في هذه الأحوال أن يضع الخصمين من نفسه في درجة واحدة إلى أن يفصل في القضية بما أراه الله من الحق.
تلك العواطف التي تثور في القاضي حال النظر في القضية، هي في حكم المعفو عنه، إلا أن يكون لها في رجحان أحد الخصمين على الآخر أثر غير ما تقتضيه البينة وأصول الحكم.
شأن تلك العواطف أن تجاذب القاضي، وتناجيه أن ينحو بالحكم نحو منفعة المعطوف عليه، وعلى قدر العطف تكون هذه المجاذبة والمناجاة، ومتى قويتا في نفس لا تخاف مقام ربِّها، ولم تكن على بصيرة مما في لباس العدل من زينة وفخار، نبذت الحق وراء ظهرها، وانحدرت مع عاطفتها إلى هاوية الظلم، وما هاوية الظلم إلا حفرة من النار.
هذه العواطف التي تجاذب القاضي وتناجيه أن يرضي خصمًا بعينه، تجعل العدل في القضاء من قبيل ما يثقل على النفس، ويجمح عنه الطبع، فكان من حكمة الدعوة الإسلامية أن تعنى به عناية ضافية، وتدخل إلى الترغيب فيه من أبواب متعددة.
عنيت الشريعة بالعدل في القضاء بكل ما هو دعامة لسعادة الحياة، فأتت فيه بالعظات البالغات، تبشر من أقامه بعلو المنزلة، وحسن العاقبة، وتنذر من انحرف عنه بسوء المنقلب، وعذاب الهون.
فمن الآيات المنبهة لما في العدل من فضل وكرامة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، فقد أمر بالعدل، ونبّه على أن خيراً عظيماً ينال الحاكم بالقسط: هو محبة الله له، وما بعد محبة الله إلا الحياة الطيبة في الدنيا، والعيشة الراضية في الأخرى.
стр. 2032
ومن الأحاديث الدالة على ما يورثه العدل من شرف المنزلة عند الله تعالى: قوله ﵊: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن -، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" (١)، وهذا كناية عن شدة قربهم من رب العالمين، وفوزهم برضوانه، وفي ذكر: "الرحمن" تربية للرجاء والثقة بأن الحاكم العادل يجد من النعيم ما تشتهيه نفسه، وتلذه عينه، شأن من يكون قريب المنزلة من ذي رحمة وسعت كل شيء.
وإن شئت مثلاً من آيات الوعيد، فانظر في قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]، تجد الآية تنادى ي بن الفصل في القضايا جريًا مع الأهواء ضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله ملقٍ في شديد من العذاب. ومن ذا الذي يستخف بعذاب وصفه الكبير المتعال بالشدة، ويشتريه بمتاع من هذه الحياة إلا من سفه نفسه، ولم ينفذ الإيمان إلى سويداء قلبه؟.
فلهذه الآية أثر بليغ في النفوس المطمئنة بالإيمان.
كان أحمد بن سهل جاراً لقاضي مصر بكار بن قتيبة؛ فحدث أنه مر على بيت بكار في أول الليل، فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: ثم قمت في السحر، فسمعته يقرؤها ويرددها. فلا عجب أن يكون بكار هذا من أعدل القضاة حكماً، وأشرفهم أمام أولي الأمر موقفاً.
ومن الأحاديث الواردة في الوعيد على الجور في القضاء: قوله ﷺ :
стр. 2033
"من ولي القضاء، فقد ذبح بغير سكين" (١)، ففي هذا الحديث تمثيل القاضي - إذ يلاقي جزاءه في الآخرة - بأشد الناس عذاباً في هذه الحياة، وهو المذبوح بغير سكين، وهذا حال من يكون حظه من علم القضاء بخسًا، أو يكون خلق العفاف في نفسه واهياً.
ويصحُّ حملُ الحديث على معنى الإشارة إلى صعوبة القضاء، حتى كأن القاضي من أجل ما يلاقيه - من تعرف الحق وتنفيذه - من مكاره، ومجاهدة للأهواء، مذبوح بغير سكين، وهو بعد هذا مشعر بسمو منزلة القضاء؛ إذ كان القاضي العادل يضاهي القتيل في سبيل الله؛ بما انقطع عنه من شهوات، وقاساه من آلام، يبتغي أجر الله، والله عنده أجر عظيم.
ومما جمع بين الوعد والوعيد: قوله ﷺ : "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار، ورجل عرف الحق، وجار في الحكم، فهو في النار" (٢).
وصف هذا الحديث عاقبة من يقضي بالحق على بينة منه، وهي المصير إلى الجنة، وآذن بعاقبة من يقضي على جهل أو جور، وهي المصير إلى النار.
ولا يتناول هذا الوعيد العالم بأصول الشريعة يجتهد رأيه، فلا يصيب الحق، ويقضي بما رأى، قرأ الحسن البصري قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]، وقال: لولا ما ذكر الله
стр. 2034
من أمر هذين، لرأيت أن القضاة هلكوا، فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده.
وصف الإسلام ما في العدل من فوز، وأعلن بما في الحيف من شقاء، وكان قضاؤه ﷺ المثل الأعلى لصيانة الحقوق، والتسوية بين الخصوم، ويكفي شاهداً على هذا: أنه ﷺ أراد إقامة الحد على امرأة مخزومية سرقت، فخاطب قريش أسامة؛ ليكلم رَسُولَ اللهِ ﷺ في إسقاط الحد عنها، فقال- صلوات الله عليه-: "أتشفع في حد من حدود الله؟! " ثم قام فخطب، قال: "يا أيها الناس! إنما ضل من قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها".
رسم ﵊ طريق العدل في القضاء قيّمة غيرَ ذات عوج، وزادها بسيرته العملية وضوحًا واستنارة، فاستبانت لأصحابه في أجلى مظهر، فاقتدوا بهديها الحكيم، وأروا الناس القضاء الذي يزن بالقسطاس المستقيم.
انظر إلى قول عمر بن الخطاب ﵁ في رسالته إلى أي موسى الأشعري: "آسِ (١) بين الناس في مجلسك، وفي وجهك، وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك".
كان للإسلام وسيرة الذين أوتوا العلم من رجاله أثر في إصلاح القضاء كبير، ولا تشرق المحاكم بنور العدل إلا أن يمسك زمامها رشيدُ العقل، راسخ الإيمان بيوم الفصل.
стр. 2035
فتقوى الله تحمل القاضي على تحقيق النظر في كل واقعة حتى يتعرف الحق، ولا يأخذ بأول ما يلوح له من الفهم، وإن تيقن أن قضاءه نافذ، وما له في الرؤساء من معقب.
ومن أمراء الأندلس من كان يعزل القاضي متى رأى منه السرعة في فصل القضايا التي تستدير بطبيعتها شيئاً من التروي؛ إذ يفهم من هذه السرعة عدم تحرجه من إثم الخطأ في الحكم.
وتقوى الله هي التي تقف القاضي في حدود العقل، لا يخرج عنها قيد أنملة في حال.
قيل للقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي: ألا تؤلف كتاباً في أدب القضاء؟ فقال: "اعدِلْ ومدَّ رجليك في مجلس القضاء، وهل للقاضي أدب غير الإسلام؟! ".
وفي سيرة أبي عبد الله محمد بن عيسى أحد قضاة قرطبة: أنه "التزم الصرامة في تنفيذ الحقوق، والحزامة في إقامة الحدود، والكشف عن البيان في السر، والصدع بالحق في الجهر، ولم يهب ذا حرمة، ولا داهن ذا مرتبة، ولا أغضى لأحد من أرباب السلطان وأهله، حتى تحاموا حدة جانبه، فلم يجسر أحد منهم عليه".
ونقرأ في وصف إبراهيم بن أبي بكر الأجنادي أحدِ قضاة مصر: أنه "كان لا يقبل رسالة ولا شفاعة، بل يصدع بالحق، ولا يولي إلا مستحقاً".
وامتحن عبد الله بن طالب - أحد قضاة القيروان -، فكان يقول في سجوده وهو في السجن: "اللهم إنك تعلم أني ما حكمت بجور، ولا آثرت عليك أحداً من خلقك، ولا خفت فيك لومة لائم".
стр. 2036
ووصف المؤرخون محمد بن عبد الله بن يحيى - أحد قضاة قرطبة - بأنه "لم يداهن ذا قدرة، ولا أغضى لأحد من أصحاب السلطان، ولم يطمع شريف في حَيْفه، ولم ييئس وضيع من عدله، ولم يكن الضعفاء قط أقوى قلوباً ولا ألسنة منهم في أيامه".
ومن القضاة العادلين من تطرح بين يديه قضية يدلي فيها أحد الخصمين بشهادة الخليفة نفسه، فيرد الشهادة في غير مبالاة.
شهد السلطان بايزيد عند شمس الدين محمد بن حمزة الفناري قاضي الآستانة في خصومة رفعت إليه، فرد القاضي الشهادة، ولما سأله السلطان عن وجه ردها، قال له: إنك تارك للجماعة! فبنى السلطان أمام قصره جامعًا، وعين لنفسه فيه موضعاً، ولم يترك الجماعة بعد ذلك.
