← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. لا أدري كيف حدث خاطر: أن قلة إقبال المسلمين على العمل لجمع المال، وتفشي الفقر في شعوبهم آتيان من ناحية دينهم؟! وهؤلاء علماؤنا يقررون أن كل صنعة تحتاج إليها الأمة فرض كفاية، لا تخلص الأمة من واجبها حتى تقوم بها طائفة منهم، وقالوا: إن نحو التجارة هي مباحة بالنسبة للأفراد؛ أي: يجوز للرجل أن يتخذها حرفة يستمر عليها، وله أن يختار غيرها في بعض الأحيان، ولو تركها الناس جميعاً، لأثموا بتركهم لما هو من الضروريات المأمور بها (١). وهذا الزركشي يقول في بحث: فروض الكفاية من "قواعده": "الدنيوي: كالحرف، والصنائع، وما به قوام المعاش؛ كالبيع، والشراء، والحراثة، وما لا بد منه، حتى الحجامة والكنس"، ثم قال: "ولو فرض امتناع الخلق منها، أثموا". والتوكل في لسان الدين إنما يراد به: توجه القلب إلى الخالق حال العمل، واستمداد المعونة منه، فلم يكن داعية إلى البطالة والإقلال من العمل البتّة، بل كان للتوكل الأثر العظيم في إقدام عظماء الرجال على الأعمال الجليلة التي يسبق إلى ظنونهم أن استطاعتهم وما لديهم من الأسباب الحاضرة يقصران عن إدراكها، وإذا فسرته فئة غير عالمة بقبض اليد عن العمل، وطرح الأسباب جملة، فذلك تفسير لا يقزه الدين الذي يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ

стр. 2067

لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، ويقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. فالشريعة الإسلامية تأمر بالعمل لهذه الحياة، وتجعل السعي على العيال، والعمل للتعفف عما في أيدي الناس، أو للإنفاق في سبيل الخير، من قبيل العمل الذي يستحق صاحبه ثواب الله في الأخرى، وتكره للرجل أن يوصي بما فوق الثلث، وتقول له: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم". إن شريعة هذا شأنها، لشريعة مدنية تجمع إلى تهذيب النفوس - الذي هو القوة المعنوية - أسباب البسطة في المال- الذي هو القوة المادية -، وإذا جمع قوم بين القوتين، فقد أحرزوا الكفاية لأن يعيشوا كما ولدتهم أمهاتهم أحراراً. فالإسلام ينادي أممه إلى أن يتعلقوا من العلم بكل فن، وينوه بشأن الأخلاق أبلغ تنويه، ويجعل كل ما تدعو إليه حاجة الجماعة من العمل النافع أمراً واجبًا، فما من أمة تريد أن تصعد إلى أفق السيادة الأعلى إلا وجدت في مبادئه أجنحة تطير بها إلى حيث تطمح همتها، وعلى قدر ما تنفق من عزمها. وكذلك قصّ علينا التاريخ الصادق أن الإسلام أخرج للناس أمة بهرت العالم بعلومها الزاخرة، وأعمالها الفاخرة. وإذا شاءت الشعوب الإسلامية أن تكون المثل الأعلى للمدنية الفاضلة، ففي استطاعتها أن تتحرى نصائح الدين الحنيف، وفي احترام رؤسائها وزعمائها لأحكام الدين ونصائحه أخْذ بالسياسة الرشيدة، وهي التصرف في شؤون الأمة على مقتضى إرادتها.

стр. 2068

أصول سعادة الأمة (١) سعادة الأمة: أن تستنير عقولها، وتسمو أخلاقها، وتغتبط بالنظم التي تساس بها، وترضى عن طريق تطبيقها، وترتاح إلى تنفيذها، وتأمن أن تمتد يد غريبة إلى حق من حقوقها. أما استنارة عقولها، فبإقامة معاهد كافية للتعليم؛ فإن الأمة التي تتألف من متعلمين وغير متعلمين، يصعب على قادتها، متى أرادوا توجيهها نحو الحياة الصالحة، أن يجدوها لينة القياد، خفيفة الخطأ، والتعليم الصحيح: ما يؤخذ فيه بأرقى النظم وأحكم الأساليب. وتلقِّي العلوم بأساليب غير مهذبة هو العلة في تباطؤ النهضة العلمية، وعدم انتظام طرق البحث والتفكير. ولا سبيل إلى أن يغبط الشعب بنهضته العلمية، حتى يتربى نشؤه على أن يطلبوا العلم بداعي اجتلاء الحقائق، والحرص على أسمى الفضائل. ومما يقعد بهم عن مرتبة النبوغ والابتكار في العلوم: أن يجعلوا لطلب العلم غاية مادية، حتى إذا أدركوها، انقطعوا. والتعليم الذي تؤمن عاقبته، وتزكو ثمرته: ما اهتدى فيه الطلاب إلى طريقة نقد الآراء وتمحيصها، حتى لا يقبلوا رأياً إلا أن يستبينوا رجحانه بدليل،

стр. 2069

وقد رأينا رأي العين أن طائفة من أبنائنا قد انحرفوا عن طريق الرشد، ولو كانوا ممن يرد الآراء إلى قوانين البحث المعقولة، لاستقاموا على هدى الله، وما كانوا من المفتونين. وأما سمو أخلاقها، فلتستقيم أعمالها، وتنتظم المعاملات بينها، والأعمال الخطيرة إنما تقوم على نحو الصبر والعزم والكرم والإقدام، والمعاملات الرابحة لا تدوم في تماسك وصفاء، إلا أن تكون محفوظة بنحو الصدق والأمانة والحلم، وسماحة النفس ورقة العاطفة، وهذا الوجه من وجوه السعادة ملقى في عهدة من يتولى أمر التربية؛ كالأمهات والآباء ورجال التعليم، ولا يكون في الأمهات والآباء والمعلمين كفاية لأن يخرج الطفل أو الفتى من بين أيديهم طاهر السريرة، مستقيم السيرة، حتى يكون التعليم الديني ضارباً بأشعته في جميع مدارسنا، أولية كانت أو عليا، واذا وصلت التربية الدينية إلى النفوس من طريقها الصحيح، فلا ترى منها إلا حياء وعفافاً، وصدقاً وأمانة، واستصغاراً للعظائم، وغيرة على الحقائق والمصالح، وما شئت بعد من عزة النفس وكبر الهمة. تلك خصال لا تثبت أصولها وتعلو فروعها إلا أن يتفيأ عليها ظلال الهداية ذات اليمين وذات الشمال. وأما توافر وسائل الثروة، فلتكون مرافق الحياة بين يديها، والعيش ميسوراً لكل فرد من أفرادها، وما أبعد الأمة عن سعادة الحياة إذا أكثر فيها أولئك الذين يتكففون الناس في أيديهم، وأولئك الذين يترددون على المقاهي والنوادي في الصباح، كما يترددون عليها في المساء!. من حقوق الأمة أن يهيئ لها ولاة أمورها الوسائل للأعمال العامة، وينظروا في ترقية الصناعة والزراعة والتجارة، وتوسيع دائرتها، يعنون بها من

стр. 2070

الوجهة العلمية: بفتح مدارس لتلقي ما له اختصاص بهذه الأصول الاقتصادية من علوم وفنون، ويعنون بها من الوجهة العملية: لإنشاء مصانع، وتشجيع الزرل، وتدبير الوسائل لرواج البضائع الوطنية ما استطاعوا، وبمثل هذه المساعي تجد الأيدي العاطلة مجالاً للعمل، ولا تخرج أثمان ملابسنا وأمتعة منازلنا وسائر مرافق حياتنا عن حدود أوطاننا. وليست تَبِعَةُ الحالة الاقتصادية ملقاة على عاتق أولي الأمر وحدهم، بل على الموسرين حظ من هذه التبعة عظيم؛ إذ في ميسورهم تأليف شركات تراعي في نظمها أصول الدين الحنيف، فتفيض بربح مبارك غزير، ويعيش من العمل بها خلق كثير. أقمت في عاصمة ألمانيا وبعض مدنها وقراها زمناً غير قصير، فلم أر قط سائلًا سليم البنية، بل لم أر في تلك المدة متكففًا غير نفر قليل هم ما بين رجل مقطوع اليد أو الزجْل، أو عجوز بلغت من الكبر ما فتّ في عضدها، لم أر سليم البدن يتكفف؛ إذ لا يعدم سليم البدن أن يجد هنالك عملاً حيوياً إذا شاء، والتعليم - وهو هناك إلزامي - يقبح لصاحبه أن يقف موقف الاستجداء. وكثير من أمراء الإسلام كانوا ينظرون الأمة برأفة، ويجتهدون في أن يخففوا عنها متاعب الحياة ما قدروا. وهذا طاهر بن الحسين يقول في كتابه الذي بعث به إلى ابنه عبد الله حين ولاه المامون مصر والرقة وما بينهما: "وتعاهد ذوي الباساء ويتاماهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقاً من بيت المال، وانصب لمرضى المسلمين دورًا تؤويهم، وقوّاماً يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد

стр. 2071

ذلك إلى سرف في بيت المال". وفي فتح طرق العمل للمستطيعين، وإقامة مستشفيات وملاجئ للمرضى والعاجزين، إنقاذ للأمة من أن تقود الحاجة طائفة من أبنائها إلى نواد أو مستشفيات يفتحها من يقصد إلى إفساد عقائدها الدينية، أو إطفاء غيرتها الوطنية. وأما الاغتباط بالنظم المدنية، فذلك ما يدعوها إلى أن تحترمها من صميم أفئدتها، فتراعيها في السرة كما تتقيها في العلانية، فيكتفي الناس في أكثر الخصومات بمعرفة الحق من طريق الاستفتاء. وأولو الأمر هم الذين يقررون النظم المدنية، ويقومون على تطبيقها، فأولو الأمر - على اختلاف طبقاتهم، وتفاوت مقاماتهم - طائفة من الأمة تولوا النظر في شؤونها العامة، فيجب أن يتجلى فيهم روح النيابة عنها، ولا يتجلى هذا الروح إلا أن يعملوا على ما يكفل مصالحها، ومقتضى هذا أن تساس بنظم تراها أحكم وضعاً، وأرعى للمصالح. والأمة الإسلامية إنما تشهد للنظم بالحكمة ورعاية المصالح، متى وافقت أصول شريعتها، ولم ينتهك بها شيء من حرمتها. وأما الرضا عن حال التطبيق، فلأن صحة النظم إنما يظهر أثرها على أيدي من يوكل إليهم أمر تطبيقها. وما مزية القانون العادل إذا وكل العمل به إلى من لم تحسن المدرسة أدبه؟ فتطبيق القوانين على الحوادث، يرجع إلى أدب الحاكم، ومبلغه من العلم والفهم. فمن حق الأمة أن لا يتولى الحكم فيما شجر بينها إلا ذو ثقافة يجيد بها عمل التطبيق، واستقامة يقف أمامها القوي والضعيف على سواء، وهذا ما يدور عليه فضيلة العدل المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].

стр. 2072

وأما الارتياح لطرق التنفيذ، فيعود إلى السلطة الإجرائية؛ كإدارة الشرطة. وحق الشعب على هؤلاء أن تأخذهم به الرحمة، ويشعروا بأنه جسدهم بعض أعضائه. أقمت في بعض البلاد الشرقية، فكنت أرى بين رجال القوة المسلحة وسائر الوطنيين جفاء يتطاير شرره لأدنى مخاطبة تدور بينهما، ثم رحلت إلى عاصمة أوربية، وطفت في بعض المدن والقرى، فكنت أرى تعطفاً وائتلافاً بين الجند والشرطة وبقية الشعب، ولا يكاد الناظر يفرق بينهما إلا بما يحمله الأولون من هيئة رسمية أو سلاح، كنت أشاهد سائق العجلة يجادل الشرطي مدة غير قصيرة، وأصواتهما في ارتفاع متساوية، ولا يكون بعد هذا إلا أن يقنع أحدهما الآخر ويفترقا. نحن نعلم أن انتشار التعليم في الشعب يساعد رجال الأمن وغيرهم على تنفيذ النظم العامة بكلمة ينبهون بها من يروم مخالفتها، ولكن المحروم من التعليم هو في حاجة إلى أن ينظر إليه بشفقة، ويعالج إليه بشيء من الرفق، إلا أن يخرق النظام متمرداً. قال معاوية بن أبي سفيان: "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني". وتطبيق النظم على الواقع، وتنفيذها بعدل، حق من حقوق الأمة على ولاة أمورها، وإذا توقف على شيء يرجع الخطاب فيه إلى بعض أفراد الأمة؛ كأداء الشهادة على وجهها، كانت تبعته على أولئك الذين يستطيعون أن يشهدوا بحق، ويكتمون الشهادة وهم يعلمون. وأما أمن الأمة من أن تسطو يد غريبة على حق من حقوقها، فلتطمئن

стр. 2073

على عزتها وكرامتها، ولتشعر بأن من تلدهم سيعيشون كما تعيش الأمم ذات الشوكة أحرارًا، ولا تأمن بأس خصومها، ولا تنظر إلى مستقبل أبنائها، فتراه أغرّ محجّلًا، إلا أن يكون ما بينهما وبين رعاتها عامرًا بالنصح من ناحية، وبحسن الطاعة من ناحية أخرى، فبالنصح ترقى معاهد التعليم، فتستغني بعلم أبنائها وكفايتهم للعمل عن أن تستمد وسائل الدفاع والمنعة من وطن غير وطنها، وبحسن الطاعة ينتظم أمر الجند، وتبلغ القوة المالية غايتها. وقد عني الإسلام - فيما عني - بهاتين الخصلتين العظيمتين: إخلاص ولاة الأمور للأمة، وطاعة الأمة لولاة أمورها، فأوجب على الولاة أن يقيموا سياستهم على رعاية الحقوق والمصالح، قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصحه، إِلا لم يجد ريح الجنة" (١). ثم التفت إلى الرعية، فأمرهم بحسن الطاعة. ومن شواهد هذا: قوله- ﵊: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة" (٢). فالحق أن سعادة الأمة في أيدي رؤسائها، فإذا استقاموا على الطريقة، وساسوها برفق وحرص على مصالحها وكرامتها، سرت بجانبهم مستقيمة، فلا تلبث أن تنجح في سيرتها، وتظفر ببغيتها؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤].

стр. 2074

صدق العزيمة أو قوة الإرادة (١) يخطُر في النفس أمر، فتثق بأنه حق أو نافع، فتحرص على حصوله، فإذا أضافت إلى هذا الحرص النظر في وسيلة بلوغها إياه؛ وبدا لها أنه في حدود استطاعتها، فسرعان ما تقبل عليه، وتبذل سعيها للوصول إليه، وذلك ما نسميه: بالعزم، أو الإرادة. فما يخطر في النفس مما تعتقد حقيقته أو نفعه، وتود أن يكون حاصلًا لديها، ثم لا تسعى له سعيه، ولا تضع لبلوغه خطة، فإنما هو التمني الذي لا يفرق بين المحال والمستطاع، والذي يخطر في نفوس القاعدين؛ كما يخطر في نفوس المجاهدين، وما مثله إلا كمثل الشرر الذي يلمع حول النار، ثم يتصاعد هباء. وإذا تحدثنا في هذا المقال عن قوة الإرادة، وذهبنا في حديثها مذهب خصال الحمد، فإنما نعني: الإرادة المتوجهة إلى ما هو خير. ومن أفضل ما يمدح به الرجل: أن يتوجه بعزمه القاطع إلى إظهار حق، أو إقامة مصلحة. تنشأ قوة الإرادة من التجارب، فمن تعلق همه بأمر، كان قد عرف بطريق التجربة أنه ميسور، وأن عاقبته سلامة ونجاح، انقلب همه في الحال

стр. 2075

عزماً صادقاً، أما من لم تسبق له تجربة، فقد يتخيل الأمر بمكان لا تناله يده، أو يخشى من أن يلاقي وراء السعي إليه خيبة، فيقف في تردد وإحجام، فذو العمر الطويل من أولي الألباب، قد يكون أسرع إلى بعض الأمور، وأشد عزماً عليها من حديث السن؛ لما تفيده التجارب من إمكانها، ونجاح السعي لها. وتنشأ قوة الإرادة من درس التاريخ، فالذي يخطر في باله أمر، قرأ في سيرة شخص أنه كان قد هم بمثله، وعمل لحصوله، فنجح عمله، وصلحت عاقبته، شأنه أن يعزم على ذلك الخاطر، ويجعله بعد العزم عملاً نافذاً، فمن يخطر في باله أن يدعو الحاكم الجائر بالموعظة الحسنة، وقد قرأ سير العلماء الذين كانوا يأمرون بعض الجبارين بالمعروف فيأتمرون، أو يكظمون في الأقل غيظهم ولا يبطشون، يكون أقوى عزمأ على الدعوة ممن لم يقرأ في هذا الشأن خبراً، لما عرفه من أن للحق الذي يخرج في أسلويه الحكيم سطوة على النفوس، وإن كانت طاغية، فيقدم على وعظه في رفق، وحسن خطاب، فإن لم يهده سبيل الرشد، قضى حق النصيحة له، وما على الذين أوتوا الحكمة إلا البلاغ. وتنشأ قوة الإرادة من أدلة خاصة تجعل الرجل على يقين من نجاح العمل وحسن العاقبة، واعتبروا في هذا بتصميم أبي بكر الصديق ﵁ على قتال أهل الردة ومانعي الزكاة، فإنه كان عالماً بأنه على حق من قتالهم، وكان على ثقة من أنه سينتصر بفئته القليلة على جموعهم الكثيرة، ومما دله على أنه الظافر، وأن المرتدين عن الدين لا يفلحون، قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩]. ولو تقاعد أبو

