← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

أن إيمانه قد تزلزل، وعند ذلك يوحون إليه بما شاؤوا من الغمز في الدين، حتى يجردوه من عقيدة الحق، ويتخذوه عضواً في مجامعهم. * مفاسد الإلحاد الاجتماعية: عرفنا أن من طباع الإلحاد: اتباع الشهوات، والانطلاق في الإباحية، فالملحد لا يحافظ على عِرْضِ أحد، ولا على ماله، ولا على حرمه، إلا أن يعجز عن الوصول إلى شيء من ذلك، ومتى ساعدته الفرصة، وظن أنه بمأمن من العقوبة، عاث في الأعراض والأموال غير متحرج من انتهاك حرماتها، وقد يقع انتهاك الأعراض ونحوها من غير الملحد بدافع الشهوة، أما الملحد، فإنه يأتيها مستبيحاً لها، وضرر الطائفة التي ترتكب الفسوق مستبيحة له أشد من ضرر من يفعله معتقداً أنه يأتي أمراً محرماً. ولنتخيَّل أمة مؤلفة من الملاحدة، أو كانت الأغلبية فيها للملاحدة، وننظر كيف تكون سيرتها، وماذا تكون عاقبتها في هذه الحياة؟. لا شك أنها تسير في غير طريق، وتكون عاقبتها السقوط إلى الحضيض؛ إذ أن الملاحدة يبيحون موبقة الزنى وما يضاهيها من الفواحش، ويبيحون الخمور، ولا يتحرجون أن يضموا إليهم أموال غيرهم بغير حق، وإذا وجدت في أهل الدين من لا يفعل فاحشة، أو لا يعتدي على حق، ولو أمن من أن يطلع عليه مخلوق، فإن الملحد لا يكف نفسه عن الهوى، إلا أن يخاف ألماً يأتيه من الناس أكبر من ذلك الهوى. وإذا وجدت في زائغي العقيدة من يتحدث عن الأخلاق، ويوهم الناس أن الأخلاق تكفي في استقامة السيرة والاحتفاظ بالعفاف، فإن ذلك كله رياء ونفاق. نَعَمْ، للأخلاق أثر في تقليل الشر، ولكنها لا تأتي بأثر عظيم في

стр. 1962

انتظام حال الاجتماع، إلا حينما تسير تحت مراقبة عقيدة دينية ثابتة. * أسباب ظهور الإلحاد: لا سعادة للأمة إلا بالوحدة، ولا وحدة للأمة إلا أن تكون سليمة العقيدة، سنية الأخلاق والآداب، فمن الحكمة: أن يراعى الإسلام هذه الوحدة التي هي وسيلة، ويأخذ في المحافظة عليها بالتي هي أحزم، فكان من أحكامه: منع الناس من أن يركبوا الطيش، ويعلنوا إلحادهم تحت رايته، فلم يكن الملاحدة قبل اليوم يعلنون إلحادهم، وما كانوا يدعون إليه إلا من وراء ستار، فكان الإلحاد في العصور الماضية لا يتجاوز نفراً قليلاً يعرفهم الناس في لحن أقوالهم، وبانهماكهم في الفجور، وقضاء أوقاتهم في المجون. أما اليوم، فقد ظهر الإلحاد، ورفع رأسه، وتجاوز المجالس الخاصة إلى الصحف والمؤلفات، ولهذا - فيما أرى - أربعة أسباب: أحدها: أن بعض الحكومات صارت تضع قوانينها الدستورية في عبارات لا يرى فيها الملحد قيداً يكفه عن إعلان إلحاده، أو الدعوة إليه كما يشاء. ثانيها: أن كثيراً من المنتمين إلى علوم الشريعة، فرَّطوا في جانب الغيرة على الحق، فتراهم يوادّون من يصفهم الناس بالإلحاد، ويتملقونهم بالإطراء، ويشهدون لهم بالإخلاص للدين، يفعلون هذا رجاء متاع الحياة الدنيا، وهم يعلمون أنهم إنما يمدحون طائفة تفسد على الأمة أمر دينها وأخلاقها. ثالثها: أن بعض الحكومات الإسلامية ترفع إلى مناصبها العالية من لم يتلقوا من علوم الدين ما يميزون به المفسد من المصلح، فيجد الجاحدون لديهم حظوة، ولو مع إعلانهم الإلحاد، وجراءتهم على الطعن في الشريعة الغراء، وإقبال كبراء الدولة على الملحد وتمكينه من المناصب التي يتخذها

стр. 1963

وسيلة لنفث سموم إلحاده، قد يكون مشجعاً لغيره من زائغي العقيدة على أن يجهروا بزيغهم، ويدعوا إليه وهم آمنون. رابعها: أن بعض الملاحدة دخلوا في الحركات الوطنية، وتظاهروا بالغيرة على الوطن، فانخدع بهم الناس حتى خلعوا عليهم بلقب الزعامة، فأخذ هؤلاء الزعماء الملاحدة يعملون لنشر الإلحاد بين من يتصل بهم من الشبان. * كيف يعالج الإلحاد؟ متى قيَّضَ الله للحكومات الإسلامية رجالاً يقدّرون فضل الدين في إصلاح حال الأفراد والجماعات، وفضله في إخراج رجال يطمحون إلى العزة، ويقتحمون كل ما يعترضهم في سبيلها من عقبات، وفضله في بسط الأمن في البلاد، متى قدر أولو الأمر فضل الدين، ومتى تضافر علماء الشريعة على الدعوة إلى الحق بحكمة، وعلى مكافحة الزائغين بالحجة، طهرت الأمة من خبث الإلحاد، وبلغت أقصى غايات المجد والفلاح.

стр. 1964

في مفاسد البغاء (١) في البغاء فساد كبير، وشر مستطير: يفتك بالفضيلة، يدنس الأعراض، يعكر صفو الأمن، يفصم رابطة الوفاق، يبعث الأمراض القاتلة في الأجسام، وأي حياة لجماعة تضيع أخلاقها، وتتسخ أعراضها، ويختل أمنها، وتدب البغضاء في نفوسها، وتنهك العلل أجسامها؟!. أما فتكه بالفضيلة، فإنه يقتلع الحياء من منابته، فلا يبقي في نفس صاحبه ذرة من الحياء، ويلبس وجهه رقعة من الصفاقة، ومن لم يستح، هان عليه ارتكاب ما لا يليق بالإنسانية أن ترتكبه. ومن يرتكب فاحشة الزنى، ينادي على نفسه بأنه محروم من أدب سام أرشد إليه النبي ﷺ بقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه". ذلك أن كل إنسان يحب لمن تنتمي إليه من بنت أو أخت أو زوجة العفاف، ويجاهد في صيانتهن إلى آخر نفس من حياته، ومن ثمرات إيمانك الصادق، وخلقك المهذب: أن تحب لمحارم غيرك من العفاف والطهارة ما تحب لمحارمك. ومما يغلب على الزاني: أن تكون غيرته على محارمه ضعيفة جداً،

стр. 1965

أو مفقودة، وشعور محارمه بتعاطيه هذه الفاحشة يسقط جانباً من مهابتهن له، ويسهل عليهن بذل أعراضهن إن لم يكن ثوب عفافهن منسوجاً من تربية دينية صادقة، وهذا بخلاف حال من ينكر موبقة الزنى في ذاتها، ويستهجنها إلى حد أن يتجنبها بنفسه، ثم لا يرضاها لغيره، ولا سيما ممن ينتمون إليه بنسب أو صهرة فإن هذه السيرة تكسبه مهابة في قلويهن، وتساعد على أن يكون بيته بيت طهر وصيانة. ومصداق هذه النظرية الأثر المشهور: "عفّوا، تعفّ نساؤكم". ولا أرى الذين يذهبون إلى إبقاء بيوت الدعارة مفتوحة في البلاد إلا نفراً يخونون أوطانهم بعد أن خانوا الفضيلة، وما بيت الدعارة إلا ماوى نفوس أُشربت حب الشهوات الممقوتة، واستغلظت فيها الأخلاق الدنيئة. والوطنية الصادقة: أن تحرص على أن يكون وطنك طاهر الموارد، طيب السمعة، فإن رضيت عن تلك البيوت القذرة، وحاربت من يسعى لتطهير وطنك منها، فقد خنت الفضيلة، وكنت في دعوى إخلاصك للوطن مفترياً أثيماً. وأما تدنيسه الأعراض، فإنه يذهب بكرامة الفتاة، ويكسوها عاراً لا يقف عندها، بل يتعداها إلى أسرتها، غير أن أنصباءهم من هذا العار على قدر قرابتهم منها، وكثيراً ما يدع الرجل الفاضل الاقتران بفتاة لا بأس عليها سوى أن الألسنة قذفت بعض من نبت في منبتها. وينبني على ما يجرّه البغاء إلى أقارب المرأة من الخزي والمهانة: أن تثور بينهم وبين الزاني وأسرته العداوة، فيهيجوا إلى الانتقام منه، وقد تبلغ الفتنة إلى القتل، وذلك مَثَلٌ من مُثُلِ إخلاله بالأمن، وفصمه لرابطة الوفاق. وأما ضرره العائد إلى الصحة، فقد قرر كثير من الأطباء أن الزنى منشأ

