← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

الحكمة بأنها فوق لذته، فصاحب البيت لم يتجاوز في تصوير ارتياحه لتنقيح العلوم حد الحقيقة. وأما نفوذ النظر في لباب المسائل، فلأن وقوف طالب العلم عند ظواهرها، واكتفاءه بالمقدار الذي يقصر به عن حسن بيانها، وإجادة العلم بها، لا يبعدان به عن منزلة خالي الذهن منها؛ فإنما وضعت العلوم لتهدي إلى العمل النافع، ولا شرف لها في نفسها، وإنما شرفها بما يترتب عليها من عمل صالح، أو كلم طيب، فمن يقضي زمناً في طلب علم، ثم ينفصل عنه وهو لا يستطيع أن يدفع عن أصوله شبهاً، أو يضرب له من العمل مثلاً، ذهب وقته ضائعاً، وبقي اسم الجهل عليه واقعاً. فالفقيه بحق من تعرض لواقعة لم يفصل لها الشارع حكماً، ولم يتناولها السَّلَف باجتهاد، فيرجع إلى الأصول الثابتة، والقواعد المقررة، ويقتبس لها حكماً موافقاً. ولا نكتفي ممن يدرس البلاغة أن يتصور قوانينها، ويعرف أمثلتها إلا أن يبصر بها كيف تسري في كتاب الله سريان الماء في الأزهار الناضرة، وحتى يستطيع أن يخطب أو يكتب على وفق ما درس من مناهجها الواضحة، وأساليبها الساحرة. ولا يحق لنا أن نفتخر بفتيان درسوا الطبيعة والكيمياء، إلا أن يعودوا وفي قدرتهم أن يستقلوا بإدارة مصاح للدفاع، ومعامل لمرافق الحياة، فإنا نريد أن نعود كما كنا أساتذة في العلوم، نقلية أو عقلية، نظرية أو مادية. ومما رمى الأفكار في خمول، ووقف بها حقبة عن الخوض في عباب العلوم إلى أمد بعيد، هذه المختصرات التي يقضي الطالب في فتح مغلقها،

стр. 2102

وحل عقدها قطعة من حياته، جديرة بأن تصرف في اكتساب مسائل هي من صميم العلم، والملكات تقوى بالبحث في لباب العلم أكثر مما تقوى بالمناقشة في ألفاظ المؤلفين. وممن نبه على أن الاختصار عائق عن التحقيق في العلم: أحد علماء القرن الثامن العلامة محمد المعروف (١) بالأيلي إذ قال: "كل أهل هذه المئة على حال من قبلهم من حفظ المختصرات، فاقتصروا على حفظ ما قلّ لفظه، ونزرَ حظُّه. وأفنوا أعمارهم في حل لغوزه، وفهم رموزه، ولم يصلوا إلى ردّما فيه إلى أصوله بالتصحيح، فضلاً عن معرفة الضعيف والصحيح". فمن أسباب الرسوخ في العلم، وطموح الهمم إلى التوسع في البحث، وعدم الرضا بما دون الذروة: قراعة الكتب التي تنسج على طريقة الاستدلال والغوص على أسرار المسائل، وهي طريقة المتقدمين من علمائنا. وأما بسط النظر في علوم متعددة، فلارتباط العلوم بعضها ببعض، وكلما كان الاطلاع على العلوم أوسع، كان البحث في المسائل أجود، والخطأ في تقريرها أقل، والاحتجاج عليها أسلم، فلا يجيد دراسة التفسير أو الحديث من لم يكن ضليعاً في العربية، ولا يحكم الاستدلال على العقائد، ويدفع ما يحوم عليها من شُبه، إلا من كان عارفاً بالتفسير والحديث، والقوانين المنطقية، والمذاهب والآراء الفلسفية، ولا يقوم على دراسة الفقه أو أصوله من لم يملأ يده من الحديث والتفسير والعلوم العربية. واطّلاع الرجل على علوم كثيرة يعرف موضوع بحثها، ويقف على جانب عظيم من مبادئها، لا يمنعه من الإقبال على علم يجعل له من الدرس والمطالعة

стр. 2103

ما يرفعه إلى مرتبة أئمته الذين يكتبون فيه فيحققون، ويسألون عن أخفى مسائله فيجيبون، والذي يضع يده في علوم شتى، يمكنه أن يجاري طوائف العلماء في المباحث المختلفة، وعلى قدر ما يكون للرجل من خبرة بالعلوم، يبعد عن مواقع الذِّلَّة، ويزداد في أعين الناس تَجِلَّة. عكف أبو صالح أيوب بن سليمان على كتاب "العروض" حتى حفظه، فسأله بعضهم عن إقباله على هذا العلم بعد الكبر، فقال: حضرت قوماً يتكلمون فيه، فأخذني ذل في نفسي أن يكون باب من العلم لا أتكلم فيه. تقضي الحياة الراقية أن يقوم بكل علم طائفة يكونون السند الذي يرجع إليه، وكذلك كان علماؤنا فيما سلف: يُقْبل كل طائفة منهم على علم يقومون عليه دراية، ويقتلونه بحثًا. وبهذا اتَّسَعت دائرة المعارف، وظهرت المؤلفات الفائقة. وتراهم قد عرفوا من قبل أن نجاح قصر الطالب على الرسوخ في علم، يرجع إلى ترك الطالب وما تميل إليه نفسه من العلوم. ومما نقرأ في ترجمة أبي عبد الله محمد الشريف التلمساني - وكان راسخاً في المنقول والمعقول -: أنه كان "يترك كل أحد من الطلبة وما يميل إليه من العلوم، ويرى أن كل ذلك من أبواب السعادة". ومن لطف مبدع الكون أن جعل النفوس تختلف في استعدادها للعلوم والفنون والصنائع؛ لينتظم شأن الحياة، وتتوافر وسائل السعادة. وربما نشأ أفراد في مهد واحد، واختلف ميلهم إلى العلوم، فبرز كل في العلم الذي وافق رغبته، ووجه إليه همته؛ كأبناء الأثير الثلاثة: علي (١) الملقب بعز الدين: إمام

стр. 2104

في التاريخ، ومحمد (١) الملقب بمجد الدين: نحرير في الحديث والأدب، ونصر الله (٢) الملقب بضياء الدين: بارع في الأدب وتحرير الرسائل، وكثير من علمائنا كانوا يدرسون علومًا مختلفة يبلغون في بعضها الذروة، ويكتفون في بعضها بالمقدرة على تدريسها، أو تحقيق مباحثها عند الحاجة. فهذا أبو إسحاق الشاطبي تقرأ له كتاب "الموافقات"، فتحس أنك تتلقى الشريعة من إمام أحكم أصولها خبرة، وأشرب مقاصدها دراية، ثم تقرأ " شرحه على الخلاصة" في النحو، فتشعر بأنك بين يدي رجل هو من أغزر النحاة علماً، وأوسعهم نظراً، وأقواهم في الاستدلال حجة. والقاضي إسماعيل من فقهاء المالكية البالغين درجة الاجتهاد في الفقه، قد سمت منزلته في العربية، حتى تحاكم إليه عَلَمان من أعلامها في مسألة، وهما: المبرّد، وثعلب. وكبير الهمة في العلم يريد أن يكون النفع بعلمه أشمل، ومما يدرك به هذا الغرض: احترامه لآراء أهل العلم، ولا نعني باحترامها: أخذها بالقبول والتسليم على أي حال، وإنما نريد: نقدها بتئبت، وعرضها على قانون البحث، ثم الفصل فيها من غير تطاول عليها، ولا انحراف عن سبيل الأدب في تفنيدها. والفطر السليمة، والنفوس الزاكية، لا تجد من الأقبال على حديث من يستخفه الغرور بما عنده مثلما تجد من الإقبال على حديث من أحسن

стр. 2105

الدرسُ أدبَه، وهذَّب الأدبُ منطقَه. وإذا كان الأستاذ كمدرسة يتخرج في مجالس درسه خلق كثير، فحقيق عليه أن يكون المثال الذي يشهد فيه الطلاب كيف تناقش آراء العلماء مع صيانة اللسان من هجر القول الذي هو أثر الإعجاب بالنفس، والإعجاب بالنفس أثر ضعف لم تتناوله التربية بتهذيب. كبير الهمة يستبين خطأ في رأي عالم، أو عبارةِ كاتب، فيكتفي بعرض ما استبان من خطأ على طلاب العلم ليفقهوه، ويأبى له أدبه أن ينزل إلى سقط الكلام، أو يخف إلى التبجح بما عنده. وقد حدثنا التاريخ عن رجال كانوا أذكياء، ولكنهم ابتلوا بشيء من هذا الخلق المكروه، فكان عوجًا في سيرهم، ولطخاً في صحفهم، ولو تحاموه، لكان ذكرهم أعلى، ومقامهم في النفوس أسمى، ومنزلتهم عند الله أرقى. وخلاصة المقال: تذكير النبهاء من نشئنا بأن يُقْبلوا على العلم بهمم كبيرة؛ صيانة للوقت من أن ينفق في غير فائدة، وعزم يَبلى الجديدان (١) وهو صارم صقيل، وحرص لا يشفى غليله إلا أن يغترف من موارد العلوم بأكواب طافحة، وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورة المسلك، ولا طول مسافة الطريق، وألسنة مهذبة لا تقع في لغو أو مهاترة. ذلك عنوان أكبر الهمة في العلم، وذلك ما يجعل أوطاننا منبت عبقرية فائقة، ومطلع حياة علمية رائعة، وما نبتت العبقرية في وطن نباتاً حسناً، إلا كانت أرضه كرامة، وسماؤه عزة، وجوانبه حصانة ومنعة.

