أخرجت للناس. وقد خرج بفضل القرآن رجال عظمت هممهم، فكانوا يؤثرون الحق والنظام على منافعهم الخاصة، ويحتملون في سبيل النصح والإرشاد ما تدعوهم الحكمة إلى احتماله من فقد السرَّاء، أو لقاء الضرَّاء. وسنرى - بتوفيق الله تعالى - من هذه المعاهد والمدارس رجالاً كثيراً يقدرون عظم الهمة في النصح للأمة، وينهضون بهذا الواجب ضاربين بمنافعهم الخاصة إلى وراء. وإذا فاتهم أن يروا ثمرة جهادهم بأعينهم، ففي شرف الجهاد وإنارة السبيل للأجيال القابلة كفاية.
стр. 1997
الإسلام والمدنية الحديثة (١)
قد تدرك العقول بنفسها حسن الأفعال أو قبحها لأول نظرة، أو بعد تأمل صروية، وتتفاوت العقول في إدراك حسن الأفعال وقبحها، حتى إن الفعل الواحد قد يبدو لعقل حسناً، ولعقل آخر قبيحاً، وقد يكون في بعض الأفعال وجه من الحسن أو القبح لا تجتليه العقول، فتقف تجاهه غافلة عنه، أو مشتبهة في أمره.
ولاختلاف العقول في إدراك حسن الأشياء وقبحها، اختلفت المذاهب، وتعددت الفرق: إلى عبّاد النار، وعبّاد الكواكب، وعبّاد الأحجار، وعبّاد بعض الحيوان، واختلفت الآراء في مظاهر العبادات، وفي القوانين التي تساس بها الرعايا، وفي العادات، هذا يستحسن أمراً، وهذا يستهجنه.
وعلى فرض أن تكون العقول متفقة أو متقاربة في إدراك الحقائق والمصالح، فهناك قوة في النفس قد تعارض العقل، وتشق عصا طاعته في كثير من الأحيان، وهي الإرادة، فقد يدرك الإنسان حسن شيء، وتأبى إرادته أن تتجه إليه، أو يدرك قبح شيء، وتنصب عليه إرادته، فإن الإرادة؛ قد تنبعث عن علم صحيح، وقد تسوقها أهواء طاغية، أو عادات مستحكمة.
стр. 1998
فالناس في حاجة إلى قوة تفيض أشعتها على العقول، فتتقارب في إدراك الحقائق والمصالح، وتوجه الإرادة إلى ما أدرك العقل حسنه، أو تصرفها عما أدرك العقل قُبْحه، وليست هذه القوة سوى: الدين الحق.
فالدين يهدي العقول إلى ما تغفل عنه، أو تقصر عن إدراكه من وجوه الإصلاح، ويروّض الإرادة حتى تساير العقل في اتجاهه السديد.
وللدين مزية أخرى في إصلاح المجتمع، هي أن البراهين القائمة على أنه وضع إلهي، تكسو أوامره مهابة، فتتلقى بالطاعة في السر والعلانية.
ومن مزايا الدين في الإصلاح: أن المؤتمِرَ بأوامره يشعر بأنه يعمل ابتغاء رضا الخالق - جلّ شأنه -، فهو يرجو الجزاء الأكبر في حياته الأخرى، زيادة على أن عمله الصالح كلبنة في رقي أمته، أو حلقة في نظام حياتها المطمئنة، وذلك الشعور يزيد عزمه على القيام بالأعمال الجليلة شدة، وبحثه على أن يتحرى بأعماله غاية ما يستطيع من الإتقان.
وإذا رأينا في بعض من ينتمون إلى الدين الحق وهناً في العزم، أو صغراً في الهمة، أو ضيقاً في العمل، فالدين بريء من تبعة هذه النقائص، وإنما تبعتها على أصحابها خاصة إن كانوا يعلمون، أو على من يوكل إليهم أمر التعليم، حيث لم يقوموا عليه بكفاية وأمانة.
ومن هنا كان تعرُّفُ حقائق الأديان من أحوال المنتمين إليها خطأً مبيناً، وإنما تعرف حقائق الدين من كتابه السماوي، أو حديث المبعوث به، حيث لم يطرأ عليه تغيير أو تحريف.
فما وعد الله به أهل الدين من عزة في الدنيا، أو فوز على الأعداء، إنما هو وعد لمن تلقوا ذلك الدين بإيمان يحملهم على أن يمتثلوا أوامره، ويجتنبوا
стр. 1999
نواهيه ما استطاعوا، فلا يخالجك ريب في صدق الوعود التي وعد الله بها الموقنين من العزة والسيادة إذا رأيت جماعة أو أمة تنتمي إليه وهي تحت سلطان عدو يذيقها عذاب الهون صباحاً ومساءً، ذلك أن وعد الله حق، وهو موجه إلى من يجيبون داعيه بامتثال أمره في نحو قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وباجتناب نهيه في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣].
وإذا كان الدين الحق هو المنظّم لشؤون الأفراد والجماعات على وجه تقصر عنه النظم البشرية، فمن واجب الحكومات الإسلامية متى أرادت الخير لشعوبها، واستتباب الأمن في أوطانها، والمباهاة بعدل محاكمها، وبطولة جنودها، أن تبذل ما لديها من عناية في نشر تعاليم الإسلام بين سائر الطبقات، وأن تستمد قوانيها من تشريعه الواسع النطاق.
стр. 2000
صدق اللهجة (١)
في كل خصلة فاضلة شرف وخير، ولكل خصلة فاضلة أثر في سعادة الجماعة، وقد تتفاوت هذه الخصال بكثرة الحاجة إليها، ومن الخصال التي تكثر مواضع الاحتياج إليها: صدق اللهجة، فلا غنى للجماعة عن أن يكون فيها صدق وحلم، والأحوال التي يحتاج فيها إلى الصدق أكثر من الأحوال التي يحتاج فيها إلى الحلم، ونحن لا نشعر بالحاجة إلى شجاعة السيدات والأطفال، وكل منا يشعر بالحاجة إلى صدق الطفل الآخذ في التردد على المدرسة، وصدق الصانع في مصنعه، والأمير على كرسيه.
فالكلمة التي نلقيها في هذه الليلة إنما نصف بها فضيلة شأنها رفيع، وأثرها في الاجتماع كبير، وهي صدق اللهجة.
ولا تثريب علينا إذا تناولنا في أثناء بحث هذه الفضيلة نبذة في الحديث عن ضدها، وهو الكذب؛ فإن حقائق الفضائل تتجلى بمعرفة أضدادها.
* ما هو الصدق؟
الصدق في لغة العرب: إلقاء الكلام على وجه يطابق الواقع والاعتقاد، ومقتضى هذا الشرح: أن الكلام الذي يخالف الواقع والاعتقاد معاً، أو يخالف
стр. 2001
أحدهما، لا يدخل في حقيقة الصدق، بل يندرج تحت اسم الكذب، والكذب ذو ضروب وألوان.
للصدق صورة واحدة، وهي أن تصوغ القول على نحو ما تعتقد، ويكون اعتقادك مطابقاً للواقع؛ كأن تقول وأنت الناصح الغيور: سلطة العدو أمَرُّ من الصبر، وأشد مضاضة من وقع الحسام.
وللكذب ثلاث صور:
إحداها: ما يخالف الواقع والاعتقاد؛ كمن يتملّق فاسقاً أو باغياً، فيصفه بالاستقامة، وهو على بينة من سيرته المغضوب عليها.
ثانيتها: ما يخالف الاعتقاد، ويطابق الواقع؛ كالزائغ المنافق ينطق على نحو ما ينطق به أولو الحكمة والهداية.
ثالتتها: ما يخالف الواقع، ويطابق الاعتقاد؛ كالغبي يعتقد صلاح بعض الفجّار؛ فيصفه بالولاية أو التقوى.
هذه صورة الكذب في مجاري كلام العرب، وقد رأيتموها ممثلة في المتملق والمنافق والغبي. والذي يرجع عيبه إلى الأخلاق العملية من هذه الصور ما جاء الحديث فيه مخالفاً للاعتقاد، وسواء بعد هذه أخالف الواقع أيضاً، وهي الصورة الأولى، أم كان مطابقاً للواقع، وهي الصورة الثانية.
وبيان هذا: أن الباحث في الأخلاق العملية، يوجِّه عنايته إلى نفس المتكلم حين إلقائه الحديث، وينظر إلى اعتقاده وما بينه وبين الحديث من مطابقة أو مخالفة، فإن وجد الرجل يسوق الحديث على غير ما يعتقد، وضع عليه اسم الكذب، وعدّه في جملة هذه الرذيلة الساقطة، ولو اتفق لحديثه أن كان مطابقاً للواقع، وان وجده يلقي الحديث على نحو ما يعتقد، لا يعده في
стр. 2002
أصحاب رذيلة الكذب، وإن لم يجئ حديثه موافقاً للواقع.
