← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تعالى، ولما ورد الواسع في أسمائه تعالى الحسنى، ذهب المفسرون في فهمه إلى أن الوسع عائد إلى صفة من صفاته؛ كالرحمة، على معنى: التوسعة على العباد، والتيسير عليهم في أمر الدين، وكالملك على معنى: أنه محيط بالأشياء ملكاً، فلا يقع شيء إلا في ملكه. ولهذا المعنى مناسبة ظاهرة لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. ﴿عَلِيمٌ﴾ لايخفى عليه فعل فاعل أينما كان، وكيفما كان. * * *

стр. 247

بِسْمِ اللهِ الرَّحِمْنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١١٦ - ١٢٠]. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: هذا معطوف على قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾. و ﴿اتَّخَذَ﴾ من الاتخاذ، وهو الصنع والجعل والعمل. والولد معروف، ويطلق على الذكر والأنثى، والواحد والجمع. والذين قالوا اتخذ الله ولداً هم اليهود والنصارى والمشركون، فقد حكى الله عن اليهود أنهم قالوا: عُزير ابن الله، وعن النصارى أنهم قالوا: المسيح ابن الله، وعن المشركين أنهم

стр. 248

قالوا: الملائكة بنات الله، فيصح أن يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ﴾ عائداً على الفرق الثلاث، أو على بعضهم. وقد عرفنا من قبل أن القرآن يجري على الأسلوب المعروف في المخاطبات؛ حيث يسند إلى القوم ما صدر من بعضهم , فلما قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] يكفي في صحة معنى الآية أن يكون هذا القول قد صدر من طائفة منهم. ﴿سُبْحَانَهُ﴾: سبحان: مصدر لسَبّح بمعنى: نَزَّه، وهو منصوب بفعل لم يسمع من العرب التصريحُ به معه، والأصل: أُسبّحه سبحاناً، فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وأضيف إلى ضمير المنزه. والمعنى: تنزيه الله تعالى عن السوء، وتبعيده عنه؛ أي: الحكم بنزاهته وبعده عن السوء. والتنزيه يتناول التنزيه بالقلب، وهو اعتقاد أن الله بريء من كل ما لا يليق بكماله، وباللسان؛ كقول: سبحان الله، والأول هو الأصل، والثاني ثمرة له؛ لأن الإنسان إذا اعتقد شيئاً، ظهر من قلبه على لسانه. ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: هذا إضراب عن مقالاتهم التي نسبوا بها إلى الله اتخاذ الولد، وأخذ في الاستدلال على بطلانها. اللام في قوله: ﴿لَهُ﴾ للاختصاص الكامل، وهو الملك الحقيقي. و ﴿مَا﴾ اسم موصول يراد منه الكائنات: ما يعقل منها، وما لا يعقل، ومن جملة هذه الكائنات: من ادعوا أنه ولد الله، والمعنى: أن قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ زعمٌ باطل؛ فإن جميع ما احتوت عليه السماوات والأرض مملوك لله، يوجد ما يشاء، ويتصرف فيه كيف يشاء، فلا حاجة له تعالى إلى اتخاذ الولد؛ إذ الولد إنما يسعى إليه الوالد، أو يرغب فيه؛ ليعتز

стр. 249

به، أو ليحيى ذكره، أو ليستعين به على القيام بأعباء الحياة، والله تعالى منزه عن أمثال هذه الأغراض التي لا تليق إلا بمن خلق ضعيفاً كالإنسان. ثم إن الحكمة من التوالد: بقاء النوع محفوظاً بتوارد أمثال الوالد حيث لا سبيل إلى بقائه بعينه، أما الخالق تعالى، فهو الواحد في ذاته وصفاته، الباقي على الدوام، كما قال - جل شأنه -: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: ﴿قَانِتُونَ﴾: من القنوت، وهو الطاعة والخضوع. والمعنى: كل ما في السماوات والأرض مطيعون له خاضعون، لا يستعصي شيء منهم على مشيئته وتكوينه. وهذا حكم شامل لمن يعقل ومن لا يعقل. وجمع الخبر بالواو والنون التي هي حقيقة فيما يعقل، فقال: ﴿قَانِتُونَ﴾ تغليباً للعقلاء على غير العقلاء؛ إذ معنى القنوت - وهو الطاعة والخضوع للمشيئة والقدرة - يتحقق في العقلاء، وغيرهم، إلا أن للعقلاء طاعة وخضوعاً فوق طاعة غيرهم وخضوعه، ذلك أنهم يطيعون الله، ويخضعون له عن شعور منهم واختيار. والتغليب من الفنون المعدودة في محاسن البيان، وهو إخراج القول على وجه يختص بحسب الوضع اللغوي بطائفة من الناس أو غيرهم، ولكن الحكم يكون شاملاً لهذه الطائفة وغيرها، ويكتفى في الدلالة على شمول الحكم بقرينة؛ كلفظ: (ما) في قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وإنما يعبر بالوجه الخاص؛ كجمع قانت بالواو والنون الخاص بالعقلاء لمعنى هو: أن إسناد القنوت الذي هو الطاعة والخضوع ظاهر في العقلاء بأكمل مما يظهر في غيرهم.

стр. 250

﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: لما ذكر أنه مالك لجميع ما في السماوات والأرض، وأن كل من فيها خاضع لسلطان مشيئته وقدرته، ذكر نفس السماوات والأرض، ودل على أنهما من آثار صنعه الحكيم. والبديع: المبدع، من أبدع. والإبداع: اختراع الشيء على غير مثال سبق. وخص السماوات والأرض بالإبدل؛ لأنهما أعظم ما يشاهد من المخلوقات. ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ﴿قَضَى﴾: أراد، والفعلان ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ من الكون بمعنى: الحدوث. ومن المحتمل القريب أن تكون الجملة واردة على وجه التمثيل؛ أي: تمثيل حصول مراده تعالى دفعة بلا مهلة بحصول ما يؤمر به المطيع الذي يسرع إلى الامتثال عقيب سماع الأمر. والمعنى: إذا أراد الله شيئاً، حصل من غير امتناع ولا مهلة؛ كما يحصل ما يؤمر به المطيع الخاضع من غير إباء أو توقف لحظة بعد سماع الأمر. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾: هذا معطوف على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ غير أن آية: ﴿وَقَالُوا﴾ قدح في التوحيد، واَية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾ قدح في النبوة. و ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: جهلة المشركين. و ﴿لَوْلَا﴾ هنا بمعنى: هلَّا المفيدة للتحضيض، وهو الحض على الفعل الذي يذكر بعدها وطلبه. والمعنى: هلا يكلمنا الله إما بالذات، وإما بإنزال الوحي إلينا، أو يرينا حجة تقوم على صدق رسالتك. وقالوا هذا على وجه العناد والجحود لأن تكون الآيات التي أقامها الله على صدق رسالته آيات حقاً.