стр. 1966

أمراض يعسر علاجها، وناع تفصيل هذا الضرر إلى طبيب ماهر في صناعته صادق في شهادته، مخلص لدينه ووطنه. ومن مفاسد البغاء: أن أصحابه يُلقون نطَفَهم في حرام، فيتولد منها مخلوقات ربما اعتدي عليها بالقتل وهي أجنّة، أو قريبة عهد بالوضع؛ خشية الفضيحة، فتستتبع فاحشة الزنى جناية قتل النفس بغير حق، وإن سلم ولد الزنى من القتل، عاش محتقر الجانب، مقطوع النسب، فلا يجد ما يجده أبناء النكاح من عطف أولي القربى، والسلامة من القذف بأقبح الألقاب. ولما يحتوي عليه الزنى من المفاسد الكبيرة، حذَّر الدين الحنيف من القرب منه، وسلك في التحذير منه طرقا حكيمة، فحزَم أموراً شأنها أن تكون ذريعة إليه؛ كالاختلاء بالأجنبية، أو النظر إليها نظر شهوة، ووضع له عقوبة رادعة في الدنيا، وتوعَّدَ فاعله بعذاب الهون في الأخرى. فمن كان صادق الإيمان، فهذا الدين يحرِّمُ الزنى تحريماً مغلظاً. ومن كان من عشاق الفضيلة، فالزنى فاحشة تتمثل فيها الرذيلة من رأسها إلى عقبها. ومن كان حريصاً على إعلاء شأن قومه، فالزنى ينقلب بالأمم إلى وراء. ومن كان يحزن لحرمان أمته من نعمة الصحة، فالزنى يبعث فيها أمراضاً يتعذر على الأطباء علاجها. ونحن ننصح لمن يملكون إلغاء البغاء بقوة، أن يصرفوا أنظارهم عن تقليد الشعوب الغارقة في أرجاسه، وإن كانت ذات قوة مادية وبسطة في الاستعمار، ويجيبوا داعي الفضيلة، ونظم الإصلاح المعقولة، وُيرضوا أمة تعرف أن دين حكومتها الرسمي هو الإسلام.

стр. 1967

كلمة في المسكرات (١) يُفضَّل الإنسان على سائر الحيوان بمزية العقل، وتفاضل الناس في مراقي الكمال على قدر تفاوتهم في هذه المزية، وكل شيء يضعف القوة العاقلة، أو يعوقها عما خلقت له من تدبر الآيات، واستكشاف الحقائق، فهو عدو الإنسانية، تجب مدافعته بقدر المستطاع، وتجنبه الليل والنهار. فالنوم يعطِّل هذه القوة، ويلحق الإنسان بالخشب المسندة، وهو أمر غالب ما له من مرد، ولكن أولي الحكمة لا يخضعون لسلطانه إلا حيث يغلب على أمرهم، ولا يعطونه من الوقت إلا أقل ما تفرضه عليهم البشرية، يبتغون بذلك أن تبقى عقولهم في حركات تثمر علماً نافعاً، أو عملاً صالحاً. إذا ما مضى يَوْمٌ ولَمْ أصْطَنِعْ يَداً ... ولَمْ أَكْتَسِبْ عِلْماً فما ذاكَ مِنْ عُمْري وإذا كان من حزم الرجل وحكمته أن يغالب النوم، ولا يأخذ منه إلا بمقدار الحاجة؛ حرصاً على وقته، وتوفيراً لثمرات فكره، فإن الخمر يأتي إلى تلك القوة التي هي أكبر مزية للإنسان، فيعبث بها عبث الريح العاصفة بالغصون الناعمة، ولا تسأل عما ينشأ عن هذا العبث من فساد.

стр. 1968

للفساد الذي ينشأ من تناول المسكرات ضروب متفرقة، وألوان مختلفة؛ لا يسع المقام تفصيلها، فأكتفي بوصف جانب منها، وفيه كفاية لمن يبغي حياة طيبة في الدنيا، وسعادة وحياة خالصة في الأخرى. تذهب المسكرات بعقل من يتناولها، ولو أنه يبقى كالجماد لا ينطق ولا يتحرك، لكان البلاء مقصوراً عليه، ولكن السفاهة تخلف التعقل، والحماقة تظهر في مكان الكياسة، فلا تسمع إلا أقوالاً لاغية أو منكرة، ولا ترى إلا حركات مزرية به، أو مسيئة إلى من يقرب منه. قيل لعدي بن حاتم: ما لك لا تشرب الخمر؟ قال: معاذ الله أن أصبح حليم قومي، وأمسي سفيههم!. تجيء السفاهة في القول من جهة أن الخمر تعطل القوة العاقلة، وتترك الخيال يلقي على الألسنة ما شاء، وشأن الخيال الذي لا يعمل تحت سلطان العقل أن يصور المعاني في غير انتظام، ويمليها على اللسان كما صوّرها، فإذا هي أقوال تلبس صاحبها ثوب المهانة، أو تضعه موضع من يسخر به، أو يثير عليه غضباً. دعا بعض الأمراء نُصيب بن رباح إلى تناول الخمر، فقال نصيب: أصلح الله الأمير! الشعر مفلفل، واللون مرمد، ولم أقعد إليه بكرم عنصر، ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلي ولساني، فإن رأيت أن لا تفرق بينهما، فافعل!. ويكفي متعاطي الخمور من الحقارة، أن يضرب به المثل عندما يتكلم أحد بما يشبه الهذيان. وتجيء السفاهة في الحركات، من جهة أن الخمر تعزل العقل إلى جانب،

стр. 1969

وتبقي النفوس تحت تصرف الخيال، فتنبعث إرادتها عن غير تعقل، وتصدر أفعالها في غير حكمة. ومن المعروف في المسكر: أنه يحسِّنُ القبيح، ويقبِّح الحسن، قال أحد الشعراء المبتلين به: إسْقِني حتّى ترَاني ... حَسَناً عندي القَبِيح فقولوا لمتعاطي المسكرات، إذا طمع من الناس أن يلاقوه باحترام: إن من يعلم أن تلك حالات تخرج بها عن الإنسانية إلى حيوانية تصير بها هزأة، أو حيوانية تنفث سمها في غير عدو، لا تراك عينه إلا ازدرتك، ولا خطرتَ على قلبه إلا احتقرَك. ومن مفاسد المسكرات: أنها تندفع بالشهوات إلى الفسوق، وهل في إمكانك أن تجد مولعاً بالخمور يحفظ فرجه عن موبقة الزنا، أو ما يشبه الزنا؟. سقى قوم أعرابية شراباً مسكراً، فقالت: أيشرب نساؤكم هذا الشراب؟ قالوا: نعم، قالت: فما يدري أحدكم من أبوه. وقد عرفتَ أنّ السكران يقول ما يثير غضب نديمه، أو من يلقاه في طريقه، وأنت تعلم ما وراء ثورة الغضب من سوء، وعرفتَ أن السكران قد ينقلب إلى حيوانية متحفزة للشر، فلا يبالي أن يبسط يده للاعتداء على الأنفس، فيصيب ضعيفاً، أو يصيبه قوي، وكم من مشاجرات تعالت فيها أصوات، وأُصيبت فيها جسوم، وما هي إلا أثر من آثار تعاطي المسكرات!. ولا تزال المسكرات تنقص من عقل المولع بها شيئاً فشيئاً، حتى يقع في خبال، أو ما يقرب من الخبال، ودلّت التجارب على أن متعاطي المسكرات

стр. 1970

يكون ضعيف الفكر، خفيف العقل، ولا يصل - ولو بعد صحوه - إلى ما يصل إليه أقرانه الأذكياء؛ من آراء سامية، ونتائج صادقة. قيل لعثمان بن عفان ﵁: ما منعك أن تشرب الخمر في الجاهلية، ولا حرج عليك؟ قال: رأيتها تذهب بالعقل جملة، وما رأيت شيئاً يذهب جملة ويعود جملة. ولا يليق بك أن تتخذ ممن يتعاطون المسكرات أصحاباً أو أعواناً تفضي إليهم بشيء من أسرار عملك؛ فإن الأسرار المودعة في النفوس إنما تحرسها العقول، وعقول المولعين بالمسكرات تفارقهم في كثير من الأحيان، فلا تلبث تلك الأسرار أن تخرج من أفواههم وهم لا يشعرون. وفي المسكرات - فوق هذه المفاسد -: إنفاق المال في غير فائدة، بل إنفاقه فيما يعود بخسران. وفيها: صرف القلوب عن القيام بكثير من حقائق الخالق - جلّ شأنه -، ولا يجتمع الولوع باحتساء أمِّ الخبائث، وتعظيم أمر الله في نفس واحدة.

