← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

فابتدر لجوابه صاحبا سحنون، وسكت سحنون، فلما خرجوا، قال له صاحباه: لمَ لم تتكلم؟ فقال سحنون: ظهر في أن جوابكما خطأ؛ وبيَّن لهما ذلك، فقالا له: لمَ لم تتكلم بهذا ونحن عنده؟ فقال: خشيت أن ندخل عليه ونحن أصدقاء، ونخرج ونحن أعداء. قال القاضي عياض: وسكت سحنون حين علم أن القضية لا يفوت أمرها، ولو علم ذلك لبادر، بما ظهر له.

стр. 2242

التعاضد على الدعوة ذكر بعض أهل العلم أن قيام الواحد بفريضة الدعوة كافٍ، واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وقالوافي وجه الاستشهاد: إن الطائفة في لسان العرب: الواحد فما فوقه. وهذا القول مستقيم بالنظر إلى إبلاع الأمر والنهي، ووضع الحق بين أيدي الغافلين عنه. أما من حيث فعل الدعوة في النفوس، ودخولها مدخل الإقناع، فمن البيّن بنفسه أن للدعوة التي تقوم بها الجماعة أثراً لا تبلغه دعوة الفرد، وربما كان النظر في هذا يرجع إلى حال المدعوين، أو حال ما تتعلق به الدعوة، أو ما يقصد من الدعوة. أما النظر إلى حال المدعوين، فقد يغني العدد القليل في دعوة جماعة تتقارب مشاربهم، وتتشابه أحوالهم النفسية، أما إذا اختلفت مشاربهم، وتعمَّدت نزعاتهم، فلكثرة القائمين بالدعوة، وتظاهرهم عليها وقعٌ في نفوسهم، وأخذٌ لها من بين تلك النزعات المتباينة، والمسالك المتشعبة؛ فإن الدعاة إذا تعمَّدوا، اختلفت أساليبهم في الدعوة غالباً، وقد يبدو للداعي من وجوه تحسين الأمر أو التنفير منه ما لا يخطر على بال آخر، وإن كان أغزر علماً، وأوسع نظراً، وقد تخضع النفس لأسلوب دون أسلوب، وتهتدي بطرز من الجدل أو الموعظة أكثر مما تهتدي بغيره، ولو كان أقرب دلالة بحكم المنطق، وأوضح إنتاجاً.

стр. 2243

وأما حال ما تتعلق به الدعوة، فإن الإرشاد إلى أحكام الدين العملية - مثلاً - أيسر من إصلاح العقائد ووضع الإيمان موضع الجحود بالله، فداعي المطمئنين بالإيمان إلى مثل الأحكام العملية إنما يتلو قرآناً أو حديثاً، أو نصوصَ من يُقتدَى باجتهادهم، والداعي إلى الإيمان يقصد إلى نقل النفوس من ملة إلى ملة، وتحويلُ النفوس من عقيدة إلى أخرى يبلغ من الصعوبة أن يحتاج دعاته إلى من يشد أزرهم في إبلاغ الحجة، أو مطاردة الشبهة، وكذلك سأل موسى ﵇ ريه أن يجعل أخاه هارون شريكًا له في الرسالة، فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣٢]. وبَعث عيسى ﵇ إلى أهل أنطاكية برجلين اثنين؛ ليدعواهم إلى الإيمان، فقابلوهما بعناد وتكذيب، فأضاف إليهما ثالثاً يؤيد بعثتهما، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣، ١٤]. وأما حال ما يقصد من الدعوة، فإنك ترى رجالاً انحرفت عن أدب الإسلام قلوبهم، وساعدتهم الأيام على أن أصبحوا يسيطرون على بعض شعوبه، ويفسدون عليهم دنياهم وآخرتهم، فيعتدون على أحكام دينهم، ويناصرون الأشخاص الذين يملؤون أفواههم بالجهل على رسوله الاكرم. فإذا كان أولئك المنحرفون عن أدب الإسلام ممن لا يُقبِلون على الحق بعين باصرة، أولا ينقادون إلى الحقائق المبصَرة، فمن المحتمل ألا يراد من دعوتهم إصلاح نفوسهم، وإنما يراد منها صرفهم عن هذه السيرة الخرقاء، وإراءتهم أن الأمة التي تتقلد الإسلام شريعة لا تستطيع أن تبقى أمامَ تعسفهم هذا معقودة الألسنة، أو مقبوضة الأيدي. فالذين يرضون عن عبث هذه الأرواح

стр. 2244

غير الطيبة، إنما يغني في دعوتهم جماعة من زعماء الأمة لا يحوم على ألسنتهم مَلق، ولا يشترون متاع هذه الحياة بكتمان ما أوتوا من حكمة، فيوقظونهم من غرورهم، وُيرونهم أن العزَّة للمؤمنين. أما صوت الواحد ونحوه، فإنما يلقى منهم آذان الصمّ الذين لا يفقهون. وإنما تفيد كثرة الدعاة عند اتحادهم وقصدهم إلى إقامة المصالح، ونصرة الحقيقة في نفسها، وبذلك أوصى النبي ﷺ أبا موسى، ومُعاذَ بن جبل حين بعثهما إلى اليمن: قال لهما: "يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفرّا، وتطاوعا". وُيشعر بهذا الشرط التعبير عن الدعاة باسم "الأمة" دون "القوم " في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. قال القفّال: الأمة: القوم المجتمعون على الشيء الواحد، يقتدي بعضهم ببعض، مأخوذ من الائتمام. وهو الوجه في إيثار التعبير به أيضاً في آية: وَ ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: ١٥٩]، فإن لفظ: "القوم" يطلق في اللسان على عدد أقلّ مما يطلق عليه لفظ: "الأمة"، وهو من هاته الجهة أنسب عادة بدعاة الإصلاح، لقلة عددهم، ولفظ: "الأمة" أليق بسائر الأفراد؛ لكثرتهم؛ ولكنه اختير للدعاة اسم "الأمة"؛ لأن إشعاره بمعنى اتحادهم وتآلفهم أقوى مما يشعر به لفظ: "القوم". فالقرآن يرشد إلى أن يكون دعاة الإصلاح جماعة، وأن يكون أدب هذه الجماعة الاتحاد والتعاضد. ومن الواجب صرف الهمة إلى مشروع الدعوة حتى تقام على نظام يحفظ الحقائق والمصالح، أما بقاؤها مطروحة إلى داعية الأفراد، فقد يفضي بها إلى ضياع، وطالما جعلها تفقد حيث يجب أن تكون.

стр. 2245

من الذي يقوم بالدعوة ؟ أطلق الإسلامُ في أمر الدعوة، فأعطى لكل إنسان الحقَّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أذن لأدنى الناس منزلة أن يصعد إلى مقام الأمير الأعلى، ويجاهره بالنصيحة وطلب الإصلاح. وقد كان الفرد من سائر الناس يأمر الولاة في عهد السلف وينهاهم. روى البخاري في "جامعه الصحيح" عن طارق بن شهاب، قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة: مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد تُرك ما هنالك، قال أبو سعيد الخدري: أما هذا، فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله يقول: "من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطعْ، فبلسانه، فإن لم يستطعْ، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وجاء في حديث آخر رُوي في الصحيح أيضاً: أن أبا سعيد هو الذي جذب بيد مروان - حين رآه يصعد المنبر -، فردَّ عليه مروان بمثل ما ردَّ به على ذلك الرجل. ولعلهما قضيتان كما قال شارحوالحديث: إحداهما وقعت لأبي سعيد، والأخرى كانت من الرجل بحضرته. ويضاهي هذا ما روى مسلم في "صحيحه" عن كعب بن عجرة: أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً، فقال: انظروا إلى

стр. 2246

هذا الخبيث يخطب قاعداً، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. واعتبروا بعد هذا في قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، وقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩]، فالتعبير بصيغة الفاعل في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا﴾، وقوله: ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ يدلُّ على تبادل الوصاية، والتناوب في النهي عن المنكر. ويشير إلى أن الشخص الذي يُوصي آخر بحق، أو ينهاه عن منكر، لا يعلو به قدره عن طاعة ذلك الموصَى أو المنهي إذا دعاه إلى صالح، أو إلى النزوع عن باطل. ويجري على هذا الباب: أن الفقهاء يطلقون للخصوم أن يخاطبوا القاضي بنحو: "اتق الله"، أو "اذكر الله"، ولم يعدّوه من اللمز بقلة التقوى. ولو أجري على مثل هذا حكم الجفاء أو الطعن الذي يستحق به الخصم الأدب، لاتخذه الحاكم المستبد ذريعة إلى كفّ الرعية، وسدّ أفواههم عن إحضاره النصيحة، ودعوته إلى القيام بصالح الأعمال. يروى أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب في كلام دار بينهما: "اتَّقِ الله"، فأنكر عليه بعض الحاضرين، وقال له: أتقول لأمير المؤمنين: اتق الله؟ فقال له عمر: دعه فليقلها لي، نِعْمَ ما قال؛ لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها. إنما يعتمد في شرط المصلح: أن يكون على بيّنة من حكم ما يأمر به، أو ينهى عنه، تلك المزية المومأ إليها بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].

