يُنتفع منه، فنهى عن هذا التعطيل الناشئ عن سفاهة الرأي، فقال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣].
وكان للعرب عادات يسومون فيها الحيوان سوء العذاب، ومن هذه العادات: ما يفعلونه لموت كريم القوم، إذ يعقلون ناقته أو بعيره عند القبر، ويتركونها في حفرة لا تطعم ولا تسقى حتى تموت.
ومن هذا الباب: شقّهم لآذان الأنعام كما قصصنا عليك عادتهم في البحيرة، وهو ما أشار القرآن إلى قبحه؛ إذ جعله مما يأمر به الشيطان، فقال تعالى: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٨ - ١١٩].
ما زال الحيوان كسائر الأمتعة تحت يد مالكه يفعل فيه كيف يشاء، وإذا ناله رفق، فمن ناحية عاطفة الإنسان على ما يملك؛ لتطول مدة انتفاعه به، ولكن الإِسلام أرشد إلى أن الحيوان في نفسه حقيق باللطف، فغرس له في القلوب عطفًا عاماً، واستدعى له الرحمة حتى من قوم لا ينتفعون، أو لا يرجون أن ينتفعوا به في حال. وجعل الرفق به من قبيل الحسنات التي تذهب السيئات، وتنال بها المثوبة عند الله.
أذِنَ الإِسلام في قتل الحيوان المؤذي؛ كالكلب العقور، والفأرة، وأمر بالإحسان في القتل، فقال ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم، فأحسنوا القتلة". وأذن في ذبح الحيوان للاستمتاع بالطيب من لحومه، فقال ﷺ : "وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
стр. 2172
قد يخطر على البال: أنه متى أذِنَ في قتل الحيوان أو ذبحه، فللإنسان أن يتخذ لإزهاق روحه ما يشاء من الطرق أو الوسائل، فقصد الشارع الحكيم إلى دفع هذا الخاطر، وإرشاد الناس إلى اتخاذ أحسن الطرق في القتل أو الذبح، فلا يجوز إحراق ما أُذِنَ في قتله، أو التمثيلُ به، ويجب إرهاف آلة الذبح حتى لا يلاقي الحيوان قبل إزهاق روحه آلاماً.
وقد ذكر أهل العلم آداباً اقتبسوها مما جاءت به الشريعة من أصول الرفق بالحيوان، فقال عمر ﵁: "من الإحسان للذبيحة: أن لا تجر الذبيحة إلى من يذبحها".
وقال ربيعة: "من الإحسان: أن لا تذبح ذبيحة وأخرى تنظر إليها".
وقالوا: يستحب للذابح أن لا يحد شفرته بحضرة الذبيحة، وأن لا يصرعها بعنف.
أباحت الشريعة صيد الحيوان بنحو الجوارح والنبال والشباك؛ لينتفع منه الإنسان بما يحل الانتفاع به، ومنعت من أن يُنصَب الحيوان غرضاً ليرمى بنحو النبال.
ومما نقرؤه في أحاديث رسول الله ﷺ : قوله: "لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غَرَضاً" (١). وفي "صحيح الإمام مسلم": "مرّ ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر، تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً".
стр. 2173
ووردت أحاديث عن النَّبي ﷺ في فضل سقي الحيوان وإطعامه، وعدِّهما من عمل الخير الذي تنال به الزلفى عند الله، قال ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة" (١).
وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكره الله، فغفر له"، قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ " فقال: "في كل ذات كبد رطبة أجر" (٢).
وانظر إلى قولهم: "وإن لنا في البهائم أجراً"، تَرَهم كيف كانوا يستهينون بأمر الحيوان، ولا يعتقدون أن الإحسان إليه يبلغ مبلغ الإحسان إلى الإنسان، فيستحقون عليه أجراً، وكيف يكون حال حيوان وقع تحت يد من لا يعتقد أنه سينال بالإحسان إليه ثوابًا، ويلقى من أجل القسوة عليه عذاباً؟!.
وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: "عذبت امرأة في هرّة لم تطعمها، ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض" (٣). والوعيد بعقوبة النار على الأمر يدل على أنه من المحظور حظرًا لا هوادة فيه، ومن ذا يخطر على باله قبل هذا أن يكون لحيوان كالهرة حرمة تبلغ في الخطر أن يعاقب من
стр. 2174
ينتهكها بعذاب النار؟!.
وقرر الفقهاء وجوب القيام على سقي الدابة وإطعامها؛ بأن يعلفها، أو يرعاها بنفسه، أو يَكِلَ لغيره رعْيها، ولو بأجر، ولم يختلفوا في وجوب ذلك عليه، وصرح طائفة منهم بأنه يجبر عليه قضاءً، فإن لم يفعل، بيعت الدابة، ولا تترك تحت يده تقاسي عذاب الجوع.
ومما نقرؤه في حديث رسول الله ﷺ : أنه مر ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة (١)، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة" (٢).
وتحرم الشريعة الإساءة إلى الحيوان بتحميله من الأثقال ما لا يطيق، وكان الصحابة ﵃ يعرفون أن من حمّل دابة ما لا تطيق، حوسب عليه يوم القيامة.
يروى عن أبي الدرداء ﵁: أنه قال لبعير له عند الموت: يا أيها البعير! لا تخاصمني إلى ربك؛ فإني لم أكن أحمّلك فوق طاقتك.
وقال الغزالي في الحديث عن الرفق بالدابة، وعدم تحميلها ما لا تطيق: "والمحمل (٣) خارج عن حد طاقتها، والنوم عليها يؤذيها، ويثقل عليها"، وقال: "كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا غفوة عن قعود".
وإنما يجوز الحمل على ما يطيق الحمل؛ كالإبل والبغال والحمير،
стр. 2175
ولا يجوزالحمل على ما لم يخلق للحمل؛ كالبقر.
قال ابن العربي: لا خلاف في البقر أنه لا يجوز أن يحمل عليها.
وذهب كثير من أهل العلم إلى المنع من ركوبها؛ نظراً إلى أنها لا تقوى على الركوب، وإنما ينتفع بها فيما تطيقه من نحو إثارة الأرض، وسقي الحرث.
ومن الرفق بالدابة: أن لا يركبها ثلاثة أشخاص يكون عبؤهم عليها ثقيلاً.
أخرج ابن أبي شيبة عن زاذان: أنه رأى ثلاثة على بغل، فقال: لينزل أحدُكم؛ فإن رسول الله ﷺ لعن الثالث.
وأخرج الطبري عن علي ﵁: أنه قال: "إذا رأيتم ثلاثة على دابة، فارجموهم حتى ينزل أحدهم".
ومحمل هذه الآثار على حال ما إذا كان ركوب الثلاثة يرهق الدابة، فإن كانت تطيق ذلك؛ كالناقة أو البغلة يركبها رجل وصبيّان - مثلاً -، فليس به من بأس، ولا سيما ركوبها في مسافة قصيرة، وهذا ما كان من النَّبي ﷺ حين قدم مكة راكباً على بغلته، فاستقبله أغيلمة من بني عبد المطلب، فحمل واحداً بين يديه، والآخر خلفه.
ومن الرفق بالحيوان: تجنب أذيته في بدنه بنحو الضرب الأليم، والإشعار الوارد في بُدن الهدي ليس إلا جرحًا في سنام البعير بنحو المبضع؛ ليكون علامة أنها هَدْي، وأما طعن البدنة بنحو السنان حتى يتجاوز الجلد إلى اللحم، فإنما يرتكبه الجهال، ولا يختلف العلماء في تحريمه.
وورد النهي عن خصاء البهائم كما جاء من حديث ابن عمر: "أن
стр. 2176
رسول الله ﷺ نهى أن يخصى الإبل والبقر والغنم والخيل" (١). وبهذا احتج فريق من أهل العلم على أنه لا يحل خصاء شيء من الفحول، وأفتى فريق بجوازه متى دعت إليه مصلحة؛ كان يخاف عضاضه، وإذا وجد طريق لمثل هذه المصلحة من غير الخصاء، لم يبق موضع للخلاف؛ لأنه تعذيب، وقد نهى الشارع عن تعذيب الحيوان.
ومن الرفق بالدابة: أن لا يتابع السير عليها متابعة ترهقها تعبًا، قال ﷺ : "إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظًا من الأرض" (٢)، وفي رواية: "ولا تعدو المنازل".
وورد في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة (٣) إلا قطعت"، فذهب بعض أهل العلم في فهم الحديث مذهب الرحمة بالحيوان، وقال: إنما أمر بقطع القلائد من أعناق الإبل؛ مخافة اختناق الدابة بها عند شده الركض، ولأنها تضيق عليها نفسها ورعيها، وكراهة أن تتعلّق بشجرة، فتخنقها، أو تعوقها عن المضي في سيرها.
