← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

يدرج على ألسنتهم، وصفاقة المجّان بارزة على وجوههم. وقد ينظر بعض أهل العلم إلى أن هذه الفتنة لم يسبق لها مثيل فيما سلف، فيهاب سطوتها، ويحسبها ناراً لا يمكن إطفاؤها، فيذوب أمامها، ويوليها ظهره يائساً!. وما هذه الفتنة إلا جولة باطل يتوكأ على قوة مادية، فمتى لقي في سبيله الحقائق تكتنفها البينات، ذهب جُفاء، ولا يبقى له أثر إلا في نفوس يذهب المنطق بين جهالتها وشهواتها ضائعاً.

стр. 2277

آثار السكوت عن الدعوة ينزوي العارفون بوجوه الإصلاح، فيرفع البغي لواءه، ويبقى إخوان الفساد يتردّدون على نوادي المنكرات، والبغيُ يضرب على الأمة الذلة والمسكنة، والانهماكُ في المنكرات يميت خصال الرجولة؛ من نحو: الشجاعة، وشدة البأس، والبذل في سبيل الخير. وإذا تفشى وباء البغي والفساد، تداعت الأخلاق الفاضلة إلى سقوط، ونضب ماء الحياء من الوجوه، ووهنت رابطة الاتحاد في القلوب، وتضاءلت الهمم عن معالي الأمور، وقلّت الرغبة في الآداب والعلوم. وما عاقبة الأمة المصابة بالذل والإحجام والجهل والتفرّق وقلة الإنفاق في سبيل البر إلا الدّمار، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [لإسراء: ١٦]. ومن أكبر الدَّمار الذي تبتلى به الأمم الفاسقة: أن تقع ناصيتها في قبضة خصمها العنيد، وفي التنزيل الحكيم ما يفيد أن لمرتكبي فاحشة الظلم عاقبة وبيلة، هي وقوعهم تحت سيطرة الظالمين، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. ولا يحسب الذين ينقطعون عن إرشاد الضالين ووعظ المسرفين، أن إقبالهم على شأنهم، واقتصارهم في العمل الصالح على أنفسهم، يجعلهم في منجاة من سوء المنقلب الذي ينقلب إليه الفاسقون، والذي جرت به

стр. 2278

سنة الله في الأمم، أن وباء الظلم والفسوق إذا ضرب في أرض، وظهر في أكثر نواحيها، لا تنزل عقوبته بديار الظالمين أو الفاسقين خاصة، بل تتعدّاها إلى ما حولها، وترمي بشرر يلفح وجوه جيرانهم الذين تخلوا عن نصيحتهم، ولم ياخذوا على أيديهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. ومن الفتن ما ينزل على القرى الظالمة، ويأتي على المؤمنين منهم، ولو لم يلبسوا إيمانهم بترك النصيحة، وقاموا بالأمر والنهي جهدهم. فإنك تجد فيما تطالعه من أنباء الأمم: أن الأمة التي يجوس خلالها الظلم والفساد، لا تلبث أن تسقط من شامخ عزّها، فإما أن تقبض عليها يد أجنبية، وإما أن تحل بها قارعة سماوية، وما كان من نوع هاتين العقوبتين يتناول الأفراد الذين نصحوا لقومهم فلم يقبلوا، كما يتناول الصبيان، ومن لا قدرة له على الجهر بالنصيحة. روي في الصحيح عن زينب بنت جحش، قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا أكثر الخبث". وعن ابن عمر: أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا أنزل الله عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بُعثوا على أعمالهم". ومن البلية في سكوت العلماء: أن العامة يتخذونه حجة على إباحة الأشياء، أو استحسانها، فإذا نهيتهم عن بدعة أو سيئة، وسقتَ إليهم الدليل على قبحها ومخالفتها لما شرع الله، كان جوابهم: أنهم فعلوها بمرأى أو مسمع من العالم فلان، ولم يعترض فعلهم بإنكار. ومن أثر التهاون بالإرشاد: أن يتمادى المفسدون في لهوهم، ولا يقفوا في اتباع شهواتهم عند غاية، فتقع أعين الناس على هذه المناكر كثيراً، فتألفها

стр. 2279

قلوبهم حتى لا يكادوا يشعرون بقبح منظرها، أو يتفكروا في سوء عاقبتها. ومن أثر هذا: أن يقبل عليهم الحق بنوره الساطع، ووجهه الجميل، فتجفل منه طباعهم، وتجفوه أذواقهم لأول ما يشرف عليها. ومن أثر السكوت عن بيان الحق والدعوة إليه: أن نبتت هذه الفئة التي تحاول القضاء على الآداب الفاضلة، والنظم الحكمية، وتهذي باسم الجديد والقديم، وأنصار الجديد وأنصار القديم، ويلغت بإخلاصها للقوة التي يعد الإخلاص لها جريمة، أن أخذت تدفع بعض أذنابها إلى إيذاء الأمة بتضليل أبنائها، والطعن في شريعتها، يفعلون هذا وهم يعلمون ما فيه من تمزيق رابطة الإلفة، وصدع بناء الوحدة، يفعلون هذا وهم يعلمون أنهم سيشاغبون أفكاراً وأقلاماً تعمل على إصلاح شؤون الأمة، وتجاهد في سبيل خلاصها، كانهم يبتغون منها أن تنصرف عن هذه الغاية السامية، وتقضي الزمن في جدالهم، وكشفِ اللثام عن بنات جهلهم ومواقع أهوائهم، وهذا ما وقع، وإلى الله المشتكى. وإذا كان ضرر هذه الفئة على الحياة السياسية يساوي ضررها على الحياة الأدبية، فإن تقويمها، وحماية الشعوب من وبائها، لا يجب على رجال الدين خاصة، بل هو حق على كل من يغار على الأدب والنظام، وإطلاق الشعوب من قيود الاستعباد.

стр. 2280

ما يدعى إلى إصلاحه يجري الإنسان في أعماله على وفق ما يريده من أوضاعها وهيئاتها، وللإرادة صلة بالعقائد تصفو لصفائها، وتخبث لخبثها، فالإيمان بيوم البعث والجزاء تنشأ عنه إرادة فعل الخير؛ كالانتصار للمظلوم، أو إيثار ذي الحاجة، دون انتظار جزاء أو شكور في هذه الحياة. والجحود بعلاّم الغيوب إنما يكون مثار الإرادات الذميمة، ويزين لصاحبه أن يعقد نيته على ارتكاب الفحشاء والمنكر، إن لم يكن علناً، فمن وراء ستار، فإذا زاغت العقائد، كانت أعمال صاحبها بمنزلة من يرمي عن قوس معوجة، أو يضرب برمح غير مستقيم: وإذاكان في الأنابيبِ حيفٌ ... وقعَ الطيشُ في صدور الصِّعادِ وإذاً، يجب على الداعي أن يوجه عنايته إلى محو المزاعم الباطلة، وربط قلوب الناس بالاعتقاد الصحيح. وللطباع الراسخة أثر في المسابقة إلى الأعمال، أو التباطؤ عنها؛ كسجية الكرم تنهض بالأمة إلى إنشاء الجمعيات العلمية، وتبسط أيديهم بالبذل في سبيل المشروعات الخيرية. ومما ينبهك على أن للأخلاق سلطاناً على الإرادة: أنك ترى المسلم يعتقد بفريضة الزكاة، ويقرأ ما يناله في تركها من عذاب، ثم لا يكون منه إلا