стр. 2076

بكر عن جهاد تلك القبائل، وخلّى الردة تتفشى في جزيرة العرب وباء فاتكًا، لانفصمت عرا الوحدة العربية الإسلامية، ولم يستقم أمر تلك الفتوح التي كانت عاقبتها ظهور دين الحق على سائر الأديان. وتنشأ قوة الإرادة من كمال بعض السجايا الأخرى، وبلوغها غاية قصوى؛ كسجية إباءة الضيم تهز الضعيف، وتثير في نفسه العزم على أن يدافع القوي عن حقوقه ما استطاع دفاعه، وكذلك خُلُق الشجاعة يجعل الرجل أمضى عزماً، وأسبق إلى الحروب من الجبان الذي يتمثل له الموت في كل سبيل. ومما يساعد الرجل على صدق العزيمة خُلُقُ التعفف وشرف الهمة، فلتجدنَّ أنزه القوم نفسًا، وأبعدهم عن الطمع وجهة، أشدَّهم عزماً على أن يقول حقاً، أو يعمل صالحاً، وإن لم يرض عن قوله الحق، أو عملِه الصالح ذو مال أو سلطان. تتفاوت الإرادة في القوة، وتفاوتها على قدر قوة شعور الرجل بما للشيء من حقيقة أو نفع، وعلى قدر ثقته من تيسره وإمكان حصوله، فالذي أتقن علماً، فأحاط بأصوله، وغاص على أسراره، يكون عزمه في الدعاية إلى الأعمال المرتبطة به أقوى من عزم ذلك الذي وقف في دراسته عند حد لا يجعله من أعلامه، والرئيس العادل يكون أقوى عزماً على حرب أعدائه من الرئيس الجائر؛ لأن العادل يثق من قومه بحسن الطاعة أكثر مما يثق الجائر، ومن ظفر من قومه بحسن الطاعة، فقد ظفر باكبر أسباب الفوز والانتصار. نقرأ في التاريخ: أن المنصور بن أبي عامر الذي جذب عنان الملك من يد هشام بن الحكم في قرطبة، قد غزا ستًا وخمسين غزوة دون أن تنتكس له راية، أو يتخاذل له جيش، أو يصاب له بعث، أو تهلك له سرية، ومن درس

стр. 2077

سيرته، لم يعجب لهذا الانتصار المطرد؛ إذ يجد فيها عدلاً ومساواة يأخذان النفوس إلى أن تلقي إليه بالمودة والامتثال، ومن الأخبار الشاهدة بما وصفنا: أن رجلاً من العامة وقف بمجلسه، وقال له: إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك، وأشار إلى الفتى صاحب الدرقة (١)، وكان للفتى فضل محل عنده، فقال المنصور: ما أعظم بليتنا بهذه الحاشية! ثم نظر إلى الفتى، وقال له: ادفع الدرقة إلى فلان، وانزل صاغراً، وساو خصمك في مقامه، حتى يرفعك الحق أو يضعك، ثم قال لصاحب شرطته الخاص به: خذ بيد هذا الفاسق الظالم، وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجن أو غيره، وبعد أن جازاه القضاء بما يستحق، أبعده المنصور عن خدمته، وصاحبُ مثل هذه السيرة حقيق بأن يكون له، متى هم بالحرب، عزم لا يختلج بتردد. فمن وضع أمامه غاية شريفة، ورام من قومه العمل لها بعزم لا يخالطه فتور، فما عليه إلا أن يريهم بالأسلوب السائغ والدليل المقنع وجه شرف تلك الغاية، ثم يصف لهم طريقها الناجح، فلا يكون منهم إلا أن يتسابقوا إليها، ويقتحموا كل عقبة تلاقيهم في سبيلها. فإذا رأيت قوماً يذكرون في صباحهم ومسائهم شيئاً من معالي الأمور، ولم ترهم يسعون له سعيه، ولا يتقدمون إليه بخطوة، فاعلم أن العزم لم يأخذ من قلوبهم مأخذه، فهم إما أن يكونوا عن حقيقته وشرف غايته غائبين، وإما أنهم ضلّوا طريقه وما كانوا مهتدين.

стр. 2078

وإذا ذكرنا العزم النافذ في خصال الشرف، فإنما نريد: الإقدام على الأمر بعد استبانة عاقبته، ولو على وجه الظن الغالب، وذلك ما يعنيه عمر ابن الخطاب ﵁ في قوله: "ولكن الحرب لا يصلحها إلا الرجل المَكيث"، والمكيث: من لا يخف إلى الهجوم إلا بعد روية وتدبر. ولا يعد في قلة العزم أن يستبين الرجل الحق أو المصلحة، ويقف دون عزمه مانع؛ كأن يعلم أن عقول الجمهور لا تتسع لقبوله، ويخشى الفتنة، فيرجئه ريثما يمهد له بما يجعله مقبولاً سائغاً. قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه عمر: يا أبت! ما لك لا تنفذ الأمور؟ فو الله! لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور، فقال له عمر: لا تعجل يا بني، إن الله تعالى ذمّ الخمر مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه، وتكون فتنة. ولا يُعَدُّ في قلة العزم أن يرى الرجل رأياً، ويعقد النية على إنقاذه، ثم يبدو له على طريق الحجة أنه غير صالح، فينصرف عنه. وقويُّ العزيمة هو الذي تكون إرادته تحت سلطان عقله، فيقبل بها على ما يراه صواباً، ويدبر بها عما يراه فساداً. وإذا قال الشاعر مادحاً: إذا همَّ ألقى بين عينيه عَزْمَهُ ... ونكَّبَ عن ذِكْرِ العواقِبِ جانِبا فإنما يريد: الهمّ الناشئ عن رجاحة رأي. وقويُّ العزم متى بصر بالأمر، ووثق بأنه سداد، قطع نظره عن العواقب، ونهض له في قوة، أما ضعيف العزم، فإنه يترك نفسه مجالاً للخواطر وذكر العواقب، هذه تغريه على العمل، وهذه تصده عنه، حتى تفوت الفرصة، ويذهب وقت العمل ضائعاً.

стр. 2079

ومن صرامة العزم: أن تفرغ فؤادك من كل داعية شأنها أن تلحق بعزمك وهنًا، أو تصرف وجهك عنه صفحًا. وتتمثل هذه الصرامة في عبد الرحمن الداخل "صقر قريش (١) "؛ إذ خرج من البحر أول قدومه على الأندلس، وأُهْدِيت له جارية بارعة الجمال، فنظر إليها وقال: إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا شغلت عنها بما أهم به، ظلمتُها، وإن أنا اشتغلت بها عما أهم به، ظلمت همتي، فلا حاجة لي بها الآن. وردّها على صاحبها. وكثيراً ما يجيء التردد في أمر من ناحية الشهوات والعواطف؛ كالذي يثق بما في طلب العلم من خير وشرف، ويقعده عنه حب الراحة، وإيثار ما تنزع إليه النفس من اللذات الحاضرة، والذي يقول: إذا كنتَ ذا رأي فكُنْ ذا عزيمةٍ ... فإنَّ فسادَ الرأي أنْ تَتردَّدا إنما ينبه على التردد الناشئ عن نحو الشهوات والعواطف، فذلك هو التردد المفسد للرأي، والموقعُ في خسر. لقوة الإرادة أثر في انقلاب حال الأفراد والجماعات عظيم، فكم من فتى يساويه في نباهة الذهن وسائر وسائل السؤدد فتيان كثيرون، ولكنه يجد من قوة الإرادة ما لا يجدون، فيكون له شأن غير شأنهم، ويبلغ في المحامد شأوًا أبعد من شأوهم، ولو نظرت إلى كثير ممن ظهروا أكثر مما ظهر غيرهم،

стр. 2080

وأقمت موازنة بينهم وبين كثير من لِداتهم، لم تجد في أولئك الظاهرين مزية يرجح بها وزنهم غير أنه يهمون بالأمر، فيعملون. وإذا جعلت تتقصى أثر دولة الموحِّدين التي وضعت قدمها في فاس، وبسطَت أجنحتها على الأندلس والجزائر وتونس، وجدت أقصى هذه الدولة همة طفحت بها نفس محمد بن تومرت بعد انصرافه عن مجالس أبي حامد الغزالي، وأبي بكر الطرطوشي، وغيرهما، عائداً إلى بلده بالمغرب الأقصى. وكم من أمة أو دولة لم ينقذها ممن يبتغي بها سوءاً سوى قوة الإرادة!. وقد يكون فيما صنع هارون الرشيد بالبرامكة غلو في الانتقام، وسرف في القتل، ولكن تنقية مناصب الدولة لم تكن إلا بنت اليقظة والإرادة التي لا يأخذها التردد في قطع المكر السيئ من جذوره. وإذا صح ما يصفهم به بعض أهل (١) العلم من أنهم كانوا يكيدون للإسلام كيد الباطنية، كان لهارون الرشيد موقف المنتقم لملكه، أو ملك أسرته من بعده. فإذا كان صدق العزيمة من أفضل خصال الشرف، وأجلها في الإصلاح أثراً، فجدير بأساتيذ التربية أن يعطوه من عنايتهم نصيباً وافرًا، وحقيق بالرجال القوّامين على الشؤون العامة أن يأخذوا به أنفسهم، ويقيموه شاهداً على كفايتهم؛ فإن ما بيننا وبين المدنية الفاضلة والحياة الآمنة مسافة طويلة المدى، صعبة المرتقى، إذا لم نقطعها بالعزم الصارم والعمل المتواصل، ظلمنا أنفسنا، ولم نقض حق الأجيال بعدنا، فمن واجبهم علينا أن نبني لهم صروحاً من العز شامخة، فإن لم نستطع، هيأنا لهم أسسًا ليرفعوا عليها قواعد الشرف والمنعة، فإذا هم أحرار في أوطانهم حقاً، مكرمون لنزلائهم طوعاً.

