الحوادث التي تلتها، والتي تألبت فيها أوربا على الأمم الإسلامية، فإن للكنيسة والجمعيات الدينية المختلفة التي تستمد سلطتها منها أثرها الفعال في بقاء وانتشار المسيحية، وتأثيرها في سياسة العالم".
ليس في الإسلام سلطة دينية تشبه السلطة الكاثوليكية، والسلطة الدينية في الإسلام لكتاب الله، وسنّة رسول الله؛ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
وعلى العلماء البيان، وعلى الأمراء التنفيذ، فإن أراد الكاتب من السلطة: البيان، فالبيان حق لكل عالم تفقه في أصول الشريعة ومقاصدها، فلا يختص به عالم دون آخر، ولا يعد بيان العالم الذي تعينه الأمة للبيان أرجح من بيان غيره، إلا أن تكون حجته أقوى، وإذا كان الأمر للحجة، فما معنى تعيين شخص ليكون مصدر البيان في كل حال؟ فإن أراد من السلطة: التنفيذ، فليس له معنى سوى أن تأكل الأمة إلى شخص القيامَ بتنفيذ أحكام الدين على أن تكون هي يده التي ينفذ بها، وسلاحه الذي يدافع به من يعارض في التنفيذ، وذلك معنى الخلافة المعروفة في الإسلام.
قال صاحب المقال: "ولو رزق المسلمون رجالاً ينظرون بعين الناقد البصير - من قبل قرنين -، وفصلوا الدين عن السياسة، لكان للإسلام اليوم من الشأن والسيادة في الممالك التي اغتصبتها الدول الأوربية ما لا يقل عما للفاتيكان، وما كان خطر الاستيلاء الأجنبي عليهم عظيماً".
كلام يروج، ولكن في غير هذا الوادي، ويُتقبل، ولكن بعقول لم تستنر بهداية، يأسف صاحب المقال على الشأن والسيادة اللذين فاتا للمسلمين لعدم فصلهم الدين عن السياسة من قبل قرنين، ويرى أن إبقاءهم الدين في جانب
стр. 2137
السياسة كان سبباً في أن صار خطر الأجنبي عليهم عظيماً.
فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين، وليست هذه الجناية بأقل مما يعتدي به الأجنبي على الدين إذا جاس خلال الديار، وقد رأينا الذين فصلوا الدين عن السياسة علنًا كيف صاروا أشد الناس عداوة لهداية القرآن، ورأينا كيف كان بعض المبتلين بالاستعمار الأجنبي أقرب إلى الحرية في الدين ممن أصيبوا بسلطانهم، ونحن على ثقة من أن الفئة التي ترتاح لمثل مقال الكاتب، لو ملكت القوة، لألغت محاكم يُقضى فيها بأصول الإسلام، وقلبت معاهد تُدرس فيها علوم شريعته الغراء إلى معاهد لهو ومجون، بل لم يجدوا في أنفسهم ما يتباطأ بهم عن التصرف في مساجد يذكر فيها اسم الله تصرّفَ من لا يرجو لله وقاراً.
يقول الكاتب: لو فصلوا الدين عن السياسة، ما كان خطر الاستيلاء الأجنبي عليهم عظيماً، يقول هذا كأنه لا يدري أن السياسة الطاغية لا تهاب إلا حديداً أشد بأساً من حديدها، وناراً أشد حراً من نارها، فليس من المعقول أن تردّها عن قصدها سلطة دينية ليس في كنانتها سهم، ولا في كفّها حسام، أما قياسه حال السلطة الدينية الإِسلامية - على فرض صحة إقامتها - بحال السلطة الكاثوليكية في احترام مؤسساتها، وإطلاق يدها في عمل يرفع أهل ملتها، فمغالطة أو غفلة عن الفرق بين سلطة دينية يجد فيها الاستعمار مؤازرة أو موافقة على أي حال، وسلطة دينية قد يكون في بعض أصولها ما لا يلائم طبيعة الاستعمار.
ولو ربط المسلمون سياستهم بالدين من قبل قرنين ربطاً محكماً، لم
стр. 2138
تجد يدُ الغاصب للعبث بحقوقهم مدخلاً، ولو أعلنوا فصل الدين عن السياسة، لظلوا بغير دين، ولوجدَ فيهم الغاصب من الفشل أكثر مما وجد، فليس مصيبة المسلمين في تركهم السياسة مربوطة بالدين كما زعم الكاتب، وإنما هي ذهولهم عن تعاليم دين لم يدع وسيلة من وسائل النجاة إلا وصفها، ولا قاعدة من قواعد العدل إلا رفعها.
قال صاحب المقال: "فإن أعظم ما أصاب المسلمين من المصائب: إنما هو فقد الرياسة الدينية بعد أن فقد منهم الاستقلال وحرمانهم من بقائها درعا حامياً وسداً منيعاً من تسرب المستعمرين باسم السياسة إلى السيطرة على شعور وضمائر الأمم الإِسلامية، حتى كاد يختل بناء الدين، ويتنكر المسلمون تعاليمه الحقة".
حقيقة فقد الرياسة الدينية من أعظم ما أصاب المسلمين، وهي الرياسة التي في إحدى يديها هداية، وفي أخراهما قوة، أما الرياسة التي لا يتعدى صاحبها أن يكون واعظًا عاماً، يدعو الناس إلى الصلاة والصيام والحج إن استطاعوا إليه سبيلاً، فلم تفقد بعد، ولم يحرم المسلمون منها، ولا تزال باقية، ولكن في أشخاص متفرقين في البلاد، لا في شخص واحد كما يرغب صاحب المقال، ولم نذكر الزكاة من قبيل ما يدخل في الوعظ؛ مخافة أن يكون الكاتب قد انتزعها من أحضان الدين، وجعلها في قسمة السياسة.
يربط الكاتب الوقائع، ولكن بغير أسبابها، ويصل النتائج، ولكن بغير مقدماتا، النفرض أن المسلمين اتفقوا على ضلالة فصل الدين عن السياسة، وأقاموا رياسة دينية لا جند لها ولا سلاح، أمن العقول أن تكون هذه الرياسة درعًا حاميًا، وسدًا يمنع تسرب المستعمرين إلى السيطرة على شعور الأمم
стр. 2139
الإِسلامية وضمائرها؟!.
إذا سيطر المستعمر على الشعور والضمائر، فإن أكبر مساعد له على هذه السيطرة: قبضه على زمام التعليم العام؛ حيث يسير به على منهج يخرج به الناشئ مزلزل العقيدة، غائبًا من سماحة الدين وحكمة التشريع، ومعظم النشء مأخوذون بحاجات أول دواع إلى أن يترددوا على مدارس الحكومة.
فإن أراد الكاتب أن يكون لتلك السلطة الدينية فضل إقامة مؤسسات تغني عن مدارس التبشير ومستشفياتهم التي يتخذونها وسائل للسيطرة على شعور المسلمين وضمائرهم، قلنا: في يد المسلمين أن يقيموا مؤسسات تحاكي تلك المؤسسات، فينقذوا أبناءهم من شر مؤسسات الأجنبي، ولا شيء يضطرهم إلى موبقة فصل الدين عن السياسة، وابتداع رياسة دينية لم ينزل الله بها من سلطان.
بسط صاحب المقال لسانه في "الفقهاء المسلمين" كما يبسطه فيهم من لم يطالع كتبهم، فغلا في وصفهم بالجمود، حتى زعم أنهم "لم يقولوا لنا كيف يجتهد الفقيه"، وتمادى في هذه المزاعم إلى أن قال: "ووجد من الفقهاء المزيفين من جوَّز إمامة المغتصب الذي يتولى ولاية الأمة بغير رغبتها وإرادتها".
يقول الفقهاء: تنعقد الإمامة ببيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وهذا هو الأصل الذي ينبغي أن تكون عليه الإمامة في كل حال، وأجازوا للإمام متى خشي التنازع في الإمامة من بعده، ورأى في أحد رجاله الكفاية، أن يعهد إليه بها قطعاً للفتنة، ولم يجيزوا لأحد أن يتولى أمرها دون أن يبايعه أهل الحل والعقد، أو يعهد إليه بها الإمام، وإن قام مسلم
стр. 2140
ذو قوة، فتولاها بالقهر والغلبة، فإن كان جامعاً لشروط الولاية؛ من نحو العلم والعدل والاستقامة، كان إقراره أسلم عاقبة من منازعته، وليس في إقراره من بأس ما تحققت فيه شروط الولاية، فالفقهاء يجيزون ولاية المتغلب على معنى أنه بعد القهر والغلبة يعد إماماً لتحقق شروط الإمامة فيه، ولأن منازعته تفضي إلى فتنة ليسوا في حاجة إلى إثارتها.