стр. 2281

أن يقبض يده عن قضاء واجبها؛ مطاوعة لداعية الشح، وإيثاراً للذة العاجلة على السعادة الباقية. وإذا كانت السجايا ميسرة للأعمال، ومساعدة على صدورها بسهولة، دخل في وظيفة المصلح الدعوةُ إلى نبذ الأخلاق السافلة، والتحلي بالأخلاق الفاضلة. وإصلاح الأخلاق بالمقالات العامة نافع، وأقرب الوسائل في تربيتها أن يركبها المصلح في طبيعة كل شخص بعينه، فكثير من الناس يتعلم الأخلاق الحميدة، ولا يشعر بأنه عارٍ من حليتها، وقد يدرك حقيقة الخلق الحسن وحقيقة ضده نظرياً، وتتشابه عليه صورهما في الواقع، فلا يكاد يفرق بينهما: وفي الناسِ من عدَّ التواضعَ ذلةً ... وعدّ اعتزازَ النفسِ من جهلهِ كبرا ومن هنا كانت تربية الأبوين الصالحين أرسخ أثراً من الأدب الذي يتلقاه الناشئ من الدرس أو الكتاب. وكان المصطفى - صلوات الله عليه - يرشد إلى مكارم الأخلاق بالحكمة العامة، ويتولى تربية الأفراد على وجه خاص، فكثيراً ما نرى في الأحاديث الواردة في الحثّ على الخلق الجميل ما يصرف الخطاب به إلى شخص بعينه؛ كقوله ﵇ لمعاذ بن جبل: "أحسن خلقك للناس"، وقوله لجارية بن قدامة: "لا تغضب". ثم إن العمل لا يكون حسناً في نفسه إلا أن يسير به صاحبه في سنّة الله، ويقتدي فيه على آثار حكمته البالغة، فكان من شرط المصلح: درسُ كتاب الله، وسيرة رسوله الأعظم؛ ليكون على بصيرة من الأعمال التي يدعو الناس إليها. وقد ترامى على مقام الدعوة نفر لا يدرون ما الحكمة، ولا يفرقون بين السيرة القيمة والسيرة الضالة، فلطخوا النفوس بأرجاس تكاد تشبه هذه الأرجاس التي

стр. 2282

تسيل من أفواه طائفة يسمون أنفسهم المجددين. وحيث كانت الأمة تفتقر في بقائها وطيب حياتها وحماية ذمارها إلى وسائل شتى؛ كالصناع والعلوم النظرية- من نحو الطبيعيات والرياضيات -، أصبحت هذه الوسائل من قبيل ما تجب الدعوة إليه، كما صرح بذلك أبو إسحاق الشاطيي وغيره من الراسخين في العلم، فإن عظم مصلحتها، والخطر الذي ينشأ عن إهمالها دليلٌ واضح على أنها داخلة فيما تأمرنا حكمة الله بالمسابقة إليه، ولكن الإسلام لم يفتح العيون في كل موضع من مواضع إصلاحها، وما أعطى لتفاصيلها قواعد؛ كما فعل في قسم العبادات، والمعاملات، والجنايات، وإنما أرشد إليها في كثير من أوامره؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٥]. ثم فوَّض استنباطها واختيار ما هو الأصلح منها إلى الفطر السليمة، والعقول الراجحة، كما قال المصطفى - صلوات الله عليه - في واقعة تأبير النخل: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"؛ فإن تمييز النافع والضار في مثل هذا لا يكاد يفوت مداركهم، أو يضيق عنه طوق عقولهم. وقد يسبق غير العارفين بأدب الشرع إلى بعض نظم مدنية، أو فنون حيوية، فلا حرج على إخوان الإسلام أن يحاكوا غير المسلمين، ويعملوا على مثالهم فيما يحسن في نظرهم من هذه النظم أو الفنون؛ فإن إحجامنا عن أخذ ما بأيدي المخالفين من المعارف والنظم المفيدة في هذه الحياة، يفضي بنا- كما قال أبو حامد الغزالي- إلى أن نحرم من كل صالح سبقونا إليه. فمن واجب دعاة الإصلاح أن يجيدوا البحث عن أحوال الأمم الأخرى؛

стр. 2283

لعلهم يقتبسون منها ما يليق بحياة أمتهم، كما يتعين عليهم أن يعرفوا أسباب ارتقاء الشعوب، وعلل سقوطها؛ ليستعينوا بها في ضرب الأمثلة، ويؤيدوا بها صواب ما تهديهم إليه البصيرة الخالصة. وإذا استبان لنا أن وجوه الإصلاح كثيرة، وأن الدعوة لا تنهض بالأمة إلا أن تاتي على كل علة، فتصف دواءها، أدركنا شدة الحاجة إلى أن يكون المتصدي للدعوة جماعة مؤلفة من رجال رسخوا في علوم الشريعة، وألمّوا بالعلوم العمرانية، والشؤون المدنية، يجتمعون فيبحثون، ويسيرون تحت راية الإخلاص والإنصاف، ولو تقارب ما بين من درسوا علوم الإسلام، ومن درسوا العلوم الأخرى من المؤمنين، وتعاونوا على الدعوة، لأقاموها على وجهها المتين، وشادوا من قوة إيمان الأمة، وشرف أخلاقها، وسعة معارفها، وشدة عزمها حصونا تتساقط دونها مكايد عدوها خاسئة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]. (انتهت رسالة الدعوة إلى الإصلاح)

стр. 2284

أثر الدين في إصلاح المجتمع (١) كل أمة تنشد الإصلاح، وكثيراً ما يختلف زعماء الأمم في طرقه، وكثيراً ما تزِلّ أقدامهم إلى حضيض من الفساد، والحقيقة التي نقولها ونحن على بصيرة مما نقول، هي: أن الإصلاح الذي يرفع الأمة إلى منزلة تجلها القلوب، وتهابها العيون، وتجعلها في مأمن من أن تتداعى على أركانها، وتسقط إلى خمول واستكانة، هو الإصلاح الذي يرشد إليه الدين الحق، ذلك أن الدين الحق يسير بالناس على الطريقة الوسطى، فلا يأمر بما فيه حرج، كما يفعل بعض الدعاة المتنطعين، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ولا يجاري أهواء الناس ابتغاء مرضاتهم كما يفعل بعض الدعاة المتملقين. قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]. وغرضنا من هذا الحديث إلقاء نظرة عامة على نواحي الإصلاح الذي جاء به دين الإسلام، وسنتبع هذه النظرة العامة - إن شاء تعالى - بنظرات نقف بها في كل ناحية من نواحي هذا الإصلاح المعصوم، ونتحدث عنها بتفصيل، حتى نرى رأي العين كيف عالج الدين حاجات الاجتماع بحكمة وحزم.