стр. 1971

الشجاعة (١) لا تحوز الأمة مكانة يهابها خصومها، وتقرُّ بها عين حلفائها، إلا أن تكون عزيزة الجانب، صلبة القناة. وعزة الجانب وصلابة القناة لا ينزلان إلا حيث تكون قوة الجأش، والاستهانة بملاقاة المكاره، وذلك ما نسميه: شجاعة. والشجاعة صنفان: أحدهما: الإقدام على مواقع القتال، والثبات على مكافحة الأبطال، وهي الشجاعة الحربية. وثانيهما: الإقدام على قول الحق، وإبداء النصيحة، ولو لذي جاه أو سلطان يكره أن يُؤْمر بمعروف، أو يُنْهى عن منكر، وهذا ما نسمّيه: شجاعة أدبية. ولما كان الإسلام ديناً وسياسة، وكان من مقاصده العالية: إقامة دولة تسير بالناس على ما أمر الله، عني بتربية النفوس على كلتا الشجاعتين. فبالشجاعة الحربية تحمى الأوطان من مهاجمة الأعداء، ويسود الأمن في البلاد.

стр. 1972

ويالشجاعة الأدبية يكون الناس على بصيرة من الحق والباطل، والصواب والخطأ، فيقيمون الحق، ويرجعون إلى الصواب. ومن الآيات الواردة في تربية الشجاعة الحربية قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤]. ذكَّر المسلمين في هذه الآية بأن ما عسى أن يلاقوه من آلام الحروب، يلاقي خصومهم مثلها، فكأنه يقول لهم: لا ينبغي أن يكون خصومكم، وهم أشياع الباطل، أصبر على الآلام، وأثبت في مواقف الأخطار منكم، وأنتم حماة الحق، والدعاة إلى الخير، ولا سيما حماة ودعاة يرجون من نصر الله وجزيل مثوبته ما لا يرجوه أعداؤهم الغاوون المفسدون. ربّى الإسلام بهذه الآية خلق الشجاعة في النفوس، فأخرج أمة لا تهاب الخطوب، وترى الموت في سبيل إعلاء كلمة الحق، أو الاحتفاظ بالكرامة، خيراً من ألف حياة يقضيها صاحبها في هون، أو في مشاهدة الباطل يمشي في الأرض مرحأ، وكان أولئك الذين ربّاهم الإسلام، وبثَّ فيهم روح البطولة، يتشوقون إلى الإقدام، وينطقون في هذا الشأن بحكمة بالغة. انظروا إلى قول أبي بكر الصديق ﵁ في وصيته لخالد بن الوليد: "احْرِصْ على الموتِ توهَبْ لك الحياة" يريد بهذا: حثّه على اقتحام مواقع القتال، والخوض في غمراتها خوضَ من ينشد الموت. والحياة العزيزة والفزع من الموت لا يلتقيان بأرض حتى يلتقي البصر والعمى في عين واحدة. ومما ينظر إلى معنى حكمة الصديق: قول الحصين بن الحمام: تأخَّرْتُ أسْتَبْقي الحياةَ فلَمْ أَجِدْ ... لنفسي حياةً مِثْلَ أنْ أتقدَّما

стр. 1973

ولا يُعَدُّ الاستخقاف بالموت شجاعة في كل حال، بل الشجاعة: رباطة الجأش، والثبات في سبيل الدفاع عن حق، أو كرامة، فالمنتحر لحرمانه من شهوة، أو لوقوعه في بلاء، لا يسمّى شجاعاً، بل هو جدير - كما قال أرسطو - بأن يسمى: جباناً، بل أقول: إن انتحاره نشأ من ناحية استعظام فوات تلك الشهوة، أو حصول ذلك البلاء، حتى تخيله أشد ألماً من الموت. فالانتحار في الحقيقة أثرُ فَقْد الرجل لفضيلة الصبر على الشدائد، وما ينشأ عن فَقْدِ فضيلة لا يصح أن يسمى فضيلة أخرى. وما زال الحكماء ينصحون الناس أن لا يقدموا على موقع خطر، إلا أن تكون فائدة الإقدام أكبر من خسارته، قال أبو الطيب المتنبي: الرأيُ قبل شَجاعةِ الشُّجْعانِ ... هُوَ أوّلٌ وهي المَحَلُّ الثّاني وإذا هُما اجْتَمعا لنَفْسٍ حُرَّةٍ ... حازَتْ من العَلْياءِ كُلَّ مكانِ في الشباب شجاعة، وفي الشيوخ تجارب، فإذا صدرت شجاعة شباب الأمة عن آراء شيوخها الحكماء، فلا جَرَمَ أن يكون لها الموقف الحميد، والأثر المجيد. يظهر أثر الشجاعة الأدبية في: إقامة شعائر الدين، وتقويم الأخلاق، وإصلاح السياسة، وانتظام المعاملات بين الناس. فالشجاعة الأدبية هي التي تطلق لسان العالِم الأمين بوعظ جاهل غليظ القلب، أو مترف متشعب الأهواء، أو صاحب سلطان لا يحب الناصحين، يعظه ليؤدي طاعة يثقل عليه أداؤها، أو ليتعلق بفضيلة كان منقطعاً عنها، أو ليستقيم في سياسة انحرف عن رشدها، أو يعدل في قضايا جار في أحكامها، أو يحترم في معاملته حقوقاً أجحف بها.

стр. 1974

والشجاعة الأدبية تدعو الرجل إلى أن يؤدي الشهادة على نحو ما علم، دون أن يهاب عند أدائها ذا جاه أو سطوة. ولولا الشجاعة الأدبية يضعفها الله في قلوب كثير من الشهداء، لحرم كثيراً من الضعفاء حقوقاً يستولي عليها الأقوياء، ولا سبيل لخلاصها منهم غير القضاء العادل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ولا ينتظم العدل لقاضٍ، إلا أن تكون فيه شجاعة أدبية؛ إذ هي التي تساعده على أن يقضي للضعيف على القوي، كما فعل كثير من القضاة في قضايا كان المدعي فيها رجلاً من السوقة، والمدعى عليه أميراً، أو خليفة، فحكموا للسوقي على ذلك الأمير أو الخليفة، لا يخافون في الحق لومة اللائمين، أو عقوبة المستبدين. ومما حدثنا به التاريخ: أن ابن بشير قاضي قرطبة نظر في قضية رفعها بعض التجار على الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقضى للتاجر على الخليفة، وذهب إلى الخليفة يخبره بالحكم، ويهدده بالاستقالة من القضاء إن لم يقرن الحكم بالتنفيذ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. والشجاعة الأدبية تقف بالرجل في حدود ما يعلم، فيصدر فتواه في صراحة، لا يقول غير ما يعلم، ولا يرتكب طريق المواربة إرضاء لذي وجاهة أو سلطان. يحدثنا التاريخ أن المأمون فتن الناس بمسألة: (خلق القرآن)، وأن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ كان المثال الكامل للشجاعة الأدبية، فلم يجبن

стр. 1975

كما جبن غيره أمام السلطان، ولم يسلك كما سلك غيره طريق الإبهام في الجواب، بل قال: إن القرآن كلام الله قديم، واحتمل في سبيل ذلك السجن والضرب بالسياط. وفي القديم وقف بعض رجال الدين في بعض الفتاوى موقف الرهبة من السلطان، وجاروه على الباطل بعلة اتقاء عقابه، فتجافاهم الناس، حتى زهد بعض طلاب العلم في الأخذ عنه، كما ترك أبو زرعة وأحمد بن حنبل الرواية عن أحد كبار الشيوخ إذ أجاب في فتنة خلق القرآن إلى ما دعي إليه من أن القرآن مخلوق، واعتذر عندما عاتبه أهل العلم على ذلك بأنه قال ما قال اتقاء عقوبة بدنية لايحتملها. وأكبر ما يقوي الشجاعة الأدبية في النفوس: تعظيم أمر الله تعالى، وشدة الثقة بما وعد به أنصار الحق من العزة في الدنيا، والسعادة في الأخرى. ومن قرأ التاريخ، وقف على أسماء رجال كثير لم ينالوا رفعة في حياتهم، وذكراً جميلاً بعد مماتهم، إلا لأنهم كانوا يجهرون بكلمة الحق في وجوه الوجهاء أو الرؤساء، لا يصدهم عن الجهر بها خوف من مكرهم، ولا طمع فيما بأيديهم.