فإن فقد منه بعض شروط الولاية، منتخباً كان، أو معهوداً إليه، أو متغلباً، فمن الشروط ما يكون فقده مسقطًا للولاية بنفسه؛ كالارتداد عن الدين، واختلال العقل، ومنها ما يستحق به العزل لإجماع؛ كالفسق، ومن الفقهاء غير المزيفين من يعد الفسق في الشروط التي تسقط ولايته بنفسها، ولا تحتاج إلى إعلان أهل الحل والعقد بخلعه، أما القيام على الفاسق، وإبعاده من مقر الولاية باليد، فموكول إلى اجتهاد أهل الحل والعقد، وهم الذين يسلكون ما تقتضيه الحكمة، وتستدعيه مصلحة الأمة.
هذا ما يقوله الفقهاء أخذاً من أصول الشريعة، ورعاية لمقاصدها في الاستنباط، وليس فيه تفريط في المصلحة العامة، ولا ما يمس مقام الولاية العظمى بسوء.
стр. 2141
سماحة الإِسلام في معاملة غير المسلمين (١)
من يدرس أصول الإِسلام بجِدّ، ويذهب في تعرف روح تشريعه مذاهب بعيدة المدى، يدرك دون أن يأخذه ريب: أنه دين نزل من السماء؛ ليضرب بهدايته في أرجاء المعمورة، ويعلّم الأمم أرقى نظُم الاجتماع، وقد ارتفعت في الشرق والغرب رايته، يوم تولى أمره زعماء لبسوا من آدابه برودًا سنيَّة، وتحروا في الدعوة إليه سبلاً سويَّة، ولا أستطيع أن أُلمّ في هذا المقال بما احتوته شريعته من النظم المدنية، والقواعد التي تشهد بأنه تشريع لم يكن للعواطف البشرية والعادات القومية عليه سلطان، فأكتفي بأن أصف لك ناحية يتمثل فيها عدل قضائه، ورفق سياسته، وسمو آدابه، تلك الناحية هي: أصوله الخاصة في معاملة غير المسلمين.
المخالفون في نظر الإِسلام: محاربون، أو معاهدون، أو أهل ذمة، والمراد: ذمة الله؛ أي: عهده، فهذا الاسم يشعر بأن من مسهم بأذى، فقد خان عهد الله، وعهد دينه الحنيف.
أما المحاربون، فهم الذين يهاجمون أمة إسلامية، أو يتحفزون للهجوم عليها، أو يمدون أيديهم إلى حق من حقوقها، وحكم الإِسلام في هؤلاء: أن
стр. 2142
يُدفعوا إذا هاجموا، ويُبادرَوا بما يكف بأسهم إذا تحفزوا، وُيقوّموا إذا اعتدوا على الحق حتى ينصفوا، يأذن الإِسلام في دفع المهاجم، أو كف المناوئ، مع رعاية جانب الرفق والأخذ بالعرف.
ومن الرفق الذي أقام عليه سياسته الحربية: أنه منع من التعرض بالأذى لمن لم ينصبوا أنفسهم للقتال؛ كالرهبان، والفلاحين، والنساء، والأطفال، والشيخ الهرم، والأجير، والمعتوه، والأعمى، والزَّمِن، ومن الفقهاء من لا يجيز قتل الأعمى والزَّمن، ولو كانا ذوي رأي في الحرب وتدبير. ولا يجوز قتل النساء، وإن استُعملن لحراسة الحصون، أو رَمين بنحو الحجارة، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، فجعل القتال في مقابلة القتال. ونبه النبي ﷺ على أن من لا يقاتل لا يُقتل، حين وجد امرأة في بعض الغزوات قتيلة، فأنكر ذلك وقال: "ما كانت هذه لتقاتل" (١).
وإذا وضع المحاربون الأطفال والنساء أمامهم، وجب الكف عن قتالهم، إلا أن يتخذوا ذلك ذريعة للفوز علينا، ونخشى أن تكون دائرة السوء على جندنا.
ولا يجيز الإِسلام التمثيل بالمحارب، قال ﷺ : "ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً" (٢)، ويمنع من حمل رؤوسهم من بلد إلى بلد، أو حملها إلى الولاة، وقد أنكر أبو بكر الصديق ﵁ هذا، وقال: هو فعل الأعاجم.
ولم يشرّع الإِسلام للأسير حكماً واحداً، بل جعل أمره موكولاً إلى
стр. 2143
الأمير الذي يقدر مصلحة الحرب، وله أن يخلي سبيله بفداء، أو بغير فداء. ولا يرغم الإِسلام المحارب على الدخول في ملته، بل يعرض عليه أن يقيم تحت سلطانه آمناً على نفسه وماله وعرضه ودينه، ويساوي في هذا الحكم أصحاب الأديان السماوية، وغيرهم، قال الإمام مالك، وصاحبه ابن القاسم: تقبل الجزية من كل من دان بغير الإِسلام.
وأما المعاهدون، وهم الذين انعقد بيننا وبينهم عهد على السلم، فيجب علينا الوفاء بعهدهم، وأن نستقيم لهم ما استقاموا لنا، وإذا كان في بعض ذوي القوة من يحسّ من خصمه المعاهد تحفزًا إلى الخيانة، فيسبقه إليها، فإن الإِسلام يوجب في حال الخوف من خيانة المعاهدين أن ننبذ لهم العهد علنًا، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].
ولم يخص الإِسلام تأمين المحارب بصاحب الدولة، بل هو حق لكل مسلم ومسلمة، فإذا أمّن رجلاً وامرأة من المسلمين محارباً، كان تأمينه نافذاً، واعتصم بهذا التأمين من أن يناله أحد بسوء حتى يبلغ مأمنه. وليس من شرط التأمين البلوغ، ولا الإِسلام، فلو أمن صبي يعلم ما يقول، أو أحد من أهل الذمة بعض المحاربين، كان هذا التأمين عقداً محترماً.
بلغ الدين في رعاية عهد الأمان أقصى غاية، فلو أشار المسلم إلى الحربي إشارة يريد بها عدم التأمين، ففهمها الحربي على التأمين، وجب له الأمان على حسب ما فهم من تلك الإشارة.
وهذا حكم التأمين في حال الحرب، أما تأمين المحارب ليدخل البلاد بقصد التجارة، وظن المحارب أن هذا التأمين نافذ، وجب الوفاء له على حسب
стр. 2144
ظنه، وليس لولي الأمر إن لم يرض عن هذا التأمين إلا أن يرد المحارب إلى مأمنه.
وإذا أخذ المحارب أماناً لينظر في الدين، ولم ينشرح صدره للإسلام، فما لنا إلا أن نرده إلى داره آمنًا، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
ولو ظفر المسلمون بمحارب جاء مقبلاً من بلد عدو، فقال: جئت لأطلب الأمان، لم يجز التعرض له بمكروه، وإذا لم يروا المصلحة في تأمينه، ردّوه إلى مأمنه.
ولو وجد المسلمون طائفة من المحاربين في أطراف بلاد الإِسلام، فقالوا: جئنا تجاراً، وظننا أنكم لا تتعرضون لمن جاء تاجرًا، فليس لنا إلا أن ندعهم وشأن تجارتهم، أو نردهم إلى مأمنهم، إلا أن تقوم الشواهد على أنهم يقصدون من الشر ما لا يقولون.
ومن رعاية الإِسلام لعهد التأمين: أن أكد في احترام أموال المعاهدين، حتى إذا رجع المعاهد إلى بلده، وترك في دار الإِسلام وديعة، أو ديناً، وجب إرسالها إليه، فإن مات، بُعث بها إلى ورثته إن عُرفوا، فإن لم يعرفوا، أرسل بها إلى رئيس قومه.
ويدلك على ما لعهد التأمين في دين الإِسلام من حرمة: قول عمر بن الخطاب: "إنه بلغني أن رجالاً منكم يطلبون العلج، حتى إذا أسند إلى الجبل، وامتنع، قال رجل: "مَتَرْس" (١)، يقول: لا تخف، حتى إذا أدركه، قتله، وإني
стр. 2145
والذي نفسي بيده! لا أعلم مكان واحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه" (١).
وأما من رضوا بالإقامة تحت راية الدولة الإِسلامية، فقد قرر لهم الدين من الحقوق ما يكفل لهم حريتهم، ويجعلهم أعضاء حية مرتبطة بسائر أعضاء الأمة المسلمة ارتباطَ ألفة وعطف وتعاون. توجد هذه الروابط في القرآن والحديث، وآثار الصحابة، وأقوال أهل العلم من بعدهم.
