداً،
стр. 1965
أو مفقودة، وشعور محارمه بتعاطيه هذه الفاحشة يسقط جانباً من مهابتهن له، ويسهل عليهن بذل أعراضهن إن لم يكن ثوب عفافهن منسوجاً من تربية دينية صادقة، وهذا بخلاف حال من ينكر موبقة الزنى في ذاتها، ويستهجنها إلى حد أن يتجنبها بنفسه، ثم لا يرضاها لغيره، ولا سيما ممن ينتمون إليه بنسب أو صهرة فإن هذه السيرة تكسبه مهابة في قلويهن، وتساعد على أن يكون بيته بيت طهر وصيانة. ومصداق هذه النظرية الأثر المشهور: "عفّوا، تعفّ نساؤكم".
ولا أرى الذين يذهبون إلى إبقاء بيوت الدعارة مفتوحة في البلاد إلا نفراً يخونون أوطانهم بعد أن خانوا الفضيلة، وما بيت الدعارة إلا ماوى نفوس أُشربت حب الشهوات الممقوتة، واستغلظت فيها الأخلاق الدنيئة. والوطنية الصادقة: أن تحرص على أن يكون وطنك طاهر الموارد، طيب السمعة، فإن رضيت عن تلك البيوت القذرة، وحاربت من يسعى لتطهير وطنك منها، فقد خنت الفضيلة، وكنت في دعوى إخلاصك للوطن مفترياً أثيماً.
وأما تدنيسه الأعراض، فإنه يذهب بكرامة الفتاة، ويكسوها عاراً لا يقف عندها، بل يتعداها إلى أسرتها، غير أن أنصباءهم من هذا العار على قدر قرابتهم منها، وكثيراً ما يدع الرجل الفاضل الاقتران بفتاة لا بأس عليها سوى أن الألسنة قذفت بعض من نبت في منبتها.
وينبني على ما يجرّه البغاء إلى أقارب المرأة من الخزي والمهانة: أن تثور بينهم وبين الزاني وأسرته العداوة، فيهيجوا إلى الانتقام منه، وقد تبلغ الفتنة إلى القتل، وذلك مَثَلٌ من مُثُلِ إخلاله بالأمن، وفصمه لرابطة الوفاق.
وأما ضرره العائد إلى الصحة، فقد قرر كثير من الأطباء أن الزنى منشأ