стр. 1976

المساواة في الإسلام (١) يتفاضل الناس بحسب جودة أفكارهم، وصفاء بصائرهم، وسعة معارفهم، وسماحة أخلاقهم، وسمو هممهم، وصحة عزائمهم، وصلاح أعمالهم، وبلاغة أقوالهم، درجات، وقد تجري المعاملات بينهم على حسب تفاضلهم في هذه الخصال والشؤون، وليس على الناس من حرج من رعاية هذه المزايا، وربط صداقاتهم ومعاملتهم الخاصة بها. أما المساواة بينهم التي يلهج بها أنصار الحرية، ويتوقف عليها انتظام السياسة، ويها يستتب الأمن في البلاد، فهي أن يكون الناس في عصمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وفي التمتع بكل ما هو حق لهم، على سواء. والسياسة لا تجري في مأمن إلا أن تكون قائمة على رعاية المساواة في التشريع والقضاء والتنفيذ، ومعنى هذا: أن يكون الناس في نظر واضع القانون، والقاضي به، والمنفذ له في منزلة واحدة. أما المساواة في التشريع، فإن الشرع الإسلامي قد راعى في تقرير الحقوق المصالح العامة من غير نظر إلى أحوال الطوائف والطبقات، ومن هنا كانت الأحكام الواردة في صيغ خاصة محمولة على العموم؛ كالأحكام

стр. 1977

الواردة في خطاب الرجال تتعداهم إلى النساء، والأحكام الواردة في خطاب أشخاص بأعيانهم تتعداهم إلى سائر من هو أهل للتكليف، كما هو في علم أصول الفقه، فكل خطاب منه ﷺ لواحد فيما يفتيه به، ويعلمه إياه، هو خطاب لجميع أمته إلى يوم القيامة (١). وهناك نظم توضع لضبط الأعمال في نحو الدوائر الحكومية، والمؤسسات العلمية، أو الخيرية، وهذه هي التي قد يستخف فيها بقاعدة المساواة، ويراعى في وضعها منافع بعض الطوائف أو الأشخاص، فتجد غير المخلص فيما ألقي إليه من إدارة بعض الشؤون العامة، يتصرف في تلك النظم على حسب ما يوافق هواه، ويرضي أشياعه. وأما المساواة في القضاء، فهي أن يتجه القاضي إلى القضية في نفسها قاصراً النظر على تفهم البيانات، وتعرف حكم الشارع الذي ينطبق عليها، دون أن يكون لشخصية المتخاصمين من أثر في مقطع الحكم؛ كما قال عمر بن الخطاب ﵁ في رسالة القضاء إلى أبي موسى الأشعري: "وآسِ بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك". لطم جبلة بن الأيهم رجلاً من بني فزارة وَطِئَ إزارَه وهو يطوف، فهشم أنفه، فاستعدى الفزاري عليه عمر بن الخطاب، فقال لجبلة: إِما أن ترضي الرجل، وإما أن أقتص له منك، فقال جبلة: كيف وهو من السوقة وأنا ملك؟! فقال: إن الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله إلا بالتقى والعافية! ففَرَّ جبلة ليلاً، وعاد إلى نصرانيته. سمعتُ بعض من يتحدث في السياسة ينقد فعل عمر هذا، ويَعُدُّهُ مخالفاً

стр. 1978

لما تقتضيه السياسة من تأليف رؤساء الأقوام للإسلام، فقلت: هذه نظرة عجلى، وإخلاص عمر للشرع الحكيم، وحرصه على تقرير الأمن في البلاد، هما اللذان أمليا عليه أن يحكم بما حكم، وأن يعزم على تنفيذ حكمه لو بقي جبلة تحت سطوته، وماذا يكون موقف عمر لو هدم قاعدة المساواة في هذه القضية، وكسر قلوب الضعفاء، وأيأسهم من أن يجدوا في عدله ناصراً على الأقوياء؟!. وكذلك كانت سيرة القضاة العادلين؛ فقد حكم أبو يوسف ليهودي في قضية رفعها على الخليفة هارون الرشيد، وحكم ابن بشير قاضي قرطبة لتاجر خامل في قضية رفعها على الخليفة عبد الرحمن الناصر. وأما المساواة في التنفيذ، فقد عني الإسلام برعايتها، ودلَّ على أن التعامي عنها من أسباب سقوط الأمم وهلاكها، ويكفي شاهداً على هذا قوله ﵊ كما روي في الصحيح: "فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها" (١). والواقع أن عدم المساواة في التنفيذ جناية على التشريع والقضاء؛ حيث يجعلهما عملاً بلا ثمر، وحبراً على ورق، وماذا ينفع تشريع أو قضاء لا نفاذ له؟. قال عمر بن الخطاب في رسالة القضاء: "وإذا تبين لك الحق، فأنفذ؛ فإنه لاينفع تكلم بحق لا نفاذ له".

стр. 1979

يتساوى الناس في التمتع بحقوقهم، ويتساوون فيما تقتضيه المصلحة العامة من أعمال، أو أداء أموال، فإذا اقتضى الحال محاربة عدو - مثلاً -، كان مناط الدعوة إليها من فيهم الكفاية لها، وإذا دعا الحال إلى الإنفاق في الذود عن الحوزة، أو إقامة منشآت عامة، كان مناط الدعوة إليه ذوي اليسار، فلا يعفى من الحرب أو الإنفاق وجيه لوجاهته، أو صديق لصداقته، أو قريب لقرابته. ونحن نعلم أن عبد الله وعبيد الله ابني الخليفة عمر بن الخطاب كانا يخرجان في الجيوش التي توجه إلى الجهاد في عهد عمر كجنديين، لا يختلفان عن سائر الجنود في شيء. ولا يظفر القابضون على زمام الأمور من شعوبهم بمثل حسن الطاعة، ولا طريق إلى حسن طاعة الشعوب إلا المساواة بينهم في الحقوق والواجبات. ومن شواهد هذا: أن النعمان بن بشير ﵁ خصَّه أبوه بشير بهبة، وجاء إلى النَّبي ﷺ ليشهده على ذلك، فقال له: "أكُلُّ ولدِك نحلته مثل هذا؟ " قال: لا، قال: "أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ "، قال: نعم، قال: "اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم في العطية". والشعوب للقائمين على تدبير شؤونهم بمنزلة الأبناء للآباء، فمن أحب أن يكونوا له في حسن الطاعة سواء، فليسلك بسياستهم طريق المساواة في الحقوق والواجبات. هذه المساواة من أكبر الدعائم التي تقوم عليها السياسة العادلة، ولكنها تُبتلى في كثير من العصور أو المواطن بآفة تزلزل أساسها، وتقوّض بناءها، وهي المحسوبية، وما أفتك هذه الآفة بوحدة الأمة! وما أسرعها بإنزال الدولة عن المكانة المحفوفة بالمهابة إلى درك منظور إليه باستهانة!.

стр. 1980

إباءة الضيم (١) وأثرها في سيادة الأمم الضَّيْم: الظلم والاضطهاد، وإباءته: كراهته والنفور منه. والنفور الصادق من الضيم يستلزم الغضب عند وقوعه؛ كما قال مهيار الديلمي يمدح أبا سعيد بن عبد الرحيم: نفى الضيمَ عنه أنْفُ غَضبانَ ثائرٍ ... يَخِفُّ وقِسْطُ الحادِثاتِ ثَقيلُ وإذا غضب الرجل من الضيم غضبة ملتهبة، بذل وسعه في التخلص منه، أو في التوقّي منه قبل وقوعه، فمن لم يغضب لوقوع الضيم، أو لم يبذل وسعه في التخلص أو الحذر منه، فهو محروم من هذا الخلق المجيد. ولهذا الخلق صلة محكمة بخلقين عظيمين: عزّة النفس، والبطولة، فمن لم يكن عزيز النفس، لم يتألم من أن يضام، ومن لم يكن بطلاً، احتمل الضيم رهبة أو حرصاً على الحياة. ومن طالع تاريخ العرب في عهد جاهليتهم، عرف أنهم كانوا يأبون الضيم في حماسة وصلابة، ويعدّونه في أول ما يفتخرون به من مكارم الأخلاق، وقد أخذ هذا الخلق في أشعارهم ومفاخراتهم مكاناً واسعاً، فنبهوا على أن