стр. 251

﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: سبق لنا أن (كذلك) تستعمل لتئبيت أمر متقدم عليها، أو متأخر عنها. و ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الأمم المكذبة لرسلهم من أسلافهم وغيرهم. والتماثل المشار إليه بقوله: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ يصح أن يكون في اقترل ما لا يليق سؤاله، ولا يلزم أن يكون في نفس قولهم: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾. وقد سأل من قبلهم ما لا يليق سؤاله؛ كما قال بنو إسرائيل: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقالوا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]. ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: الضمير في قوله: ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ عائد إلى الذين لا يعلمون، والذين من قبلهم، وتشابه قلوبهم في العمى والعناد، وفي هذا تسلية له ﷺ ؛ بأنه كما لقي من أولئك الذين لا يعلمون جحوداً وعناداً، قد لقي الرسل قبله من أقوامهم مثل هذا الجحود والعناد. ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: لما ذكر تعالى أن اقتراح ما تقدم من تكليم الله، أو إتيان آية إنما هو صادر من قوم لا يعلمون، أخبر في هذه الجملة بانه قد أقام على صدق رسالة النبي ﷺ آيات بينات يفقهها قوم يوقنون، وهم من شأنهم الإخلاص في طلب الحق أينما كان، فيتجهون إليه من طريق الأدلة الصحيحة بقلوب نقية من الأهواء، ونفوس مبرأة من التقليد، وعقول لا تتعثر في الشبهات، فإذا وصلوا إلى حقيقة، تقبلوها بارتياح واذعان، أما من غلبت عليهم الأهواء، واستحوذ عليهم العناد، فلا يرجى منهم أن يفتحوا أعينهم في الآيات، وينتفعوا بها، وإن كانت أوضح من الشمس المشرقة، كما قال تعالى في شأنهم:

стр. 252

﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥]. والآيات البينات التي أقامها الله تعالى على صدق البعثة المحمدية لا يحيط بها استقصاء، يجدها الناظر بشيء من التدبر في السيرة الطاهرة، ويملأ منها يديه عندما يتلو القرآن المجيد حق تلاوته، ولا سيما تلاوة يراعي معها البيئة التي نشأ بها ذلك الرسول الأعظم، ويضاف إلى هذا الحكم التي تتدفق من فيض أحاديثه الواردة في الدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، وإصلاح شؤون الأفراد والجماعات في أي موطن، أو في أي عصر يعيشون. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: لما ذكر في الجملة السابقة أنه تعالى بين الآيات لقوم يوقنون، أردفها بهذه الجملة؛ لبيان من بينت الآيات على يديه، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾. والحق: من حق الشيء؛ أي: وجب وثبت، ويطلق الحق على الحكم الصادق، وهو المطابق للواقع، ويسمى الدين الصحيح حقاً؛ لاشتماله على الأحكام الصادقة. وعلى هذا الوجه يحمل الحق في هذه الآية. ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: البشير: المبشِّر وهو المخبِر بالأمر الصدق السار للمخبر به الذي لم يسبق له علم به. والنذير: المنذر، وهو المخبر بالأمر المخوف؛ ليحذر منه، والنبي ﷺ مبشر بالثواب لمن آمن واتقى، ومنذر بالعقاب لمن كفر وعصى. وفي وصفه بالتبشير والإنذار تأكيد لما أعلم به في صدر الجملة من أنه مرسل بالحق.

стр. 253

﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾: ﴿الْجَحِيمِ﴾: المتأجّج من النار. وأصحابها: الملازمون لها، وفي تسميتهم أصحاب الجحيم دون أن يقول: الكافرين، أو المكذبين إيذانٌ بأن أولئك المعاندين من المطبوع على قلوبهم، فلا يرجى منهم الرجوع عن الكفر، والتعنت إلى الإيمان والإذعان. وفي هذه الجملة - مع قوله في الجملة السابقة: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ - تسلية له ﷺ ؛ حيث لم يؤمن به أولئك الجاحدون المتعنتون. والمعنى: لا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن عليك أن تبشر وتنذر، وليس عليك أن توجد الهداية في قلوبهم، فأنت غير مسؤول - بعد ما بلغت- عن عدم اهتدائهم، بل الله يهدي من يشاء. ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾: الملة: الطريقة المسلوكة، ثم جعلت اسماً لما شرعه الله لعباده على لسان نبيه؛ ليتوصلوا به إلى السعادة الدائمة، وقد تطلق على ما ليس بشرع حق من الأديان المحرفة أو الباطلة، كما قال يوسف ﵇ فيما قصة الله عنه: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧]. وأفردت الملة، فقال تعالى: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ مع أن لكل من اليهود والنصارى ملة خاصة؛ لأن الملتين بالنظر إلى مخالفتهما لدين الإسلام وما طرأ عليهما من التحريف بمنزلة ملة واحدة، فاتباع إحداهما كاتباع الأخرى في قلة الانتفاع به. ونفي القرآن الكريم رضا الفريقين عن النبي ﷺ على وجه المبالغة؛ إذ علقه على أمر يستحيل صدوره عنه، وهو اتباعه لملتهم، فلا يرجى حينئذ رضاهم عنه، وإيمانهم به.

стр. 254

﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾: ﴿هُدَى اللَّهِ﴾: دينه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، والهدى بمعنى: الهادي إلى طريق الفلاح في الدنيا والآخرة. وإيراد ﴿الْهُدَى﴾ معرفاً بأل مع اقترانه بضمير الفصل ﴿هُوَ﴾ يفيد قصر الهداية على دين الله، وينفي أن يكون في دين غير دين الله هدى. وإذا كانت الهداية مقصورة على الدين الذي جاء به محمد ﷺ ، فكيف يطمع اليهود أو النصارى في أن يتبع ملتهم؟!. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: اللام في قوله: ﴿وَلَئِنِ﴾ تُشعر بأن في الجملة قَسَماً مقدراً روعي في صدرها؛ ليفيد تأكيد ما تضمنته من أن متبع أهواء اليهود والنصارى لا يجد من الله ولياً ولا نصيراً. وأهواؤهم: آراؤهم المنحرفة عن الحق الصادرة عن شهوات في أنفسهم. و ﴿الْعِلْمِ﴾: الدين، وسمي علماً؛ لأنه يعلم بالأدلة القاطعة. وقال: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾؛ ليدل على أن الوعيد على ارتكاب أمر لا يأتي إلا بعد إقامة الحجة على أن الأمر كفر أو معصية. ووليُّ الشخص: من يتولى أموره، ويصرفها على ما تقتضيه مصلحته. ونصيره: من يعينه على من يناوئه ويبسط إليه يده بسوء.

стр. 255

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢١ - ١٢٤]. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: بعد أن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحوال الكافرين من أهل الكتاب، جاءت هذه الآية لبيان حال المؤمنين منهم. والذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى. و ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: يقرؤونه قراءة حقة، وإنما تكون قراءته حقة إذا كانت مصحوبة بضبط لفظه، وتدبر معانيه، وضبطُ لفظه يقتضي عدمَ تحريف ما لا يوافق أهواءهم؛ كالجمل الواردة في نعت رسول الله ﷺ ، وتدبر معانيه يستدعي اتباعَه، والعمل به. وجملة: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ حال من الضمير (هم)، وهذه الحال من قبيل الأحوال التي تلابس صاحبها بعد وقوع عاملها، فإنهم إنما يتلون الكتاب بعد أن يؤتوه، وهي ما يسميه علماء