يقتضي العهد الذي يعقد لأهل الذمّة: أن يقيموا تحت راياتنا متمتعين بحقوقهم الدينية، آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وإليك نص عهد عمر بن الخطاب لأهل إيليا: "أَعطاهم الأمان لأنفسهم، وأموالهم، وكنائسهم، وسائر ملتهم، لا تُسكن كنائسهم، ولا يُنقص منها، ولا من خيرها، ولا من صُلُبهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم".
إن القرآن كقانون أساسي لدولة الإِسلام، فلم يترك ناحية من نواحي الاجتماع أو السياسة إلا وضع لها أصلاً يهتدى به في تفاصيل أحكامها، وانظر إليه ماذا صنع في ناحية هي من أكبر النواحي الاجتماعية أو السياسية، وهي معاملة الطوائف غير المسلمين إذا اختاروا الإقامة في جوارنا، ولم ينزعوا إلى مناوأتنا، اقرا إن شئت قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، فالآية تحثّ على رعاية قانون العدل في معاملتهم، وتدل - بعد هذا - على فضيلة البرّ بهم، وإذا عبرت عن هذا المعنى بعدم النهي عنه، فلأنها قصدت الردّ على ما يسبق إلى الذهن من أن مخالفتهم للدين تمنع من برهم، وتسهل الاستهانة بحقوقهم.
وقد جرى أمراء الإِسلام العادلون على سيرة هذه الآية، فكانوا ينصحون
стр. 2146
لنوابهم بالعدل، ويخصون أهل الذمة في نصيحتهم بالذّكر، وأحسن مثل نسوقه على هذا: كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمرو بن العاص، وهو يومئذ الوالي على مصر، ومما جاء في هذا الكتاب: "وإن معك أهل ذمة وعهد، وقد وصّى رسول الله ﷺ بهم". ومنه: "وقد قال ﷺ : "من ظلم معاهداً، أو كلّفه فوق طاقته، فأنا خصمه يوم القيامة"، احذر يا عمرو أن يكون رسول الله ﷺ لك خصماً، فإنه من خاصمه، خصمه" (١).
ومن الأحاديث الثابتة في هذا الصدد: قوله ﷺ : "من قذف ذمياً، حُدَّ له يوم القيامة بسياط من نار".
فانظروا إلى مكانة العهد في الإِسلام، وزنوها بمعاهدات يأخذ فيها بعض الأقوياء على أنفسهم احترامَ حقوق شعب إسلامي، حتى إذا أمسكوا بناصيته، لم يستحيوا أن يعبثوا بالأرواح، وتجول أيديهم في الأموال، ويعملوا جهدهم على أن يقلبوهم إلى جحود بعد إيمان، ويحنقون بعد هذا كله على من يسميهم: أعداء الإنسانية، وقابضي روح الحرية.
أدرك الفقهاء رعاية شارع الإِسلام لأهل الذمة، وحرصَه على احترام حقوقهم، فاستنبطوا من أصوله أحكاماً جعلوا المسلم وغير المسلم فيها على سواء، وأذكر من هذه الأحكام: أنهم أجازوا للمسلم أن يوصي أو يقف شيئاً من ماله لغير المسلمين من أهل الذمة، وتكون هذه الوصية أو الوقف أمراً نافذاً، ولما قال ﷺ : "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه" (٢)،
стр. 2147
قالوا: البيع على غير المسلم الداخل في ذمة الإِسلام كالبيع على بيع المسلم، والخطبة على خطبته كالخطبة على خطبة المسلم، كلاهما حرام.
وإذا ذكر فقهاؤنا آداب المعاشرة، نبهوا على حقوق أهل الذمة، وندبوا إلى الرفق بهم، واحتمال الأذى في جوارهم، وحفظ غيبتهم، ودفع من يعرض لأذيتهم.
قال شهاب الدين القرافي في كتاب "الفروق": "إن عقد الذمة يوجب حقوقًا علينا؛ لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا، وذمة الله تعالى، وذمة رسوله ﷺ ، ودين الإِسلام، فمن اعتدى عليهم، ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو أي نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك، فقد ضيَّع ذمة الله تعالى، وذمة رسوله ﷺ ، وذمة دين الإِسلام".
وقال ابن حزم في "مراتب الإجماع": "إن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صوناً لمن هو في ذمّة الله تعالى، وذمة رسول ﷺ ؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة".
وجعل الإِسلام أحكام رؤسائهم فيما بينهم نافذة، فلهم أن يتحاكموا أمام رؤساء مللهم فيما يعرض لهم من القضايا، وإنما اختلف علماؤنا فيما إذا رفع الخصمان منهم القضية إلى الحاكم المسلم، فقال المالكية: إن كان ما رفعوه ظلماً لا تختلف الشرائع في تحريمه؛ كالغصب، والقتل، وجب على المسلم أن يفصل فيه على وجه العدل، فإن كان مما تختلف فيه الشرائع، كان له الخيار في الفصل بينهم بشريعة الإِسلام، أو صرفهم إلى رئيس طائفتهم. وحملوا على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ
стр. 2148
بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].
وقال الإمام أبو حنيفة: على الحاكم المسلم متى ارتفع إليه الخصمان من أهل الكتاب أن يفصل في قضيتهم، وليس له الإعراض عنهم، وأخذ في وجوب الفصل بينهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال: إن الأمر القاطع في هذه الآية ناسخ للتخيير في آية: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].
هذا أصل البحث في هذه المسألة، أما تفصيل المذاهب، وبسط أدلتها، فموضعه كتب الفقه، وأحكام القرآن.
وأباح للمسلم أن يتزوج تحت سلطان الإِسلام بيهودية أو نصرانية، وجعل لها من الحقوق ما لزوجته المسلمة، وفي الزواج صلة الصهر، وتتبعها صلة النسب، وفي هذا شاهد على أن الدين الحنيف ليس بالدين الذي يدعو إلى التقاطع المانع من المعاشرة بالمعروف، والتعاون على مرافق الحياة.
وكره الإِسلام أن يجري المسلم في مخاطبة المسلمين مجرى أولئك الذين يتعصبون لمعتقداتهم بغير الحق، فيطلقون ألسنتهم بإذاية من يجادل في صحتها، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
وخاتمة المقال: أن المسلمين قد استناروا بسماحة دينهم، وتعلموا من آدابه أن يحسنوا معاشرة أصحاب الأديان الأخرى، ممن لا يكيدون لهم
стр. 2149
كيداً، ولا يظاهرون عليهم عدواً، ويمكنهم أن يعيشوا معهم في صفاء وتعاون على المصالح الوطنية.
وكثيراً ما نقرأ أنباء من يشرح الله صدورهم للإسلام، فنجدهم حيث يذكرون دواعي اهتدائهم، يصرحون بأن من هذه الدواعي: ما يرونه في هذا الدين من سعة الصدر، والأمر بالرفق والإحسان في معاملة المخالفين، وبأن لا يزاد عند جدالهم على دفع الشبهة بالحجّة.
стр. 2150
العزّة والتواضع (١)
سهْلٌ على الإنسان أن يدرك معنى الفضيلة في صورة مجملة، بل عليه أن يتعرف ما هي الفضائل بتفصيل، وإنما العسر في أخذ النفس بها، والسير في معاملة الناس على قانونها، وعُسْر العمل على الفضيلة مع تصور مفهومها، والشعور بحسن أثرها يجيء من ناحية الشهوات التي قد تطغى، فتطمس على البصائر، وتكاد تحوّل معرفتها لخير إلى جهالة عمياء. وقد يؤخذ الدارس للأخلاق من ناحية ضعْفه في تطبيق الأعمال على ما تقتضيه أصول المكارم، ذلك لأن علم الأخلاق يشرح الفضيلة، ويبين ما بينها وبين الأخلاق الأخرى من صلة، وينبه على ما لها من آثار حميدة، ولا يتعرض لمظاهر الفضيلة مظهراً فمظهرًا، ولا لمواضع الأخذ بها موضعًا فموضعًا، بل يكِلُ ذلك إلى اجتهاد الشخص ونباهته.
وحدود الفضائل تقع بمقربة من أخلاق مكروهة، وهذه الحدود في نفسها واضحة جلية، إلا أن تمييز ما يدخل فيها ما هو خارج عنها، يحتاج إلى صفاء فطرة، أو تربية تُساس بها النفس شيئاً فشيئاً.
وكثيراً ما يتشابه على الرجل لأول النظر أمورٌ، فلا يدري أهي داخلة
стр. 2151
في الفضيلة، أم هي خارجة عن حدودها؟ وربما سبق ظنّه إلى غير صواب، فيخال ما هو من قبيل الفضيلة مكروهاً، فيدعه، أو يعيب غيره به، أو يخال ما هو من قبيل المكروه فضيلة، فيرتكبه، أو يمدح غيره عليه. وهذا الشأن يجري في خلقي العزّة والتواضع.