стр. 1981

احتمال الضيم عجز، والعاجز لا يرجى لدفع ملمّة، ولا للنهوض بمهمّة. قال المتلمّس: ولا تَقْبَلَنْ ضَيْماً مخافَةَ مِيتَةٍ ... وموتَنْ بها حُرّاً وجِلْدُك أَمْلَسُ وضربوا لاحتمال الضيم أبشع الأمثال، وأشدها تنفيراً منه، فقال المتلمس أيضاً: ولا يُقيمُ على ضَيْمٍ يُرادُ بهِ ... إلاَّ الأذلّانِ عَيْرُ الحيِّ والوَتَدُ هذا على الخَسْفِ مَرْبوطٌ بِرُمَّتِهِ ... وذا يُشَجُّ فلا يَرْثي لَهُ أحَدُ ونبهوا على أن حرية النفس والإقامة على ضيم لا يجتمعان أبداً، فقال الشنفرى: ولكنَّ نفساً حُرَّةً لا تُقيمُ بي ... على الضَّيْمِ إلّا رَيْثما أتحوَّلُ وأشاروا في حكمهم إلى أن ذوي النفوس الزكية يتجافون عن مواطن الضيم، وينأون عنها، ولو إلى مواقع الخطوب الدامية، قال معن بن أوس: إذا أنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أخاكَ وجَدْتَهُ ... عَلى طَرَفِ الهجران إنْ كانَ يَعْقِلُ ويرْكَبُ حدَّ السَّيْفِ مِنْ أنْ تُضيمَهُ ... إذا لم يَكُنْ عن شَفْرَة السَّيفِ مَزْحَلُ وإباءة العرب للضيم أيام جاهليتهم ملأت أعين الدول المجاورة لهم مهابة، فعاشوا ولم يكن لواحدة من تلك الدول عليهم من سبيل. قال النعمان بن المنذر يصف العرب في محادثة له مع كسرى: "وأما عزّها ومنعتها (يعني: العرب)، فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوّخوا البلاد، ووطدوا الملك، ولم يطمع فيهم (أي: العرب) طامع، ولم ينلهم نائل".

стр. 1982

جاء الإسلام، فوجد العرب قد يتجاوزون في هذه الخصلة حد الاعتدال، فهذّبها، وأحاطها بحكمة حققت فيها معنى ابتغاء العزّة، وهيأتها لأن تلتقي بالعدل، وترافق الحلم، وتساير السياسة الرشيدة أينما سارت. وأضربُ المثلَ لتجاوزهم بإباء الضيم حد الاعتدال: أن القبيلة كانت عندما تقتل القبيلة واحداً منها، قامت تدفع هذا الضيم عن ساحتها، ولا ترضى إلا أن تقتل بالواحد جماعة، وربما قامت من أجل قتل نفس واحدة حرب شعواء بين قبيلتين، تستمر أعواماً طوالاً، ولا تضع أوزارها حتى تسيل فيها أنهر من الدماء؛ كحرب البسوس المعروفة في تاريخهم، وقد قوَّمَ القرآن الكريم هذا العوج، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة: ١٧٩]. وكانوا لا يبالون عند الانتقام من ظالم أن يقابلوه بأكثر أو أشد من مثل ما اعتدى به عليهم، فقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. فأنتم ترون أن القرآن الكريم قد نبه على أن الضيم الذي يحصل للقبيلة بقتل واحد منها يرتفع بالقصاص الذي هو قتل القاتل وحده، وأن الاعتداء الذي يقع على الفرد أو الجماعة يكفي في جزائه مقابلته بالمثل، فالقبيلة إذا اكتفت بقتل القاتل وحده، والمعتدى عليه إذا اقتصر في جزاء المعتدي بمثل ما اعتدى به، فقد أعطى كل منهما إباءة الضيم حقها، وليس لأحد أن يعيره بسبة احتمال الضيم إلا أن يكون خادماً للشيطان، أو جاهلاً بمواقع العدل،

стр. 1983

غير بصير بمكارم الأخلاق. هذَّب الإسلام إباءة الضيم، وجعلها من الخصال التي يقتضيها الإيمان الصادق، فأصبحت خلقاً إسلامياً، أينما وجد الإيمان الصادق، وجدت إباءة الضيم بجانبه، ألا تقرؤون فيما تقرؤون من الكتاب المجيد قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنانقون: ٨]، ولا عزة لمن يسومه عدوه ضيماً، فيطأطئ له رأسه خاضعاً، وإنما قتل في نفسه الشعور بالمهانة الحرصُ على الحياة، أو على شيء من متاعها، وكل متاعها في جانب العزة حقير. يأبى الرجل الراسخ في مكارم الأخلاق أن يلحقه الضيم في نفسه، ويأبى بعد هذا أن يضام من يمتُّ إليه بصلة قرابة أو جوار أو استجارة؛ إذ اضطهاد أحد من أمثال هؤلاء يجر إليه عاراً، ويلبسه صغاراً. ورجل الأخلاق يغضب لأن يضام المنتمي إليه بصلة قرابة، وإذا كان هذا القريب ممن يناوئه، ويضمر له سوءاً، قال المغيرة بن حنباء: وأغْضَبُ للمَوْلى فأمنَعُ ضَيْمَهُ ... وإنْ كان غِشّاً ما تَجِنُّ (١) ضمائِرُهْ يغار الرجل على ذوي القرابة والصداقة والجوار، ويبذل في إِنقاذهم من الضيم دمه، أو ماله، أو جاهه، فيعظم بهذه المزية في أعين من يُقدرون المكارم قدرها. وأكبر أباة الضيم همة، وأرقاهم في سماء السيادة مقاماً، من يغار على الأمة التي يجمع بينه وبينها دين أو وطن، ويأبى أن تمسها لفحة من ضيم،

стр. 1984

فيجاهد في سبيل سلامتها من أن يهضم حق من حقوقها، أو يغتصب شبر من أوطانها. ويصور لك إباءة الرجل لأن يضام قومُه قولُ عتبان الشيباني حين نزلت ثقيف متغلبة على أرض قومه: فلا صُلْحَ ما دامَتْ منابِرُ أرْضِنا ... يقومُ عَلَيْهَا مِنْ ثَقيفَ خَطيبُ ودفع الضيم عن الأمة حق على كل من يستطيع الاشتراك فيه بنفس، أو مال، أو تدبير، أو تحريض. وقد نصَّ علماء الشريعة على أن العدو إذا أقبل مهاجماً، كان فرضاً على كل شخص، حتى النساء أن يخرجوا لدفاعه بما استطاعوا. ووقاية الأمة من مهانة الضيم تستدعي العمل لأن تكون للأمة قوتان: مادية، ومعنوية. أما المادية، فبإعداد ما يتطلبه الدفاع من وسائل الانتصار على العدو، وهذا ما أشار إليه القرآن المجيد بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وأما المعنوية، فبتربية النشء على خلق الشجاعة، وصرامة العزم، والاستهانة بالموت. فالأمة التي تأبى الضيم بحق، هي الأمة التي تلد أبطالاً، وتبذل كل مجهود في إعداد وسائل الدفاع، لا يقعد بها بخل، ولا يلهيها ترف، وتفاضل الأمم في التمتع بالحرية والسلامة من أرجاس الضيم، على قدر ما تلد من أبطال، وما تعدّه من أدوات الرمي والطعان: متى تَجْمَعِ القَلْبَ الذَكِيَّ وصارِماً ... وأَنْفاً حَمِيّاً تَجْتَنِبْكَ المَظَالِمُ

стр. 1985

إباءة الضيم خلق محمود أينما حل، وأهم موقع له نفوس الرجال الموكول إليهم تدبير شؤون الأمة، وتنفيذ ما يحقق آمالها، وإنما تسقط الأمة في هاوية الاحتلال الأجنبي، إذا وقع زمام أمرها في يد من صغرت همته، فلا يغضب للضيم الذي يلقى على عنقه، ويسوق الأمة بعصاه إلى جهل وفقر وشقاق. وأذكر أن أحد قواد الأسبان وقع أسيراً مع ابنته في يد أمير أندلسي، فأخذت ابنته الفتاة تظهر التودد للأمير الأندلسي، ولكن حزمه أبى له أن ينحدر مع شهوته، ويقرِّبها إليه حتى فُتِّشَتْ، فوُجد معها منديل صغير مُشَرِّبٌ بِسُمّ، وكان قد أرادت أن تغتال به الأمير عند اتصاله بها، فابتعد منها، وقال: لو كان قلب هذه الفتاة في صدر أبيها، ما تغلبنا عليه، ولا وقع في أسرنا!. والضيم من أي معتدٍ صدر، شديدُ الوقع، خبيث الطعم، ولكن الضيم الذي يلحق الإنسان من وضيع مَلَك قوة، أو اعتز بذي قوة، يكون وقعه في نفسه أشد إيلاماً من ضيم يلحقه من عظيم في قومه. وقد أشار إلى هذا حاتم الطائي حين لطمته جارية وهو أسير في بعض أحياء العرب، فقال: "لو ذات سوار لطمتني! ". وأذكر بهذا: أن من أشد النكبات تمزيقاً للقلوب مدّ اليهود الصهاينة أيديهم إلى بلاد عربية إسلامية ليضعوها تحت سيطرتهم الغاشمة. ولنطوِ الحديث عنهم وعن الدول التي انحازت إلى جانبهم، وظلت تنحط في أهوائهم، وتسارع إلى العمل لتثبيت أقدامهم، فستقدر هذه الدول يقظة الشرق قدرها، وتعرف أن السلام العام الذي تزعم أنها تنشده لا يتيسر، وللصهيونيين طمع في أن يقيموا في قلب الأمة العربية الإسلامية دولة.