وهذا الذي تحدث عن اعتقاد، وجاء حديثه مخالفاً للواقع، لا يرميه الباحثون في الأخلاق بسبّة الكذب، وقد يؤاخذ من جهة أخرى، وهي انقياده إلى الظنون الواهية، وحديثه عن الأمر قبل التثبت من أنه حقيقة واقعة.
فالكذب في إطلاق علماء الأخلاق ينصرف إلى من يحدثك بالأمر، وهو يعتقد أنه غير واقع، ومعظم ما ورد في الشريعة من ذم الكذب محمول على أولئك الذين تنطق عليك ألسنتهم بأشياء يزعمون أنها واقعة، وقلوبهم تنكرها.
* الاحتراس في صدق اللهجة:
يحدثك الرجل عن أشياء يحس بها في نفسه؛ كالحب والبغض، والعطش والري، ويحدّثك عن أمور يدركها بمحسّاته الخمس: البصر والسمع وغيرهما. وهو فيما يدركه بإحساسه الباطن، أو إحساسه الظاهر يستطيع ألا يحدثك إلا بما يطابق الواقع والاعتقاد، فالرجل الصادق لا يقول: "أحببت" وهو يبغض، ولا يقول: "سمعت"، أو "رأيت" إلا إذا سمع أو رأى.
وقد يحدثك عن حادثة تلقّى خبرها عن طريق الرواية، أو يحدثك عن أمر أدركه على وجه النظر والاستدلال، وهذان الصنفان هما يعثران به في مخالفة الواقع أحياناً، وينزلان به إلى أن تحوم حوله الظنون. فعلى صادق اللهجة أن يحترس فيما يتحدث به عن رواية، أو يتحدث به عن ظنٍّ واستنباط.
والاحتراس في الأخبار التي تجيء من طريق الرواية: أن لا يحدث بها قبل أن ينقدها نقداً بالغاً، وإن بدا له أن يخبر بها على نحو ما سمعها، فليذكر أسماء رواتها حتى يبرأ من عهدتها.
стр. 2003
والاحتراس في الحديث الذي يستند فيه إلى ظن وأمارة: أن لا يطرحه إلى الناس في صورة المقطوع به، بل ينبه على أنه تحدث به على وجه الظن؛ كما يصنع كثير من الملأ الذين يعافون الكذب، ويريدون أن يجعلوا بينه وبين ألسنتهم حجاباً مستوراً.
فسياج صدق اللهجة: الاحتراس في الحديث المستند إلى رواية أو ظن، ومن حدثك بما علم، واحترس فيما روى أو ظن، فقد قضى حق فضيلة الصدق ووفى.
* صدق اللهجة والمجاز:
لا يخرج عن حدود الصدق ما يجري على ألسنة البلغاء من ضروب الكناية وفنون المجاز؛ كأن تقول لشخص: جئتك ألف مرة، تكنى بالألْف عن كثرة التردد، ولا تريد بها عدد المرات. وكأن تقول: رأيت أسداً مخلبه الحسام، وأنت تريد بطلاً لا يلوي جبينه من منازلة الأقران.
وقد جاء في كتب الأصول: أن قوماً منعوا أن يكون في القرآن مجاز، وهم الظاهرية، ولا شبهة لهؤلاء إلا زعمهم أن المجاز من قبيل الكذب، والقرآن قول فصل وما هو بالهزل. وهذه الشبهة مدفوعة بقيام القرينة الدالة على أن المتكلم لا يقصد سوى معنى المجاز، وإذا كان قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. يحتوي قرينة تنفي أن يكون المراد من الظلمات: سواد الليل، ومن النور: بياض الشمس والقمر والسراج، لم يكن هناك إخبار بما يخالف الواقع أو الاعتقاد، حتى يتناوله اسم الكذب الذي لا يحوم على كتاب الله في حال، وإنما الكذب ذلك الإغراق أو الغلو الذي يضعه الشاعر خيالأ بحتاً؛ كقول بعضهم:
стр. 2004
ليْسَ ذا الدَّمْعِ دَمْعَ عَيْني ولكِنْ ... هِيَ نَفْسي تُذيبُها أَنْفاسي
وقول الآخر:
وأخَفْتَ أهْلَ الشِّرْكِ حتّى إِنَّهُ ... لتَخافُكَ النُّطَفُ الّتي لم تُخْلَقِ
* صدق اللهجة والقصص الخيالية:
القصص الخيالية ضروب:
أحدها: ما يحكى على ألسنة الجماد أو الحيوان، كقصة كليلة ودمنة.
ثانيها: ما يحكى على ألسنة ذوي نفوس ناطقة، ويدل المتكلم بالقرينة أو بالصريح من القول على أنه اخترعها لتكون مأخذ عبرة أو أدب لغة؛ كما صنع أبو القاسم الحريري في "مقاماته".
وهذا الضربان من قبيل الإخبار بما يخالف الواقع والاعتقاد، والذي يستر عيب الكذب هنا: أن المتكلم لم يوقع المخاطب في غلط وسوء تصور، وإنما يعرض عليه حكمة، أو أدب لغة في أسلوب طريف.
ثالثها: ما يحكيه الرجل على ألسنة ذوي نفوس ناطقة، ويدل ولا ينبه على أن القصة غير واقعة، وهذه أيضاً خارجة عن حد الصدق إلى مكان بعيد، ولو كان الداعي إلى وضعها ما تحتويه من عبرة أو أدب لغة.
فالذين يزعمون أن في القرآن قصصاً غير واقعة، وأنها سيقت لما تحتويه من موعظة، لا يريدون إلا أن يطعنوا في القرآن، ويخادعون المؤمنين، والمؤمنون لا يخدعون.
* صدق اللهجة وإخلاف الوعد:
الوعد: إخبار عما ستفعله في المستقبل من إحسان، والصدق والكذب
стр. 2005
يجريان في الأخبار المستقبلة كما يجريان في الأخبار الماضية، وقد وصف الله تعالى إسماعيل ﵇ بصدق الوعد؛ لوفائه بما يعد، فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤]، وإذا كان الوفاء بالوعد يجعله صادقاً، فإخلافه يجعله كاذباً لا محالة.
وقد اختلف أهل العلم - بعد هذا - في لزوم الوفاء بالعهد، فذهبت طائفة إلى أن من وعد شخصاً بإحسان، وجب عليه إنجاز ما وعد، وقضي عليه بأدائه، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز ﵁ ورجّحه أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي"، فقال: "والصحيح: لزوم الوعد، وخلفه كذب ونفاق".
وذهبت طائفة أخرى إلى أن الوفاء بالوعد من مكارم الأخلاق، وأن صاحبه يملك الرجوع عنه، وإذا بدا له أن يرجع، فليس للقاضي عليه من سبيل.
وذهب جماعة من فقهاء المالكية إلى تفصيل، وهو أن الوعد المطلق غير لازم، وأما الوعد المنوط بسبب، فإنه يصير بمنزلة الدَّيْن الذي لا مناص له من قضائه، ومثال هذا: أن تقول لشخص: تزوَّجْ وأنا أدفع المهر، فإذا تزوج، كان للحاكم أن يقضي عليك بدفع المهر قضاء نافذاً.
* صدق اللهجة وإخلاف الوعيد:
الوعيد: إخبار عما ستفعله من شر، فإخلافه يجعله كالوعد المخلَف قولاً كاذباً. والرجل الذي يوعِدُ آخر، ثم يضرب عنه عفواً، إنما يمدح من جهة أن مصلحة إخلاف الوعيد أرجح من مصلحة إنفاذه، ففضيلة العفو تغمر عيب الكذب، وتجعله في نظر الأخلاق شيئاً منسياً. ولتضاؤل نقص
стр. 2006
الكذب تحت عظيم فضيلة العفو، ساغ للإنسان أن يمتدح بإخلاف الوعيد الذي يقول:
وإنّيَ إنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لأُخْلِفُ إيعادي وأُنْجِزُ مَوْعِدي
ولا شك أنّ من يقرن الوعيد بنحو المشيئة، يحميه أن يجعل إخلافه كذباً، ولكن الوعيد شأنه أن يصدر في حال غضب لا يملك صاحبه النظر إلى العواقب، فهو لا يكاد يلفظ به إلا بعد عزم وتصميم.
* صدق اللهجة والمعاريض:
في هذه الحياة بلاء، وأشد بلالها ما يمنعك من أن تقضي حق فضيلة. فقد يلاقي الإنسان حالاً ترغمه على أن ينطق بما يكره، ويسلك في القول ما لم يألف. ولو وقف علم الأخلاق أمام هذه الأحوال المرغمة صلباً جامداً، لضاقت سبيله، ووجد بعض النفوس للخروج على أمره عذراً بينّاً، وقد وجدنا علم مكارم الأخلاق - الذي رفع الإسلام قواعده - فسيح الصدر بمقدار ما يسع مقتضيات الحياة الفاضلة.