فعزة النفس تمتاز في الأذهان عن الكبرياء امتياز الصبح من الدجى؛ إذ العزة: ارتفاع النفس عن مواضع المهانة، والكبرياء: استنكاف النفس أن تأتي صالحاً، بتخيل أن ذلك العمل لا يليق بمنزلتها، أو تعظمها عن أن تجامل ذا نفس زاكية بزعم أنه غير كفء لها.
ويقابل العزَّةَ: الضِّعةُ، وهي انحدار النفس في هوة المهانة، ويقابل الكبرياء: التواضع، وهو إذعانها للحق، ونظرها إلى ذي النفس الزاكية، أو المستعدة لأن تكون زاكية، نظرَ احترام، أو عطف وإشفاق.
والفرق بين حقائق هذه الأخلاق سهل المأخذ، ولا يكاد يَخْفَى أمره على عامة الناس، فضلاً عن خواصهم، ولكن أحوالاً تعرض للرجل، فيخفي فيها الوجه الذي يدعو إلى مظهر التواضع، فيعد صاغراً.
وفي الناس مَنْ عَدَّ التواضُعَ ذِلَّةً ... وعَدَّ اعْتزازَ النفس من جَهْله كِبْرا
وقال رجل للحسين بن علي: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً، فقال: ليس بتيه، ولكنه عزّة، وتلا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
وقال عبد الرحمن الناصر الخليفة الأموي بالأندلس لابنه المنذر: "إن لهذا السلطان رونقاً يُريقه التبدُّل، وعلوًا يُخفِّضه الانبساط، ولا يصونه إلا التيه والانقباض"، ثم ذكر أناساً يعدون تواضع الرجل صغراً، وتخفّضه خِسَّة،
стр. 2152
فقال له عبد الرحمن: ابق وما رأيت.
فوزْن المعاملات الخاصة، وإلحاقُها بإحدى خصلتي العزة أو التواضع، أو طرحُها إلى الكبرياء أو المهانة، يرجع إلى اجتهاد الشخص نفسه، وهذا لا يمنع غيره الذي عرف من سر المعاملة ما عرف من علانيتها، أن ينقدَها، ويصفَ صاحبها بأنه عزيز النفس، أو متواضع، أو يحكم عليه بأنه متكبر أو متصاغر.
في عزة النفس فوائد تعود على الشخص نفسه، منها: ارتياح ضميره، وسلامته من ألم الهوان الذي يلاقيه من لا يحتفظ بكرامته، ثم ما يلقيه هذا الخلق على صاحبه من مهابة ووقار، وإحراز مكانة احترام في النفوس مما تنشرح له صدور العظماء، وإنما عيب الرجل في أن يجعل هذه المكانة غايته المنشودة، أو يتخذها حِبالَة لاصطياد مآرب لا يتعداه نفعها.
ولهذه الخصلة آثار صالحة في الاجتماع؛ فإن الأمة التي تُشرَّب في نفوسها العزة يشتد فيها الحرص على أن تكون مستقلة بشؤونها، غنية عن أمم من غيرها، وتبالغ في الحذر من أن تقع في يد من يطعن في نحو كرامتها، ولا يستحي الإنسانية أن تراه مهتضماً لحقوقها.
ومن عناية الإِسلام بأدب العزة: أنه بني كثيراً من أحكامه العملية على رعايتها، كما منع القادر على الكسب من بسط كله للاستجداء؛ إذ كان في استجدائه إراقة لماء وجهه بين يدي من تكون يده هي العليا، قال ﷺ : "لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خير من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله، فيسأله أعطاه، أو منعه".
وسنَّ الهجرة من بلد لا يرفع فيها الإِسلام لواءه إلى بلد تخفق عليه
стр. 2153
رايته، وتقام فيه أحكام شريعته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠].
وشرَّع الذود عن الأوطان، وحمايتها من أن يكون للخصوم عليها سيطرة؛ إذ لا نصيب لجماعة المسلمين من سيطرة غير المسلم إلا العسف والإرهاق.
ومن الأحكام القائمة على رعاية العزة: أن التبرعات لا تتقرر إلا بقبول المتبرع له، فلو وهب شخص لآخر مالاً، لم تنعقد الهبة إلا أن يقبلها الموهوب له؛ إذ قد يربأ به خُلُق العزّة عن قبولها؛ كراهة احتمال مِنّتها، والمنّة تصدع قناةَ العزة، فلا يحتملها ذوو المروءات إلا في حال ضرورة، ولا سيما مِنة تجيء من غير ذي طبع كريم، أو قدر رفيع.
والعلماء الذين كانوا لا يقبلون عطايا ولاة الأمور، يريدون الاحتفاظ بكامل عزتهم، حتى يكون موقفهم في وعظ أولئك إذا حادوا عن الرشد موقفَ الناصح الأمين.
ومن هذه الأحكام: شرط الكفاءة في النكاح؛ ذلك لأن في تزوج الرفيعة بمن هو دونها امتهاناً لقدرها، وغضًا من كرامة أوليائها، فجعل للمرأة وأوليائها الحق في الممانعة من تزوجها بمن لا يكافئها، وإنما اختلف الفقهاء في تحديد الكفاءة، كما هو مقرر في كتب الأحكام.
وقد عرف الفقهاء: أن الشريعة تراعي في أحكامها حق العزة، فقالوا: إن المسافر يقبل هبة الماء للوضوء، ولا يتيمم؛ إذ لا يمتن بمقدار ما يتوضأ به من الماء عادة، ولم يلزموه قبول هبة ثمن الماء، وأجازوا له التيمم، إذا كان في هبة الثمن مِنَّة، والمنة تورث شيئاً من الذلة. وعلى هذا النحو جرى
стр. 2154
الإمام الغزالي؛ إذ جعل خشية الإهانة مُسْقطة لوجوب النهي عن المنكر. وموضع هذا: أن يعرف العالِم أن نهيه لا يجدي نفعًا، ويزيد على عدم جدواه بأن يسومه أولئك المبطلون أو الفاسقون خسفًا، أما إذا كان يرجو مما يقوله أو يكتبه فائدة، فاحتمال الأذى في سبيل العمل الصالح عزة لا تطاولها عزة.
ومدحُ الإنسان نفسَه رعونة، فإذا مسه أحد بازدراء، فإن علم الأخلاق يسمح له بأن يذود عن عزته، ويقول كلمة ينبه بها على مكانته.
وفد أبو الفضل بن شرف إلى المعتصم أحد أمراء الأندلس في زي تظهر عليه البداوة، وأنشده قصيدته التي يقول في طالعها:
مُطِلَ الليلُ بوعْدِ الفَلَقِ ... وتَشَكَّى النجمُ طولَ الأرقِ
فاهتز المعتصم لسماعها طرباً، فحسد أبا الفضل من الحاضرين ابنُ أخت غانم، وقال له: من أي البوادي أنت؟ فقال أبو الفضل: أنا من الشرف في الدرجة العالية، وإن كانت البادية عليّ بادية، ولا أنكر خالي، ولا أعرف بحالي. فانقبض ابن أخت غانم خجلاً.
وأما التواضع، وهو بذل الاحترام، أو العطف والمجاملة لمن يستحقه، فهو خلق يكسب صاحبه رضا أهل الفضل من الناس ومودتهم، وهو الطريق الذي يدخل بالشخص في المجتمع، ويكون به عضواً ملتئماً مع سائر الأعضاء التي يتألف منها جسد نسميه: الأمة، فالتواضع أنجح وسيلة إلى الائتلاف والاتحاد، اللذين هما أساس التعاون على مرافق الحياة وجلائل الأعمال، قال الله تعالى يدعو رسوله الكريم إلى هذا الخلق العظيم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٨ - ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ
стр. 2155
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨].
يستكبر الأغبياء ظناً منهم أن في الاستكبار رِفعة، والحقيقة أن ابتغاء الرفعة من طريق التواضع أنجحُ من التوصل إليها بطريق التجبُّر والغطرسة، فالتواضع الحكيم يورث المودة، ومن عَمَر فؤاده بمودتك، امتلأت عينه بمهابتك.
وأحسنُ مقرونين في عينِ ناظرٍ ... جلالةُ قَدرٍ في خُمولِ تواضُعٍ
قد يراك الرجل وأنت تؤدي حق الاحترام إلى رجل عرفتَ من كماله ما لم يعرفه، فيعدُّ عملك تصاغرًا، ويرمي أمامك أو وراءك بسهم الإنكار، ولو اطلع على ما بطن من هذه المعاملة كما اطلع على ما ظهر منها، لأقام لك بدل الإنكار عذراً.