ومن المحظور: وقوف الراكب على الدابة وقوفاً يؤلمها، وقد ورد في النهي عن هذا الصنيع حديث: "إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر؛ فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس" (٤).
وذكر الغزالي أن أهل الورع من السلف كانوا لا يقفون على الدواب
стр. 2177
الوقوف الطويل.
ومن الفنون التي يسلكها قساة القلوب في تعذيب الحيوان: تهييج بعض الحيوان على بعض؛ كما يفعل بين الكباش والديوك وغيرها، وهو من اللهو الذي حرمته الشريعة؛ لما فيه من إيلام الحيوان، وإتعابه في غير فائدة، وفي "سنن أبي داود"، والترمذي: "نهى رسول الله ﷺ عن التحريش بين البهائم "، والتحريش بينها: إغراء بعضها على بعض.
وان شئت أن تزيد يقيناً بما جاء به الإِسلام من الرأفة بالحيوان، فانظر إلى ما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه إذ قال: كنّا مع النَّبي ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمّرة (١) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تعرش (٢)، فلما جاء رسول الله ﷺ ، قال: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها"، ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: "من أحرق هذه؟ "، قلنا: نحن، قال: "إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار" (٣).
وقد نص علماؤنا على حرمة تمكين الصبي من التلهي بالطير على وجه فيه إيلام له، وأمّا ما ورد في الحديث من أن ابناً فطيماً لأم سليم كان يلعب بنُغَر (٤)، فمحمول على أن ذلك التلهي لم يكن بحال تعذيب؛ كأن يكون الطير في قفص أو نحوه، أو يكون التلهي بمحضر أحد أبويه، وهما يعلمان
стр. 2178
ما جاءت به الشريعة من النهي عن تعذيب الحيوان.
ونهى الشارع عن إيذاء الحيوان في وجهه نهياً خاصاً.
روى أنس: أن رسول الله ﷺ رأى حماراً موسوماً على وجهه، فقال: "لعن الله من فعل هذا" (١).
وقال المقداد بن معد يكرب: "سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن لطم خدود الدواب".
أما شتم الحيوان ولعنه، فأدنى ما يقال فيه: أنه لغو من القول، لا يصدر إلا ممن شأنه الرمي بألفاظ الشتم واللعن دون تدبر في معناها، ولا قصد إلى موضعها، بل وردت الأحاديث في الزجر عن لعن الحيوان بطريقة بالغة، فإنا نقرأ في "صحيح مسلم": أن امرأة كانت على ناقة، فضجرت منها، فلعنتها، فسمع رسول الله ﷺ ذلك، فقال: "خذوا ما عليها، وأعروها؛ فإنها ملعونة". وإنما أمر بإعراء الناقة مما عليها، وإرسالها، عقوبةً لصاحبتها، وفي رواية "لا تصحبنا ناقة عليها لعنة". وفي هذا الأسلوب من النهي مبالغة في الزجر عن لعن الحيوان، وكذلك كان النَّبي ﷺ يعمد إلى الشيء الذي يظنه الناس هينًا، فيزجر عنه بطريق أشد؛ حتى ينصرفوا عنه جملة.
ومن فوائد النهي عن لعن الحيوان: تطهير الألسنة من التعود على قول السوء، ومتى ارتدعت النفوس عن لعن ما لا يفهم للّعن معنى، كان ارتداعها عن لعن من تثور ثائرة غضبه، أو غضبِ بعض أوليائه إذا لعن، أقرب وأولى.
هذه شذرات مما أوصى به الإِسلام من الرفق بالحيوان، وإن شئت
стр. 2179
أن تعلم كيف كان أثرها في نفوس من يقتدون بآدابه في كل حال، فإليك مثلاً من آداب عديّ بن حاتم أحد أفاضل الصحابة، هو: أنه كان يفتّ الخبز للنمل، ويقول: إنهن جارات، ولهن حق (١).
ومن أدب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي: أنه كان يمشي في طريق يرافقه فيه بعض أصحابه، فعرض لهما كلب، فزجره رفيق الأستاذ، فنهاه الأستاذ، وقال له: أما علمت أن الطريق بيني وبينه مشترك؟!.
فقد رأيت كيف حاربت الشريعة السمحة طبيعة القسوة على الحيوان، وقررت للتصرف فيه أحكاماً مبنية على قاعدة الرفق بكل ذي كبد رطبة، ولعلك تنتبه مما تلوناه عليك أن الإِسلام قد وضع لجمعيات الرفق بالحيوان أساسًا يقيمون عليه دعوتهم، وما من نفس أو جمعية تدعو إلى ناحية من الخير إلا وجدت في هذه الشريعة ما يؤيد دعوتها، ويهديها سبيل الرشد إذا تشابهت السبل عليها.
ومما تضطرم له القلوب أسفاً: أن تؤسس جمعيات الرفق بالحيوان في بلاد أوربة منذ نحو مئة سنة، ويرتفع صوت الدعوة إلى الرحمة بالحيوان أكثر مما يرتفع في بلاد الإِسلام، حتى ظن كثير من الأحداث والعامة الذين يقيسون الأديان بسير المنتمين إليها: أن الإِسلام لم يوجه عنايته إلى واجب الشفقة على الحيوان، وأن أوربا هي صاحبة الفضل في الدعوة إلى هذه الشفقة!.
أنشئت في إنكلترة جمعية الرفق بالحيوان الملكية (سنة ١٨٢٤ م)، ومما يثير الخجل أن يكون لتلك الجمعية فرع في بلد إسلامي كالقاهرة، ولا يقوم
стр. 2180
بمثل عملها جماعة من المسلمين، وقد أيقظ الدين الحنيف في قلوب أسلافهم عاطفة الرحمة بالحيوان منذ (١٣٥٠ سنة).
وإذا احتاج الإنسان إلى حُماة، وهو يملك من البيان ما يعبر به عن حاجته، ويدافع به عن حقه، كان الحيوان الأعجم أشد احتياجًا إلى من يستجدي له الرحمة، ويدافع عنه البلاء بيده إن استطاع، أو بلسانه.
هذا والأمل معقود على أن تؤلف في أوطاننا جمعيات لمراقبة تصرف الناس في الحيوان، حتى إذا رأت صاحب الحيوان يرهقه يحمل الأثقال، أو يناله بأذى، سعت بما تستطيع من طرق النهي عن المنكر إلى إزالة ما تشهده من الإرهاق أو الأذى، فيكون لها حمد الناس في الدنيا، وثواب الله في الآخرة.
стр. 2181
محاكاة المسلمين للأجانب (١)
قد يوجد في أفراد البشر من يولد في بيئة عفاف وحكمة، وتتولاه يد التربية الحازمة بالتنبيه لمواقع الهَنات، فتكون سيرته كالسبيكة الخالصة لا يجد فيها الناقد مغمزاً. وليس على وجه المعمورة اليوم أمة استوفت خصال الكمال، وبلغت في رقيها المدني أن يفتح الناقد الألمعي فيها عينه، فلا يرى إلا أعمالاً مرضية، أو عادات مقبولة، فإذا وجد في الأفراد من يُفَضَّل ببراءته من العيوب جملة، فإن الأمم تُفَضَّل بغلبة خيرها على شرها، ورجحان محامدها على مذامها، وإذا وجد في الأفراد من يأذن لك أساتذة التربية في أن تقتدي بسيرته على الإطلاق، فليس في الأمم أمة يقول الرجل الحكيم لشعبه الناهض: خض خوضها في كل واد، وشابهها مشابهةَ الغراب للغراب.
هذه حقيقة قد تغيب عن أذهان فئة من الشعوب الآخذة في النهوض، فإذا رأوا أمة ذات معارف وسطوة، تهافتوا على محاكاتها في غير تدبر واحتراس، وربما سبقوا إلى ما يعدّ من سقط متاعها، ومستهجن عاداتها، فصبّوا هممهم في تقليدها فيه، فزادوا شعبهم وهناً على وهن، وكانوا كالعثرات تعترضه، فتعوقه عن السير، أو تجعل سيره في الأقل بطيئاً.
стр. 2182
ومتى أكثر في الشعب أمثال هؤلاء الذين لا يميزون في محاكاتهم السيئة من الحسنة، فقد الشعب هدايته الدينية، وتجردَ من مميزاته القومية، ولا يفلح شعب نكث يده من الدين الحق، ولا يعتز شعب نظر إلى قوميته بازدراء.
وقد تعرض ابن خلدون في "مقدمته" لهذه المحاكاة من حيث إنها طبيعة اجتماعية، فقال: "إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك: أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها، وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب"، ثم قال: "ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه، في اتخاذها، وأشكالها، بل هو في سائر أحواله"، ثم قال: "وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زيُّ الحامية وجندِ السلطان في الأكثر؛ لأنهم الغالبون لهم، حتى إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغالب عليها، يسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير؛ كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة، فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم، والكثير من عوائدهم وأحوالهم، حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت، حتى لقد يشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء، والأمر لله".