стр. 2285

بعث الله محمداً - صلوات الله عليه -، والعالم في جهالة غامرة، وأهواء جائرة، وأعمال خاسرة، وما زالت هدايته تتكامل حتى أخذت بالإصلاح من جميع أطرافه، فوضعت مكان الجهالة علماً، ومكان الأهواء همماً سامية، ومكان الخسر صلاحاً وفلاحاً. أصلح النفوس بالعقائد السليمة، وزودها بالأخلاق الزاهرة، وشرع من العبادات ما يؤكد الصلة بين العبد وربه، ثم نظر إلى أن الإنسان لم يخلق ليعيش في عزلة عن الناس، وإنما خلق ليكون واحداً من جماعة تتعاون على القيام بمرافق حياتها، والأخذ بوسائل سعادتها، فعني بحقوق ذوي القربى، فقرر النفقات والمواريث في نظم محكمة، وحرّض على إسعادهم، والبرِّ بهم من طرق المروءة وكرم الأخلاق. وحاط الزوجية بحقوق تجعل الزوجين في ألفة صادقة، وعيشة راضية، وأخذ بإصلاح رابطة أخرى هي رابطة الجوار، واتجه بعد إصلاح هذه الصلات الصغيرة إلى إصلاح رابطة الإيمان، ثم رابطة الإنسانية، ووضع للمعاملات المالية نظماً عادلة، وللجنايات عقوبات زاجرة، فأصبحت النفوس والعقول والأعراض والأموال والأنساب بتلك النظم والعقوبات في صيانة. وتناول الإسلام إصلاح الغذاء، فاذن في الطيبات من الرزق، وحرّم أشياء؛ لقذارتها، أو لأنها تلحق بالأبدان ضرراً، أو بالعقول خللاً، فترونه قد حرّم كل الميتة، وتناول السموم والمسكرات والمخدرات. ووضع الزينة بمكانتها اللائقة، فاذن فيها، وأنكر على من يتعمد اجتنابها بدعوى أن اجتنابها من الورع والتقوى، ولكنه نهى عن الإسراف فيها، وأنذر الناس سوء عاقبة المسرفين.

стр. 2286

وشمل الإسلام بنظرته الإصلاحية ناحية السياسة الخارجية، واتجه فيها بين رفق وحزم، فاذن في الحرب متى كان الشر في السلم، وأذن في السلم متى كان الشر في الحرب، وقرر للحرب آداباً تخفف من ويلاتها، وتجعلها كالدواء لا يتجاوز به المقدار الذي يحصل به الشفاء، وأذن في عقد المعاهدات على وفق المصلحة العامة، وحثَّ على الوفاء بالعهد. وأرشد الدين إلى التسامح في معاملة المخالفين غير المحاربين، تسامحاً يرضي الإنسانية دون أن يبخس حقاً، أو ينصر باطلاً. قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. ووجد الإسلام في الناس مزاعم شأنها أن تكدر صفو الفكر، أو تعوق عن كثير من الأعمال الفاضلة، فأماطها عن الطريق السوي؛ كالتشاؤم ببعض الأمور، والإخلاد إلى البطالة بدعوى التوكل أو الزهد، وزعم الاطلاع على الغيب. ونظر إلى أشياء هي وسائل إلى رقي الفكر البشري، أو وسائل إلى ازدهار العلوم على اختلاف موضوعاتها، فأدخلها في دائرة إصلاحه؛ كتحرير العقول من أسر التقليد، ودعوتها إلى الاعتماد على الحجة والدليل. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]. وكرفعه من شأن العلم، وحثه على طلبه، والسعي إلى تلقينه بقدر الطاقة ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. ولو قلت: إن النهضة العلمية الزاخرة التي ظهرت ببغداد وقرطبة هي من أثر الإصلاح الديني، لم أكن مخطئاً. أصلح الدين الشؤون الفردية والاجتماعية بما أشرنا إليه من النظم

стр. 2287

والآداب، ولا بد لهذه النظم والآداب من سلطان يشرف عليها، ويرد إليها من يحاول الخروج عنها، وذلك ما يسمونه السلطة القضائية أو التنفيذية، فدعا الدين الحق إلى إقامة هذه السلطة، ورسم لها سيرة حازمة عادلة، ومما أخذه عليها: أن تقيم سياستها على قاعدة الشورى، ومثل قاعدة: التسوية بين أفراد الأمة وجماعاتها، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال وأثنى تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. قال- ﵊: "وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها". وكما جعل هذه السلطة راعية للأمة، جعل لعلماء الأمة وحكمائها الحق في أن ينصحوا للحائد في قضائه اْو تنفيذه عن طريق الرشاد. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ومن أثر إصلاح الدين للقضاء: ما يحدثنا به التاريخ عن أمثال قاضي قرطبة منذر بن سعيد؛ إذ كانوا يحكمون على الخليفة في قضايا يرفعها عليهم ناظر يتيم، أو تاجر قليل البضاعة خامل الذكر. وقد أتت رعاية العلماء الأمناء للسلطة القضائية أو التنفيذية فيما سلف بخير كثير. يرعى الدين مصالح الأفراد والجماعات، وينهى عن الأعمال والمعاملات الضارة، وإن رضي بها من يلحقه ضررها، ومن هنا شرع الحجر على السفهاء، وحرم الزنا ونحوه في كل حال. ويتحدث الناس عن الاشتراكية، وقد حل الدين هذه المشكلة. بأن جعل للفقراء أنصباء في أموال الأغنياء تؤخذ لهم، رضي الأغنياء أم كرهوا، وإذا نظرنا إلى أن الغني الذي يكون في ماله حق للفقراء هو كل من يملك النصاب

стр. 2288

المقرر في الزكاة، عرفنا أنها اشتراكية كافية وعادلة. وإذا تحدث الناس عن الرفق بالحيوان، فإن الدين الإسلامي قد وجه إلى الحيوان جانباً من عنايته، فحض على الرفق به، ونهى عما فيه تعذيب له، وشواهد هذا من نصوص الشريعة وسيرة علماء الأمة وأتقيائها ليست بقليل. يحض الإسلام على إصلاح شؤون الأمة عامة أو خاصة، حتى إنك لتراه يأمر بالفعل المشتمل على مصلحة، ويحذر أن يعتذر الناس بفقد الوسائل التي يتحقق بها هذا العمل الصالح، فيعود إلى الأمر بإعداد وسائله، حتى يتحقق الإصلاح، كما أمر بالدفاع عن الأوطان، وحذر أن يقول الناس عند الحاجة إلى الدفاع: ليس بأيدينا من سلاح، فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. ومن حرص الدين على الإصلاح، وأخذه في الدعوة إليه بالحيطة: أنه ينهى عما فيه مفسدة، ثم يعود إلى الوسائل التي تفضي إليه لا محالة، فيمنعها، ومن هنا تقرر في قواعد الشريعة قاعدة: سد ذرائع الفساد. وقد سلك الدين في الدعوة إلى الإصلاح أساليب حكيمة؛ ليجعلها قريبة من النفوس، فلا تلبث أن تتلقاها بالقبول. ومما تراه في أساليبه: أن يرشد إلى ناحية الإصلاح بكلمة عامة تجري مجرى الحكمة السائرة، ويذكر بعد ذلك ما يرى الحاجة داعية إلى بيانه وتفصيله، فانظروا إليه كيف قال في إصلاح صلة الزوجية: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ثم دل القرآن المجيد، وسيرة النبي ﷺ على كثير مما لهن أو عليهن من الحقوق بتفصيل. ويدلكم على أن الإصلاح الديني مراعى فيه حفظ المصالح، ودرء المفاسد