стр. 2106

الدهاء والاستقامة (١) خصلتان يبلغ بهما الرجل أن يكون عظيماً، وحقَّ لمن استولى على الأمد الأقصى منهما أن يكون زعيماً، هما: بعد النظر في استكشاف غوامض الأمور، وذلك ما نسميه: الدهاء، أو الكياسة، والسير في سبيل الرشد بقلب سليم، وذلك ما نسمّيه: الاستقامة، أو التقوى. ولا نقصد في هذا المقام إلى الحديث عن بعد النظر في إدراك العويص من مباحث العلوم، وإنما نقصد إلى الحديث عن الدهاء من ناحية تقدير وسائل النفع والضرر، أو من حيث شعور صاحبه بما يحمل له من ضغن، أو ينصب له من كيد. يقارن الدهاء الاستقامة، فيصرف في تدبير الوسائل التي تكفي شراً مقبلًا، أو تجلب خيراً معسراً، ويقارن زيغ العقيدة، أو لؤم الطبيعة، فيندفع بصاحبه في شعاب الباطل، ويكون نصيبه من الإفساد في الأرض فوق نصيب الغباوة؛ إذ يزيد عليها: أن يبتكر للشر فنوناً غير معروفة، ويلبس الباطل ثوب الحق، ويخرج المفسدة في لون المصلحة، فإذا لم تجد الحقائق أو المصالح دهاء يمحق دهاء المبطلين أو المفسدين، عمي على العامة أمرها، وظهرت

стр. 2107

الضلالة والسفاهة مكانها. ولكثرة ما يصاحب الدهاء من المكر، والنزوع إلى الشر، توهم بعض العامة أنه لا يجتمع مع سلامة الضمير، والحرصِ على فعل الخير، فتراهم يعدون غفلة الرجل عما ينطوي عليه الحديث من مغامز، وما يراد به من مكايد، أثرَ صلاحه وطيبِ سريرته، وكاد بعض الكاتبين على حديث: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" يحوم حول هذا الوهم؛ إذ حمل الحديث على عدم الانخدل في الدين؛ بأن يصدق الكاذب الذي ظهر له كذبه مرة ثانية، ثم قال: "وأما الانخدل في أمور الدنيا بناء على قلة التفاته إليها، وعدم اهتمامه بها، فهو ممدوح مطلوب". والحق أن الغفلة عن نواحي الشر، دينية أو دنيوية، لا تدخل في سلك الكمال، ولا تستدعي مدحًا، وانما الكمال في اليقظة والكياسة. والقصد من الحديث الشريف: تحذير المؤمن من أن يكون مغفّلاً، وإرشاده إلى استعمال الفطنة في شؤونه، دينية أو دنيوية. وإذا كان الحديث مسوقاً للإخبار عن حال المؤمن، فإنما يريد: المؤمن الكامل، وهو الذي يستنير بالحكمة، ويعتبر بالحوادث، فتصفو بصيرته، ويهتدي إلى غوامض الأمور، حتى يكون حذراً مما سيقع، وإذا أخذته الغفلة مرة، فنكب من ناحية، كانت نكبته من هذه الناحية هي الأولى، وهي الآخرة. ويوافق هذا قول عمر بن الخطاب: "لست بخبٍّ، والخبُّ لا يخدعني"، وأما المؤمن الذي يكون حظه من الحكمة والاعتبار بخسًا، فقد يلدغ من الجحر الواحد مرتين أو مراراً. ولا يعارض هذا حديث: "المؤمن غرّ كريم، والفاجر خب لئيم"؛ فقد تكلم الحفّاظ في سنده، حتى ذهب بعضهم إلى أنه موضوع، وهو بقطع النظر

стр. 2108

عن سنده، قد وقع لفظ الغز فيه مقابلاً للفظ الخب الذي هو الجُرْبُز؛ أي: الخدّاع، فيكون المراد من الغرارة: غفلته عن الشر؛ فإن كريم الأخلاق طيّب السريرة، لا يبحث عن الشر بحثَ من يريد التوغل في طرقه، والخوض في غماره، وهو مع كونه لا يبحث عن هذه الطرق بحثَ المولع بها، يأخذ بسنّة الاحتراس، فلا ينخدع لخب يزخرف له القول مداهنة، أو ينصب في طريقة حباله، فغفلة الرجل عن وسائل الشر لانصرافه إلى الخير بشراشر (١) لا تنقص من كياسته في تدبير وسائل الخير، أو الاحتراز عما يهيأ له أو لقومه من الشر، فلا يصح أن يكون الإيمان - الذي هو أساس استنارة الفكر - سببَ الانخداع لتمويه مبطل، أو مخاتلة ذي مأرب. نجد في سيرة رسول الله ﷺ ما يرشدنا إلى أن السياسة الإسلامية لا ينهض بها المستقيم إلا أن يكون أريباً، ولا الأريب إلا أن يكون مستقيماً. فرسول الله ﷺ على ما كان محفوفًا به من رعاية الله وتأييده - لم يترك أمر السياسة الحربية أو المدنية دون أن يجريه على سنّة التدبير والاحتراس من أمور يتبعها في العادة عواقبُ سيئة، فما نقرؤه في سيرته الزاهرة: أنه كان إذا قصد السفر لحرب قوم، أخذ يسأل عن ناحية قوم آخرين، حتى يظن السامع أنه ينوي السفر إلى الناحية التي يسأل عنها. ونقرأ فيها: أنه كتب لأمير سرية كتاباً وقال له: "لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا"، فلما بلغ ذلك المكان، قرأه على الناس، وفيه ذكر الناحية التي أمرهم بالتوجه إليها. ومن مثل هذا أخذ يحيى بن أكثم قوله في حديث مع المأمون: "لا يستقيم كتمان شيء إلا بإذاعة غيره".

стр. 2109

ومن بديع سياسته ﵊: صلحُ الحديبية؛ فقد خفي على بعض كبار الصحابة حكمته، فلم يرتح له، ولكنه أتى بخير كثيرة إذ كان توطئة لفتح مكة دون أن تراق فيه دماء طاهرة، أو تقصم فيه ظهور انحنت بعد الفتح راكعة لله، وخرج منها رجال جاهدوا في الحق بحماسة وإخلاص. وكان - صلوات الله عليه - مع ما يجده في الناس من حسن الطاعة والتسليم، قد يستحسن الأمر، ويدعيه. حذراً من أن يلاقيه بعضهم بإنكار. فانظروا إلى ما جاء في الصحيح من أنه ﵊ استحسن نقض البيت وبناءه على أساس إبراهيم، وإنما تركه مخافة أن تنكره قلوب من كانوا حديثي عهد بالجاهلية من قريش، وإنما يراعي ﵊ إنكار الناس فيما لم ينزل به وحي، ولم تقتض حاله أن يكون شرعه نافذاً. وإذا قال ابن خلدون في الحديث عن العرب: "إنهم أبعد الأمم عن السياسة"، فإنما يريد: العربَ قبل أن يستضيئوا بحكمة الإسلام، أما بعد أن نزل القرآن، وشاهدوا سيرة أحكم الخليقة - صلوات الله عليه -، فقد كان نصيبهم من البراعة في السياسة فوق كل نصيب. نقرأ في تاريخ فتح الفرس: أن سعد بن أبي وقاص أرسل المغيرة بن شعبة إلى رستم القائد الفارسي، فأقبل حتى جلس معه على سريره، فوثب إليه أتباع رستم، وأنزلوه من السرير، فقال المغيرة: "إنا - معشر العرب - لا يستعبد بعضنا بعضاً، فظننت أنكم تتواسون كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم: أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، اليوم علمت أنكم مغلوبون، وأن ملكاً لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول". قصد المغيرة بما صنع وما قال: تعليمَ القوم المساواة التي جاء بها

стр. 2110

الإسلام؛ ليألفوه، وإشعارَهم بأنهم يعيشون تحت راية تلك الدولة عيش المستعبدين؛ ليجني من وراء هذا سقوط مكانتها من أنفسهم، فلا يدافعوا عنها من صميم أفئدتهم. لا يستغني رؤساء الشعوب عن الدهاء في السياسة، وأشدُّهم حاجة إلى تدابيره الغامضة: رئيسٌ قبض على زمام طوائف اختلفت أهواؤهم سبلاً، وتفرقت آراؤهم مذاهب، فإذا رأينا السياسة في عهد أبي بكر وعمر ﵄ تسير على مناهج من العدل واضحة، فلأن الرئيس عادل، ومعظم الأمة على سبيل من الهداية لا تختلف. وما استقام الأمر لمعاوية - مع ما خالط الأمة يومئذ من التفرق في الآراء - إلا لأنه كان يسلك في السياسة مسالك خفية، ويركب لها من الطرق الوعرة ما لم يركبه الخلفاء من قبله، ومعاوية هو الذي يقول: "لو أن بيني ويين الناس شعرة، ما انقطعت"، فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: "كنت إذا مدّوها، أرخيتها، وإذا أرخوها، مددتها". ومن أساليب الدهاة في إضعاف الجماعة التي تناوئ سلطانهم: أن يغروا بين كبرائها العداوة، فتنفصم رابطتهم، وتشتد الخصومة فيما بينهم، وهو مسلك قد يضطر إليه المصلحون في تفريق الجماعة التي تتحالف على ما لا خير منه، ومن هذا القبيل ما فعله نعيم بن مسعود ﵁ حين تحالفت قريش وغطفان وبنو قريظة على حرب النَّبي ﷺ في واقعة الأحزاب؛ إذ ألقى بينهم ما تقطع به حبل اجتماعهم على الباطل، فانصرفوا خائبين. وقد يعمل الطامع في الأمة على هذا المسلك؛ حذراً من أن يتنبه شعورها، فتجمع أمرها، وتوجه إليه قوتها، فمن واجب الأمة التي يربطها دين، أو مصالح