стр. 1986

ومن الحكمة أن يعمل الإنسان للتخلص من الضيم، بعد شيء من التدبر وإحكام الرأي، حتى لا تفضي به مكافحة الضيم الصغير إلى ضيم أفظع منه، أو تفوت على الجماعة مصلحة أو مصالح كبيرة، لا يُعَدُّ ذلك الضيم في جانبها شيئاً مذكوراً، وأورد في بيان هذا مثلين: أحدهما: من السيرة النبوية، وثانيهما: من التاريخ الصحيح. أما السيرة، فقد جاء في قضية الحديبية: أن النَّبي ﷺ عقد مع المشركين صلحاً، قد يبدو في أول النظر أن فيه إجحافاً بحقوق المسلمين، حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ جاء إلى النَّبي ﷺ ، وقال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: "بلى". قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟! قال: "أنا عبد الله ورسولُه، لن أخالف أمره، ولن يضيعني". ومن نظر في الفوائد التي ترتبت على هذا الصلح، وجدها من العظم بحيث لا يعد الصلح وقبولُ ما تمسك به المشركون من الشروط إلا شيئاً لا يقام له وزن، وعرف أن السياسة التي سار عليها رسول الله ﷺ أقومُ سبيلاً مما بدا لعمر بن الخطاب في نظرته الأولى. وأما التاريخ: فإن الإسبان لما طغوا على ملوك الطوائف بالأندلس، وشعر هؤلاء الملوك بضعفهم عن مقاومتهم، ظهر للمعتمد بن عباد ملكِ إشبيلية أن يستعين في دفاعهم بسلطان المغرب يوسف بن تاشفين، فقال له بعض أولئك الملوك: نخشى أن يدخلَ بلاد الأندلس، ويردَّ العدو، ثم يبسط سلطانه علينا، فقال المعتمد تلك المقالة الخالدة: "لأن أرعى الجمال خير من أن أرعى الخنازير! ".

стр. 1987

عِظَمُ الهمّة (١) شؤون الأمم شتى، وأعزُّ شؤونها مكارم الأخلاق. وحقوق الأمم على علمائها وزعمائها كثيرة، وأهمُّ حقوقها القيام على هذه المكارم؛ فالجماعة التي تعمل على تقويم الأخلاق، وترقية الآداب، هي التي تحمل من أعباء حقوق الأمة ما كان أرجح وزناً، وأكبر نفعاً. إذاً رجال "جمعية مكارم الأخلاق" يعنون بأعز شؤون الأمة، ويقومون على أهم وسيلة من وسائل سعادتها، فجمعية المكارم جديرة بالمؤازرة، خليقة بأن يكون أصلها ثابتاً، وفرعها في السماء. شدَّة أثر الأخلاق السامية في تقدم الشعوب وتفوقها، وقيام جمعية المكارم على بثّ الفضيلة، وإعلاء كلمتها، هما اللذان يَسَّرا عليَّ أن أتقدم إلى هذا المجمع الكريم، وألقي فيه كلمة صغيرة، أصف بها خُلقاً من أجَلِّ الأخلاق، وهو عِظَمُ الهمّة. * ما هو عِظَمُ الهمة؟ أحكم علماء الأخلاق بيان هذا الخلق، فقالوا: "هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور".

стр. 1988

فعظيم الهمة يستخف بالمرتبة السفلى، أو المرتبة المتوسطة من معالي الأمور، ولا تهدأ نفسه إلا حين يضع نفسه في أسمى منزلة، وأقصى غاية، ويعبِّرُ عن هذا المعنى النّابغة الجَعْدي بقوله: بلَغْنا السّماءَ مَجْدُنا وجدودُنا ... وإنّا لنَبْغي فوقَ ذلكَ مَظْهَرا وإذا كان هذا الخلق لا يقع إلا على معالي الأمور، فلا عظمة لهمم قوم يبتغون النهاية في زينة هذه الحياة، ويغرقون في التمتع بلذاتها المادية؛ كهؤلاء الذين يسرفون في الملابس المنمقة، والمطعومات الفاخرة، والمباني الشاهقة؛ فإن الزينة واللذائذ المادية لا تعد فيما تتسابق فيه الهمم من معالي الأمور: إذا كان في لُبْسِ الفتى شَرَفٌ لَهُ ... فما السيف إلا غِمْدُهُ والحمائِلُ والشاعر الذي يقول: هِمَمُ الملوكِ إذا أرادوا ذِكْرَها ... مِنْ بَعْدِهِمْ فَبِأَلْسُنِ البُنْيَانِ لم يقل صواباً، ولم ينطق بحكمة، إلا أن يريد من البنيان: ما أقاموه لمصالح عامة؛ كان يكون مدارس، أو مستشفيات، أو دوراً للكتب، أو مساجد يذكر فيها اسم الله، أو ملاجئ تأوي إليها اليتامى أو المساكين وابن السبيل. يستصغر عظيم الهمة ما دون النهاية من معالي الأمور، وإذا رأى الوسائل في الخارج تخونه، وتأبى أن تساعده على إدراك النهاية، فإنه يمضي في عزمه، ويرضى بمبلغ جهده، وإن كان دون المرتبة العليا. ومن الخطل في الرأي أن ينزع الرجل إلى خصلة شريفة، حتى إذا شعر بالعجز عن بلوغ غايتها البعيدة، انصرف عنها جملة، والتحق بالطائفة التي ليس لها في هذه الخصلة من نصيب. والذي يوافق الحكمة، ويقتضيه حق

стр. 1989

التعاون في سعادة الجماعة، أن يذهب الرجل في همه إلى الغايات البعيدة، ثم يسعى لها سعياً، ولا يقف دون النهاية إلا حين ينفد جهده، ولا يهتدي للمزيد على ما فعل سبيلاً. والناس في الحقيقة أصناف: رجل يشعر بأن فيه الكفاية لعظائم الأمور، ويجعل هذه العظائم همته، وهذا من يسمى: "عظيم الهمة"، أو "عظيم النفس". ورجل فيه الكفاية لعظائم الأمور، ولكنه يبخس نفسه، فيضع همه في سفساف الأمور وصغائرها، وهذا من يسمى: "صغير الهمة"، أو "صغير النفس". ورجل لا يكفي لعظائم الأمور، ويحس بأنه لا يستطيعها، وأنه لم يخلق لأمثالها، فيجعل همته وسعيه على قدر استعداده، وهذا الرجل بصير بنفسه، متواضع في سيرته. هؤلاء ثلاثة، ورابعهم لا يكفي للعظائم، ولكنه يتظاهر بأنه قوي عليها، مخلوق لأن يحمل أثقالها، وهذا من يسمونه: "فخوراً"، وإن شئت فسَمِّهِ: "متعظِّماً". * من أين ينشأ عِظَم الهمة: يتربى عظم الهمة عن طريق الاقتداء؛ كأن ينشأ الفتى تحت رعاية ولي، أو أستاذ يطمح إلى النهايات من معالي الأمور، أو من طريق تلقين الحكمة، وبيان فضل عظم الهمة، وما يكسب صاحبه من سؤدد وكمال، أو من طريق درس التاريخ، والنظر في سير أعاظم الرجال، فإنّا لو أخذنا نبحث عن مفاخر أولئك الذين يلهج التاريخ بأسمائهم، لوجدنا معظم مفاخرهم قائمة على

стр. 1990

هذا الخلق الذي نسميه: "عظم الهمة". والقرآن يملأ النفوس بعظم الهمة، وهذا العِظَمُ هو الذي قذف بأوليائه ذات اليمين وذات الشمال، فأتوا على عروش كانت ظالمة، ونسفوها من وجه البسيطة نسفاً، ثم رفعوا لواء العدل والحرية والمساواة، وفجّروا أنهار العلوم تفجيراً. وإذا رأينا من بعض قرّائه همماً ضئيلة، ونفوساً خاملة، فلأنهم لم يتدبّروا آياته، ولم يتفقهوا في حكمه. * فضل عظم الهمة: يسمو هذا الخُلُق بصاحبه، فيتوجه به إلى النهايات من معالي الأمور، فهو الذي ينهض بالضعيف يُضطهد أو يُزدرى، فإذ هو عزيز كريم. وهو الذي يرفع القوم من سقوط، ويبدلهم بالخمول نباهة، وبالاضطهاد حرية، وبالطاعة العمياء شجاعة أدبية. هذا الخلق هو الذي يحمي الجماعة من أن تتملق خصمها، وتسل يدَها من أسباب نجاتها ومنعتها. أما صغير الهمة، فإنه يبصر بخصومه في قوة وسطوة، فيذوب أمامهم رهبة، ويُطرق إليهم رأسه حِطّة، ثم لا يلبث أن يسير في ريحهم، ويسابق إلى حيث تنحط أهواؤهم. نعم، يورِد هذا الخلق صاحبه موارد التعب والعناء، ولكن التعب في سبيل الوصول إلى النهاية من معالي الأمور يشبه الدواء المرّ، فيسيغه المريض كما يسيغ الشراب عذباً بارداً، وعظيم الهمة قد يشتد حرصه على الشرف، حتى لا يكاد يشعر بما يلاقيه في سبيله من أنكاد وأكدار. وربما كان الشرف الذي يركب له الأخطار والشدائد أعزّ وقعاً وأدلّ