فصدق اللهجة يعدّ من الفضائل؛ نظراً إلى ما هو شأنه من حفظ المصالح، ودرء المفاسد، ولو عُرضت على وجه الندرة حال يكون حديث الرجل فيها على نحو ما يعلم جالباً عليه أو على غيره ضرراً فاحشاً، لوجد في قانون الأخلاق مرونة تسمح له بأن يصوغ حديثه في أسلوب لا يجلب ضرراً.
فإذا وقع الإنسان في حال لا يليق معه التصريح بأمر واقع، ولم يكن بد من أن يقول في شأنه شيئاً، فهاهنا يفسح له - بمقتضى قانون الأخلاق الذي أتقن الإسلام صنعه - أن يأخذ بالمعاريض، وهي ألفاظ محتملة لمعنيين، يفهم السامع منها معنى، ويريد المتكلم منها معنى آخر، وإن شئت فقل: هي
стр. 2007
ألفاظ ذات وجهين:
أحدهما: غير حقيقة، وهو ما يسبق إلى فهم المخاطب.
وثانيهما: حقيقة، وهو ما يقصده المتكلم، ويحق لك أن تسمي اللفظ من أجله حديثاً صادقاً، وهذا ما يفعله الذين أشربوا صدق اللهجة متى عرفوا أن في القول الصريح حرجاً أو خطراً.
وما يساق مثلاً لهذا: أن أبا بكر الصديق كان يسأل النبي ﷺ في طريق هجرتهما من مكة إلى المدينة، وهو يريد كتم أمره، فيقول: هذا يهديني السبيل. يريد أبو بكر من السبيل: سبيل الخير والسعادة، ويحملها السائل على الطريق التي يسلكها المسافرون.
وما كانوا يرضون عن الحديث ذي الوجهين، إذا عمد إليه الرجل لغرض غير صالح.
قال عبد الله بن عقبة: دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز، فخرجت وعليّ ثوب، فجعل الناس يقولون: هذا كساكَهُ أمير المؤمنين؟ فكنت أقول: جزى الله أمير المؤمنين خيراً، فقال لي أبي: يا بني! اتق الكذب وما أشبهه. نهاه عقبة عن إجابة السائلين بقوله: جزى الله أمير المؤمنين خيراً؛ لأنه يلقي في أذهانهم أن الخليفة هو الذي خلع عليه هذا الثوب، ولا داعي له إلى أن يجيبهم بهذه الجملة التي يتبادر منها غير الواقع سوى قصد الفخر، والفخر بإصابة حظوة عند الأمراء - ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز - لا يحسب في الأغراض المحمودة، حتى يحل للرجل أن يرتكب له حديثاً ذا وجهين.
عني الإسلام بصدق اللهجة جهد العناية، ويريد مع هذا للأمة إخاء وائتلافاً، يجعلها كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ويريد لجيشها الفوز على أعداء
стр. 2008
يهاجمون أن يتحفزون، ويرغب في أن يكون الزوجان على وفاق، وحياتهما في نظام، لهذا خفّف المصطفى - صلوات الله عليه - في الكلمة يقولها الرجل ليطفئ عداوة استعرت بين طائفتين، أو يقولها في حرب؛ ليكفي قومه قارعة تسلط الأعداء، أو ليسكت غضب زوجته الصالحة.
وقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في تأويل الحديث إلى أنه أذن في المعاريض، فذكر هذا الحديث الذي يروى في استثناء الحرب والإصلاح وإسكات غضب الزوجة، ثم قال: "ولكن ذلك بالمعاريض، وهي الألفاظ التي يفهم منها السامع خلاف ما يريد القائل، فهذا هو المأذون فيه".
* أثر صدق اللهجة في سعادة الفرد:
يتحلّى الإنسان بأدب الصّدق، فيشرف قدره، وتطيب حياته، ويصفو باله.
أما الشرف، فلأن الصدق يدل على نقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، كما أن الكذب عنوان سفَهِ العقل، وسقوط الهمة، وخبث الطوية.
وقد جاء في حديث أكمل الخليقة ما يرشد إلى أن الصدق حسنة تنساق بصاحبها إلى حسنات، وأن الكذب سيئة تنجَرُّ به إلى سيئات، قال المصطفى - صلوات الله عليه - فيما رواه الإمام البخاري: "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة. وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً".
ولا يستقيم لأحد سؤدد، أو يحرز في قلوب الناس مكانة، إلا حيث يهبه الله لساناً صادقاً. وإذا ابتغى الكذب منزلة، فإنما يتبوؤها بين طائفة ضُربت
стр. 2009
على أدمغتهم الغباوة، أو طائفة تؤثر اللهو على الجد، ويشغلها الخداع عن النصيحة.
وأما طيب العيش، فإن الناس لا يطمئنون إلا إلى معاملة الصادق الأمين، وشأنهم الانصراف عمن ألفوه يضع الكلمة في غير واقع. وقد يحرص التاجر أو الصانع على درهم أو دينار يقتنصه بكلمة غير صادقة، فإذا هو يضيع سمعة طيبة، وربحاً وافراً.
ومن الشاهد: أن الصدق يكسب الرجل وقاراً، ويلقي له المودة في عشيرته والناس أجمعين.
واحترام الناس للرجل مما يدعوهم إلى النصح في صحبته، وإذا وضع بين أيديهم شأناً من شؤونه الحيوية، قاموا عليه بإخلاص.
وأما صفاء البال فمن ناحيتين:
أولاهما: أن مرتكب الرذيلة لا بد أن يحس بوخز في ضميره، ويسمّى: توييخ الضمير، والكذب من أفظع الرذائل، فوخزه في الضمير غير يسير، ومتى سار الإنسان في طريق الصدق، وأقام بينه وبين الكذب حصناً مانعاً، عاش في صفاء خاطر، وراحة ضمير، ولم يكن لهذا الوخز النفسي عليه من سبيل.
أخراهما: أن من يلطخ لسانه برجس الكذب، لا بد من أن تبدو سريرته، ويجر عليه شؤم هذه الرذيلة شقوة، فلا يلاقي من الناس إلا ازدراء، وربما رموه بالتوبيخ في وجهه. أما صادق القول، فإنه يظل ضافي الكرامة، آمناً من مثل هذا الخطاب المشين.
* أثر صدق اللهجة في سعادة الجماعة:
تسعد الجماعة وتنتظم شؤونها على قدر احتفاظها بفضيلة الصدق،
стр. 2010
فالمعاملات؛ كالبيع، والإجارة، والقرض، والشركة لا يتسع مجالها ويستقيم سيرها إلا أن تديرها لهجة صادقة، والأمة التي تسود فيها فضيلة صدق اللهجة، حتى يكون القائم بأي عمل موضع ثقة الجمهور، تتقدم حالتها الاقتصادية، ولا يجد عدوها الوسيلة إلى مزاحمتها في نحو التجارة والصناعة.
والصداقات التي تجعل أفراد الأمة كالجسد الواحد، إنما يشتد رباطها على قدر ما يكون لهؤلاء الأفراد من الاحتفاظ بصدق اللهجة.
وقد يكون للكاذب صديق من صنف أصدقاء المنفعة، ولكنه لا يستطيع أن يتخذ من إخوان الفضيلة صديقاً حميماً.
فالذي يستهين بالكلمة الكاذبة يطلق بها لسانه، يؤذي نفسه، ويرهق المجتمع خللاً وفساداً، فالكاذب لا يعد عضواً أشل فقط، وإنما هو عضو يحمل دماً مسموماً لا يلبث أن يسري إلى الأعضاء المتصلة به فيؤذيها.
* أثر صدق اللهجة في العلم:
يمرق الرجل من فضيلة الصدق على طرق شتى، وأبعد هذه الطرق ضلالاً: أن يتحدث في العلم بما ليس من العلم، أو يضيف إلى أحد قولاً لم يصدر عنه، يفعل هذا من يرغب في التفوق على قرين ينافسه، أو يرغب في أن تطير له سمعة أعلى من منزلته، ومن يحاول التفوق على قرينه بزخرف من الباطل، فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى.
ومن رضي بأن تكون سمعته فوق منزلته، فإن وراء السمعة عقولاً تزن الرجال بالآثار، فلا يدعون السمعة تغلو في طيرانها، بل يأخذون بناصيتها، ويهبطون بها إلى أن تكون مع منزلة صاحبها على سواء.
ولو أيقن أولئك الذين يدسون ما ليس من العلم: أن من حولهم
стр. 2011
بصائر نافذة، وأقلاماً ناقدة، لما انسلخوا من لباس الصدق، ولكنهم قوم لا يوقنون.