ورفعت قضية إلى محمد بن بشير قاضي قرطبة، أحدُ الخصمين فيها سعيد الخير عم الخليفة عبد الرحمن الناصر، وأقام سعيد بيّنةً أحدُ شهودها الخليفة نفسه، ولما قدم كتاب شهادة الخليفة إلى القاضي، نظر فيه، ثم قال لوكيل سعيد: هذه شهادة لا تعمل عندي، فجئني بشاهد عدل، فمضى سعيد إلى الخليفة؛ وجعل يغريه على عزل القاضي، فقال الخليفة: القاضي رجل صالح، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولست والله! أعارضه فيما احتاط به لنفسه، ولا أخون المسلمين في قبض مثله! ولما سئل ابن بشير عن رد شهادة الخليفة، قال: إنه لا بد من الإعذار في الشهادة، ومن الذي يجترئ على القدح في شهادة الأمير إذا قبلت؟! ولو لم أعذر، لبخست المشهود عليه حقه.
فالإسلام يلقن القاضي أنه مستقل، ليس لأحد عليه من سبيل؛ وقد قصّ
стр. 2037
علينا التاريخ: أن كثيراً من القضاة العادلين كانوا لا يتباطؤون أن يحكموا على الرئيس الذي أجلسهم على منصة القضاء حكمَهم على أقصر الناس يداً، وأدناهم منزلة.
قال ابن عبد السلام يصف القضاة العادلين: "وربما كان بعضهم يحكم على من ولّاه، ولا يقبله إن شهد عنده".
وقال المقري يصف القضاء في الأندلس: "أما خطة القضاء بالأندلس، فهي أعظم الخطط عند الخاصة والعامة؛ لتعلقها بأمور السلطان، وكون السلطان لو توجه عليه حكم، حضر بين يدي القاضي".
وحكم ابن بشير قاضي قرطبة على الخليفة عبد الرحمن الناصر في قضية رفعها عليه أحد المستضعفين من الرعية، وأُبلغ الخليفةُ الحكمَ مقروناً بالتهديد بالاستقالة من القضاء إذا لم يسلم الحكم، ويبادر إلى تنفيذه.
ومن القضاة العادلين من يرمي بالمنصب في وجه الدولة إذا أخذ بعض رجاله يتدخل فيما يرفع إليه من الخصومات.
فعل هذا إبراهيم بن إسحاق قاضي مصر حين تخاصم إليه رجلان، وأمر بكتابة الحكم على أحدهما، فتشفع المحكوم عليه إلى الأمير، فأرسل إليه يأمره بالتوقف عن الحكم إلى أن يصطلحا، فترك القضاء، وأقام في منزله، فأرسل إليه الأمير يسأله الرجوع، فقال: لا أعود إلى ذلك أبداً، ليس في الحكم شفاعة.
وفعل هذا برهان الدين بن الخطيب بن جماعة أحدُ قضاة مصر، عارضه محب الدين ناظرُ الجيش في قضية، فقال: لا أرضى أن أكون تحت الحجر. وصرف أتباعه، وصرح بعزل نفسه، وأغلق بابه، فبلغ أمره الملك الأشرف،
стр. 2038
فانزعج، وما زال يسترضيه حتى قبل، واشترط عليه أشياء تلقاها منه بالإجابة.
والرئيس الناصح يُكبر القاضي الذي يأنس منه استقامة، ويعمل لإرضائه حتى يصرفه عن الاستقالة.
أرسل أبو عبيد قاضي مصر أبا بكر بن الحداد إلى بغداد ليستعفي له عن القضاء، فأبى الوزير علي بن عيسى بن الجراح أن يعفيه، وقال: ما أظنه إلا أنه كره مراقبة هلال بن بدر؛ لأنه شاب غرّ لا يعرف قدره، فانا أصرف هلالًا، وأولي فلاناً، وهو شيخ عاقل يعرف قدر القاضي.
والرئيس العادل يُعجَب بالعالِم الذي دلته التجربة على استقامته عند الحكم، وتجرده من كل داعية غير داعية ظهور الحق، ويدعوه هذا الإعجاب إلى إقامته قاضياً بين الناس.
أخذ عمر بن الخطاب ﵁ فرسًا من رجل على سوم، فحمل عليه، فعطب، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينَك رجلاً، فقال الرجل: إني أرضى بشريح العراقي. فقال شريح: أخذته صحيحاً سليماً، فأنت ضامن له حتى ترده صحيحاً سليماً، قال الشعبي - وهو راوي القصة -: فكأنه أعجبه، فبعثه قاضياً.
ولصعوبة القضاء من ناحية التثبت من الحق أولاً، والقدرة على تنفيذه ثانياً، أبى كثير من العلماء الأتقياء أن يقبلوا ولايته، ورفضوها بتصميم، يخشون أن يعترضهم في التنفيذ ما لا طاقة لهم بدفعه، أو يخشون الزلل عند النظر في بعض النوازل وتعرّف أحكامها؛ فإن إدراج الوقائع الجزئية تحت الأصول الكلية عسير المدخل؛ لكثرة ما يحوم حوله من الاشتباه، فكثير من الجزئيات تحتوي أوصافاً مختلفة، وكل وصف ينزع إِلى أصل، وقد يكون في
стр. 2039
الأصل الذي هو أمسّ بالواقعة خفاء لا ينكشف إلا أن يردد القاضي الألمعي نظره، ويجهد في استكشافه روبته.
عرض هارون الرشيد على المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث قضاء المدينة المنورة بجائزة قدرها أربعة آلاف دينار، فأبى، وقال: لأن يخنقني السلطان أحبُّ إليَّ من القضاء.
ومن العلماء من يأبى قبولها، ويكون الأمير ممن يقدر قدره، ويراه أقدر أهل العلم على القيام بها، فيهدده بالعقاب، أو يسومه العذاب؛ ليكرهه على قبولها، ومنهم من يقبلها بعد التهديد البالغ، مثل: عيسى بن مسكين أحد الفقهاء بالقيروان، عرف الأمير إبراهيم بن أحمد بن الأغلب من زهده في المناصب أنه يأبى ولاية القضاء، فأحضره، وقال له: ما تقول في رجل جمع خلال الخير أردت أن أوليه القضاء، وألمّ به شعث هذه الأمة، فامتنع؟ قال له عيسى بن مسكين: يلزمه أن يلي، قال: تمنّع، قال: تجبره على ذلك بجلد، قال: قمْ فانت هو، قال: ما أنا بالذي وصفت، وتمنّع حتى أخذوا بمجامع ثيابه، وقرّبوا السيف من نحره، فتقدم لها بعد أمر خطير.
ولارتباط سعادة الأمة باستقامة القضاء، جاز للرئيس الأعلى - متى رأى في أهل العلم من هو أدرى بمسالكه، وأقدر على القيام بأعبائه - أن يكرهه على ولايته بالوسائل الكافية.
قيل للإمام مالك: هل يجبر الرجل على ولاية القضاء؟ قال: لا، إلا أن لا يوجد منه عوض، فيجبر عليه، قيل له: أيجبر بالضرب والسجن؟ قال: نعم.
وطلب ابن الأغلب أمير القيروان الإمام سحنون لولاية القضاء، فامتنع،
стр. 2040
وبقي نحو سنة يطلبه لها وهو يمتنع، حتى قال له حالفاً: لئن لم تتقدم لها، لأقدّمن على الناس رجلاً من غير أهل السنّة، فاضطره هذا الحلف إلى قبولها.
ومن العلماء من يُطلب للقضاء، فلا يجيب إلا على شرط يصعب على رجال الدولة قبوله، ولا يسعهم إلا أن يتركوه.
طلبوا أبا محمد بن أبي زيد لقضاء القيروان، وقطعوا دون قبوله كل عذر، فشرط عليهم أن يجعلوا لمن بين يديه من الأعوان ما يقوم بكفايتهم من بيت المال؛ بحجة أن من واجب السلطان أن يوصل لكل ذي حق حقه، وليس على صاحب الحق أن يعطي من حقه شيئاً (١)، فاستكثروا ما ينفق في هذا السبيل، وتركوه.
وإن شئت مثلاً يريك الاعتزاز بالعلم والزهد في المناصب إلا أن يتيقن السير بها في استقامة، فإليك قصة زياد بن عبد الرحمن: دعاه هشام عندما تولى الخلافة بالأندلس إلى القضاء، فأبى، وبعث إليه الوزراء، فلم يتخلص منهم حتى قال لهم: عليّ المشي إلى مكة إن ولّيتموني القضاء، وجاء أحد يشتكي بكم، لآخذن ما بأيديكم، وأدفعه إليه، وكلفكم البينة؛ لما أعرفه من ظلمكم! فعرفوا أنه سيفعل ما يقول، فتركوه.
وعناية الإسلام بالقضاء رفعته إلى درجة أفضل الطاعات، فمن سار على بينة وهدى، كانت الأوقات التي يشغلها بالنظر في النوازل داعداد الوسائل لساعة الفصل أوقاتاً معمورة بالعمل الصالح، كافلة لصاحبها الكرامة في الدنيا، والفوز في الأخرى، ولهذا ترى بعض العلماء يتقلدون القضاء، ويأبون أن
стр. 2041
يأخذوا عليه رزقاً.
ومن هؤلاء العلماء الزاهدين: أبو القاسم حماس بن مروان، ولّاه زيادة الله بن الأغلب قضاء أفريقية، فتولاه، وأبى أن يأخذ عليه أجراً، و"كانت أيامه أيام حق ظاهر، وسنّة فاشية، وعدل قائم".
وكان سحنون قاضي أفريقية "لا يأخذ لنفسه رزقاً ولا صلة من السلطان، وإنما يأخذ لأعوانه وكتّابه من جزية أهل الكتاب".