стр. 256

العربية: حالاً مقدرة؛ أي: مقدراً وقوعُها بعد وقوع عاملها. ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: هذا خبر عن قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، ولو لم يذكر اسم الإشارة "ذلك"، واقتصر على قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، لحصلت فائدة إثبات الإيمان للذين أوتوا الكتاب، وتلوه تلاوة حقة، ولكنْ في ذكر اسم الإشارة، ووضعه في صدر الجملة المخبر بها زيادةُ تأكيد لإثبات إيمانهم؛ كما هو المعروف في فنون البلاغة. وفي هذه الجملة تعريض بأولئك المعاندين، فكأن الآية تقول: الذين آتيناهم الكتاب، وكان من حالهم أن تلوه حق تلاوته، يؤمنون به إيماناً لا يرتاب فيه، دون المعاندين المحرفين لكلمه عن مواضعه. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: الكفر بالكتاب يتحقق بتحريفه، وإنكار بعض ما جاء فيه، وأثبت للكافرين الخسران في جملة توسط فيها ضمير الفصل ﴿هُمُ﴾ بين المبتدأ والخبر، وجاء الخبر معرفاً بال ﴿الْخَاسِرُونَ﴾، فأفادت الجملة أن الكافرين بالكتاب يختصون بالخسران، ولا يتعداهم إلى غيرهم ممن أخلصوا الإيمان به، فالكافرون هم الخاسرون في الدنيا؛ حيث لا يعيشون فيها عيش المؤمنين بحق: صدور منشرحة، ونفوس مطمئنة، وتأييد من الله يجعلهم منصورين على من يناوئهم، وكذلك الإيمان الراسخ يفرغ على القلوب صبراً يخف به وقع الخطوب، ويذود عنها حرجاً لا يفارق صدر الكافر، ولو ملك رياسة قاهرة، وأموالاً وافرة، وإذا نهض صاحبه لكفاح عدو، كان نصر الله منه قريباً. والكافرون هم الخاسرون في الآخرة؛ إذ يفوتهم ما أعده الله للمؤمنين من نعيم دائم، ومقام كريم، ويخلدون بعد هذا الحرمان في عذاب مهين.

стр. 257

﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: كرر بهذه الآية نداء بني إسرائيل ودعوتهم إلى ذكر ما أسبغ عليهم من النعم الدال على عِظَمها إسنادُ الإنعام بها إليه تعالى في قوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وأهمية الشيء تقتضي تكرار الأمر به؛ إبلاغاً في الحجة، وتأكيداً للتذكرة. وأيّ شيء أعظم أثراً في سعادة الإنسان من أن يكون على ذكر من نعم الله عليه؟ إذ ذِكْرُ نعم الله يملأ القلب بإجلاله، ويدعو إلى شكرها بحسن الطاعة، وشكرها يستدعي المزيد منها، ويكسب صاحبه الظفر برضا من بيده مقاليدها، ومَن ظفر برضا وليّ النعم، فقد جمع الخير من أطرافه. وتفضيلُ بني إسرائيل على العالمين - في العهد الذي كانوا يتمسكون فيه بالتوراة السالمة من التحريف- مندرجٌ في جملة النعم التي أنعم الله بها عليهم، وأفرد بالذكر في قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾؛ لأنه من خير ما يناله الإنسان في حياته، والنفوس الزاكية لا تبتهج بشيء أكثر من ابتهاجها حين تستيقن أن الله جعلها بمكانة تفضل بها سائر النفوس. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: تضمنت هذه الآية معنى الآية السابقة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وأعيد هذا المعنى تأكيداً له، وتثبيتاً له في القلوب، ذلك أنه معنى متى غلب استحضاره على قلب من يتدبر العواقب، يكف يده عن كل شر، ويصير مصدراً لكل خير. ولا ريب أن من تيقن أنه سيشهد يوماً ذا أهوال لا ينفع الإنسانَ فيه إلا إيمانُه

стр. 258

وصالحُ عمله، وهو يوم الجزاء، اتجه به الحذر من سوء العاقبة إلى التمسك بأسباب السلامة والفوز في ذلك اليوم. ومعنى اتقاء يوم الجزاء: اتقاء ما يلاقيه الناس فيه من أهوال، واتقاؤها بأداء الواجبات، واجتناب المحظورات. وردت هذه الآية، وهي تنفي بظاهر عمومها أن يقبل يوم القيامة شفاعة من أحد لآخر، وورد في الآيات ما يدل على نفي الشفاعة إلا أن يأذن بها الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وما يدل على أن لا شفاعة إلا لمن ارتضى الله أن يشفع له: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فيفهم قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، وقوله في هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ على نفي الشفاعة التي لا يأذن بها الله، والشفاعة لمن لا يرتضي الله أن يشفع له؛ كالشفاعة للكافرين؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]. وقد وردت أحاديث صحيحة تثبت شفاعته ﵊ يوم القيامة، وليست شفاعته إلا أنه يدعو الله، فيستجيب له؛ كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وفي قبول شفاعته على هذا الوجه إظهار لكرامته ورفعة منزلته عند ربه. ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾: بعد أن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة نعمه على بني إسرائيل، وبين كيف كانوا يقابلون النعم بكفر وعناد، ويأتون منكرات الأقوال والأعمال، وختم الحديث عنهم بإنذار بالغ، وتذكير بيوم لا يغني فيه أحد عن أحد شيئاً، وصل حديثهم بقصة إبراهيم ﵇، فقال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾. . . إلخ.

стр. 259

ووجه إيراد هذه القصة عقب ما قصه عن بني إسرائيل والمشركين: أن كلاًّ من الفريقين ينتمي إلى إبراهيم، ويقر بفضله، وقد ورد فيما حكاه الله عنه ما يقتضي قبولهم لدعوة النبي ﷺ ، ودخولهم في دينه القويم. والابتلاء في أصله: الاختبار والامتحان، وهو بهذا المعنى محال على علام الغيوب، فالمراد منه هنا: التكليف حتى يُحسِن القيام بما كلف به، فيكون ما يناله من الجزاء كأنه جاءه على سبيل الاستحقاق. وقال: ﴿رَبُّهُ﴾؛ ليشعر التالي أو السامع بأنه ابتلاه بما ابتلاه به تربيةً له، وتقوية لعزمه حتى يستطيع النهوض بعظائم الأمور. والكلمات: جمع كلمة، وهي في الأصل: اللفظ المفرد، وتطلق بمعنى الكلام، كما تطلق على نفس المعاني التي تفهم من الألفاظ؛ نحو: الحكم، والإذن، والأمر والنهي، فالكلمات في الآية يصح أن تفسر بالأوامر التي كلف الله بها إبراهيم ﵇، وأتى بها على أتم وجه. والقرآن أجملَ في ذكر الكلمات، ولم يَرد في تعيينها حديث يجب الوقوف عنده، ولكن تسمية التكليف بها ابتلاء، وذكر إتمام إبراهيم لها على وجه الثناء، ينبئ بأنها من الأعمال التي لا ينهض بها إلا ذو عزم يتلقى أوامر ربه بحسن الطاعة. ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾: هذه الجملة مستأنفة لبيان ما مَنَّ الله به على إبراهيم ﵇ من الكرامة، ورفعة المقام، بعد أن ذكر أنه عامله معاملة المختبر له؛ إذ كلفه بأمور شاقة، فقام بها أحسن قيام. و ﴿جَاعِلُكَ﴾ من جعل بمعنى: صَيَّرَ. والإمام: القدوة الذي يؤتم به في أقواله وأفعاله. وإمامةُ إبراهيم: النبوة؛

стр. 260

فقد كان نبياً يقتدي به الناس في أصول الدين ومكارم الأخلاق؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]. وإذا أريد من إمامته: أن يقتدى به في العقائد والشرائع، كان المراد من الناس: قومه الذين أوجب الله عليهم أن يتبعوه في جميع ما أوحى الله به إليه. ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: هذه الجملة واقعة موقع الجواب عما شأنه أن يخطر في نفس السامع من السؤال عما كان من إبراهيم ﵇ عند ما تلقى البشارة بالإمامة العظمى، وهي الرسالة، كان من إبراهيم أن طلب الإمامة لبعض ذريته أيضاً، فقال: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. والذرية: الأولاد، وهذا القول - وهو من كلام إبراهيم - معطوف بالواو على الضمير في قوله: ﴿جَاعِلُكَ﴾، وهو من كلام الله تعالى، دايراد المتكلم قولاً يعطفه على قول متكلم آخر، يسمى في العربية: عطف التلقين. وتقدير مقول إبراهيم: وجاعل من ذريتي إماماً. وقصده من هذا العطف: الطلب، ولكنه عدل عن أن يقول: اجعل من ذريتي إماماً إلى قوله: وجاعل من ذريتي؛ لأنه قصد أن يورد كلامه مورد تتمة كلام الله تعالى، فيستحق أن يقع كما وقع المعطوف عليه، أعني: قوله تعالى: ﴿جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: وردت هذه الجملة جواباً عن قول إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، فالعهد هنا بمعنى الإمامة المشار إليها في قوله تعالى: ﴿جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. وفي الجملة