стр. 2111

وطنية: أن تؤكد أواصر الإخاء بينها، وتجعل المصلحة العامة نصب أعينها، وتوجه ما تستطيع من قوة إلى من يريد القضاء على دينها، أو الاستئثار بمنافع بلادها. لما تحفز الملك "الأذفونش" للهجوم على بلاد الأندلس، عقد كبراؤها مؤتمرًا للنظر في دفاعه، وقرروا الاستنجاد بسلطان مراكش "يوسف بن تاشفين"، ولما أبدى بعضهم التخوّف من أن ينقذ هذا السلطان البلاد من "الأذفونش"، ثم يضع عليها يده، قال له المعتمد بن عباد: "لأن يرعى أبناؤنا الجمال خيرٌ من أن يرعوا الخنازير". ومن أساليب الدهاة في القديم: أن يسوسوا الجماعة الناشزة بأيدي رجال منهم، قال عباد بن زياد يصف زيادًا لعبد الملك بن مروان: "قدم العراق، وهي جمرة تشتعل، فسلَّ أحقادهم، وداوى أدواءهم، وضبط أهل العراق بأهل العراق". وهو أسلوب بعيد الشأو، ظاهر الأثر، قد يأخذ به ذو السياسة الرشيدة لزيادة تأليف القوم، وتأكيد الإخلاص في نفوسهم. دلت السيرة النبوية على هذا الضرب من السياسة، ومن شواهده: ترتيبه ﵊ الجيش يوم فتح مكة؛ إذ نظمه على حسب القبائل، وجعل على رأس كل قبيلة واحداً من سراتها. وعلامة كون السياسة رشيدة: أن يوضع أمر القوم في يد من ينصح لهم، ويرعى مصالحهم، ويعمل لسعادتهم. ومما يتخذه الدهاة في وسائل أخذ القوم إلى جانبهم: بذل شيء من المال إلى ذوي النفوذ من رجالهم، وهذا أحد الوسائل التي استطاع بها معاوية ﵁ أن يقف تجاه عليّ - كرم الله وجهه -، ويأخذ منه شطر الخلافة،

стр. 2112

على ما كان لعليّ من المكانة في العلم والبيان، والقرب من رسول الله ﷺ ، وبذل النفس في الجهاد، وبلوغه في تقوى القلب أبعد غاية. هذه الوسيلة قررها الإسلام في سياسة الدعوة إليه، فأذن في صرف جانب من الزكاة لأناس قالوا: أسلمنا؛ تأليفًا لقلوبهم، واستدعاء لاطمئنان عقيدتهم؛ كما قال تعالى في آية مصارف الزكاة: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠]. لا يعتمد رئيس القوم على القوة يستطيع أن يخمد بها كل فتنة، ويرى أنه في غير حاجة إلى أن ينظر في منابت الفتن بدهاء، فللدهاء مواضع يظهر فيها فضله على القوة. منها: دفع الخطر الذي يتراءى شبحه من بعيدة بحيث لا يشعر به إلا البصير بما وراء الخير من شرور؛ فقد يكون استعمال القوة في الشر المتواري موضع إنكار، أو مثار فتنة، أما الدهاء، فيرده، والنفوس مطمئنة، والفتن نائمة. ويحتاج الحكم إلى الدهاء في استبانة الحقوق؛ حيث ترفع إليه الدعاوى مجردة من كل بينة، وفي مثل هذه الدعاوى يظهر مبلغ ذكاء القاضي؛ كما يظهر فضله في نقد البينات، وتمييز زائفها من صحيحها. ومن دهاء المنصور بن أبي عامر: أن أحد التجار قدم قرطبة، ومعه كيس ياقوت نفيس، فتجرد ليسبح في البحر، وترك الكيس على ثيابه، وكان أحمر، فاختطفته حدأة في مخالبها، وتغلغلت به في البساتين، فأبلغ أمره إلى ابن أبي عامر، فجعل يستدعي أصحاب البساتين، ويسأل العاملين فيها عمن ظهر عليه تغيير حال من بؤس إلى سعة، حتى ذكر له شخص ظهر عليه من اليسر ما لم يعرف به من قبل، فاستدعاه، وفاجأه بقوله: أحضر الكيس الأحمر! فَتَمَلَّكه الرعب، وجاء به وقد نقص منه ما عفا له عنه صاحبه.

стр. 2113

يحتاج الولاة إلى الدهاء في سياسة الجماعات واستبانة الحقوق، ويحتاج إليه العلماء في الدعوة إلى الخير، فقد تكون مواجهة الرجل بالأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر لا تأتي بفائدة، فيعدل الداعي إلى طريق يكون له الأثر المقصود من الدعوة، وهو السمع والامتثال. عزم المعتصم على قتل محمد بن الجهم البرمكي؛ لجولان يده في مال الدولة، فرأى القاضي أحمد بن داود هذا التصميم، وعرف أن الموعظة أو الشفاعة لا تحول دون هذا القتل، فسلك لإنقاذ محمد بن الجهم طريقاً آخر، هو أن قال للمعتصم: وكيف تأخذ ماله إذا قتلته؟ قال: ومن يحول بيني وبينه! قال: يأبى الله تعالى ذلك، ويأباه رسوله ﷺ ، ويأباه عدل أمير المؤمنين، فإن المال للوارث إذا قتلته حتى تقيم البينة على ما فعله، وأمرُه باستخراج ما اختانه وهو حي أقربُ عليك، فرجع المعتصم عن عزمه، وخلص محمد بن الجهم من القتل. وينتفع الرجل من دهائه عند لقاء الطبقات المختلفة، يزن عقول من يلاقونه، ويحسُّ ما تكن صدورهم، وتنزع إليه نفُوسهم، فيصاحب الناس، ويشهد مجالسهم وهو على بصيرة مما وراء ألسنتهم من عقول وسرائر وعواطف، فيتيسر له أن يسايرهم، إلا أن ينحرفوا عن الرشد، ويتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق. ومراعاة عقول الناس وطباعهم ونزعاتهم فيما لا يقعد حقاً، ولا يقيم باطلاً، مظهر من مظاهر الإنسانية المهذبة، ومتى كان الدهاء - أعني: جودة النظر في سياسة الأمور، وتقدير وسائل الخير - عائداً إلى الألمعية، وهي في أصلها موهبة إلهية، فإن التدبير في سير أعاظم الرجال، والنظرَ في مجاري

стр. 2114

الحوادث باعتبار، مما تقوى بهما خصلة الدهاء، فمن حق الملقى إليهم بتربية النشء من أوليائهم ومعلميهم: أن يصرفوا العناية إلى تغذيتهم بالحديث عن دهاة الرجال، وتنبيههم لما دبروه من وسائل يبتغون بها إصلاحاً أو شرفاً، ومن حقهم: أن يلاحظوا الحوادث التي تظهر من ناحية عرفت بالدهاء، فيكشفوا غطاءها، ويقفوا على بطائنها؛ ذلك لأننا نريد أن نعد للمستقبل ناشئة تستقيم على هدى الله، وتخوض لجج الحياة بكياسة تبصر بها مواقع الشر والخير، فتسعى إلى أن يكون الشر بعيداً منها، والخير طوع أيديها، وعلى قدر ما يكون في دعاة الشعب وقادته من دهاء وتقوى، يبعد في سبيل الشرف شاوه، وتثبت في مواقف الجهاد قدمُه، ويرقى في السماء ذكره، والذكر الذي تحوطه التقوى، ويحرسه الدهاء، لا يخفت صوته إن شاء الله.

стр. 2115

الانحراف عن الدين علله، آثاره، دواؤه (١) بين أيدينا حِكَم رائعات، وعِظاتٌ بالغات، وتاريخ عظمائنا مملوء بالهمم الكبيرة، والمساعي الخطيرة، وقد أتى علينا مع هذا النور الساطع والتاريخ المجيد حين من الدهر، ونحن عن طريق السعادة والمنعة غافلون، وعن العمل للحياة الصالحة نائمون، جهلٌ بعد علم، تقاطعٌ بعد ائتلاف، بطالةٌ بعد نشاط، صَغائرٌ بعد شمم، خمولٌ بعد نباهة شأن. كذلك كنّا، حتى جاءنا من صروف الليالي ما نبهنا من سباتنا، فنهضنا نبحث عن وسائل تقدمنا، ونجاري الأمم العاملة والأمل يملأ ما بين جوانحنا، نهضة مباركة، ولكن نفوسنا خالطها من الانحراف عن سبيل الرشد ما خالطها، فأصبحنا في حاجة إلى أن نشغل جانباً من أوقاتنا في تقويمها. حقّ علينا أن نبحث عن علل انحراف هذه النفوس حتى نعرف طريق علاجنا، فنزيح أو نخفف مرضًا لو خلينا سبيله، لسرى إلى نفوس كثيرة، وعاقنا أن نسير إلى السعادة كيف نشاء. * علل الانحراف: النواحي التي يأتي من قبلها هذا الانحراف كثيرة، وجماعها: الجهل،