стр. 1991

على عظم همته من الشرف الذي يناله في يسر وسهولة. أراد أبو الوليد الباجي - حين كان يناظر أبا محمد بن حزم - أن يثبت لهمته فضلاً على همة ابن حزم، فقال له: أنا أعظم منك همة في طلب العلم؛ لأنك طلبتَهُ وأنتَ تُعان عليه، تَسهر بمشكاة الذهب، وطلبْتُهُ وأنا أسهر بقنديلٍ بائر السوق. وأجابه ابن حزم قائلاً: أنتَ طلبتَ العلم في حال فاقة رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبتُه في حين ما تعلمه وما ذكرته، لا أرجو إلا علوَّ القدر العلمي في الدنيا والآخرة. فضّل أبو الوليد الباجي همته على همة ابن حزم بما كان يلاقيه في سبيل طلب العلم من شدة وعناء، وفضّل ابن حزم همته على همة أبي الوليد الباجي بأنه كان يطلب العلم لفضيلته. ولو صح قول ابن حزم، وثبت ما اتهمَ به أبا الوليد من أنه كان يطلب العلم لليسار والرفاهية، لكان أعظم همة ممن يريد اتخاذ العلم وسيلة إلى منصب، أو وجاهة، أو مال. يتعلق عظم الهمة بكل شأن رفيع، ومقام محمود، ولا تسع هذه الكلمة إلا أن نعرج فيها على عِظم الهمة في العلم، وعِظم الهمة في النصح والإرشاد. * عظم الهمة في العلم: تتفاضل العلوم بغاياتها، وبقدر ما يكون لها من الاتصال بسعادة الإنسان. وتتفاضل همم الطلاّب بالنظر إلى هذه العلوم المتفاضلة في نفسها. فلكلٍّ من علم الأخلاق وعلم العروض - مثلاً - أثر في الحياة الأدبية، ولكن علم الأخلاق أقرب إلى السعادة منزلة، وأوسع فيما ينفع الناس جولة. فمن يُعنى بالأخلاق ليتحلى بمكارمها، يكون أرفع همة ممن يُعنى بالعَروض ليعرف أوزان الشعر

стр. 1992

وما يلحقها من زخارف أو علّة. وأعظم من هاتين الهمتين همة من جمع بين درس الأخلاق والعروض. أخذ بعض أهل العلم يدرس العروض بعد أن بلغ من الكبر عتياً، ولما لامه بعض أصحابه على اشتغاله بهذا العلم الصغير، وهو شيخ كبير، قال له: شهدت مجلس قوم كانوا يتحاورون في هذا العلم، ولم أكن على معرفة به، وكان نصيبي بينهم السكوت، فأخذتني ذِلّة. فمن درس علماً فأتقنه، ثم بسط نظره في علوم أخرى، كان أعظم همة ممن درس علماً، ثم قعد لا يلقي لغيره من العلوم بالاً، ولا يعرف لثمرها اللذيذ طعماً. كان لطلاب العلم في الشرق حرص على أن يستكثروا من العلم، ويضعوا أيديهم في فنون شتى، وما كانت رغبة الواحد منهم في الاطلاع على العلوم والفنون بعائقة له عن أن يرسل نظره في بعضها حتى يرسخ فيها فهماً، ويأخذ بأطرافه علماً، ويرقى إلى المنزلة التي تسمى: "تخصّصاً". فشيخ الإسلام ابن تيمية كان طوداً راسخاً في علوم الشريعة، وأضاف إلى رسوخه في هذه العلوم أن بلغ في علوم اللغة مرتبة تخوله أن يخطئ سيبويه في نحو أربع عشرة مسألة في علم النحو. وهذا حجة الإسلام الغزالي كان متضلعاً من علوم الشريعة ووسائلها، وجمع إلى تضلعه في هذه العلوم أن كان يهاجم الفلاسفة في كثير من آرائهم، ويناقشها بمنطق وروية. وهذا القاضي عبد الوهاب بن نصر كان فقيهاً نحريراً، وأديباً فائقاً، وهو الذي يقول فيه أبو العلاء المعري:

стр. 1993

والمالِكيُّ ابنُ نَصْرٍ زارَ في سَفَرٍ ... بلادَنا فحمِدْنا النَّأْيَ والسَّفَرا إذا تفقَّهَ أحيا مالِكاً جَدَلاً ... وينشُرُ المَلِكَ الضّلِّيلَ إنْ شَعَرا فعظم الهمة يدعو طلاب علوم الشريعة الإسلامية أن يمدوا أنظارهم إلى هذه العلوم الحديثة؛ ليكونوا منها على بصيرة، وليزدادوا بها بينة على بيناتهم المفحمة لهذه الفئة التي تزعم أن بين الدين والعلم خلافاً، وأن من العلم ما لا يستقر مع حقائق الدين في نفس واحدة. ومن عظم همة القائم على بعض هذه العلوم الحديثة: أن يأخذ نفسه بالاطلاع على حقائق الإسلام وآدابه؛ ليحرز بها الكمال والسعادة، وليتعالى عن أن يمشي وراء نفر يجتمعون على أن يحاربوا ما في هذا الدين القيّم من حكمة وفضيلة. تتفاوت الهمم في العلم الواحد من ناحية الاطلاع على مسائله، ثم من ناحية التصرف في هذه المسائل بتحقيق النظر، وإجادة البحث. فطالب العلم الذي لا يدع باباً من أبوابه إلا ولجه، ولا يغادر بحثاً من مباحثه المهمة إلا ألمَّ به، يكون أعظم همة ممن لا يطرق منه كل باب، أو لم يعرج فيه على كل مسألة قيمة. وطالبُ العلم الذي يخوضه بنظر حر، ويتناول مباحثه بنقد وبصيرة، يكون أعظم همة ممن يجمع مسائله حفظاً، ويتلقاها كما يتلقاها "حاكي الصّدى"، لا يكلفك غير إملائها عليه. وطالب العلم الذي يتحرى لبابه، ويجول في أصوله، يكون أعظم همة ممن يقضي الزمن في قشوره، ويحبس النظر في دائرةٍ ضيقة من فروعه. وكذلك ترى الأستاذ النحرير يبخل بأوقاته النفيسة عن أن ينفقها في

стр. 1994

مناقشات واهية، وإنما يندفع إلى الخوض في حقائق العلم، والغوص على أسراره، وإذا توجهت إلى نقد عبارة مؤلف، فإنما يمس الخلل الذي يشوه صورة المسألة التي هي موضع البحث. هذا والأمل معقود على أن هذه المعاهد والمدارس، تُنبت لنا رجالاً تعظم هممهم، فيجمعون من العلوم ما يجعل الشرق بحراً زاخراً، ويسيرون في كل علم سيرة الباحث الذي يفتح فيه طرقا قيمة، ويجعل نتائجه في تجدد ونماء. * عظم الهمة في النصح والإرشاد: في سبيل الدفاع عن الحق، أو الدعوة إلى الإصلاح عقبة لا يقتحمها إلا ذوو الهمم الكبيرة؛ فإن في طوائف المبطلين أو المفسدين نفوساً طاغية، وأحلاماً طائشة، وألسنة مقذعة، وربما كانت فيهم أَيدٍ باطشة، وأرجلٌ في غير الخير ساعية. فأنصار الحقيقة ينصبون أنفسهم أمام هذه الشرور كلها، وإنما تعظم هممهم على قدر ما يتوقعونه من فقد محبوب، أو لقاء مكروه، فالذي ينكر على الحكام خرقاً في السياسة، أو حيفاً في القضاء، يكون أعظم همة ممن لا يحمي الحقيقة إلا إذا عبثت بها أيدي الضعفاء، والذين لا يجدون ما ينفقون. يتمثل لكم عظم الهمة في منذر بن سعيد قاضي قرطبة، حين قام في خطبة الجمعة ينكر على الخليفة عبد الرحمن الناصر إسرافه في الإنفاق على تشييد المباني وزخرفتها، وأخذ يلقي الخطبة في كلام جزل افتتحه بقوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣٠]، وسلك ذلك الكلام الجزل،