стр. 2081

وما اقترن العزم الصحيح بأدب التوكل على من بيده ملكوت كل شيء إلا كانت عاقبته نجاحاً ورشداً؛ ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 2082

الغيرة على الحقائق والمصالح (١) متى نظر الإنسان، أو تدبر أمراً، ووثق بأنه حقيقة أو مصلحة، وجد في نفسه ارتياحًا عندما يلاقي شخصًا يشاركه في الشعور به، ويكون ارتياحه أشد حيث يراه يعمل على مقتضى هذا الشعور، كما أنه يتألم حينما يشاهد امرأً ينكر تلك الحقيقة أو المصلحة، ويكون تألمه أشد حيث يراه مجداً في مناوأتها، سالكاً غير سبيلها، وهذا التألم الذي يشتد، فيدفعك إلى أن تسهب في إيضاح وجه الحقيقة أو المصلحة، أو تعمل على أن تكف من يبغي عليها ما أمكنك، هو ما نعنيه بالغيرة. فإذا حدثك الرجل في أمر، وأراك أنه مطمئن إلى أنه حق، ثم لا تلبث أن تراه متحيزًا إلى من يكيد له، ويدعو إلى من ينقضه، فاعلم أنه خالي القلب من الاطمئنان إليه، وإنما أراك ظاهرًا يخالف ما يكنه صدره، وتطمئن إليه نفسه. والعقل السليم لا يستطيع أن يفهم كيف يجتمع الإيمان بالحق مع موالاة من يحاربه في السر أو العلانية، فالغيرة على الحق من مقتضيات الإيمان به، تقوى بقوته، وتضعف بضعفه، وتفقد حيث لا يكون القلب مؤمناً. وفي الناس من يلهج بكلمة: "التسامح" يملأ بها فمه، حتى لا تنكر

стр. 2083

عليه حين تراه قد اتخذ من المضلين أو المفسدين في الأرض أولياء يطيل التردد على أعتابهم، ويغمس لسانه أينما جلس في إطرائهم، ويجهد نفسه في تمويه باطلهم. والتسامح المعقول: أن لا تؤذي من خالفك في العقيدة، فتنسب إليه زوراً، أو تنفي عنه مكرمةً، أو تهضم له حقاً، أو تنكث له عهداً، أو تخلف له وعداً. ومن التسامح المقبول: أن تبرّه، وتقسط إليه، وتمد إليه يد التعاون على المصالح المشتركة، وقد حرَّمت الشريعة الإسلامية الإساءة إلى المخالفين الذين لم يخرجونا من ديارنا، ولم يطعنوا في ديننا، ولم يوقدوا نارًا لحربنا، ووردت أحاديث تنهى عن مس الناس بشيء من الأذى، فحمل الفقهاء النهي فيها على وجه يعم المخالفين المقيمين في ظل الإسلام، كما قالوا في حديث: "لا يبعْ بعضكم على بيع أخيه": إن النهي شامل لبيع المسلم على بيع غير المسلم؛ لما ينشأ عن صرف المشتري عنه من تقاطع وشحناء، وأذنت في أن نبرّهم، ونقسط إليهم، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. وقد علّمنا رسول الله ﷺ أن نداري من ينتمون إلى الإسلام، ونعاشرهم بالمعروف، وإن عرفنا في لحن أقوالهم أو غيره من الدلائل الخفية أنهم من طائفة المنافقين. أما الرجل يملك قلماً أو لساناً أو حساماً أو جاهاً، فيصرفه في نقض أساس ما هو دين حق، أو شريعة صالحة، فذلك ما لا يتولاه إلا غبي لا يفرق بين الأعمى والبصير. أو زائغ عن سبيل الرشد فما له من نور. وقد أنكر الله على من يتزلف لأشياع الغي، فقال: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ

стр. 2084

جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]، وفي الآية شاهد صدق على أن العزة بيد الله يخلعها على من يغار على الحقائق غير مكترث بمن يناوئونها، وإن كانوا أولي جاه أو سلطان. فمن الغيرة على الحق: أن تقاوم المبطلين أو المفسدين قاطعًا النظر عن كل صلة وعاطفة، ومن التسامح المقبول: أن تدفعهم بالتي هي أحسن، حتى كأنك لا تعرف شيئاً من شؤونهم غير ما تصديت لمناقشتهم فيه، وذلك ما يستبين به الناس أنك لا تقصد إلا أن تكف بأسهم، وتحمي النفوس من وباء دعايتهم. تتفاضل الحقائق والمصالح من ناحية ما يتصل بها من خير، فوجود الخالق، أو صدق محمد ﷺ في رسالته - مثلاً - يقوم على الإيمان به من سعادة الأفراد والأقوام أكثر مما يقوم على الإيمان بعدل أبي بكر، وعمر بن الخطاب؛ وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة يترتب عليها من الفلاح فوق ما يترتب على زيارة أخ، أو عيادة مريض. وكذلك الغيرة على الحقائق تكون على قدر تفاضلها فيما يترتب عليها من العواقب، فالغيرة الصادقة: أن يتألم الرجل من الجهل على مقام الإلهية، أو الرسالة العظمى أشد مما يتألم للطعن في نفسه، أو في أخ له، أو صديق، ويتألم مسجد، أو إلغاء مدرسة أشد مما يتألم لهدم بيت، أو إهمال حديقة. بعيد من الغيرة عن الحقائق ذلك الذي يسمع سوء القول في الله أو في رسوله، فلا يجد في نفسه لسماع هذا السفه أثراً، وإذا مُسَّ جانب من يتصل به نسبًا، أو يمد له من متاع هذه الحياة سبباً، هاج غضبه، وارتعدت فرائصه.

стр. 2085

بعيد من الغيرة على المصالح ذلك الذي يكون تحت يده مال، فيبخل به على بناء مدرسة يستنير فيها الناشئون، أو إقامة ملجأ يأوي إليه البائسون، ويبسط به يده في إنشاء مرقص، أو ملهى يتخذ فيه الفتيان والفتيات نصاباً يسفكون عليها دم الفضيلة. ضعف الغيرة على الحق، أو فقدُها، نقيصة تنزل بصاحبها إلى الحضيض، وكذلك ينبغي للإنسان أن يملك الغيرة عند ثورتها، فلا يخرج في معاملة المنتهك لحرمة الحق عن حدود العدل، فالذي يغار على أمر جعل الشارع لمنتهِكِه حدًّا مفروضًا، لا يحلُّ له أن يتجاوز ما حدَّه الشارع استرسالاً مع طغيانها، فإن كان الجزاء موكولًا لاجتهاد القاضي، اجتزأ (١) القاضي بالمقدار الذي يكفي للردع، وليس من الغيرة المحمودة أن يتعدى في جزاء السيئة ما يكفي للزجر عن اقترافها. والغيرة الصادقة: هي التي تنهض بصاحبها إلى مكافحة المبطل أو المفسد، وتقويم عوجه في تثبت وحزم. الغيرة تبعث الرجل على الجهاد في الحق بأي وسيلة استطاعها، فالرئيس الغيور يذود عن الحق بما في يده من قوة، متى كان الهاجم عليه في غشاوة تمنعه من أن يفقه الحجة. والعالم الغيور لا يفتأ يذب عن الحق بلسانه أو قلمه، ولا يسوقه طمع أو رهبة إلى الخمول أو الصمت، وما خمول العالم وصمته سوى قلة الثقة بما وعد الله به أنصار الحق من فوز وحياة طيبة. والموسر الغيور ينفق في سبيل الإصلاخ باليمين واليسار، ومن كان

стр. 2086

صافي البصيرة يرتاح لظهور الحق وقيامِ المصلحة العامة أكثر مما يرتاح لأن يكنز ذهباً، أو تكون له قصور فيحاء، وحدائق غناء. وإذا أردت أن تميز فاقد الغيرة على المصالح ممن يغارون عليها، فهو الذي يجري وراء منافعه الخاصة أينما رآها أو تخيلها، يراها بجانب مصلحة عامة، فيظهر في زي الداعي إلى هذه المصلحة، ويملأ الجو نداء للتعاون عليها، حتى إذا تراءت له منفعة، لا يصل إليها إلا أن يقضي على ما ينفع الناس جميعاً، داسه بكلتا قدميه، وذهب إلى منفعته تواً لا يلوي على شيء. قد يسلك الرجل طريق العدل محافظة على المنصب، أو رغبة في حسن الأحدوثة، ولكن الغيرة على الحق هي التي تجعل الحكم عادلاً في كل قضية، فالغيرة على الحق هي التي تقف بالقاضي في حدود الإنصاف حين ترفع إليه خصومة بين ذي سلطان وأشعث أغبر ذي طمرين، فلا يبالي أن ينصف ذا الطمرين (١)، ويقضي على ذي السلطان، وكذلك يفعل القضاة العادلون. دُعي العلامة محمد بن بشير إلى قضاء قرطبة، فاستشار صديقًا له في قبول الولاية، فقال له: كيف حبك لمدح الناس لك وثنائهم عليك؟ وكيف حبك للولاية وكراهيتك للعزل؟ قال: والله! ما أُبالي من مَدَحني أو ذمَّني، وما أُسَرُّ للولاية ولا أستوحش للعزل! فقال: اقبل الولاية، ولا بأس عليك. وفي سيرة ابن بشير هذا ما يشهد بصدق غيرته على الحق، ويحقق ما وصف به نفسه من أنه لا يسر للولاية، ولا يستوحش من العزل. ومن الخطر على الحقوق والمصالح: أن يتولى أمرها محروم من الغيرة عليها، وكم من حق أهمل، ومصلحة أُميتت، والسبب في إهمال ذاك،