ومن أبى أخذ الأجر على القضاء، فليدخر ثوابه كاملاً عند الله، أو لأنه كان في غنى، وليس في أهل العلم من يكفي كفايته، فتكون ولايته من قبيل القيام بفرض عين، ومن تعين عليه القضاء وهو في بسطة من المال، فهو الذي لا يجيز له الفقهاء أن يأخذ على ولايته عوضاً.
حقيقة إن الإسلام بنى القضاء على أسس محكمة، ونظم صالحة، وأخرج للناس قضاة سلكوا إلى العدل في الحكم، والحزم في التنفيذ، مسلكاً هو أقصى ما يستطيعه البشر، وأرقى ما يجده الباحث في القديم والجديد، فإذا توفقت الدول الإسلامية لأن تربّي رجالاً مثل من وصَفْنا علماً وجلالة، أمكنها أن تحتفظ بروح العدل الذي لا يجري إلا على يد من تفقه في كتاب الله، وسنّة رسوله، واهتدى بحكمتهما إلى أن الدنيا متاع، وأن الآخرة هي دار القرار.
стр. 2042
الإنصاف الأدبي (١)
لا أريد أن أبحث تحت هذا العنوان عن الإنصاف الذي يفسر بالعدل، ويوصف به من ينتصب للحكم بين المتخاصمين، فقد سبق لنا أن تعرضنا لهذا الموضوع في مقال: "القضاء العادل في الإسلام". كما أني لا أريد البحث عن الإنصاف الذي هو خلق يحمل صاحبه على أن يعطي الحقوق المادية من نفسه؛ كأن يعرف الرجل أن هذا المال أو المتاع حق لفلان، فيكفّ يده، أو يرفعها عنه من تلقاء نفسه، لا يخشى سطوة حاكم، أو لومة لائم. فللحديث عن الإنصاف الذي هو تبرئة الذمة من الحقوق المادية مقام غير هذا المقام، وإنما الغرض: البحث عن ضرب خاص من ضروب الإنصاف، وهو أن يقول الرجل صوابًا، فتعترف بأنه محق، أو يحرز خصلة حمد، فتقرّ بها، ولا تنازع من يصفه بها، ولا أجد مانعاً من أن أسمّي هذا النوع من الإنصاف: "الإنصاف الأدبي"، ويقابله من الأخلاق المذمومة: "العناد"، وهو جحود الحق، وردّه مع العلم بأنه حق.
والإنصاف الأدبي من الخصال التي لا ترسخ إلا في نفس نبتت في بيئة صالحة، وارتضعت من ثدي التربية الصحيحة لبناً خالصاً، والجماعة
стр. 2043
التي تفقد هذا الخلق تفقد جانباً عظيماً من أسباب السعادة، ويدخلها الوهن بعد الوهن، حتى تتفرق أيدي سبأ، وعليك الإنصات، وعلينا البيان:
بين الأخلاق روابط، وكثيراً ما يكون بعضها وليد بعض؛ كالعدل قد يكون وليد القناعة، وكالشجاعة قد تكون وليدة عزَّة النفس، وكالجبن قد يكون وليد الطمع، وكذلك خلق العناد وعدم الإذعان للحق قد يكون وليد الحسد، وقد ينشأ عن طبيعة الغلوِّ في حبّ الذات، وللغلو في حب الذات فرعان: حب الانفراد بالفخر، دايثار النفس على كل شيء حتى الحق، فالحاسد، أو الحريص على الانفراد بالفخر، هو الذي يسمع الرجل يقول صواباً، فيقول له: أخطأت، أو يسمع الثناء عليه ببعض ما أحرز من خصال، فيقول للمثنى عليه: كذبت. وإيثار النفس على النفس هو الذي يحمل الرجل على التعصب لرأيه، والدفاع عنه وهو يعلم أنه في خطأ مبين.
فمن أراد أن يطبع ناشئاً على خلق الإنصاف، نقّب على علتي: الحسد، والغلو في حب الذات، فإن وجد لهما في نفس الناشئ أثراً، راوضه بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى يتهيأ الناشئ لأن يكون على هذا الخلق العظيم؛ أعني: خلق الإنصاف.
وإذا كان منشأ الحسد قلة ملاحظة أن النعمة تصل إلى صاحبها من علاّم الغيوب، وهو لا يرسلها إلا لحكمة، فإن من وسائل علاج هذا الداء: تلقين الناشئ أن النعم - مادية أو أدبية - إنما ينالها بمشيئة العليم الحكيم.
وإذا كان منشأ الحرص على الانفراد بالفخر هو الغلو في حب الذات، كان على المربي تهذيب عاطفة حب الذات في نفس الناشئ حتى تكون عاطفة معتدلة: تجلب له الخير، وتأبى له أن ينال غيره بمكروه.
стр. 2044
وإذا شفي الناشئ من مرض الحسد، وخلص من لوثة الغلو في حب الذات، لم يبق بينه وبين فضيلة الإنصاف إلا أن تعرض عليه شيئاً من آثارها الطيبة، وتذكره بما يدرك المحرومين منها، والمستخفّين بها من خسار وهوان.
وقلة الإنصاف تبعد ما بين الأقارب أو الأصدقاء، وكم من تجافٍ نشأ بين أخوين أو صديقين، وإنما نشأ من جحود أحدهما بعض ما يتحلى به الآخر من فضل، أو من ردّه عليه لرأياً أو رواية، وهو يعلم أنه مصيب فيما رأى، أو صادقاً فيما روى.
قال الحكيم العربي:
ولم تَزَلْ قِلّةُ الإنصافِ قاطعةً ... بينَ الرّجالِ وإنْ كانوا ذَوي رَحِمِ
ومتى شعر الرجل من آخر وإنكار شيء من فضله، أو بتعسفه في معارضه رأيه، رآه غير موضع للصحبة والمعاشرة، وربما وقع في ظنه أن الراحة في عدم لقائه.
قلة الإنصاف تجر إلى التقاطع، والإنصاف يدعو إلى الالفة، ويؤكد صلة الصداقة، فإذا كنت في مجلس، فقرر الرجل رأيًا واضح الحجة، فغلبك ما في نفسك، وحاولت أن تصوره للناس خطأ، فقد ألقيت بينك وبينه عداوة، فإن خضعت لحجته، وأعربت له عن استحسان رأيه، فقد مددتَ بينك وبينه سبباً من أسباب الألفة؛ إذ يشعر من إنصافك أنك لا تحمل له ضغناً، ولا تكره له أن ينال حمداً؛ فإن سبق هذا الإنصاف خصومة، شعر بأنك خصم شريف، فيسعى لأن تنقلب الخصومة سلماً، ويتبدل التقاطع ولاء.
وقلة الإنصاف تسقط احترامك من العيون؛ فإن من يراك تهاجم الآراء
стр. 2045
المؤيدة بالحجة، قد يحمل هذا الهجوم على قصر نظرك، وعجزك عن تمييز الباطل من الحق، فإن حمله على أنك تهاجمها كراهة أن تكسب صاحبها حمدًا، وقع في نفسه أنك تتمنى لغيرك زوال النعمة، أو أنك حريص على الانفراد بخصال الحمد، فإن ذهب في تأويل إبايتك لقبول الحق إلى أنك تموّه على الناس؛ حتى لا ينسبوا إليك نقيصة الخطأ، علم ما لم يكن يعلم من إيثارك النفس على الحق، ولا احترام لمن لا يدرك الآراء المؤيدة بالحجة، أو يتألم من أن يرى غيره في نعمة، أو من يعمل للانفراد بالحمد من طريق التعسف والعناد، أو يدافع عن نفسه نقص الخطأ بمحاولة قتل الحق.
قلة الإنصاف تسقط احترامك من القلوب؛ والإنصاف يزيد احترامك في القلوب مكانة؛ ذلك لأن إنصافك للرجال يدل على صفاء سريرتك ونقائها من أن تكون قد حملت شيئاً من دنس الحسد، أو حام بها الغلو في حب الذات.
نقرأ في كتب الأدب: أن منذر بن سعيد البلوطي دخل مصر، وحضر مجلس أبي جعفر النحاس وهو يملي أخبار الشعراء، فأنشد أبو جعفر أبيات مجنون ليلى هكذا:
خليليَّ هلْ بالشّامِ عيْنٌ حزينةٌ ... تُبكّي على نَجْدٍ لعلّي أُعِينها
قد اسلَمها الباكون إلا حمامةً ... مطوّقةً باتَتْ وباتَ قرينُها
تجاوِبُها أخْرى على خَيْزُرانَةٍ ... يكادُ يدنيّها من الأرضِ لينُها
فأراد منذر أن ينبهه على أن قراءة: "باتت وبات" من عجز البيت الثاني بالتاء المثناة خطأ، فقال: يا أبا جعفر! ماذا- أعزك الله- باتا يصنعان؟ فقال أبو جعفر: كيف تقول أنت يا أندلسي؟ قال منذر: "بانت وبان قرينها".
стр. 2046
كيف يكون مقام أبي جعفر في نفسك لو قصَّ عليك التاريخ أنه تلقى تصحيح منذر بن سعيد بالارتياح، وقال له: أنا أخطأتُ، وأنت أصبتَ؟ لا شك أنك تحمل له من الاحترام فوق ما كنت تحمل، ولكن منذر بن سعيد يقول: إن ابن النحاس سكت، وما زال يستثقلني، ثم عاد بعد حين إلى ما كنت أعرفه منه؛ يعني: من الإقبال والحفاوة.