قدّم أبو الفضل بن العميد لأبي بكر بن الخياط نعله، فعده بعض الحاضرين إفراطاً في التنازل، فقال أبو الفضل: أأُلام على تعظيم رجل ما قرأتُ عليه شيئاً من الطباع للجاحظ، إلا عرف ديوانه، وقرأ القصيدة من أولها إلى آخرها حتى ينتهي إليه؟!.
وكان أبو العباس المبرِّد عندما يرى أبا بكر الأبهري مقبلاً، ينهض قائماً حفاوة وإجلالاً، فخطر على بال بعض أصحابه أنه تجاوز حد التواضع، وأن أبا بكر لا يستحق هذا القدر من الإجلال، وشافَهَ المبرد بهذا الخاطر، فقال المبرد:
إذا ما رأيناهُ مقْتبِلاً ... حَلَلْنا الحبا وابتدَرْنا القِياما
فلا تُنْكِرنَّ قيامي له ... فإنَّ الكريمَ يُجِلُّ الكِراما
стр. 2156
يتواضع الرجل لأقرانه، فلا يُصاعِر لهم خداً، وإن أبى الدهر إسعافهم، ولا يخرج في معاملتهم عن حدود المساواة، وإن رزق من المال أو الجاه ما لم يرزقوا، قال البحتري:
وإذا ما الشريفُ لَمْ يتواضعْ ... للأَخِلّاءِ فهو عينُ الوَضيعِ
ويتواضع الرجل لمن هو دونه في ظاهر هذه الحياة، أو فيما يجري به عُرف الناس؛ كالأستاذ يجامل طالب العلم، والرئيس يجامل المرؤوس. وفي سنّة رسول الله ﷺ ، وأقوال الذين أوتوا الحكمة، وسيرة الذين استقاموا على الفضيلة، ما فيه عظة حسنة، وقدوة صالحة.
أما الأستاذ لا يتعاظم على طالب العلم، فمن مظاهره: الإصغاء إليه عند المناقشة، وإجابته عما سأل في رفق، وتلقي ما يبديه من الفهم لإنصاف، فإنْ أخطأ، نبّهه لوجه الخطأ، وإن قال صواباً، تقبله منه بارتياح، وارتياح الأستاذ لآثار نجابة الطلاب مما يريدهم جدًّا في الطلب، ويشعرهم باستعدادهم لأن يكونوا في النوابغ، وإنما ينبغ الناشئ في العلم متى سطع في نفسه مثل هذا الشعور.
قال عمر بن الخطاب ﵁: "تعلموا العلم، وعلّموه الناس، وتعلّموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه، ولمن علمتموه".
ومن حكم الإمام علي -كرم الله وجهه-: "وتواضعوا لمن تتعلّمون منه، ولمن تعلّمونه، ولا تكونوا جبابرة العلماء".
وأما الرئيس لا يتعظم على المرؤوس، فمن مظاهره: لين القول في مخاطبته، والعناية بقضاء ما يستطيع من حاجته، والسعي في دفع الأذى عن جانبه. والرئيس المتواضع يتحامى أن تشهد منه أثراً يدل على أن نفسه تحدثه
стр. 2157
بأنه أفضل منك، إلا مظاهر يسيغها عرف أصبح مألوفاً بين الناس.
روى الإمام مالك: أن عمر بن الخطاب ﵁ "كان في فضله وقدمه ينفخ عام الرمادة (١) النار تحت القدور، حتى يخرج الدخان من تحت لحيته"، ذكر هذا مالك لهارون الرشيد، وقال له: إن الناس يرضون منكم ما دون هذا.
ونقرأ في سيرة مظفر الدين صاحب أربل: أنه بني أربعة ملاجع للزمنى والعميان، وقرر لهم ما يحتاجون إليه في كل يوم، وكان يأتيهم بنفسه في عصر كل اثنين وخميس، ويدخل إلى كل واحد في نزله، ويسأله عن حاجته. فإحسان مظفر الدين إلى هؤلاء رحمة، ودخوله على كل واحد في نزله، وسؤاله عن حاله، تواضع.
وصفوة المقال: أن العزة ترجع إلى أن يقدر الإنسان قيمة نفسه، فلا يوردها إلا الموارد التي تليق بها. والكبر يرجع إلى أن يرى نفسه في منزلة فوق منزلتها، فيتراءى في مظاهر يعدها العارفون بكنه حاله اغترارًا وإسرافًا في التقدير.
والضعة ترجع إلى أن يغمط نفسه حقها، ويضعها في مواضع أدنى مما تستحق أن يضعها. والمتواضع من يعرف قدره، ولا يأبى أن يرسل نفسه في وجوه الخير وما يقتضيه حسن المعاشرة.
وإذا كان من يحتفظ بالعزة، ولا يصرف وجهه عن التواضع، هو الرجل الذي يرجى لنفع الأمة، ويستطيع أن يخوض في كل مجتمع، ضافي الكرامة، أنيس الملتقى، شديد الثقة بنفسه، كان حقا على من يتولى تربية الناشئ أن
стр. 2158
يتفقده في كل طور، حتى إذا رأى فيه خمولاً وقلة احتراس من مواقع المهانة، أيقظ فيه الشعور بالعزة، والطموح إلى المقامات العلا. وإذا رأى فيه كبراً عاتياً، وتيهاً مسرفاً، خفف من غلوائه، وساسه بالحكمة، حتى يتعلم أن المجد الموثل لا يقوم إلا على دعائم العزة والتواضع.
стр. 2159
المداراة والمداهنة (١)
خُلِقَ الناس للاجتماع لا للعزلة، وللتعارف لا للتناكر، وللتعاون لا لينفرد كل واحد بمرافق حياته.
وللإنسان عوارض نفسية؛ كالحب والبغض، والرضا والغضب، والاستحسان والاستهجان، فلو سار على أن يكاشف الناس بكل ما يَعْرض له من هذه الشؤون في كل وقت، وعلى أي حال، لاختلَّ الاجتماع، ولم يخلص التعارف، وانقبضت الأيدي عن التعاون، فكان من حكمة الله في خلقه أن هيأ الإنسان لأدب يتحامى به ما يُحدث تقاطعاً، أو يدعو إلى تخاذل، ذلك الأدب هو: المداراة.
فالمداراة ترجع إلى حسن اللقاء، ولين الكلام، وتجنب ما يشعر ببغض أو غضب أو استنكار، إلا في أحوال يكون الإشعار به خيراً من كتمانه.
فمن المداراة: أن يجمعك بالرجل يضمر لك العداوة مجلس، فتقابله بوجه طلق، وتقضيه حق التحية، وترفق به في الخطاب.
قال سحنون في وصيته لابنه محمد: "وسلِّمْ على عدوك وداره؛ فإن رأس الإيمان بالله مداراة الناس".
стр. 2160
وقال أحد الحكماء من بني أسد:
وأَمْنَحُه مالي ووُدِّي ونُصرَتي ... وإن كان مَحنِيَّ الضُّلوعِ على بُغْضي
ونقرأ في سيرة الأستاذ محمد بن يوسف السنوسي صاحب المؤلفات المعروفة في علم الكلام وغيره: أنه "كان يفاتح من تكلم في عرضه بكلام طيب وإعظام، حتى يُعتقد أنه صديقه".
ونقرا في سيرة القاضي يحيى بن أكثم: أنه "كان يداعب خصمه وعدوّه".
وقد تبلغ المداراة إلى إطفاء العداوة وقلبها صداقة.
قال محمد بن أبي الفضل الهاشمي: قلت لأبي: لِمَ تجلس إلى فلان، وقد عرفت عداوته؟ قال: أُخْبي ناراً، وأقْدحُ وداً.
وقد يقصد المداري إلى علاج جرح العداوة، ومنعه من أن يتسع.
قال عقال بن شبة: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل، فحياه أبي وألطفه، فلما مضى، قلت: أَبَعْدَ ما قال لنا ما قال؟! قال: يا بني! أفأوسع جرحي؟!.
ومن المداراة: أن يلاقيك ذو لسان أو قلم عُرف بنهش الأعراض، ولمز الأبرياء، فتطلق له جبينك، وتحييه في حفاوة؛ لعلك تحمي جانبك من قذفه، أو تجعل لدغاته خفيفة الوقع على عرضك.
نقرأ في الصحيح عن عروة بن الزبير: أن عائشة ﵂ أخبرته: أنه استأذن على النَّبي ﷺ رجل، فقال: "ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة" أو "بئس أخو العشيرة"، فلما دخل، ألان له الكلام، وفي رواية: فلما جلس، تطلق النَّبي ﷺ في وجهه، وانبسط إليه، فقلت: يا رسول الله! قلْتَ ما قلت، ثم ألَنْتَ له القول؟! فقال: "أي عائشة! إن شر الناس منزلة عند الله من تركه - أو: ودعه -
стр. 2161
الناس اتقاء فُحْشه" (١).