стр. 2116

والدعايات الباطلة. وإليك البيان: ينحرف الناشئ عن الدين متى شبَّ على الجهل بحقائقه. وفريق من أبنائنا غير قليل لا يتعرفون الإسلام من وجهه الصحيح، وإنما ينتزعون صورته من مظاهر يرون عليها طوائف من المسلمين، ولم تكن هذه المظاهر من الإسلام في كثير ولا قليل، فليس بعيداً أن يشهد الشاب شيئاً من البدع المزرية؛ كضرب الدفوف في المساجد، أو تحت رايات يحملها أحداث باسم الدين لهوًا ولعبًا، فيخالها من تعاليم الإسلام، ويسوء اعتقاده في هدايته. ونحن نعلم أن بعض البلاد الداخلة تحت سلطان غير إسلامي، قد تقام فيه حفلات مشهودة، يكلف فيها بعض الجهلة من المنتمين إلى طرق المتصوفة أن يحضروها بأزيائهم الخاصة، وتقوم كل طائفة بأعمال يمتازون بها عَمَّنْ سواهم، وقد يكون في هذه الأزياء والأعمال ما لا صلة له بالدين، ولا بما ترضى عنه العقول السليمة، فتتناولهم من أجل هذه المظاهر الألسنُ بالازدراء، ولا شك أن شبابنا كبعض المخالفين الذين يشهدون هذه الحفلات، قد يسبق إلى أذهانهم أن نسبة ما يعمل باسم الدين إلى الدين صحيحة، فيتجافون عنه، وهو منه براء. فمظاهر البِدَع والمحدَثات من وسائل إضعاف العقيدة في نفوس أبنائنا، ومن أصعب العقبات التي تحول بين المخالفين وبين قبولهم للدين الحق بسهولة. وإذا كان في المتجافين عن الدين من قرؤوا جانباً من الكتب المعزوة إليه، فعلة انحرافهم فيما يظهر أنهم لم يدرسوا تعاليمه خالصة مما أضيف

стр. 2117

إليها من مزاعم وآراء، ولم يبلغوا من قوة العلم أن يفرقوا بين الشرع الخالص، وما يوضع بجانبه من أشياء لا تدخل في الصميم. ونحن نعلم أن في كثير من المؤلفات أحاديث موضوعة، وقصصًا مزعومة، وآراء لا تستند إلى أصول معقولة، ومن الذي ينكر أن في بعض الكتب أحاديث مصنوعة، وقصصاً مختلفة، وأن في مؤلفات بعض أصحاب الأهواء والمستضعفين في العلم آراء سقيمة، وأقيسة عقيمة؟. كان لهذه الكتب أثر سيء في نفوس بعض نشئنا، وقد اتخذ بعض من خفَّ في العلم وزنهم من هذه الكتب وسيلة إلى الطعن في علماء الإسلام، فذهبوا يلتقطون هذه الآراء السخيفة، ولا يتقون الله في نسبتها إلى علماء الشريعة ليضعوا من شأنهم، مع أن أهل العلم من قبلهم، قد نقدوها بأنظار راجحة، وطرحوها من حساب الشريعة بالحجة الساطعة، وجعلوا تبعتها على أصحابها وحدهم، وأي طائفة من طوائف أهل العلم لا يوجد بينهم ذو رأي ضعيف، أو ذوق عليل؟! بل العالِم الراسخ قد تصدر عنه آراء تدفعها أصول العلم الذي رسخت فيه قدمه، ويردها عليه من هو أقل منه نباهة، وأدنى في العلم منزلة. أما الفريق الذين ينكرون أشياء من صميم الدين، فلم يجئهم الجحود من ناحية البحث الدقيق، والنظر القائم على قوانين المنطق الصحيح، وإنما سبقت إليهم في التعليم، أو في الجلوس ببعض الأندية آراء، فتقبلوها، وتراءت لهم شبه، فاعتنقوها. والآراء الفاسدة والشبه المغوية تربي في النفوس الضعيفة أذواقًا سقيمة، ويكون لهذه الأذواق الحكم العاجل، حتى إذا أنكرت حقاً، خيّل إلى أصحابها أن إنكارهم صادف محزاً، وظلوا في جهالتهم يتخبطون.

стр. 2118

فقطع يد السارق أو السارقة - مثلاً - قد تُنازع في حكمته بعض الأذواق الخاصة. ولكن الأحكام إنما يراعى فيه المصالح العامة، وفي قطع يد هذا الصنف من المجرمين مصلحة سنأتي على بيانها في مقام غير هذا. ولا ننسى بعد هذا أن ما بلغه الغربيون من التقدم في العلوم والفنون، قد جعل لهم في القلوب إكباراً، وبلغ هذا الإكبار في بعض النفوس الصغيرة أن يفوه أحد الغربيين بكلمة يطعن بها في حقيقة من حقائق الإسلام، فيتلقوها منه بمتابعة، ويحسبوها طعنا صائباً، ولا سيما الكلمات التي تصدر من طائفة يخرجون في زي الكتاب أو الفلاسفة؛ إذ يقع في أوهام الغافلين أنه نتيجة نظر لا يعرف غير البحث والدليل، ويفوتهم أن في هؤلاء الكتاب من لا يزال في أسر تقاليده وعواطفه، وفيهم من يكون بارعاً في ناحية من العلم، قاصرَ النظر في ناحية أخرى، وها نحن أولاء نقرأ نتائج أبحاثهم في موضوعات إلهية، أو تاريخية، أو اجتماعية، أو لغوية، فنرى فيهم من يتبع الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً، وكان على نشئنا أن يعتبروا بالمناقشات التي تدور بين علمائهم أنفسهم؛ فإنها شاهد صدق على أن من علمائهم أو فلاسفتهم من يعتمد الرأي لمجرد الشبهة، ولا يبالي أن يسميه علماً، وهو لا يرتبط بعد بالحجة، أو ما يشبه أن يكون حجة. ومن الطرق المضلّة عن السبيل: أن بعض الداعين إلى غير الإسلام، قد وجدوا من موسريهم خزائن مفتحة الأبواب، وأيدياً تفيض عليهم الأموال بغير حساب، ومن الميسور أن يتصل هؤلاء الدعاة ببعض البائسين من نشئنا الذين لم ينفذ الإيمان إلى سويداء قلوبهم، فيشتروا ضمائرهم أو ألسنتهم بشيء من حطام هذه الحياة، وربما أتوهم من ناحية الشهوات، ففتحوا لهم

стр. 2119

أبواباً، وجعلوا ثمن تمكينهم منها الانسلاخ عن الدين، فلا يبالون أن ينسلخوا منه؛ إذ لم يدخل بعد في قلوبهم، حتى يكون أعزّ عليهم من كل ما تهوى أنفسهم. ومن الذي لا يعلم أن معاهد تقام في أوطاننا باسم العلم، أو العطف على الإنسانية، والغايةُ منها: صدفُ النفوس عن صراط الله السوي؟ دل على هذا كتب يدرسونها في هذه المعاهد، وهي كما قرأنا نبذًا منها محشوة بالطعن في الإسلام، والحط من شأن الرسول الأعظم ﷺ . وهذا القس "زويمر" نفسه ينبهنا على أن المدارس التي يقوم بها جماعات التبشير إنما تجعل وسيلة إلى تحويل المسلمين عن دينهم القويم، فقال في مقال تحت عنوان: (حركة التبشير في العالم الإسلامي) بعد أن ذكر ما يعترضهم من المصاعب في داخل أفريقية: "ومن استطاع التغلب على هذه الصعوبة بالالتجاء إلى الوسائل المعروفة؛ كالمتاجرة مع الأهالي، وفتح المدارس لأبنائهم، وما مائل ذلك". وقد رأينا لهذه المدارس التي تفتح في سورية ومصر وغيرها من البلاد آثاراً محزنة. فكم من فتى مسلم بعث به إليها، فتخرج منها وهو يحمل من التنكر لقومه وشريعتهم مثل ما يحمله خصومهم المحاربون. ثم إن بعض الناشئين في مهد إسلامي قد أصيبوا بما يشوّه فطرهم، وأرادوا ألا يكون هذا التشويه مقصورًا على أنفسهم، فاجتهدوا في أن ينقلب الناس منقلبهم، ويعملوا على شاكلتهم، فكان لهم في الاستخفاف بالعقائد الصحيحة والشريعة الحكيمة حركات طائشة، ولولا هداية القرآن، ووقوف

стр. 2120

فريق من أهل العلم في وجوههم، لاستدرجوا خلقاً كثيراً. نذكر بمنتهى الأسف: أن من هذا الصنف من يقضي نصيباً من حياته في الدفاع عن الإسلام حتى يتبوأ مقعد الدعاة المصلحين، ثم لا يلبث أن يرى بضاعة الازدراء بالدين نافقة، فيثور عليها مع الثائرين، ويسرع إلى لمز الرجال الذين رفعوا لواءه، وقد كان يطنب في تمجيدهم. وفي أمثال من يكون على هذا النعت خطر على النشء كبير؛ إذ الثقة التي أحرزها من قبل قد تجعلهم يسيغون أقواله بما تحمل من أقذاء وسموم، فيبلغ مأربه دون أن يفقد مكانته. ثم إن انحرافه عن الدين بعد أن كان من أنصاره قد يلقي في نفوس المستضعفين أن هذا الذي قضى زمناً في مظاهرة الدين لم يتجاف عنه إلا بعد أن بَصُرَ بالحجة، واستبان له أنه كان على غير هدى، وصغار العقول لا يشعرون بأن في الناس من يطوي في نفسه حاجة يستطيع أن يلبس لها ثوب الرياء أمدًا غير قصير، حتى إذا رأى قضاءها في ذم ما كان يَحْمَد، ومحاربة ما كان يَنْصُرُ، وجد في استعداده ما يساعده على أن يظهر في أي لباس شاء. * آثار الانحراف: دلّت المشاهدة على أن الناشئ الذي يصاب بمرض الريْب أو الجحود، لا يمكث أن ينحط في المآثم، وينبذ الأدب الرفيع والعمل الرشيد وراء ظهره، وإذا رأيناه يتجنب إثمًا، فبالمقدار الذي يتقي به لومة لائم، أو طائلة قانون، وإذا عمل حسناً، فلينال مدحاً وإطراء، أو ليصل إلى عاجل من المنافع المادية أكبر، وإن ناشئاً يعتقد أنه متى استتر عن أعين الناس، لم يبق له فيما يفعل من رقيب، ولا يناله على ما يأتي من جزاء، لا يتحامى في غالب أمره أن يعتدي على نفس أو عرض، أو نسب أو مال الاعتداءَ الذي يشين وجه المدنية، ويحدث