وقلة الإنصاف تحول بين الرجل وبين أن يزداد علماً؛ فمن لم تنصفه من أهل العلم، وجد في نفسه مثبطًا عن أن يسرع إلى إفادتك أو يقيض القول في مذاكرتك، فيفوتك حظّ من العلم لولا عدم إنصافك، لازددت به قوة في الفهم، وسعة في العلم، وقد يكون من أثر جحودك لفضل الرجل أن تقل رغبتك في ملاقاته، والتزود من آرائه أو رواياته، وكم وصل الرجل بإنصافه إلى علم وأدب جم!
قال أبو إسحاق الزجّاج: لما قدم المبرِّد بغداد، أتيته لأناظره؛ وكنت أقرأ على أبي العباس ثعلب، وأميل إلى قول الكوفيين، فعزمت على إعنات المبرِّد، فلما فاتحني، ألجمني بالحجة، وطالبني بالعلة؛ وألزمني إلزامات لم أهتد إليها، فتبينت فضله، واسترجحت عقله، وجددت في ملازمته.
فلو كان أبو إسحاق من أولئك الذين يجمح بهم التعصب للأشياع أو المذهب، حتى ينبذوا الانصاف ناحية، لما اعترف بفضل المبرد، وقد فاتحه بالمناظرة عازمًا إعناته، ولفاته العلم الذي غنمه بالجد في ملازمته.
وقلة الإنصاف تحدِث في العلم فساداً كبيراً؛ ذلك لأن من لا يقدر الإنصاف قدره، قد يرى بعض الآراء العلمية الصحيحة قد صدرت من شخص لا يرتاح هو لأن تكون قد صدرت منه، فيقابلها بالرد والأنكار، وقد تكون
стр. 2047
له براعة بيان، فيصرفها في تشويه وجه الحق، وهو يعلم أنه حق، فيظهر الجهل على العلم، ولو في فئة قليلة، أو دائرة صغيرة.
قلة الإنصاف تخذل العلم، وتطمس شيئاً من معالمه، والإنصاف يؤيد العلم، ويجعل موارده صافية سائغة. ولو أخذ الإنصاف حظه من نفوس جميع الباحثين عن الحقائق، لقلَّت مسائل الخلف في كل علم، فيكون حفظ العلوم أيسر، ومدة دراستها والرسوخ فيها أقصر.
نقرأ في تاريخ العلامة محمد بن عبد السلام: أن ابن الصبّاغ اعترض عليه في أربع عشرة مسألة، فلم يدافع عن واحدة منها، بل أقرّ بالخطأ في جميعها.
ومن النواحي التي غفل فيها بعض الناس عن فضيلة الإنصاف، فكانت منبت فساد غير قليل: ناحية التعصب للمذهب تعصبَ من لا يسمع ولا يرى، ولصاحب المذهب أو المقتدى به أن يبسط القول في تقرير أصوله، وإيراد حججه، وله أن يناقش أقوال مخالفيه، وأدلتهم، فيردها، ويصفها بالخطأ إذا شاء، ومن الإنصاف أن يناقشها استبانة للحق، ولا يصفها بالخطأ إلا بعد أن تأذن له الحجة في وصفها، والعالِم الذي يطول نظره في أقوال الأئمة، يشهدهم كيف يرمون إلى غرض واحد هو الحكم المطابق للحق، فيمتلئ قلبه باحترامهم، ويقف في حدود الإنصاف عند درسه لمسألة من المسائل التي جرى فيها اختلافهم.
قال الإمام الشافعي: الظرف في الوقوف عند الحق كما وقف.
لا يصعب على النفوس - التي فيها بقية من خير - أن تنصف الرجل يبتكر رأياً، أو ينهض لعمل، فتعترف لرأيه بالإصابة، أو لعمله بالإجادة.
стр. 2048
والإنصاف الذي قد تجمح عنه نفسك كثيراً أو قليلاً: أن تقول قولاً تظنّه صوابًا، أو تعمل عملاً تحسبه حسناً، فينقده آخر بميزان العلم الصحيح، ويريك أنك قد قلت خطأ، أو عملت سيئاً، ففي مثل هذا المقام قد تجد في نفسك كراهة للاعتراف بالخطأ في القول، أو الإساءة في العمل، فإن كنتَ على ذكر من فضيلة الإنصاف، وما تؤتيه من ثمار طيبة، لم تلبث أن تكظم هذه الكراهة، ولا تجد في نفسك حرجاً من أن تقول للناس: إني قد أخطأت في قولي، أو أسأت في عملي.
وتاريخ الإسلام مملوء بقصص الذين رجعوا عن آرائهم بعد محاورات أو مناظرات ظهر لهم منها أن الحق في جانب من دارت بينهم ويينه المحاورة أو المناظرة.
ومما يروى في هذا الصدد: أن مناظرة جرت بين الإمامين: مالك بن أنس، وأبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة في مقدار الصاع الذي تؤدى به زكاة الفطر، فقال مالك: هو خمسة أرطال وثلث، وكان أبو يوسف يذهب إلى أنها ثمانية أرطال، فاحتج عليه مالك بالصيعان الموجودة لذلك العهد عند أبناء المهاجرين والأنصار بالمدينة، فرجع الإمام أبو يوسف إلى ما قاله الإمام مالك.
لا يصعب على الرجل أن ينصف قريباً أو صديقاً، بل لا يصعب عليه أن ينصف من لا تربطه به قرابة أو صداقة، ولا تبعده منه عداوة.
والإنصاف الذي قد يحتاج فيه إلى مراوضة النفس كثيراً أو قليلاً: أن يبدي بعض أعدائه رأياً سديدًا، أو يناقشه في رأي مناقشة صائبة، فهذا موطن تذكير النفس بأدب الإنصاف، وإنذارها ما يترتب على العناد من إثم وفساد.
стр. 2049
ومن الإنصاف الذي يدل على الرسوخ في الفضيلة: أن يتحدث الرجل عن خصمه، فينسب إليه ما يعرفه له من فضل.
أنشد في مجلس الإمام علي بن أبي طالب قول الشاعر:
فتىً كان يدنيه الغِنى من صديقِهِ ... إذا ما هو اسْتَغْنى ويبعدُه الفَقْرُ
كأنّ الثُّرَيّا عُلِّقَتْ بجبييهِ ... وفي خدِّهِ الشَّعرى وفي الآخَرِ البَدْرُ
فلما سمعها علي بن أبي طالب ﵁، قال: هذا طلحة بن عبيد الله، وكان السيف ليلتئذ مجرداً بينهما.
يسهل على الرجل أن ينصف من هو أكبر منه سناً، أكثَر مما يسهل عليه أن ينصف قرينه؛ ذلك لأن أكبر عائق عن الإنصاف التحاسد، وحسد الإنسان لأقرانه أكبر وأشد من حسده للمتقدمين عليه في السن، وشمهل عليه أن ينصف أقرانه أكثر مما يسهل عليه أن ينصف من هو أحدث سناً منه، إذ يسبق إلى ظنه أن ظهور مزية لمن هو أحدث عهدًا منه قد تقتضي إلى أن يكون ذكره أرفع، وفضل القرين على بعض أقرانه شائع أكثر من فضل المتأخر على المتقدم، وشيوع الشيء يجعله أهون على النفس مما هو أقل شيوعاً منه.
فينبغي للإنسان أن يتيقظ للأحوال التي تتقوى فيها داعية العناد، ويعدّ للوقوف عند حدود الإنصاف، ومقاومة تلك الداعية ما استطاع من قوة.
ويقص علينا التاريخ: أن في الأساتذة من يحرص على أن يرتقي تلاميذه في العلم إلى الذروة، ولا يجد في نفسه حرجاً من أن يظهر عليه أحدُهم في بحث أو محاورة.
يذكرون: أن العلامة عبد الله الشريف التلمساني كان يحمل كلام الطلبة على أحسن وجوهه، ويبرزه في أحسن صورة، ويروى أن أبا عبد الله هذا كان
стр. 2050
قد تجاذب مع أستاذه أبي زيد بن الإمام الكلام في مسألة، وطال البحث اعتراضاً وجواباً حتى ظهر أبو عبد الله على أستاذه أبي زيد، فاعترف له الأستاذ بالإصابة، وأنشد مداعباً:
أُعَلِّمُه الرِّمايةَ كُلَّ يَوْمٍ ... فَلَمَّا اشْتَدَّ ساعِدُه رَماني
ومن نظر بروية إلى أن فضل العلم من جهة أنه وسيلة إلى إصلاح العمل وإسعاد البشر، وكان مع هذا النظر ناصحًا لأمته، وقف عند حد الإنصاف، ولم ينحرف عنه إجابةً لداعي الحسد، أو انسياقًا مع حب العلو في الأرض ولو بغير حق.
أخذ رجال بأدب الإسلام، فرسخوا في فضيلة الإنصاف على قدر صفاء سرائرهم، واحترامهم لأصول الدين وأحكامه؛ وقد مثّل الصحابة ﵃ الانصاف في أكمل صورة.
بدا لعمر بن الخطاب مرة أن يضع للمهور حداً، فخطب قائلاً: "لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد، ألقيت زيادته في بيت المال"، فقامت امرأة من صفّ النساء، فقالت: ما ذاك لك، قال: ولم؟ قالت: لأن الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، فقال عمر: "امرأة أصابت، ورجلٌ أخطأ". ولو كان عمر بن الخطاب ﵁ من أولئك الذين يألمون من أن ينسب إليهم نقص أكثر من ألمهم لتحريف آية عن موضعها، أو استبدال خاطر بشري بحكم إلهي، لما عدم وجهاً من أمثال تلك الوجوه التي يصورها المخادعون أو ضعفاء الإيمان تعصباً لآرائهم المخالفة للقرآن.