وهذا الذي قرره ابن خلدون طبيعة من طبائع الأمم الضعيفة حيث توجد بجوار أمة قوية، ولكنها طبيعة عرفت علتها، فيمكن لزعماء الأمة الضعيفة أن يعالجوا العلة، فتسْلم الأمة من هذه الطبيعة، ويمكنها أن تتحفظ من الاقتداء بالغالب، إلا فيما كان من وسائل الرقي والسيادة.
стр. 2183
يذكر ابن خلدون: أن العلة في هذا التقليد إمّا ما وقر في صدر الأمة من تعظيم الغالب، وإما ما تغالط به من أن غلب الغالب ليس بعصبية، ولا قوة بأس، وإنما هو بما انتحله من المذاهب والعوائد، وكلتا العلتين إنما تتفشى في الأمة الملقى حبلُها على عاتقها، تمشي على غير بصيرة، ولا تقصد إلى غاية نبيلة. فإذا قيض الله للأمة المغلوبة رجالاً يعالجون ما عساه أن يطغى في صدرها من تعظيم شأن الغالب، أو يوقظونها إلى ما تغالط به من أن غلب الغالب بما انتحله من المذاهب والعوائد، أنقذوها من عماية التقليد الذي تتجرد به من الآداب الدينية، والمميزات القومية. والناشئ الذي يدرس تاريخ الإِسلام، وما كان لرجاله من مجد شامخ، وسلطان كريم، لا يكبر في عينه سلطان الغالب إلى أن ينحدر في التشبه به في كل حال.
يذكر الكتّاب والخطباء تقليد المسلمين للأجانب، ومنهم المسرفون في الدعوة إلى التقليد، ومنهم الراشد.
وإليك كلمة تعرض عليك الرأي الذي يقف عند حدود الدين، ويرعى حق القومية، ويقدر المصالح، ويحرص على أن لا يفوت الأمة منها مثقال ذرة.
* محاكاة المسلمين للأجانب تظهر في خمسة وجوه:
أحدها: محاكاتهم فيما يشتمل على مصلحة دنيوية، ولا يخالف حكماً شرعياً، أو أدباً دينياً، وهذا مما تأذن الشريعة في الأخذ به، ويتأكد العمل به على قدر ما فيه من مصلحة، وليس من المعقول أن تنهى الشريعة عما فيه خير لمجرد أن قوماً من غير المسلمين سبقوا إليه. ويدخل في هذا: مجاراتهم في العلوم والصنائع، ووسائل الدفاع، والمرافق التي يخف بها جانب عظيم من عناء
стр. 2184
هذه الحياة.
ومن شواهد هذا: ما فعله النبي ﷺ من حفر الخندق حول المدينة المنورة، وقد أشار به سلمان الفارسي، وهو من مكايد الفرس في حروبها.
وفي أوربا اليوم نظم إدارية نزنها بقاعدة: رعاية المصالح، فنرى إجراءها في بلادنا من قبيل إصلاح الإدارة.
كنت أرسلت من "برلين" برقية لصديق لي في "جنيف"، فجاءني خطاب من إدارة البرقيات يقول لي: لم نهتد إلى معرفة المبعوث إليه بالبرقية، وبعد ساعات وصلتني برقية من تلك الإدارة تقول فيه: اهتدينا إلى معرفة صاحبك بعد، وأبلغناه البرقية. فمن ذا ينكر فائدة مجاراة الأجانب في مثل هذه النظم المريحة للنفوس؟!
وأذكر من أبيات للأستاذ محمد بن عبد الكريم المقيلي في الرد على من أنكر تعلم علم المنطق قوله:
دليلاً على شيء بمذهبِ أهلِهِ ... خُذِ العلم حتى من كَفُورٍ ولا تُقِمْ
ولا أسوق في هذا الوجه محكاتهم في بعض أخلاق انتظمت بها مدنيتهم، وارتفعت بها على كثير من البلاد درايتهم؛ كالصبر على المكاره، والإقدام على العظائم، وقوة رابطة الاتحاد والتعاون بين أفرادهم وجماعاتهم؛ فإن الإِسلام قد أرشد إلى جميع الأخلاق التي تزدهر بها المدنية، وتستحكم بها عرا السيادة، فإذا ظهر المسلمون بخلق عظيم، فإنما يقتبسونه من حكمة دينهم، وسيرة عظمائهم.
ثانيها: محاكاتهم في شيء من شعائر دينهم، وهذه المحاكاة إن كانت عن رضا، دلت على نبذ الإِسلام، ولا سيما محاكاة تقع منه مرة بعد أخرى، فإن
стр. 2185
قامت قرينة على أنه يقصد الاستهزاء بمن يقلدهم، فهي سفاهة وعصيان، فالذين يرسلون أبناءهم لمدارس أجنبية تحتم على كل تلميذ الاشتراك في القيام بشعائرها الدينية، إنما يلقون بأفلاذ أكبادهم في حفرة من النار.
وقد وصل ببعضهم الشغف بالانحطاط في هوى الأجانب، والانغماس في التشبه بهم: أن اقترح - في غير خجل - قلبَ هيئة المساجد إلى هيئة كنائس، وتغيير الصلوات ذات القيام والركوع والسجود إلى حال الصلوات التي تؤدَّى في الكنائس، وهذا الاقتراح شاهد على أن في الناس من يحمل تحت ناصيته جبينًا هو في حاجة إلى أن توضع فيه قطرة من الحياء.
ثالثها: محاكاتهم في شيء لم يكن من شعائر دينهم، ولكنه مما نهى عنه الإِسلام على وجه الحرمة؛ كتقليدهم في اختلاط الرجال بالنساء، ورقص الفتيان مع الفتيات، أو نهى عنه على وجه الكراهة؛ كتقليدهم في تناول الطعام باليد الشمال (١)، أو إطالة بعض الأظفار، والمحاكاةُ التي توقع في محرم، فسوقٌ عن أمر الله، والتي توقع في مكروه يخسر بها صاحبها قسطاً من ثواب الله.
هذا إذا كانت المحاكاة عن مجرد هوى، فإن كانت عن اعتقادِ أن ما يفعله الأجنبي أحكم وأليق، زلزلت أصل الإيمان، والتحقت بمحاكاته فيما هو من شعائر ملته، وعلى هذا الوجه يجري حكم استبدال قوانينهم الوضعية بأحكام الشريعة الغرّاء؛ نحو: القوانين المبيحة لما حرم الله من الربا.
ومن الأمراض التي سرت إلى المسلمين على طريق التقليد للأجانب:
стр. 2186
موبقة الانتحار، فقد يتخيل صغير العقل حيث يقع في بلاد أن الانتحار طريق يصح أن يسلك للتخلص من البلاء، متكئًا في هذا الخيال على أن كثيراً من رجال الدول أم الأمم الغالبة يرتكبونه وسيلة إلى الخلاص من مكاره تصيبهم، أو مكاره يخشون إصابتها.
ومن هذا الباب: محاكاتهم في إغلاق محالّ التجارة في يوم الأحد أو السبت، فقد ثبت أن النَّبي ﷺ قصد إلى صوم يوم السبت والأحد؛ ليخالف أهل الكتاب في جعلهما يومي عيد؛ لأن صوم اليوم يبعده من أن يكون عيداً.
نقرأ في "سنن أبي داود": أنه ﷺ كان يصوم يوم السبت والأحد، يتحرى ذلك، ويقول: "إنهما يوما عيد الكفار، وأنا أحب أن أخالفهم".
وأخرج الإمام أحمد، والنسائيُّ: "أنه ما مات ﷺ حتى كان أكثر صيامه السبت والأحد".
فإغلاق المسلم لمحل تجارته يوم الأحد أو السبت يناقض قصد رسول الله ﷺ إلى صوم هذين اليومين؛ لأن إغلاق محلّ التجارة أو الصناعة في يوم معين لا يلتزمه إلا مَن شأنُه أن يعتقد أن ذلك اليوم حقيق بأن يتخذ عيداً.
ومن محكاتهم فيما يحرمه الشرع، وينبذه العقل: إنشاء مكتب يستأذنه فاسدات الأخلاق في التجارة بأعراضهن، فلا يجد في صدره حرجًا أن يأذن لهن، وقد تيقظ كثير من رجال دولتنا الرشيدة إلى ما في هذه المحاكاة من شر مستطير، فأخذوا يجاهدون في تطهير البلاد من الخبائث، وسيلقون على هذا الجهاد شكراً صادقاً، وذكراً طيباً، وما عند الله خير وأبقى.
стр. 2187
رابعها: محاكاتهم فيما لم يتعرض له الدين بنهي خاص، ولكن رعاية جلب المصالح، أو درء المفاسد تقضي بترك هذه المحاكاة، والمصالح كالمفاسد تتفاوت في شدتها، فيفصل الحكم على حسب هذه التفاوت.