يتحدث العالِمُ في غير صدق، فتذهب الثقة به من القلوب، ويذهب معها شطر علمه، وهو ما يرجع إلى النقل والرواية. وكم من منتمٍ إلى العلم اطلعوا له على اصطناعه خبراً، فطرحوه من حساب الموثوق بنقلهم! وكذلك الرجل يخرج عن أدب الصدق مرة، فيتعدى شؤمُ الكذب إلى سائر أقواله، فتوشك أن تذهب كما يذهب هذيان المبرسمين هزؤاً.
كذَبْتَ ومَنْ يَكْذِبْ فإنّ جَزاءَهُ ... إذا ما أتى بالصَّدْقِ أنْ لا يُصَدَّقا
* علل التهاون بصدق اللهجة:
ينحرف الرجل في حديثه عن قصد السبيل لدول مقبوحة، ومآرب دنيئة. وليس في وسعنا ذكر هذه الدواعي والمآرب، وإنما نسوق منها أمثلة تريكم أن من لا يقدر قيمة الصدق قد يبيعه بثمن بخس، وكل ما يرضى به ثمناً للصدق فهو بخس، ولو حثوا له من هذه الصفراء والبيضاء ما لا يأتي عليه حساب.
ينحرف الرجل عن الصدق ليتملق ذا مقام وجيه، وليتزلف إلى ذوي المقامات الوجيهة بقول الزور، إلا من صغرت نفسه، وضاق عليه مجال القول الصائب الحكيم.
نحن نعلم أن بعض ذوي المناصب قد مسخت فطرهم، فلا يرضون عمن يجلس إليهم إلا أن يدخل عليهم من باب التملق والنفاق، ونعلم - مع هذا - أن كرم الأخلاق يدعوك إلى أن ترعى حرية ضميرك، وتحافظ على صدق لهجتك، فأجب داعيه، وذر الذين يحبون أن تشيع فاحشة الملق في
стр. 2012
الأمة؛ فإنهم قوم لا يفقهون.
ينحرف الرجل عن الصدق ليُغرِب على الناس، ويريَهم أنه صاحب سمر؛ حتى يخف عليهم ظله، ويرغبوا في منادمته، وإنما يفعل هذا من يحرص على أن يغشى كل منزل، وتتم به حلقة كل مجتمع. أما من يبتغي الحياة الزاهرة الشريفة، فيتقلد فضيلة الصدق في كل حال، ثم لا يوالي إلا أولي الجد، ولا يبذل خطواته إلا حيث تحترم الحقيقة والفضيلة.
وقد ينطوي بعض الناس على عداوة لشخص، فيرميه بمساوئ ليصرف عنه القلوب، ويسقط مهابته من العيون، ولا أشأم على الرجل من أن يناضل عدوه بالبهتان. ومن كانت له حاجة في أن يؤلم أعداءه، فإنه لا يؤلمهم بأشد من احتفاظه بمكارم الأخلاق، ومن أعزّ هذه المكارم: أن يكون حر الضمير، عفيف اللسان.
ومن الناس من إذا أخذ يحدثك في شأنه، أو شأن سلفه، أذِنَ لقريحته، فيخترع، وأطلق لسانه، فيرتع في غير واقع، والألمعية تشهد بأن الرجل لا يستطيع أن ينال بمثل هذا الحديث ذرَّة من فخر أو حمد، وربما قام حديثه هذا شاهداً على أنه لم ينشأ في أدب متين، فيطرح نفسه في زراية من حيث يريد أن يرفعها إلى فخار.
ومن لا يؤمن بأن خالق الكون يجازي هذه الألسنة على ما تصنع من تحريف أو تزوير، لا يبالي أن يلبس الحقيقة بالباطل، ويصوّر بلسانه أشياء ليس لها في الواقع من مثال.
ولا يكاد الملحد يحتفظ بصدق القول إلا حين يريد أن يتشبه بذوي المروءة، وحين يخشى افتضاح زوره، ويخشى من افتضاحه ضرراً.
стр. 2013
وانظر في قصة أبي سفيان حين استدعاه هرقل في ركب من قريش، وأخذ يسأله في شأن النَّبي ﷺ ، فإنكم تجدون أبا سفيان، وهو زعيم قريش يومئذٍ يقول: "فو الله! لولا الحياء من أن يرثوا عني كذباً، لكذبت عليه"، قال أبو سفيان هذا أيام جاهليته، وهو سيد قومه.
أما صدق اللهجة القائم على الإيمان الساطع، فلا يختل نظمه، ولا يختلف غيب صاحبه عن حال علانيته. فمن تصدى لإصلاح جماعة، وعني بأن يجعلهم المثل الأعلى لفضيلة الصدق، فليسعَ لأن يكون إيمانهم بالله راسخاً، والإيمان الراسخ مطلع كل فضيلة.
стр. 2014
فضيلة الإخلاص (١)
خُلق الإنسان ليعرف مبدعه الحكيم، ويعمل في حياته على صراط مستقيم، والعمل القيّم ما كان موافقاً لما رسمه الشارع، وصحبته نية طيبة، فإن كان العمل غير موافق لما ورد عن الشارع، فهو عمل باطل، وإن قصد به صاحبه التقرب إلى الله، وذلك هو البدعة التي سماها النَّبي ﷺ : ضلالة، وإن كان العمل على نحو ما رسمه الشارع، ولكن صاحبه لم يقصد به امتثال أمر الله، فهو مردود على صاحبه؛ لأنه فقد الروح الذي يعطيه حياة وبهجة، وهو الإخلاص.
ومدار الإخلاص على أن يكون الباعث على العمل أولاً امتثال أمر الله، ولا حرج على من يطمح بعد هذا إلى شيء آخر، بنعيم الآخرة، أو النجاة من أليم عذابها، بل لا يذهب بالإخلاص - بعد ابتغاء وجه الله - أن يخطر في باله أن للعمل الصالح آثاراً في هذه الحياة؛ كطمأنينة النفس، وأمنها من المخاوف، وصيانتها من مواقف الهون، إلى غير هذا من الخيرات التي تعقب العمل الصالح، ويزداد به إقبال النفوس على الطاعات قوة على قوة.
ومن المعروف عند أهل العلم: أن قصد المصلحة الدنيوية من عمل
стр. 2015
الخير - بعد تحقق قصد الامتثال لأمر الله - لا ينزل عن درجة القبول؛ كأن يقصد من رحلته التجارة مع قصد أداء فريضة الحج، أو يقصد التبرُّدَ بعد قصد التطهُّرِ بالماء لأداء فريضة الصلاة، أو يقصد التلذذ بالعلم بعد أن يقصد الوجه الذي اقتضى أمر الشارع بدراسته، فمن يطلب علوم الدين؛ ليصلح نفسه، ويرشد غيره، أو يدرس فنون الحرب؛ ليدافع عن شريعته، ويحمي ذمار أمته، فلا جناح عليه بعد هذا أن يذكر ما في العلم من لذة، فيزداد ارتياحه، ويقوي نشاطه.
حضر الشريف التلمساني وهو صبي درس الأستاذ أبي زيد بن الإمام، فذكر أبو زيد نعيم الجنة، فقال له الشريف: هل يقرأ في الجنة العلم؟ فقال أبو زيد: نعم، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فقال الشريف: لو قلت: لا، لقلت: لا لذّة فيها. فعجب منه الشيخ، ودعا له.
والإخلاص يرفع شأن الأعمال حتى تكون مراقي للفلاح، وهو الذي يحمل الإنسان على مواصلة عمل الخير، فمن يصلي رياء، أو حياء من الناس، لا بد أن تمر عليه أوقات لا ينهض فيها إلى صلاة، ومن يحكم بالعدل ابتغاء السمعة، أو خوف العزل من المنصب، قد تعرض له منفعة يراها ألذ من السمعة، أو يصادفه عهد حكومة يأمن فيه من العزل، فلا يبالي أن يدع العدل جانباً، ومن يدعو إلى الإصلاح ابتغاء الجاه، قد ينزل بين قوم لا يحظى بينهم إلا من ينحط في أهوائهم، فينقلب داعياً إلى الأهواء.
وقد أرتنا الأيام أشخاصاً كانوا يظهرون في اعتدال وغيرة على الحق، ثم اتصلوا بنفر من أهل الدنيا يناوئون هداية الله، فلم يكن منهم إلا أن طرحوا ثوب الاعتدال، وصاروا ينطقون بلهجة أولئك النفر في شيء من التورية.
ومن يفعل المعروف؛ لتردد ذكره الألسنة في المجالس أو الصحف،
стр. 2016
قد يرى بعينه سبيلاً من سبل الخير في حاجة إلى مؤازرة، ولكنه لا يرى بجانبه لساناً أو قلماً شأنه إطراء المؤازرين، فيصرف عنه وجهه، وهو يستطيع أن يمد إليه يده، ويسد حاجته.