стр. 2121

في نظام الجماعة وهناً. ودلت التجارب على أن زائغ العقيدة، متى ملك جاهاً أو سلطة، فتن الأمة في دينها، وانتهك حرمات شريعتها، ولم يخلص النظر في إصلاح أمرها، ولاقى منه المؤمنون اضطهاداً، والجاحدون وأصحاب الأهواء مناصرة وإقبالاً، فيكون داعياً عمليًا إلى الخروج على الدين، فتموت الفضيلة والغيرة على الحقوق العامة، وينقطع حبل اتحاد الأمة إرباً. * دواء الانحراف: حَتمٌ علينا أن نسعى إلى أن يكون التعليم المديني شاملاً، فما من ناشئ إلا يتلقى منه مقدارًا يكفي لإنارة عقله وطمأنينة نفسه، ونقبل بعد هذا على كتب الدراسة، فنتخير منها ما هو حسن الوضع، نقي من كل ما ليس بشرع، وبهذا نأمن من أن يكون في نشئنا من ينحرف عن الدين جهلاً بحقائقه. وإذا نحن سرنا في تقرير أصول الدين وأحكامه على طريقة إقامة الحجة، وبيان الحكمة، خففنا شر الصنف الذي ينكر أموراً من الدين بعلة أنها لا توافق المعقول، أو لا تتحقق بها المصلحة. وإنما يستعان على جعل التعليم عاماً بعناية أولي الأمر ونصحهم في تدبير شؤون الأمة؛ حيث يقررونه في سائر المدارس، ويقومون عليه كما يقومون في سائر العلوم، ومما يسر الأمة أن ترى من ولاة أمورها بتعليم الدين الذي هو ملاك سعادة أبنائها في الدنيا قبل الآخرة. ومن واجب أهل العلم - بعد هذا -: أن يرقبوا حركة الثائرين على الدين، ويكونوا على بصيرة مما يكتبونه في الصحف، أو يحضرون به في النوادي؛ ليقَوِّموا أوده، وينبهوا على خطره، حتى يستبين أمره، وتتضح أمام الناشئين

стр. 2122

طريقة قرع الشبهة بالحجة، وصرع الباطل بقوة الحق، وكذلك يفعل العلماء الراسخون، والكتاب المخلصون. وحقَّ على من يبغي السعادة لابنه، أو لقريب وكّلَ إليه أمره، ألا يُلْقي به إلا حيث يأمن على إيمانه وطهارة نفسه، ولا يذهب به الطمع في متاع الدنيا إلى الاستهانة بأمر العقيدة؛ فإنها الأساس الذي تقوم عليه الحياة الطيبة، والشرف الأصيل. فإذا اشتدت عناية أولي الأمر بالتعليم المديني في المدارس على اختلاف أقسامها وفنونها، وأرهف أهل العلم أقلامهم في حماية الشريعة ممن يتساقطون على الطعن فيها، أو المكر في تأويلها، وأخذ الآباء بهدي الله، فصانوا أبناءهم عن المدارس المنشأة للصدِّ عن السبيل، خسرت تجارة الرهط الذين يجهلون على الحق والفضيلة، وتهيأت لنا أسباب نهضة علمية اجتماعية نجني ثمراً لذيذاً من نتائجها، وتحمد الأجيال القابلة عاقبتها.

стр. 2123

ضلالة فصل الدّين عن السّياسة (١) ما زال الرسل ﵈ يرمون في الدعوة إلى أصول الإيمان بالله عن قوس واحدة، ولكل رسول -بعد هذا- شريعة يُراعَى في أمرها ونهيها من يرسل إليهم خاصة، حتى حضر الوقت الذي تهيأ فيه البشر من اختلاف بيئاتهم للانتظام في شريعة واحدة، فبعث الله المصطفى ﷺ بالحنيفية السمحة، وجعله خاتم النبيين، وقضى بأن تكون شريعته خاتمة الشرائع، ولعموم رسالته، سواء الشاهد فيها والغائب، والعربي والعجمي، أقام على صدقه آيات باقيات ما نظرَ فيها ذو فطرة صافية، أو بصيرة نافذة، إلا أسلم وجهه لله قانتًا ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، ولخلود شريعته جعلها أبلغ الشرائع حكمة، وأوفاها أصولاً، وأوسعها للمصالح رعاية. ثلاث حقائق كل واحدة منها شطر من الإسلام: عموم رسالة محمد ﷺ ، واشتمال شريعته بنصوصها وأصولها على أحكام ما لا يتناهى من الوقائع، وكون هذه الشريعة أحكم ما تساس به الأمم، وأصلح ما يقضى به عند التباس المصالح، أو التنازع في الحقوق. أجمع علماء المسلمين على هذه الحقائق، وعرفها عامتهم، فمن

стр. 2124

أنكر واحدة منها، فقد ابتغى في غير هداية الإسلام سبيلاً، ومَثَلُ من يماري في شيء منها، ثم يدعي أنه لا يزال مخلصًا للإسلام، مثل من يضرب بمعوله في أساس صرح شامخ، ثم يزعم أنه حريص على سلامته، عاملٌ على رفع قواعده. فتنت مدنية الشهوات أشخاصاً ينتمون إلى الإسلام، فانحرفت بهم عن المحجة، وأدركوا أن مجاهرتهم بإنكار رسالة المصطفى ﷺ تسقطهم من حساب المسلمين دفعة، فلا يبلغون من فتنة الأمة مأربًا، فبيتوا أن يبقوا ثوب الإسلام على أكتافهم، ويحركوا بمدحه في بعض المجالس ألسنتهم، أو في بعض الصحف أقلامهم؛ لكي يركن الغافلون من المسلمين إلى أقوالهم، فيقذفوا من وراء ريائهم، وثقةِ بعض الناس بهم ما شاؤوا من آراء خاسرة، ويزعموا أن هذه الآراء من هداية الإسلام، أو أن الإسلام لا ينكرها. والواقع أن هذا الصنف من المنحرفين قد أحدث في بعض البلاد الإسلامية آثار فساد، لم يُحدث معشارها النابذون إلى الدين على سواء، وكم أرتنا الأيام في هذا الصنف من عجائب دلتنا على أن هناك مغارات يأتمرون بالدين بين حيطانها، ولغةً إذا حضرهم بعض المسلمين، يجنحون إلى التخاطب بها، وضروباً من الإغواء يجهدون أنفسهم في تمويهها. منذ عهد قريب أخذ بعض الكاتبين يتشبهون بمن يؤلف على طريق البحث العلمي، فقالوا ما شاؤوا أن يقولوا، وخرجوا بغير مناسبة منطقية إلى إنكار أن يكون للإسلام مدخل في الشؤون القضائية، والمعاملات المدنية. جال هذا الصوت جولة الباطل، ثم ذهب كصيحة في واد، ولم يبق له صدى إلا في آذان رهط لا يسمعون رشداً، ولا يفقهون حجة، وإن شئت

стр. 2125

فقل: صادف ذلك الصوت أفئدة هواء، فجعلوا يحاكونه في بعض ما يكتبون، ويوقظون فتناً لو أقبل كل على ما يحسن أن يتحدث فيه، لكانوا عنها في شغل. ما كدنا ننتهي من إماطة أذى ذلك الذي ادعى أنه يفسر القرآن بالقرآن (١)، حتى خرجت إحدى المجلات تحمل مقالاً تحت عنوان: "داء الشرق ودواؤه"، وفي هذا المقال دعاية إلى فصل الدين عن السياسة، وبلغ بكاتبه الحال أن زعم أن سبب تأخر المسلمين عدم فصلهم الدين عن السياسة. ونحن نودّ - والله يعلم - أن يقبل كل من بيده قلم على ما فيه خير الناس، والموضوعات العلمية والأدبية والسياسية مترامية الأطراف، وانصراف نفس الكاتب عن البحث في أمثال هذه الموضوعات ليس بعذر يبيح له أن يخوض بقلمه في الحديث عن الدين خوضَ من يقولون ما لا يتدبرون. ونود - والله يعلم - أن نقبل على شأننا، ونمضي في سبيلنا، وليس في فطرتنا الولوع بأن نفند لكاتب رأياً، أو نبطل لباحث قولاً، ولكن القوم أصبحوا يتساقطون على طمس معالم الحقيقة والفضيلة تساقطَ الفراش على السراج، والسكوت عنهم تفريط في جنب الله، ومن فرط في جنب الله، خسر الدنيا قبل الآخرة. قال صاحب المقال في ذكر أهم النقط الجوهرية التي ترجع إليها أسباب