стр. 2087

وإماتة هذا: أن ألقي أمرهما إلى من لم يذق للغيرة عليهما طمعاً. ماذا يكون العمل في قضية الاعتداء على هتك عرض الفتاة إذا أسندت إلى من تقلب في بيئة لا تعرف للعفاف سبيلاً؟ وماذا يكون العمل في قضية الاعتداء على الدين، إذا وضعت بين يدي من لا يرى له حرمة، ولا يرعى للأمة التي تعتصم به ذمة؟ وكيف تدار مدرسة ترجع نظم التعليم فيها إلى من يؤثر اللهو على الجد، ويفتنه زخرف الحياة عن طرق الرشد التي تخرج رجالاً يعملون صالحاً، ويبتكرون عظيماً؟ ونحن نرى في الشعوب من حيل بينها وبين واجبات دينها، وأكرهت على التعامل بغير ما لم تأذن به شريعتها، واستبد عليها في طريقة تعليم أبنائها، ذلك لأنها وقعت تحت ذي قوة استضعفها، ولم يكن له نصيب من الغيرة على شريعتها!. إن أمة لها دين قيم، وشرع حكيم، ومجد لم يصف التاريخ له من نظير، لا يستقيم أمرها إلا لمن يغار على شرعها، أو يتودد لها باحترامه، والمحافظة على أصوله. وإذا حكى لنا التاريخ أن ذا سلطان آذى أُمة إسلامية في دينها، أو قهرها بالسيف، أو بوسيلة التعليم على أن تنسلخ من هداية ربها، فلأنه إنما وضع سلطانه على رؤوس جماعات متفرقة غافلة، أما الأمم المتيقظة التي تقدر الحق قدره، فليس من السهل على ذي القوة أن يؤذيها في دينها، ويستخف بالحقوق التي قررها شرعها، إلا أن يكون جهولاً بالعواقب، أو غير راغب في أن يكون سلطانه ثابت القواعد. الغيرة على الحق تتمثل فيمن ينظر إلى الدليل، ويصدع بما أراه الله،

стр. 2088

وإن كره السائلون. حضر لدى ابن هبيرة الحسن البصري، فاستفتاه ابن هبيرة في كتب تأتيه من عند يزيد بن عبد الملك، وفيها من الأمر بما لم يأذن به الله، وقال: "إن أنفذتها، وافقت سخط الله، صان لم أنفذها، خشيت على دمي! "، فقال الحسن: "يا ابن هبيرة! خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، يا ابن هبيرة! إن الله مانعك من يزيد، صان يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة! لا طاعة لمخلوق في معصية الله، فانظر ما كتب إليك فيه يزيد، فاعرضه على كتاب الله تعالى، فما وافق كتاب الله تعالى، فأنفذه، وما خالف كتاب الله، فلا تنفذه، فإن الله أولى بك من يزيد، وكتاب الله أولى بك من كتابه"، فضرب ابن هبيرة على كتف الحسن، وقال: "هذا الشيخ صدقني وربِّ الكعبة! ". وتتمثل الغيرة على الحق فيمن يفسح له بعض الوجهاء في الإكرام مكانة، ولا يمنعه ذلك من أن ينظر إلى ما أكرمه الله به من عقل، ورَفَعه به من علم، فلا يسكت لذلك الوجيه عما يأتي من منكر، ويذهب في تقويمه كل مذهب ممكن. وأضرب المثل لهذا بإبراهيم بن محمد بن طلحة، إذ قرّبه الحجاج، وعظَّم منزلته، وقدم به على عبد الملك بن مروان، وقال له: قدمت عليك برجل الحجاز، لم أدع له بها نظيراً في الفضل والأدب والمروءة، وهو إبراهيم ابن محمد بن طلحة، ولكن إبراهيم بن طلحة قال لعبد الملك: عندي نصيحة لا أجد بداً من ذكرها، ولا أقدر على ذلك إلا وأنا خالي، فصرف عبدُ الملك الحجَّاج من المجلس، وقال لابن طلحة: قل نصيحتك، فقال: "تالله يا أمير المؤمنين! لقد عمدتَ إلى الحجاج في تغطرسه وتعجرفه، وبعدِه عن الحق،

стр. 2089

وقربِه من الباطل، فوليته الحرمين، وهما ما هما، وبهما من بهما من المهاجرين والأنصار، والموالي والأخيار، يسومهم الخسف، ويحكم فيهم بغير السنّة بعد الذي كان من سفك دمائهم، وما انتهك من حرمهم! "، ولم يخبر عبد الملك الحجاج بما قال ابن طلحة، ولكنه عزله عن الحرمين، وولاه العراقين، واعتذر لابن طلحة عن توليته العراقيين بأن فيهما من الأمور ما لا يدحضها إلا مثله. وفصل القول في هذا: أن الغيرة على الحق والمصلحة ما غلبت على نفوس الأمة إلا استقامت سيرتها، وعلت في الأمم سمعتها، وحسنت في كلتا الحياتين عاقبتها، ولا حق أجلى مما يدعو إليه الخلاّق العليم، ولا مصلحة أعظم مما تهدي إليه أصول شرعه الحكيم، فإذا لم نرسم في نفوس نشئنا الغيرة على حقائق الدين، وما أرشد إليه من مصالح، وما سنّه من آداب، ضلوا عن أسمى الحقائق، وأضاعوا أكبر المصالح، وتجردوا من أسنى الآداب، وهل غير هذه العاقبة من خسران مبين؟!. فمن أهم واجباتنا: أن نربي نشأنا على الشعور بعظمة الله، ثم لا نفتأ نذكر لهم آيات نبوة محمد ﷺ حتى يطمئنوا إلى صحتها، ولا ندع أن نقرر لهم أصول الشريعة على وجه يجعلهم على بصيرة من حكمتها، وهذا ما يربي فيهم الغيرة المهذبة، ويعدّهم لأن يكونوا للحقائق والمصالح أنصاراً.

стр. 2090

الشجاعة وأثرها في عظمة الأمم (١) في الدنيا لذة وخير، وفي الدنيا ألم وشر، وفي النفوس طبيعة الارتياح والرغبة فيما فيه لذة أو خير، وطبيعة النفور والخوف مما فيه ألم أو شر، وعلى حال الرغبة والرهبة تقوم فضيلة الشجاعة، ورذيلة الجبن. ذلك أن الإنسان يخاف أن يقع في ألم، أو يرغب في إدراك لذة، فيبتغي الوسيلة إلى التخلص من الألم، أو الوصول إلى اللذة. فالشجاع يخاف من العار الذي يلحقه من احتمال الضيم، أو يرغب في أن يدرك مجداً شامخاً، أو ثناء فاخرًا، فيلقي بنفسه في مواقع الدفاع، لا يلوي جبينه عن طعان أو نضال. ويخاف الجبان الموت، أو يرغب في نعيم عاجل، أو زينة، فيقعد مع القواعد، ولا يهمه أن تزدريه كل عين، أو يذمه كل لسان. إذا ما الفتى لم يبغ إلا لباسَه ... ومطعَمَهُ فالخَيْرُ مِنْهُ بعيدُ وليس كل إقدام على الموت شجاعة، وإنما الشجاعة: الإقدام في المواطن التي ينبغي فيها الإقدام؛ كمواقف الدفاع عن النفس، أو العرض،

стр. 2091

أو الدين، أو المستضعفين من الناس، فليس بالشجاع ذلك الذي يحمل السلاح، ويلبس ظلام الليل؛ ليسفك دماً معصوماً، أو ينهب مالاً بغير حق، وإنما هو سفه الرأي، وقسوة القلب، يلتقيان، فيلدان بغياً وفساداً في الأرض. وعلماء الأخلاق يسمون مثل هذا الإقدام: جراءة وتهوراً. وليس بالشجاعة ذلك الذي يفاجئه مكروه من نحو مرض أو خيبة أمل، فيسودّ في عينه وجه الحياة، ويرتكب جريمة الانتحار؛ فإن إِقدام المنتحر على الموت إنما هو أثر ضعف النفس، وفقد العزم الذي يُعِدُّه عظماء الرجال لما يعرض لهم من الشدائد. ومن هنا قال أرسطو في كتاب "الأخلاق": إن الإقدام على الانتحار خليق بأن يسمى: جبناً، دون أن يسمى: شجاعة. وإذا كان الإقدام على الموت ونحوه قد يسمى: تهوراً، وقد يسمى: جبناً، فالشجاعة إنما هي الإقدام الصادر عن روية وحكمة. ينظر حكيم الرأي إلى ما قد يلحقه في مواطن الدفاع من نحو مصيبة الموت، ويزنه بما يلحقه عند الإحجام من نحو الذل والهوان، فيبدو له أن الإحجام لا يمنع من الموت. ومَنْ لم يَمُتْ بالسَّيْفِ ماتَ بغيره ... تنوَّعَتِ الأسبابُ والمَوْتُ واحِدُ وان العار والهوان يمكن اتقاؤهما بالإقدام والثبات، فيكون الإقدام في نظره أرجح من الإحجام، قال قطري بن الفجاءة: وما للمرءِ خيرُ في حياةٍ ... إذا ما عُد من سَقَطِ المتاعِ وقد يعتدي على الرجل طائفة من عشيرته أو قومه، فينظر إلى اللذة التي قد يدركها بالانتقام منها، ويقيسها بالضرر الذي يلحقه من هذا الانتقام، فيبدو له أن لذة الانتقام عرض زائل، وأن في الإقدام على حربهم توسيعاً