والإخلاص هو الذي يجعل في عزم الرجل متانة، ويربط على قلبه، فيمضي في عمله إلى أن يبلغ الغاية، وكثير من العقبات التي تقوم دون بعض المشروعات لا يساعدك على العمل لتذليلها إلا الإخلاص، ولولا الإخلاص يضعه الله في نفوس زاكيات؛ لحرم الناس من خيرات كثيرة تقف دونها عقبات.
قد يخلص الرجل في بعض الأعمال، ويتغلب عليه الهوى في بعض؛ فيأتي بالعمل صورة خالية من الإخلاص، والذي يرفع الشخص إلى أقصى درجات الفضل والمجد، إنما هو الإخلاص الذي يجعله الإنسان حليف سيرته، فلا يقدم على عمل إلا وهو مستمسك بعروته الوثقى. ولا كون مبالغاً إذا قلت: إن النفس التي تتحرر من رق الأهواء، ولا تسير إلا على ما يمليه عليها الإخلاص، هي النفس المطمئنة بالإيمان، المؤدبة بحكمة الدين ومواعظه الحسنة.
فالإخلاص الذي يقوم على الإيمان الصادق، والتهذيب الديني، هو الذي يسمو سلطانه على كل سلطان، ويبلغ أن يكون مبدأً راسخاً تصدر عنه الأعمال الصالحة بانتظام، وهو الذي يجد له صاحبه حلاوة، فيسهل عليه أن يكون أحد السبعة المشار إليهم بقوله ﷺ : "سَبعة يظلهم الله في ظِلّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ" إلى أن قال: "ورجل تصدَّقَ بصدقةٍ، فأخْفاها حتى لا تعلم شِماله ما تنفق يمينُه".
стр. 2017
وحكى أشعب بن جبير: أنه كان في بعض سكك المدينة، فلقيه رجل وقال له: كم عيالك؟ قال: فأخبرته، فقال لي: قد أُمرت أن أجري عليك وعلى عيالك ما كنتَ حياً، فقلت: من أمرك؟ قال: لا أخبرك، قلت: إن هذا معروف يشكر، قال: الذي أمرني لم يُرِدْ شكرَك. قال: فكنت آخذ ذلك إلى أن توفي خالد بن عبد الله بن عمر بن عثمان، فحفل، له الناس، فشهدته، فلقيني ذلك الرجل فقال: يا أشعب! هذا والله! صاحبك الذي كان يجري عليك ما كنت أعطيك!.
هذا فاعل للخير من وراء حجاب، وأين هو من أشخاص لا يتورعون أن يلبسوا الحق بشيء من الباطل، ويزيدون على هذا أن يزعموا أن هذا اللبس إصلاح، ويعلنون بأجهر صوت أنهم مخلصون فيما يقولون أو يفعلون؟!.
ولعلك لا تجد أحداً يتصدّى لعمل إلا وهو يدّعي الإخلاص فيما يعمل، ذلك لأن الإخلاص موطنه القلب، والقلوب محجوبة عن الأبصار، واذا وصفت أحداً بالإخلاص، أو عدم الإخلاص، فإنما ترجع في وصفك إلى أمارات تبدو لك من أحواله الظاهرة.
ومن هذه الأحوال ما يدلك على سريرة الرجل دلالة قاطعة، ومنها ما لا يتجاوز بك حد الظن، وهذا موضع التثبت والاحتراس، ففي وصف المخادع بالإخلاص، ووصف المخلص بالخدل، ضرر اجتماعي كبير، فإن وثقت بمجرد الظن، لم تأمن أن تقضي على فاسد الضمير بالإخلاص، فيتخذه الناس موضع قدوة، فيستدرجهم إلى فساد صغير، حتى إذا ألفوه، نقلهم إلى فساد كبير، وربما قضيت على طاهر القلب بعدم الإخلاص، فكنت كمن يسعى لإطفاء سراج، والناس في حاجة إلى سُرج تنير لهم السبيل.
стр. 2018
والإخلاص الذي يخالط النفوس حتى يكون القابض على عنانها هو في نفسه فضيلة؛ وهو لا ينزل إلا حيث تنزل فضائل كثيرة، فالإخلاص يمد جأش صاحبه بقوة، فلا يتباطأ أن ينهض للدفاع عن الحق، ولا يبالي ما يلاقي في دفاعه عنه من أذى.
والإخلاص يشرح صدر صاحبه للإنفاق في بعض وجوه البر، فتراه يؤثرها بجانب من ماله، وإن كان به خصاصة. الإخلاص يعلّم صاحبه الزهد في عَرَض الدنيا، فلا يخشى منه أن يناوئ الحق، أو يلبسه بشيء من الباطل، ولو أمطر عليه أشياع الباطل فضة أو ذهباً.
والإخلاص يحمل القاضي على تحقيق النظر في القضايا، فلا يفصل في قضية إلا بعد أن يتبين له الحق.
والإخلاص يوحي إلى الأستاذ أن يبذل جهده في إيضاح المسائل، وأن لا يبخل على الطلاب بما تسعه أفهامهم من المباحث المفيدة، وأن يسلك في التدريس الأساليب التي تجدد نشاطهم للتلقي عنه.
والإخلاص يصون التاجر عن أن يخون الذي يأتمنه في صنف البضاعة أو قيمتها؛ ويحمل الصانع على إتقان عمله حسب الطاقة.
والإخلاص يردع قلم الكاتب عن أن يقلب بعض الحقائق، أو يكسوها لوناً غير لونها؛ إرضاء لشخص أو طائفة.
وإذا كان للإخلاص هذه المآثر العظيمة، فحقيق علينا أن نربّي الناشئين على أن يكونوا مخلصين في كل ما يقولون أو يفعلون، ونلقِّنَهم ماذا يناله المخلص من حمد وكرامة وحسن عاقبة؛ لكي تُخرِّجَ لنا معاهدُ الدين والعلم رجالاً يقوم كل منهم بالعمل الذي يتولاه بحزم وإتقان.
стр. 2019
الأمانة في العلم (١)
فلاح الأمة في صلاح أعمالها، وصلاح أعمالها في صحة علومها، وصحة علومها أن يكون رجالها أمناء فيما يروون أو يصفون، فمن تحدث في العلم بغير أمانة، فقد مسّ العلم بقرحة، ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة.
لا تخلو الطوائف المنتمية إلى العلوم من أشخاص لا يطلبون العلم ليتحلوا بأسنى فضيلة، أو لينفعوا الناس بما عرفوا من حكمة، وأمثال هؤلاء لا تجد الأمانة في نفوسهم مستقرًا، فلا يتحرجون أن يرووا ما لم يسمعوا، أو يصفوا ما لم يعلموا، وهذا ما كان يدعو جهابذة أهل العلم إلى نقد الرجال، وتمييز من يسرف في القول ممن يصوغه على قدر ما يعلم، حتى أصبح طلاب العلم على بصيرة من قيمة ما يقرؤونه، فلا تخفى عليهم منزلته، من القطْعِ بصدقه أو كذبه، أو رجحان أحدهما على الآخر، أو احتمالهما على سواء.
قيض الله للسنّة النبوية رجالاً أُشربوا في قلوبهم التقوى، فنهجوا في روايتها نهج أصحاب رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فلا يروون إلا ما وثقوا من صحته، وهم بعد هذا الاحتراس البالغ على فريقين:
стр. 2020
فريق يحافظون في الرواية على الألفاظ، لا يغيرون منها حرفاً، ومن أصحاب هذه الطريقة: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ورجاء بن حيوة، ومحمد بن سيرين.
وفريق من أولئك الراشدين يحافظون فيما يروون من الحديث على المعنى، ولم يروا بأساً في التعبير عنه بلفظ غير لفظ الرواية، على شرط أن يؤدي المعنى كما هو، ومن أصحاب هذه الطريقة: الحسن البصري، والشعبي، وإبراهيم النخعي.
اندسَّ بين هؤلاء الأمناء أشخاص يتشابهون في الاستخفاف بصدق اللهجة، ويختلفون في الأغراض التي دعتهم إلى هذا الاستخفاف.
فمنهم: الجاهل الذي يحسب أن من طرق الإحسان إلى الدين وضعَ أحاديث للترغيب في بعض ما ندب إليه من أعمال صالحة، كما وضع نوح ابن أبي مريم أحاديث في فضل سور القرآن، وقال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبة.
ومنهم: المغلوب على رشده، يضع الحديث لنحو تأييد مذهب، أو إصابة عَرَض زائل؛ كأن يصنع حديثاً فيما يوافق هوى ذي سلطان؛ ليزداد عنده حظوة؛ مثل: غياث بن إبراهيم؛ رأى المهدي يلعب بالحَمام، فتصرّف في حديث: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر"، فزاد فيه: "أو جناح". وقد شاء الله تعالى أن يتنبه المهدي لهذه الخيانة، فأنث غياثاً، وترك الحَمام، وأمر بذبحها.