стр. 261

إيجاز بديم؛ إذ المراد منها: إجابة طلب إبراهيم من الإنعام على بعض ذريته بالإمامة؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] , ولكنها تدل صراحة على أن الظالمين من ذريته ليسوا أهلاً لأن يكونوا أئمة يقتدى بهم، وتشير إلى أن غير الظالمين منهم قد تنالهم النبوة، وقد نالت من ذريته إسحاق وإسماعيل ويعقوب ويوسف، وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل. والظلم الذي لا يستحق صاحبه النبوة: ما كان كفراً، أو مخالفة يأتيها وهو شاعر بأنه ارتكب إثماً. * * *

стр. 262

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٥ - ١٢٨]. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾: هذه الجملة معطوفة على قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. وجعلنا: صيَّرنا. والبيت: الكعبة، إذ غلب استعمال البيت فيها حتى صار اسماً لها. والمثابة: الموضع الذي يثاب؛ أي: يُرجع إليه، من ثاب يثوب: إذا رجع. ومعنى كون البيت الحرام مثابة للناس: أنهم يقبلون عليه من كل جانب، ويترددون إليه في كل عام، فلا يعدم قاصداً من الناس.

стр. 263

﴿وَأَمْنًا﴾: الأمن: السلامة من الخوف، وأمن المكان: اطمئنان أهله به، وعدم خوفهم من أن ينالهم فيه مكروه، فالبيت مأمن؛ أي: موضع أمن. وأخبر تعالى بأنه جعله أمناً؛ ليدل على كثرة ما يقع به من الأمن، حتى صار كأنه نفس الأمن. وكذلك صار البيت الحرام محفوفاً بالأمن من كل ناحية، فقد كان الناس في الجاهلية يقتتلون، ويغير بعضهم على بعض حوله، وأهلُه آمنون، ومن دخله كان آمناً من التشفي والانتقام؛ لما أودع الله في قلوب العرب من تعظيمه وتفضيله على غيره من بقاع الأرض. وقد أقر الإسلام هذه الحرمة على وجه لا يضيِّع حقاً، ولا يعطّل حدّاً. ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: الاتخاذ: الجعل، تقول: اتخذت فلاناً صديقاً؛ أي: جعلته صديقاً. ومقام إبراهيم: الحَجَر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار. ومعنى اتخاذ مصلى مثه: القصد إلى الصلاة عنده، ورد في الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ "طاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين". ومن السلف من فسر مقام إبراهيم بالمسجد الحرام. وكان الحَجَر الذي يسمى مقام إبراهيم ملصَقاً بالبيت، وإنما حوله عمر بن الخطاب بعد النبي ﷺ إلى موضعه المعروف الآن بمقام إبراهيم. ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: ﴿وَعَهِدْنَا﴾: أمرنا أو أوحينا. ﴿أَن﴾ بمعنى: أي، مفسرة للمأمور به، أو الموحى به المشار إليه بقوله: ﴿وَعَهِدْنَا﴾. و ﴿بَيْتِيَ﴾: البيت الحرام،

стр. 264

وأضافه تعالى إلى نفسه تشريفاً له، ولأنه أمر ببنائه وحجه وتطهيره. ومعنى تطهيره: صيانته من كل ما لا يليق ببيوت الله من الأقذاء والأرجاس والأوثان، وكل ما كان مظنة للشرك. وتطهير البيت -بمعنى: صيانته من تلك الخبائث- صادق بما إذا لم تكن موجودة به وقت الأمر بالتطهير، ويكون المعنى: أبقياه على طهارته، وكما قال الله تعالى في وصف نساء الجنة: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقد خلقهن طاهرات. ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾: جمع طائف، من طاف يطوف طوفاً وطوافاً: إذا دار حول الشيء، ومعناه: المتقوبون إلى الله بالطواف حول الكعبة. ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾: جمع عاكف، من عكف على الشيء عكوفاً: إذا أقام عليه ملازماً له، ومعناه: المقيمون في الحرم بقصد العبادة، ويدخل في العبادة: مدارسة العلوم الدينية، وما يساعد على فهمها. ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: الركع: جمع راكع. والسجود: جمع ساجد. والركوع والسجود من هيئات الصلاة وأركانها. فمعنى الركع السجود: المصلون. فالآية جمعت أصناف العابدين في البيت الحرام: الطائفين وإن لم يكونوا مقيمين؛ كمن يأتون لحج وعمرة، ثم ينصرفون، والعاكفين الذين يقيمون في الحرم بقصد الإكثار من العبادة في المسجد الحرام، والمصلين الذين يتقربون إلى الله بالصلوات فرائض أو نوافل. ويلوح من الآية أن للإقامة بالحرم فضلاً زائداً على فضل الطواف والصلاة.

стр. 265

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾: المشار إليه بقوله: ﴿هَذَا﴾: مكة المكرمة. والبلد: كل قطعة من الأرض عامرة أو غامرة. و ﴿آمِنًا﴾: ذا أمن؛ أي: مكاناً فيه أمن، وهو أمن أهله. وليس المراد أن البلد نفسه أمن؛ لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد، وإنما يلحقان أهل البلد، وبيان اللغة يسع إجراء أوصاف أهل البلد على البلد في نظم الكلام. ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: ﴿وَارْزُقْ﴾: من رزقه يرزقه: إذا أعطاه ما ينتفع به من مأكول وغيره. والثمرات: جمع ثمرة، وهي ما يحمله شجر أو زرع أو غيره من النبات. طلب إبراهيم ﵇ من الله أن يجعل مكة بلداً آمناً، وأن يرزق أهلها من الثمرات ما يسد حاجاتهم؛ لأن البلد إذا امتدت فيه ظلال الأمن، وكانت مطالب الحياة فيه ميسرة، أقبل أهله على طاعة الله، وتفرغوا لذلك بقلوب مطمئنة. ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: دعا إبراهيم ﵇ لأهل مكة بأن يُرزقوا من الثمرات، وأهل مكة؛ أي: المقيمون بها قد يكون من بينهم كافرون، فأراد تخصيص المؤمنين منهم بدعائه، فاتبع قوله: ﴿أَهْلَهُ﴾ بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ على وجه البدل؛ فصار المعنى: وارزق المؤمنين من أهله؛ على ما تقتضيه القاعدة العربية من أن البدل، وهو هنا: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هو المقصود بطلب الرزق، واقتصر على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر في التعبير عن المؤمن، لأن الإيمان بالله واليوم الآخر لا يقع على الوجه الحق إلا إذا صاحبه الإيمان بكتب الله ورسله وملائكته.