ومن أمثلة هذا النوع: اتخاذ بعض الأزياء الظاهرة في الاختصاص بهم؛ كالقبعة؛ فإنَّ وضعَ المسلم لها على رأسه بين قوم مسلمين يدل على ميله، وترجيحه لجانب من اختصوا بلبسها، ويوقع في اعتقاد الناظرين إليه أنه من طائفة المخالفين، والمسلم المطمئن لدينه يتحامى ما يدل على أنه يميل إلى غير أمته أكثر مما يميل إلى أمته، ويتألم من أن يصفه أحد بأنه من قوم غير مسلمين. وقد حاول بعض المفتونين بتقليد الغالب فيما لا أثر له في قوة سلطانه أن يحملوا أبناء المسلمين في مصر على لبسها، فخاب سعيهم، ولم يكن جند صلاح الدين الأيوبي الذي انتصر على جيوش الأوربيين في حطين حيث كانت الواقعة الفاصلة، يرضى بأن يتخذ في شعاره القبعات، ولم ينفع أعداءه المنهزمين أن كان على رأس كل واحد منهم قبعة!.
ويدخل في هذا القبيل: اتخاذ نحو الملابس وأثاث البيوت من مصنوعاتهم، وفي المصنوعات القومية ما يغني غناءها، وفي الإقبال على المصنوعات القومية فتح باب عظيم من أبواب الثروة العامة؛ وارتقاءُ الشعوب على قدر يسارها.
ومما يثير الأسف البالغ: أن يقتصر المسلم في رسائله، أو عند ذكر الحوادث على ما يؤرخ به المسيحيون، وهو التاريخ القائم على ميلاد المسيح ﵇ وقد فشت هذه المحاكاة حتى أصابت أقلاماً شأنها أن تنهى عن مثل هذا التشبيه. وفي الاعتماد على التاريخ الهجري محافظة على ذكرى مبدأ
стр. 2188
علو الإِسلام وظهوره على الدين كله. وكان صاحبنا العلامة أحمد تيمور باشا -رحمه الله تعالى- يقتصر في مراسلاته على التاريخ الهجري معتمداً هذا الاقتصار، حتى في مخاطبة الجمعيات أو الشركات الأجنبية.
خامسها: محاكاتهم في أمور لم يَرِدْ فيها عن الشارع نهي خاص، ولم تكن في نفس موافقتهم فيها مصلحة أو مفسدة، ولا تلقي على صاحبها شبهة الانتماء إلى ملتهم. ولا حرج في هذه المحاكاة إلا من جهة الاحتفاظ بالتقاليد القومية، فصغار النفوس أو العقول يسارعون إلى التخلي عن المعروف بين قومهم، ويستبدلون به المعروف بين الأمم الأجنبية، ولا داعي لهم إلى هذه المحاكاة إلا الافتتان بكل شأن من شؤون أولي الشوكة والسلطان. أما أولو الأحلام الراجحة، فلا ينتقلون عن المعهود في بيئتهم إلا إلى ما هو أفضل، ولا يفضل عرف على عرف لمجرد أنه يجري بين قوم لهم القوة والغلبة.
ومن أمثلة هذا: محاكاتهم في لون خاص يلتزمونه في حفلات خاصة، فليس للّون الخاص في الحفلات مصلحة أو مدخل في نهوض القوم، وإنما هي عادة جرت بينهم، وألفتها أذواقهم، فماذا لم يعتد قوم مسلمون التزام في مثل تلك الحفلات، وأبوا تقليد الأجانب في هذا العرف، دلوا بهذه الإباية على الاعتزاز بقوميتهم، ونبهوا على أنهم لا يريدون أن يكونوا أتباعاً حتى فيما لا يقدمهم خطوة، ولا يسد من حاجاتهم خلّة.
فإن خطر على بال أحد أن النَّبي ﷺ كان يسدل شعر رأسه موافقة لأهل الكتاب، قلنا: كان ﵊ بين فريقين: عبّاد الأوثان، وأهل الكتاب، وأهل الكتاب أقربُ إلى الدين الحنيف من عباد الأوثان، فهم بالموافقة يومئذٍ أحق من عباد الأوثان، ولكن بعد أن دخل عباد الأوثان في الإِسلام،
стр. 2189
وأصبح فرق الشعر شعار فريق كبير من المسلمين، عاد ﷺ ففرق شعر رأسه، وكان الفرق آخر حالتيه.
وإن تعجب، فعجب لذلك الذي وضعت صولة الغالب على بصيرته غشاوة، فقام يدعو المسلمين إلى تقليد الأجانب بدون قيد ولا استثناء، وذهب يذكر في وجه هذا التقليد المطلق غاية هي العمل لاتحاد العالم. ولا نطيل في وصف انحراف هذا الرأي، فإن العالم في حاجة إلى الاتحاد في معرفة واجبات الإنسانية، وفي احترام الأقوياء لحقوق الضعفاء، ومتى ظفر بهذا الاتحاد، لم يضره اختلاف شعوبه في بعض مظاهر الحياة. ثم ما بال هذا الكاتب يسعى لاتحاد العالم من ناحية دعوة المسلمين إلى موافقة الغربيين في كل شيء، ولم ينظر نظر المتدبر الرصين فيدعو الغربيين إلى موافقة المسلمين في آداب هي أشد انطباقاً على ما تقتضيه الإنسانية، وترتضيه الأذواق السليمة؟!.
هذه كلمة نوجهها إلى الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه؛ لعلهم يجدون فيها تحقيق الفرق بين محاكاة الأجنبي المحمودة، ومحاكاته المنبوذة، فيسلكوا طريقاً وسطاً يكفل لهم سعادتي الأولى والآخرة، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].
стр. 2190
الاجتماع والعزلة (١)
خُلق البشر لحكمة سامية، هي: عبادة مبدع الكائنات وحده، والعبادات: عقلية؛ كالإيمان بالخالق، وبدنية؛ كالصلاة، ومالية؛ كالزكاة، ومركبة من ماليّ وبدنيّ؛ كالحج والجهاد، فالعبادات لا تقام على وجهها إلا بوسائل هي: صحة الفكر، وسلامة البدن، وذات اليد، ولهذه الوسائل وسائل تسبقها؛ كالزراعة، والصناعة، والتفقه في الدين، وبعض العلوم النظرية؛ كالمنطق، أو الكونية؛ كالطب، وليس في استطاعة الفرد أو الرهط من الناس الاستقلال بهذه الوسائل، فاحتاج الناس بمقتضى فطرتهم وما خلقوا من أجله إلى التعارف والتعاون، ولا تعارف ولا تعاون إلا بالاجتماع.
فالاجتماع هو الذي تقتضيه الفطرة، وبه تنتظم العلوم، وتبلغ المدنية الفاضلة أشدها، فيتهيأ للناس أن يعبدوا الله على بصيرة، ويتقربوا إليه بضروب من الأعمال الصالحة لا تحصى.
يظهر إيثار الإِسلام للاجتماع على العزلة في كثير من الأحكام والآداب، فانظروا إلى ما دعا إليه على وجه التوكيد من إقامة الصلوات الخمس في جماعة، ثم ما فرضه من الاجتماع لصلاة يوم في الأسبوع، وهي صلاة الجمعة، وعين
стр. 2191
للحج وقتاً في السنة، فكان من حكمة هذا التعيين التقاء أمم من بلاد وأقطار مختلفة على صعيد واحد، وشرع ليوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى صلاة تؤدى في جماعة، وتوصل بوعظ وإرشاد.
وشرع إقامة الولائم في مثل عقد النكاح، ويوم سابع الولادة، وحثّ على إجابة الدعوة، حتى إن عبد الله بن عمر كان يجيب الدعوة في العرس وغيره وهو صائم.
دعا إلى الاجتماع في أوقات السرور؛ كأيام الأعياد، ودعا إلى الاجتماع في أوقات المكاره والشدائد؛ كالاجتماع لصلاة الكسوف، والاجتماع للصلاة على الميت، وتشييع جنازته، حتى يكون الاجتماع مالئاً لمواطن السرور والحزن، ولا يبقى للعزلة الجافية مظهر في حال.
ومما يومئ إلى اختيار الاجتماع: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ فإن من مقتضى الأخوة الائتلاف والاجتماع في أوقات كثيرة، وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وكيف يتسنى للمبتعد عن الجماعة في ناحية أن يعرض عليهم آراءه، أو يستطلع منهم أمثالها، فضلاً عما تقتضيه الشورى من مناقشة الآراء؟. وقال تعالى في وصف ما يدعو به المؤمنون الفائزون: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، وكيف يصلح المفارق للجماعة أن يكون مثلاً كاملاً للهداية، يشهد الناس سيرته فيما يفعل أو يذر، فيسيرون على أثره مقتدين؟.