ومنهم: الزنديق: يضع أحاديث ليفسد القلوب، ويزعزع الإيمان؛ كما
стр. 2021
وضع بعض عباد الأوثان حديث: "لو أحسن أحدكم ظنّه بحجر لنفعه".
ونهض باللغة العربية وآدابها رجال طُبعوا على الأمانة، مثل: أبي عمرو ابن العلاء، والمفضّل الضبّي، والخليل بن أحمد، وسيبويه، والأصمعي، وابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني، ومحمد بن مسلم الدينوري.
ولم تخلص اللغة وآدابها من أن ينتمي إليها نفر لا يتحاشون أن يدخلوا فيها ما ليس من حقائقها؛ كقطرب (١)، وحمّاد الراوية، ولولا العلماء الذين ينقدون ما يرويه أمثال هؤلاء، لأصيبت اللغة بفساد كبير.
وللتاريخ القسط الأوفر من اختلاق الرواة، وتزوير الكتّاب، فكم من حقائق شاخصة حاولوا أن يذهبوا بها هباء! وكم من سِيَرٍ نقية أخرجوها في صورة ما يستحق هجاء! وسِيَرٍ مدنسّةٍ ألبسوها ثوب ما يستأهل ثناء!
ومن ناحية المحرومين من نعمة الأمانة في العلم، صدرت كتب مثل كتاب: "الإمامة والسياسة" - المنسوب لابن قتيبة - وصفَتْ كثيراً من أفاضل السلف في غير إنصاف، وولغت في أعراض الصحابة، وهم خير أمة أخرجت للناس، وقد حذّر أهل العلم من التسرع إلى تسليم ما يكتبه المؤرخون في شأنهم، وإنما يعوَّلُ في أخبارهم على الروايات الموثوق بها؛ كالأخبار الواردة على طريق علماء الحديث.
وكذلك ترى في غير الحديث واللغة والتاريخ من العلوم رهطاً يمسونها بأيد غير مؤتمنة، ويحشرون فيها ما لا يصح رواية، أو لا يقبل دراية، فيتناولها الجهابذة بالنقد، فينفون خَبَثَها كما تنفي النار خبث الحديد.
стр. 2022
فالأمانة زينة العلم وروحه الذي يجعله زاكي الثمر، لذيذ المطعم.
وإذا قلبت النظر في تراجم رجال العلم، رأيت بين العالم الأمين وقرينه غير الأمين بونًا شاسعًا، ترى الأول في مكانة محفوفة بالوقار، وانتفاع الناس منه في ازدياد، وترى الثاني في منزلة صاغرة، ونفوس طلاب العلم منصرفة عن الأخذ عنه، أو متباطئة.
وقد تقرأ كتاباً، فتراه حافلاً بالمسائل النادرة، فيكبر صاحبه في عينك، ومتى عرفت أنه من المطعون في أمانتهم، شعرت بأن شطرًا من ذلك الإكبار قد ذهب، وخالطك الريب في صحة ما أعجبت به من المسائل الراجعة إلى الرواية.
كيف تكون منزلة الجاحظ عندك، لو درست حياته، فخرجت مالئاً يدك بالثقة من أنه راوية أمين؟ لا شك في أن الأمانة إذا انحازت إلى مثل ذكاء الجاحظ، وسعة اطلاعه، بلغ صاحبها في الشرف والسؤدد المكانة القصوى، ولكنك تقرأ ما شهد به بعض (١) ناقدي علماء العربية من أن الجاحظ غير مأمون فيما يروي، فلا يبقى في نفسك من احترامه إلا ما جاءها من ناحية سعة علمه، وبراعة بيانه.
ولا أظنك بعد أن تعلم أن أبا الفرج الأصفهاني صاحب كتاب "الأغاني" غير معدود فيمن يطمأن إلى روايته (٢)، إلا أن تقرأ كتاب "الأغاني" على أنه كتاب أدب يجمع بين الصحيح والسقيم، حتى إذا أردت تحقيق موضوع تاريخي، لم تعول على ما ينفرد بروايته، فتورده كما تورد ما يرويه ابن جرير
стр. 2023
الطبري - مثلاً -، وأنت مطمئن إليه، ولو كنت إذ درست حياة أبي الفرج، وجدتها خالصة مما يخدش في أمانته، لأخذ في نفسك مكانة فوق المكانة التي حازها من جهة سعة اطلاعه، وإتقانه لصناعة التأليف.
فالرجل الذي يكون على جانب من العلم، ولا يتصرف فيه بأمانة حصينة، يرمقه الناس بازدراء، وتذهب ثقتهم به، فلا يكادون ينتفعون بما يمكنهم أن ينتفعوا به من معلوماته الصحيحة.
وهذا صاعد بن الحسين البغدادي دخل قرطبة أيام المنصور بن أبي عامر، وكان عالماً باللغة والأدب والأخبار، ولكن أهل العلم اختبروه، فوجدوه يتنفّق بالكذب، فأعرضوا عنه، ولم يأخذوا منه شيئاً، وألف كتاباً سماه: "الفصوص" نحا فيه نحو: "الأمالي" لأبي علي القالي، فغلب شؤم ما فيه من كذب على ما فيه من صدق، وكان شكرهم لهذا الكتاب أن طرحوه في النهر.
قد يقع الرجل في حال يرى أن الاعتراف فيه بالجهل يذهب بشيء من احترام سائليه له، فيقف بين داعيين: فضيلة الأمانة تدعوه إلى أن يقول: "لا أدري"، وحرصه على أن يبقى احترامه في نفوس سائليه غير منقوص يدعوه إلى أن يستمد من غير الحقيقة جوابًا، وفي مثل هذا الحال يظهر مقدار صلة العالم بمزية الأمانة، فإن كان راسخًا فيها رسوخ الجبل تشتد به العواصف، فلا تزحزحه قيد شعرة، أجاب داعيها، واستيقن أن الاحترام الحق في الوقوف عند حدودها، وإن كانت الأمانة كلمة يقولها بفمه، ويسمعها بأذنه، دون أن تتخلل مسلك الروح منه، آثر لذة الاحترام في ذلك المشهد، وأجاب بما ليس له به علم.
стр. 2024
حضر بعض أدباء المغرب مجلس السلطان إسماعيل، أو ابنه محمد، وقرأ هذا الأديب بين يديه صحيفة، فجاءت كلمة: "الوخيد" (١)، فقرأها: "الوخيذ"- بالذال المعجمة-، فأرجعه السلطان، فقال ذلك الأديب: إنه - بالمعجمة والمهملة -، فطلب منه شاهداً على ذلك، فارتجل:
أقولُ لصاحبي لما ارْتَحَلْنا ... وأشْرَعْنا النَّجائِبَ في الوخيذِ
تمتَّعْ من لذيذِ كلامِ حورا ... فما بعدَ العَشِيَّةِ من لَذيذِ
وإذا كان هذا الأديب قد خرج من مجلس السلطان في ستر، فقد لقي ما يلقاه المستخفّ بحق الأمانة في العلم، فافتضح أمره، ووعت صحف التاريخ حديثه، فأزرى بقدره.
وإذا أبديت في العلم رأياً، ثم أراك الدليل القاطع أو الراجح أن الحق في غير ما أبديت، فمقتضى الأمانة أن تصدع بما استبان لك أنه الحق، ولا يمنعك من الجهر به أن تنسب إلى سوء النظر فيما رأيته سالفًا، فما أنت إلا بشر؛ وما كان لبشر أن يبرئ نفسه من الخطأ، ويدعي أنه لم يقل ولن يقول في حياته إلا صواباً.
والأمانة هي التي كانت تحمل كبار أهل العلم على أن يعلنوا في الناس رجوعهم عن كثير من آراء علمية، أو اجتهادات دينية، تبينوا أنهم لم يقولوا فيها قولاً سديداً.
تجد هذه الفضيلة في الأئمة المقتدى بهم؛ كمالك بن أنس، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل؛ والفتاوى التي رجع عنها أمثال هؤلاء
стр. 2025
العظام منبه عليها في كتب الأحكام، ولا يعد شيء منها فيما يصح الاقتداء به إلا أن يراه بعض المجتهدين صحيح الاستنباط، ثابت الأصل، فحكمه العمل على ما رأى.
يُسأَلُ العالم ذو الخلق العظيم عما لا يعلم؛ فلا يجد في صدره حرجاً أن يقول: "لا أعلم".
وهذه سيرة علمائنا الأجلاء، يُلقى على الواحد منهم السؤال في العلم الذي علا فيه كعبه، فإذا لم يحضره الجواب، أطلق لسانه بكلمة: "لا أدري" غير مستنكف ولا مبال بما يكون لها من الأثر في نفوس السائلين، وإذا فاته أن يجيب طالب العلم عما سأل، لم يفُته أن يعلمه خلقاً شريفاً هو أن لا يتحدث في العلم إلا على بصيرة، فيحفظ مقامه من أن يرمى بضعف الرأي إن كانت المسألة من قبيل الدراية، أو بقلة الأمانة إن كانت عائدة إلى الرواية، ولأن يقال: سئل فقال: لا أدري، خير من أن يقال: سئل، فقال خطلاً، أو روى ما لم يكن واقعاً.