اختلف ابن عباس، وزيد بن حارثة ﵄ في مسألة من باب الحيض، فقرر
стр. 2051
ابن عباس حكماً، وخالفه زيد، فرأى فيها رأياً آخر، فقال له ابن عباس: سَل نسيّاتك: أم سليمان وصويحباتها، فذهب زيد فسألهن، ثم جاء وهو يضحك، فقال لابن عباس: القول ما قلتَ. وموضع العبرة من هذه القصة: أن زيداً تمسك برأيه في مخالفة ابن عباس حتى استبان له أن الحق مع ابن عباس، فلم يجد في نفسه حرجًا من أن يرجع إليه ضاحكًا، ويقول له: القول ما قلت.
ويروى: أن الإمام علي بن أبي طالب ﵁ تكلم في مسألة، فقال له أحد الحاضرين: ليس الأمر كذلك يا أمير المؤمنين، ولكنه كذا وكذا، فقال عليّ: أصبتَ وأخطأتُ، وفوق كل ذي علم عليم. وعشاق الأخلاق الكريمة يجلون الإمام عليّاً لهذا الإنصاف إجلالهم له عندما يفتي فيصيب الحق، أو يعظ فينطق بالحكمة.
وقد اقتدى بالصحابة في هذا الخلق الكريم من جاء بعدهم من كبار العلماء، وهذا الإمام الشافعي ﵁ يقول: "ما ناظرت أحداَّ عَلى الغلبة، ووددت إذا ناظرت أحداً أن يظهر الحق على يديه".
والراسخون في فضيلة الإنصاف لا يبالون أن يكون رجوعهم عن الخطأ أمام من خالفهم وحده، أو بمحضر جمع كبير لم يشعروا بالخلاف، ولا بخطأ المخطئ، أو إصابة المصيب. وها هو ذا التاريخ يحدثنا عن رجال من علماء الإسلام بلغوا هذه الغاية من الإنصاف.
قال عبد الرحمن بن مهدي: ذاكرت القاضي عبيد الله بن الحسين في حديث، وهو يومئذٍ قاض، فخالفني فيه، فدخلت عليه بعد، وعنده الناس سماطين (١)، فقال لي: ذلك الحديث كما قلتَ أنتَ، وأرجع أنا صاغراً.
стр. 2052
فعبيد الله قد أحسن إلى نفسه إذ أخذها بفضيلة الإنصاف، وأحسن إلى الناس إذ علّمهم كيف يعترفون بالخطأ إذا أخطؤوا؛ ولا يتلبثون في الرجوع إلى الحق ولو عظمت مناصبهم، وعلت أقدارهم.
العناد قبيح، ويشتد هذا القبح بمقدار ظهور الحجة على الرأي الذي تحاول رده على صاحبه، فمتى كانت الحجة أظهر، كان العناد أقبح.
والإنصاف جميل، ويكون جماله أوضح وأجلى حيث يكون في حجة الرأي الصائب شيء من الخفاء، وحيث يمكنك أن تتحيز لرأيك، وتهيئ كثيراً من الأذهان لقبوله.
وقد ينقل التاريخ شذرات من حوادث المنصفين لمن خالفهم في أمر، أو المعترفين لبعض خصومهم بفضيلة، فتهتز في نفوس قرائها عاطفة احترام لمن أقر بالخطأ، أو اعترف لخصمه بخصلة حمد، وربما كان إكبارهم لمن أقر بالخطأ فوق إكبارهم لمن خالفه في الرأي فأصاب، وربما كان إكبارهم لمن شهد لخصمه بمكرمة فوق إكبارهم للشخص المشهود له بتلك المكرمة، وسبب هذا الإكبار: عظمةُ الإنصاف، وعزّة من يأخذ نفسه بها في كل حال.
قال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف.
وإذا لم ينصفك الرجل، فردَّ عليك الحق بالشمال واليمين، أو جحد جانباً من فضلك وهو يراه رأي العين، فلا تكن قلة إنصافه حاملة لك على أن تقابله بالعناد، فتردّ عليه حقاً، أو تجحد له فضلاً، واحترس من أن تسري لك من خصومك عدوى هذا الخلق الممقوت، فيلج في نفسك، وينشط له لسانك
стр. 2053
أو قلمك، وأنت تحسبه من محاربة الخصوم بمثل سلاحهم، كلا، لا يحارب الرجل خصومه المبطلين بمثل الاعتصام بالفضيلة، ولا سيما فضيلة كفضيلة الإنصاف تدل على نفس مطمئنة، ونظر في العواقب بعيد. ومن وجد في خصمه فضائل، حصر محاربته في الأمر الذي هو منشأ للخصومة؛ وترك تلك الفضائل قارَّةً في مكانها، بادية لمن أراد أن يقتدي بها.
وإذا كان الإنصاف فضيلة ترتفع بها أقدار الرجال، وتتسع بها دوائر العلوم، وتصفو بها موارد الآداب، ويشتد بها حبل الاتحاد، وينتظم بها شأن الاجتماع، كان من واجب أولياء الأطفال، وأساتذة الأخلاق، ودعاة الإصلاح، أن يجعلوا له من تربيتهم وتعليمهم ودعوتهم نصيباً يكفي لأن نرى أنديتنا ومؤلفاتنا وصحفنا نقية من إنكار الحق، بريئة من جحود الفضل.
стр. 2054
العلماء والإصلاح (١)
نود من صميم قلوبنا أن تكون نهضتنا المدنية راسخة البناء، رائعة الطلاء، محمودة العاقبة. ولا يرسخ بناؤها، ويروع طلاؤها، وتحمد عاقبتها، إلا أن تكون موصولة بنُظم الدين، مصبوغة بآدابه، والوسيلة إلى أن يجري فيها روح من الدين يجعلها رشيدة في وجهتها، بالغة غايتها: أن يزداد الذين درسوا علوم الشريعة عناية بالقيام على ما استحفظوا من هداية، فلا يذروا شيئاً يشعرون بأنه موكول إلى أمانتهم إلا أحسنوا أداءه.
ينظر أهل العلم في حال الناس من جهة ما يتقربون به إلى الخالق، ويزنون أعمالهم ليميزوا البدعة من السنّة، ويرشدوهم إلى أن يعملوا صالحًا. ومن الذي لا يدرك أن البدع تقف كقطع من الليل المظلم، فتغطي جانباً من محاسن الشريعة الغرّاء، وهي - بعد هذا - ضلالات تهوي بأصحابها في ندامة وخسران؟.
ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يدور بينهم من المزاعم الباطلة، والأحاديث المصنوعة، وينفون خبثها نفي النار لخبث الحديد، يفعلون هذا ليكون الناشئ المسلم نقي الفكر، صافي البصيرة، لا يحمل في نفسه إلا
стр. 2055
عقائد خالصة، وحقائق ناصعة.
ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يجري بينهم من المعاملات، فيصلحون ما كان فاسداً، ويصلون ما كان متقطعاً، وما شاعت المعاملات التي نهى عنها الدين في غير هوادة؛ كالربا، والميسر، إلا حيث قلّ من يعظ الناس في ارتكابها، ويبسط القول في شؤم عاقبتها.
ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يمسهم من السرّاء والضرّاء، ويسعون ما استطاعوا في كشف الضر عنهم، ولو بعرض حالهم على أولي الشأن، وإثارة دواعيهم إلى أن يعالجوا العسر حتى ينقلب بفضل تدبيرهم يسراً.
يحدثنا الكاتبون في تاريخ الأندلس: أن العلماء المقيمين في ضواحي قرطبة، كانوا يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة، ويطالعونه بأحوال بلدهم، وقال أحد علمائهم:
وأتعبُ إنْ لم يُمْنَحِ الناسُ راحةً ... وغيري إن لم يُتْعِبِ النّاسَ يَتْعَبُ
ينظر أهل العلم بعين الاحتراس إلى كل من يدعو إلى مذهب باسم الدين، ويتخذون الوسائل إلى الاطلاع على حقيقة قصده.
ومن أسباب وهن حبل الإسلام، وتقطع أوصاله: مذاهب يبتدعها ملاحدة يمكرون، أو جهال لا يفقهون.
أفلم يكن المذهب البهائي يعمل لهدم قواعد الإسلام، واستهواء أبنائه من خلف ستار؟! وقد أحس بعض أتباعه اليوم بقوة، فصاروا يخطبون على منابر النوادي، ويجهرون بشيء من مزاعمه، وعرف بعض خصوم الإسلام قصدهم، فقاموا يشدون أزرهم، ويرددون الثناء على مذهبهم.
نحن نعلم أن في كل أمة فئة يفتحون صدورهم لقبول كل دعوة توافق
стр. 2056
أهواءهم، أو تأتيهم في طلاء يلائم أذواقهم، ولكن نهوض العلماء بعزم وحكمة، إن لم يسحق آراء هذه الفئة سحقًا، فإنه يكشف عما فيها من سوء، فلا يسكن إليها إلا من هم إلى الحيوان الأعجم أقرب منهم إلى الإنسان.