стр. 2289

في الواقع: رجوع أحكامه بعد الاستقراء إلى أربعة فصول: "الضرر يزال"، و"المشقة تجلب التيسير"، و"الأعمال بمقاصدها"، واالعادة محكمة". تناول الدين بنصوصه وأصوله نواحي الإصلاح أينما كانت، وليس من شك في أن اتباع الناس لهدايته أقرب، وسيرهم على ما يرسمه من الخطط أيسر، فإذا نحن دعونا إلى الإصلاح بحكمته، وذكرناهم بموعظته، أمِنّا ما يزِلُّ فيه الدعاة من عثرات، وكفينا ما يواجهون به من إعراض وعصيان. ذلك دين الله، لا يدعو إلا إلى الخير، ولا ينهى إلا عن سوء، وقد أنصف الفيلسوف أبو العلاء المعري حين قال في لزومياته: دعاكم إلى خير الأمور محمدٌ ... وليس العوالي في القنا كالسوافِلِ حداكم على تعظيم من خلق الضحى ... وشهب الدجى من طالعات وآفلِ وألزمكم ما ليس يُعجز حملُه ... أخا الضعف من فرض له ونوافلِ وحثَّ على تطهير جسم وملبسٍ ... وعاقب في قذف النساء الغوافلِ وحرم خمراً خلتُ ألباب شربها ... من الطيش ألباب النعام الجوافلِ فصلى عليه الله ما ذزَّ شارق ... وما فتَّ مسكاً ذكره في المحافلِ

стр. 2290

أثر أدب اللغة في نجاح الدعوة إلى الإصلاح (١) العلم في نفسه فضيلة، ومن أتقن علماً من العلوم المعدودة في وسائل السعادة، أصبح ركناً من أركان نهضة الأمة، تنشرح الصدور لبقائه، وتحزن القلوب لفقده، ولكن العلم الذي يضيف إليه صاحبه الحذق في صناعة الأدب، يكون فضله أظهر، وأثره أقوى وأشمل. ولو سألت التاريخ عن العلماء الذين طار صيتهم في الآفاق، أو تركوا آثاراً لا تضعها يد إلا تناولتها يد أخرى، لوجدت معظمهم من العلماء الذين خاضوا غمار أدب اللغة، ويلغوا فيه غاية سامية. ذلك أن أدب العالم يجذب إلى مجالسه الأذكياء من الطلاب، فيبذر علومه وآراءه في عقول خصبة، ويساعده على أن يقرر الحقائق بعبارات رصينة أنيقة، فتقع من النفوس وقع العذب الفرات من الكبد الحرّى. وإذا كان العالم غير الأديب يلقي المعاني في عبارات لا يراعي فيها إلا أن تكون دالة على المعنى بمقتضى وضعها العربي، فإن العالم الأديب يستطيع شيئاً آخر وراء ذلك، هو أن يصوغ المعاني في عبارات تألفها أذواق السامعين أو القارئين، وتهوي إليها أفئدتهم، فيكون لها في نفوسهم أثر لا يوجد مع العبارات الخالية من روح الأدب، وإن صحت دلالتها على

стр. 2291

المعنى في نظر اللغويين والنحاة. للأدب أثر في أن يكون وعظك ناجحاً، ورأيك نافذاً. وللأدب أثر في أن تسوق القصة، فتسرع القلوب إلى ملاحظة ما حوته من عبرة. وللأدب أثر في أن تستقر الآراء العلمية في نفوس كانت قد عرضت عليها في غير أسلوب أدبي، فلم تسكن إليها. فالأديب يحسن عقد المشابهة بين المعقولات والمحسوسات، أو بين المعاني الخفية والمعاني الجلية، ويجيد الاقتباس من آيات القرآن الحكيم، ويضع الأمثال في المقامات الشبيهة بمواردها، وهو الذي يريد أن يتحدث عن المعنى الواحد في المقام الواحد مرات متعددة، فيستطيع أن يعبر عنه في كل مرة بطريق يعرضه عليك في صورة جديدة، فتجد من الارتياح له ما لا تجده عندما ياتيك في صورته التي عرفته بها أول مرة. ولو نظرت في المواعظ التي كانت تلقى على الأمراء والوزراء ونحوهم من الرؤساء المستبدين، فيلاقونها بسكينة، أو يتقبلونها بقبول حسن، لوجدت كثرها من قبيل المواعظ التي ينفث فيها الأدب شيئاً من روحه اللطيف، ولاسيما أدباً يتالق في موعظة صادرة عن إخلاص. وإذا كان أولو الأنظار السليمة يعرفون الحق في أي عبارة ظهر، ويدركون الحجة في أي مقال وردت، فإن في الناس من يرد عليه الباطل في زخرف من القول، فيحسبه حقا، وتتعرض له الشبهة في حلية من محاسن البيان، فلا يرتاب في أنها حجة، ذلك لأنه يتخيل أن بين البراعة في القول، والسداد في الرأي صلةً لا تنقطع، فلا تراه يزن المعاني بميزان المنطق ليعلم صحيحها من سقيمها.

стр. 2292

وهؤلاء الذين يستهويهم رونق الألفاظ أكثر من حكمة معانيها، ليسوا بقليل، فلا ينبغي لنا أن نستخف بهم، وندعهم لعصبة المضلين، يعرضون عليهم الآراء المنحدرة بهم في شقاء. وإذا لم يكن لأولئك المضلين سبيل على المستضعفين سوى أنهم يحبرون لهم القول تحبيراً، فمن الميسور لدعاة الإصلاح أن يسابقوهم في مضمار البراعة، فإنهم متى ألبسوا الدعوة إلى الحق والفضيلة أساليب بديعة، أحرزوا الغاية، وأنقذوا أولئك المستضعفين من ضلال بعيد. وقد كان رسول الله ﷺ يتخير لإبلاغ رسالته الملوك والرؤساء من عرفوا بالحكمة وفصاحة اللهجة، تعرف هذا حين تقف على أسماء أولئك المبعوثين، وتقرأ شيئاً من أحاديث دعوتهم؛ كقول العلاء الحضرمي للمنذر ابن ساوي ملك البحرين: "يا منذر! إنك عظيم العقل في الدنيا، فلا تصغرن عن الآخرة". وقول سليط بن عمرو لهوذة بن علي ملك اليمامة: "إن قوماً سعدوا برأيك، فلا تشق به". وقول عمرو بن أمية الضمري للنجاشي: "إن عليّ القول، وعليك الاستماع، إنك كأنك في الرقة علينا منا، وكأنا بالثقة بك منك؛ لأناّ لم نظن بك خيراً قط إلا نلناه، ولم نخفك على شيء إلا أمناه". وقول عبد الله بن حذافة لكسرى: "قد ملك قبلك ملوك أهل الدنيا وأهل الآخرة، فأخذ أهل الآخرة بحظهم من الدنيا، وضيع أهل الدنيا حظهم من الآخرة، فاختلفوا في سعي الدنيا، واستووا في عدل الآخرة". وقول دحية ابن خليفة الكلبي لقيصر ملك الروم: "فاسمع بذلّ، ثم أجب بنصح، فإنك إن لم تذلل، لم تفهم، وإن لم تنصح، لم تنصف". عني بأدب اللغة نفر تصدوا بعد للكتابة في العلم أو الاجتماع أو السياسة،