ومما يومئ إلى اختيار الاجتماع من حديث رسول الله ﷺ : قوله: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" (١). وليس المعتزل من الناس
стр. 2192
باللبنة المرصوفة في الجدار تمسك لبنة، وتمسكها لبنة، وما مثله إلا لبنة تخرج عن الصف المستقيم في البناء، ولا يزال اتصالها بالبناء يضعف حتى تهوي ساقطة إلى الأرض.
دعا الإِسلام إلى الاجتماع، وشرع للاجتماع أحكاماً عادلة، وآداباً فاضلة؛ كالحثّ على القرض، والمهاداة، وقضاء الحاجات، والإحسان لأولي القربى، واليتامى والمساكين وابن السبيل، وتحريم الربا والميسر، ووضع عقوبات للاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض، إلى ما يشاكل هذا من الأحكام القضائية والنظم السياسية، والآداب التي تحمي الاجتماع من كل نقيصة، وتجعله مصدر خير وسعادة.
فشريعة الإِسلام مشرَّبة روح الاجتماع، ومن ثم ترى علماءها يخوضون في المجامع يقولون طيباً، ويعملون صالحاً، وهذا عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: "خالط الناس ودينك لا تكْلمنّه". وإذا نُقل عن بعض من عرفوا بالتدبر في القرآن والسنّة آثار تدل على إيثارهم العزلة على الاجتماع، فإنما هي حال خاصة تعرض للشخص، فتجعل الاعتزال في رأيه أرجح من الاجتماع، ولا يصح حملها على أنهم يقصدون إلى جعل العزلة مذهباً يسع كل الناس.
وانظر إلى ما يحكى عن الإمام مالك من أنه كان يشهد الجنائز، ويعطي الإخوان حقوقهم، ثم ترك ذلك في آخر حياته، وإنما ترك مالك هذا النوع من الاجتماع لحالة خاصة عرضت له؛ ويدلّك على أنه رأى العذر في ترك تلك الحقوق قائماً، وقوله حين سئل عن ذلك: لا يتهيأ للمرء أن يخبر بكل عذر له. فانظر كيف جعل العزلة من الشؤون التي لا يجنح لها الإنسان إلا لعذر، ولكنه كره ذكر العذر الذي حمله عليها؛ وإذا ثبتت استقامة رجل كالإمام
стр. 2193
مالك، وعرف بالمحافظة على آداب الشريعة، ثم روي عنه ترك شيء من هذه الآداب الثابتة، حمل تركه لها على قيام عذر، ولا يكون هذا الترك موضعًا للاقتداء، وكيف يرى مالك للرجل - ولا سيما العالم - أن يخلد إلى العزلة، وهو الذي يقول: "حق على كل مسلم أو رجل جعل الله في صدره شيئاً من العلم أن يدخل على كل ذي سلطان، يأمره الخير، وينهاه عن الشر، حتى يتبين دخول العالم على غيره".
في الاجتماع مزايا دينية ومدنية لا يدركها المعتزلون، فالمعتزل للناس يفوته العلم إن كان في حاجة إلى أن يتعلم، ويفوته فضل التعليم إن كان فيه كفاية لأن يعلّم غيره من الجاهلين، والمعتزل يفوته ما يقف عليه المشاهد لأحوال الناس من التجارب التي يبلغ بها العقل أشده، ويفوته كسب المال أو نماؤه، والمال وسيلة العفاف وصيانة ماء الوجه، وهو المرقاة التي تصل بها الأمة إلى قمة المنعة والعزة والسيادة.
وفي الاجتماع لذة روحية هي: الاستئناس لمحادثات المصطفين من العلماء والأدباء، وإلى هذا الاستئناس يشير القائل:
وما بقيتْ من اللّذاتِ إلّا ... مجالسةُ الأديبِ إلى الأديبِ
ثم إن معظم خصال الشرف والحمد التي يفضل بها الإنسان على سائر الحيوان، إنما تبلغ كمالها، ويعظم أثرها فيمن سيرته الاجتماع.
فسيرة الاجتماع هي التي يتجلى فيها خلق السخاء؛ إذ يشهد صاحبها حاجات الأفراد أو الجماعة، فتثور في نفسه الشفقة أو الإشفاق، فيبسط يده إلى سدها جهد المستطاع.
وسيرة الاجتماع هي التي يظهر بها خلق الحلم والأناة؛ حيث يصادف
стр. 2194
صاحبها طبقات من غير أولي الكياسة، فيقابل خشونة ألسنتهم باللين، وغلظة قلوبهم بالرفق.
وسيرة الاجتماع هي التي يستبين بها فضل الشجاعة الأدبية، وهي خلق يهوّن عليك أن تقول للمخطئ: إن الصواب في غير ما نطقت، أو تقول للمبطل: إن الحق في غير ما رأيت، أو تقول للمفسد: إن الخير في غير ما أتيت.
وسيرة الاجتماع هي التي يتبين بها الناس كيف تحدِّث فتصدُق، أو كيف تعِدُ فلا تخلف، أو كيف تؤتمن فلا تخون.
قد يخطر بالبال أن في العزلة تخلصاً من نحو القدح في الأعراض، والسعي بالنميمة، والتنابز بالألقاب، ومسارقة الطبع من الأخلاق الرديئة، والواقع أن الذي يعلم عاقبة وزر الغيبة والنميمة وما يشاكلها من الأوزار التي قد يسوق إليها الاجتماع، يجد في نفسه زاجراً عن ارتكاب شيء منها، وفي يده أن يسدي النصيحة لمن يحوم بها، أو يلوث صحيفته بلطخ من أقذارها، فإن لم يجد للنصيحة في مجلس سامعًا، تركه إلى مجلس أبعد من اللغو، وأبرأ من الإثم، وأما مسارقة الطبع، فمن الاجتماع ما يقتبس منه الطبع آداباً سامية. ومن الاجتماع ما يمكنك أن تفيض عليه من حكمتك نوراً، ومن إرشادك ماء طهوراً، فينقلب ليله صبحاً، ورجسه طهراً.
ومن ذا يرضى لك وأنت سليم القلب، نقى العرض، أن تتردد على مجامع بضاعتها أقوال لا خير في سماعها، أو تكثر من لقاء وجوه لا يغبطك أهل الفضل على لقائها، ومن ذا يجهل أن الوقت ذهبٌ، فيزيِّن لك أن تبذلة في غير حق، أو تشتري به ما ليس بحمد؟.
стр. 2195
وإذا قلنا: إن الاجتماع خير من العزلة، لا نقصد إلى أن يصرف الإنسان أوقاته في التردد على البيوت، وغشيان المجالس، والتعرض للقاء كل من يجري اسمه على الألسنة، كما يفعل بعض من لم يقدروا الوقت حق قدره، فيبذّرونه تبذيرًا، فإنه لا بد للإنسان من أوقات يخلو فيها بنفسه، ليؤدي واجباً، أو يتقرب إلى الله بنفل، أو يحفظ علماً، أو يحقق مسألة، وذلك معنى قول عمر ابن الخطاب ﵁: "خذوا حظكم من العزلة".
ونقرأ في تراجم كثير من أهل العلم: أنهم كانوا يجعلون من اليوم والليلة نصيباً للتقرب من الخالق بصلوات، أو ذكر، أو تلاوة قرآن، ويقبلون في جانب عظيم منها على العلم تأليفاً ودراسة، ويصرفون طائفة من الوقت في قضاء حقوق اجتماعية.
فإن قال الراغب في العزلة: أريد أن أقضي أوقاتي في عبادة، قلنا: في حضور مجالس العلم أو مستفيدًا عبادةٌ، وفي عيادة المريض وفي زيارة الإخوان تأكيداً لمودتهم، أو تهنئة بنعمة، أو تعزية على مصيبة عبادة، وفي إرشاد الناس إلى الخير عبادة، وفي مدّ يد المعونة على ما يسد حاجتهم، أو تقوى به شوكتهم عبادة.
وليس ببعيد أن يكون ما يُعزى إلى بعض أهل العلم من إيثار العزلة مراداً به صرف معظم الوقت في علم أو عبادة خالصة، حتى إذا أحس واجباً يدعوه إلى الاجتماع، أجاب داعيه في نشاط، ووضع يده في أيدي العاملين بإخلاص. وقد يخطر بالبال: أن الشر في هذا العصر أصبح مستطيراً، وأن للضلال والفساد دعاة لا يملّون، وجنوداً لا يتقهقرون، فمن فئة غلبت عليهم أهواؤهم، فاتخذوا اسم الدين وسيلة إلى ما تهوى أنفسهم، ومن قوم نبذوا الدين، وخرجوا
стр. 2196
يدعون إلى الإباحية والإلحاد علانية، ومن جماعات يُرسَلون إلى بلادنا، ويقيمون معاهد ليتصلوا فيها بأبنائنا، ويحاولوا صرفهم إلى ملة غير ملتنا، ومن طوائف ابتدعوا نحلات خاسرة، انتموا بأفواههم إلى الإِسلام، وقلوبُهم تجحده، ولا شأن لهم إلا اصطياد الغافلين، ومن لم تسبق له تربية رشيدة؛ كما يصنع الفرقتان المدفوعتان إلى تقويض أركان الإِسلام، واستدراج شعوبه إلى احتمال الذلة والهوان، وهما: البهائية، والقاديانية، ومن فِرَق لا شأن لها سوى أن تضع أمام عين الشبان مناظر اللهو والخلاعة، فتصرفهم عن الطريق السويّ، وتمشي بهم في عوج، فلا يدركوا ما يدركه أولو الجد والعفاف والشهامة من مجد وكرامة. قد يخطر كل هذا ببال الرجل، فينحدر في غم، ويضل سُبل التفكير، فلا يرى طريقاً للخلاص من هذا الغم سوى البعد عن المجتمع، والعيش في عزلة لا يَسمع فيها صوت الباطل، ولا يبصر فيها منظراً من مناظر الإباحية المنتهكة.