стр. 2092

لثلمة العداوة، وتقليلاً لعدد أنصاره، داضاعة لخصلة من أعظم خصال الشرف، وهي الحلم، فيؤثر هنا الإحجام على الإقدام. قومي هُمُ قَتلوا أمَيْمَ أخي ... فإذا رَميْتُ يُصيبني سَهْمي وليس من شرط الشجاعة أن لا يجد الرجل في نفسه الخوف من الهلاك جملة، بل يكفي في شجاعة الرجل أن لا يعظم في نفسه الخوف حتى يمنعه من الإقدام، أو يرجع به إلى انهزام. قال هشام بن عبد الملك لمسلمة: يا أبا سعيد! هل دخَلك ذعر قط لحرب أو عدوّ؟ قال مسلمة: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبه على حيلة، ولم يغشني فيها ذكر سلبني رأي، قال هشام: هذه هي البسالة!. وقد يتوهم متوهِّم أن الجبان يحب نفسه أكثر مما يحب الشجاع نفسه، والواقع أن الشجاع شديد الحب لنفسه، وشدة الحب لنفسه هي التي تحمله على أن يركب الأخطار، ويخوض غمرات الحروب؛ ليكسبها الشرف أو السعادة، قال ابن الحسين: وحبُّ الجبانِ النفْسَ أورَثه التُّقى ... وحبُّ الشجاعِ النَّفْسَ أَوْرَثَهُ الحَرْبا يحرص الجبان على الحياة؛ ليتمتع بما يصل إليه من مطعوم أو زينة، ويحرص الشجاع على الحياة؛ ليتمتع بما يكسب من شرف وعزة، وهذه الحياة هي التي توهب للشجاع عندما يخوض غمار الحرب بثبات وعزم، كما قال الصدّيق لخالد بن الوليد: "احرص على الموت، توهب لك الحياة". وهذه الحياة هي التي وجدها الحصين بن الحمام في الإقدام، فقال: تأخَّرْتُ أسْتبقي الحياةَ فلَمْ أَجِدْ ... لنَفْسي حياةً مِثْلَ أنْ أتقدَّما

стр. 2093

يتفاضل الناس في الشجاعة، فمنهم من يقدم على مواقع الخطر، ويخوض عبابها ثابتَ الجنان، حتى يفوز بالظفر، أو يلاقي مصرعه. قال السريّ الرفاء في سيف الدولة: وأغرَّ يأنفُ أن يَصُدَّ عن الوَغى ... حتّى يُذِلَّ معاطِساً وأُنوفا وقال المعتمد بن عباد: ما سِرْتُ قَطُّ إلى القتا ... لِ وكان من أملي الرجوع وقال أبو تمام في مدح محمد بن حميد: فأثْبتَ في مُستَنقَعِ الموتِ رِجْلَهُ ... وقال لها مِنْ تحتِ أخْمُصِكِ الحَشْرُ وهذا المصنف من الأبطال هم الذين يفخرون، أو يمدحون بأن الطعن لا يقع في ظهورهم قط، وإذا طُعنوا، ففي وجوههم، أو صدورهم، قال الحصين بن الحمام: ولسْنا على الأعقابِ تدمى كُلومُنا ... ولكنْ على أقدامِنا تُقْطَرُ الدِّما ومن أهل هذه الطبقة: أولئك الذين يصفونهم في مواقع الخطوب بطلاقة المحيا، أو ابتسام الثغر، أو ابتهاج القلب، قال ابن الحسين: تمر بك الأبطالُ كَلْمى هزيمةً ... ووجْهُكَ وَضَّاحٌ وثغرُك باسمُ وقال ابن هانح: كأنَّ لواءَ الشَّمْسِ جعفَرٍ ... رأى القِرْنَ فازدادَتْ طلاقتُه ضِعفا وقد يحدثونك عن قوة شجاعة القوم، فيصفونهم بأنهم يلذَّون ذكر المنايا، ويطربون لأحاديث الحروب:

стр. 2094

يثْني حديثُ الوغى أعطافَهم طَرَباً ... كان ذِكْرَ المنايا بينَهم غَزَلُ ومن ثقة الرجل بشجاعته: أن يقارع خصومه مجابهة، ويأنف أن يقارعهم على وجه المخاتلة، قال بعض مادحي سيف الدولة: إذا حاول الأقرانُ في الرَّوعِ خَتْلَهُ ... أبرَّ عليهم مُقدِماً لا مُخاتِلا خَتْلَهُ ويبالغ بعض الأبطال في عدم المبالاة بالموت، فيدخل مواقع القتال دون أن يقي بدنه بنحو درعِ أو مِغْفَرِ (١)، وهو قادر على وقايته؛ كما قال المعتمد بن عباد: قد رمتُ يومَ نزالِهم ... أن لا تحصِّنَني الدروعُ وبرزت ليس سوى القميـ ... ـصِ على الحشا شيءٌ دفوعُ ويعدّون من تناهي القوم في الشجاعة: أن يدعوهم إلى الحرب داع، فينهضوا لها من غير أن يسألوا داعيهم عن وجهة الحرب، ولا عن الباعث عليها، قال وداك بن نمير المازني: إذا استُنْجِدوا لم يَسْألوا من دَعاهُمُ ... لأيةِ حَرْبٍ أَمْ بأَيِّ مكانِ وتعد هذه الطاعة البالغة من قبيل الشجاعة المحمودة، متى كانت إجابةً لدل عرفوه بصدق اللهجة، وحكمة الرأي. وليس من لباب الشجاعة، ولا من قشورها: أن يسرع الرجل إلى مواقع الخطوب جاهلاً بما يلاقيه عندها من شدائد، حتى إذا شاهد طرفاً من أهوالها، أو وقعت عليه شرارة من نارها، لاذ بالفرار، ورجع إلى أهله بغير قلب.

стр. 2095

ومن ظنَّ ممن يلاقي الحروبَ ... بأنْ لا يُصابَ فقَدْ ظَنَّ عَجْزا ولا ينقص من قدر الشجاع أن يقتل وهو يخوض في غمار الحروب. قال أبو تمام في رثاء محمد بن حميد: فتىً ماتَ بين الطَّعْنِ والضَّرْبِ ميتةً ... تقومُ مَقامَ النَّصْرِ إنْ فاتَه النَّصْرُ ولا ينقص من قدره أن يثبت في موقف الدفاع حتى يقع في أسر. وقع هشام بن عبد العزيز قائد جيش السلطان محمد بن عبد الرحمن الأندلسي أسيراً في يد العدو، فاستقصره السلطان، ونسبه إلى الطيش، فاعتذر عنه الوليد بن عبد الرحمن بن غانم، ومما قال في الاعتذار عنه: إن هاشماً قد استعمل جهده، واستفرغ نصحه، وقضى حق الإقدام، حتى مُلك مقبلًا غير مدبر، مُبليًا غير فشل، فجوزي خيراً عن نفسه وسلطانه!. والشأن فيمن يعيش في نعيم وزينة أن يكون أشد الناس كراهة للحروب، فإذا أنبتت بيئات الترف فتى يزدري النعيم والزينة، ويطمح بهمته إلى الشرف الصميم، كان فضله في الشجاعة أظهر، وإقدامه أدعى إلى الإعجاب به، ولذلك ترى الأدباء إذا أرادوا أن يجعلوا إعجابك بشجاعة الممدوح أبلغ، أشاروا إلى أن النعمة والزينة لا تذهب برجوليته، ولا تقعد به عن حماية الشرف والكرامة، قال الحطيئة: إذا همَّ بالأعداءِ لم يَثْنِ عزمَهُ ... كعابٌ عليها لؤلؤٌ وشُنوفُ حَصانٌ لها في البيتِ زيٌّ وبهجةٌ ... ومشيٌ كما تمشي القَطاةُ قَطوفُ وقال كثير في عبد الملك بن مروان: إذا ما أرادَ الغزوَ لم يثْنِ عَزْمَهُ ... حَصانٌ عليها نَظْمُ درٍّ يَزينُها