стр. 2293

وكانت آراؤهم بعيدة من الرشد، واستطاعوا أن يسوقوا بعض الشبان الغافلين إلى غير حق، أو غير فضيلة، ويقذفوا بهم في إباحية هوجاء، ومن طباح هؤلاء القادة غير الراشدين أن يستخفوا بمن يقف في سبيلهم، ولو كان غزير العلم، قوي الحجة، إلا أن ينطق بأفصح من ألسنتهم، أو يكتب بابرع من أقلامهم. وإذا اتخذ بعض الكتاب أو الخطباء أدب اللغة سلاحاً يقطعون به سبيل الخير والفلاح، أفلا يجدر بدعاة الحق والفضيلة أن يسبقوا إلى تقلد هذا السلاح، ويغوصوا في علم الأدب إلى غاية بعيدة، ويعملوا لإعلاء شأن هذا العلم، حتى تخرج لنا المعاهد الدينية والمدارس العلمية رجالاً يوردون الحجج في أساليب سائغة، ويزيحون عن الشبه والمغالطات ما تضعه على وجوهها من صبغة خادعة؟!. ولم ننس أن في الشرق لهذا العهد رجالاً يجمعون بين حصافة الرأي، وطهارة القلب، وبلاغة القول، ويجاهدون في الإصلاح جهافى من لا يخافون لومة لائم، ولكنهم بالنظر إلى الطوائف الذين يحاربون الهداية، ويصدون عن سبيل الله، لا يبلغون الكفاية. والقصد: أن نعد للدعوة إلى الإصلاح قوة من الخطابة والكتابة تستطيع أن تقف في وجه كل دعاية لا تأتي بخير.

стр. 2294

حريّة الدعوة فى دليل على رقي الأمة وعظمة الدولة (١) أطيب الأمم حياة: أمة تجد الدعوةُ إلى الحق بينها طرقاً معبدة، فتذهب مطلقة العنان دون أن تعترضها عقبات. وإنما تملك دعوةُ الحق حريتها في ظلال دولة تسير في سياستها على رشد، ولا غاية لها إلا أن ترعى أمة عزيزة الجانب، نبيهة القدر. يدرك المخلصون من أولي الأمر أن لا فلاح لأمة إلا بالدعوة، فينظرون إلى دعاة الإصلاح بارتياح وإكبار، ويدرك الدعاة إلى الإصلاح أن فتح باب الحرية في وجه الدعوة شأن الدولة التي تريد بأمتها خيراً، فتألفها قلوبهم. ويبذلون في تنبيهها لوجوه الإصلاح جهدهم. فالدعوة إلى الحق ميزان الحرية الصادقة، ودليل رقي الشعب، فإذا رأيت الدعوة تغشى كل موطن، وتطرق كل سمع، فاعلم أن الحرية باسطة أجنحتها، وأن الشعب سائر إلى حياة راضية. ولو رجعت إلى ماضي الأمم، رأيت هذه الحقيقة رأي العين: ترى الدعوة ترد مجالس بعض الرؤساء، فيفسح لها، ويتلقاها بأذن واعية، ويعمل لنفاذها، فتفهم من الجهر بالدعوة، وإبلاغها مسامع الرؤساء، أن الدعاة إلى

стр. 2295

الحق في يقظة وعزم، وتفهم من عدم مقابلتها بالامتعاض: أن للرؤساء صدوراً فسيحة، وبصائر سليمة. وإذا قيض الله لأمة دعاة لا تأخذهم غفلة ولا جبن، ورؤساء يسمعون دعوة الحق، فلا تاخذهم العزة بالإثم، فهي الأمة البالغة الذروة من السعادة، أو السائرة إلى الذروة بخطا سريعة واسعة. ولا أريد أن أذهب بك إلى عهود الخلفاء الراشدين، فتلك عهود معروفة بان الداعي يقول فيها كلمة الحق، وهو على يقين من أنه محفوف بالأمن من كل ناحية، حتى لا يحس الحاجة إلى تذكير نفسه بفضل الشجاعة، ومعروفة بأن الرئيس يسمع فيها كلمة الحق، ويسيغها دون أن يجد لها مرارة، ولكني أريد منك التفاتة إلى عهود دول إسلامية جاءت بعد تلك العهود الزاهرة، وأخذت فيها الدعوة إلى الحق أو الإصلاح حريتها، وكان الفضل في هذه الحرية لقوة إيمان الدعاة بما قاموا يدعون إليه من صالح، ولاستنارة بصائر الرؤساء، وإخلاصهم في تدبير شؤون جماعاتهم. ومن العهود التي حظيت فيها الدعوة بحريتها الضافية: عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر بالأندلس، فكان العلماء في عهده يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويحكمون بما أنزل الله، لا يخافون لومة لائم، وكثيراً ما يوجهون أمرهم ونهيهم إلى الخليفة نفسه، فيتلقى دعوتهم بالرضاء، ولا تحدثه نفسه بان يلحق بهم أذى، أو يقطعهم عن القيام بواجبهم، أو ينقصهم مثقال ذرة من الإجلال اللائق بمقاماتهم، وكان منذر بن سعيد البلوطي قاضي قرطبة يواجهه بإنكار بعض أفعاله الخاطئة، وربما اشتد في لهجة الإنكار، وكان في مقدور الناصر أن يناله بأذى، ولكنه عرف إخلاص منذر، فتلقى إنكاره بأناة وسكينة.

стр. 2296

ومن العهود التي أخذت فيها الدعوة حريتها: عهد أبي جعفر المنصور، وأذكر أنه وفد إليه عبد الرحمن بن زياد من القيروان، فلما جلس إليه، قال له المنصور: كيف رأيت ما وراء بابنا؟ قال: رأيت ظلماً فاشياً، وأمراً قبيحاً!! قال له أبو جعفر: لعله فيما بعُد عن بابي، قال: بل كلما قربت، استفحل الأمر وغلُظ، قال: ما يمنعك أن ترفع ذلك إلينا وقولك عندنا مقبول؟ قال: رأيت السلطان سوقاً، وإنما يرفع إلى كل سوق ما ينفق فيها. فأثّرت في أبي جعفر الموعظة، حتى اغرورقت لها عيناه. وقد تحظى الأمة برجال تذهب بهم الغيرة على الحقوق والمصالح أن يقولوا الحق، ويتحروا في دعوتهم الصراحة، ولكنها تكون محرومة من رؤساء تتسع صدورهم لسماع كلمة الحق، فيعملون جهدهم لإسكات أولئك الدعاة، ويأخذون في قطعهم عن الدعوة بكل ما يستطيعون من حيلة. وهاهنا يقع بين أولئك الدعاة والرؤساء جدال وتدافع، يريد الدعاة أن يوصلوا نصائحهم إلى كل أذن، ويشعروا كل مفسد بأنه مفسد، ويريد الرؤساء أن يستبدوا بتصريف الشؤون، ولا يشاركهم فيها أحد، ولو على وجه الوعظ والإرشاد. وبين هذا الجدال والتدافع يسقط من صفوف الدعاة كثير من المستضعفين والمرائين، أما قوي العزيمة، سليم الإرادة، فيبقى ثابت القدم في الجهاد، وقد يدعوه إخلاصه وحكمته إلى أن يسلك في الدعوة أساليب تنفذ بها إلى القلوب، دون أن يجد المستبد الذي فيه مسكة من عقل منفذاً لصرفه عن الدعوة. فإذا حكى التاريخ، أو دلت المشاهدة على أن طائفة كانوا يدعون إلى حق جُحد، أو فضيلة أضيعت، ثم أخلدوا إلى الصمت، والحق لم يزل