ربما نسمع مثل هذا الخاطر من بعض من نشؤوا في رشد وصلاح، وقد يكون هذا الخاطر وليد سريرة طيبة، ولكن العمل عليه يزيد الضلالة صولة، والفساد جولة، ويجعل المجتمع الذي تستمد منه الأمة حياتها ظلاما لا يخلفه ضياء، ودنساً لا يغسله ماء.
أما أصحاب الأهواء والدعايات الزائغة، ففي أيدينا مقاومتهم بالحجج التي تكشف عن تمويههم، وتنقذ الناس من مصارع باطلهم.
وأما المحترفون بترويج الخلاعة، فمتى قامت التربية على دعائم الحكمة والحزم، خملت سوقهم، وكسدت بضاعتهم. ومن أبقى يده في أيدي الجماعة، قام بنصيبه من الجهاد في هذا السبيل، ومن خطر على باله العيش في عزلة،
стр. 2197
فليستعذ بالله من اليأس، ويدع العزلة إلى اليوم الذي يلتحق فيه بأصحاب القبور.
وإذا هان اعتزال من لا يرجوه الناس لعلم أو رأي أو معونة على عمل اجتماعي، فإن عزلة العالم أو المجرب للأمور أو المستطيع لأن يعمل مع الجماعة خيراً، ذاتُ خطر كبير، وبالأحرى حيث تظهر المنكرات، أو تكون الأمة غارقة في جهالة، أو تُبتلى بملمات اجتماعية.
واعتزال العالِم للجماعة قد يكون له أثر في قلة إصابته فيما يتعرض له من الفتاوى؛ فإن للنظر في الوقائع من ناحية ما يترتب عليها من خير أو شر دخلاً في إصابة الحق.
ولا يستقيم النظر في الوقائع من تلك الناحية إلا لمن يتصل بالناس، ويرسخ في معرفة أحوال المجتمع، وكيف يدري هذه الأحوال من هو غائب عنها، بعيد من مصادرها ومواردها؟.
وإذا انصرف بعض أهل العلم أو الرأي عن الاتصال بالجمهور أيام كانت راية الإِسلام تخفق في الشرق والغرب، وكانت النفوس في اطمئنان سائد، فإن الحال في هذه العصور يدعو إلى بذل كل عناية في التعارف والبحث عن علل ضعفنا، ثم عن الدواء القاطع لهذه العلل، وماذا ينفع البحث عن العلل وأدويتها، إذا لم ننهض إلى تركيب الأدوية، ونتعاطاها على الوجه الذي يُوفّر نشاطنا، وتشتد به سواعدنا، ويجري به دم الحياة أو الحماسة في صغارنا وكبارنا؟.
لا يليق بالفرد أن يعتزل الجماعة، ولا يليق بالجماعة أن ترى نفسها في غنى عن الاتصال بباقي جماعات الأمة، وإذا كان اتصال أفراد الجماعة
стр. 2198
باللقاء والتعاون على حاجات بلدهم، فاتصال الجماعات المتباعدة الأوطان يكون بوسيلة أفراد يرحلون فيدلّون على مبلغ ثقافتها، ويستطيعون أن يصفوا كمالها أو حاجاتها، وهؤلاء هم الذين يصلحون لأن يؤكدوا الروابط بين الجماعات حتى تكون كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
стр. 2199
علّة إعراض الشبّان عن الزواج (١)
في الشعوب من يهضم حقوق الزوجة، ويقسو في عشرتها، وفيهم من تكون إرادته متابعة لإرادتها، ورأيه ملغي أمام رأيها. وقلّما أخلصت المرأة لمن يهضم حقوقها، ويسيء عشرتها، وقلما طاب للرجل عيش مع زوجة تكون كلمتها فوق كلمته، وقلما اغتبط بولد تضعه من لا تحترمه في حضوره فضلاً عن غيبته.
أما الإِسلام، فكان بين ذلك قوامًا: أنقذ المرأة من أيدي الفريق الذين يزدرون مكانها، وتأخذهم الجفوة في معاشرتها، فقرر لها من الحقوق ما يكفل راحتها، وينبّه على رفعة منزلتها، ثم جعل للرجل حق رعايتها، وإقامة سياج بينها وبين ما يخدش كرامتها.
ومن الشاهد على هذا: قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فجعلت الآية للمرأة من الحقوق مثل الرجل.
وإذا كان أمر الأسرة لا يستقيم إلا برئيس يدبره، فأحقهم بالرياسة هو الرجل، الذي شأنه الإنفاق عليها، والقدرة على دفاع الأذى عن ساحتها، وهذا ما استحق به الدرجة المومأ إليها في قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
стр. 2200
فالإِسلام أصلحَ الصلة بين الرجل والمرأة، وجعلها بمأمن من أن يلحقها وهن، أو يعلق بها كدر. وبعد أن أحكم صلة الزواج، وهذّب حواشيها، حثّ على الزواج، وجعله من سننه التي يعدّ تاركها من غير عذر مستخفًا بما أمر الله.
وإذا نظرت إلى أن حكمة الله تعالى قد اقتضت بقاء النسل؛ لإقامة الشرائع، وعمران الكون، وإصلاح الأرض، وأن النسل الصالح لا يبقى إلا بالزواج، رأيت كيف كان الزوج وسيلة إلى تحقيق أمور عظيمة أحبّ الله أن تكون، وحبب للناس القيام عليها.
وإن كنتَ من علماء الأخلاق، ونظرت إلى أن هناك فضيلة يقال لها: العفاف، وعرفت أن الزواج مما يعين على التحلي بهذه الفضيلة، ظهر لك أن الزواج وسيلة من وسائل الفضائل، وكثيراً ما تأخذ الوسائل حكم المقاصد في نظر الشارع، وفي عرف الناس.
وإذا نظرت إلى الناس "الجنس اللطيف"، وما فطرن عليه من الضعف، وعدم إطاقة الأعمال الشاقة، شهدت فيهن العجز عن أن يهيئن لأنفسهن مرافق الحياة، ويعشن في شيء من الراحة. والزواج يصل ضعفهن بقوة، ويسوق إليهن جانباً من الهناءة. ولو قصد الرجل بالزواج كفاية المرأة ما يعنيها من مطالب الحياة، لقصَد لعمل يكسبه شكوراً، وتزداد به صحيفة حياته نوراً.
أوليس الزواج يكسب الرجل رفيقة تخلص له ودّها، وتشمل منزله برعايتها؟ ومثل هذه الرفيقة التي تحمل حبه الطاهر، وتعمل لتدبير منزله في غير مَنّ ولا تباطؤ، ولا تتمثل إلا فيمن تربطه بها صلة الزواج.
وليس الزواج صلة مقصورة على الزوجين فحسب، بل تمتد هذه الصلة من الزوجين إلى أسرتيهما، فتكون حلقة واسعة في سلسلة اتحاد الأمة،
стр. 2201
وللصلات الخاصة؛ كالقرابة والصهر أثر في التناصر كبير.
والزواج يكسب الرجل ولداً إن يحسن تربيته، كان له قرة عين في حياته، وذكراً طيباً بعد وفاته. ومن ذا ينكر أن الولد المهذب من أجلّ النعم في هذه الحياة؟.
فللزواج مصالح تكثر بكثرته، وتقلّ بقلته، وتفقد بفقده. وقد عرفت قيمة هذه المصالح، ومكأنها في إعلاء الدين، وبسطِ أجنحة العمران، وتخفيف متاعب الحياة.
ويكفي الإعراض عن الزواج شراً: أنه علة خراب الديار، واليد القابضة لروح العفاف، والوسيلة إلى ابتذال فتياتنا، وعيشهن في تعب، أو في غير صيانة.
فمن واجب من يغارون على الفضيلة، أو على عمارة الأوطان، أو على الفتيات المصونات: أن يعملوا للتعاون على مكافحة هذا الوباء المتفشي في البلاد، وهو انصراف شباننا عن الزواج.