فلقاء رسول الله ﷺ لهذا الرجل المعروف بالبذاء، من قبيل المداراة؛ لأنه لم يزد على أن لاقاه بوجه طلق، أو رفق به في الخطاب، وقد سبق إلى ذهن عائشة ﵂: أن الذي بلغ أن يقال فيه: "بئس ابن العشيرة" لا يستحق هذا اللقاء، ويجب أن يكون نصيبه قسوة الخطاب، وعبوسة الجبين، ولكن نظر رسول الله ﷺ أبعد مدى، وأناته أطول أمدًا، فهو يريد تعليم الناس كيف يملكون ما في أنفسهم، فلا يظهر أثره إلا في مكان أو زمان يليق فيه إظهاره، ويريد تعليمهم أدبا من آداب الاجتماع هو رفق الإنسان بمن يقصد زيارته في منزله، ولو كان شره في الناس فاشياً.
على أن إطلاق جبينك لمثل هذا الزائر لا يمنعك من أن تشعره بطريق سائغ أنك غير راض عما يشيعه في الناس من أذى، ولا يعوقك عن أن تعالجه بالموعظة الحسنة، إلا أن يكون شيطاناً مارداً.
ومن المداراة: أن تلقى ذا يد تبطش، فتمنحه جبيناً طلقاً، وتتجنب في حديثك ما لا يكون له أثر في نفسه، إلا أنه يثير فيها القصد إلى أذيتك، وهذا مجمل قول أبي الدرداء ﵁: "إنا لنكشر في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لَتَلْعنهم"، وفي رواية: "لتقليهم" (٢)، والكشر: التبسم. وفي هذا الأثر شاهد على أن التبسم في وجه الظالم اتقاء بأسه ضرب من المداراة، ولا يتعداها إلى أن يكون مداهنة.
ومن المداراة: أن يكون الرجل على حال تقتضي صرفه عن بغية، أو
стр. 2162
عمل، وتعرف أن في الاعتذار له بهذا الحال ما يثير في نفسه ألماً، فتعرض عن ذكر ما يؤلم، وتذكر له وجهًا غيره مما هو واقع، حتى لا تجمع له بين الحرمان من بغيته، وإيلامه بما لا يجب أن يعتذر له به.
أصاب الكسائي وَضَح (برص)، وهو مؤدبُ أبناء هارون الرشيد، فكره الرشيد ملازمته لأولاده، فقال له: كبرتَ في السن، ولسنا نقطع راتبك، وأمره أن يختار لهم من ينوب عنه ممن يرضاه، فاختار لهم علي بن الحسن المعروف بالأحمر. ولا ريب أن اعتذار هارون الرشيد للكسائي بكبر السنن أخف على نفسه من أن يقول له: أُصِبْت بوضَحٍ، ولسنا نقطع راتبك.
فالنفوس المطبوعة على المداراة، نفوس أدركت أن الناس خلقوا ليكونوا في الائتلاف كجسد واحد، وشأن الأعضاء السليمة أن تكون ملتئمة متماسكة على قدر ما فيها من حياة، ولا تنكر عضوًا ركب معها في جسد، إلا أن يصاب بعلة يعجز الأطباء أن يَصِفوا له بعدُ دواء.
فالمداراة يُبتغى بها رضا الناس، وتكليفهم في حدود ما ينبغي أن يكون، فلا يُبعدك عنها قضاء بالقسط، أو إلقاء النصيحة في رفق، فلم يخرج عن المداراة أبو حازم حين دخل على سليمان بن عبد الملك، وقال له: "إنما أنت سوق، فما نفق عندك، حمل إليك؛ من خير أو شر، فاختر أيهما شئت".
ترجع المداراة إلى ذكاء الشخص نفسه؛ فهو الذي يراعي في مقدارها وطريقتها ما ينبغي أن يكون، ولأسباب العداوة مدخل في تفاوت مقادير المداراة، واختلاف طرقها، فإذا ساغ لك أن تبالغ في مداراة من ينحرف عنك لخطأ في ظنٍّ يظنُّه بك، أو لعدم ارتياحه لنعمة يسوقها الله إليك، فلمداراة من يحارب الحق والفضيلة إن صادفك واقتضى الحال مداراته، حد قريب، ومسحة من
стр. 2163
التلطف خفيفة، وينبغي أن تكون مداراتك لمن ترجو منه العود إلى الرشد، وتأنس في فطرته شيئاً من الطيب، فوق مداراتك لمن شابَ على عِوَج العقل، ولؤم الخلُق، حتى انقطع أَمَلُك من أن يصير ذا عقل سليم، أو خلق كريم، ولك مع من فيه بقية من العقل ضرْب من المداراة لا تسلكه مع من يعد مداراتك له أثر الخوف من سلاطة لسانه، فيزداد فُحشًا؛ ليزداد الناس رهبة، فيزيدوه خضوعاً.
المداراة خصلة كريمة، يحكمها الأذكياء، ولا يتعدى حدودها الفضلاء.
أما المداهنة، فهي إظهار الرضا بما يصدر من الظالم أو الفاسق من قول باطل، أو عمل مكروه، وأصلها الدِّهان، وهو: الذي يظهر على الشيء، ويستر باطنه.
تضم المداهنة تحت جناحيها: الكذب، وإخلاف الوعد.
أما الكذب، فلأن المداهن يقصد إلى إرضاء صاحبه في الحال، فلا يبالي أن يعده بشيء، وهو عازم على أن لا يصدق في وعده، وليس من الصعب على المداهن - وقد مرَد (١) على الكذب - أن يخلف الوعد، ويختلق لإخلافه عذراً، وهذا الاختلاق لا يرتكبه الراسخ في كرم الأخلاق، وإن كلفه الوفاء بالوعد أمراً جللاً.
فالمداهن لا يتريث في أن يَعِدَ؛ لأنه لا يتألم من أن يخلف، ولا يصعب عليه أن يصور من غير الواقع عذراً، والراسخ في الفضل لا يعد إلا عند العزم على أن يصدق فيما وعد، فإن وقف أمامه عائق، كشف لك عن وجهه الحق،
стр. 2164
فإذا لم يساعده الحال على إنجاز الوعد، لم يفُتْه الصدق فيما يلقيه إليك من عذر.
ومن المداهنة: أن تثني على الرجل في وجهه، فإذا انصرفْتَ عنه، أطلقتَ لسانك في ذمّه.
قيل لابن عمر ﵁: "إنا ندخل على أمرائنا، فنقول القول، فإذا خرجنا، قلنا غيره"، فقال: "كنا نَعُدُّ ذلك نفاقاً على عهد رسول الله ﷺ ".
وقد قرر أهل العلم أن الرجل إن كان مستغنياً عن الدخول على من يضطره الحال إلى الثناء عليه، فدخل، وأثنى بغير ما يعلم، كان نفاقاً؛ أما إن اضطر إلى الدخول على ذي قوة لا يخلص من بأسه إلا أن يُسمعه شيئاً من الإطراء، فهو في سعة من أن يُطريه بمقدار ما يخلص من بأسه، ولا تُلْحِقه هذه الحالة الشاذة بزمرة المداهنين.
انهزم جيش السلطان فرج بن برقوق أمام جيش الطاغية تيمورلنك، ووقع طائفة من العلماء في أسر الطاغية، ومن هذه الطائفة: الفيلسوف ابن خلدون، فكان من هذا الفيلسوف أن تقدم إلى تيمورلنك، وقال له فيما حادثه به: "إني ألفت كتاباً في تاريخ العالم، وحلَّيته بذكرك، وما أسفي إلا على هذا الكتاب الذي أنفقت فيه عمري، وقد تركته بمصر، وإن عمري الماضي ذهب ضياعًا حيث لم يكن في خدمتك، وتحت ظل دولتك، والآن أذهب، فآتي بهذا الكتاب، وأرجع سريعًا حتى أموت في خدمتك"، فأطلق سبيله، فقدم مصر، ولم يعد إليه.
ومن أسوأ ما يفعل المداهن: أن يلاقي رجلين بينهما عداوة، فيظهر لكل واحد الرضا عن معاداته لصاحبه، ويوافقه على دعوى أنه المحق، وصاحبه
стр. 2165
هو المبطل، وفي مثل هذا ورد قوله ﷺ : "تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" (١).