стр. 2126

ضعف الشرق: "الثانية: عدم التفريق بنظام قاض بين السلطتين الدينية والدنيوية، فكان هذا من جملة المسببات لتأخر المسلمين؛ إذ أن جمع السلطتين في شخص واحد، بدون تحديد لهما، كان من أبعد (١) الأمور إلى اختلاف النظام، وإذا كان هذا أفاد المسلمين في صدر التاريخ الإسلامي، وأمر العالم لهم كما قدمنا، إلا أنه كان بلاء بعد انقسام المسلمين إلى ممالك وفرق، وشيع ومذاهب وأحزاب، ووجود دول أخرى تنازعهم السيادة على العالم، وقد عاد اجتماع هاتين السلطتين بلاء عليهم إذ أصبحت الرياسة الدينية والدنيوية في الواقع في قبضة تلك الدول التي نازعتهم كما هو مشاهد الآن". نعرف من قبل أن يظهر هذا المقال: أن الذين يدعون إلى فصل الدين عن السياسة فريقان: فريق يعترفون بأن للدين أحكاماً وأصولاً تتصل بالقضاء والسياسة، ولكنهم يفكرون أن تكون هذه الأحكام والأصول كافلة بالمصالح، آخذة بالسياسة إلى أحسن العواقب، ولم يبال هؤلاء أن يجهروا بالطعن في أحكام الدين وأصوله، وقبلوا أن يسميهم المسلمون: ملاحدة؛ لأنهم مقرّون بأنهم لا يؤمنون بالقرآن، ولا بمن نزل عليه القرآن. ورأى فريق: أن الاعتراف بأن في الدين أصولاً قضائية وأخرى سياسية، ثم الطعن في صلاحها، إيذانٌ بالانفصال عن الدين، وإذا دعا المنفصل عن الدين إلى فصل الدين عن السياسة، كان قصده مفضوحاً، وسعيه خائباً، فاخترع هؤلاء طريقا حسبوه أقرب إلى نجاحهم، وهو أن يدّعوا أن الإسلام

стр. 2127

توحيد وعبادات، ويجحدوا أن يكون في حقائقه ما له مدخل في القضاء والسياسة، وجمعوا على هذا ما استطاعوا من الشبه؛ لعلهم يجدون في الناس جهالة أو غباوة، فيتم لهم ما بيتوا. هذان مسلكان لمن ينادي بفصل الدين عن السياسة، وكلاهما يبغي من أصحاب السلطان أن يضعوا للأمة الإسلامية قوانين تناقض شريعتها، ويسلكوا بها مذاهب لا توافق ما ارتضاه الله في إصلاحها، وكلا المسلكين وليد الافتتان بسياسة الشهوات، وقصور النظر عما لشريعة الإسلام من حكم بالغات. أما أن الإسلام قد جاء بأحكام وأصول قضائية، ووضع في فم السياسة لجاماً من الحكمة، فإنما ينكره من تجاهل القرآن والسنّة، ولم يحفل بسيرة الخلفاء الراشدين؛ إذ كانوا يزنون الحوادث بقسطاس الشريعة، ويرجعون عند الاختلاف إلى كتاب الله، أو سنّة رسول الله. في القرآن شواهد كثيرة على أن دعوته تدخل في المعاملات المدنية، وتتولى إرشاد السلطة السياسية، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وكل حكم يخالف شرع الله، فهو من فصيلة أحكام الجاهلية، وفي قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ إيماء إلى أن غير الموقنين قد ينازعون في حسن أحكام ربّ البرية، وتهوى أنفسهم تبدُّلها بمثل أحكام الجاهلية، ذلك لأنهم في غطاء من تقليد قوم كبروا في أعينهم، ولم يستطيعوا أن يميزوا سيئاتهم من حسناتهم، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، فرض في هذه الآية أن يكون فصل القضايا على مقتضى كتاب الله، ونبّه على أن من

стр. 2128

لم يدخل الإيمان في قلوبهم يبتغون من الحاكم أن يخلق أحكامه من طينة ما يوافق أهواءهم، وأردف هذا بتحذير الحاكم من أن يفتنه أسرى الشهوات عن بعض ما أنزل الله، وفتنتهم له في أن يسمع لقولهم، ويضع مكان حكم الله حكماً يلائم بغيتهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وفي آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، وفي آية ثالثة: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وفي القرآن أحكام كثيرة ليست من التوحيد، ولا من العبادات؛ كأحكام البيع والربا، والرهن والدَّين والإشهاد، وأحكام النكاح والطلاق واللعان والولاء والظهار، والحجْر على الأيتام، والوصايا والمواريث، وأحكام القصاص والديّة، وقطع يد السارق، وجلد الزاني وقاذف المحصنات، وجزاء الساعي في الأرض فساداً، بل في القرآن آيات حربية فيها ما يرشد إلى وسائل الانتصار؛ كقوله مرشداً إلى القوة المادية: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقوله تعالى مرشداً إلى القوة المعنوية: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]، وقوله تعالى منبهاً على خطة هي من أنفع الخطط الحربية: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، والكفار هنا المحاربون، ففي الآية إرشاد إلى أن يكون ما بينهم ويين ديارهم أمنًا، ولا يدعوا من ورائهم من يخشون منه أن ينهض إلى أموالهم وأهليهم من بعدهم، أو يجلب عليهم بخيله ورجله ليطعن في ظهورهم، وقد أقبلوا على العدو الذي تجاوزوا إليه بوجوههم. وفي الآيات الحربية ما يتعلق بالصلح؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ

стр. 2129

صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وفيها ما يتعلق بالمعاهدات؛ كقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]. وفي السنّة الصحيحة أحكام مفصلة في أبواب من المعاملات والجنايات إلى نحو هذا مما يدلك على أن من يدعو إلى فصل الدين عن السياسة، إنما تصور ديناً آخر، وسمّاه: الإسلام. وفي سيرة أصحاب رسول الله وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة - ما يدل دلالة قاطعة على أن للدين سلطانًا على السياسة؛ فإنهم كانوا يأخذون على الخليفة عند مبايعته شرط العمل بكتاب الله، وسنّة رسول الله. ولولا علمهم بأن السياسة لا تنفصل عن الدين، لبايعوه على أن يسوسهم بما يراه، أو يراه مجلس شوراه مصلحة، وفي "صحيح البخاري": "كانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنّة، لم يتعدوه إلى غيره؛ اقتداء بالنَّبي ﷺ ". من شواهد هذا: محاورة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب في قتال مانعي الزكاة؛ فإنها كانت تدور على التفقه في حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، فعمر بن الخطاب يستدل على عدم قتالهم بقوله في الحديث: "فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم"، وأبو بكر الصديق يحتج بقوله في الحديث: "إلا بحقها"، ويقول: الزكاة من حق الأموال. ولو لم يكونوا على يقين من أن السياسة لا يسوغ لها أن تخطو خطوة إلا أن يأذن لها الدين بأن تخطوها، ما أورد عمر بن الخطاب هذا الحديث، أو لوجد أبو بكر عندما احتج عمر بالحديث فسحة في أن يقول له: ذلك

стр. 2130

حديث رسول الله، وقتال مانعي الزكاة من شؤون السياسة. ومن شواهد أن ربط السياسة بالدين أمر عرفه خاصة الصحابة وعامتهم: قصة عمر بن الخطاب إذ بدا له أن يضع لمهور النساء حداً، فتلت عليه امرأة قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، فما زاد على أن قال: رجل أخطأ، وامرأة أصابت، ونبذ رأيه وراء ظهره، ولم يقل لها: ذلك دين، وهذه سياسة. وكتبُ السنّة والآثار مملوءة بأمثال هذه الشواهد، ولم يوجد - حتى في الأمراء المعروفين بالفجور - من حاول أن يمس اتصال السياسة بالدين من الوجهة العلمية، وإن جروا في كثير من تصرفاتهم على غير ما يأذن به الله، جهالة منهم أو طغياناً. وأراد الحجّاج أن يأخذ رجلاً بجريمة بعض أقاربه، فذكّره الرجل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، فتركه، ولم يخطر على باله وهو ذلك الطاغية أن يقول له: ما تلوته دين، وما سأفعله سياسة. وأما قيام أحكام الشريعة على أساس العدل، ورسمها للسياسة خططاً محكمة الوضع، فسيحة ما بين الجوانب، فذلك ما لا أستطيع تفصيل الحديث عنه في هذا المقال، وفيما كتبناه ونكتبه -إن شاء الله- تحت عنوان: "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان" (١) ما يساعد عل الإلمام بأصول الشريعة، ومعرفة اتساعها لكل ما يحدث من الوقائع، والذي نقوله في هذا المقام: إن السياسة لا تجد في الدين ما يقف دون مصلحة، ولا تجد منه ما يحمل على إتيان مفسدة، لا تجد فيه هذا ولا ذاك متى وزنت المصالح والمفاسد