الزواج صلة بين الرجل والمرأة، تسوق إليه الفطرة السليمة، وتدعو إليه الشراع الحكيمة. وما زالت نفوس البشر تنساق فيه مع الفطرة، وتجيب به داعي الحكمة، إلا نفوساً لم تسلم فطرتها، أو عميت عن حكمة خالقها.
وقد كانت هذه النفوس المعرضة عن الزواج؛ لعدم سلامة الفطرة، أو لجهلها بما في الزواج من حكمة، مغمورة بالنفوس الآخذة بسنته، العاملة على تحقيق حكمته، فلم يشعر الناس بالنقص أو الفساد الذي دخل في المجتمع من ناحية أولئك المعرضين عن الزواج.
стр. 2202
أما اليوم، فقد أصبح انصراف شبابنا عن الزواج في ازدياد، حتى ظهر في مظهر ينذرنا سوء المنقلب، وما بعد هذا المنقلب إلا الانقراض، فحرام علينا أن نقف أمام هذا الخطر الداهم صامتين، وحقيق علينا أن نبحث عن العلل التي أصبحت بها قلة الزواج ظاهرة ظهور المرئي بالعين الباصرة. وعلينا - بعد البحث عن هذه العلل - النظرُ في طريق معالجتها؛ لعلّنا نقطعها من منبتها، وننقذ فتياتنا، ونحفظ أمتنا، ونطهر أوطاننا من خبائث لا تظهر إلا من إعراض الفتيان عن الزواج.
وإذا بحثنا عما يصح أن يكون سبباً لهذه الأزمة الاجتماعية، وجدناه يرجع إلى علل مختلفة.
وأظهر هذه العلل: تبرُّج كثير من الفتيات تبرج من استولى عليهن الهوى، ونضب من وجوههن ماء الحياء، حتى استوى في هذا التبرج الممقوت بعض الناشئات في بيوت غير فاضلة، وبعض المترددات على مدارس لا تعنى بتلقين الفضيلة، ولا يؤلمها أن تذهب الفتاة في الخلاعة إلى غاية قصوى.
وهذا المظهر الذي ظهر به كثير من فتياتنا اليوم، قد جعل الشاب يحجم عن الزواج؛ مخافة أن يساق إلى قرينة تستخفّ بجانب الصيانة، كما تستخف به هؤلاء السافرات المتهتكات.
وليس هذا الخوف بحق، فإن البيوت المحتفظة بالحشمة، الآخذة بأدب الصيانة، غير قليلة، يهتدي إليها كل من يبتغي الحياة الطاهرة، ولا سيما فتى لا يعنيه من الفتاة إلا أن يرتاح قلبه إذا نظر إليها، ويأمن على عرضه إن غاب عنها.
وإذا أردنا معالجة هذا التبرج الذي أوجس منه الشبان خيفة، فإن تبعته
стр. 2203
تعود إلى أولياء المتبرجات؛ إذ لم يأخذوا في تربيتهن بالحزم، ولا في الرقابة عليهن باليقظة.
فمن طرق مكافحة الإعراض عن الزواج: مقاومة هذا السفور القاضي على كرامة فتياتنا، وإرشادهُن إلى أن الصيانة خير من الابتذال، والحياء أجمل من الصفاقة، وأي صفاقة أكثر من أن تقلّب الفتاة وجهها في وجوه الرجال!.
ومن علل قلة الزواج: ضعف العقيدة الدينية؛ فإن الإيمان بما ينال الفاسق من الخزي والشقاء، يقر النفس على العفاف، ويقطع تطلعها إلى ما ليس بحلال، فلا يبقى له إلا الاستمتاع بالزواج المباح. أما مزلزل العقيدة، فلا يجد في نفسه حرجًا من أن يطلق لشهواته العنان، ويتقلب بها في بيوت الدعارة، وذلك ما يصرف قصده عن الزواج وهو يستطيع الزواج.
وإذا أردنا أن نعالج هذه العلة، فإن أكبر جانب من تبعة ضعف العقيدة يقع على المتولين لتربية النشء؛ حيث لم يعملوا لتلقينهم العقائد الصحيحة تلقينًا يجعلها راسخة رسوخ الشجرة الطيبة: أصلها ثابت، وفرعها في السماء. فعلاج هذه العلة: أن نسعى لأن يكون نشؤنا على تربية دينية صحيحة، والدين هو الذي يزكي النفوس، فلا ترى القبيح حسناً، ولا الخبيث طيباً.
ومن علل قلة الزواج: تشوّف كثير من الشبان للاقتران بذات ثروة، وذواتُ الثروة اللاتي يقبلن على التزوج بالشبان المقلّين غير كثير. فهل لأساتيذ التربية وخطباء المنابر، أن يلقوا للنشء نصائح في الزواج، ويوجهوا نفوسهم إلى الناحية التي تجيء منها راحة البال، وانتظام الحياة، ودوام العشرة، وهي طيب منبت الزوجة، وسماحة أخلاقها، وسمو آدابها؟ " وأريد بطيب المنبت: أن تنشأ في بيت يرعاه ذو غيرة وحزم، وإن كان قوت أهله كفافاً، قال ﷺ :
стр. 2204
"الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة" (١)، وقال ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" (٢)!.
وانظروا كيف عنيت الشريعة الإِسلامية بوصف الكفاءة بين الرجل والمرأة، ومن وجوه الكفاءة: أن يكون حال الرجل من جهة المال والحسب مناسبًا لحال المرأة من هذه الجهة، وإنما عنيت بالكفاءة بين الزوجين، وجعلت المال من مقوماتها؛ لأن أمر الزواج لا ينتظم في غالب الأحوال إلا أن يكون الرجل محترمًا في عين المرأة، وشأن المرأة أن لا تحترم من يكون أقل منها مالاً أو حسبًا، فلا يجد منها المعاشرة التي يودّ دوامها، ولا يطمع أن تطيعه بالمعروف، فيكون مرتاح القلب للاقتران بمثلها.
وقد يكون سبب الإعراض عن الزواج: اتساع رغبات النساء في صنوف الملابس والمآكل والفرش، ونحوها من أمتعة البيوت ووسائل الرفاهية، حتى صارت كل طبقة تنظر إلى ما فوقها من الطبقات ثروة، وتجتهد أن تحاكيها في الترف ومظاهر الأبهة. فإن صمّمت الفتاة على محاكاة الأسر التي هي أوسع غنى، وأنمى ثراء من أسرة زوجها، فإما أن تجد من الزوج غفلة، أو ضعف إرادة، فترهقه بما تقترحه من النفقات إرهاقًا، ومصير من ينفق من غير سعة الفاقةُ والإفلاس، وإما أن يقابل مقترحاتها الخارجة عن مستطاعه بشيء الحزم والنظر في العواقب، فينفق بمقدار ما يسعه كسبه، وهي بعد هذا إما أن تجنح إلى الفراق، وإما أن تبقى مع زوجها الحازم في حالة من ترى أنها مبتلاة بهذا الزوج الذي لا يفي بجميع رغائبها. وماذا ترى في عيشة صاحبين يعتقد أحدهما
стр. 2205
أن صحبته للآخر قد جرّت عليه شقاء، وإلى عيشه كدراً؟ فهل يقطعان مسافة الحياة في شيء من الراحة والصفاء؟!.
أما التي تعود إلى رشدها، وتقنع بالرزق الذي يسوقه الله تعالى إلى زوجها، فأمثالها في هذا العصر، ولا سيما الناشئات في المدن، غير كثير.
قد يكون هذا المرض الخلقي المتفشي في فتياتنا أحد الأسباب التي صرفت الشبان عن الزواج؛ لأن الشباب يخشى أن يبتلى بزوجة تتعدى بمطالبها وما تشتهيه نفسها حدود المعروف؛ فإما أن ترهقه عسراً، وإما أن تسلّ ثوبها من ثوبه جانحة للفراق، وإما أن تبقى معه على غير مودة خالصة. وإذا لم تخلص المودة بين الصاحبين، فلا تسلْ عن كثرة ما يدور من مناقشات ومنغّصات.
ونحن لا ننازع في أن اتساع رغبات النساء في شؤون الحياة قد تجاوز حد المستطاع، ولكنا لا نسلم أنه نزعة عامة، وطبيعة لا تتحول حتى نتخذ منه للشبان الذين لا يقبلون على الزواج معذرة، بل نرى أن اتساع الرغبات إلى الحد الذي يثبّط عن الزواج إنما هو شائع في طبقات الناشئات في ترف، أو من يتصلن بهن، ولم تسبق لهن تربية نافعة. أما الأسر التي تعيش في حالة اقتصاد، وفيها أثارة من تهذيب، فإن فتاتهم تقنع بما يسره الله لزوجها من رزق، وتغتبط بحسن خلقه ومودته، وبذله الوسع في إنعام بالها، غير ناظرة إلى ما تقصر عنه يده من الأشياء الزائدة على الضروريات والحاجيات. وليست هذه الأسر المهذبات بقليل، فلو وجه للفتيان هممهم إلى لذة الحكمة والعلم، وعرفوا أنهم يجدون مع الفتاة المهذبة من راحة الضمير، والتفرغ لاكتساب المجد ما لا يجدونه مع الفتاة الواسعة الرغبات، لكان لهم في مصاهرة تلك الأسر الفاضلة ما يجعل ضمائرهم في راحة، وعيشهم في هناء.