وقال حكيم من بني أسد:
ولستُ بذي وَجْهينِ فيمَنْ عرفْتُه ... ولا البخُلُ فاعلم من سمائي ولا أرضي
يتخذ الرجل وجهين متى كان يطمح إلى ما في أيدي الناس من متاع، أو كان يطمع في إرضاء طوائف على تباعد ما بينهم من نزعات، وعلى شدة ما بينهم من اختلاف، والعبور إلى النفع على جسر من المداهنة يحرم صاحبه من أعز متاع هو الصدق، بعد أن يحرمه من أطيب لذة هي ارتياح الضمير. ومن كان حريصاً على أن يكون صديق الطوائف المتباينة، فإن الطيّب منهم يأبى أن يلوث صدره بصداقة من يتملق الخبيث.
المداهنون يجعلون ألسنتهم طوع بغية الوجيه، ويعجّلون إلى قول ما يشتهي أن يقولوا، فيمدحون ما يراه حسناً، ويذمون ما يعده سيئاً، أما الذين يعرفون ما في المداهنة من شر، ويحزنهم أن يظهر الشر على يد من في استطاعته الخير، فيربؤون بألسنتهم أن تساير في غير حق، ويؤثرون نُصْحَ الوجيه على أن يزينوا له ما ليس بزين.
ابتنى الخليفة عبد الرحمن الناصر "القبيبة" بقصر الزهراء، واتخذ لسطحها قراميد من ذهب وفضّة، وجلس فيها إثر إتمامها، وقال لمن حضر مفتخرًا: "هل رأيتم أو سمعتم من فعلَ هذا من قبلي؟ "، فقالوا: إنك لأوحد في شأنك
стр. 2166
كله، ولكن القاضي منذر بن سعيد وعظه وعظاً بليغاً، وتلا عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]، فأطرق الناصر مليًا، ثم أقبل على منذر، وقال له: جازاك الله يا قاضي عنا وعن نفسك خيراً، وعن الدين والمسلمين أجل جزائه، فالذي قلت هو الحق، وقام من مجلسه، ونقض سقف "القبيبة"، وأعاد قرمدها تراباً.
والوجيه الحازم يكره المداهنة، ويملأ عينه باحترام من يوقظه لوجه الخير إذا كان في غفلة منه، ولوجه الشر إذا اشتبه عليه.
قال الطاهر بن الحسين في الكتاب الذي بعث به لابنه عبد الله بن طاهر: "وليكن كرم دخلائك وخاصتك عليك: من إذا رأى عيباً، لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في ستر، وإعلامك بما فيه من النقص؛ فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك لك".
وقع الوزير هاشم بن عبد العزيز في يد العدو أسيراً، وذكره الأمير محمد ابن عبد الرحمن الأموي في جماعة من رجال دولته مستقصراً له، ناسباً له إلى الطيش والعجلة والاستبداد برأيه، فلم ينطق أحد ممن كان في المجلس بالاعتذار عنهما عدا الوزير الوليد بن عبد الرحمن بن غانم، فإنه اعتذر عن الوزير هاشم، ورد على السلطان في مسلك سائغ، ومما قال في الاعتذار عن هاشم: "قد استعمل جهده، واستفرغ نصحه، وقضى حق الإقدام، ولم يك ملاك النصر بيده، فخذَله من وثق به، ونَكَلَ عنه من كان معه"، ثم قال: "فإنه لا طريق للملام عليه، وليس عليه ما جنته الحرب الغشوم، وأيضًا فإنه ما قصد أن يجود بنفسه إلا رضا للأمير، واجتناباً لسخطه، فإذا كان ما اعتمد فيه الرضا
стр. 2167
جالباً التقصير، فذلك معدود في سوء الحظ". فأعجب الأمير بكلامه، وأقصر بعد عن تفنيد هاشم، وسعى في تخليصه من الأسر.
ومن عظماء الرجال من يبغض المداهنة، ولا يقبل من جليس مبالغة في مدح أو مسايرة.
ومن المُثل الكاملة لهؤلاء العظماء: عمر بن عبد العزيز ﵁؛ فإنا نقرأ في سيرته: أنه قال لجرير حين دخل عليه بقصيدة يهنئه فيها بالخلافة: "اتَّقِ الله يا جرير، ولا تقل إلا حقاً".
وقال له رجل مرة: "طاعتكم مفروضة"، فقال له: "كذبت! لا طاعة لنا عليكم إلا في طاعة الله".
والأجلّاء من علماء الدين الذين كانوا يداخلون رجال السياسة، فينعقد بينهما التئام أو صداقة، كانوا يأخذون بسنّة المداراة، ولم يكونوا - فيما نقرأ من سيرتهم - يتلطخون برِجْسِ المداهنة.
فهذا أبو الوليد الباجي كان يصاحب رجال السياسة، ويختارونه للسفارة بينهم، وهو الذي قال لمن ذكره بمداخلة السلطان: لولا السلطان، لنقلني الذرُّ (١) من الظلِّ إلى الشمس. وتاريخه يشهد بأن قوة إيمانه كانت تحرسه من أن يقع في حمأ المداهنة.
كان مرة في انتظار أحمد بن هود صاحب "سرقسطة" بالأندلس، فجالسه ابنه الملقب بالمؤتمن، وأخذ المؤتمن يجاذب الباجي الحديث في كتب الفلسفة حتى قال له: "هل قرأت أدب النفس لأفلاطون؟ "، فقال له
стр. 2168
الباجي: "قرأت أدب النفس لمحمد بن عبد الله ﷺ "؛ يعني: شريعته من قرآن وسنّة.
والباجي هو الذي رجع من الشرق إلى الأندلس، فوجد أمراءها في تقاطع، والعدو يتحفز لوضع يده على رقابهم، فقام يتردد على مجالسهم، ويطرق بالنصيحة آذانهم، ويسعى لجمع كلمتهم، فكانوا يجلونه في الظاهر، ويستبردون نزعته في الباطن، وأقل ما يجتنيه الداعي إلى الإصلاح براءة ذمته، وأنه عند الوقوف بين يدي ربّه.
فالنفوس التي تنحط في المداهنة انحطاطَ الماء من صَبَب، نفوس لم تشبّ في مهد الأدب السنيّ، ولم تهدها المدرسة إلى الصراط السويّ، وما شاعت المداهنة في جماعة، إلا تقلصت الكرامة من ديارهم، وكانت الاستكانة شعارهم، ومن ضاعت كرامتهم، وداخلت الاستكانة نفوسهم، جالت أيدي البغاة في حقوقهم، وكان الموت أقرب إليهم من حبال أوردتهم.
فمن واجب أساتذة التربية ودعاة الإصلاح: أن يُعنوا بجهاد هذا الخلق المشؤوم حتى ينفوه من أرضنا، وتكون أوطاننا ومدارسنا منابت نشء يميزون المداهنة من المداراة، فيخاطبون الناس في رقة أدب وشجاعة، ويحترمون من لا يلوث أسماعهم بالملق، ولا يكتمهم الحقائق متى اتسع المقام لأن يحدثهم في صراحة.
стр. 2169
الرفق بالحيوان (١)
أقام الإِسلام هدايته على أساس الرحمة المحفوفة بالحكمة، والرحمةُ تبعث النفوس مبعث الرفق والإحسان، والحكمةُ تقف بالرحمة عند حدود لو تجاوزتها، انقلبت إلى ضعف ورعونة، وعلى هذا الطريق الوسط جاءت الأحكام والآداب الخاصة بالتصرف في الحيوان.
أذِنَ الإِسلام في أكل الطيّب من الحيوان، ونبَّه بهذا الإذن على خطأ أولئك الذين يقبضون أيديهم عن تذكيته، أو أكله بدعوى الرأفة أو الزهد، وأباح استعماله في نحو الركوب والحراثة وحمل الأثقال.
وقد امتنَّ القرآن الكريم بهذه الضروب من الاستمتاع المألوف بين العقلاء، فقال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٥ - ٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]
امتن الله تعالى في كتابه العزيز بما يتخذ من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها وجلودها من الملابس والفرش، والبيوت، وبما يتغذى به من ألبانها
стр. 2170
ولحومها، وبما هُيئت له من حمل الأثقال، وهذه المنافع من أهم ما تنتظم به حياة الإنسان.
وقال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، فذكر في هذه الآية أهم ما خلقت له الخيل والبغال والحمير من المنافع، وهو الركوب، وفي الركوب راحة البدن، وسرعة الانتقال من مكان إلى مكان، والراحة من متممات الصحة، وسرعة الانتقال حفظ للوقت من أن يذهب في غير جدوى.
امتنَّ الله تعالى بالأنعام والخيل وما عطف عليها، ونبه على ما فيها من جَمال وزينة، وفي هذا ما يرشد إلى أن يكون الاستمتاع بها في رفق ورعاية؛ فإن إرهاقها، أو قلة القيام على ما تستمد منه حياتها، يجعل نفعها ضئيلًا، ويذهب بما فيها من جَمال وزينة.