стр. 2297

مجحوداً، والفضيلة لم تزل مضاعة، فلك أن تجعل هذا الصمت أمارة على أن الدعوة لم تقم على إيمان قوي، وغيرة صادقة. وقد يتولى أمر الجماعة رحيب الصدر، العارف بما تأتي به الحرية الصادقة من الفوائد العظيمة، ولكنك ترى طائفة من شأنهم الدعوة إلى الحق في خمول وانزواء، وإذا كان الصمت عن الدعوة في عهد المستبد قبيحاً، فهو في عهد من يوسع صدره للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد قبحا، وأكبر إثماً. وإذا كان من واجب دعاة الإصلاح صرف الجهد في معالجة المنحرفين عن السبيل، وانتزل ما في قلوبهم من قسوة حتى يالفوا سماع كلمة الحق، فإن من واجب ولي الأمر، الرافع للواء العدل، أن يبذل همته في معالجة المهملين للدعوة، وينتزع ما في نفوسهم من دواعي الجبن أو اليأس، حتى يظهروا في ميدان الجهاد لإعلاء كلمة الحق، وإزهاق روح الباطل، فيزعوا بحكمتهم ما لا يزعه السلطان القاهر بقوته. والغاية التي نرمي إليها في هذا المقال: أن الأمة التي تحظى بالحياة الطيبة في دنياها وآخرتها، هي الأمة التي تنبت أرضها رجالاً تتقد قلوبهم غيرة على الحق، ويكون القابضون على أمرها رجالاً لا يعترضون دعوة الإصلاح، وان نسبت إليهم عوجاً في سيرتهم، أو نبهتهم لخطأ في سياستهم.

стр. 2298

أصول الإصلاح الاجتماعي (١) يعمل المصلحون على أن تكون شؤون أممهم الاجتماعية في نظام وصفاء، ولا تستقيم هذه الشؤون، وتخلص من كل كدر، إلا حيث تكون الأمة قد استوفت وسائل القوة والمنعة، وهي: الارتواء من مناهل العرفان، والرسوخ في مكارم الأخلاق، والاعتصام بحبل الائتلاف والاتحاد، وتوفير الأيدي على العمل لكسب الأرزاق. وهذه الوسائل الأربع إنما تعود على النفس بطمأنينة، وتذيقها طعم حياة لذيذة متى سبقها إيمان يضرب بأشعته في كل سبيل. فتفاضل الأمم في مراقي العزة والقوة، يجري على قدر تفاوتها في الإيمان والعلم وكرم السجايا، ومتانة الاتحاد، والسعي لاكتساب الطيّب من الرزق. أما الإيمان، فهو النور الذي يسعى بين أيدي الجماعة، يرد بها كل ورد عذب، ويرتاد بها كل مرعى خصب، وهو الوسيلة التي يبتغون بها رضا الخالق - جل شأنه -، وإذا ظفروا برضا الخالق، وفّقهم لكل عمل مجيد، وجعلهم إذ يجارون غير المؤمنين هم السابقين، وإذ يناضلون غير المؤمنين هم الفائزين.

стр. 2299

وقد دل التاريخ الصادق، والمشاهدات المتواصلة على أن المنتمين إلى دين حق، لا يدركهم خمول، ولا تعلو عليهم يد ممن سواهم إلا حيث يتضاءل الإيمان في قلويهم تضاؤلاً ينسيهم جلال علاّم الغيوب، ولا يبقى لحكمته البالغة عليهم من سبيل. والسياسة الرشيدة تعلم يقيناً أن للإيمان الصحيح فضلاً في تقوية صلات الألفة والاتحاد، وفضلاً في تهذيب النفوس، وانتظام الأمن في البلاد، فتوجه عنايتها إلى تربية النشء على تعظيم أمر الله تعظيماً يتجه بهم إلى أفضل السير، وأحمدها عاقبة، وفي الحق أن من يضع في نفس الناشئ إيماناً مسنداً إلى حجة، إنما يبني فيها أساساً للسيرة القويمة، والعواطف الكريمة. وأما العلم، فنريد منه: المعارف التي طلعت من أفق النبوة الصادقة، واستنبطتها العقول الثاقبة، أو ثمرتها التجارب الصحيحة، وفضل هذه العلوم في استبانة طرق الفلاح، واستكشاف ما في هذا العالم من أسرار، وتوفير أسباب الراحة في هذه الحياة، واضح بحيث يشهد به كل ذي باصرة، أو أذن واعية. والذي أرى التنبيه له في هذا المقام: هو أن الشرف إنما جاء على العلم من ناحية العمل به، فلو بلغ شخص الدرجة القصوى في علم من العلوم، ولم يكن لهذا العلم في حياته العملية من أثر، لكان هو والجاهل به سواء. فلا فضل للعالم بالشريعة إلا أن يقف بجانب حمايتها، ويأخذ نفسه بآدابها، ولا فضل للعالم بالهندسة، إلا أن يكون له قسط في تثبيت قواعد العمران والحضارة، ولا فضل لدارس الطبيعة، إلا أن يضع يده فيما يجلب للإنسانية راحة، أو يزيح عنها نصباً، ولا يحق لدارس علم أن يعد نفسه في قبيل أهل ذلك العلم، إلا أن يستطيع تحقيقه في صور عملية، كما يفعل

стр. 2300

علماؤه الراسخون، والطالب الذي يقبل على العلم بداعية قوية من نفسه، هو الذي يسير فيه إلى أقصى غاية، ولا يرضى إلا أن يتجه به إلى الناحية الحيوية التي وُضع ودوِّن لإصلاحها. وليس من شك في أن المعلم الذي يدرّس علماً برغبة من نفسه، هو الذي يصلح لأن يناط به العمل الذي يتصل بذلك العلم، وهو الذي يرجى لأن ينهض به في غير سآمة، ويعده عزمه على أن يقوم به أفضل قيام. وأما أثر الأخلاق في رقي الاجتماع، فإن كل خلق يسد ثغرة في بناء المجتمع لا يسدها غيره، فالحاجة إلى إقامة المشروعات الكبيرة ثغرة لا يسدها إلا خلق السخاء، والحاجة إلى دفاع البغاة ثغرة لا يسدها إلا الشجاعة، ورباطة الجأش، والحاجة إلى حرية الدعوة إلى الحق لا يسدها إلى إقدام الدعاة، وحلم أولياء الأمور وأناتهم، ولطالما لهجت الألسنة والأقلام بتمجيد الأخلاق، ونوهت بما لها من فضل في الصعود بالأفراد والأمم إلى أوج السؤدد والكرامة، والذي يحتاج إلى ألمعية مهذبة، وبصيرة نافذة، إنما هو استبانة الطريق التي تسلك لتربية نشأتنا على الأخلاق الماجدة تربية تجعلهم يقدرونها حق قدرها، ويتنافسون فيها كما يتنافسون في العلوم والفنون. ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أقول: إن المعاهد والمدارس التي يدرَّس فيها علم الأخلاق، ويكون رؤساؤها وأساتذتها أنفسهم مثلاً كاملة للأخلاق الراقية، هي الكفيلة بأن تخرج لنا نشئاً نباهي بسمو أخلاقهم، قبل أن نباهي بغزارة علومهم، ورجاجة عقولهم، وطلاقة ألسنتهم. قال عمرو بن عتبة لمعلم أولاده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك

стр. 2301

لنفسك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح ما تركت. وأما الاعتصام بحبل الائتلاف والاتحاد، فإن في الناس من تقصر يده عن الوصول إلى حقوقه الشخصية، ومآربه الحيوية، إلا أن يعينه عليها قوم آخرون، كما أن من مقتضيات الحياة الاجتماعية ما يتعذر القيام به إلا أن تتمالأ عليه الجماعات الكثيرة، والتعاون الفردي أو الاجتماعي إنما يصدر عن ائتلاف وتعاطف يجعل الأمة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، فإن تفرقت القلوب، ضاعت المصالح الفردية، واختل أمر المصالح الوطنية، وصارت البيوت بحال القبور، وإن كانت مفتحة الأبواب، وسكانها بحال الجثث الهامدة، ولكنهم لا يستغنون عن الطعام والشراب. وأما الثروة، فتدخل في أصول الإصلاح؛ من ناحيةِ أن كثيراً من المصالح الحيوية لا تقام إلا أن يبذل في سبيلها مال غزير، ثم إن كثيراً من الأخطار الداهمة لا يكفي في دفعها إلا قوة يسعدها الأغنياء بأموالهم قبل أن يسعدها الحكماء بآرائهم، وإذا استطاع الفرد أن يعيش في قلة من المال، وهو حافظ لكرامته، فإن الأمة لا تعيش حافظة لكرامتها إلا أن تكون في خزائنها أو بيت مالها ما يسد حاجاتها، ويكفل لها السلامة من كل قوة تحاول أن تسلبها حقاً من حقوقها. وشعر الناس في القديم بمزية المال، ومساعدته لذي الهمم الكبيرة على أن يدركوا من الحمد ما لا يدركه المقلّون منهم، كما قال أحد أدبائهم: أريد بسطة مالٍ أستعين بها ... على أداءِ حقوق للعلا قِبَلي وكذلك الأمم لا تدرك سيادتها كاملة إلا أن تضيف إلى ما لديها من بسطة العلم وسماحة الأخلاق بسطة في الأرزاق، وقد جعل الله تعالى

стр. 2302

لبسطة الرزق أسباباً، وجعل تعاطي هذه الأسباب صالحة معدوداً في الطاعات التي يجازي عليها بالحياة الطيبة في الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة، والزهد الذي يعد في جملة الفضائل لا يراد منه إيثار الفقر على الغنى في كل حال، وإنما يراد منه طهارة القلب من التعلق بالملذات والزينات تعلقاً يدفع إلى الوصول إليها ولو من طرق خبيثة، والتوكل على الله الذي هو شعبة من شعب الإيمان المثمر إنما هو قوة اتجاه القلب إلى الخالق عند العزم على العمل، حتى يسعده بالتوفيق، ويمده بالتأييد، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 2303

من هو الواعظ بحق ؟ (١) الوعظ: الدعوة إلى ما فيه خير وصلاح، والتحذير مما فيه شر وفساد، فالواعظ يرشد الجاهلين، وينبه الغافلين، ويعالج النفوس الطائشة مع أهوائها؛ ليعيدها إلى فطرتها السليمة من الإقبال على الفضائل، والترفع عن الرذائل، ولكن إرشاد الجاهلين، وتنبيه الغافلين، وتقويم عوج من غلبت عليهم شهواتهم، جهادٌ يحتاج صاحبه إلى ألمعية مهذبة، ودراية بالطرق الحكيمة، علاوة على العلم الذي يميز به بين الحق والباطل، ويفرق به بين المعروف والمنكر، ثم إن العلم والنباهة وحكمة الأسلوب لا تاتي بثمرتها المنشودة إلا أن يكون الواعظ طيب السريرة، مستقيم السيرة. فمن واجبات المتصدي للوعظ: أن يكون متفقهاً في الدين تفقه من يستطيع أن يدعو إلى ما قرره الدين القيم من عقائد وأحكام وآداب، ويكون بعد هذا سريع التنبه لما يجري بين الناس من وسائل شأنها أن تفضي إلى فساد، ويكون نافذ البصيرة إلى ما يستتر تحت أقوالهم أو أعمالهم من أغراض وخيمة العاقبة، ويكون بعد هذا وذاك خبيراً بالأساليب التي تدخل بالوعظ إلى أعماق النفوس، فتبدل جهالتها معرفة، أو غفلتها يقظة، أو أهواءها الجامحة شغفاً بالخير، وتقبلاً للنصيحة، ويضيف إلى هذا: أن يكون لباسُ

стр. 2304

التقوى شعاره ودثاره. أما التفقه في الدين، فتتكفل به السنون التي يقضيها الطالب بالمعاهد الدينية العليا متى قضاها مجدّاً في التلقي والبحث، وقد أشار القرآن المجيد إلى أن الوعظ إنما يقوم على التفقه في الدين؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. والتفقه في الدين هو الذي يجعل الموعظة نقية من نحو إيراد الأحاديث الموضوعة، والقصص المنبوذة، وتحسين البدع المحظورة أو المكروهة، بزعم أنها سنّة، أو موافقة لروح التشريع. وفي الحق أن الوعظ عمل جليل، وله في نظر الشارع مقام رفيع، وانما يحط من شأنه أن يتصدى له من لا يميز الأحاديث المصنوعة من الأحاديث الثابتة، ولا يفرق بين ما هو سنّة وما هو بدعة، ومن ينسب إلى رسول الله ﷺ قولاً لا يثق من أنه صدر منه، أو يلصق بالدين ما هو بريء منه، فقد ارتكب بهتاناً وإثماً مبينا، وكان مالك ﵁ كثيراً ما ينشد البيت: وخيرُ أمورِ الدين ما كان سُنَّةً ... وشرُّ الأمورِ المحدثاتُ البدائعُ وأما اليقظة ودقة الملاحظة، ففي أصلها موهبة فطرية، ولكنها تقوى وتنمو على قدر ما يتقلب فيه الفكر من مشاهدات وتجارب ومطالعات تاريخية. فينبغي - مراعاةً لهذا الواجب - أن ينظر في حال طالب الانتظام في سلك الوعّاظ، ويلاحظ في اختبار مبلغ هذه الموهبة الفطرية، حتى إذا كانت مفقودة أو ضئيلة، ولم يكن فيه استعداد لتنميتها، صرف إلى ناحية أخرى يمكنه أن