стр. 1995

وهو على علم بأن الخليفة حاضر مستمع إليه، ولكن الخليفة انصرف بعد أن قضيت الصلاة، ولم يزد على أن صار يصلي في جامع لا يخطب فيه منذر ابن سعيد. يشهد العالِمان الرجلَ من ذوي الشأن يعمل عملاً غير صالح، وأعظمُهما همة هو الذي يسبق إلى إنكار عمله، وتذكيره بسوء عاقبته. دخل عثمان بن إدريس، ومننر بن سعيد البلوطي على الخليفة الناصر وهو في الزهراء، فأنشد أبو عثمان أبياتاً أطرى بها الخليفة على هذا البناء، فابتهج الناصر، واهتز لهذا الإطراء، أما منذر بن سعيد، فإنه أطرق رأسه ساعة، ثم رفع رأسه وقال: يا بانيَ الزَّهْراءِ مُسْتَغْرِقاً ... أوقاتَهُ فيها أما تُمْهِلُ للهِ ما أحسنَها رَوْنَقاً ... لَوْ لَمْ تكُنْ زهْرَتُها تَذْبُلُ فقال الناصر: إذا هبَّ عليها نسيم التذكار، وسقتها مدامع الخشوع، لا تذبل إن شاء الله. فقال منذر: اللهم اشهد، فإني قد بثثت ما عندي، ولم آلُ نصحاً. وأصاب منذر فيما قال، فقد ذبلت زهرة الزهراء، وتهدمت قصورها يوم قام محمد بن هشام على بني عامر، وانتزع الملك من أيديهم، واستولى على قرطبة سنة تسع وتسعين وثلاث مئة. وإذا كانت الدعوة من معالي الأمور، فنهايتها التي يبلغها الداعي المصلح أن يرشد إلى ما يراه حقاً، وبحذر مما يراه منكراً، غير حافل بما يحفل به ضعيف الإيمان، أو قليل الإخلاص من رضا الملأ الذين استكبروا. رفع القرآن مكان الدعوة، ثم جعل الدعاةَ إلى حق أو إصلاح خير أمة

стр. 1996

أخرجت للناس. وقد خرج بفضل القرآن رجال عظمت هممهم، فكانوا يؤثرون الحق والنظام على منافعهم الخاصة، ويحتملون في سبيل النصح والإرشاد ما تدعوهم الحكمة إلى احتماله من فقد السرَّاء، أو لقاء الضرَّاء. وسنرى - بتوفيق الله تعالى - من هذه المعاهد والمدارس رجالاً كثيراً يقدرون عظم الهمة في النصح للأمة، وينهضون بهذا الواجب ضاربين بمنافعهم الخاصة إلى وراء. وإذا فاتهم أن يروا ثمرة جهادهم بأعينهم، ففي شرف الجهاد وإنارة السبيل للأجيال القابلة كفاية.

стр. 1997

الإسلام والمدنية الحديثة (١) قد تدرك العقول بنفسها حسن الأفعال أو قبحها لأول نظرة، أو بعد تأمل صروية، وتتفاوت العقول في إدراك حسن الأفعال وقبحها، حتى إن الفعل الواحد قد يبدو لعقل حسناً، ولعقل آخر قبيحاً، وقد يكون في بعض الأفعال وجه من الحسن أو القبح لا تجتليه العقول، فتقف تجاهه غافلة عنه، أو مشتبهة في أمره. ولاختلاف العقول في إدراك حسن الأشياء وقبحها، اختلفت المذاهب، وتعددت الفرق: إلى عبّاد النار، وعبّاد الكواكب، وعبّاد الأحجار، وعبّاد بعض الحيوان، واختلفت الآراء في مظاهر العبادات، وفي القوانين التي تساس بها الرعايا، وفي العادات، هذا يستحسن أمراً، وهذا يستهجنه. وعلى فرض أن تكون العقول متفقة أو متقاربة في إدراك الحقائق والمصالح، فهناك قوة في النفس قد تعارض العقل، وتشق عصا طاعته في كثير من الأحيان، وهي الإرادة، فقد يدرك الإنسان حسن شيء، وتأبى إرادته أن تتجه إليه، أو يدرك قبح شيء، وتنصب عليه إرادته، فإن الإرادة؛ قد تنبعث عن علم صحيح، وقد تسوقها أهواء طاغية، أو عادات مستحكمة.

стр. 1998

فالناس في حاجة إلى قوة تفيض أشعتها على العقول، فتتقارب في إدراك الحقائق والمصالح، وتوجه الإرادة إلى ما أدرك العقل حسنه، أو تصرفها عما أدرك العقل قُبْحه، وليست هذه القوة سوى: الدين الحق. فالدين يهدي العقول إلى ما تغفل عنه، أو تقصر عن إدراكه من وجوه الإصلاح، ويروّض الإرادة حتى تساير العقل في اتجاهه السديد. وللدين مزية أخرى في إصلاح المجتمع، هي أن البراهين القائمة على أنه وضع إلهي، تكسو أوامره مهابة، فتتلقى بالطاعة في السر والعلانية. ومن مزايا الدين في الإصلاح: أن المؤتمِرَ بأوامره يشعر بأنه يعمل ابتغاء رضا الخالق - جلّ شأنه -، فهو يرجو الجزاء الأكبر في حياته الأخرى، زيادة على أن عمله الصالح كلبنة في رقي أمته، أو حلقة في نظام حياتها المطمئنة، وذلك الشعور يزيد عزمه على القيام بالأعمال الجليلة شدة، وبحثه على أن يتحرى بأعماله غاية ما يستطيع من الإتقان. وإذا رأينا في بعض من ينتمون إلى الدين الحق وهناً في العزم، أو صغراً في الهمة، أو ضيقاً في العمل، فالدين بريء من تبعة هذه النقائص، وإنما تبعتها على أصحابها خاصة إن كانوا يعلمون، أو على من يوكل إليهم أمر التعليم، حيث لم يقوموا عليه بكفاية وأمانة. ومن هنا كان تعرُّفُ حقائق الأديان من أحوال المنتمين إليها خطأً مبيناً، وإنما تعرف حقائق الدين من كتابه السماوي، أو حديث المبعوث به، حيث لم يطرأ عليه تغيير أو تحريف. فما وعد الله به أهل الدين من عزة في الدنيا، أو فوز على الأعداء، إنما هو وعد لمن تلقوا ذلك الدين بإيمان يحملهم على أن يمتثلوا أوامره، ويجتنبوا

стр. 1999

نواهيه ما استطاعوا، فلا يخالجك ريب في صدق الوعود التي وعد الله بها الموقنين من العزة والسيادة إذا رأيت جماعة أو أمة تنتمي إليه وهي تحت سلطان عدو يذيقها عذاب الهون صباحاً ومساءً، ذلك أن وعد الله حق، وهو موجه إلى من يجيبون داعيه بامتثال أمره في نحو قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وباجتناب نهيه في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. وإذا كان الدين الحق هو المنظّم لشؤون الأفراد والجماعات على وجه تقصر عنه النظم البشرية، فمن واجب الحكومات الإسلامية متى أرادت الخير لشعوبها، واستتباب الأمن في أوطانها، والمباهاة بعدل محاكمها، وبطولة جنودها، أن تبذل ما لديها من عناية في نشر تعاليم الإسلام بين سائر الطبقات، وأن تستمد قوانيها من تشريعه الواسع النطاق.

стр. 2000

صدق اللهجة (١) في كل خصلة فاضلة شرف وخير، ولكل خصلة فاضلة أثر في سعادة الجماعة، وقد تتفاوت هذه الخصال بكثرة الحاجة إليها، ومن الخصال التي تكثر مواضع الاحتياج إليها: صدق اللهجة، فلا غنى للجماعة عن أن يكون فيها صدق وحلم، والأحوال التي يحتاج فيها إلى الصدق أكثر من الأحوال التي يحتاج فيها إلى الحلم، ونحن لا نشعر بالحاجة إلى شجاعة السيدات والأطفال، وكل منا يشعر بالحاجة إلى صدق الطفل الآخذ في التردد على المدرسة، وصدق الصانع في مصنعه، والأمير على كرسيه. فالكلمة التي نلقيها في هذه الليلة إنما نصف بها فضيلة شأنها رفيع، وأثرها في الاجتماع كبير، وهي صدق اللهجة. ولا تثريب علينا إذا تناولنا في أثناء بحث هذه الفضيلة نبذة في الحديث عن ضدها، وهو الكذب؛ فإن حقائق الفضائل تتجلى بمعرفة أضدادها. * ما هو الصدق؟ الصدق في لغة العرب: إلقاء الكلام على وجه يطابق الواقع والاعتقاد، ومقتضى هذا الشرح: أن الكلام الذي يخالف الواقع والاعتقاد معاً، أو يخالف
следующие страницы →