стр. 2131

بميزان العقل الراجح، وكان القابضون على زمامها من حصافة الرأي في منعة من أن يطيش بهم التقليد، أو إرضاء طائفة خاصة إلى أن يروا الفساد صلاحاً، فيشرعوه، أو يروا الصلاح في لون الفساد، فينصرفوا عنه، وليس من شأن الدين أن يراعي فيما يشرع الأهواء الجامحة، وإن كانت أهواء الملأ الذين استكبروا، أو أهواء من في الأرض جميعاً. والرؤساء الذين لم يحافظوا في سياسة شعوبهم الإسلامية على أحكام الشريعة وآدابها، فوضعوا لهم قوانين جائرة، وأذنوا بمظاهر غير صالحة، إنما أتوا من ناحية جهلهم بسماحة شرع الإسلام، وسعة قواعده وسمو مقاصده، وإذا كان على غير الرؤساء تبعة، فعلى أولي الحل والعقد من فضلاء الأمة وعلمائها إذا أهملوا علاجهم، ولم يبذلوا في دعوتهم إلى الاستقامة جهدهم. أما الأحداث وأشباه الأحداث الذين لا يهدأ لهم بال ما داموا يسمعون اسم الدين يجري في لسان بعض الدول باحترام، فإن من نشأ في غير جد، وأسرف في حب اللهو، لا يألف شريعة تأمر بالعدل، وتضع دون الأهواء الجامحة حاجزًا، فلا عجيب أن يتآمروا بها، ويشيروا على السياسة بأن تبتعد منها، وإذا بلغ هؤلاء مأريهم في سياسة وقع زمامها في يد زائغ عن سبيل الرشد، فستذهب آمالهم خائبة في كل قطر يسوسه رئيس يقدر الإسلام قدره، ويجد من حوله علماء درسوا الشريعة بنباهة، ولا يخفى عليهم قصد من يتغنون بمدح الإسلام، وقبل أن تستريح حناجرهم يطعنونه في الصميم. يقول الكاتب: "إن جمع السلطتين في شخص واحد بدون تحديد لهما كان من أدعى الأمور إلى اختلال النظام". ليس في الإسلام سلطة دينية إلا على معنى أن الأمير ينفذ أحكام الشريعة

стр. 2132

المفصلة في الكتاب والسنّة، أو المندرجة في الأصول المأخوذة منهما. وقاعدة الشورى التي قررها القرآن الكريم، وجرى عليها الخلفاء الراشدون كافلةٌ بصحة الاجتهاد في الأحكام المستنبطة من الأصول، أما النظم التي تقوم بها الشورى على وجهها الصحيح، فموكولة إلى الآراء الراجحة، وما تقتضيه مصالح الأمم أو العصور، فالإسلام لم يترك السلطة التي وضعها في أيدي الأمراء مطلقة عن التقيد، وإذا استهان بعض الأمراء بقاعدة الشورى، فإن التشريع تام، والوِزْر على من لم يأخذ نفسه بما قرره الشرع العزيز. وإذا كان بعض الأمراء هم الذين خرجوا عما حده الإسلام لسلطتهم الدينية، فحكمة الكاتب متى كان مسلمًا أن يقرر الحد الذي رسمه الإسلام، ويبين للناس كيف تعداه أولو الأمر؛ ليطالبوهم بالوقوف عنده، لا أن يقول كلاماً مبهماً، ويبني عليه المناداة إلى شهوة هي فصل الدين عن السياسة. ويقول صاحب المقال: "وقد عاد اجتماع السلطتين بلاءً عليهم؛ إذ أصبحت الرياسة الدينية والدنيوية في الواقع في قبضة تلك الدول التي نازعتهم، كما هو مشاهد الآن". لسقوط الشعوب الإسلامية في قبضة تلك الدول التي نازعتهم أسباب ليس الجمع بين السلطتين منها في شيء، ومن طبيعة سيطرة تلك الدول عليهم أن تتصرف في شؤونهم على طرق لا تحفظ حقوقهم، ولا تراعي فيها مصالحهم، وهل ينقص هذا البلاء لو أن المسلمين أعلنوا فصل سياستهم عن الدين قبل أن يسقطوا في أيدي هذه الدول المنازعة لهم؟!. حِرْص الكاتب على شهوة فصل الدين عن السياسة جعله يورد في معرض التسويق إليها ما ليس بحق، ولا يشبه أن يكون حقاً، بأي طريق عرف

стр. 2133

الكاتب أن تلك الدول إذا وجدت السياسة في يد، والدين في يد أخرى، سلبت ما في اليد الأولى من سياسة، وتركت اليد الأخرى تعمل في حدود سلطتها بحرية؟!. ويقول الكاتب: "وإذا كان هذا أفاد المسلمين في صدر التاريخ الإسلامي، وأمر العالم لهم كما قدمنا، إلا أنه كان بلاء بعد انقسام المسلمين إلى ممالك وفرق، وشيع ومذاهب وأحزاب، ووجود دول أخرى تنازعهم السيادة على العالم". قد عرفتَ أن الأمير ليس عنده في الواقع سوى سلطة واحدة هي: تدبير شؤون الأمة على مقتضى القوانين الشرعية، والنظم التي لا تخالف شيئاً من أصولها، فتجريد الأمير من السلطة الدينية هو عزل له عن الإمارة في نظر المسلمين، فالمسلمون لا يستطيعون أن يتصوروا أميراً مجرداً عن السلطة الدينية، فضلاً عن أن يجردوه منها بالفعل، ويرضوا بعد تجريده منها بالاستماع إليه، والطاعة له. ولم تكن السلطة الدينية بيد الأمراء في يوم من الأيام بلاء على المسلمين، وإنما بلاء المسلمين في عدم قيام بعض أمرائهم بما توجبه هذه السلطة من نحو العدل والشورى والمساواة، وإعداد القوة لتقرير الأمن وكفّ العدو الذي يبسط إليهم يده بالسوء. قال صاحب المقال: "فكل مملكة احتضنت مذهباً في العقائد والفروع لتبقى وحدها منفصلة عن الممالك الأخرى، فبعد الانقسام أصبح كل أمير إمامًا دينيًا، وحاكمًا سياسيًا لقطره، فكانت النتيجة من هذا الجمع الإخلال بالنظام العام، وزالت الوحدة المقصودة من روح التشريع الإسلامي، فتعددت الخلافة، واختلت أحكامها، بعكس الأمم الأخرى التي تنبهت إلى حكمة الفصل

стр. 2134

بين السلطتين، فصار ذلك الفصل مصدراً لفائدة الأمة، وحمايتها من التلاشي والانهيار، فلم يضرها اختلاف الدول فيها لوجود الرياسة الدينية قائمة في حدود سلطتها وتخصصها. ولذلك بقيت وحدتها خالدة في عصمة من الانشقاق والتدهور الذين أصابا الوحدة الإسلامية". وقع تفرّقٌ في الممالك الإسلامية، وأصبح كل أمير مستقلاً بالنظر في أمور قطره، فكانت النتيجة من استقلال كل أمير بملكه، مع تقاطع هذه الممالك وتدابرها: انحلال الرابطة الإسلامية، وزوال الوحدة المقصودة من التشريع الإسلامي. فسبب إخلال النظام العام، أو أحكام الخلافة: انقسام الأمة الإسلامية إلى دول انقسامًا غير مصحوب بشيء من التحالف والتعاطف، أما إن كل أمير يرجع إليه النظر في شؤون رعيته الدينية، فذلك من لوازم الإمارة في الإسلام، فلم يكن لعدِّ الأمير المستقل نفسه حارساً للدين في مملكته الخاصة دخل في اختلال النظام، فوهْنُ المسلمين جاء من جهة استقلال كل أمير بطائفة من المسلمين استقلالًا يقطع بينها وبين الدولة العظمى صلة التناصر والتعاون، لا من جهة أن رعاية الدين داخلة في سياسة كل دولة. ويقول الكاتب: "بعكس الأمم الأخرى التي تنبهت إلى حكمة الفصل بين السلطتين، فصار ذلك الفصل مصدراً لفائدة الأمة، أو حمايتها ... إلخ". وهذا صريح في أن الكاتب يريد من الدول الإسلامية أن تفعل ما فعلته الدول الغربية من تجريد السياسة من الدين، وهو رأي لا يصدر إلا ممن يكنّ في صدره أن ليس للدين من سلطان على السياسة، وهذا ما بيتّه فئة يريدون أن ينقصوا حقيقة الإسلام من أطرافها حتى تكون بمقدار الديانة المسيحية، ثم

стр. 2135

يصبغوا هذا المقدار من بعد بأي صبغة أرادوا، فيذهب الإسلام، فلا القرآن نزل، ولا محمد ﷺ بعث، ولا الخلفاء الراشدون جاهدوا في الله حق جهاده، ولا الراسخون في العلم سهروا في تعرف الأصول من مواردها، وانتزاع الأحكام من أصولها. يضرب الكاتب المثل بالأمم الأخرى، ويزعم أن فصلها الدين عن السياسة كان مصدر فائدة الأمة، وحمايتها من التلاشي والانهيار، ومن أجل فصلها الدين عن السياسة، ووجود الرياسة الدينية قائمة في حدود سلطتها، لم يضرها اختلاف الدول فيها. وضربُ المثل على هذا الوجه أثرُ نظرة متسرعة؛ إذ ليس للرياسة الدينية في الإسلام حد تنتهي إليه، ثم يكون للأفراد أو الجماعات أن تفعل بعده ما تشاء، ولو كان في دين تلك الدول قوانين مدنية، ونظم سياسية، وقامت كل دولة على تنفيذ تلك القوانين والنظم داخل حدودها، أفيكون مجرد رعايتها لما جاء به دينها سبباً لانتشارمرض التقاطع بينها؟!. ليس في طبيعة ربط السياسة بالدين التقهقر والتنازع إلا أن يكون في تعاليم الدين ما يسير بالناس إلى وراء، أو ما يغري بينهم العداوة والبغضاء، وليس في دين الإسلام إلا ما يصعد بالأمم متى شاءت الصعود إلى السماء، وليس فيه إلا ما يدعو إلى الائتلاف والتعاون على أن تكون كلمة الحق هي العليا. قال صاحب المقال: "ولنضرب لذلك مثلاً: وحدة الكنيسة الكاثوليكية؛ فإنها على الرغم من اختلاف الدول الكاثوليكية بقيت لها زعامتها وشعورها بقوة فكرتها، وقد رأينا أثرها في الحروب الصليبية المستمرة، بل وفي كل