стр. 2206
فمن يُبلِّغ شبابنا هذه الحقائق؛ ليعلموا أن إعراضهم عن الزواج قتل لفضيلة العفاف، وحرمان للأوطان من نسل طيب، وإطفاء لمصابيح الحياة الاجتماعية الراقية؟ ولا أراهم بعد أن يعلموا هذه الحقائق، وهم عشاق الفضيلة، والغيورون على المصالح العامة، والعاملون لحياة الأمة ورقيها، إلا أن يطهروا نفوسهم من محكاة الإباحيين في الإعراض عن الزواج وهم يستطيعونه، فيكونوا -بتوفيق الله تعالى- أيديًا بانية لا هادمة، ومصلحة لا مفسدة: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 2207
النبوغ في العلوم والفنون (١)
في الناس من يجمع علماً غزيراً، أو يروي أدباً واسعاً، وقد يؤلف فتعد مؤلفاته بالمئات أو الآلاف من الصفحات، ولكن لا نجد فيما ألف من مئات الصفحات وآلافها شيئاً زائداً عما كتبه الناس من قبله، ويسوغ لنا أن نسمي هذا العالم أو الأديب: "حافظاً"، أو "ناقلاً".
أما العالِم أو الأديب الذي يدرّس، فنسمع منه ما لم نكن قد سمعنا، ويؤلّف، فنقرأ له ما لم نكن قد قرأنا، فذلك ما يحق لنا أن نسميه: نابغة، أو عبقرياً.
فالنابغة أو العبقري هو الذي يحدث علماً أو فناً من فنون الأدب لم يكن شيئاً مذكورًا؛ كما صنع الخليل بن أحمد في علم مقاييس الشعر، أو ينقله من قلة إلى كثرة؛ كما صنع عبد القاهر الجرجاني في علم البلاغة، ودون هذه الدرجة درجات، وسموّ كعب العالم أو الأديب في العبقرية على قدر ما يأتي به من أفكار مبتكرة، أو ما يستطيعه من حل المسائل المعضلة.
أما ابتداع الرجل للعلم أساليب تجعل مأخذه أقرب، وتناوله أيسر، فليس بنبوغ في نفس العلم، وإنما هو نبوغ في صناعة التأليف فيه.
стр. 2208
وإذا كانت العصور قد تبسط يدها بالعلماء الناقلين كل البسط، فإنها لا تسمح بالعبقري إلا قليلاً:
فِتْيةٌ لَمْ تلِدْ سِواها المعالي ... والمعالي قَليلَةُ الأَوْلادِ
تقوم العبقرية على الذكاء والجدّ في طلب العلم، ثم على أكبر الهمة، فمن لم يكن ذكيًا، لم يكن حظّه من العلم إلا أن يحفظ ما أنتجته قرائح العلماء من قبله، ومن لم يجدّ في طلب العلم، ولم يُغذّى ذكاءه بثمرات القرائح المبدعة، بقي ذكاؤه مقصوراً في دائرة ضيقة، فلا يقوى على أن يحلق في سماء العلوم ليبلغ الغاية السامية، وماذا تصنع المرأة الكيسة في بيت لا مؤونة فيه ولا متاع؟!.
يقولون: إن ابن سينا لم ينم مدةَ اشتغاله بالعلم ليلة واحدة كاملة، ولا اشتغل في النهار بسوى المطالعة.
وقالوا: لم يترك ابن رشد النظر ولا القراءة منذ عقل إلا ليلة وفاة أبيه، أو ليلة بنائه على أهله.
ومن لم تكن همته في العلم كبيرة، لم يكفه ذكاؤه ولا جدّه في الطلب لأن يكون عبقرياً؛ فقد يكون الرجل ذكياً مُجداً في التحصيل، وصغر همته يحجم به أن يوجه ذكاءه إلى نقد آراء قديمة، أو ابتكار آراء جديدة حميدة:
إذا غامرتَ في شَرَفٍ مَرومِ ... فلا تقْنَعْ بما دون النُّجومِ
والعبقري يلذُّ العلم أكثر مما يلذه الناقلون، وإنا لنرى الرجل يرتاح للعلم ينحدر من سماء فكره أكثر مما يرتاح للعلم الذي ينساق إليه من فكر غيره، ولا يزيد هو على أن يودعه حافظته.
قال تقي الدين السبكي في أبيات أجاب فيها عن سؤال يتعلق بآية من
стр. 2209
الكتاب المجيد:
لأسْرارِ آياتِ الكتابِ مَعانِ ... تدق فلا تبدو لكلٍ معانِ
إذا بارقٌ قد لاحَ منها لخاطِري ... هممتُ قريرَ العَيْنِ بالطيرانِ
ولشدة ارتياح النابغة لاستخراج المعاني من معادنها، وتخليص الآراء الراجحة من بين الآراء الواهية، نجده أحرص الناس على العلم، وأشدهم أنسًا به، وأثبتهم على الانقطاع له.
* مهيئات النبوغ:
للنبوغ مهيئات:
منها: أن ينشأ الذكي في درس أستاذ يطلق له العنان في البحث، ويردّه إلى الصواب برفق، ويثني عليه إن ناقش فأصاب المرمى.
نقرأ في ترجمة العلامة إبراهيم بن فتوح الأندلسي: أنه كان يفسح لصاحب البحث مجالاً رحبًا، بل يطلب من التلاميذ أن يناقشوه فيما يقرر، ويحثّهم على ذلك، ويختار طريق التعليم به، وشأن العالم العبقري أن يقبل على التلميذ المتقد ذكاء، ويأخذ بيده في طريق التحصيل حتى يعرف كيف يكون عبقرياً.
ومن مهيئات النبوغ: أن يشبّ الألمعي بين قوم يقدرون النوابغ قدرهم، فإن نظر القوم إلى النابغة بعين التجلة، وإقبالهم عليه باحتفاء، مما يزيد الناشئين الأذكياء قوة على الجد في الطلب، والسعي إلى أقصى درجات الكمال.
ولا عجب أن يظهر النابغون في العلم والأدب ببلاد الأندلس؛ فقد كان أهلها كما قال صاحب "نفح الطيب": "يعظمون من عَظّمه علمه، ويرفعون من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم في رجال الحرب: يقدّمون من قدمته شجاعته، وعظمت في الحروب مكايده".
стр. 2210
وظهر في عالم الإِسلام خلفاء وملوك ووزراء، كانوا يقدرون النوابغ، ويحتفون بهم لنبوغهم؛ مثل: المأمون العباسي، وعبد الله بن طاهر، وسيف الدولة، والصاحب بن عباد في الشرق، وعبد الرحمن الناصر، والمنصور بن أبي عامر، والمعتمد بن عباد في الأندلس.
وأسوق مثلاً لهذا التقدير: أن القاسم بن سلام عرض على عبد الله بن طاهر تأليفه في غريب الحديث، فقال عبد الله: إن عقلاً بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب، حقيق بأن لا يحوج إلى طلب المعاش، وأجرى عليه عشرة آلاف درهم في الشهر.
وقد يهيئ الناشئَ للنبوغ أن يسبقه أب أو جد بالنبوغ؛ فإن كثرة تردد اسم سلفه العبقري على سمعه، ومطالعته لبعض آثار عبقريته يثيران همته، ويرهفان عزمه لأن يظفر بما ظفر به سلفه من منزلة شامخة، وذكر مجيد.
وإذا رأينا كثيراً من أبناء فطاحل العلماء، لم يتجاوزوا مرتبة العلماء الناقلين، فلنقصٍ في ذكائهم الفطري، أو لعلل نفسية صرفتهم إلى نواح غير ناحية العبقرية.
ومن مهيئات النبوغ: نشأة الذكي في حاضرة زاخرة بالعلوم والآداب؛ إذ في الحواضر يلاقي الناشئ جهابذة العلماء، وأعلام الأدباء، وفي الحواضر يشتد التنافس في العلوم والفنون، ويتسع مجال المحاورات والمناظرات.
ومن مهيئات النبوغ: قراءة مؤلفات النابغين في العلم بعد الاطلاع على دراسة الكتب التي تسوق المسائل مجردة من أدلتها، غير معنية بالغوص على أسرارها، وإنما يرجى منه النبوغ متى وضعت تحت نظره كتب يرى مؤلفيها كيف يستمدون آراءهم من الأصول العالية، ولا يوردون مسألة إلا بعد