قال ابن هرمز: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول: "لا أدري".
والمسائل التي قال فيها كبار العلماء: "لا أدري" بالغة من الكثرة ما لا يحيط به حساب.
سأل رجل مالك بن أنس عن مسألة، وذكر أنه أُرسل فيها من مسيرة أشهر من المغرب، فقال له: أخبر الذي أرسلك أنه لا علم لي بها، قال: ومن يعلمها؟ قال: من علم الله.
وسأله آخر عن مسألة استودعه إياها أهل المغرب، فقال: "ما أدري ما هي"، فقال الرجل: يا أبا عبد الله! تركت خلفي من يقول: ليس على وجه
стр. 2026
الأرض أعلم منك، فقال مالك غير مستوحش: إذا رجعت، فأخبرهم أني لا أحسن.
وقال الكاتبون في سيرته: لو شاء رجل أن يملأ صحيفته من قول مالك: "لا أدري"، لفعل.
ونقرأ في سيرة الشعبي: أنه سئل عن مسألة، فقال: "لا أدري"، فقال له السائل: فبأي شيء تأخذون رزق السلطان؟ فقال: لأقول فيما لا أدري: "لا أدري".
ومن شواهد أمانة محمد بن الأعرابي: أن محمد بن حبيب سأله في مجلس واحد عن بضع عشرة مسألة من شعر الطَّرِمّاح، فكان يقول: لا أدري، ولم أسمع، أفأحدس لك برأي؟!.
وقد تخون الرجل ذاكرته، أو تأخذه غفلة، فيقع لسانه في خطأ، وينبه بعد، أو يتنبه من نفسه إلى هفوته، فإن كان على حظ عظيم من الأمانة، بادر إلى إصلاخ خطئه بنفسه، غير مستنكف من الاعتراف بما أخذه من ذهول قلب، أو غلط لسان.
حضر أبو بكر بن العربي (١) مجلس أبي الفضل النحوي، فسمعه يقول: طلّق رسول الله ﷺ ، وآلى، وظاهَرَ، فلما انصرف، قصده إلى منزله، وقال له: أصلحك الله! قلت: إنه ﷺ طلّق وآلى وظاهر، وإنه ﷺ لم يظاهر؛ فإن الله جعل الظهار منكراً من القول وزوراً، فكان من أبي الفضل أن شكره، ومن
стр. 2027
الغد قال أبو الفضل لأهل مجلسه، بعد أن قرَّب ابن العربي إليه: إني قد قلت لكم بالأمس: إن رَسُولَ اللهِ ﷺ طلّق وآلى وظاهر، وإن هذا أرشدني إلى أنه لم يظاهر، وهو كما قال، وإنه شيخي في هذه المسألة.
من الأمانة: الرجوع إلى الحق، وهو كمال لا تحرص عليه إلا نفوس ذللت لها سبل المكارم تذليلاً.
ومن الأمانة: أن تنقد الآراء، ولا تغمض فيما تراه باطلاً، وإن كان بينك وبين صاحبها صلة الصداقة أو القربى.
قدّم أبو جعفر أحمد بن يوسف الفهري للملك المستنصر في تونس كتاباً في النحو، فدفعه المستنصر للأستاذ أبي الحسن حازم، فزار أبو جعفر حازمًا يوماً، فرأى الكتاب بين يديه، فقال: يا أبا الحسن! "وعين الرضا عن كل عيب كليلة"، فقال له حازم: أنت سيدي وأخي، والعلم لا يحتمل المداهنة، فقال له أبو جعفر: فأخبرني بما عثرت عليه، فاراه مواضع، فسلَّمها، وأصلَحها بخطه.
ومن أمانة العالِم: أن لا يفتي أو يقضي بما يراه باطلاً، فحرام عليه أن يفتي أو يقضي برأي غيره، وهو لا يتردد في بطلانه، ويبقي النظر في المسائل التي تعود إلى الاجتهاد، ولا يتعدى حكمها مراتب الظنون، وهذا ما يمكن أن يكون موضع اختلاف الفقهاء في قضاء العالِم أو إفتائه بغير مذهبه؛ كأن يقضي بين خصمين من أتباع بعض المذاهب على مقتضى المذهب الذي تقلداه.
كان العالم الجليل قاسم بن محمد بن سيّار يفتي في الأندلس بمذهب مالك، وهو يخالفه في كثير من المسائل، فقال له أحمد بن خالد: أراك تفتي
стр. 2028
الناس بما لا تعتقد، وهذا لا يحل لك، فقال: إنما يسألونني عن مذهب جرى في البلد فعرف، فأفتيهم به، ولو سألوني عن مذهبي، لأخبرتهم به.
وشمهل على العالِم السبيل لإفتاء القوم بمذهب إمام تقلدوه: أن المجتهد - وإن خالف غيره من المجتهدين في بعض الأحكام المستنبطة- يرى أن عادات كل مجتهد ومن يقلدون في مذهبه صحيحة؛ لأنها قائمة على الاجتهاد الذي هو أقصى ما كلفهم الله بالعمل عليه، وليس عليهم أن يكون اجتهادهم مطابقاً لما هو الصواب عند الله.
وممن لا يجيز للعالِم أن يحكم بمذهب غير راجح في نظره: أبو بكر الطرطوشي؛ فإنه كان ينكر ما يفعله ولاة قرطبة من أنهم إذا ولوا أحداً القضاء، شرطوا عليه أن لا يخرج عن قول ابن القاسم، وقال: هذا جهل عظيم.
والحق أن ولاية القضاة المتبعين لمذهب بعض الأئمة المقتدى بهم - عند فَقْد المجتهدين- صحيحة، ولوَليِّ الأمر أن يشترط عليهم الحكم بالمشهور، أو الراجح في مذهب بعينه عند الولاية؛ ضبطاً للأحكام، وسداً لأبواب اتباع الأهواء، ولا حرج في قضائهم على هذا الشرط، وان حكموا بما لا تطمئن إليه نفوسهم؛ فإن آراء من لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق أو المقيد تسقط أمام آراء المجتهدين، وليس لها في نظر الشارع من قيمة، أما بالغُ رتبة الاجتهاد، فليس له أن يحكم بغير ما قامت الأدلة القاطعة أو الراجحة على أنه حكم الله الذي شرع لعباده.
وإذا كانت الأمانة في العلم منبع حياة الأمم، وأساس عظمتها، زيادة على أنها الخصلة التي تكسب صاحبها وقارًا وجلالة، كان حقاً علينا أن نعطف على نشئنا من طلّاب العلم، ونتخذ كل وسيلة إلى أن نخرجهم أمناء فيما
стр. 2029
يروون أو يصفون، ذلك بأن نتحرى في دروسنا الأمانة فيما نروي، ولا نجيب سؤالهم إلا بما ندري، أو بقولنا: "لا ندري". وإذا أوردنا رأيًا استبنّا بعدُ أنه مأخوذ من غير أصل، قلنا لهم في صراحة: قد أخطأنا في الفهم، أو خرجنا على ما تقتضيه أصول العلم.
ومن أساليب تلقينهم الأمانة في العلم: أن نتلقى مناقشاتهم بصدر رحب، ولا نقتل آراءهم بالكلمات الجارحة، أو نتعسف في ردها، فندافعها بما نعتقد في أنفسنا أنه غير كاف لدفاعها.
وعلى الأستاذ - بعد أن يقوم بحق الأمانة -: ملاحظة سير الطلاب، حتى إذا وقع أحدهم فيما يدل على أنه غافل عن رفعة شأنها، وغزارة فوائدها، أرشده إلى أن العلم بغير أمانة شر من الجهل، وأن ذكاء لا يصاحبه صدق اللهجة نكبة على العقل؛ ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
стр. 2030
القضاء العادل في الإسلام (١)
أحاط الإسلام بضروب السعادة هداية وتعليماً، فدلّ على ضرب منها دلالة تقوم بها الحجة، وتقطع عن الناس عذر الجهل به، وله في هدايته درجات؛ فقد يرشد إلى الشيء دون أن يلهج به، أو يلحف في الترغيب فيه؛ حيث يكون سهل المأخذ على النفس، أو يكون في طبيعة البشر ما يسوق إليهح كإحسان الوالد لولده، والسعي في الأرض لابتغاء الرزق.
وقد يكون في الأمر ثقل على النفس، وصرف لها عن بعض شهواتها، فلا تكاد تقبل عليه إلا بعزم صميم، ونظر في العواقب بعيدة كإقامة الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وهذا ما يامر به المرة بعد الأخرى، ويسلك في الدعوة إليه أساليب شتى، حتى يأخذ إليه النفوس على تفاوت هممها، واختلاف رغائبها.