стр. 2247

والناس في إدراك الحقائق أربع طبقات: فمنهم: من يشعر بوجه الحق، فيستولي عليه نظراً وعلماً، وفي استطاعته أن ينصب عليه الدلائل الصريحة؛ ليهتدي بها المقتدون على أثره. ولا تنبعث أمة من مرقدها، وتمتطي غارب عزّها إلا إذا نبتت فيها نابتة من أهل هاته الطبقة. ومنهم: من لم يبلغ في قوة الشعر وسرعة المخاطر أن ينتبه إلى جهة الحق من تلقاء نفسه، ولو ترك بحاله، وخُلي سبيله، لتمادى في جهالته، واستمر على غوايته. ولكنه يسمع الكلمة تشير إلى موضع الحق، فيرمي ببصره إليه، ويأخذ في نصب الدلائل الموصلة إلى معرفته. وبعض الناس لا ينتبه للحق بنفسه، ولا يتمكن من إقامة الشواهد عليه لو أنبأته بناحيته، فيفتقر إلى أن تأخذ بيده، وتقوده بما تلقيه من الأدلة حتى يراه رأي العين. إلا أنه انطوى على فطرة سليمة، ونظر صحيح، فلا يمكنك بعد أن يفقه الرشد، ويستقرَّ على علم أن تنتزعه منه، وتغرس في مكانه جهلًا أو ضلالاً. وفي الناس من يلقي زمامه إلى أيدي الدعاة، ويتلقى أقوالهم بالطاعة، دون أن يكلفهم الدليل على صحة قضية، أو الوجه في بيان حسن عمل، وإنما يعتمد في الاقتداء بهم على ما اشتهروا به من نحو العلم والاستقامة وكثرة المريدين من أولي الأحلام الراجحة. وعلامة هذه الطبقة: أن يرجع مرشدهم عما بثه من علم، أو ندب له من عمل، فينقلبوا معه إلى تقليد مذهبه الجديد. ولا يختص بواجب الدعوة أهل الطبقة العالية وما يقرب منها؛ فإن من الحق ما يكون واضحاً بنفسه، أو بدليل متوافر؛ بحيث لا يتأتَّى فيه نزاع،

стр. 2248

ولا يحتاج الأمر فيه إلى تقرير حجة، أو إزالة شبهة؛ كفريضة الصلاة، وفضيلة العدل، والعمل لتخليص الوطن من سيطرة الأجنبي؛ فأمثال هذه الحقوق إنما يهملها مستطيع القيام بها لآفة سهو، أو داعية هوى. فيحق لكل مسلم - وإن كان من أهل الطبقة السفلى- أن يذكّر فيها غيره، ويوصيه بها، وإن كان من أهل الطبقة العليا. وأما ما لا تدركه العامة من الحقائق، ويضطر الداعي إلى أن يورد في بيانه الأدلة، ويطارد الشبه، فأمر الدعوة إليه من حق العلماء القادرين على تحرير بحثه، وحسن التصرف في سَوق أدلَّته. يأخذ بعض أهل العلم في وصف الداعي أن يكون صالحًا في نفسه، مستقيمًا في سيرته. وهو شرط صحيح بالنظر إلى انتفاع الناس بإرشاده، وتسابقهم إلى إجابته؛ فإنهم- على ما نرى ونسمع- لا تلين قلوبهم لموعظة واعظ، ولا يقتدون برأي مرشد إلا إذا وثقوا بأمانته، وأبصروا في حالته الظاهرة مثالاً لما ينصحهم به. وقد تبرأ شعيبٌ ﵇ من مخالفة قومه إلى ما حذَّرهم منه، فقال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. وجاء في كثير من الآيات المسوقة في فضل الدعوة ذكر صلاح الداعي في نفسه، واستقامته في عمله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]،. وجاء في التنزيل مافيه تقريع وتعجب من حال الذي يلقي الموعظة، ويبسط لسانه بالأمر بالمعروف، وهو يترك العمل به ناحية قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، وفي هذه الآية شاهد على أن من

стр. 2249

أرشد غيره إلى صالح، وهو قابض يده عنه، أو حذره مفسدة، وهو لا يغادر موضعها، فقد خالف مقتضى الحكمة، ودخل في قبيل الذين لا يعقلون. يتوهم بعضُ الناس أن الدعوة إلى احترام حقائق الإسلام وآدابه إنما هي شأن من شؤون علماء الدين، وربما ذهب بهم الوهم في مصر، أو في تونس- مثلاً - إلى أنها شأن علماء الأزهر، أو جامع الزيتونة؛ وانبنى على هذا أن بعض من يدرس حقائق الإسلام وآدابه، ويستطيع بيان حكمتها، ودفع شبه المضلين عنها؛ لا يهز في هذا الغرض قلمًا، ولا يحرّك به لسانًا، ثم لا ترى له من عذر عن هذا التقصير سوى أنه لم يكن من أصحاب العمائم، أو أنه لم يكن من علماء المعاهد الدينية؛ إن لم يلق إليك هذا العذر بمقاله، دلّك عليه بلسان حاله. وقد عرف فريق من حكماء الشرق: أن الداعيَ إلى مبادئ الإسلام خادمٌ للإنسانية، عامل على إنقاذ الشرق من مخالب الاستعمار، فوقفوا حياتهم أو جانباً منها على نشر محاسنه، وإفحام هذه الفئة المتهالكة على محاربته.

стр. 2250

الإخلاص في الدعوة الغاية من "الدعوة" صلاح العالم، وانتظام شؤونه على منهج السعادة. فإذا وجَّه الداعي قصده إلى هذا الغرض، وأقامه نصب عينه، استقام على الطريقة، وقضى حياته في سيرة راضية، وإذا انحرف عن هذا القصد - ولو قيد أنملة -، رأيته يضطرب في حال دعوته كالريشة تخفق بها الرياح أينما تصرَّفت. وقد حكى التنزيل في مواعظه أن شعيبًا ﵇ قد برَّأ نفسه، ودفعها عن أن تؤم غرضاً من الدعوة سوى الإصلاح حين قال: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨]. ويرشدنا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١] إلى أن تشوف الداعي إلى ما في أيدي القوم، وتطلعه إلى أن ينال من وراء إرشاده شيئاً من متاع هذه الحياة، قادح في صدقه، وداخل بالريبة في إخلاصه. ولا يدخل في زمرة المصلحين من يظهر بدعوى الغضب للعدالة، ويعلن البغضاء لمن يروم انتهاك حرمتها، ثم يبصر مرة أخرى قوماً يعمدون إلى حقوق قائمة، فيفتلون أعناقها، فإذا هو يتبسم لصنيعهم تبسم المرتاح، أو يشاركهم في دفنها ولو بحثية من تراب. ماذا حمله على حب العمل بالحق والانتصار له أولاً، ثم ماذا بعثه على خِذلانه والارتياح لإزهاق روحه ثانياً؟

стр. 2251

إقامة الحق في الأولى تعود عليه بمنفعة، فكان من أشياعه، وإطفاء نوره في المرة الأخرى لا يذهب بحظ من لذائذه، فلم يأسف للقضاء عليه. ومن الناس من يضمن في نفسه لبانة لا تنالها يده إلا بمساعدة قومه، فينصب اسم "الإصلاح" شرَكًا لاستعطافهم والتفافهم حوله، فإذا ضحك الإقبال في وجهه، وحان قِطاف أمنيته، انصرف عن معاضدة العدل، وعرَّى أفراسَ الدعوة ورواحلها. تهافت كثير من أصحاب الضمائر المعتلة على منصب "الدعوة"، واجتهدوا في كتم سرائرهم بغاية ما يستطيعون، وما لبثوا أن انكشف سرهم، وافتضح أمرهم، سنّة الله في الذين يظهرون بغير ما يعلمون من أنفسهم، وهذا ما يجعل أذكياء الناس يحترسون ممن يخرج في زي مصلح أشد مما يحذرون المجاهر بإرادة العنت والفساد، فأخو العشيرة إذا ظهر لهم في ثوب الناصح الأمين، انخدع لأقواله أهل الغباوة، والتبس حاله على كثير من أهل النباهة، فيجد سبلاً مفتوحة ونفوسًا متهيئة لقبول ما يدسه في مطويّ كلامه، ويكنّه تحت اسم الإصلاح من مقاصد سيئة، فيكون كيده أقرب إصابة، وأنفذ رميةً من خطر المبارز لهم بالعداوة والعمل على شقائهم، فإن من يكشف لهم عن بطانة صدره لا يرميهم بالمكايد تحت ستار، ولو رماهم بها في مواربة، لوجدوا من شعورهم بطويته ما يحملهم على سوء الظن به، وينقذهم من الوقوع في حبائله. ونحن نرى الذي يصدّون عن الإسلام من المخالفين له علانية لم ينالوا بين الأمم الإسلامية إلا خَيبة وخسارًا، ورأينا الفئة التي ما برحت تُذكر في حساب المسلمين- وهي تحمل لهم عداوة الذين أشركوا- قد فعلت في فريق من شبابنا ما تقر له عين الأجنبي الذي يحاول أن تكون سلطته خالدة.