يرقب أهل العلم كل حركة تقوم بها جماعة من الأمة، فينقدونها بالنظر الخالص، ويصدعون فيها بآرائهم مدعومة بالأدلة المقنعة، ولا تعد هذه المراقبة وهذا النقد خارجين عن خطة العالِم الإسلامي، بل هما واجبان في عنقه، كواجب التعليم والإفتاء.
وإذا قصَّ علينا التاريخ أن فريقاً من أهل العلم قضوا حياتهم في بحث المسائل العلمية البحتة، فقد قص علينا أن أمة من عظمائهم كانوا ينظرون في الشؤون العامة، ويمثلون السيرة التي تكسو صاحبها جلالة، وترفع له بين الخلائق ذكراً.
كان أهل العلم يوجهون هممهم إلى الوسائل التي تقي الأمة ممن يبغونها الأذى، فهذا أبو بكر بن العربي قاضي أشبيلية رأى ناحية من سور أشبيلية محتاجة إلى إصلاح، ولم يكن في الخزانة مال موفر يقوم بسدادها، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد الأضحى، فأحضروها، وصرفت أثمانها في إصلاح تلك الناحية المتهدمة.
وكان محمد بن عبد الله بن يحيى الليثي قاضي قرطبة كثيراً ما كان يخرج إلى الثغور، ويتصرف في إصلاح ما وَهى منها، حتى مات في بعض الحصون المجاورة لطليطلة.
وظهور العلماء في أمثال هذه المواقف يغرس لهم في نفوس الأمة وداً واحتراماً، ويورثهم في رأي أولي الأمر مقاماً كريماً، أفلا نذكر أيام كان أمراء
стр. 2057
الإسلام يعرفون في طائفة من العلماء رجاحة الرأي، وصراحة العزم، وخلوص السريرة، فيلقون إليهم بقيادة الجيوش، فيكُفُّون بأس أعدائهم الأشداء؟ وما كان أسد بن الفرات قائد الجيش الذي فتح صقلية إلا أحد الفقهاء الذين أخذوا عن مالك بالمدينة، ومحمد بن الحسن في بغداد، وعبد الرحمن بن القاسم في القاهرة.
ينظر أهل العلم إلى ما غرق فيه بعض شبابنا من التشبه بالمخالفين، وتقليدهم في عادات لا تغني من الرقي شيئاً، وقد يرى بعضهم انحطاط كثير من أبنائنا في هذا التشبه والتقليد، فيعده قضاء مبرماً، ويملكه خاطر اليأس، حتى ينتكث من التعرض للشؤون العامة ومعالجتها، ولكن الذي يعرف علة هذا التسرع، ويكون قد قرأ التاريخ ليعتبر، يرى الأمر أهون من أن يصل بالنفوس إلى التردد في نجاح الدعوة، بَلْهَ اليأسَ من نجاحها.
وأذكر بهذا: أن كاتباً كتب في إحدى المجلات مقالاً تحت عنوان: "وحدة العالم" يدعو فيه إلى مسايرة أوربا في السفور ونحوه، وقال في علة الدعوة إلى هذه المسايرة: ليخرج الشرق والغرب في مدنية واحدة، وأشار على دعاة الإصلاح في الشرق بأن لا يقفوا في سبيل هذه المدنية، زاعماً أنهم لا يستطيعون مقاومتها، ولا يزيدون على أن يجعلوا سيرها بطيئاً، ورغب إليهم أن يحثّوا الناس على المسارعة إلى قبولها.
والذين ينظرون إلى مدنية أوربا باعتبار، يبصرون فيها على البداهة ما لا يرتضيه العقل، ولا يقبله الشرع.
واختلاف الأمم بالحق خير من اتحادها على باطل، ولا يفوت الحكمة أن تجد نفوساً مهذبة، وعقولاً سليمة فتقبلها. فحقيق على العلماء أن يبتسموا
стр. 2058
لهذا الرأي تبسم الازدراء، ولا يقيموا لمثله وزناً إلا أن يكشفوا سريرته، ويعرضوا على الأنظار سوء مغبته.
والعالِم بحق من يتدرَّعُ بالإيمان البالغ، والثقة بما وعد الله به الداعي إلى الحق من الظهور على أشياع الباطل، وإن أوتوا زخرفاً من القول، وسعة من المال، وكانوا أكثر قبيلاً.
لا ينبغي لأهل العلم أن يغفلوا عن سير أرباب المناصب والولايات، فمن واجبهم أن يكونوا على بينة من أمرهم، حتى إذا أبصروا عوجًا، نصحوا لهم بأَنَّ يستقيموا، أو رأوا حقاً مهملاً، لفتوا إليه أنظارهم، وأعانوهم على إقامته.
أمر السلطان سليم بقتل مئة وخمسين رجلاً من حفاظ الخزائن، فبلغ هذا النبا الأستاذ علاء الدين الجمالي، وكان متوليًا أمر الفتوى، فذهب إلى السلطان وقال له: وظيفة أرياب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان، وهؤلاء الرجال لا يجوز قتلهم شرعاً، فعليك بالعفو عنهم. فغضب السلطان سليم، وقال له: إنك تتعرض لأمر السلطنة، وليس ذلك من وظيفتك، فقال الأستاذ علاء الدين: لا، بل أتعرض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي، فإن عفوت، فلك النجاة، وإلا، فعليك عقاب عظيم، فانكسرت سورة غضب السلطان، وعفا عن الجميع.
ومتى كان في ولاة الأمور شيء من العدل، وكان في الداعي إلى الإصلاح حكمة وإخلاص، نجحت الدعوة في سعيها، وبلغت بتأييد الله مأربها.
يكون العالِم رفيقاً في خطابه، ليناً في إرشاده، أما إذا أراده ذو قوة على أن يقول ما ليس بحق، أو يأتي ما ليس بمصلحة، أخذ بالتي هي أرضى للخالق، وكان مثالاً للاستقامة صالحاً.
стр. 2059
أذكر أن أحمد بن طولون دعا القاضي بكار بن قتيبة إلى خلع الموفق من ولاية العهد، فأبى، فحبسه، وكرر عليه القول، فأصر على الإباءة، وبقي في السجن حتى ثقل ابن طولون في مرض الوفاة، فبعث إلى القاضي بكار يقول له: أردك إلى منزلتك، أو أحسن منها، فقال بكار للرسول: قل له: شيخ فان، والملتقى قريب، والقاضي الله . فأبلغ الرسول ابن طولون ذلك، فأطرق ساعة ثم قال: شيخ فان، والملتقى قريب، والقاضي الله ، وأمر بنقله من السجن إلى دار اكْتُرِيَتْ له.
وإنما يقوم العالِم بإسداء النصيحة إلى ذي قوة، أو لا يوافقه فيما يخدش أمانته وتقواه، متى قدر مقامه العلمي قدره، وكان شأن العلم أسمى في نظره من كل شأن، وهذا الشعور هو الذي يهيئه - بعد داعية الغيرة - لأن يجاهد في سبيل الحق مستهيناً بكل ما يعترضه من أذى.
ومن أدب العلماء: أن ينصحوا للأمة فيما يقولون أو يفعلون، ويحتملوا ما ينالهم في سبيل النصيحة من مكروه، وكم من عالِم قام في وجه الباطل، فأوذي فتجلد للأذى، وأجاب داعي التقوى متأسياً بقوله ﷺ : "اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون".
وممن جرى على هذا الخلق المتين: أبو بكر بن العربي يوم كان قاضياً بأشبيلية، قال في كتاب "القواصم والعواصم": حكمت بين الناس، فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لم يك يرى في الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب، فتألبوا وألّبوا، وثاروا عليّ، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي، فعاثوا عليّ حتى أمسيت سليب
стр. 2060
الدار، ولولا ما سبق من حسن الأقدار، لكنت قتيل الدار، يعني بقتيل الدار: عثمان ﵁.
ولا يستحق لقب عالم أو مصلح ذلك الذي يدعو الناس إلى العمل الصالح، ويقبض عنه يده، أو ينهاهم عن العمل السيئ، ولا يصرف عنه وجهه، فمن أدب العلماء: أن يسابقوا الأمة إلى اجتناب ما يُؤاخَذُ به، وعمل ما يحمد عليه؛ كأن ينفقوا في وجوه البر والمشروعات الصالحات ما ينفقه أمثالهم من المكثرين أو المقلين؛ فإن ذلك أدل على إخلاصهم، وأدعى إلى توقيرهم وقبول نصائحهم.
وإذا كان العدد القليل فيما سلف يكفي لحراسة الدين، وإرشاد من ينحرف عنه حتى يعود إليه، فلأن سلطان الإسلام يومئذ، وصوتَ غالب الجهل عليه خافت، أما اليوم، فالحال ما ترون وما تسمعون، فلا يمكن للدعوة أن تأتي بفائدتها إلا أن تضم المعاهد الإسلامية بين جدرانها طوائف كثيرة من أولي الغيرة والعزم، يصرفون جهدهم في الدفاع عن الدين، والدعوة إلى الخير، ويعيدون الدعوة مرة بعد أخرى.
وستُنبت المعاهد الإسلامية - إن شاء الله - كثيراً من العلماء القوّامين على نحو ما وصفناه، ولا سيما حين يأخذ التعليم بالأزهر الشريف نظامه الأسمى، ويجري مثل هذا النظام في غيره من المعاهد الإسلامية؛ كجامع الزيتونة في تونس، وجامع القرويين في فاس، ويقوى الأمل، ويقوي الأمل في أن تؤتي هذه المعاهد الثمرة الغزيرة الطيبة، متى نظر إليها أولو الأمر برعاية، وعاملوا النشء المتخرجين منها بما يدل على أنهم يحترمون الشريعة، ويقدرون ما تثبته في الأمة من رشد وإصلاح.