كان للعرب قبل الإِسلام عادات تحرمهم من الانتفاع ببعض أفراد الحيوان، وفيها قوة على أن ينتفعوا بها، ومن هذا القبيل: الناقة المسماة بالسائبة، وهي الناقة التي يقول فيها الرجل: إذا قدمت من سفري، أو برئت من مرضي، فهي سائبة، ويحرم ركوبها ودرّها؛ والوصيلة: وهي أن تلد الشاة ذكراً وأنثى، فيقولون: وصلت أخاها، فلا يذبح من أجلها الذكر؛ والجمل المسمى بالحام: وهو الفحل الذي ينتج من صلبه عشرة أبطن، فكانوا يقولون: قد حمى ظهره، ويمتنعون من ركوبه والحمل عليه، والبَحيرة: وهي الناقة التي تنتج خمسة أبطن آخرها ذكر؛ فإنهم كانوا يبحرون أذنها؛ أي: يشقونها، ثم يحرمون ركوبها ودرّها.
ثم جاء الإِسلام، فلم ير من الحكمة تعطيل الحيوان وهو صالح لأن
стр. 2171
يُنتفع منه، فنهى عن هذا التعطيل الناشئ عن سفاهة الرأي، فقال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣].
وكان للعرب عادات يسومون فيها الحيوان سوء العذاب، ومن هذه العادات: ما يفعلونه لموت كريم القوم، إذ يعقلون ناقته أو بعيره عند القبر، ويتركونها في حفرة لا تطعم ولا تسقى حتى تموت.
ومن هذا الباب: شقّهم لآذان الأنعام كما قصصنا عليك عادتهم في البحيرة، وهو ما أشار القرآن إلى قبحه؛ إذ جعله مما يأمر به الشيطان، فقال تعالى: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٨ - ١١٩].
ما زال الحيوان كسائر الأمتعة تحت يد مالكه يفعل فيه كيف يشاء، وإذا ناله رفق، فمن ناحية عاطفة الإنسان على ما يملك؛ لتطول مدة انتفاعه به، ولكن الإِسلام أرشد إلى أن الحيوان في نفسه حقيق باللطف، فغرس له في القلوب عطفًا عاماً، واستدعى له الرحمة حتى من قوم لا ينتفعون، أو لا يرجون أن ينتفعوا به في حال. وجعل الرفق به من قبيل الحسنات التي تذهب السيئات، وتنال بها المثوبة عند الله.
أذِنَ الإِسلام في قتل الحيوان المؤذي؛ كالكلب العقور، والفأرة، وأمر بالإحسان في القتل، فقال ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم، فأحسنوا القتلة". وأذن في ذبح الحيوان للاستمتاع بالطيب من لحومه، فقال ﷺ : "وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
стр. 2172
قد يخطر على البال: أنه متى أذِنَ في قتل الحيوان أو ذبحه، فللإنسان أن يتخذ لإزهاق روحه ما يشاء من الطرق أو الوسائل، فقصد الشارع الحكيم إلى دفع هذا الخاطر، وإرشاد الناس إلى اتخاذ أحسن الطرق في القتل أو الذبح، فلا يجوز إحراق ما أُذِنَ في قتله، أو التمثيلُ به، ويجب إرهاف آلة الذبح حتى لا يلاقي الحيوان قبل إزهاق روحه آلاماً.
وقد ذكر أهل العلم آداباً اقتبسوها مما جاءت به الشريعة من أصول الرفق بالحيوان، فقال عمر ﵁: "من الإحسان للذبيحة: أن لا تجر الذبيحة إلى من يذبحها".
وقال ربيعة: "من الإحسان: أن لا تذبح ذبيحة وأخرى تنظر إليها".
وقالوا: يستحب للذابح أن لا يحد شفرته بحضرة الذبيحة، وأن لا يصرعها بعنف.
أباحت الشريعة صيد الحيوان بنحو الجوارح والنبال والشباك؛ لينتفع منه الإنسان بما يحل الانتفاع به، ومنعت من أن يُنصَب الحيوان غرضاً ليرمى بنحو النبال.
ومما نقرؤه في أحاديث رسول الله ﷺ : قوله: "لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غَرَضاً" (١). وفي "صحيح الإمام مسلم": "مرّ ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر، تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً".
стр. 2173
ووردت أحاديث عن النَّبي ﷺ في فضل سقي الحيوان وإطعامه، وعدِّهما من عمل الخير الذي تنال به الزلفى عند الله، قال ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة" (١).
وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكره الله، فغفر له"، قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ " فقال: "في كل ذات كبد رطبة أجر" (٢).
وانظر إلى قولهم: "وإن لنا في البهائم أجراً"، تَرَهم كيف كانوا يستهينون بأمر الحيوان، ولا يعتقدون أن الإحسان إليه يبلغ مبلغ الإحسان إلى الإنسان، فيستحقون عليه أجراً، وكيف يكون حال حيوان وقع تحت يد من لا يعتقد أنه سينال بالإحسان إليه ثوابًا، ويلقى من أجل القسوة عليه عذاباً؟!.
وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: "عذبت امرأة في هرّة لم تطعمها، ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض" (٣). والوعيد بعقوبة النار على الأمر يدل على أنه من المحظور حظرًا لا هوادة فيه، ومن ذا يخطر على باله قبل هذا أن يكون لحيوان كالهرة حرمة تبلغ في الخطر أن يعاقب من
стр. 2174
ينتهكها بعذاب النار؟!.
وقرر الفقهاء وجوب القيام على سقي الدابة وإطعامها؛ بأن يعلفها، أو يرعاها بنفسه، أو يَكِلَ لغيره رعْيها، ولو بأجر، ولم يختلفوا في وجوب ذلك عليه، وصرح طائفة منهم بأنه يجبر عليه قضاءً، فإن لم يفعل، بيعت الدابة، ولا تترك تحت يده تقاسي عذاب الجوع.
ومما نقرؤه في حديث رسول الله ﷺ : أنه مر ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة (١)، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة" (٢).
وتحرم الشريعة الإساءة إلى الحيوان بتحميله من الأثقال ما لا يطيق، وكان الصحابة ﵃ يعرفون أن من حمّل دابة ما لا تطيق، حوسب عليه يوم القيامة.
يروى عن أبي الدرداء ﵁: أنه قال لبعير له عند الموت: يا أيها البعير! لا تخاصمني إلى ربك؛ فإني لم أكن أحمّلك فوق طاقتك.
وقال الغزالي في الحديث عن الرفق بالدابة، وعدم تحميلها ما لا تطيق: "والمحمل (٣) خارج عن حد طاقتها، والنوم عليها يؤذيها، ويثقل عليها"، وقال: "كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا غفوة عن قعود".
وإنما يجوز الحمل على ما يطيق الحمل؛ كالإبل والبغال والحمير،
стр. 2175
ولا يجوزالحمل على ما لم يخلق للحمل؛ كالبقر.
قال ابن العربي: لا خلاف في البقر أنه لا يجوز أن يحمل عليها.
وذهب كثير من أهل العلم إلى المنع من ركوبها؛ نظراً إلى أنها لا تقوى على الركوب، وإنما ينتفع بها فيما تطيقه من نحو إثارة الأرض، وسقي الحرث.
ومن الرفق بالدابة: أن لا يركبها ثلاثة أشخاص يكون عبؤهم عليها ثقيلاً.
أخرج ابن أبي شيبة عن زاذان: أنه رأى ثلاثة على بغل، فقال: لينزل أحدُكم؛ فإن رسول الله ﷺ لعن الثالث.
وأخرج الطبري عن علي ﵁: أنه قال: "إذا رأيتم ثلاثة على دابة، فارجموهم حتى ينزل أحدهم".
ومحمل هذه الآثار على حال ما إذا كان ركوب الثلاثة يرهق الدابة، فإن كانت تطيق ذلك؛ كالناقة أو البغلة يركبها رجل وصبيّان - مثلاً -، فليس به من بأس، ولا سيما ركوبها في مسافة قصيرة، وهذا ما كان من النَّبي ﷺ حين قدم مكة راكباً على بغلته، فاستقبله أغيلمة من بني عبد المطلب، فحمل واحداً بين يديه، والآخر خلفه.
ومن الرفق بالحيوان: تجنب أذيته في بدنه بنحو الضرب الأليم، والإشعار الوارد في بُدن الهدي ليس إلا جرحًا في سنام البعير بنحو المبضع؛ ليكون علامة أنها هَدْي، وأما طعن البدنة بنحو السنان حتى يتجاوز الجلد إلى اللحم، فإنما يرتكبه الجهال، ولا يختلف العلماء في تحريمه.
وورد النهي عن خصاء البهائم كما جاء من حديث ابن عمر: "أن