стр. 266

﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾: الضمير في ﴿قَالَ﴾ عائد إلى الله. و (من) فى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ منصوب بفعل مقدر دل عليه ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾، والمعنى: قال الله: وأرزق من كفر. وإيراد المتكلم قولاً من عنده معطوفاً على قول متكلم آخر، مألوف عربية، ويحسن موقعه حيث يقضي المقام إيجازاً في القول، ولولا هذا العطف، لكان المعنى متطلباً لأن يقال: قال الله: أرزقُ من آمن ومن كفر. وقد أرشدت الآية إلى أن الله يرزق الكافر في الدنيا كما يرزق المؤمن، وإذا كان إمتاع المؤمن بالرزق لأنه أهل لأن ينعم عليه بكل خير، فلإمتاع الكافر بالرزق حِكَم، منها: استدراجه المشار إليه بقوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]، ولو خص الله المؤمنين بالتوسعة في الرزق، وحرم منها الكافرين، لكان هذا التخصيص سائقاً للكافرين إلى الإيمان على وجه يشبه الإلجاء، وقد قضت حكمته تعالى أن الإيمان [يكون] اختيارياً حتى ينساق إليه الإنسان من طريق النظر في أدلة عقلية يبصر بها أقوام، ولا يبصر بها آخرون. ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾: أمتعه: من التمتيع، وهو إعطاء ما ينتفع به. و ﴿قَلِيلًا﴾: وصف لمصدر محذوف في النظم، والمعنى: أمتعه تمتيعاً قليلاً، ووصف التمتع في الدنيا بالقلة؛ لأنه صائر إلى نفاذ وانقطاع. و ﴿أَضْطَرُّهُ﴾: أسوقه بعد متاعه في الدنيا إلى عذاب لا يمكنه الانفكاك منه، وهو عذاب النار. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: بئس: فعل يستعمل لذم المرفوع بعدها، وهو ما يسميه النحاة:

стр. 267

المخصوص بالذم. ووردت هنا لذم النار المقدرة في الجملة. والمعنى: بئس المصيرُ النارُ؛ أي: إنها مصير سيئ؛ كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾: هذا معطوف على قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾. والقواعد: جمع قاعدة، وهى الأساس، ورفعها: بالبناء عليها. والبيت: الكعبة. والتقبل: القبول، وقبول الله للعمل: أن يرضاه، أو يثيب عليه، وتصدير الدعاء بندائه تعالى باسم الرب المضاف إلى ضميرها، مظهر من مظاهر خضوعهما له، واجلالهما لمقامه، والخضوع له تعالى وإجلال مقامه من أسنى الآداب التي تجعل الدعاء بمقربة من الاستجابة، ورفعهما لقواعد البيت فيما مضى؛ أي: قبل نزول الآية يقتضي أن يقال: وإذ رفع إبراهيم، ولكنه قال: ﴿يَرْفَعُ﴾ بصيغة المضارع الذي هو موضوع للفعل الواقع في الحال، أو الفعل الذي سيقع في المستقبل، ولذلك وجه معروف في محاسن البيان، هو أن يستعمل المتكلم الفعل المضارع في عمل مضى؛ حيث يكون ذلك العمل من الأهمية بمكان، فأهمية العمل تضعه في نظر المتكلم موضع العمل المشاهد له، فيخرجه حالَ التكلم في صورة الفعل الحاضر في الواقع؛ إذ يعبر عنه بالصيغة الموضوعة للدلالة على الأفعال الواقعة في الحال. ومعنى الجملة: واذكر يا محمد ذلك الأمر الغريب، وهو رفع الرسولين العظيمين إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت، وهما يقولان بخضوع لي وإجلال: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. ومن فوائد ذكر هذه القصة: أن يُقبل الناس على الاقتداء بهذين الرسولين الكريمين في القيام بالطاعات الشاقة، وهم يضرعون إلى الله - جلّ شأنه - ,

стр. 268

ويرجون منه قبولها. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: طلب الرسولان العظيمان قبول ما تقربا به إليه تعالى من بناء البيت الحرام، ووصلا دعاءهما بذكر اسمين من أسمائه الحسنى يؤكدان بذكرهما أن رجاءهما لاستجابة دعائهما وثيق، وأن ما عملاه ابتغاء مرضاته جدير بالقبول، فقالا: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، ومن كان سميعاً للدعاء، عليماً بنيات الداعين وضمائرهم، كان تفضله باستجابة دعاء المخلصين في طاعته غير بعيد. ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾: ﴿مُسْلِمَيْنِ﴾: من الإسلام، وهو الخضوع والإذعان، وقد كانا خاضعين لله، مذعنين في كل حال، وإنما طلبا الثبات والدوام على ذلك. والإسلام الذي هو الخضوع لله بحق إنما يتحقق بعقيدة التوحيد، وتحرِّي ما رسمه الشارع في العبادات والمعاملات، والإخلاص في أداء ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾: من ذرية إبراهيم وإسماعيل: العرب، ومن ذرية إبراهيم: بنو إسرائيل، فالدعاء شامل للفريقين؛ إذ ظهر من أولئك الذرية أقوام أسلموا وجهم لله من بين أمم عاشت في عماية، أما من العرب، فالأمر واضح، وأما من بني إسرائيل، فقد بعث فيهم أنبياء ورسل، ونشأ من بينهم هداة عادلون، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. وصلاح الذرية مرغوب فيه طبعاً، والدعاء لهم بالصلاح مرغَّب فيه شرعاً،

стр. 269

وذلك ما فعل الخليل إبراهيم ﵇. ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾: أرنا: علِّمنا. والمناسك: جمع منسك، وهي العبادة والطاعة، ثم سميت أعمال الحج كلها مناسك؛ مثل: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، ورمي الجمار. ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾: تسند التوبة إلى العبد، فيقال: تاب فلان إلى الله، ومعناها: الندم على ما لابس من الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه، ورد المظالم إن استطاع، أو نية ردها إن لم يستطع، وتستند إلى الله، فيقال: تاب الله على فلان، ومعناها: توفيقه إلى التوبة، أو قبولها منه. فمعنى ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾: وفقنا للتوبة، أو تقبلْها منا. والتوبة تكون من المعاصي كبائر أو صغائر، وتكون من ترك ما هو الأولى، أو من تقصير يؤدي إليه خطأ في الاجتهاد، وعلى أحد هذين الوجهين تحمل التوبة التي يسأل الأنبياء والمرسلون قبولها، أو التوفيق إليها. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿التَّوَّابُ﴾: كثير القبول لتوبة المنيبين إليه، وقبول توبتهم يقتضي عدم مؤاخذتهم بما يأتونه من خطيئات، ثم هم بعد خلاصهم من عقوبة الخطيئة، أو المعاتبة عليها ينتظرون من رحمة الله أن تحفهم بإحسان. وإبراهيم وإسماعيل ﵉ طلبا قبول توبتهما صراحة إذ قالا: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾، ولوَّحا إلى طلب الرحمة بذكر اسمه الرحيم؛ إذ الرحمة صفة من أثرها الإحسان، فكأنهما قالا: تب علينا وارحمنا.

стр. 270

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٢٩ - ١٣٤]. ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: دعا إبراهيم وإسماعيل ﵉ كما ورد في الآيات السابقة - بدعوات، منها: أن يجعل الله من ذريتهما أمة مسلمة، ووصلا تلك الدعوات بما جاء في هذه الآية من طلب ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة، وهو أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم. فالضمير في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعود إلى الذرية، أو الأمة المسلمة في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾.

стр. 271

والرسول: من أوحي إليه بشرع وأُمِر بتبليغه. وقال بعض الكاتبين في العهد الأخير: "قد يعرَّف النبي بإنسان فُطر على الحق علماً وعملاً؛ أي: بحيث لا يعلم إلا حقاً، ولا يعمل إلا حقاً، على مقتضى الحكمة، وذلك يكون بالفطرة؛ أي: لا يحتاج فيه إلى الفكر والنظر، ولكن التعليم الإلهي، فإن فطر أيضاً على دعوة بني نوعه إلى ما جبل عليه، فهو رسول أيضاً، وإلا، فهو نبي فقط، وليس برسول"، ويستقيم هذا التعريف على وجه الحقيقة إذا قُصد منه إضافة مزية إلى الرسول زائدة على مزية الوحي إليه بالشرع والتبليغ، وهي فطرته على معرفة الحق، والعمل والدعوة إليه، على معنى: أنه ارتفع عن مستوى سائر البشر بفطرة بلغت من الصفاء أن تتلقى من الحقائق ما لا يتلقون، وتحكم من العمل بالحق والدعوة إليه ما لا يطيقون. وسألا أن تكون بعثة الرسول في ذريتهما؛ ليكون أمر الإيمان قريباً منهم، فإن من يعرفون مولد الرسول ومنشأه، ويدرون كيف كانت سيرته قبل دعوى الرسالة جاريةً على الصدق والأمانة، يكونون في أول من يؤمن به، إلا من يصاب بحسد أو عناد. وتلقِّي قومه الذين عُرفوا بحكمة الرأي لدعوته بالقبول والطاعة، ينبه من كان بعيداً من أرضه للنظر في شأن رسالته، فلا يلبث أن ينتفع بما يعرض عليه من حجته الساطعة، وحكمته البالغة. وسؤالهما لأن يبعث الله في ذريتهما رسولاً منهم لا يقتضي أن تكون بعثة هذا الرسول خاصة بهم، فدعوتهما استجيبت بأن بعث الله فيهم رسولاً منهم، وكانت رسالته عامة شاملة لهم ولغيرهم من الناس، وهو رسول الله محمد ﷺ ، وقد قامت الأدلة القاطعة على عموم رسالته؛ كما يجدها الباحث مفصلة في علم الكلام.

стр. 272

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾: تلاوة الشيء: قراءته. والآيات: دلائل توحيد الله وتنزيهه والنبوة والبعث. و ﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن، وتعليمه: بيان معانيه وحقائقه. ويصح أن تحمل الآيات على آيات القرآن، فهو يتلو عليهم آيات القرآن؛ ليحفظوها بألفاظها كما نزلت، ويتعبدوا بتلاوتها، وليعرفوا من فضل بلاغتها وروعة أساليبها وجهاً مشرقاً من وجوه إعجازها. ويعلمهم القرآن؛ أي: يبين لهم معانيه؛ ليعرفوا ما أقامه من دلائل التوحيد، وما اشتمل عليه من أحكام وحكم ومواعظ وآداب. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: الحكمة: العلم النافع المصحوب بالعمل الواقع موقعه اللائق به، ووضعها بجانب الكتاب يدعو إلى حملها على معنى السنة التي تنتظم أقوال النبي ﷺ وأفعاله، وبالسنة يعرفون كما يعرفون من الكتاب أصلح الأعمال وأعدل الأحكام وأسنى الآداب، وتتفتح لهم طرق التفقه في أسرار الدين ومقاصده. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: يزكيهم: من التزكية، وهي في الأصل التنمية، يقال: زكَّى الله مالك؛ أي: نماه، ثم استعملت في معنى جعل الإنسان يزيد في الخير والفضل. فمعنى يزكيهم في الآية: يجعلهم أزكياء؛ أي: زائدين في الخير والفضل. وإنما تتحقق التزكية بهذا المعنى إذا طهرت بواطنهم من أرجاس الشرك والإرادات السيئة، وطهرت جوارحهم من قاذورات المآثم. ومن هنا دلت

стр. 273

التزكية على معنى: التطهير من كل ما لا يليق التلبس به باطناً أو ظاهراً. والآيات ظاهرة في أن الدعاء من قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ إلى قوله: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ صادر من إبراهيم وإسماعيل ﵉، ولم يجئ رسول تنطبق عليه الصفات الواردة في الدعاء إلا نبينا محمد ﷺ ، فتعين أن يكون هو الرسول الذي طلبا إرساله في ذريتهما. وقد استوفت الآيات الواردة في صفات الرسول منابع الدين أصولاً وفروعاً، فكل رأي في الدين لا يستند إلى ما كان النبي ﷺ يتلوه من الآيات، ويعلمه من الكتاب والسنة، أو من الأصول المستمدة منهما على وجه معقول، فهو ردٌّ على صاحبه. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿الْعَزِيزُ﴾: القادر الذي لا يُغلَب على أمر. و ﴿الْحَكِيمُ﴾: العالم الذي يدبر الأمور على وفق المصلحة، ومن كان قادراً على كل ما أراد، عالماً بوجوه المصالح، كانت استجابته قريبة من دعاء الخير الصادر عن إخلاص وابتهال. ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: يقال: رغب في كذا: إذا أراده، واتجهت نفسه إليه، ورغب عنه: إذا كرهه، وانصرفت نفسه عنه. والملة في الأصل: الطريقة، وغلب إطلاقها على أصول الدين من حيث إن صاحبها يصل بها إلى دار السلام والكرامة عند الله. ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: استخفها وامتهنها. والجملة واردة مورد التوبيخ للكافرين الذين أحدثوا الشرك المخالف لما دعا إليه إبراهيم ﵇ من التوحيد. والمعنى: لا يكره ملة إبراهيم وينصرف عنها إلى الشرك بالله

стр. 274

إلا من امتهن نفسه، ولم يبال أن يُدْبر بها عن طريق السعادة إلى طريق الخيبة والشقاء. ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾: اخترناه للرسالة، وعرَّفناه الملة التي هي أقوم طريق موصل إلى دار السلام. و ﴿الصَّالِحِينَ﴾: من الصلاح، وهو الاستقامة طى الطريقة المثلى. وهذا بيان لخطأ من يرغب عن ملة إبراهيم، حيث أعرض عن اتِّباع من جمع الله له الكرامة في الدنيا إلى الكرامة في الآخرة، فكأنه يقول: من اصطفاه الله في الدنيا بالرسالة، وكان مشهوداً له في الآخرة بالاستقامة، حقيق بأن تُتبع ملته، ويقتدى بهديه. ويراد من ذكر الشهادة له بالصلاح في الآخرة: ما تقضيه هذه الشهادة من رفعة المقام وسعة الإكرام. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: هذا بيان لكمال استقامة إبراهيم التي رفعته عند الله المنزلة العليا، وجعلت ملته حقيقة بأن يرغب فيها، ذلك أن الله أمره بطاعته، وإسلام وجهه إليه في كل حال، فبادر إلى الامتثال، وقال: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: وكان مقتضى قوله: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾ أن يجري الكلام على طريقة التكلم، فيقال: "إذ قلنا له"، ولكنه وقع العدول عن هذا الطريق إلى إسناد القول إلى الاسم الظاهر مضافاً إلى ضمير إبراهيم، فقال: ﴿قَالَ لَهُ رَبُّهُ﴾؛ لإظهار مزيد اللطف به، والعناية بتربيته، كما أن إبراهيم قال: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يقل: أسلمت لك؛ ليذْكر الله بما يدل على عظم شأنه، ويشير

стр. 275

إلى أن من كان رباً للعالمين لا يليق بأحد من العالمين إلا أن يتلقى أمره بالخضوع وحسن الطاعة. والظاهر أن الآية تخبر عن أمر واقع بعد النبوة؛ كما قال الله تعالى لنبينا - صلوات الله عليه -: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ﴾ [هود: ١١٢]. ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾: دل ما سبق على أن إبراهيم كامل في الصلاح إذ قال: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ودلت هذه الآية على أنه يجمع إلى كمال نفسه العملَ لتكميل غيره إذ قال: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾، والتوصية: إرشاد الغير إلى ما فيه صلاح وقربة، سواء كان في حالة الاحتضار، أم في حالة غيرها، والضمير في قولها: ﴿بِهَا﴾ يعود إلى ﴿مِلَّةِ﴾ في قوله: ﴿عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾، والمعنى: وصى إبراهيم بنيه بملته؛ أي: باتباعها. ﴿وَيَعْقُوبُ﴾: مرفوع على أنه مبتدأ، وخبره مقدر في نظم الكلام، لفهمه من الجملة السابقة، والمعنى: ويعقوب كذلك؛ أي: أوصى بنيه بملة إبراهيم. ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾: هذا حكاية لما قال إبراهيم ويعقوب في وصيتهما لأبنائهما، والمعنى: قال كل منهما لأبنائه ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾. . . إلخ. واصطفى لكم الدين: استخلصه لكم، وهداكم للأخذ به، وهو دين الخضوع لله وحده، والتقرب إليه بأخلص الطاعات. ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: تفيد هذه الجملة بحسب وضعها الأصلي: النهي عن الموت في حال

стр. 276

غير حال الإسلام، وليس الموت في استطاعة الإنسان حتى يُنهى عنه، أو يؤمر به، وإنما النهي في المعنى متوجه إلى أن يكون المخاطبون في حال لو جاءهم الموت وهم متلبسون به، لوقعوا في خسران مبين، فنهيهم عن الموت في حال غير حال الإسلام يراد منه: الأمر بالثبات على الإسلام إلى حين الوفاة، والمعنى: اثبتوا على الإسلام واستقيموا على محجته البيضاء حتى يدرككم الموت وأنتم في حال كونكم مسلمين. وكما ينهى عن الموت في حالة، والمراد: النهي عن التلبس بتلك الحالة، يؤمر بالموت في حالة، والمراد: الحث على التلبس بتلك الحالة؛ كما يقال: مت وأنت شهيد، والمراد: الحث على الاستشهاد في سبيل الله. ومن هذا القبيل قول المتنبي: عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ ... بين طعن القنا وخفق البنود ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾: بعد توبيخ المخالفين لملة إبراهيم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾، وبيان أن هذه الملة هي التي كان إبراهيم أوصى بنيه كما أوصى بها يعقوب بنيه، جاءت هذه الآية للإنكار على أهل الكتاب افتراءهم على يعقوب، وزعمهم أنه كان على ما هم عليه من التدين، وبينت كيفية وصيته لبنيه، فقال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾، فكلمة ﴿أَمْ﴾ مستعملة للانتقال من جملة إلى أخرى، وللاستفهام الإنكاري الذي هو في معنى النفي، فهي مفيدة لمعنى (بل) والهمزة معاً، فكانه قيل: بل كنتم شهداء؟ والشهداء: جمع شهيد بمعنى حاضر، والمعنى: ما كنتم حاضرين وقت أن احتُضر

стр. 277

يعقوب؛ أي: أشرف على الموت، وأوصى بنيه باتباع ملة إبراهيم، فكيف تدَّعون ما ادَّعيتم عليه رجماً بالغيب؟!. ووجّه يعقوب الوصية لبنيه في صورة سؤال؛ ليدل على شدة اهتمامه بأمر هدايتهم، ويستدعي بسؤاله جواباً منهم يعبر عن رسوخ إيمانهم، وعقدِهم النيةَ على أن يخصوا الإله الحق بعبادتهم. ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: هذه الجملة بيان لما أجابوا به يعقوب ﵇، وهو جواب يتضمن أنهم متمسكون بملة إبراهيم، وهي ملة لا تثليث فيها، ولا تشبيه بمخلوق. وإسماعيل عم يعقوب، وذكروه في جملة آبائه على وجه التجوز بإطلاق الأب على العم، وهو من المجازات المعهودة في فصيح الكلام، وقدموا إسماعيل في الذكر على إسحاق؛ لأنه أسنُّ منه. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾: الإشارة إلى إبراهيم ﵇ وأبنائه. و ﴿خَلَتْ﴾: مضت وانقرضت، والأمة: الجماعة يجمعهم أمر من نحو الدين والموطن واللغة. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾: الكسب: التحصيل والعمل لإصابة ما فيه نفع. وفي الجملة لفظ محذوف يقتضيه المعنى، والتقدير: لها ثواب ما كسبت، ولكم ثواب ما كسبتم. والذي ترمي إليه الآية: تحذير المخاطبين من أن يتركوا طاعة الله، أو يتباطؤوا في سبيلها اتكالاً على انتسابهم لآباء كانوا أنبياء أو صالحين. وقد جاء في الحديث الصحيح: "من أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه".

стр. 278

﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعلمون في الدنيا؛ أي: لا يقال لكم على وجه العتاب: لم عملوا كذا وكذا؟! فالآية واردة لتقرير سنة عامة هي أن لكل نفس وحدها ثواب ما عملت من خير، وهي التي تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء.

стр. 279

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [لبقرة: ١٣٥ - ١٣٧]. ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾: الضمير في قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ عائد إلى أهل الكتاب. و ﴿تَهْتَدُوا﴾: تصيبوا طريق الحق. وقد قصت علينا هذه الجملة دعوة كل من الفريقين إلى دينه، وزعْمَه أنه الحق دون غيره، وليس المعنى أن الفريقين كليهما قالوا على وجه التخيير: كونوا هوداً تهتدوا، والنصارى قالوا مثل ذلك: كونوا نصارى تهتدوا، وساعد على إفادة هذا المعنى باللفظ الموجز الذي نطقت به الآية ما هو معروف من أن كل فريق منهما يعد ديانة الفريق الآخر باطلة. ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾: الخطاب للنبي ﷺ . والحنيف في الأصل: المائل، ويستعمل بمعنى:

стр. 280

العادل عن دين إلى دين، ووصف به إبراهيم ﵇؛ لعدوله عن الأديان الباطلة المعروفة في عهده إلى الدين الحق الذي أوحى الله به إليه، وصارت الكلمة - وإن كانت في الأصل بمعنى: المائل - إنما يراد منها: المائل عن الأديان المعوجة إلى الدين القيِّم. وذهب بعض القدماء الذين تناولوا هذه الآية بالتفسير إلى أن حنيفاً من الحنَف، وهو الاستقامة، فصح -على كلا المذهبين- أن يفسر الحنيف بالمستقيم. والمعنى: قل يا محمد: بل نتبع ملة إبراهيم في حالة حنيفيته؛ أي: استقامته على الدين. وهذا يشير إلى أن اليهودية والنصرانية غير مستقيمتين. وقد تضمن قوله: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾ إبطال ما ادعاه كل من الفريقين من أن الداخل في دينه على هدى من الله، ذلك أن حرف (بل) يأتي في صدر الجملة لإبطال ما تضمنته الجملة السابقة، فهي في الآية لإبطال دعوى أن اتِّباع اليهودية والنصرانية اهتداء. ثم إن الآية وصفت ملة إبراهيم بالاستقامة، فدلت على أنها أولى بالاتباع؛ إذ الملة المستقيمة أولى بالاتباع من الملل المعوجة. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: أثبت لإبراهيم الاستقامة على الدين الحق، ونفى عنه في هذه الآية أن يكون مشركاً؛ أي: إنه لم يكن يعبد وثناً، ولا كوكباً، ولا شيئاً غير الله، وفي هذا تعريض بكفار العرب؛ إذ كانوا يدينون بأشياء من دين إبراهيم، ويخلطونها بعبادة الأوثان، وتعريض بأهل الكتاب؛ إذ كانوا يدَّعون اتّباع إبراهيم، والنصارى يقولون: المسيح ابن الله، وفي اليهود من كان يقول: عزير ابن الله.

стр. 281

﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: الخطاب للمسلمين، والإيمان بالله: أن يصدق الإنسان بما اختص به تعالى من صفات الكمال على وجه الجزم واليقين، تصديقاً ملاكه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وإنما يقوم التصديق على وجه الجزم واليقين متى استند إلى دليل تطمئن به النفس؛ من نحو: النظر في أسرار الكون، وحكمة المخلوقات، والانتباه لما يلاقيه الإنسان في حياته من ألطاف. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾: يعني: القرآن الكريم. وصح نسبة الإنزال إلى المسلمين؛ لأنهم مخاطَبون بما فيه من أمر ونهي وعظات وغيرها. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾: ما أنزل إلى إبراهيم: الصحف المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]. ونسب إنزالها إلى الأنبياء الثلاثة، ثم الأسباط بعد نسبته إلى إبراهيم ﵇؛ لأنهم يتعبدون بما فيها من الأحكام، ومأمورون بالدعوة إليه. والأسباط: جمع سِبْط، وهو الحافد، وهم حَفَدَة يعقوب؛ أي: ذريات أبنائه، وكانوا اثني عشر سبطاً كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] , والمراد: الإيمان بما أنزل الله من الوحي على الأنبياء منهم. ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾: ﴿أُوتِيَ﴾: أعطي، وما أعطي موسى: التوراة، وما أعطي عيسى: الإنجيل، وعطف عيسى على موسى دون أن يكرر الفعل، فيقول: وما أوتي عيسى؛

стр. 282

لأن عيسى جاء مصدقاً لما في التوراة، وإنما نسخ منها أحكاماً يسيرة، كما قال تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، فكأن ما أوتيه النبيان شيء واحد. ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: بعد أن ذكر ما أنزل على أنبياء بأعيانهم، ذكر ما أنزل على غيرهم من الأنبياء على وجه عام، وذكر ما أوتي موسى وعيسى بوجه خاص؛ لأن الكلام في الآية مع اليهود والنصارى، وموسى متبوع لليهود، وعيسى متبوع للنصارى، وقدم الإيمان بالله؛ لأن الإيمان بالنبي وما أنزل إليه متوقف على الإيمان بالله، وقدم ما أنزل إلينا، وهذا يستلزم الإيمان به على وجهي الإجمال والتفصيل، أما ما أنزل على الأنبياء من قبل؛ كالتوراة والإنجيل، فيكفي الإيمان به على وجه الإجمال، بل قال النبي ﷺ -كما جاء في "الجامع الصحيح" للإمام البخاري-: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إليكم"، والمراد بما لا نصدقهم فيه ولا نكذبهم: ما يكون محتملاً للصدق والكذب. فمن الجائز أن يكون في نفس الأمر صدقاً، فنقع بتكذيبه في حرج، أو يكون كذباً، ولا ينبغي لنا أن نتلقى الكذب، ونضعه بمكان الصدق. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾: التفرقة: جعل شيء مفارقاً لآخر. و ﴿أَحَدٌ﴾ يستعمل بمعنى واحد، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]. ويطلق على ما يصلح أن يخاطب، واحداً كان أو مثنى أو مجموعاً، وإذا أضيف إليه كلمة (بين)، كان المراد به: جمعاً من الجنس الذي يدل عليه الكلام. وإنما

стр. 283

كان المراد به جمعاً؛ لأن (بين) لا تدخل إلا على متعدد، والجنس الذي يدل عليه الكلام في الآية هو جنس النبيين، فالمراد به: جماعة منهم. والمعنى: لا نفرق بين جماعة من النبيين، فنؤمن ببعضهم، ونكفر ببعض؛ كما فعل اليهود إذ كفروا بعيسى ومحمد، وكما فعل النصارى إذ كفروا بمحمد ﷺ ، بل نؤمن بهم جميعاً. والإيمان بما أنزل إلى الرسول يستلزم الإيمان بهم جميعاً. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: الإسلام: الخضوع بالطاعة والانقياد للأمر والنهي. والضمير في قوله: ﴿لَهُ﴾ عائد إلى الله تعالى. والجملة مندرجة تحت قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾. والمعنى: قولوا: آمنا بالله، وقولوا: نحن له مسلمون. فتكون الآية مبتدأة بالإيمان الذي هو التصديق بالقلب، ومنتهية بالإسلام الذي هو انقياد الجوارح بالعمل الصالح. ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ لأن قول المؤمنين: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. . . إلخ شأنه أن يكون سبباً لإيمان أهل الكتاب الإيمان الصحيح؛ لأنه الحق الذي لا شبهة فيه، وإن تخلف إيمانهم مع وجود ما يدعو إليه، فلقصر نظرهم، وشدة عنادهم. والمثل يستعمل بمعنى: نفس الشيء وحقيقته؛ من قولهم: مثل الرجل يمثل: إذا قام وانتصب، وبالانتصاب تتحقق صورته، وتبدو ظاهرة. وقد صرح بعض المحققين بأن المثل في الأصل: عبارة عن نفس الشيء وصورته، ثم شاع استعماله فيما يشابهه، فمعنى الآية: فإن آمنوا بنفس ما آمنتم به.

стр. 284

﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾: ﴿تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا، والشقاق: المخالفة والعداوة، والمعنى: وإن أعرضوا عن الإيمان الذي تدعوهم إليه، فإنما هم في مشاقة لك وللمؤمنين، ومن يشاقق الرسول والمؤمنين، فقد شاق الله، وما له في الهداية من نصيب. وقال: ﴿هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ مبالغة في وصفهم بالشقاق؛ حيث جعله مستولياً عليهم استيلاء الظرف على ما يوضع فيه. ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾: أفادت الجملة السابقة أن إعراض أولئك اليهود والنصارى عن دعوة الحق يقضي بأنهم في مشاقة وعداوة للنبي ﵊، وشأن العدو المشاق للأنبياء أن يبذل جهده في إيذائهم، والصد عن سبيلهم. وجاءت هذه الجملة بوعد الله لرسوله بأنه سيعصمه من أولئك المشاقين، فلا تصل إليه أيديهم بأذى. ويكفي: من الكفاية بمعنى: الوقاية، وفي الآية إيجاز ظاهر؛ إذ الكفاية إنما تتعلق بالأفعال لا بالذات، فالأصل: يكفيك الله شرهم؛ أي: يقيك منه. ويصح أن تحمل على معنى: الإغناء، فيكون المعنى: فسيغنيك الله عن مقاومتهم. وتصدير الفعل بالسين دون سوف إذ قال: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ مشعر بأن ظهوره عليهم واقع في زمن قريب من زمن نزول الآية، وقد أوفى الله بعهده، فأظهره عليهم، ومنعه منهم؛ بتفريق كلمتهم، وقتل من لا بد من قتله، وإجلاء من يكفي في السلامة من شره الإجلاء. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: هذه الجملة واردة مورد التقرير والتأكيد لما تضمنته الجملة السابقة

стр. 285

من ضمان الله تعالى لرسوله الأكرم العصمةَ من أعدائه؛ إذ إيراد وصفَي السميع العليم عقب خطابه ﵊ بقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ يحضر في الذهن معنى أن الله يسمع أقوالك، ويعلم نيتك وما تقصده بجهادك من إعلاء كلمة الحق، ومَنْ كان هذا شأنه، فما وعدك به من النصر على من يعادونك واقع لا محالة. ويصح أن يفهم من إيراد هذين الوصفين: أنه تعالى السميع لما يقول أعداؤكم، العليم بما يبيتونه لكم من مكر، فلا يتركهم دون أن يكف عنكم بأسهم، ويقطع دابرهم.
следующие страницы →