стр. 2061
المدنيَّة الفاضلة في الإسلام (١)
أخذ نبهاء الأمم الخاملة أو مهضومة الجانب يسعون إلى أن تكون أممهم في رقي وسعادة، وخطَوا في هذا السبيل خطوات قصيرة أو واسعة، ووضعوا أسسًا متينة أو واهية، والذي يعنينا في هذا المقام أن نقول كلمة في وسائل نهوض الشعوب الإسلامية إن كانت خاملة، أو ظفرها بالحرية الصادقة إن كانت محرومة من التمتع بحقوقها التي أوصى دينها الحنيف.
لا نفتأ نذكر ذلك السلطان الكريم الذي بسطه خلفاء الإسلام الراشدون على المعمورة، فعَلَّم الناس كيف يعيشون أحرارًا، والملوك كيف يقيمون عروشهم على قواعد العدل والمساواة، ورجال الدين كيف يدعون إلى الحقيقة والفضيلة في سماحة ووقار. ولا نجحد مع هذه الذكرى أن الشعوب الإسلامية قد وقعت منذ عهد بعيد في وهدة من الخمول، وانقطعت الصلة بينها وبين الأمم، فلم تدر ماذا يصنعون، حتى تراءى لها ما نبهها من غفوتها، وحثّها أن تنهض من كبوتها، فمسك بقيادتها فريق كانوا على بصيرة من هداية الإسلام، وإن شئت فقل: تقدم لقيادتها رجال مستنيرون من أبناء المعاهد الإسلامية، وآخرون مهتدون من القائمين على جانب من العلوم الكونية. فمن يتحدث
стр. 2062
عن النهضة المصرية - مثلاً - لا يحيد عن ذكر رجال استنارت عقولهم بين جدران الجامعة الأزهرية، ومن يتحدث عن النهضة التونسية ذكر في مقدمة رجالها فريقاً تلقوا معارفهم بين جدران الجامعة الزيتونية.
ولو استمر العمل لرقينا المدني بأيدي طوائف تجمع بين رجال الدين المصلحين، ورجال العلم الحديث المهتدين، لقطعنا في سبيل السعادة شوطاً أبعد مما قطعنا، ولكُنّا أثبت موقفاً وأقرب إلى أن يهابنا الذين يعملون لشقائنا، ولكن حركة تقدمنا لم تستمر على ما وصفنا، ومسها مرض إذا لم نبادر إلى إنقاذها منه، كان شرها أكبر من خيرها، وخيبتنا أقرب إلينا من نجاحها.
بليت نهضتنا المدنية بعلتين:
أولاهما: أن بعض نشئنا المتخرجين من مدارس غير إسلامية قد وقفوا موقف الدعوة إلى الإصلاح، ولم يصبروا أنفسهم على تعرف آداب الدين، فحادوا عن طريق الإصلاح النقية، ولم يبالوا أن يجهلوا على الدين، ويجحدوا أن يكون له في الحياة المدنية سلطان كبير أو صغير.
ثانيتهما: أن كثيراً ممن درسوا العلوم الإسلامية، تقاعدوا عن أن يخوضوا في شؤون الحياة المدنية، فكان انزواؤهم وزهدهم في منصب الإرشاد العام فرصة لظهور الدعايات المنحرفة عن الطريق المستقيم.
إن الأمة التي تأخذ بنصائح الدين، وتقتدي بآدابه في السر والعلانية، لهي الأمة التي يمكنها أن تتحد وتتآزر في صفاء، وهي التي تستطيع أن تبني عظمة، وتحوط كنافها بمنعة، فلا تجد الأيدي العادية إلى هضم حق من حقوقها منفذاً.
سنواصل - بتوفيق الله - القول في نصائح الدين التي تأخذ بيد الجماعة
стр. 2063
إلى هضبة الشرف القصوى، ونقفّي على أثر النصيحة بأخرى، حتى يستبين لك أن الإسلام صُنع الله الذي أتقن كل شيء. وإنما أذكر في هذا المقام خصالاً كالدعائم يقوم عليها صرح الحياة المدنية بهيّ المنظر، شامخ البناء. وما هذه الدعائم إلا العلم الصحيح، والعمل النافع، والخلق الرفيع.
أما العلم، فقد عُني به الدين فيما عُني، ونوه بذكره فيما نوه، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. ومن دلائل أن الإسلام ينظر إلى العلم بإقبال، ويعده في أكبر النعم التي يتقلب فيها الإنسان: أنك ترى في أول ما نزل به الروح الأمين قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣ - ٥] .. وقد اندفع المسلمون إلى اقتناء ما لغيرهم من العلوم برغبة حريصة، وهمم كبيرة، وتناولوا بحثها بعقول راجحة، علاوة على العلوم التي استمدوها من الكتاب والسنّة؛ كأحكام الفقه وأصوله، أو العلوم اللغوية؛ كالنحو والبيان.
فالإسلام ينصح لأوليائه أن يبتغوا العلوم أينما كانت، ويحضهم على أن ينظموا شؤونهم الحيوية على مقتضى ما علموا، ولم يجئ الإسلام في عقائده أو أخباره بما يخالف العلم الصحيح، ولم يجئ في نصائحه بما ينقص الرغبة في العلم على اختلاف فنونه، فشأن الأمة التي تبتغيه ديناً أن تكون أصفى الأمم بصائر، وأغزرها معارف، وأبعدها في البحث نظراً.
وإذا أضاف أحد على جهالة أو سوء قصد إلى الدين شيئاً لا يقبله العلم، فالإسلام كله حقائق، وهو من تبعة ما يلصقه به الجاهلون أو المفسدون براء. واذا صدر من بعض المنتمين إلى الدين كلمة تصرف الناس عن علم مادي أو أدبي، فأقصى مصدر هذه الكلمة ذهن صاحبها، وليس بينها وبين الدين من
стр. 2064
صلة، بل شأن الدين أن لا يكون عنها راضياً.
ولم يبق اليوم بعد أن ظهر من نتائج العلوم الكونية من أمثال هذه الغواصات والطائرات والمقذوفات ووسائل المخابرات من لا يرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، ويتفقه فيها أكثر مما كان يتفقه، ويشهد بن العلوم التي يسمونها: الطبيعيات والرياضيات هي من فروض الكفايات التي يجب أن تقوم عليها طائفة من الأمة، فإن الله لا يرضى لها إلا حياة العزة والكرامة، وهي لا تحيا هذه الحياة إلا أن تكون على بينة مما يعلم أو يصنع خصومها.
وأما الأخلاق الشريفة، فإن الإسلام لم يدع مكرمة إلا نبه على مكانها، وندب على التجمل بحليتها، وقد عُني بمزايا هي أساس رقي الأمة وانتظام حياتها الاجتماعية؛ كالصدق والأمانة، والعفاف، والحلم، والعفو، والتراحم، والعدل، وعزة النفس والشجاعة، وحرية الضمير والإقدام على قول الحق وبذل المال في وجوه البر، وسنبحث في هذه المزايا ببسط القول، وإقامة الشواهد في مقام آخر - إن شاء الله -.
وأما العمل النافع، فإن الدين يحث على العمل لهذه الحياة كما يحث على العمل للحياة الأخرى، وجعل لعمل الشخص في هذه الحياة نصيباً من ثواب الآخرة - فوق ما يناله من منفعة عاجلة - متى كان قصده من العمل خالصاً.
ولما نسميه أعمالاً أخروية - وهي العبادات - الأثرُ الطيب في الحياة الدنيا قبل الحياة الآخرة، أليست الصلاة المقرونة بحضور القلب وعمارته بجلال الله تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتكف يد صاحبها عن أن يعمل سوءاً.
стр. 2065
فتحميه من جرائم شأنها أن تجره إلى عقويات بدنية أو مالية، وفيها - بعد هذا - غنى عن طائفة من الشرط والسجون ينفق عليها أولو الأمر أموالاً طائلة؟!.
أو ليس في الصيام رياضة النفوس، وتدريبها على احتمال المكاره، والصبر عن الشهوات حتى لا تكون أسيرة في ملاذها؟! وفي النفوس التي اعتادت الصبر عما تشتهي- وهو حاضر لديها- قوة وجلادة لا تجدها في النفوس التي لا تكف عن المشتهيات إلا عند فقدانها، فالصيام بحق يشفي النفوس من علّة الانحطاط في الشهوات كلما عرضت، ويسبكها في صورة النفوس القوية التي يسهل عليها أن تنصرف عن ملاذها ساعة ترى الخير في الانصراف عنها.
أو ليس في الحج فوائد اقتصادية واجتماعية، لو وجه إليها زعماء الحجيج عنايتهم، لعادوا إلى أوطانهم بما ينفعهم في الأولى، بعد أن قدموا للآخرة من العمل الصالح ذخراً باقياً؟!.
ولا أرى حاجة إلى أن أذكر في هذا النسق فريضة الزكاة؛ فإن أثرها في سد حاجات كبيرة من حاجات الأمة ظاهر ظهور الشمس في كبد السماء.