стр. 2096

نهتْه فلمّا لم ترَ النهيَ عاقَه ... بكتْ فبكى مما شجاها قَطينُها قد يعرف الجبان فضل الشجاعة، ولكن الشجاع أعرف بقدرها، وأدرى بقيمة قِرْنه المطبوع عليها، وربما طاعنه مضطرًا إلى طعانه، والأسف يملأ ما بين جوانحه، قال بشر في القصيدة التي وصف فيها مقاتلته للأسد: وقلتُ له يَعزُّعليَّ أَنّي ... قتلتُ مُناسِبي جَلداً وقَهْرا ولكن رمتُ أمْراً لم يَرُمْهُ ... سِواكَ فلمْ أَطِقْ يا ليثُ صَبْرا ويعجبني من تشطير الأستاذ محمود قبادو التونسي لهذه القصيدة قوله: (وقلتُ له يعزُّ عليَّ أَنِّي) ... أراك معفَّرًا شَطْرًا فَشَطْرا وأستحيي المروءة أن تَراني ... (قتلتُ مُناسبي جَلداً وقَهْرا) وللشجاعة الفضل الأكبر في حماية شرف الفرد أو الجماعة، قال عمر ابن براقة الهمداني: متى تجمعِ القلبَ الذَّكيَّ وصارِماً ... وأَنفاً حمياً تجتنِبْكَ المظالمُ وقال حسان بن ثابت يصف قوماً حرموا فضيلة الشجاعة، فوقعوا في ذلٍّ وصَغار: كرِهوا الموتَ فاستبيحَ حِماهُم ... وأقاموا فِعْلَ اللئيمِ الذّليلِ وكم من شرف قوم سقط إلى الثرى، وإنما سقط على أيدي أناس خالط قلوبهم الجبن، واشتد بهم الحرص على متاع هذه الحياة، حتى خيل إليهم أن قعودهم عن الدفاع حزم وروية، قال ابن الحسن: يرى الجبناءُ أن الجبنَ حَزْمٌ ... وتلك خديعةُ الطَّبْعِ اللئيمِ

стр. 2097

وللقرآن الكريم أبلغ الكلم في تصوير حال الجبناء، فانظروا إليه إذ يصفهم ويريكم كيف يذوقون موتات الفزع المرة بعد الأخرى، فيقول: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]، ويريكم كيف يظهر أثر الجبن في أبصارهم إذ يقلبونها وهم في ذهول من أدركه الموت، فيقول: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]. ومن أبدع ما ورد عن رَسُول اللهِ ﷺ في تمجيد الأبطال الذين يركبون البحر للدفاع عن الحق: أن شبههم بالملوك على الأسرّة. ولفضل الشجاعة في الذود عن الشرف والكرامة، جاء الفخر بالموت في مواقف الدفاع دون الموت على الفراش، قال عبد الله بن الزبير في خطبة تأبينه لأخيه مصعب: "إنا والله لا نموت إلا قتلاً: قَعْصاً بالرماح، وتحت ظلال السيوف". وخلاصة الحديث: أن الأمة لا تحتفظ بعظمتها إلا أن تسود فيها الشجاعة، وأن عظمتها على قدر من تخفق عليهم رايتها من ذوي البطولة، فكان حقاً علينا أن نعنى في تربية أبنائنا بخلق الشجاعة الموصولة بالحكمة، حتى يروا العظائم صغائر، ويقتحموا الخطوب بعزائم لا يعرف التردد ولا الوهن طريقها.

стр. 2098

كبر الهمّة في العلم (١) الحديث عن فضل العلم وما يناله طالبه من مجد وكرامة حديث لا يكشف عن غامض، ولا يطرق السمع بجديد، فأقصد إلى شيء غير هذا، هو: لفت أنظار نشئنا إلى ناحية تجعل المعارف لدينا غزيرة، والمباحث محررة، والآراء مبتكرة، وهي الوسيلة التي صعدت بعلمائنا الذين خدموا الدين والعلم والمدنية، فكانت لهم المكانة التي يصفها التاريخ بإجلال وإعجاب، ونعني بهذه الوسيلة: كِبَر الهمّة في العلم. ل كبر الهمة في العلم مظاهر، هي: أن تقضي الوقت في درس أو مطالعة أو تحرير، وأن تقتحم في سبيل ذلك المصاعب، وتدافع ما يعترضك من العوائق، وأن تبسط النظر في كل مسألة تصديت لبحثها حتى تنفذ إلى لبابها، وأن تضع يدك في كل علم استطعت إليه طريقاً، ثم تحط رحلك في علم تكون فيه النجم الذي يهتدي به المدلجون، والغيث الذي ينتجعه الظامئون، وكبر همتك في العلم يأبى إلا أن يكون للعلم مظهر، هو: العمل به، والسير على ما يرسمه من الخطط الصالحة في هذه الحياة. أما صرف الوقت في ابتغاء العلم، فإن للعمر أجلاً إذا جاء لا يستأخر،

стр. 2099

وللعلم بحراً طافحاً ليس له من آخر، فكل ساعة قابلة لأن تضع فيها حجراً يزداد به صرح مجدك ارتفاعاً، ويقطع به قومك في السعادة باعاً أو ذراعاً، فإن كنت حريصاً على أن يكون لك المجد الأسمى، ولقومك السعادة العظمى، فدَعِ الراحة جانباً، واجعل بينك وبين اللهو حاجباً. وإذا رجعنا البصر في تاريخ النوافي الذين رفعوا للحكمة لواء، وجدناهم يبخلون بأوقاتهم أن يصرفوا شيئاً منها في غير درس أو بحث أو تحرير. قدم الحافظ ابن أبي حاتم صاحب كتاب "علل الحديث" القاهرة؛ ليتلَقّى عن شيوخها مالم يكن يعلم، فقضى في مصرسبعة أشهر لم يجد هو وأصحابه من الوقت ما يهيئون فيه لطعامهم مَرَقأ، وكانوا بالنهار يطوفون على الشيوخ، وبالليل ينسخون ويقابلون. ونقرأ في حياة الفيلسوف أبي علي ابن سينا أنه لم ينم مدة اشتغاله بالعلم ليلة كاملة، ولم يشتغل بالنهار بسوى المطالعة. ونجد في التاريخ: أن الفيلسوف ابن رشد لم يدع النظر ولا القراءة منذ عقل إلا ليلة وفاة أبيه، وليلة بنائه على أهله. لم يقض حقَّ العلم، بل لم يدرِ ما شرف العلم، ذلك الذي يطلبه لينال به رزقاً، أو ينافس فيه قريناً، حتى إذا أدرك وظيفة، أو أَنِسَ من نفسه الفوز على القرين، أمسك عنانه ثانياً، وتنحى عن الطلب جانباً. وإنما ترفع الأوطان رأسها، وتبرز في مظاهر عزتها، بهمم أولئك الذين يقبلون على العلم بجد وثبات، ولا ينقطعون إلا أن ينقطعوا عن الحياة. وأما اقتحام المصاعب في الطلب، فإن معالي الأمور وعرة المسالك، محفوفة بالمكاره، والعلم أرفع مقام تطمح إليه الهمم، وأشرف غاية تتسابق

стр. 2100

إليها الأمم، فلا يخلص إليه الطالب دون أن يقاسي شدائد، ويحتمل متاعب، ولا يستهين بالشدائد إلا كبير الهمة، ماضي العزيمة. كان سعيد بن المسيب يسير الليالي في طلب الحديث الواحد. ورحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى عقبة بن نافع وهو في مصر ليروي عنه حديثاً، فقدم مصر، ونزل عن راحلته، ولم يحل رحلها، فسمع منه الحديث، وركب راحلته، وقفل إلى المدينة راجعاً. ولم ينتشر العلم في بلاد المغرب أو الأندلس إلا برجال رحلوا إلى الشرق، ولاقوا في رحلاتهم عناء ونصبأ، مثل: أسد بن الفرات، وأبي الوليد الباجي، وأبي بكر بن العربي. يتجرع كبير الهمة مرارةً حين تقف بينه وبين جانب من العلم عقبة، فإذا وجد مرعى العلم خصبًا، فعناؤه فيما يدعونه: راحة، وانقباضه فيما يسمونه: لهوًا، وألمه في ساعة ينقطع فيها عن العلم يساوي ألم المستهتر في الشهوات حين يقضي يومه في غير شهوة. وقد يحسب من لم تصفُ بصيرته حتى يرى الحكمة في أسنى مظاهرها أن الذي يقول: سَهَرِي لتَنقيحِ العلومِ ألذُّ لي ... من وصْلِ غانية وطيبِ عِناقِ إنما هو شاعر لا يبالي أن يفضل الشيء على ما هو أكمل في وجه الشبه وأقوى، ويبعد في نظره أن يبلغ ابتهاج النفس عند تحقيق بحث علمي مبلغ ابتهاجها بلقاء الغانيات، ولكن الذي يقدر الحكمة، يرى أن ناظم البيت لم يجد شيئاً يحاكي به اللذة التي يجدها عندما يطلق فكره وراء شوارد العلوم، فيظفر بها، فجاء إلى هذا الذي اشتهر بين الناس أنه لذيذ بالغ، ووصف لذة