стр. 2252

والتمييز بين مَن وقف ينادي للإصلاح صادقاً، ومن لبس قميص المصلح عارية- لدنيا يصيبها، أو وجاهة يتباهى بها - إنما تَهدي إليه الفراسة المهذَّبة، والاختبار الصحيح: فإذا أبصرنا داعياً ذا يسار، ولم يظهر في طبيعته حرص على نماء ما بين يديه من المال، أو قام يدعو فريقاً ليس من دأبهم بسط أكفهم بصلة الدعاة، فما كان لها أن نرميه بتهمة القصد إلى اصطياد ما في خزائن الناس من زينة هذه الحياة. ويدلك على سلامة نيته من إحراز رياسة أو وجاهة: أن ينشأ في بيت مساجد، ويحوز في الشرف مكانة سامية، فيقوم وهو يشعر بأن مجاراته للقوم، وإغضاءه عما يشاهدهم عليه من العوج يزيد في إقبالهم عليه، ويضع قلوبهم في الرضا عن سيرته، فيضرب عن مداجاتهم، ويناضلهم بالحجة، ولا ينفكّ يعرض شمس الحقيقة على أبصارهم وهم لها كارهون. ومن شواهد طيب السريرة: أن ينادي قومه للإصلاح سنين، ويتمادى في سعيه المتواصل إلى آخر رمق من حياته، دون أن يفل عزمه تباطؤهم عن إجابته، أو مقابلتهم لصنيعه بالكفران. والشأن فيمن انطوى صدره على سريرة غير طيبة أن يبتغي إليها الوسيلة، فإذا أبطأت به، ولم تقع عينه إلا على خيبة وإخفاق، ملّ العمل، وصرف جهده إلى وسيلة أخرى. والذي يواصل سعيه، وينفق معظم حياته في الدعوة، قد نصفه بسلامة النية، وإرادة الخير لقومه، ولكنا لا ننعته باسم: "المصلح"، إلا إذا صفا منهجه، واستقامت آراؤه، فمن الدعاة من تطيب سريرته، ويخلص قصده، وإنما يخونه قلة بضاعته في العلم، أو قصور نظره عند قياس الأشياء بأشباهها، أو اقتباس الفروع من أصولها.

стр. 2253

طرق الدعوة تؤدَّى الدعوة باللسان تارة، وبالقلم تارة أخرى. ولكل منهما مقام هو أحق به من الآخر؛ ففي الناس من يُسعده لسانه، فيعبر كيف يشاء، ويمسك القلم، فلا يجده مطواعاً. وفي الناس من إذا نطق، وقع في كبوة، واذا كتب، أباع، وبلغ ببيان ما يجول في ضميره الأمدَ الأقصى. فينبغي للداعي أن يُبصر في نفسه، ويعرف من أي صنف هو، ثم يأخذ الناس بالطريق التي يركبها ذلولًا. فإن كان الداعي طلق اللسان، بليغ القلم، راعى في إرشاده حال المدعوين؛ فإن الناس طبقات، وإذا استوى في نظر الطبقة المستنيرة الخطيب البارع والكاتب الفائق، فإن الخُطب أسرع إلى فهم العامة، وأنهض بهم إلى ما تأمر أو تنهى، ولشدة ما تؤثر الخطب في نفوسهم ترى الرئيس المستبدّ يحنق على الخطباء كبر مما يحنق على الكتّاب. والدعوة بالكتابة أوسع جولة، وأخلد أثراً، ومن فوائدها: إرشاد من لا يمكنك أن تخاطبه فوك إلى أذنه، وإرشاد المنحرفين عن السبيل، مع البعد من ساحتهم، والسلامة من أن يواجهك سفهاؤهم بالسخرية والأذى. عُني الإسلام بالخطابة، فشرعّ الخطب أيام الجمع والأعياد؛ ليقوم فيها الخطيب بإرشادٍ يراعي فيه حال الأمة، فيقرع أسماعها بالموعظة الحسنة، ويستنهضها للأعمال الكافلة بعزها في الدنيا، وسعادتها في الأخرى.

стр. 2254

ذهل كثير من الخطباء عن هذه الحكمة، فالتزموا لكل شهر خطبًا معينة يسردونها سردًا، ولا ينظرون فيها إلى ما يقتضيه حال الناس في التعليم أو التذكير. وبصنيعهم هذا خرجوا بالخطب عن أن تكون طريق الدعوة إلى إصلاح. ويزيد في حسن الخطبة ونفعها: أن تكون من إنشاء الداعي، ويكون نفعها أبلغ إذا استطاع أن يرتجلها ارتجالاً؛ فإن الأقوال التي ينزع معناها بنفسه، ويسبك عباراتها بطبعه؛ تكون أبلغ أثراً في نفوس السامعين، وأملك لعواطفهم من أقوال صنعت من قبل، فأخذ يحكي ألفاظها حرفاً فحرفًا. والأقوال المنشأة حال إلقائها تصدر عن انفعال نفسي، وقوة إرادة، فتنفذ في نفس السامع بألفاظ جديدة، وهيئة غير مصطنعة. ويمكنك أن تعرف مقدار انفعال الخطيب وقوة إرادته مما تشاهده في هيئته الظاهرة من تبسم أو استعبار، وعبوسة جبين أو طلاقته، ورفع صوت أو خفض، إلى ما يماثل هذا من الآثار التي لا تشاهدها على ظاهر الناقل أو المترجم لكلام غيره، إلا أن يتكلّفها. وتختلف طرق الدعوة - من حيث طرز الكلام، ومبلغ الاستدلال- إلى ما يفيد يقينًا لا ريب فيه، وإلى ما يفيد ظنًا غالباً. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد من الحكمة: الحجة المفيدة لليقين، ومن الموعظة الحسنة: الأمارات الظنية، والدلائل الاقناعية، ومن المجادلة بالتي هي أحسن: الدليل المؤلف من مقدمات مسلمة عند المنازع. وفصَّل الإمام الغزالي في كتاب "الاقتصاد" هذه الأنواع من الحجج، وقسم المخاطبين

стр. 2255

إلى ثلاث طبقات، وعيّن لكل طبقة نوعاً، قال: والبرهان يخاطب به الأذكياء، والخطابة يخاطب بها العوام؛ لأنهم لا يفهمون البرهان، والجدل لا يخاطب به إلا المعاندون في الاعتقادة لأنهم لا يرجعون عن مذهبهم بالموعظة. ولم يرتضِ الشيخ ابن تيمية تفسير الآية بهذه الطرق المنطقية، وقال في رسالة "معراج الوصول": بل الحكمة هي معرفة الحق، والعمل به؛ فالقلوب التي لها فهم وقصد تُدعى بالحكمة، فيبين لها الحق علماً وعملًا، فتبلغه وتعمل به. وآخرون يعترفون بالحق، لكن لهم أهواء تصدهم عن إتباعه، فهؤلاء يُدعون بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق، والترهيب من الباطل. والدعوة بهذيْن الطريقين لمن قبل الحق، ومن لم يقبله، فإنه يجادل بالتي هي أحسن. ثم قال: والقرآن لا يَحتج في مجادلته بمقدمة لمجرّد تسليم الخصم لها - كما هي الطريقة الجدلية عند أهل المنطق وغيرهم -، بل بالقضايا والمقدّمات التي تسلمها الناس، وهي برهانية. وإن كان بعضهم يسلمها، وبعضهم ينازع فيها، ذكر الدليلَ على صحتها. والواقع أن القرآن لا يحتجُّ إلا بقاطع؛ فإن دعوته للناس كافة، وهدايته للعقول، كبيرة كانت أو صغيرة. ومن حكمته- وهو يدعو البشر قاطبة- أن يقيم على الحق أدلة لا تحوم عليها ريبة، ولا يستطيع لها كبار الفلاسفة نقضًا. أما غيره من الدعاة الذين قد يقصدون لإصلاح طائفة معينة، فلا جناح عليهم أن يسلكوا في الاستدلال على الحق ما يجعله مألوفاً للمخاطبين، وإن لم يبلغ في قوة الدلالة أن يقع من طلاب اليقين موقع التسليم.

стр. 2256

أدب الدعوة العمل على إنقاذ النفوس من وادي الغواية، والإقبال بها على مطالع السعادة؛ مسلك وعر لا يمر فيه على استقامة إلا من بلغ في صناعة البيان أمداً قاصياً. لا يكفي في الدعوة أن يكون يزيد القائم بها حجة أو موعظة يلقيها في أي صورة شاء؛ فإن المخاطبين يختلفون ذوقاً وثقافة اختلاف الزمن والبيئة، ومن اللائق أن تصاغ دعوة كل طائفة في أدب يليق بأذواقها أو ثقافتها. الخبرة بما للطوائف من أحوال نفسية، والقاء الدعوة في الثوب الملائم لهذه الأحوال؛ موكول إلى ذكاء الداعي، ورسوخِه في فنون البلاغة وأدب اللسان. ولا يمنعنا هذا من تذكير القارئ ببعض جمل نوردها كأمثلة للأدب الذي تخرج به الدعوة في خطاب بليغ. من أدب الدعوة: الرفق في القول، واجتناب الكلمة الجافية؛ فإن الخطاب اللين قد يتألَّف النفوس الناشزة، ويدنيها من الرشد والإصغاء إلى الحجة أو الموعظة. قال تعالى في خطاب موسى وهارون- ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣، ٤٤]. ولقّن موسى ﵇ من القول اللين أحسنَ ما يخاطَب به جبّار يقول لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]؛ فقال تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)

стр. 2257

وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩]. ويندرج في سلك هذا: صرفُ الإنكار إلى غير معين؛ كقوله ﷺ في النكير على أهل بَرِيرة، وقد عرفهم بأعيانهم: "ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ". ومن هذا القبيل قوله ﵇: "ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه؟ فو الله! إني لأعلمهم بالله، وأشدّهم له خشية"، وشكا إليه - صلوات الله عليه- رجل من مُعاذ بن جبل حين كان يطيل بهم الصلاة، فاشتد غضبه، ولكنه احتفظ بعادته الجميلة، فلم يخاطب معاذًا على التعيين، بل عمَّم في الموعظة، وقال: "أيها الناس! إنكم منفرون، فمن صلى بالناس، فليخفف؛ فإن فيهم المريضَ والضعيف وذا الحاجة". ومن أمثلة هذا الأدب: أن يوجه الداعي الإنكار إلى نفسه، وهو يعني السامع؛ كقوله تعالى فيما يقصه عن رجل يدعو إلى الإيمان بالله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]، فإنه أراد تقريع المخاطبين؛ إذ أعرضوا عن عبادة خالقهم، وعكفوا على عبادة ما لا يغني عنهم شيئاً، فأورد الكلام في صورة الإنكار على نفسه؛ تلطفاً في الخطاب، وإظهاراً للخلوص في النصيحة، حيث اختار لهم ما يختار لنفسه. ويضاهي هذا الأدب: أن يضع نفسه بمنزلة السائل المتطلب للحقيقة، ويقيم الحجة في معرض الاسترشاد، حتى تعلق بأذهان المخاطبين، قبل أن يشعروا بغرضه، فينصرفوا بقلوبهم عن الإصغاء إليه. ومثل هذا: ما فعل إبراهيم ﵇ في محاجَّة قومه المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٠ - ٧٣].

стр. 2258

وقال تعالى في تعليم رسوله الأكرم كيف يدعو إلى الحق: ﴿قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. فإذا لم يظهر الداعي أنه على بينة من أمره، وألقى الكلام في هيئة المتردّد الذي لا يتيقن أن الهدى في جانبه، كان كالمستعين برأي المخاطب في البث عما هو حقّ ورشد، فتنحلّ في قلب هذا المخاطب عقدة التعصب. وريما طمع في الداعي، وأخذه إلى مذهبه، فيقبل على النظر بجدّ حتى يمرّ به مغالبة الداعي على الآيات البيّنات، فإذا هو ينظر إلى الحق: فإما إيماناً بعد، وإما عناداً. ومن لطف الدعوة: أن تنادي المدعوَّ بلقبه الشريف، وتنعته بوصف شأنه أن يبعث صاحبه على قبول الموعظة، أو الإنصاف في المجادلة. وهذا الأدب مقتبس من مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٥]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ﴿يَاأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وقد وصف النبي ﷺ هرقل في كتاب دعوته إلى الإسلام بعظيم الروم. ويتأكد مثل هذا الأدب في موعظة الصغير للكبير، والمرؤوس لرئيسه، ولاسيما حيث تُضرب على الدولة طبائع الاستبداد. وقد يفتتح الداعي للرؤساء خطابه بكلمة: "ائذن لي"، قال ابن شريح لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: "ائذن في- أيها الأمير- أحدّثك قولاً"، وروى له قوله ﷺ : "إن مكة حرّمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا" إلخ الحديث. فقال له عمرو بن سعيد: نحن أعلم بحرمتها منك. فقال له ابن شريح: إني كنتُ شاهداً، وكنت غائبًا، وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن يبلغ شاهدُنا غائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك.

стр. 2259

يذهب بعض الناس في الإنكار على من يراه مبطلاً مذهب الفظاظة في القول، فيرميه باللعن والشتائم، وفن الشتم والهجاء مما يبذر الشقاق الذي نهينا عنه، وربما حمل المبطلَ على التعصب لرأيه أو هواه، وقبض عليه باليمين والشمال. والناس يعرفون أن طريقة السباب في المجادلة إنما يسلكها العاجز عن إقامة الحجج الدامغة، فترى المقال الذي يحرر في سعة صدر وأدب مع المخالف يجد من القبول وشدة الأثر في نفوس القراء ما لا يجده المقال الذي يخالطه السفه والحماقة. وكذلك ترى المستيقن أنه على حق، مطمئنَّ المخاطر، آمنًا على مذهبه من صولة الباطل، فينطق عن أناة وتخيّر للأقوال الصائبة. أما من لم يكن على بصيرة من رأيه أو عقيدته، فإنه ينزعج عند المجادلة، ويطيش به الجدل حتى يقذف بالسباب، ويلفظ بالكلام من قبل أن يقيم له وزناً. وقد يكون حديثك مع طائفة باعوا نفوسهم بمتاع هذه الحياة، واندفعوا لإغواء الأمة، والكيدِ لشريعتها وحياتها السياسية، بجميع ما ملكوا من صفاقة وعناد وسوء طوية. ولعل الناس يعذرونك حين تتصدَّى لكف بأس هؤلاء، ويجري على لسانك أو قلمك في خلال جدالهم كلمة تتهكم بعقولهم، أو تزدري آراءهم، أو تنبه على مكر انطوت عليه دعايتهم. فإنك إن تهكمت بعقول هؤلاء، أو ازدريت آراءهم، فإنما تضعها في مواضعها، وتمس خيلاءهم بما يخفف من غلوائها، وإن رفعت الغطاء عن مكايدهم، فينما تجادل قوماً يجعلون مكان الصريح رمزًا، ومكان الطعن غمزاً، ويلبسون أقوالهم المعبرة عن آرائهم تردداً أو ريباً.

стр. 2260

سياسة الدعوة ضربنا لك الأمثلة في المقال السالف للأدب الذي ينبغي أن يصاغ فيه خطاب الدعوة. أما هذا الفصل، فمعقود في طرق من غير أدب اللسان يراعيها الداعي، ويأخذ بها الدعوة، فيكون لها في النفوس المستعدة للخير أثر حميد. إذا كان أدب الخطاب يقوم على البراعة في فنون البلاغة، فإن الطرق التي نبحث عنها في هذا الفصل إنما تقوم على نظرٍ تقلَّبَ في أحوال الجماعات أطواراً، ودرسَ سنن الله في الخليقة، فعرف كيف يسوس النفوس الجامحة، ويردّها إلى قصد السبيل. لا يسهل على القلم استيفاء الحديث عن هذه الطرق، ولا يسعه إلا أن يضرب لها أمثلة، ويأكل الأمر بعدها إلى ألمعيتك، فهي التي تتناول المعنى القليل فتجعله كثيراً، وتتلقى القول مجملاً فتفصله تفصيلاً. من الحكمة في الدعوة: أن تناجي بها الجاهل أو الغافل في خلوة؛ إبقاءً للستر عليه، ورغبة في حسن إصغائه إليك؛ فإن كثيراً من الناس مَن إذا ألقيت عليه النصيحة في علن، أخذته العزة، وثنى عطفه عن الاستماع أو الامتثال. فإذا تصامم عن قبولها في خلوة، ساغ لك أن تلقيها عليه في ملأ؛ لعله يتألم من الفضيحة، ويحذر سوء الأحدوثة، فيعود إلى سيرة نقية، ويذكَّر كما يذكَّر أولو الألباب. قال تعالى في قصة نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ

стр. 2261

إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح: ٥] إلى أن قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٨، ٩]. ومن الحكمة: الجمعُ بين الإعلان والإِسرار؛ إزالة لما يقع في نفس المدعو من اتهام الداعي بأنه ما أراد من دعوته علانية إلا تلويث عرضه، وإذاعة كلمة السوء عن سيرته. ومن حسن النظر: أن تكون الدعوة إلى المطالب العظيمة بطريق الترقي؛ كأن يبتدئ المصلح بما هو أيسر عملاً، أو أقرب إلى المألوف لدى الأمة، أو أظهر حكمة لعقولهم. وعلى هذه القاعدة وضع الإسلام سياسته، فنجد في تاريخ التشريع: أنه أمر بالصلاة، وسكت عن الكلام في أثنائها، ثم نهى عنه، وجعله من مبطلاتها. وأمر بالإنفاق على وجه التطوع، ثم شرع فريضة الزكاة. ونبه على مفسدة الخمر بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. ثم منع منها في حال الصلاة خاصة فقال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. ثم حرّمها في كل حال تحريمًا لا هوادة فيه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. وروي عن بعض الصحابة: أنه قال: لو جاءنا رسول الله ﷺ بهذا الدين وبالقرآن دفعة، لثقلت هذه التكاليف علينا، فما كنا ندخل في الإسلام. ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها، وعرفنا حلاوة الإيمان، قبلنا ما وراءه كلمة بعد كلمة، على سبيل الرفق، إلى أن تم الدين، وكملت الشريعة. ويحكى عن عمر بن عبد العزيز: أن ابنه عبد الملك قال له: ما لك

стр. 2262

لا تنفذ الأمور؟! فو الله! لا أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق. فقال له عمر: لا تعجل يا بنيَّ؛ فإن الله ذمَّ الخمر مرتين، وحرَّمها في الثالثة، وإنني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة، وتكون من ذا فتنة. ويشابه هذا: أن يقصد الداعي إلى أمر فيه مشقة، فيضع أمامه تمهيدًا يخفف وقعه، ويقلل شأنه؛ حتى لا تكبره النفوس، وترتخي دونه العزائم خَورًا. ومثال هذا: ما سلكه التنزيل في التكليف بفريضة الصيام؛ حيث شرعه أولاً في أمر مجمل فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وذكر أن هذا النوع من القربة قد فرض على الأمم السالفة، فقال تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فهو عمل مألوف، وشريعة غير خاصة، وفي هذه التذكرة ما يدخله في قبيل السنن الجارية، ويجعله أمراً هينًا. ثم أشعرهم بأن أيامه في الحساب قليلة، فقال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وبعد أن هيأ النفوس لقبول فريضته، قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وجرى التنزيل على هذه السنّة عند الترغيب في أمر صعب المركب، شديدِ الأثر على النفس، وهو الصبر على الأذى، ومقابلة الإساءة بالعفو، فأمر بالعدل في المجازاة، ونهى عن تجاوز المثل في العقوبة، فقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، ثم بيّن في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]: أن الأكمل لهم الإغضاء عن السيئة، وترك المؤاخذة عليها، فالصفح عن الأذى - مع القدرة على الانتقام -

стр. 2263

ضرب من الكرم، ومظهر من مظاهر الرحمة. ثم قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، فرغب في الصبر بطريق أبلغ؛ إذ وجّه الخطابَ به إلى الرسول اللأعظم، وهو أسرع الناس إلى الاستقامة على الطريقة، فيجدون من سنّة التأسي به نشاطاً للطاعة، وباعثاً على التجمل بالصبر، وإن ثقلت على النفوس وطأته. ويُقارب هذا النوع من السياسة: أن يأخذ الداعي في تقرير المصالح بوجه عام حتى يأنس لها الناس، ويتفقهوا في طرق الخير على سبيل الإجمال، ثم يندبهم إلى الأعمال المندرجة تحتها ببيان وتفصيل؛ فإن من السهل على البشر قبول القضايا الكلية، وقلما نازعوا في صحتها. وأكثر ما يقع منهم الإنكار والاختلاف في المسائل الجزئية، وأحكام النوازل المعينة، وعلى هذا النمط أدار الإسلام سياسته، فأسسّ معظم قواعده العامة بمكة، وشرع أكثر الأحكام الفرعية بالمدينة المنوَّرة. ومن حسن السياسة: ألا يجهر برأيه الصريح في صدر مقاله، وإنما يبتدئ بما يخفُّ على المخاطبين سماعه من المعاني الحائمة حول الغرض، ثم يعبر عن المراد بلفظ مجمل، ويدنو من إيضاحه شيئاً فشيئًا حتى لا يفصح عنه إلا وقد ألفته نفوسهم، وهدأت له خواطرهم. وعلى هذه الطريقة جرى ذلك المؤمن من آل فرعون، فقد كان يكتم إيمانه، وهو يحب أن يظهره، ويدعو قومه إلى مثله، وكان يخشى- من التصريح بعقيدته - بادرة غضبهم، أو انتقامهم منه، حتى اغتنم وقت إجماعهم على قتل موسى ﵇ فرصة، وقام ينكر عليهم هذه المؤامرة المخزية، وتخلص إلى أن دعاهم إلى الإيمان بما بُعث به هذا الرسول دعوةً ظاهرة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ

стр. 2264

مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. فاتحهم بالإنكار على قتله، وهو لا يدلُّ على أنه مصدّق برسالته، إذ قد ينهى العاقل عن سفك دم الرجل أو اضطهاده، وهو من أبغض الناس إليه، تألماً من مشهد الظلم، أو حذراً مما ينشأ عنه من فتنة، ودل بقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] على ما لهذا الرجل من فضل في العقيدة، وأومأ إلى أنه لم يجئ شيئاً نكراً يستحقّ به هذه العقوبة الصارمة، وذكّرهم إذ قال: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] بالدلائل القائمة على صدقه في دعوى الرسالة، وقد أخذ يتقرّب بهذه الجملة من دعوتهم إلى الإيمان به، ولم يرد التظاهر بأنه من شيعته، فعزل نفسه عمن جاءهم بهذه البينات، وأضاف مجيئها إليهم خاصة، ثم استرسل في موعظته المنسوجة في أدب الإنصاف إلى أن صدع ببطلان نحلتهم، ودعاهم إلى دين الحق بقوله الصريح، قال تعالى فيما يقصه عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر: ٤١، ٤٢]. قد يسكت المرشد عن بعض ما يكون حقاً، أو يتعرض له بعبارة مجملة، أو ذات وجهين، إذا لم يساعده الحال على أن يصدع به، ورأى ضرر التصريح به أرجح من نفعه. وليس له أن يقول غيرَ الحق بقصد أن يتألف أصحاب النحَل والمذاهب الزائغة، ويستدرجهم إلى ما يُورده بعده، أو يثبته في حديثه من الحقائق والدلائل الفاضحة لمعتقداتهم وأوهامهم. وزعم الرازي صحة هذا الصنيع، وعدَّه من حكمة المتشابه في التنزيل، وحمل عليه قول إبراهيم - عليه

стр. 2265

السلام - في محاجّة قومه الواردة في القرآن ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] مشيراً إلى النجم، ثم القمر، ثم الشمس. وقد ذكر المحققون للمتشابه وجوهاً أظهر من هذا الوجه، وفهموا قول إبراهيم ﵇ على غير هذا التأويل. ومن حكمة الداعي: أن يسبق إلى العمل بما يأمر، فقد يكون اقتداء الناس بأفعال المصلح أقرب من اتباعهم لأقواله، ويشهد بهذا سيرة النبي ﷺ في شرع الأحكام، فتراه في بعض الأحيان يصرح بالإذن في أشياء، فلا يبادرون إلى فعلها، ويستمرّون على الإحجام عنها حتى يقرّرها بالعمل، ثانياً: تجده قد أذن لهم- وهم على سفر- في الإفطار شهر رمضان، وبقي هو صائماً، فلم يقطعوا صومهم حتى عمد إلى الفطر، فخفّوا إلى الاقتداء بفعله، وأفطروا. وأذن لهم في نكاح من كنَ أزواجًا لأدعيائهم، فكبر عليهم أن يخرقوا هذه العادة حتى تزوج ﷺ بزينب بعد أن فارقها مولاه زيد، وفي هذا المعنى نزلت آية: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. ومن الوسائل التي يكون لها أثر في تألّف الجاهلين أو المفسدين، وتهيئتهم إلى قبول الإصلاح: بسط المعروف في وجوههم، وإرضاؤهم بشيء من متاع هذه الحياة؛ فإن مواجهتهم بالجميل، ومصافحتهم براحة كريمة، قد يعطف قلويهم نحو الداعي، ويمهد السبيل لقبول ما يعرضه عليها من النصيحة. والنفوس مطبوعة على مصافاة من يُلبسها نعمة، ويُفيض عليها خيراً. ولمثل هذه الحكمة ذكر القرآن في مصارف الزكاة: صنف المؤلفة قلوبهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]

стр. 2266

الإذن في السكوت عن الدعوة إنما تسقط فريضة النصح والدعوة إلى الحق في موضعين: أحدهما: أن ينشأ عن الأمر أو النهي مفسدة أعظم، وذلك ما تقتضيه قاعدة: ارتكاب أخفّ الضررين إذا تعارضا. ومن شواهده: أن النبي ﷺ كره من الصحابة تناولهم الأعرابي حين أخذ يبول في المسجد، ونهاهم عن ذلك، وقال: "إنما بُعثتم ميسرين، ولم تُبعثوا معسرين"، فالبول في المسجد تلطيخ لمحل العبادة بنجاسة، وفي قطعه عمن شَرع فيه مفسدة أكبر منه، وهي ما يحدث عنه من علة في البدن. والنجاسة تزال بالماء. ومن العلل ما ينبو عنه رأي الطبيب، ويخونه فيه الدواء، واعتناء الإسلام بالمحافظة على سلامة الأبدان غير قليل. ويماثل هذا: أن يكون صاحب الضلالة ممن يطغى على الداعي، ويستنكف أن يكون بمنزلة المصادر عن إرشاده أو تذكيره، فيأخذه الإعجاب بسطوته إلى ارتكاب جهالة أفظع من الأولى حتى يغيظ داعيه إلى الخير، ويتظاهر بالغلو في مخالفة أمره أو نهيه. ولا يدخل في هذا القبيل أن تجري عادة العامة بترك سنّة، أو فعل بدعة، ويكون أمرهم أو نهيهم سبب ثورة لا تتجاوز القلم أو اللسان، فإذا شد المصلح قلبه بإخلاص، وتحرَّى الأدب جهده، فلا جرم أن يكون لدعوته

стр. 2267

الأثر النافذ، والعاقبة الحسنة، وليس السكوت عن صنيعهم، أو التمحل في تأويله، والفتوى بصحته، إلا مداهنة وإيثاراً للخلق على الحق، ولا يلبس هذه الخصلة المنكرة إلا قصير النظر، أو ضعيف الإرادة. ولا حقَّ لأحد في أن يكتم ما فرض الله معرفته معتذراً بالخوف من أن يقع المخاطبون في سوء فهم، أو اضطراب فكر؛ فإن هذا النوع من العلم لا تحار في إدراكه العقول، وإنما يقوم مثل هذا معذرة للسكوت عن الحق الذي لم يكلف الناس بعلمه، وهو المراد يقول الإمام علي - كرم الله وجهه -: "حدثوا الناس بما يفهمون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! "، ومن هذا: حديث عائشة ﵂، قالت: قال النبي ﷺ : "يا عائشة! لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر- وفي رواية "بجاهلية" -، لنقضتُ الكعبة، فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون"، والذي تحاماه ﷺ أن يظن بعضهم - لقرب عهدهم بالإسلام - أنه غيّر بناء الكعبة لينفرد بالفخر عنهم. ثانيهما: أن يوقعه الأمر أو النهي في بلاء، ويلحق به ضرراً فادحاً. وعدّ الإمام الغزالي من هذا البلاء: الاستخفاف به على وجه يزري بكرامته. وقد يكون هذا عذراً في صرف الدعوة عن طائفة خاصة عرف منها هذا الخلق اللئيم، ولا يصح أن يكون عذراً في الإحجام عن دعوة الأمة إلى صالح، وإن وجد فيها طائفة تطلق ألسنتها بسباب المصلحين، وتباهتهم في المجامع أو الصحف بغير حساب. وقد اتخذ بعض المفسدين هذا السباب والمباهتة سلاحاً يشهرونه في وجوه من يعترضون دعايتهم بالإنكار، ولو كان مثل هذا الأذى يجيز لأهل

стр. 2268

العلم أن يخلوا سبيلهم، ويغمضوا عن منكراتهم، لسرت تلك الدعاية سريان السم الناقع، ولوثت هذه الفطرة السليمة برجس الغواية، ولا مرية في أن بلية الإغواء أشد إيلاماً لعقلاء الأمة، وأسوأ عاقبة من أن تنهش أعراضهم بألسنة حداد. ويرى الشيخ ابن عرفة: أن خوف العزل من المنصب لا يعد عذراً يسقط عن الرجل فريضة النهي عن المنكر، وإذا كان بعض من لا يرجون لله وقارًا، قد يدعوه الحرص على إحراز سمعة فاخرة إلى أن يذود عن المصلحة العامة، وبزدري الولاية، ولا يبالي أن يصبح عاطلاً من قلادتها، أفلا يليق بأهل التوحيد الخالص - ما داموا يستيقنون أن الله يرزق الداعي إلى الإصلاح من حيث لا يحتسب - أن يكون أزهد الناس في المنصب الذي يطوي ألسنتهم عن قول الحق، أو يحملهم على مجاراة رئيس لا ينهى النفس عن الهوى؟!. فإذا اعتقد الداعي إلى الإصلاح بما يناله من عذاب وبلاء، فهو في سعة واختيار من تحمل الأذى، أو طلب السلامة، فإن شاء، أخذ بالعزيمة، ورفع صوته بالدعوة إلى الحق، وإن شاء، تمسك بالرخصة التي يتمسك بها المستضعفون من الرجال والنساء. وقد آثر جماعة من علماء الإسلام؛ لقوة غيرتهم على العدل، وشدة رغبتهم في الصالحات، أن يأخذوا بالعزم، وبحافظوا على الجهر بالإرشاد، وإن كره المفسدون جهرهم، وأذاقوهم من ألوان جورهم عذاباً أليمًا. ومن قصصهم في هذا الشأن: أن الملك إسماعيل والى الإفرنج، وسلَّم لهم "صيدا"، وغيرها من الحصون؛ لينجدوه على الملك نجم الدين أيوب،

стр. 2269

فأنكر عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام هذه الفعلة الخائنة، فغضب عليه الملك، وعزله عن مناصبه، وأمر باعتقاله، ثم بعث إليه من يعده ويمنيه لعله يرجع عن إنكاره ويرضى، فجاءه الرسول وقال له: تعاد إليك مناصبك وزيادة، وما عليك إلا أن تنكسر للسلطان، وتقبل يده لا غير. وما كان جواب الشيخ إلا أن قال له: والله! ما أرضاه أن يقبّل يدي، فضلاً أن أقبَّل يده، يا قوم! أنتم في واد، وأنا في واد.

стр. 2270

علل إهمال الدعوة ما بال الرجل يعرف مناهج الصلاح، ويبصر طائفة من قومه يتهافتون على عماية، أو يهيمون في جهالة، ولا تنهض به الهمة ليعمل على إفاقتهم من سكرتهم، وإراءتهم معالم فوزهم؟!. أخذنا نبحث عن منشأ هذا التقصير، وندير النظر في البحث كرتين، فرأينا مدار علته الفاقرة على عشرة أسباب: ١ - المداهنة، فمن أهل العلم من يرى ذا جاه أو رياسة يهتك ستر الأدب، أو يعثو في الأرض فساداً، فيتغابى عن سفهه أو بغيه، ويطوي دونه التذكرة والموعظة ابتغاء مرضاته، أو حرصًا على مكانة أو غنيمة ينالها على يديه. ومن البلية: أن المترفين، ومن بنحو نحوهم في الزيغ والغرور، لا يكتفون ممن يسوقه الزمن إلى نواديهم أن يسكت عن جهلهم، ويتركهم وشأنهم. وإنما يرضيهم منه: أن يزين لهم سوءَ عملهم، أو يرمقهم بعين مكحولة بتبسم الاستحسان، وهو أقل شيء يستحق به في نظرهم لقب كيِّس ظريف!. والمداهنة خلق قذر، لا ينحط فيه إلا مَن خفَّ في العلم وزنه، أو من نشأ نشأة صغار ومهانة، وهذا تاريخ العلماء الراسخين ناطق بما كان لهم من الإقدام على وعظ الأمراء، والإنكار عليهم إذا أساؤوا التصرف، أو أهملوا.

стр. 2271

قال عز الدين بن عبد السلام للملك نجم الدين أيوب في مجلس حافل برجال الدولة: يا أيوب! ما حجّتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوّئ لك ملك مصر، ثم تبيح الخمور؟! فقال: هل جرى هذا؟ فقال: نعم، الحانة الفلانية يباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة. فقال: هذا أنا ما عملته، هذا من زمان أبي. فقال: أنت من الذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣]، فرسم الملك بإبطال تلك الحانة (١). نعلم أن السلطة السياسية تتتقل أطواراً، وأن موقف العلماء أمام الأمراء يختلف على قدر ما يكون للعالم من مكانة في قلوب الأمة، وعلى قدر ما يكون للأمير من حماقة أو أناة. واختلاف السياسة أطوارًا، أو اختلاف مواقف العلماء أمام الأمراء إنما يقتضي أن يكون لكل طور سياسي- أو لموقف كل عالم- أسلوب في الدعوة يطابق مقتضى الحال، أما أصل دعوة الأمراء إلى حق أو صالح، ففريضة قائمة، وعز الدين بن عبد السلام، وأحدُ علماء هذا العصر - في احتمال أمانتها، ووجوب تحرير الذمة بأدائها - على سواء. ٢ - ضعف الجأش، وقلة الصبر على المكاره، وهو خلق يقطع لسان صاحبه عن قول الحق؛ مخافة أن لا يرتضي بعض الناس قوله، فيضمروا له البغضاء، ويسوموه أذى أو تهمكاً: وكم سقتُ في آثارهم من نصيحةِ ... وقد يستفيد البغضة المتنصحُ وقد تعرض الكتاب العزيز لخصلة الاستهزاء بالمرشدين، ونبه على

стр. 2272

أنها عادة مالوفة، وأذى يعترض في طريق كل مناد بالإصلاح، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر ١٠ - ١١]. وقد يقص علينا من بذائهم ومكرهم ما يصح أن يكون من حكمةِ تسلية الدعاة، وتأكيد عزمهم على مواصلة الدعوة، وقلة الاكتراث بما يلاقونه من شغب وإساءة، فإذا لقي رُسُل الله- ﵈ من سفهاء القوم أذى كثيراً، فأغمضوا عنه، وداسوه بأقدامهم، فلا يسع غيرهم ممن يريد الخير لأمته إلا أن ينصح لهم، ويفتح في طرق الهداية أبصارهم، ولا يبالي بمن ينغض إليه رأسه ساخراً، أو يطلق فيه لسانه لامزاً. ٣ - إن في الرؤساء من تجمح بهم أهواؤهم عن ناحية العدل، ولا يرقبون لفضيلة العفاف عهداً، فيكيدون لكل من شأنه الدعوة والإصلاح؛ لكيلا يتعرض لسيرتهم، أو يتطاول إلى نقد سياستهم. وهذا الضرب من الاستبداد يلقي في النفوس الضعيفة حذراً بالغاً، ويقلب العارفين بطرق الإصلاح إلى حال الغافلين عنه، فتراهم ينظرون إلى الفساد يتقلب في البلاد كأنهم لا يبصرون. قد يعذر أمثال هؤلاء في عدم التعرض لأحوال الرؤساء المستبدين؛ حيث اعتقدوا أن خوضهم فيها يسوقهم إلى عقوبة لا طاقة لهم بها. ولا عذر لأحد في الصمت عن التذكير جملة إلا إذا بلغ هؤلاء المستبدون أن يضعوا عقوبتهم على ظهر كل من ينهى عن منكر، ولو لم يكن له صلة بسياستهم الجائرة، ولعلك لا تجد في أنباء الدول من يتخطبه شيطان الاستبداد حتى يسطو على كل من ينطق بالحكمة والموعظة، وواجب العلماء أن يقوموا

стр. 2273

بالإصلاح والإرشاد في دائرة الإمكان. ٤ - أن يغلوَ العالم في الورع، فيأبى الذهاب إلى حيث يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكرة حذراً من أن يغشى ناديَ منكر، أو يختلط بصاحب ضلالة. حكى القاضي عياض في كتاب "المدارك": أن عضد الدولة فنا خسرو الديلمي بعث إلى أبي بكر بن مجاهد، والقاضي ابن الطيب ليحضرا مجلسه لمناظرة المعتزلة، فلما وصل كتابه إليهما، قال الشيخ ابن مجاهد وبعض أصحابه: هؤلاء قوم فسقة، لا يحل لنا أن نطأ بساطهم، وليس غرض الملك من هذا إلا أن يقال: إن مجلسه يشتمل على أصحاب المحابر كلهم، ولو كان مخلصاً، لنهضتُ. قال القاضي ابن الطيب: فقلت لهم: كذا قال المحاسبي، وفلان، ومن عاصرهم: إن المأمون فاسق لا يحضر مجلسه، حتى ساق أحمد بن حنبل إلى طرطوس، وجرى عليه ما عرف، ولو ناظروه، لكفّوه عن هذا الأمر، وتبين له ما هم عليه بالحجة. وأنت أيضاً - أيها الشيخ - سلكت سبيلهم حتى يجري على الفقهاء ما جرى على أحمد، ويقولوا بخلق القرآن ونفي الرؤية، وها أنا خارج إن لم تخرج. فقال ابن مجاهد: إذا شرح الله صدرك لهذا، فاخرج. ٥ - أن يقوم الرجل بالإرشاد، فلا يجد ممن فيهم الكفاية مساعداً، وربما أدخلوا في قلبه اليأس، وسدوا باب الأمل في وجهه متكئين على دعوى فساد الزمان، وعدم إفادة النصيحة عند غلبة الفساد، وهو الخاطر الذي يسر أعداء الأدب أن يستقر في نفس كل مؤمن، فيجدوا من خمول أهل العلم وكسلهم، ما ينشط بهم إلى أن ينادوا للخروج على الفضيلة وهم آمنون. ٦ - أن يجد العالم في سيرته سيئة أو سيئات، فتلقي في نفسه الذلة

стр. 2274

والرهبة، ويترك الإرشادة حذراً من أن يلمزه بها الناس حين يقوم بينهم مقام الواعظ الأمين. والعادة أن من يخرج للناس في ثوب مرشد، وقد علقت بسيرته وصمة، لم يلبثوا أن يذكروه بها، وينشدوه: يا أيها الرجلُ المعلّم غيرَه ... هلّا لنفسك كان ذا التعليمُ فينبغي للعالم أن يكون ذا نفس زكية، وساحة نقية، حتى لا يكون الخلل في سيرته كالشجا يقف له في لهاته، ويمنعه من هداية المسرفين. وعلى أي حال كان، لا يليق به الإحجام عن الإرشاد، فإن ما يعرفه له الناس من زلل قد يصرف عنه وجوه العامة، ويقعد بهم عن سماع موعظته، أما الخاصة، فربما انتفعوا بدعوته الموصولة بالحجة أو بيان الحكمة. ٧ - العداوة تنشب بين الرجل والفئة الجاهلة، فتمسك لسانه عن نصيحتهم وإنذارهم ليتمادوا في ضلال، ويتساقطوا على عمل يهوي بهم في خسار. وقد خادعت هذا البائسَ نفسه، فرمت به في غش، وساقته إلى التهاون بواجب النصيحة. ٨ - الشفقة تفيض في فؤاد الرجل، وتطغو على حبه للإصلاح، فترده عن أمر الشخص بصالح فيه كلفة. والشفقة كسائر الفضائل التي يخرج بها الإفراط إلى ما لا يسمى فضيلة، وقد نهى القرآن عن مثل هذه الشفقة الطاغية، فقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [النور: ٢]. فالحدود والنظم وضعت لحفظ المصالح، واستيفاء الحقوق، فيجب ألا يكون للرأفة الداعية إلى الإخلال بشيء من إقامتها أثر يرى. وأخرج ابن جرير في "تاريخه" عن سالم: أن عمر بن الخطاب كان إذا

стр. 2275

صعد المنبر، فنهى الناس عن شيء، جمع أهله فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير، وأقسم بالله! لا أجد أحداً منكم فعله، إلا أضعفت عليه العقوية؛ لمكانه مني. ٩ - أن يكون المستحق لأن يوجِّه إليه الداعي أمره أو نهيه مثل أب مطاع، أو معلم محترم، فيبلغ به الحياء منه، والاحترام لمقامه أن يسكت عن دعوته المشعرة بنسبته إلى جهالة أو خطيئة. وفيما قصة الله علينا من موعظة إبراهيم ﵇ لآزر، وتسميته أباً، ما يرشدنا إلى أن الأبؤَة لا تمنع من الأمر بمعروف، أو النهي عن منكر، ولكن الأب يستحق من أدب الخطاب ولطف الموعظة أكثر مما يستحق غيره. وفي قصة موسى والخضر- ﵉، واتباع الأول للثاني بصفة متعلم، ثم إنكاره عليه خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، عبرةٌ للمتعلمين والمعلمين، فللمتعلمين حق الإنكار، وعلى المعلمين أن لا يستنكفوا. ١٠ - علة نادرة، ولا ندري هل بقي لها من أثر إلى هذا اليوم، وهي: أنه كان في الناس من يبدو له أن يترك بعض أعمال الخيرة حذراً من أن يخالط قصدَه الرياءُ، والتطلعُ للسمعة، فيقلص نور إخلاصه، ويفوته ثواب الله في الآخرة. وترك الدعوة بمثل هذا الوسواس ورعٌ خادع، وما على العارف بالإصلاح إلا أن يجاهد نفسه، ويأخذها بأدب الإخلاص ما استطاع، ومخافةُ الرياء تجاه فائدة الدعوة إلى صالح لاغية. ١١ - علةٌ نشات في هذه الأيام، وهي أن الذين في قلويهم زيغ قد وجدوا من القوة المادية، وسلطان الدول الأجنبية، ما يزين لهم نشر دعايتهم الهازلة، فصادفت من بعض الأحداث أفئدة هواء، فباضت فيها وفرخت، وأخذ الإلحاد

стр. 2276

يدرج على ألسنتهم، وصفاقة المجّان بارزة على وجوههم. وقد ينظر بعض أهل العلم إلى أن هذه الفتنة لم يسبق لها مثيل فيما سلف، فيهاب سطوتها، ويحسبها ناراً لا يمكن إطفاؤها، فيذوب أمامها، ويوليها ظهره يائساً!. وما هذه الفتنة إلا جولة باطل يتوكأ على قوة مادية، فمتى لقي في سبيله الحقائق تكتنفها البينات، ذهب جُفاء، ولا يبقى له أثر إلا في نفوس يذهب المنطق بين جهالتها وشهواتها ضائعاً.

стр. 2277

آثار السكوت عن الدعوة ينزوي العارفون بوجوه الإصلاح، فيرفع البغي لواءه، ويبقى إخوان الفساد يتردّدون على نوادي المنكرات، والبغيُ يضرب على الأمة الذلة والمسكنة، والانهماكُ في المنكرات يميت خصال الرجولة؛ من نحو: الشجاعة، وشدة البأس، والبذل في سبيل الخير. وإذا تفشى وباء البغي والفساد، تداعت الأخلاق الفاضلة إلى سقوط، ونضب ماء الحياء من الوجوه، ووهنت رابطة الاتحاد في القلوب، وتضاءلت الهمم عن معالي الأمور، وقلّت الرغبة في الآداب والعلوم. وما عاقبة الأمة المصابة بالذل والإحجام والجهل والتفرّق وقلة الإنفاق في سبيل البر إلا الدّمار، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [لإسراء: ١٦]. ومن أكبر الدَّمار الذي تبتلى به الأمم الفاسقة: أن تقع ناصيتها في قبضة خصمها العنيد، وفي التنزيل الحكيم ما يفيد أن لمرتكبي فاحشة الظلم عاقبة وبيلة، هي وقوعهم تحت سيطرة الظالمين، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. ولا يحسب الذين ينقطعون عن إرشاد الضالين ووعظ المسرفين، أن إقبالهم على شأنهم، واقتصارهم في العمل الصالح على أنفسهم، يجعلهم في منجاة من سوء المنقلب الذي ينقلب إليه الفاسقون، والذي جرت به

стр. 2278

سنة الله في الأمم، أن وباء الظلم والفسوق إذا ضرب في أرض، وظهر في أكثر نواحيها، لا تنزل عقوبته بديار الظالمين أو الفاسقين خاصة، بل تتعدّاها إلى ما حولها، وترمي بشرر يلفح وجوه جيرانهم الذين تخلوا عن نصيحتهم، ولم ياخذوا على أيديهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. ومن الفتن ما ينزل على القرى الظالمة، ويأتي على المؤمنين منهم، ولو لم يلبسوا إيمانهم بترك النصيحة، وقاموا بالأمر والنهي جهدهم. فإنك تجد فيما تطالعه من أنباء الأمم: أن الأمة التي يجوس خلالها الظلم والفساد، لا تلبث أن تسقط من شامخ عزّها، فإما أن تقبض عليها يد أجنبية، وإما أن تحل بها قارعة سماوية، وما كان من نوع هاتين العقوبتين يتناول الأفراد الذين نصحوا لقومهم فلم يقبلوا، كما يتناول الصبيان، ومن لا قدرة له على الجهر بالنصيحة. روي في الصحيح عن زينب بنت جحش، قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا أكثر الخبث". وعن ابن عمر: أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا أنزل الله عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بُعثوا على أعمالهم". ومن البلية في سكوت العلماء: أن العامة يتخذونه حجة على إباحة الأشياء، أو استحسانها، فإذا نهيتهم عن بدعة أو سيئة، وسقتَ إليهم الدليل على قبحها ومخالفتها لما شرع الله، كان جوابهم: أنهم فعلوها بمرأى أو مسمع من العالم فلان، ولم يعترض فعلهم بإنكار. ومن أثر التهاون بالإرشاد: أن يتمادى المفسدون في لهوهم، ولا يقفوا في اتباع شهواتهم عند غاية، فتقع أعين الناس على هذه المناكر كثيراً، فتألفها

стр. 2279

قلوبهم حتى لا يكادوا يشعرون بقبح منظرها، أو يتفكروا في سوء عاقبتها. ومن أثر هذا: أن يقبل عليهم الحق بنوره الساطع، ووجهه الجميل، فتجفل منه طباعهم، وتجفوه أذواقهم لأول ما يشرف عليها. ومن أثر السكوت عن بيان الحق والدعوة إليه: أن نبتت هذه الفئة التي تحاول القضاء على الآداب الفاضلة، والنظم الحكمية، وتهذي باسم الجديد والقديم، وأنصار الجديد وأنصار القديم، ويلغت بإخلاصها للقوة التي يعد الإخلاص لها جريمة، أن أخذت تدفع بعض أذنابها إلى إيذاء الأمة بتضليل أبنائها، والطعن في شريعتها، يفعلون هذا وهم يعلمون ما فيه من تمزيق رابطة الإلفة، وصدع بناء الوحدة، يفعلون هذا وهم يعلمون أنهم سيشاغبون أفكاراً وأقلاماً تعمل على إصلاح شؤون الأمة، وتجاهد في سبيل خلاصها، كانهم يبتغون منها أن تنصرف عن هذه الغاية السامية، وتقضي الزمن في جدالهم، وكشفِ اللثام عن بنات جهلهم ومواقع أهوائهم، وهذا ما وقع، وإلى الله المشتكى. وإذا كان ضرر هذه الفئة على الحياة السياسية يساوي ضررها على الحياة الأدبية، فإن تقويمها، وحماية الشعوب من وبائها، لا يجب على رجال الدين خاصة، بل هو حق على كل من يغار على الأدب والنظام، وإطلاق الشعوب من قيود الاستعباد.

стр. 2280

ما يدعى إلى إصلاحه يجري الإنسان في أعماله على وفق ما يريده من أوضاعها وهيئاتها، وللإرادة صلة بالعقائد تصفو لصفائها، وتخبث لخبثها، فالإيمان بيوم البعث والجزاء تنشأ عنه إرادة فعل الخير؛ كالانتصار للمظلوم، أو إيثار ذي الحاجة، دون انتظار جزاء أو شكور في هذه الحياة. والجحود بعلاّم الغيوب إنما يكون مثار الإرادات الذميمة، ويزين لصاحبه أن يعقد نيته على ارتكاب الفحشاء والمنكر، إن لم يكن علناً، فمن وراء ستار، فإذا زاغت العقائد، كانت أعمال صاحبها بمنزلة من يرمي عن قوس معوجة، أو يضرب برمح غير مستقيم: وإذاكان في الأنابيبِ حيفٌ ... وقعَ الطيشُ في صدور الصِّعادِ وإذاً، يجب على الداعي أن يوجه عنايته إلى محو المزاعم الباطلة، وربط قلوب الناس بالاعتقاد الصحيح. وللطباع الراسخة أثر في المسابقة إلى الأعمال، أو التباطؤ عنها؛ كسجية الكرم تنهض بالأمة إلى إنشاء الجمعيات العلمية، وتبسط أيديهم بالبذل في سبيل المشروعات الخيرية. ومما ينبهك على أن للأخلاق سلطاناً على الإرادة: أنك ترى المسلم يعتقد بفريضة الزكاة، ويقرأ ما يناله في تركها من عذاب، ثم لا يكون منه إلا
следующие страницы →