стр. 2136

الحوادث التي تلتها، والتي تألبت فيها أوربا على الأمم الإسلامية، فإن للكنيسة والجمعيات الدينية المختلفة التي تستمد سلطتها منها أثرها الفعال في بقاء وانتشار المسيحية، وتأثيرها في سياسة العالم". ليس في الإسلام سلطة دينية تشبه السلطة الكاثوليكية، والسلطة الدينية في الإسلام لكتاب الله، وسنّة رسول الله؛ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وعلى العلماء البيان، وعلى الأمراء التنفيذ، فإن أراد الكاتب من السلطة: البيان، فالبيان حق لكل عالم تفقه في أصول الشريعة ومقاصدها، فلا يختص به عالم دون آخر، ولا يعد بيان العالم الذي تعينه الأمة للبيان أرجح من بيان غيره، إلا أن تكون حجته أقوى، وإذا كان الأمر للحجة، فما معنى تعيين شخص ليكون مصدر البيان في كل حال؟ فإن أراد من السلطة: التنفيذ، فليس له معنى سوى أن تأكل الأمة إلى شخص القيامَ بتنفيذ أحكام الدين على أن تكون هي يده التي ينفذ بها، وسلاحه الذي يدافع به من يعارض في التنفيذ، وذلك معنى الخلافة المعروفة في الإسلام. قال صاحب المقال: "ولو رزق المسلمون رجالاً ينظرون بعين الناقد البصير - من قبل قرنين -، وفصلوا الدين عن السياسة، لكان للإسلام اليوم من الشأن والسيادة في الممالك التي اغتصبتها الدول الأوربية ما لا يقل عما للفاتيكان، وما كان خطر الاستيلاء الأجنبي عليهم عظيماً". كلام يروج، ولكن في غير هذا الوادي، ويُتقبل، ولكن بعقول لم تستنر بهداية، يأسف صاحب المقال على الشأن والسيادة اللذين فاتا للمسلمين لعدم فصلهم الدين عن السياسة من قبل قرنين، ويرى أن إبقاءهم الدين في جانب

стр. 2137

السياسة كان سبباً في أن صار خطر الأجنبي عليهم عظيماً. فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين، وليست هذه الجناية بأقل مما يعتدي به الأجنبي على الدين إذا جاس خلال الديار، وقد رأينا الذين فصلوا الدين عن السياسة علنًا كيف صاروا أشد الناس عداوة لهداية القرآن، ورأينا كيف كان بعض المبتلين بالاستعمار الأجنبي أقرب إلى الحرية في الدين ممن أصيبوا بسلطانهم، ونحن على ثقة من أن الفئة التي ترتاح لمثل مقال الكاتب، لو ملكت القوة، لألغت محاكم يُقضى فيها بأصول الإسلام، وقلبت معاهد تُدرس فيها علوم شريعته الغراء إلى معاهد لهو ومجون، بل لم يجدوا في أنفسهم ما يتباطأ بهم عن التصرف في مساجد يذكر فيها اسم الله تصرّفَ من لا يرجو لله وقاراً. يقول الكاتب: لو فصلوا الدين عن السياسة، ما كان خطر الاستيلاء الأجنبي عليهم عظيماً، يقول هذا كأنه لا يدري أن السياسة الطاغية لا تهاب إلا حديداً أشد بأساً من حديدها، وناراً أشد حراً من نارها، فليس من المعقول أن تردّها عن قصدها سلطة دينية ليس في كنانتها سهم، ولا في كفّها حسام، أما قياسه حال السلطة الدينية الإِسلامية - على فرض صحة إقامتها - بحال السلطة الكاثوليكية في احترام مؤسساتها، وإطلاق يدها في عمل يرفع أهل ملتها، فمغالطة أو غفلة عن الفرق بين سلطة دينية يجد فيها الاستعمار مؤازرة أو موافقة على أي حال، وسلطة دينية قد يكون في بعض أصولها ما لا يلائم طبيعة الاستعمار. ولو ربط المسلمون سياستهم بالدين من قبل قرنين ربطاً محكماً، لم

стр. 2138

تجد يدُ الغاصب للعبث بحقوقهم مدخلاً، ولو أعلنوا فصل الدين عن السياسة، لظلوا بغير دين، ولوجدَ فيهم الغاصب من الفشل أكثر مما وجد، فليس مصيبة المسلمين في تركهم السياسة مربوطة بالدين كما زعم الكاتب، وإنما هي ذهولهم عن تعاليم دين لم يدع وسيلة من وسائل النجاة إلا وصفها، ولا قاعدة من قواعد العدل إلا رفعها. قال صاحب المقال: "فإن أعظم ما أصاب المسلمين من المصائب: إنما هو فقد الرياسة الدينية بعد أن فقد منهم الاستقلال وحرمانهم من بقائها درعا حامياً وسداً منيعاً من تسرب المستعمرين باسم السياسة إلى السيطرة على شعور وضمائر الأمم الإِسلامية، حتى كاد يختل بناء الدين، ويتنكر المسلمون تعاليمه الحقة". حقيقة فقد الرياسة الدينية من أعظم ما أصاب المسلمين، وهي الرياسة التي في إحدى يديها هداية، وفي أخراهما قوة، أما الرياسة التي لا يتعدى صاحبها أن يكون واعظًا عاماً، يدعو الناس إلى الصلاة والصيام والحج إن استطاعوا إليه سبيلاً، فلم تفقد بعد، ولم يحرم المسلمون منها، ولا تزال باقية، ولكن في أشخاص متفرقين في البلاد، لا في شخص واحد كما يرغب صاحب المقال، ولم نذكر الزكاة من قبيل ما يدخل في الوعظ؛ مخافة أن يكون الكاتب قد انتزعها من أحضان الدين، وجعلها في قسمة السياسة. يربط الكاتب الوقائع، ولكن بغير أسبابها، ويصل النتائج، ولكن بغير مقدماتا، النفرض أن المسلمين اتفقوا على ضلالة فصل الدين عن السياسة، وأقاموا رياسة دينية لا جند لها ولا سلاح، أمن العقول أن تكون هذه الرياسة درعًا حاميًا، وسدًا يمنع تسرب المستعمرين إلى السيطرة على شعور الأمم

стр. 2139

الإِسلامية وضمائرها؟!. إذا سيطر المستعمر على الشعور والضمائر، فإن أكبر مساعد له على هذه السيطرة: قبضه على زمام التعليم العام؛ حيث يسير به على منهج يخرج به الناشئ مزلزل العقيدة، غائبًا من سماحة الدين وحكمة التشريع، ومعظم النشء مأخوذون بحاجات أول دواع إلى أن يترددوا على مدارس الحكومة. فإن أراد الكاتب أن يكون لتلك السلطة الدينية فضل إقامة مؤسسات تغني عن مدارس التبشير ومستشفياتهم التي يتخذونها وسائل للسيطرة على شعور المسلمين وضمائرهم، قلنا: في يد المسلمين أن يقيموا مؤسسات تحاكي تلك المؤسسات، فينقذوا أبناءهم من شر مؤسسات الأجنبي، ولا شيء يضطرهم إلى موبقة فصل الدين عن السياسة، وابتداع رياسة دينية لم ينزل الله بها من سلطان. بسط صاحب المقال لسانه في "الفقهاء المسلمين" كما يبسطه فيهم من لم يطالع كتبهم، فغلا في وصفهم بالجمود، حتى زعم أنهم "لم يقولوا لنا كيف يجتهد الفقيه"، وتمادى في هذه المزاعم إلى أن قال: "ووجد من الفقهاء المزيفين من جوَّز إمامة المغتصب الذي يتولى ولاية الأمة بغير رغبتها وإرادتها". يقول الفقهاء: تنعقد الإمامة ببيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وهذا هو الأصل الذي ينبغي أن تكون عليه الإمامة في كل حال، وأجازوا للإمام متى خشي التنازع في الإمامة من بعده، ورأى في أحد رجاله الكفاية، أن يعهد إليه بها قطعاً للفتنة، ولم يجيزوا لأحد أن يتولى أمرها دون أن يبايعه أهل الحل والعقد، أو يعهد إليه بها الإمام، وإن قام مسلم

стр. 2140

ذو قوة، فتولاها بالقهر والغلبة، فإن كان جامعاً لشروط الولاية؛ من نحو العلم والعدل والاستقامة، كان إقراره أسلم عاقبة من منازعته، وليس في إقراره من بأس ما تحققت فيه شروط الولاية، فالفقهاء يجيزون ولاية المتغلب على معنى أنه بعد القهر والغلبة يعد إماماً لتحقق شروط الإمامة فيه، ولأن منازعته تفضي إلى فتنة ليسوا في حاجة إلى إثارتها. فإن فقد منه بعض شروط الولاية، منتخباً كان، أو معهوداً إليه، أو متغلباً، فمن الشروط ما يكون فقده مسقطًا للولاية بنفسه؛ كالارتداد عن الدين، واختلال العقل، ومنها ما يستحق به العزل لإجماع؛ كالفسق، ومن الفقهاء غير المزيفين من يعد الفسق في الشروط التي تسقط ولايته بنفسها، ولا تحتاج إلى إعلان أهل الحل والعقد بخلعه، أما القيام على الفاسق، وإبعاده من مقر الولاية باليد، فموكول إلى اجتهاد أهل الحل والعقد، وهم الذين يسلكون ما تقتضيه الحكمة، وتستدعيه مصلحة الأمة. هذا ما يقوله الفقهاء أخذاً من أصول الشريعة، ورعاية لمقاصدها في الاستنباط، وليس فيه تفريط في المصلحة العامة، ولا ما يمس مقام الولاية العظمى بسوء.
следующие страницы →