стр. 2101

الحكمة بأنها فوق لذته، فصاحب البيت لم يتجاوز في تصوير ارتياحه لتنقيح العلوم حد الحقيقة. وأما نفوذ النظر في لباب المسائل، فلأن وقوف طالب العلم عند ظواهرها، واكتفاءه بالمقدار الذي يقصر به عن حسن بيانها، وإجادة العلم بها، لا يبعدان به عن منزلة خالي الذهن منها؛ فإنما وضعت العلوم لتهدي إلى العمل النافع، ولا شرف لها في نفسها، وإنما شرفها بما يترتب عليها من عمل صالح، أو كلم طيب، فمن يقضي زمناً في طلب علم، ثم ينفصل عنه وهو لا يستطيع أن يدفع عن أصوله شبهاً، أو يضرب له من العمل مثلاً، ذهب وقته ضائعاً، وبقي اسم الجهل عليه واقعاً. فالفقيه بحق من تعرض لواقعة لم يفصل لها الشارع حكماً، ولم يتناولها السَّلَف باجتهاد، فيرجع إلى الأصول الثابتة، والقواعد المقررة، ويقتبس لها حكماً موافقاً. ولا نكتفي ممن يدرس البلاغة أن يتصور قوانينها، ويعرف أمثلتها إلا أن يبصر بها كيف تسري في كتاب الله سريان الماء في الأزهار الناضرة، وحتى يستطيع أن يخطب أو يكتب على وفق ما درس من مناهجها الواضحة، وأساليبها الساحرة. ولا يحق لنا أن نفتخر بفتيان درسوا الطبيعة والكيمياء، إلا أن يعودوا وفي قدرتهم أن يستقلوا بإدارة مصاح للدفاع، ومعامل لمرافق الحياة، فإنا نريد أن نعود كما كنا أساتذة في العلوم، نقلية أو عقلية، نظرية أو مادية. ومما رمى الأفكار في خمول، ووقف بها حقبة عن الخوض في عباب العلوم إلى أمد بعيد، هذه المختصرات التي يقضي الطالب في فتح مغلقها،

стр. 2102

وحل عقدها قطعة من حياته، جديرة بأن تصرف في اكتساب مسائل هي من صميم العلم، والملكات تقوى بالبحث في لباب العلم أكثر مما تقوى بالمناقشة في ألفاظ المؤلفين. وممن نبه على أن الاختصار عائق عن التحقيق في العلم: أحد علماء القرن الثامن العلامة محمد المعروف (١) بالأيلي إذ قال: "كل أهل هذه المئة على حال من قبلهم من حفظ المختصرات، فاقتصروا على حفظ ما قلّ لفظه، ونزرَ حظُّه. وأفنوا أعمارهم في حل لغوزه، وفهم رموزه، ولم يصلوا إلى ردّما فيه إلى أصوله بالتصحيح، فضلاً عن معرفة الضعيف والصحيح". فمن أسباب الرسوخ في العلم، وطموح الهمم إلى التوسع في البحث، وعدم الرضا بما دون الذروة: قراعة الكتب التي تنسج على طريقة الاستدلال والغوص على أسرار المسائل، وهي طريقة المتقدمين من علمائنا. وأما بسط النظر في علوم متعددة، فلارتباط العلوم بعضها ببعض، وكلما كان الاطلاع على العلوم أوسع، كان البحث في المسائل أجود، والخطأ في تقريرها أقل، والاحتجاج عليها أسلم، فلا يجيد دراسة التفسير أو الحديث من لم يكن ضليعاً في العربية، ولا يحكم الاستدلال على العقائد، ويدفع ما يحوم عليها من شُبه، إلا من كان عارفاً بالتفسير والحديث، والقوانين المنطقية، والمذاهب والآراء الفلسفية، ولا يقوم على دراسة الفقه أو أصوله من لم يملأ يده من الحديث والتفسير والعلوم العربية. واطّلاع الرجل على علوم كثيرة يعرف موضوع بحثها، ويقف على جانب عظيم من مبادئها، لا يمنعه من الإقبال على علم يجعل له من الدرس والمطالعة

стр. 2103

ما يرفعه إلى مرتبة أئمته الذين يكتبون فيه فيحققون، ويسألون عن أخفى مسائله فيجيبون، والذي يضع يده في علوم شتى، يمكنه أن يجاري طوائف العلماء في المباحث المختلفة، وعلى قدر ما يكون للرجل من خبرة بالعلوم، يبعد عن مواقع الذِّلَّة، ويزداد في أعين الناس تَجِلَّة. عكف أبو صالح أيوب بن سليمان على كتاب "العروض" حتى حفظه، فسأله بعضهم عن إقباله على هذا العلم بعد الكبر، فقال: حضرت قوماً يتكلمون فيه، فأخذني ذل في نفسي أن يكون باب من العلم لا أتكلم فيه. تقضي الحياة الراقية أن يقوم بكل علم طائفة يكونون السند الذي يرجع إليه، وكذلك كان علماؤنا فيما سلف: يُقْبل كل طائفة منهم على علم يقومون عليه دراية، ويقتلونه بحثًا. وبهذا اتَّسَعت دائرة المعارف، وظهرت المؤلفات الفائقة. وتراهم قد عرفوا من قبل أن نجاح قصر الطالب على الرسوخ في علم، يرجع إلى ترك الطالب وما تميل إليه نفسه من العلوم. ومما نقرأ في ترجمة أبي عبد الله محمد الشريف التلمساني - وكان راسخاً في المنقول والمعقول -: أنه كان "يترك كل أحد من الطلبة وما يميل إليه من العلوم، ويرى أن كل ذلك من أبواب السعادة". ومن لطف مبدع الكون أن جعل النفوس تختلف في استعدادها للعلوم والفنون والصنائع؛ لينتظم شأن الحياة، وتتوافر وسائل السعادة. وربما نشأ أفراد في مهد واحد، واختلف ميلهم إلى العلوم، فبرز كل في العلم الذي وافق رغبته، ووجه إليه همته؛ كأبناء الأثير الثلاثة: علي (١) الملقب بعز الدين: إمام

стр. 2104

في التاريخ، ومحمد (١) الملقب بمجد الدين: نحرير في الحديث والأدب، ونصر الله (٢) الملقب بضياء الدين: بارع في الأدب وتحرير الرسائل، وكثير من علمائنا كانوا يدرسون علومًا مختلفة يبلغون في بعضها الذروة، ويكتفون في بعضها بالمقدرة على تدريسها، أو تحقيق مباحثها عند الحاجة. فهذا أبو إسحاق الشاطبي تقرأ له كتاب "الموافقات"، فتحس أنك تتلقى الشريعة من إمام أحكم أصولها خبرة، وأشرب مقاصدها دراية، ثم تقرأ " شرحه على الخلاصة" في النحو، فتشعر بأنك بين يدي رجل هو من أغزر النحاة علماً، وأوسعهم نظراً، وأقواهم في الاستدلال حجة. والقاضي إسماعيل من فقهاء المالكية البالغين درجة الاجتهاد في الفقه، قد سمت منزلته في العربية، حتى تحاكم إليه عَلَمان من أعلامها في مسألة، وهما: المبرّد، وثعلب. وكبير الهمة في العلم يريد أن يكون النفع بعلمه أشمل، ومما يدرك به هذا الغرض: احترامه لآراء أهل العلم، ولا نعني باحترامها: أخذها بالقبول والتسليم على أي حال، وإنما نريد: نقدها بتئبت، وعرضها على قانون البحث، ثم الفصل فيها من غير تطاول عليها، ولا انحراف عن سبيل الأدب في تفنيدها. والفطر السليمة، والنفوس الزاكية، لا تجد من الأقبال على حديث من يستخفه الغرور بما عنده مثلما تجد من الإقبال على حديث من أحسن

стр. 2105

الدرسُ أدبَه، وهذَّب الأدبُ منطقَه. وإذا كان الأستاذ كمدرسة يتخرج في مجالس درسه خلق كثير، فحقيق عليه أن يكون المثال الذي يشهد فيه الطلاب كيف تناقش آراء العلماء مع صيانة اللسان من هجر القول الذي هو أثر الإعجاب بالنفس، والإعجاب بالنفس أثر ضعف لم تتناوله التربية بتهذيب. كبير الهمة يستبين خطأ في رأي عالم، أو عبارةِ كاتب، فيكتفي بعرض ما استبان من خطأ على طلاب العلم ليفقهوه، ويأبى له أدبه أن ينزل إلى سقط الكلام، أو يخف إلى التبجح بما عنده. وقد حدثنا التاريخ عن رجال كانوا أذكياء، ولكنهم ابتلوا بشيء من هذا الخلق المكروه، فكان عوجًا في سيرهم، ولطخاً في صحفهم، ولو تحاموه، لكان ذكرهم أعلى، ومقامهم في النفوس أسمى، ومنزلتهم عند الله أرقى. وخلاصة المقال: تذكير النبهاء من نشئنا بأن يُقْبلوا على العلم بهمم كبيرة؛ صيانة للوقت من أن ينفق في غير فائدة، وعزم يَبلى الجديدان (١) وهو صارم صقيل، وحرص لا يشفى غليله إلا أن يغترف من موارد العلوم بأكواب طافحة، وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورة المسلك، ولا طول مسافة الطريق، وألسنة مهذبة لا تقع في لغو أو مهاترة. ذلك عنوان أكبر الهمة في العلم، وذلك ما يجعل أوطاننا منبت عبقرية فائقة، ومطلع حياة علمية رائعة، وما نبتت العبقرية في وطن نباتاً حسناً، إلا كانت أرضه كرامة، وسماؤه عزة، وجوانبه حصانة ومنعة.
следующие страницы →