ولم يشرع الدين من العبادات ما يضيق به وقت العمل للحياة مقدار أنملة، فنحن نرى الذين هم عن الآخرة غافلون، يشغلون جانباً من أوقاتهم في راحة ولهو، أفلا يحق للمؤمن أن يقضي جزءاً من وقت راحته في الوقوف بين يدي الخالق ابتغاء رضوانه، وهذا الجزء لا يزيد على ساعة في اليوم والليلة إذا شاء؟! ليفعل هذا، وليقس حياته بحياة من يصرف أوقاته في جمع المال، وإذا انتقل عنه، فإلى راحة ولهو، فإنه يجد من طمأنينة القلب وارتياح النفس ما يجعل عيشه أهنأ، وحياته أطيب، مصداق قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا
стр. 2066
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
لا أدري كيف حدث خاطر: أن قلة إقبال المسلمين على العمل لجمع المال، وتفشي الفقر في شعوبهم آتيان من ناحية دينهم؟! وهؤلاء علماؤنا يقررون أن كل صنعة تحتاج إليها الأمة فرض كفاية، لا تخلص الأمة من واجبها حتى تقوم بها طائفة منهم، وقالوا: إن نحو التجارة هي مباحة بالنسبة للأفراد؛ أي: يجوز للرجل أن يتخذها حرفة يستمر عليها، وله أن يختار غيرها في بعض الأحيان، ولو تركها الناس جميعاً، لأثموا بتركهم لما هو من الضروريات المأمور بها (١).
وهذا الزركشي يقول في بحث: فروض الكفاية من "قواعده": "الدنيوي: كالحرف، والصنائع، وما به قوام المعاش؛ كالبيع، والشراء، والحراثة، وما لا بد منه، حتى الحجامة والكنس"، ثم قال: "ولو فرض امتناع الخلق منها، أثموا".
والتوكل في لسان الدين إنما يراد به: توجه القلب إلى الخالق حال العمل، واستمداد المعونة منه، فلم يكن داعية إلى البطالة والإقلال من العمل البتّة، بل كان للتوكل الأثر العظيم في إقدام عظماء الرجال على الأعمال الجليلة التي يسبق إلى ظنونهم أن استطاعتهم وما لديهم من الأسباب الحاضرة يقصران عن إدراكها، وإذا فسرته فئة غير عالمة بقبض اليد عن العمل، وطرح الأسباب جملة، فذلك تفسير لا يقزه الدين الذي يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ
стр. 2067
لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، ويقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
فالشريعة الإسلامية تأمر بالعمل لهذه الحياة، وتجعل السعي على العيال، والعمل للتعفف عما في أيدي الناس، أو للإنفاق في سبيل الخير، من قبيل العمل الذي يستحق صاحبه ثواب الله في الأخرى، وتكره للرجل أن يوصي بما فوق الثلث، وتقول له: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم".
إن شريعة هذا شأنها، لشريعة مدنية تجمع إلى تهذيب النفوس - الذي هو القوة المعنوية - أسباب البسطة في المال- الذي هو القوة المادية -، وإذا جمع قوم بين القوتين، فقد أحرزوا الكفاية لأن يعيشوا كما ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
فالإسلام ينادي أممه إلى أن يتعلقوا من العلم بكل فن، وينوه بشأن الأخلاق أبلغ تنويه، ويجعل كل ما تدعو إليه حاجة الجماعة من العمل النافع أمراً واجبًا، فما من أمة تريد أن تصعد إلى أفق السيادة الأعلى إلا وجدت في مبادئه أجنحة تطير بها إلى حيث تطمح همتها، وعلى قدر ما تنفق من عزمها.
وكذلك قصّ علينا التاريخ الصادق أن الإسلام أخرج للناس أمة بهرت العالم بعلومها الزاخرة، وأعمالها الفاخرة. وإذا شاءت الشعوب الإسلامية أن تكون المثل الأعلى للمدنية الفاضلة، ففي استطاعتها أن تتحرى نصائح الدين الحنيف، وفي احترام رؤسائها وزعمائها لأحكام الدين ونصائحه أخْذ بالسياسة الرشيدة، وهي التصرف في شؤون الأمة على مقتضى إرادتها.
стр. 2068
أصول سعادة الأمة (١)
سعادة الأمة: أن تستنير عقولها، وتسمو أخلاقها، وتغتبط بالنظم التي تساس بها، وترضى عن طريق تطبيقها، وترتاح إلى تنفيذها، وتأمن أن تمتد يد غريبة إلى حق من حقوقها.
أما استنارة عقولها، فبإقامة معاهد كافية للتعليم؛ فإن الأمة التي تتألف من متعلمين وغير متعلمين، يصعب على قادتها، متى أرادوا توجيهها نحو الحياة الصالحة، أن يجدوها لينة القياد، خفيفة الخطأ، والتعليم الصحيح: ما يؤخذ فيه بأرقى النظم وأحكم الأساليب. وتلقِّي العلوم بأساليب غير مهذبة هو العلة في تباطؤ النهضة العلمية، وعدم انتظام طرق البحث والتفكير.
ولا سبيل إلى أن يغبط الشعب بنهضته العلمية، حتى يتربى نشؤه على أن يطلبوا العلم بداعي اجتلاء الحقائق، والحرص على أسمى الفضائل. ومما يقعد بهم عن مرتبة النبوغ والابتكار في العلوم: أن يجعلوا لطلب العلم غاية مادية، حتى إذا أدركوها، انقطعوا.
والتعليم الذي تؤمن عاقبته، وتزكو ثمرته: ما اهتدى فيه الطلاب إلى طريقة نقد الآراء وتمحيصها، حتى لا يقبلوا رأياً إلا أن يستبينوا رجحانه بدليل،
стр. 2069
وقد رأينا رأي العين أن طائفة من أبنائنا قد انحرفوا عن طريق الرشد، ولو كانوا ممن يرد الآراء إلى قوانين البحث المعقولة، لاستقاموا على هدى الله، وما كانوا من المفتونين.
وأما سمو أخلاقها، فلتستقيم أعمالها، وتنتظم المعاملات بينها، والأعمال الخطيرة إنما تقوم على نحو الصبر والعزم والكرم والإقدام، والمعاملات الرابحة لا تدوم في تماسك وصفاء، إلا أن تكون محفوظة بنحو الصدق والأمانة والحلم، وسماحة النفس ورقة العاطفة، وهذا الوجه من وجوه السعادة ملقى في عهدة من يتولى أمر التربية؛ كالأمهات والآباء ورجال التعليم، ولا يكون في الأمهات والآباء والمعلمين كفاية لأن يخرج الطفل أو الفتى من بين أيديهم طاهر السريرة، مستقيم السيرة، حتى يكون التعليم الديني ضارباً بأشعته في جميع مدارسنا، أولية كانت أو عليا، واذا وصلت التربية الدينية إلى النفوس من طريقها الصحيح، فلا ترى منها إلا حياء وعفافاً، وصدقاً وأمانة، واستصغاراً للعظائم، وغيرة على الحقائق والمصالح، وما شئت بعد من عزة النفس وكبر الهمة. تلك خصال لا تثبت أصولها وتعلو فروعها إلا أن يتفيأ عليها ظلال الهداية ذات اليمين وذات الشمال.
وأما توافر وسائل الثروة، فلتكون مرافق الحياة بين يديها، والعيش ميسوراً لكل فرد من أفرادها، وما أبعد الأمة عن سعادة الحياة إذا أكثر فيها أولئك الذين يتكففون الناس في أيديهم، وأولئك الذين يترددون على المقاهي والنوادي في الصباح، كما يترددون عليها في المساء!.
من حقوق الأمة أن يهيئ لها ولاة أمورها الوسائل للأعمال العامة، وينظروا في ترقية الصناعة والزراعة والتجارة، وتوسيع دائرتها، يعنون بها من
стр. 2070
الوجهة العلمية: بفتح مدارس لتلقي ما له اختصاص بهذه الأصول الاقتصادية من علوم وفنون، ويعنون بها من الوجهة العملية: لإنشاء مصانع، وتشجيع الزرل، وتدبير الوسائل لرواج البضائع الوطنية ما استطاعوا، وبمثل هذه المساعي تجد الأيدي العاطلة مجالاً للعمل، ولا تخرج أثمان ملابسنا وأمتعة منازلنا وسائر مرافق حياتنا عن حدود أوطاننا.
وليست تَبِعَةُ الحالة الاقتصادية ملقاة على عاتق أولي الأمر وحدهم، بل على الموسرين حظ من هذه التبعة عظيم؛ إذ في ميسورهم تأليف شركات تراعي في نظمها أصول الدين الحنيف، فتفيض بربح مبارك غزير، ويعيش من العمل بها خلق كثير.
أقمت في عاصمة ألمانيا وبعض مدنها وقراها زمناً غير قصير، فلم أر قط سائلًا سليم البنية، بل لم أر في تلك المدة متكففًا غير نفر قليل هم ما بين رجل مقطوع اليد أو الزجْل، أو عجوز بلغت من الكبر ما فتّ في عضدها، لم أر سليم البدن يتكفف؛ إذ لا يعدم سليم البدن أن يجد هنالك عملاً حيوياً إذا شاء، والتعليم - وهو هناك إلزامي - يقبح لصاحبه أن يقف موقف الاستجداء.
وكثير من أمراء الإسلام كانوا ينظرون الأمة برأفة، ويجتهدون في أن يخففوا عنها متاعب الحياة ما قدروا.
وهذا طاهر بن الحسين يقول في كتابه الذي بعث به إلى ابنه عبد الله حين ولاه المامون مصر والرقة وما بينهما: "وتعاهد ذوي الباساء ويتاماهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقاً من بيت المال، وانصب لمرضى المسلمين دورًا تؤويهم، وقوّاماً يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد