← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

فمن يُبلِّغ شبابنا هذه الحقائق؛ ليعلموا أن إعراضهم عن الزواج قتل لفضيلة العفاف، وحرمان للأوطان من نسل طيب، وإطفاء لمصابيح الحياة الاجتماعية الراقية؟ ولا أراهم بعد أن يعلموا هذه الحقائق، وهم عشاق الفضيلة، والغيورون على المصالح العامة، والعاملون لحياة الأمة ورقيها، إلا أن يطهروا نفوسهم من محكاة الإباحيين في الإعراض عن الزواج وهم يستطيعونه، فيكونوا -بتوفيق الله تعالى- أيديًا بانية لا هادمة، ومصلحة لا مفسدة: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 2207

النبوغ في العلوم والفنون (١) في الناس من يجمع علماً غزيراً، أو يروي أدباً واسعاً، وقد يؤلف فتعد مؤلفاته بالمئات أو الآلاف من الصفحات، ولكن لا نجد فيما ألف من مئات الصفحات وآلافها شيئاً زائداً عما كتبه الناس من قبله، ويسوغ لنا أن نسمي هذا العالم أو الأديب: "حافظاً"، أو "ناقلاً". أما العالِم أو الأديب الذي يدرّس، فنسمع منه ما لم نكن قد سمعنا، ويؤلّف، فنقرأ له ما لم نكن قد قرأنا، فذلك ما يحق لنا أن نسميه: نابغة، أو عبقرياً. فالنابغة أو العبقري هو الذي يحدث علماً أو فناً من فنون الأدب لم يكن شيئاً مذكورًا؛ كما صنع الخليل بن أحمد في علم مقاييس الشعر، أو ينقله من قلة إلى كثرة؛ كما صنع عبد القاهر الجرجاني في علم البلاغة، ودون هذه الدرجة درجات، وسموّ كعب العالم أو الأديب في العبقرية على قدر ما يأتي به من أفكار مبتكرة، أو ما يستطيعه من حل المسائل المعضلة. أما ابتداع الرجل للعلم أساليب تجعل مأخذه أقرب، وتناوله أيسر، فليس بنبوغ في نفس العلم، وإنما هو نبوغ في صناعة التأليف فيه.

стр. 2208

وإذا كانت العصور قد تبسط يدها بالعلماء الناقلين كل البسط، فإنها لا تسمح بالعبقري إلا قليلاً: فِتْيةٌ لَمْ تلِدْ سِواها المعالي ... والمعالي قَليلَةُ الأَوْلادِ تقوم العبقرية على الذكاء والجدّ في طلب العلم، ثم على أكبر الهمة، فمن لم يكن ذكيًا، لم يكن حظّه من العلم إلا أن يحفظ ما أنتجته قرائح العلماء من قبله، ومن لم يجدّ في طلب العلم، ولم يُغذّى ذكاءه بثمرات القرائح المبدعة، بقي ذكاؤه مقصوراً في دائرة ضيقة، فلا يقوى على أن يحلق في سماء العلوم ليبلغ الغاية السامية، وماذا تصنع المرأة الكيسة في بيت لا مؤونة فيه ولا متاع؟!. يقولون: إن ابن سينا لم ينم مدةَ اشتغاله بالعلم ليلة واحدة كاملة، ولا اشتغل في النهار بسوى المطالعة. وقالوا: لم يترك ابن رشد النظر ولا القراءة منذ عقل إلا ليلة وفاة أبيه، أو ليلة بنائه على أهله. ومن لم تكن همته في العلم كبيرة، لم يكفه ذكاؤه ولا جدّه في الطلب لأن يكون عبقرياً؛ فقد يكون الرجل ذكياً مُجداً في التحصيل، وصغر همته يحجم به أن يوجه ذكاءه إلى نقد آراء قديمة، أو ابتكار آراء جديدة حميدة: إذا غامرتَ في شَرَفٍ مَرومِ ... فلا تقْنَعْ بما دون النُّجومِ والعبقري يلذُّ العلم أكثر مما يلذه الناقلون، وإنا لنرى الرجل يرتاح للعلم ينحدر من سماء فكره أكثر مما يرتاح للعلم الذي ينساق إليه من فكر غيره، ولا يزيد هو على أن يودعه حافظته. قال تقي الدين السبكي في أبيات أجاب فيها عن سؤال يتعلق بآية من

стр. 2209

الكتاب المجيد: لأسْرارِ آياتِ الكتابِ مَعانِ ... تدق فلا تبدو لكلٍ معانِ إذا بارقٌ قد لاحَ منها لخاطِري ... هممتُ قريرَ العَيْنِ بالطيرانِ ولشدة ارتياح النابغة لاستخراج المعاني من معادنها، وتخليص الآراء الراجحة من بين الآراء الواهية، نجده أحرص الناس على العلم، وأشدهم أنسًا به، وأثبتهم على الانقطاع له. * مهيئات النبوغ: للنبوغ مهيئات: منها: أن ينشأ الذكي في درس أستاذ يطلق له العنان في البحث، ويردّه إلى الصواب برفق، ويثني عليه إن ناقش فأصاب المرمى. نقرأ في ترجمة العلامة إبراهيم بن فتوح الأندلسي: أنه كان يفسح لصاحب البحث مجالاً رحبًا، بل يطلب من التلاميذ أن يناقشوه فيما يقرر، ويحثّهم على ذلك، ويختار طريق التعليم به، وشأن العالم العبقري أن يقبل على التلميذ المتقد ذكاء، ويأخذ بيده في طريق التحصيل حتى يعرف كيف يكون عبقرياً. ومن مهيئات النبوغ: أن يشبّ الألمعي بين قوم يقدرون النوابغ قدرهم، فإن نظر القوم إلى النابغة بعين التجلة، وإقبالهم عليه باحتفاء، مما يزيد الناشئين الأذكياء قوة على الجد في الطلب، والسعي إلى أقصى درجات الكمال. ولا عجب أن يظهر النابغون في العلم والأدب ببلاد الأندلس؛ فقد كان أهلها كما قال صاحب "نفح الطيب": "يعظمون من عَظّمه علمه، ويرفعون من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم في رجال الحرب: يقدّمون من قدمته شجاعته، وعظمت في الحروب مكايده".

стр. 2210

وظهر في عالم الإِسلام خلفاء وملوك ووزراء، كانوا يقدرون النوابغ، ويحتفون بهم لنبوغهم؛ مثل: المأمون العباسي، وعبد الله بن طاهر، وسيف الدولة، والصاحب بن عباد في الشرق، وعبد الرحمن الناصر، والمنصور بن أبي عامر، والمعتمد بن عباد في الأندلس. وأسوق مثلاً لهذا التقدير: أن القاسم بن سلام عرض على عبد الله بن طاهر تأليفه في غريب الحديث، فقال عبد الله: إن عقلاً بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب، حقيق بأن لا يحوج إلى طلب المعاش، وأجرى عليه عشرة آلاف درهم في الشهر. وقد يهيئ الناشئَ للنبوغ أن يسبقه أب أو جد بالنبوغ؛ فإن كثرة تردد اسم سلفه العبقري على سمعه، ومطالعته لبعض آثار عبقريته يثيران همته، ويرهفان عزمه لأن يظفر بما ظفر به سلفه من منزلة شامخة، وذكر مجيد. وإذا رأينا كثيراً من أبناء فطاحل العلماء، لم يتجاوزوا مرتبة العلماء الناقلين، فلنقصٍ في ذكائهم الفطري، أو لعلل نفسية صرفتهم إلى نواح غير ناحية العبقرية. ومن مهيئات النبوغ: نشأة الذكي في حاضرة زاخرة بالعلوم والآداب؛ إذ في الحواضر يلاقي الناشئ جهابذة العلماء، وأعلام الأدباء، وفي الحواضر يشتد التنافس في العلوم والفنون، ويتسع مجال المحاورات والمناظرات. ومن مهيئات النبوغ: قراءة مؤلفات النابغين في العلم بعد الاطلاع على دراسة الكتب التي تسوق المسائل مجردة من أدلتها، غير معنية بالغوص على أسرارها، وإنما يرجى منه النبوغ متى وضعت تحت نظره كتب يرى مؤلفيها كيف يستمدون آراءهم من الأصول العالية، ولا يوردون مسألة إلا بعد

стр. 2211

أن يعزّزوها بالدليل. ومن مهيئات النبوغ: مطالعة تراجم النابغين المحررة بأقلام تشرح نواحي نبوغهم، وتصف آثاره؛ نحو: مؤلفاتهم المنقطعة النظير، ثم ما يخصه بهم عظماء الرجال من تقدير وتمجيد. ومن مهيئات النبوغ: الرحلة، والتقلب في كثير من البلاد، ولا سيما بلادًا تختلف بعاداتها وأساليب تربيتها ومناهج حياتها العلمية والسياسية، ولعل نبوغ ابن خلدون في شؤون الاجتماع ذلك النبوغ الرائع؛ إنما جاءه من نشأته في تونس، ثم سياحته في بلاد الجزائر والمغرب الأقصى والأندلس ومصر سياحةَ اعتبار، سياحة اتصل فيها برؤساء حكوماتها، وأكابر علمائها، بل سياحة كان يقبض فيها -أحياناً- على طرف من سياسة تلك البلاد. * تقدير النبوغ: يعرف الناس أن زيداً عالم أو أديب، أما بلوغه مرتبة النبوغ في علم أو فن من فنون الأدب، فإنما يعرفه من درسوا ذلك العلم أو الفن دراسة تمكنهم من الحكم بأن ما يثمره فكر هذا العالم أو الأديب جديد بديع. فمن لم يدرس علم الطب - مثلاً - لا يستطيع أن يصف أحداً بالنبوغ فيه إلا أن يقلد في وصفه بعض كبار الأطباء، ومن لم يدرس علوم اللغة ليس من شأنه أن يشهد لأحد بالنبوغ في هذه العلوم إلا أن يتلقى تلك الشهادة من أفواه أساتذة اللغة وآدابها. وأعدُّ مِنْ تعقُّلِ ابن حزم: أنه كتب رسالة بيَّن فيها كيف أبدع أهل الأندلس فيما ألّفوه في العلوم والفنون، ولما وصل إلى علم الحساب والهندسة، قال: "وأما العدد (الحساب) والهندسة، فلم يقسم لنا في هذا العلم نفاذ،

стр. 2212

ولا تحققنا به، فلسنا نثق بأنفسنا في تمييز المحسن من المقصر في المؤلفين فيه من أهل بلدنا". وإذا انتشر العلم والأدب في بلد أو قطر، كان أهله أعرف بأقدار النبغاء، وربما عاش العبقري في بلد، ويكون ذكره في بلد آخر أذيعَ، وشأنه فيه أعلى. نشأ العلامة أبو عبد الله التلمساني في تلمسان، وعاش بها، ويقول الكاتبون في التعريف به: "وكان علماء الأندلس أعرف الناس بقدره، وأكثرهم تعظيماً له". وأشار إلى هذا المعنى بعض من نشأ أو أقام بين قوم لم يقدروا فضل براعته، فقال: وما أنا إلا المِسْكُ في غَيْرِ أَرْضِكُمْ ... يَضوعُ وأمَّا عندَكم فيَضيعُ * أثر النبوغ في العلم: عرفنا أن العلماء الناقلين مزيتهم في حفظ أقوال من تقدمهم، وليس من شأنهم أن يتقدموا بالعلوم ولو خطوة، وإنما الذي يبتكر العلوم، أو تكون له يد في تلاحق مسائلها قليلاً أو كثيراً، هو العبقري. ولا يستغني علم من العلوم عن عبقري يضيف إليه مسائل، أو يحل منه مشاكل، أو يجيد تطبيق أصوله العالية على فروعها. فعبقرية الأئمة المجتهدين أورثتنا هذه الثروة العظيمة من أصول الشريعة وأحكامها العائدة إلى حفظ الدين والأنفس والأعراض والأموال، وعبقرية علماء الكلام دخلت في تفاصيل الإلهيات والنبوات، فخلصت الحقائق من الأوهام، وحفظت أصول الدين من أن تزلزلها عواصف الشبهات. وعبقرية

стр. 2213

المناطقة استنبطت هذه القوانين التي تساعد العقل السليم على أن تكون آراؤه صائبة، وحججه ساطعة. وعبقرية علماء العربية جعلت مقاييس اللغة ومحاسن بيانها في متناول نشئنا يجرون عليها في خطبهم وأشعارهم، فيسترعون الأسماع، ويأخذون بالألباب. وهكذا ننظر إلى كل فن من الفنون التي تقوم عليها المدنية الفاضلة الرائعة، فنجده وليد العبقرية التي تخرق القشر، وتنفذ إلى اللباب. فحاجة العلم إلى العبقرية لا يقضيها الجماعات التي تقنع بالحفظ وإن كثروا، ومما ينبه لهذا المعنى قول محمد بن عيسى القوصي يرثي العلامة ابن دقيق العيد: لو كانَ يقبَلُ فيك حتْفُكَ فِديَةً ... لَفُديتَ من عُلمائنا بألوفِ * أثر النبوغ في شرف الأمة: للنبوغ في عظمة الأمة حظ كبير، لذلك نرى الشعوب والقبائل يباهي بعضها بعضاً بالنابغين في علم أو أدب أو سياسة، وانظروا إلى رسالة كتبها أبو الوليد الشقندي في فضل الأندلس على بر العدوة، وقد ملأها بقوله يخاطب أهل العدوة: هل لكم في علم كذا مثل فلان وفلان؟ وذكر البارعين في الفقه والنحو والأدب والشعر والتاريخ والهندسة. ولابن حزم رسالة نوّه فيها بفضل الأندلس، فذكر طائفة من جهابذة تلك البلاد: يقيسهم ببعض علماء الشرق وأدبائه، فيقول مثلاً: فلان نباهي به جريرًا أو الفرزدق، وفلان نسابق به محمد بن إسماعيل البخاري، وفلان نناطح به محمد بن الحكم، وفلان وفلان لم يقصرا عن أكابر أصحاب محمد ابن يزيد المبرّد.

стр. 2214

* أثر النبوغ في علو الهمة: أشرنا إلى أن النبوغ يقوم على أكبر الهمة في العلم، ونقول الآن: إن النبوغ ينحو بصاحبه نحو عزّة النفس، ويرفع همته عن أن تسلك طريق الملق والخضوع لإدراك نحو منصب أو مال؛ فإن شعور العبقري برفعة منزلته العلمية، يريه أن كل ما عدا هذه المنزلة أهونُ من أن تطمح إليه النفوس، أو تحرص عليه، وقد نال ابن حزم الوزارة، ولما رأى العلم فوق كل مرتبة، انصرفت نفسه عنها، وطلّقها بتاتاً من تلقاء نفسه، وانقطع للبحث والتحرير. * كيف نصعد بأبنائنا في مراقي النبوغ؟ تختلف نفوس الناشئين في الميل إلى العلوم، كل نفس تميل إلى ما يوافق طبعها، فنرى نفسًا تختار علماً، ونفساً تختار علماً غيره، ولندع الفلسفة تبحث عن سر موافقة هذا العلم لطبع هذه النفس، ونكتفي بأن نعلم أن هذه النفس تميل إلى هذا العلم. لنتوجه بها إلى التخصص به، فتطلبه برغبة زائدة عن رغبتها فيه من حيث إنه علم، وقد أدرك هذا علماؤنا من قبل، فنقرأ في التعريف بحياة العلامة أبي عبد الله التلمساني: أنه كان يترك كل طالب يتخصص بالعلم الذي تميل إليه نفسه. ومناهج التعليم اليوم تقتضي تخصص كل طائفة بقسم من العلوم، ولا يكفي توجه الطالب إلى التخصص بقسم من العلوم لأن يكون نابغًا فيه، وما فتح أبواب التخصص إلا أحد المهيئات للنبوغ، وقد تفوت الطالب القريحة الوقادة، والألميعة المهذبة، أو تفوته الهمة التي تطمح به إلى بلوغ الذروة في العلم، فعلى القائمين على شؤون التعليم العام أن لا يكتفوا بأن تخرج أقسام التخصص في كل عام فرقًا يؤدون الامتحان، ويحرزون شهادات تخوِّلهم ولاية

стр. 2215

بعض المناصب، بل واجبهم أن يوجهوا عنايتهم إلى ذوي الذكاء المتقد، وإن كانوا من أبناء البيوت الخاملة، ويربون فيهم الهمة الطامحة إلى أسمى الغايات، ويقوون عزائمهم بكل وسيلة ممكنة، حتى يسيروا في طريق العبقرية؛ فإن سلامة الأمة وسيادتها على قدر ما تخرجه معاهدها وجامعاتها من أساتذة أجلاء، أساتذة لا يتركون في العلم الذي يتخصصون به غامضاً إلا استكشفوه، ولا باباً من أبوابه إلا نفذوا منه.

стр. 2216

متى تكون الصّراحة فضيلة (١) وهبَ الله للإنسان لساناً يعبر به عما يجول في نفسه من آراء، أو يشعر به من نحو الحب والبغض، والسرور والحزن، واللذة والألم، وإذا كانت الآراء أو العواطف ونحوها قد تحدث في النفس غير اختيار، فإن اللسان موكول إلى صاحبه يتصرف فيه حسب اختياره، فله أن لا يبين ما في نفسه إلا حيث يدعوه إلى ذلك البيان ابتغاء خير، أو دفع ضرر، ومن هنا ترى الناس يلومون الإنسان على بعض ما يلفظ من قول، فيلام على القول من جهة مخالفته للواقع، وهو الكذب، أو من جهة مخالفته لما لا يعتقد، وهو النفاق، أو من جهة أنه يجلب ضرراً؛ كالغيبة والنميمة، أو من جهة أنه لا يأتي بفائدة، وهو اللغو، كما يلام الإنسان على تركه القول في حال يكون القول فيه نافعًا أو واجباً؛ كإظهار المودة لذوي النفوس الكريمة، والشفاعة لذوي الحاجات، والحكم بين الناس بالحق، وأداء الشهادة الصادقة، وتنبيه الغافلين لما فيه خير، أو تحذيرهم مما هو شر. والناس يقولون: فلان صريح، على معنى: أنه يجهر بما في نفسه من نحو الآراء والعواطف، لا يكتمها، ولا يدل عليها بتعريض أو كنايات خفية، وقد يصف الإنسان بها نفسه على وجه الفخر، أو يصف بها غيره على وجه

стр. 2217

المدح؛ لأنه يراها وليدة الشجاعة، أو يراها وليدة الإخلاص والسلامة من علة الحب والمداهنة. والحقيقة: أن الصراحة التي تعد من خصال الحمد، واقعة بين طرفين مذمومين، فطرف التفريط فيها يرجع إلى علة الجبن، أو الطمع، أو الجهل بما تأتي به الصراحة من خير كثير. وطرف الإفراط فيها يرجع إلى علة العجلة، وقلة التروي فيما تثير بعض الأقوال الصريحة من عداوات خاصة، أو فتن عامة. والطريق المعتدل للصراحة، وهو الذي يعد فضيلة: أن يجهر الإنسان بما له من آراء أو عواطف؛ حيث يكون في الجهر مصلحة، ولا يتوصل إليها بطريق التعريض، أو الكنايات الخفية. ويمثل التفريط في الصراحة: أولئك الذين يرون أمتهم، أو طائفة منهم منحدرين في غواية، أو عمل منكر، ويمتنعون من دعوتهم إلى سبيل الرشد والعمل الصالح؛ خشية أن تحرمه الدعوة منفعة دنيوية، أو تجر إليه مكروهاً، ولو لم يكن شيئاً يذكر بالنسبة إلى المكروه الذي انحدرت فيه الأمة، وكان في ميسوره أن ينقذها بدعوة صريحة. ولا يدخل في هذا التفريط المذموم من أبى أن يقول غير الحق، وسلك في التعبير عن الحق طريقاً غير صريح، ولكنه يغني غناء الصريح في جلب الخير، أو دفع الأذى، ونسوق إليك مثلاً لهذا: قصة تيمورلنك إذ جمع علماء حلب، وقال لهم متعنتًا: قُتِل منّا ومنكم جماعة، فمن الذي في الجنة: قتلانا، أم قتلاكم؟ وأراد بهذا السؤال إيقاعهم في حرج حتى يتوصل إلى أذيتهم، فقال له أحد العلماء، وهو ابن الشحنة فيما يظن: قد أجاب رسول الله ﷺ عن هذا السؤال حين سئل عنه، فغضب تيمورلنك، وقال له: كيف ذاك؟ فقال: روينا

стр. 2218

في الصحيح: أن النَّبي ﷺ سئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليذكر وليرى مكانه، فمن الذي في الجنّة؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو الذي في الجنة"، فتلقى تيمورلنك هذا الجواب بالإعجاب، ثم بالسكوت. وهذا الجواب وإن يكن صريحاً، ولكنه أغنى عن الصراحة، ويمتاز عنها بأنه كان مخلِّصاً للقوم من سطوة ظالم غشوم. ويمثل ذلك الإفراط في الصراحة: أولئك الذين لا يحكمون سياسة الأمور، ولا يريدون أن الدهاء خصلة محمودة، وإن من الدهاء أن يبقي الرجل بعض آرائه في نفسه، ولا يحرك بها لسانه؛ حيث يرى أن النفوس لم تتهيأ لقبولها، أو أن الحال لا يساعد على إنقاذها. وليس من الإفراط في الصراحة أن يخشى الرجل في سكوته عن قول الحق، ضياعَ هذا الحق، وظهور الباطل مكانه، فيصدع بكلمة الحق موطنًا نفسه على احتمال ما يلاقيه من أذى، فلا أعدّ القاضي مالكَ بنَ سعيد الفاروقي قد أفرط في الصراحة إذ أمره الحاكم العبيدي بن يكتب سبّ الصحابة على أبواب المساجد، فأبى أن يفعل، وكتب عليها: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]، ولما قال له الحاكم: هل فعلتَ ما أمرتك به؟ قال: نعم، فعلت ما يرضي الرب ، وقرأ عليه الآية، فأمر بضرب عنقه، فمات شهيداً، وحماه الله من أن تكتب يمينه شيئاً يجر إليه عاراً في الدنيا، وخزياً في الآخرة. ويمثل لك الطريق المعتدل للصراحة: أولئك الذين يجمعون إلى

стр. 2219

الإخلاص والغيرة على الإصلاح روية ودهاء، فالإخلاص والغيرة يمنعانهم من التفريط في الصراحة؛ إذ لا يكون مع الإخلاص والغيرة جبن ولا طمع، ولا إيثار المنافع الشخصية على المنافع العامة، والروية والدهاء يمنعانهم من الإفراط في الصراحة؛ إذ يرون ببصائرهم المضيئة وألمعيتهم المهذبة المواطن التي يكون السكوت عن شيء، أو استعمال الكنايات الخفية، أفضلَ من التصريح به. ويظهر فضل الصراحة جلياً متى وقع بجانب الكلام المبهم أو المطلي بشيء من المواربة، كما ترى في قصة عمر بن هبيرة والي العراق في عهد يزيد ابن عبد الملك؛ إذ استدعى الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والشعبي، وقال لهم: "إن يزيد خليفة الله أخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتب لي بالأمر من أمره، فأقلده ما تقلده من ذلك الأمر، فما ترون؟ ". فقال ابن سيرين والشعبي قولاً فيه تقية. فأقبل ابن هبيرة على الحسن البصري، وقال له: "ما تقول يا حسن؟ ". فقال: "يا ابن هبيرة! خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله .. حتى قال له .. فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". فموقف الحسن البصري في هذه القصة ظاهر الفضل، وبمقارنته بموقف ابن سيرين والشعبي ازداد فضله ظهوراً. وإذا اقتضى الحال الصراحة، فإن لها أساليب تختلف باختلاف أحوال المخاطبين، فمن حسن بيان المتكلم أن يراعيها، ويصوغ عبارته في الأسلوب المناسب؛ حتى تأتي الصراحة بثمراتها الطيبة.

стр. 2220

رسائل الإصلاح (١) سيدي الأستاذ الجليل محرر مجلة الهداية الإسلامية الغراء! سلام الله عليك، ويعد: فتلك كلمة أملاها عليّ الحق، ويعثت بها إلى إحدى المجلات، فنشرتها مبتورة، فأرجو باسم حرية الرأي أن تتفضل بنشرها كاملة بمجلتكم، ولكم خالص الشكر. أحمد الشرباصي (٢) تفضل الأستاذ الجليل الشيخ محمد الخضر حسين المدرس بكلية أصول الدين، وعضو مجمع اللغة العربية، ورئيس جمعية "الهداية الإسلامية"، فأهداني كتابه الجديد "رسائل الإصلاح"، فرأيت واجباً عليّ أن كتب عنه كلمة أعرف فيها القرّاء به، فهو من أمهات الكتب الإسلامية الحديثة التي يجب على كل مسلم يريد أن يصحح عقيدته، وأن يعرف دينه على حقيقته، أن يقرأها مثنى وثلاث. والشيخ محمد الخضر حسين رجل أهمُّ ما يتصف به الهدوء والاتزان

стр. 2221

والعمق، فهو يفكر طويلاً، ويستقصي في بحثه، ويستوعب، ويدير الفكرة في ذهنه أياماً، ويأخذ لها زادها من إحساسه ومعارفه، ومطالعاته واستنتاجاته، ثم إذا جلس ليكتب، كتب في هدوء وأناة، يزن لفظه قبل أن يخطه، ويتدبر عبارته قبل أن يصوغها، فإذا ما جئت بعد ذلك لتقرأ ما كتب، أعجبك أن ترى عقلاً واسعاً نيّراً، وتفكيراً عميقاً سليماً، ونظرة بعيدة صحيحة، وأسلوباً رزيناً محكماً. ولعل بعض القراء الذين لا ينسون التاريخ، يذكرون للشيخ الخضر حسين أنه نصب نفسه في أحيان كثيرة مدافعًا عن الدين الإسلامي، مجاهداً أولئك الذين حاولوا في خبث ودهاء أن يقوضوا دعائم الشريعة المحمدية، والله يتم نوره ولو كره الكافرون، فلم يتخذ طريقة السب والشتم والمناداة بالويل والثبور، والإسراف في الغضب والثورة وسيلة إلى أداء واجبه نحو ربّه ونبيه. بل تناول قلمه الرزين العفيف المحكم الذي خط به كتابه "القياس في اللغة العربية"، ذلك الكتاب الذي يعد آية بينة على الدراسة اللغوية الصحيحة الأصول، المسددة الخطا، الطيبة الثمرات، فكتب بهذا القلم ردوده ودفاعه عن الإسلام، وأظهر تلك الردود في كتب كثيرة شرقت وغربت، وكان من جميل عمله، ونبيل خلقه: أنه في مجادلته أو نقده يورد عبارة المنقود بنصها، ثم يكر عليها بالهدم والتفنيد، دون أن يستعمل كلمة نابية، أو تصدر عنه عبارة جافية. بل يذكر القرّاء أن الأستاذ الكبير الشيخ محمود شلتوت وكيل كلية الشريعة الإسلامية كتب في بعض أعداد مجلة "الرسالة" مقالاً عنوانه: "الهجرة وشخصيات الرسول" ذهب فيه مذاهب هاجت عليه المسلمين في مصر وبعض

стр. 2222

الأقطار العربية، ورأى الأستاذ الخضر أن في هذا المقال من الآراء ما هو خطأ محض، ولا يصح السكوت عليه. أفتدري ماذا فعل؟ لم يثر، ولم يغضب، ولم يرد على مقالة الأستاذ شلتوت بمقال مثله في عجلة وتسرع؛ بل أقبل على موضوع المقال، فدرسه دراسة العالم الخبير، وجمعَ الدلائل والشواهد على ما فيه من أخطاء، ثم جلس إلى مكتبه الهادئ العامر بمكتبته العظيمة في دار جمعيته، وكتب كتابه القيم "نقد مقالة الهجرة وشخصيات الرسول"، وطبعه فيما يزيد على تسعين صفحة، فعلى الذين قرؤوا مقالة الشيخ شلتوت، أو سمعوا بها: أن يحرصوا على قراءة هذا الكتاب الذي يعد مثلاً على الإنصاف في النقد، والعفة في المجادلة، والحكمة في الدعوة، حتى يتبين لهم الحق بعد أن يسمعوا كلام الفريقين. ونعود بعد هذا الإيضاح إلى "رسائل الإصلاح"، فنقول: إنه مجموعة من المقالات الممتعة التي كان يزين بها الأستاذ الخضر جيد مجلته "الهداية الإسلامية"، والجزء الأول من الكتاب يتحدث عن مسائل الأخلاق والاجتماع، فتقرأ فيه القول الفصل، والكلام الجزل، والحديث المؤيد بكتاب الله وسنّة رسوله، وأقوال السلف الصالح، وتراه يتناول أبحاثًا لها أهميتها، فيجيد في الدراسة والعرض، والاستتتاج والحكم؛ مثل حديثه عن: العلماء والإصلاح، والإنصاف الأدبي، والدهاء والاستقامة، والرفق بالحيوان، والتعاون في الإسلام، والنبوغ في العلوم والفنون، وغير ذلك. وقد صدر هذا الجزء في (٢٤٠ صفحة) من الحجم الكبير، والجزء الثاني من الكتاب تابع للأول في أبحاثه وموضوعاته، ولكنه لم يظهر (١) لأسباب ليس

стр. 2223

هنا مجال الحديث هنا، بل صدر الجزء الثالث، وهو يتحدث عن مسائل علم الأصول؛ كالقياس، والاستصحاب، ومراعاة العرف، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، والسنّة والبدعة، وغير ذلك، وهذا الجزء يهم الذين يشتغلون بدراسة علم الأصول في كليتي أصول الدين والشريعة؛ لأن مؤلفه استطاع فيه أن يعرض مسائل هذا العلم مصفاة مجلوة، تأخذ طريقها إلى العقل والذاكرة في سهولة ويسر. وسيرى المطالع لكتاب "رسائل الإصلاح" أنه ثمرة لجهاد علمي طويل، بذل فيه صاحبه ما بذل من وقته وجهده وتفكيره، وأنت حينما ترى الأستاذ الخضر حسين، أو تجلس إليه، تعجب لهذه الشخصية النبيلة التي تفيض خلقًا وأدبًا، وتطيل الصمت والسكوت، ولا تتكلم إلا بقدر، ولا تنطق إلا بحياء، وقد تقول: كيف استطاع ذلك الشيخ الكبير أن يصبر لمتاعب التفكير والتأليف والكتابة والطباعة؟ ولكنك لو علمت أن في هذه الأثواب الرهيبة أسداً إسلامياً طالما ضحّى وجاهد، وطالما دعا إلى الله، وعمل لثه، ولو علمت ما يجب أن تعلمه من تاريخ الخضر حسين، لأدركت أن وراء هذا الهدوء ثورة، وأن هذا الشخص يحكمه عقل جبّار، وتزينه روح مؤمنة لا تعرف هوادة ولا لينًا، ولا راحة في سبيل العمل للعلم والدين.

стр. 2224

المكتبة العربية: رسائل الإصلاح (١) زوّد السيد محمد الخضر حسين المكتبة العربية بكتابه: "رسائل الإصلاح" الذي صدر الجزء الأول والثالث منه في الأخلاق والاجتماع، تناول فيه كثيراً من المسائل الحيوية التي تتصل بحياة الإنسان اتصالًا وثيقًا، وبحثها بحثًا منطقيًا غيرَ متعصب لآراء السابقين، أو مشايم فيها جنوح المجددين المندفعين، وإنما سار فيها مستضيئاً بنور اليقين، وكتاب الله وسنّة سيد المرسلين، فجاعت البحوث آية من آيات البيان، دالّة على صدق إخلاصه لرسالته، وإيمانه بدعوته، معتمداً على الله في سبيل نجاح غايته. ويكاد يكون كل مقال من الكتاب موضوع رسالة تؤلف فيها الكتب، ولكن توفيق الله للأستاذ هيأ له من سلاسة العبارة، وحسن الأسلوب، وبلاغة البيان ما أقدره على إدماجه في مقال، هو زبدة ما يكتب فيه، مدعم بالأسانيد والأدلة، فلا تفرغ من قراءته حتى تصدق ما فيه داعيا إلى سبيله، ولا تنتهي من مقال حتى تبدأ المقال الذي يليه، ولا تفرغ من هذا الجزء حتى تدعو الله أن يوفق الشيخ إلى إتمام إصدار بقية أجزاء الكتاب، حتى ترتوي من فيض هذا البحر الخضم، وإني لأدعو الآباء أن يجعلوا هذا الكتاب مما يذخرونه لأبنائهم،

стр. 2225

ويحثونهم على قراءته، والتبصر فيه؛ فهو مصباح يستضاء به في ظلمات هذه الحياة. مدّ الله في عمر الشيخ، ونفعنا بعلمه وفضله، وجزاه خير الجزاء، إنه خير من يستجيب الدعاء. آمين. المربي الفاضل عبد الفتاح مصطفى

стр. 2226

مَوسُوعَةُ الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين (٩) «الدَّعْوَةُ إلى الإِصْلاحِ» للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به ابْنُ أخِيهِ المحامي علي الرّضا الحسيني دَارُ النَّوادِرِ

стр. 2227

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥) أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م نُوْرُ الدِّين طَالِبْ المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي

стр. 2228

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة للمصلح الكبير الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين رسالة: "الدعوة إلى الإصلاح"، وهناك - إلى جانب هذه الرسالة القيمة - مقالات ومحاضرات عن الإِصلاح الديني، منها: ما نشر في مجلة "الهداية الإسلامية" التي كان يصدرها الإمام في القاهرة، ومنها: محاضرات ألقاها في النوادي الاجتماعية. وقد طبعت رسالة: "الدعوة إلى الإصلاح" للمرة الأولى عام ١٣٤٦ هـ، وكان لها شأن عظيم؛ لما احتوته من أسس يعتمدها أي مصلح يبادر لحمل عبء الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة. ضممت إلى الرسالة المقالات والمحاضرات في كتاب يحمل عنوان الرسالة: "الدعوة إلى الإصلاح"، وألحقت بها مذكرات هامة وجهها الإمام إلى الحكومة المصرية في طلب العناية بالتعليم الديني والتربية الدينية بالمدارس المصرية، وسيجد القارئ المسلم في هذه المذكرات ما يصلح للأخذ بها في كل زمان ومكان؛ نظراً للمبادئ الواضحة التي قررها الإِمام الأكبر - رضوان الله عليه -.

стр. 2229

أن العم الإمام لم يكتب في الدعوة إلى الإِصلاح، إلا بعد بلوغه المكانة العلمية المرموقة، وأن هذه الرسالة تعتبر صورة صادقة عن حياته. والله نسأل السداد والتوفيق. علي الرّضا الحسيني

стр. 2230

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الإمام محمّد الخضر حسين يبحث الكتّاب عن العلل التي لبست الأمم الإسلامية، وقعدت بها في خمول، حتى ضربت عليها الدول الغربية بهذه السلطة الغاشمة؛ ويوردون في نتيجة بحثهم أسباباً شتى. وأنت إذا تدبرت هذه الأسباب، وجدت السبب الحق منها يرجع إلى تهاون هذه الأمم بتعاليم الشريعة، ونكث أيديهم من المشروعات التي عهدت إليهم بالقيام عليها. والعلة في ضعف هممهم، وقلة إقبالهم على ما أرشد إليه القرآن - من وجوه الإصلاح ووسائل المنعة والعزة - إنما هي تقصيرهم في التواصي بالحق، وعدم استقامة زعمائهم على طريقة الدعوة والإرشاد. هذا ما استثار الهمة، وأخذ برأس القلم يجرّه إلى البحث في مشروع الدعوة إلى الإصلاح؛ لعله يبسط من حقائقه وآدابه جملًا كافية، ويملك بتأييد الله زمامه. محمّد الخضر حسين

стр. 2231

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي رفع منازل العلماء المصلحين، وأعلى كلمتهم في نفوس قوم مخلصين. والصلاة والسلام على من أبلغ فرائضَ هذا الدين وسننه، ودعا إلى سبيل ريه بالحكمة والموعظة الحسنة. ثم الرضا عن آله وصحبه الذين أُخرجوا للناس في أحسن تقويم، وهدوا الأمم بالحجة والأسلوب الحكيم. * * * الدعوة إلى الإصلاح الحاجة إلى الدعوة - الدعوة في نظر الإسلام - المبادرة إلى الدعوة - التعاضد على الدعوة - من الذي يقوم بالدعوة؟ - الاخلاص في الدعوة - طرق الدعوة- أدب الدعوة- سياسة الدعوة - الإذن في السكوت عن الدعوة - علل إهمال الدعوة - آثار السكوت عن الدعوة - ما يُدعى إلى إصلاحه.

стр. 2232

الحاجة إلى الدعوة في فطرة الإنسان قوّة يعقل بها طرق الصلاح والفساد، ويفقه بها الحق والباطل. ولكن هذه القوة العاقلة لا تستقلّ وحدها بتمييز المعروف من المنكر، وليس من شأنها أن تطلع على كل حقيقة، ولا أن تدبر أعمال البشر على نظام لا عوج فيه؛ فإنها- وإن بلغت في الإدراك أشُدها - قد تنبو عن الحق، ويعزب عنها وجه المصلحة، ولا تهتدي إلى عاقبة العمل؛ وربما ألقت على الحسنة نظرة عجلى، فتحسبها سيئة، وقد يتراءى لها الشر في شبهٍ من الخير، فتتلقاه بالقبول. وقد تصدى رجال من أصحاب هذه القوى العاقلة للبحث في نشاة الخليقة، فكانت عاقبة بحثهم: أن خرّوا للأحجار أو الكواكب أو الحيوان سُجّداً. وتصدى آخرون لإنشاء نظُم اجتماعية، فوضعوا ما يذهب بالجماعة في غير طريق، ويكبو بها في خسار؛ وأمثلة هؤلاء مشهودة حديثاً، ومضروية في كتب التاريخ قديماً. وليس القانون الذي يسيغ المقاتلة الشخصية (المبارزة) إلا صنع نفس عريقة في الهمجية، وليس القانون الذي يساعد الفتيات على إراقة ماء الحياة والعزّة من وجوههن، والزهد في صيانة أعراضهن، إلا وليد عقل غمرته الغباوة، أو حفت به الشهوات من كل ناحية. وأراد ذو عقل كبير - وهو الحجّاج بن يوسف - معاقبة شخص على جريمة ارتكبها بعض ذوي قرابته، فدافعه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، فما كان إلا أن استمع للآية وارْعوى.

стр. 2233

وإذا وقف صاحب القوة العاقلة على وجه الخير أو الشر، فقد يساوره الغضب، أو تسيطر عليه اللذة، فيترك الصالح، أو يأتي المنكر، ولا يبالي بما يوقعه فيه التهاون بالصالحات، أو ارتكاب المنكرات من شقاء بعيد. وقد تخلص النفوس من تخبط الغضب، أو أسر الشهوات، ثم لا يستطيع أصحابها البقاء دون أن ينشب بينهم نزاع؛ فإن المدارك تتفاوت إما بحسب فطرتها، وإما بالنظر إلى استعدادها المكتسب من التجارب، فترى الرجل يستحسن عينَ ما يستقبحه غيره، بل النفس الواحدة قد يبدو لها الأمر حسناً في حال، فإن لم يوافق غرضها في وقت آخر، انقلب في رأيها شيئاً نكراً. وكثيراً ما يشتمل الأمر في الواقع على وجهي الإثم والمنفعة، فيريد بعضهم جلب منفعته، فيسعى في تقريره، ويرغب آخر في درء مفسدته، فيلوي عنها صفحاً. وربما يشاهد الإنسان الحادثة تنزل بغيره، فيقضي عليها برأي، ولو عرضت له في نفسه، وأدرك مقدار تأثيرها، لعاد إلى الحكم عليها بأشدّ مما قضى به أولاً، أو أدنى. ولما كانت الأنظار تقصر، والأهواء تتغلب، والعقول تتفاوت وتختلف؛ اشتدت حاجة الناس إلى مصلح إلهيّ يطلق نفوسهم من قيود الأوهام، ويهديهم السبيل إلى ما فيه خير، وينذرهم عاقبة الانهماك في اللذائذ، ويعلمهم كيف يتحامون الفتنة إذا اختلفوا. هذا وجه من حكمة بعثة الأنبياء ﵈, وصعودهم بالناس إلى مراقي السعادة، وإقامتهم القضاء على أسس عادلة. فبهذه الدعوة الإلهية لبست النفوس أدبًا ضافيًا، وأخذ الاجتماع سُنّة منتظمة، وبصرت العقول بحقائق كانت غامضة. وإذا كان للشرائع السماوية مزية تقويم النفوس، وإنارة البصائر، وفتح طرق الحكمة؛ فإن نصيب الإسلام

стр. 2234

من هذه المزية أوفر وأجلى. وما برح الناس - بعد انطواء عهد النبوة - في حاجة إلى من يعلمهم إذا جهلوا، ويذكرهم إذا نسوا، ويجادلهم إذا ضلوا، ويكفُّ بأسهم إذا أضلوا. واذا سهل عليك أن تعلّم الجاهل، وتذكر الناسي، فإن جدال الضال، وكف بأس المضل لا يستطيعهما إلا ذو بصيرة وحكمة وبيان. وما برحت العصور تلد من الضالين المعاندين، والمضلين المخادعين، من يحاولون إثارة الفتن، وإطلاق النفوس من قيد الأدب والعفاف؛ وفي كل عصر لا يفقد هؤلاء أولي عزم وإخلاص يقرعونهم بالحجة، ويهتكون الستار عن مكايدهم؛ فيزهق باطلهم، وترهق وجوههم قترةُ الخيبة والخذلان. ولا تنس أن المضلين المخادعين في هذا العصر قد تهيأ لهم من وسائل الدعاية ما لم يتهيأ لإخوانهم الغابرين: فمن نوادٍ تفتح، وصحف تنشر، وجمعيات تعقد، وأموال تنفق، وجاه يبذل، وسلطات تمالئ وتستبد؛ وهذا ما يجعل الدعوة الرشيدة من أفضل الواجبات، وأحمد المساعي، وهذا ما يقضي على حكماء الأمة بأن يعدّوا للدعوة ما استطاعوا من قوة، ويكسروا شوكة هذه النفوس المحشوّة بالغواية والشهوات، قبل أن تبلغ أمنيتها. وهناك طائفة لم تفسق عن جحود وتمرد، وإنما أُتيت من قِبل الجهل، وعدم صفاء البصيرة، فوضعت بجانب حقائق الإسلام ما يتبرأ منه الإسلام؛ ومن أيدي هؤلاء نزلت البدع، ومن ألسنتهم هبطت المزاعم والخرافات، ومن آرائهم دخل في الكتاب والسنّة ضرب من سوء التأويل. وحاجتنا إلى تقويم أصحاب هذه البدع، تضاهي حاجتنا إلى إنقاذ النفوس الزاكية من أن تقع في حبائل أولئك الذين يضلون عن سبيل الحياة الطيبة، ويبغونها عوجاً.

стр. 2235

الدعوة في نظر الإسلام للدعوة الأثر الكبير في فلاح الأمم، وتسابقها في مضمار الحياة الزاهرة، وهذا ما يجعلها بالمكانة السامية في نظر الشارع الحكيم، وقد ألقى عليها الإسلام عناية شديدة، فعهد إلى الأمة بأن تقوم طائفة منها على الدعاء إلى الخير، وإسداء النصيحة للأفراد والجماعات. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. فالآية ناطقة بأن الدعاء إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فريضة ملقاة على رقاب الأمة، لا تخلص من عهدتها حتى تؤديها طائفة على النحو الذي هو أبلغ أثراً في استجابة الدعوة وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي. والدعوة إلى الخير- كسائر فروض الكفاية- يوجه خطابها إلى الأمة بقصد إفهامهم وإعلامهم. ومناط التكليف والإلزام إنما هو طائفة يتفق أهل الحل والعقد على تعيينها، أو تتقدم إليه من تلقاء نفسها. وإذا قلنا: إن الخطاب بفرض الكفاية، والإعلام به يتوجهان إلى الأمة، فإنما نريد من الأمة: القادرين على القيام به خاصة، وهؤلاء هم الذين تحقُّ عليهم كلمة العذاب حيث لا تنهض به طائفة منهم، فلا جُناح على من لا يستطيع الدعاء إلى خير، أو الدفاع عن حق إذا سكت المستطيعون إليه سبيلاً. ولو ضل قوم عن سبيل الخير، أو جهلوا معروفاً، أو ركبوا منكراً، وقامت طائفة تدعوهم،

стр. 2236

أو تأمرهم، أو تنهاهم بأسلوب ليس من شأنه التأثير على أمثالهم، لبقيت هذه الفريضة ملزمة في أعناق الذين يستطيعون أن ينفذوا بألمعيتهم إلى نفوس الطوائف، ويصوغوا إرشادهم وموعظتهم على الطراز الذي تألفه نفوس الطائفة التي يحاورونها. وليست القدرة على الدعوة في قوتي الحجة والبيان وحدهما، بل تأخذ معهما كل ما يتوقف عليه إقامة الدعوة؛ كوسائل نشرها في بيئة نفقت فيها سوق الفسوق، أو خفقت فيها ريح الإلحاد؛ فهذه الفئة الموعز إليها بالدعاية إلى غير هدى وغير أدب، قد ملكت لنشر باطلها وسائل أهمها الإنفاق؛ وإذا وجب على الأمة أن تميط أذى هذه الدعاية عن طريقها، فخطاب هذا الواجب يتوجه إلى الكتّاب والخطباء، ثم إلى كل من له شيء من القدرة على البذل في سبيل الدعوة، كفتح نوادٍ لإلقاء المحاضرات، وإنشاء صحف، أو مساعدة صحف تُظاهر الدعوةَ بإخلاص. رَفع كتابُ الله منزلةَ القائمين على خطبة الإرشاد، ومن آياته المحكمات قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فالآية تومئ إلى أن المخاطبين بها يفضلون على سائر الأمم، وإنما نالوا هذه الأفضلية بمزية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله. ومن يطلق النظر فيما يتجشمه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر من أخطار، وما يلاقونه من أذى؛ ثم لا يلوون أعنَّتهم إلى راحة، ولا يحملون أنفسهم على مصانعة أو إغضاء؛ يعرف أن هنالك بصائرَ ساطعة، وعزائم متوقدة، وهمماً ينحطُّ أمامها كل عظيم. أفلا يكون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر خير أمة أخرجت للناس؟

стр. 2237

نوَّه التنزيل بشأن المصلحين، ثم أنحى باللعنة على من يؤتون الحكمة ولا يبسطون ألسنتهم ببيانها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. فالآية نزلت في وصف حال فريق من غير المسلمين؛ ولكن حكمها- وهو استحقاق اللعن- لا يقف عند حدَّهم، بل يجري على كل من درس آيات الله، أو قبض قبضة من أثر هدايته، ثم أمسك عن بيانها، والناس في جهالة أو حيرة يتخبطون. وكذلك يقول علماء الأصول: إن مقتبس الأحكام من الآيات لا يقتصر على سبب نزولها، بل يمشي في تقرير معانيها على قدر ما يسعه عموم لفظها. الحقائق التي لا يسوغ كتمانها هي ما ينبني على العلم به أثر في صحة اعتقاد، أو أدب نفس، أو استقامة عمل، فإن كانت من قبيل ما هو من مُلح العلم، فلا حرج عليه في احتكارها، والسكوت عن بيانها. حكى الشيخ ابن عرفة في درس تفسيره: أنه دخل على شيخه ابن الحباب، وجعل ينظر في كتبه، فمنعه من استيفاء النظر فيها، وقال له: للشيخ أن يمتاز عن طلبته بزيادات لا يخبرهم بها. وعمد بعض الناس لعهد الصديق ﵁ إلى قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فتأوله على غير صواب، فقام الصدّيق خطيباً، وقال: إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وتضعونها في غير موضعها، وإنني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر ولم ينكروه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب".

стр. 2238

ولم ينقطع أثر ذلك التأويل الخاطئ، فظلَّ في أوهام بعض العامة إلى هذا العهد، حتى إذا أمرتَ أحد هؤلاء بمعروف، أو نهيته عن منكر، ألقى عليك الآية؛ كالمستشهد بها على أنك تخطيت حدَّك، ورميت بكلامك في فضول. ومنهم من يتلوها على قصد الاعتذار، وتبرئة جانبه من اللائمة متى شهد منكراً، ولم يغيره بيده أو لسانه أو قلبه الذي من أمارات تغييره البعد عن مكان الواقعة المنكرة. ومعنى الآية الذي تطابق به غيرها من الآيات الآمرة بالدعوة: أنكم إذا استقمتم كما أُمرتم، وقضيتم الواجبات التي من جملتها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكرة فلا يضرّكم من اشتدَّ به هواه، وتطوَّح به في واد من الغواية. ولا تُقدَّر الدعوة الواجبة بعدد، أو تضبط بقدر من الزمن إذا قضاه الداعي برئ من عهدتها، وإنما يُرجع في إبلاغها واستئنافها مرة أخرى إلى اجتهاد الداعي، ورجائه تأثيرَها، وأخذها في نفوس المدعوّين مأخذ القبول. وإذا دعا العالم طائفةً إلى إصلاح شأن من شؤونهم، فعتوا عن أمره، واستكبروا عن إجابته، حتى أيس من إقبالهم على نصيحته، واستيقن عدم الفائدة من تذكيرهم، خلصت ذمته، ولا جناح عليه أن يقف عند هذه الغاية. وحمل بعض المفسرين مفهوم الشرط في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] على مثل هذا الحال، وبيان هذا التاويل: أنك إذا قمت بذكرى قوم على الوجه الأكمل، ولم ينتفعوا بالذكرى، وتمادوا على غوايتهم، فقد قضيت حق الدعوة، ولا عليك في أن تصرف عنهم نظرك، وتدعهم إلى أيام الله. ولا يقطع الداعي بعدم نفع الذكرى، وضياعها كصيحة في فلاة، إلا

стр. 2239

إذا وجه بخطابها إلى قوم معينين مرة بعد أخرى حتى عجم عيدانهم، وكان على ثقة مما انطوت عليه نفوسهم من التقليد في الباطل، وإنكار الحقيقة في أي صورة ظهرت. أما مَن دأبه النصيحة العامة - كخطباء المنابر وأرباب الصحف -, فلا يحق لهم أن يهجروا الإرشاد، وإن شهدوا قلة تأثيره في قوم بأعيانهم، فما يُدريهم أن تصادف نفوسًا مستعدة للخير، فتقودها إلى سواء السبيل. قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. وما سطع الإيمان في نفس إلا كانت كالبلد الطيب يُخرج نباته بإذن ربه، فابذر فيها من الحكمة والموعظة ما شئتَ أن تبذر، فلا تريك إلا نيات صالحة، وأعمالاً راضية. وكثيراً ما يستخف الناس بالأمر تلقى له الخطبة، أو تؤلف فيه المقالة، فماذا تتابم الترغيب فيه، أو التحذير منه، ولو من المرشد الواحد، أخذوا يعنون بشأنه، ويتداعون إلى العمل به، أو الإقلاع عنه.

стр. 2240

المبادرة إلى الدعوة الدعوة نوعان: دعوة يُقصد بها إنقاذ الناس من ضلالة أو شرّ واقع، ودعوة يُقصد بها تحذيرهم من أمر يخشى عليهم الوقوع في بأسه. أما الأولى، فيتحتم القيام بهالأول وقت ممكن، ويلوّح إلى هذا الواجب قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠]. فقوله: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ إظهار لعناية هذا الداعي، وشدَّة رغبته في الإصلاح حيث لم يثبطه بُعد المسافة عن السعي إليه، والوفاء بحقه. وقوله: ﴿يَسْعَى﴾ تذكرة لدعاة الإصلاح، وإيقاظ لهممهم؛ كي ينفقوا في هذه الغاية وسعهم، ويسارعوا إلى النصيحة جهدهم؛ لأن السعي في لسان العرب بمعنى العدْو والمشي بسرعة. وأما النوع الثاني من الدعوة، فإن كان مما ينشأ عن تأخيره حرَج، التحق بالأمر الواقع، ووجبت المبادرة إلى الدعوة حسب الطاقة، وإن كان بينك وبين وقوعه فسحة، جاز إرجاؤها إلى زمن الحاجة. وما يقوله بعض أهل العلم من جواز السكوت عن العلم إلى أن يُسأل عنه إنما يحمل على هذا النوع الذي لم يدعُ الحال إلى معرفته في الوقت الحاضر. حكى القاضي عياض في كتاب "المدارك": أن سحنون وصاحبي عون ابن يوسف، وابن رشيد دخلوا على أسد بن الفرات، فسألهم عن مسألة،

стр. 2241

فابتدر لجوابه صاحبا سحنون، وسكت سحنون، فلما خرجوا، قال له صاحباه: لمَ لم تتكلم؟ فقال سحنون: ظهر في أن جوابكما خطأ؛ وبيَّن لهما ذلك، فقالا له: لمَ لم تتكلم بهذا ونحن عنده؟ فقال: خشيت أن ندخل عليه ونحن أصدقاء، ونخرج ونحن أعداء. قال القاضي عياض: وسكت سحنون حين علم أن القضية لا يفوت أمرها، ولو علم ذلك لبادر، بما ظهر له.

стр. 2242

التعاضد على الدعوة ذكر بعض أهل العلم أن قيام الواحد بفريضة الدعوة كافٍ، واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وقالوافي وجه الاستشهاد: إن الطائفة في لسان العرب: الواحد فما فوقه. وهذا القول مستقيم بالنظر إلى إبلاع الأمر والنهي، ووضع الحق بين أيدي الغافلين عنه. أما من حيث فعل الدعوة في النفوس، ودخولها مدخل الإقناع، فمن البيّن بنفسه أن للدعوة التي تقوم بها الجماعة أثراً لا تبلغه دعوة الفرد، وربما كان النظر في هذا يرجع إلى حال المدعوين، أو حال ما تتعلق به الدعوة، أو ما يقصد من الدعوة. أما النظر إلى حال المدعوين، فقد يغني العدد القليل في دعوة جماعة تتقارب مشاربهم، وتتشابه أحوالهم النفسية، أما إذا اختلفت مشاربهم، وتعمَّدت نزعاتهم، فلكثرة القائمين بالدعوة، وتظاهرهم عليها وقعٌ في نفوسهم، وأخذٌ لها من بين تلك النزعات المتباينة، والمسالك المتشعبة؛ فإن الدعاة إذا تعمَّدوا، اختلفت أساليبهم في الدعوة غالباً، وقد يبدو للداعي من وجوه تحسين الأمر أو التنفير منه ما لا يخطر على بال آخر، وإن كان أغزر علماً، وأوسع نظراً، وقد تخضع النفس لأسلوب دون أسلوب، وتهتدي بطرز من الجدل أو الموعظة أكثر مما تهتدي بغيره، ولو كان أقرب دلالة بحكم المنطق، وأوضح إنتاجاً.

стр. 2243

وأما حال ما تتعلق به الدعوة، فإن الإرشاد إلى أحكام الدين العملية - مثلاً - أيسر من إصلاح العقائد ووضع الإيمان موضع الجحود بالله، فداعي المطمئنين بالإيمان إلى مثل الأحكام العملية إنما يتلو قرآناً أو حديثاً، أو نصوصَ من يُقتدَى باجتهادهم، والداعي إلى الإيمان يقصد إلى نقل النفوس من ملة إلى ملة، وتحويلُ النفوس من عقيدة إلى أخرى يبلغ من الصعوبة أن يحتاج دعاته إلى من يشد أزرهم في إبلاغ الحجة، أو مطاردة الشبهة، وكذلك سأل موسى ﵇ ريه أن يجعل أخاه هارون شريكًا له في الرسالة، فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣٢]. وبَعث عيسى ﵇ إلى أهل أنطاكية برجلين اثنين؛ ليدعواهم إلى الإيمان، فقابلوهما بعناد وتكذيب، فأضاف إليهما ثالثاً يؤيد بعثتهما، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣، ١٤]. وأما حال ما يقصد من الدعوة، فإنك ترى رجالاً انحرفت عن أدب الإسلام قلوبهم، وساعدتهم الأيام على أن أصبحوا يسيطرون على بعض شعوبه، ويفسدون عليهم دنياهم وآخرتهم، فيعتدون على أحكام دينهم، ويناصرون الأشخاص الذين يملؤون أفواههم بالجهل على رسوله الاكرم. فإذا كان أولئك المنحرفون عن أدب الإسلام ممن لا يُقبِلون على الحق بعين باصرة، أولا ينقادون إلى الحقائق المبصَرة، فمن المحتمل ألا يراد من دعوتهم إصلاح نفوسهم، وإنما يراد منها صرفهم عن هذه السيرة الخرقاء، وإراءتهم أن الأمة التي تتقلد الإسلام شريعة لا تستطيع أن تبقى أمامَ تعسفهم هذا معقودة الألسنة، أو مقبوضة الأيدي. فالذين يرضون عن عبث هذه الأرواح

стр. 2244

غير الطيبة، إنما يغني في دعوتهم جماعة من زعماء الأمة لا يحوم على ألسنتهم مَلق، ولا يشترون متاع هذه الحياة بكتمان ما أوتوا من حكمة، فيوقظونهم من غرورهم، وُيرونهم أن العزَّة للمؤمنين. أما صوت الواحد ونحوه، فإنما يلقى منهم آذان الصمّ الذين لا يفقهون. وإنما تفيد كثرة الدعاة عند اتحادهم وقصدهم إلى إقامة المصالح، ونصرة الحقيقة في نفسها، وبذلك أوصى النبي ﷺ أبا موسى، ومُعاذَ بن جبل حين بعثهما إلى اليمن: قال لهما: "يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفرّا، وتطاوعا". وُيشعر بهذا الشرط التعبير عن الدعاة باسم "الأمة" دون "القوم " في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. قال القفّال: الأمة: القوم المجتمعون على الشيء الواحد، يقتدي بعضهم ببعض، مأخوذ من الائتمام. وهو الوجه في إيثار التعبير به أيضاً في آية: وَ ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: ١٥٩]، فإن لفظ: "القوم" يطلق في اللسان على عدد أقلّ مما يطلق عليه لفظ: "الأمة"، وهو من هاته الجهة أنسب عادة بدعاة الإصلاح، لقلة عددهم، ولفظ: "الأمة" أليق بسائر الأفراد؛ لكثرتهم؛ ولكنه اختير للدعاة اسم "الأمة"؛ لأن إشعاره بمعنى اتحادهم وتآلفهم أقوى مما يشعر به لفظ: "القوم". فالقرآن يرشد إلى أن يكون دعاة الإصلاح جماعة، وأن يكون أدب هذه الجماعة الاتحاد والتعاضد. ومن الواجب صرف الهمة إلى مشروع الدعوة حتى تقام على نظام يحفظ الحقائق والمصالح، أما بقاؤها مطروحة إلى داعية الأفراد، فقد يفضي بها إلى ضياع، وطالما جعلها تفقد حيث يجب أن تكون.

стр. 2245

من الذي يقوم بالدعوة ؟ أطلق الإسلامُ في أمر الدعوة، فأعطى لكل إنسان الحقَّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أذن لأدنى الناس منزلة أن يصعد إلى مقام الأمير الأعلى، ويجاهره بالنصيحة وطلب الإصلاح. وقد كان الفرد من سائر الناس يأمر الولاة في عهد السلف وينهاهم. روى البخاري في "جامعه الصحيح" عن طارق بن شهاب، قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة: مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد تُرك ما هنالك، قال أبو سعيد الخدري: أما هذا، فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله يقول: "من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطعْ، فبلسانه، فإن لم يستطعْ، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وجاء في حديث آخر رُوي في الصحيح أيضاً: أن أبا سعيد هو الذي جذب بيد مروان - حين رآه يصعد المنبر -، فردَّ عليه مروان بمثل ما ردَّ به على ذلك الرجل. ولعلهما قضيتان كما قال شارحوالحديث: إحداهما وقعت لأبي سعيد، والأخرى كانت من الرجل بحضرته. ويضاهي هذا ما روى مسلم في "صحيحه" عن كعب بن عجرة: أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً، فقال: انظروا إلى
следующие страницы →