وكذلك ترى مسلكه في الدعوة إلى العدل في القضاء.
يتقدم الخصمان إلى القاضي، وكثيراً ما يجد في نفسه ميلاً - شديداً أو ضعيفاً - إلى أحدهما، يميل إليه لنحو قرابة أو صداقة، أو وجاهة أو غنىً، أو يميل إليه لأنه فقير أو ضعيف، أو خصم لمن يناوئه، وقلّما استطاع القاضي
стр. 2031
في هذه الأحوال أن يضع الخصمين من نفسه في درجة واحدة إلى أن يفصل في القضية بما أراه الله من الحق.
تلك العواطف التي تثور في القاضي حال النظر في القضية، هي في حكم المعفو عنه، إلا أن يكون لها في رجحان أحد الخصمين على الآخر أثر غير ما تقتضيه البينة وأصول الحكم.
شأن تلك العواطف أن تجاذب القاضي، وتناجيه أن ينحو بالحكم نحو منفعة المعطوف عليه، وعلى قدر العطف تكون هذه المجاذبة والمناجاة، ومتى قويتا في نفس لا تخاف مقام ربِّها، ولم تكن على بصيرة مما في لباس العدل من زينة وفخار، نبذت الحق وراء ظهرها، وانحدرت مع عاطفتها إلى هاوية الظلم، وما هاوية الظلم إلا حفرة من النار.
هذه العواطف التي تجاذب القاضي وتناجيه أن يرضي خصمًا بعينه، تجعل العدل في القضاء من قبيل ما يثقل على النفس، ويجمح عنه الطبع، فكان من حكمة الدعوة الإسلامية أن تعنى به عناية ضافية، وتدخل إلى الترغيب فيه من أبواب متعددة.
عنيت الشريعة بالعدل في القضاء بكل ما هو دعامة لسعادة الحياة، فأتت فيه بالعظات البالغات، تبشر من أقامه بعلو المنزلة، وحسن العاقبة، وتنذر من انحرف عنه بسوء المنقلب، وعذاب الهون.
فمن الآيات المنبهة لما في العدل من فضل وكرامة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، فقد أمر بالعدل، ونبّه على أن خيراً عظيماً ينال الحاكم بالقسط: هو محبة الله له، وما بعد محبة الله إلا الحياة الطيبة في الدنيا، والعيشة الراضية في الأخرى.
стр. 2032
ومن الأحاديث الدالة على ما يورثه العدل من شرف المنزلة عند الله تعالى: قوله ﵊: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن -، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" (١)، وهذا كناية عن شدة قربهم من رب العالمين، وفوزهم برضوانه، وفي ذكر: "الرحمن" تربية للرجاء والثقة بأن الحاكم العادل يجد من النعيم ما تشتهيه نفسه، وتلذه عينه، شأن من يكون قريب المنزلة من ذي رحمة وسعت كل شيء.
وإن شئت مثلاً من آيات الوعيد، فانظر في قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]، تجد الآية تنادى ي بن الفصل في القضايا جريًا مع الأهواء ضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله ملقٍ في شديد من العذاب. ومن ذا الذي يستخف بعذاب وصفه الكبير المتعال بالشدة، ويشتريه بمتاع من هذه الحياة إلا من سفه نفسه، ولم ينفذ الإيمان إلى سويداء قلبه؟.
فلهذه الآية أثر بليغ في النفوس المطمئنة بالإيمان.
كان أحمد بن سهل جاراً لقاضي مصر بكار بن قتيبة؛ فحدث أنه مر على بيت بكار في أول الليل، فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: ثم قمت في السحر، فسمعته يقرؤها ويرددها. فلا عجب أن يكون بكار هذا من أعدل القضاة حكماً، وأشرفهم أمام أولي الأمر موقفاً.
ومن الأحاديث الواردة في الوعيد على الجور في القضاء: قوله ﷺ :
стр. 2033
"من ولي القضاء، فقد ذبح بغير سكين" (١)، ففي هذا الحديث تمثيل القاضي - إذ يلاقي جزاءه في الآخرة - بأشد الناس عذاباً في هذه الحياة، وهو المذبوح بغير سكين، وهذا حال من يكون حظه من علم القضاء بخسًا، أو يكون خلق العفاف في نفسه واهياً.
ويصحُّ حملُ الحديث على معنى الإشارة إلى صعوبة القضاء، حتى كأن القاضي من أجل ما يلاقيه - من تعرف الحق وتنفيذه - من مكاره، ومجاهدة للأهواء، مذبوح بغير سكين، وهو بعد هذا مشعر بسمو منزلة القضاء؛ إذ كان القاضي العادل يضاهي القتيل في سبيل الله؛ بما انقطع عنه من شهوات، وقاساه من آلام، يبتغي أجر الله، والله عنده أجر عظيم.
ومما جمع بين الوعد والوعيد: قوله ﷺ : "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار، ورجل عرف الحق، وجار في الحكم، فهو في النار" (٢).
وصف هذا الحديث عاقبة من يقضي بالحق على بينة منه، وهي المصير إلى الجنة، وآذن بعاقبة من يقضي على جهل أو جور، وهي المصير إلى النار.
ولا يتناول هذا الوعيد العالم بأصول الشريعة يجتهد رأيه، فلا يصيب الحق، ويقضي بما رأى، قرأ الحسن البصري قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]، وقال: لولا ما ذكر الله
стр. 2034
من أمر هذين، لرأيت أن القضاة هلكوا، فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده.
وصف الإسلام ما في العدل من فوز، وأعلن بما في الحيف من شقاء، وكان قضاؤه ﷺ المثل الأعلى لصيانة الحقوق، والتسوية بين الخصوم، ويكفي شاهداً على هذا: أنه ﷺ أراد إقامة الحد على امرأة مخزومية سرقت، فخاطب قريش أسامة؛ ليكلم رَسُولَ اللهِ ﷺ في إسقاط الحد عنها، فقال- صلوات الله عليه-: "أتشفع في حد من حدود الله؟! " ثم قام فخطب، قال: "يا أيها الناس! إنما ضل من قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها".
رسم ﵊ طريق العدل في القضاء قيّمة غيرَ ذات عوج، وزادها بسيرته العملية وضوحًا واستنارة، فاستبانت لأصحابه في أجلى مظهر، فاقتدوا بهديها الحكيم، وأروا الناس القضاء الذي يزن بالقسطاس المستقيم.
انظر إلى قول عمر بن الخطاب ﵁ في رسالته إلى أي موسى الأشعري: "آسِ (١) بين الناس في مجلسك، وفي وجهك، وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك".
كان للإسلام وسيرة الذين أوتوا العلم من رجاله أثر في إصلاح القضاء كبير، ولا تشرق المحاكم بنور العدل إلا أن يمسك زمامها رشيدُ العقل، راسخ الإيمان بيوم الفصل.
стр. 2035
فتقوى الله تحمل القاضي على تحقيق النظر في كل واقعة حتى يتعرف الحق، ولا يأخذ بأول ما يلوح له من الفهم، وإن تيقن أن قضاءه نافذ، وما له في الرؤساء من معقب.
ومن أمراء الأندلس من كان يعزل القاضي متى رأى منه السرعة في فصل القضايا التي تستدير بطبيعتها شيئاً من التروي؛ إذ يفهم من هذه السرعة عدم تحرجه من إثم الخطأ في الحكم.
وتقوى الله هي التي تقف القاضي في حدود العقل، لا يخرج عنها قيد أنملة في حال.
قيل للقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي: ألا تؤلف كتاباً في أدب القضاء؟ فقال: "اعدِلْ ومدَّ رجليك في مجلس القضاء، وهل للقاضي أدب غير الإسلام؟! ".
وفي سيرة أبي عبد الله محمد بن عيسى أحد قضاة قرطبة: أنه "التزم الصرامة في تنفيذ الحقوق، والحزامة في إقامة الحدود، والكشف عن البيان في السر، والصدع بالحق في الجهر، ولم يهب ذا حرمة، ولا داهن ذا مرتبة، ولا أغضى لأحد من أرباب السلطان وأهله، حتى تحاموا حدة جانبه، فلم يجسر أحد منهم عليه".
ونقرأ في وصف إبراهيم بن أبي بكر الأجنادي أحدِ قضاة مصر: أنه "كان لا يقبل رسالة ولا شفاعة، بل يصدع بالحق، ولا يولي إلا مستحقاً".
وامتحن عبد الله بن طالب - أحد قضاة القيروان -، فكان يقول في سجوده وهو في السجن: "اللهم إنك تعلم أني ما حكمت بجور، ولا آثرت عليك أحداً من خلقك، ولا خفت فيك لومة لائم".