стр. 2305

ينفع فيها المجتمع بقدر ما أوتي من علم. وأما الأساليب الحكيمة، فتكتسب من النظر في سيرة الدعوة المحمدية، وسيرة الدعاة البلغاء في نصائحهم التي يوجهونها إلى الطوائف الخاصة أو الجمهور. يقولون: الموعظة ثقيلة على السمع، مستحرجة على النفس؛ لاعتراضها الشهوة، ومضادتها للهوى، حتى قال يونس بن عبيد: "لو أمرنا بالجزع، لصبرنا"؛ يشير: إلى ثقل الموعظة على السمع، وجنوح النفس إلى مخالفتها. ولكن صوغها في أسلوب راع يجعلها خفيفة على السمع، سهلة النفوذ إلى القلب، وقد تكون معاني الموعظة حاضرة في ذهن الشخص، ولا يجد في نفسه تأثراً بها، حتى إذا عرضت عليه تلك المعاني في أسلوب بارع، وقعت منه موقع الإعجاب، كأنها معان جديدة لم يسبق له بها علم. خرج الزهري يوماً من عند هشام بن عبد الملك، فقال: ما رأيت كاليوم ولا سمعت كاربع كلمات تكلم بهن رجل عند هشام: دخل عليه فقال: احفظ مني أربع كلمات فيهن صلاحُ ملكك، واستقامة رعيتك، قال: ما هن؟ قال: "لا تعد عِدة لا تثق من نفسك بانجازها، ولا يغرنكّ المرتقى وإن كان سهلاً، إذا كان المنحدر وعراً، واعلم أن للأعمال جزاء، فاتق العواقب، وأن للأمور بغتات، فكن على حذر". ومعاني هذه الموعظة لا تغيب - فيما أحسب - عن أمثال الزهري، وإنما جاء إعجابه مما كسيت به من الإيجاز الساحر، وسلامة الألفاظ، وجمع الحكم الأربع في نسق جعلها كعقد ملتئم الدرر، محكم التأليف. وأما التجمل بالتقوى في السر والعلانية، فيستمده الواعظ من قوة الإيمان بأن الله يعلم ما يسر الناس وما يعلنون؛ ومن تيقنه بأن دعوته إلى فعل شيء

стр. 2306

هو تاركه، أو إلى ترك شيء هو يفعله لا تتجاوز الآذان إلى القلوب، وتذهب كما يذهب الزبد جفاء، وقد أشار القرآن المجيد إلى أن داعي الناس إلى معروف لا يفعله، معدودٌ في فاقدي العقول، وهو جدير بأبلغ عبارات التوبيخ، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. والتقوى هي التي تجعل الواعظ مخلصاً فيما يأمر به، أو ينهى عنه، وللإخلاص أثر كبير في نجاح الموعظة، وانشراح الصدور للانتفاع بها على أي حال. والتقوى الصادرة عن التفقه في الدين بحق، هي التي تكسو الواعظ وقاراً وحسنَ سمتٍ غير مصطنع، فتمتلئ العيون بمهابته، فإذا ألقى الموعظة، ذهبت تواً إلى القلوب، وأثمرت كلماً طيباً، وعملاً صالحاً. يجمل بالواعظ أن يراه الناس في وقار وحسن سمت، فذلك مما يدعوهم أن يتلقوا وعظه بحسن القبول، ومما لا يليق بمكانته - على ما يبدو لي - أن يقف أمامهم، ويكثر من حركات يديه ورأسه، أو يحرص على أن يقص عليهم القصص المضحكة، ويطارحهم النكت المسلية، فللضحك والتسلية مسارح ومناظر، إنما شرعت مجالس الوعظ للتخفيف من أثرها الذي هو الافتتان بزخرف هذه الحياة، والغفلة عن سبيل الفلاح في الحياتين: الأولى، والآخرة.

стр. 2307

الإسلام والعلم (١) طلع الإسلام، فوجد طرقاً من الباطل مسلوكة، ومظاهر من الفساد مألوفة، فجاهد تلك الأباطيل حتى زهقت، وكشف عن قبح تلك المفاسد حتى هجرت، قوّم النفوس حتى استقامت على توحيد الله تعالى، والعبادات التي يتقبلها، ويجزل المثوبة عليها، وعلّمها بعد هذا كيف تعيش في هذه الدنيا عالية الهمم، نبيلة الأعمال، عزيزة الجانب، محفوظة الكرامة، مأمونة العواقب، سديدة الأنظار، رشيدة الآراء، متواصلة القلوب، وتفاضل الشعوب على قدر أنصبائها في هذه الخصال والمزايا التي لا تتحقق المدنية الفاضلة إلا بها. دعا الإسلام إلى تلك المقاصد السامية، وأخذ في دعوته لإقامة الحجة، وإلقاء الحكمة، وضرب الأمثال، وإيراد القصص العامرة بما فيه عبرة. نشأ هذا الدين الحق بين خصوم يناصبونه العداء، ويأتمرون به ليطفئوا نوره، ويقطع السبيل دونه، وما كان إلا أن خاب سعيهم، فسطعت حجته، وعلت كلمته، ومع سطوع حجته وعلو كلمته يلقى في كل عصر طوائف يكل الزيغ قلوبهم، فيطعنون فيه علناً، أو يذهبون في الكيد له مذهب التاويل الفاسد وهم يعلمون.

стр. 2308

ولم يفقد - بتوفيق الله تعالى - في كل عصر طائفة من ذوي العقول الراجحة، لا يخشون في الذود عن موارده لومة لائم، فيزيحون من طريق هدايته ما يلقيه أولئك الجاحدون أو المراؤون. ومن هذه الطوائف الخاطئة من يزعم أن الإسلام لم يبعث الدواعي إلى طلب العلم. والواقع أن الإسلام قد رفع قدر العلم، ونوّه بشان العقل، وسلك بطلاب العلم مسالك النظر والاجتهاد، وعوّدهم على نقد الآراء، وتمييز زائف الأخبار من صحيحها، فلما نقلت العلوم النظرية إلى اللغة العربية، وجدت منهم نفوساً تلذ العلم، وعقولاً تنشط للمناظرة، وألسنة تعرف كيف تقرر الحجة، ففتحوا لها صدورهم، ووضعوها تحت سلطان أنظارهم، ولم يمنعهم إعجابهم بها، وتنافسهم على التضلع من مواردها، أن يطلقوا الأعنة في مناقشتها، وتقويم المعوج من مذاهبها، فسدّوا ثغوراً يأتي من قِبَلها الباطل، وذلّلوا لطلاب العلم الطريق الذي تفيؤوا فيه ظلال الرشد، وتدني فيه الفلسفة المعقولة قطوفها، فقامت للعلوم- على اختلاف موضوعاتها- سوق نافقة، وأصبحت ترى علوم الشريعة وعلوم الفلسفة المعقولة يلتقيان في النفوس المطمئنة بالإيمان، وتسنى للتاريخ أن يحدثك عن كثير من علماء الإسلام، ويصفهم بأنهم جمعوا بين العلوم الشرعية والعلوم الفلسفية؛ كالغزالي، وابن رشد، وأبي عبيدة مسلم بن أحمد الأندلسي، وهو أول من اشتهر في الأندلس بعلم الفلسفة، وكان - مع هذا - صاحب فقه وحديث. ومن الظن الخاطئ ما تخطه بعض الأقلام من أن هذه العلوم المادية قد تشد أزر الإلحاد، وتجعله يظهر على دين كدين الإسلام؛ فإن النظر الصحيح في هذه العلوم لم يأت بما يؤازر الإلحاد، وليس في نصوص الدين الإسلامي

стр. 2309

وأصوله ما يتعارض مع العلم الصحيح حتى يستطيع الإلحاد أن يتخذ منه قوة، وإنما الآراء التي تدفعها الحجة قد تقع في يد من لا يحسن نقدها، ولا يميز رأسها من عقبها، فيعارض بها آية من كتاب الله، أو حديثاً صح عن رسول الله ﷺ ، ويذهب في الحيرة أو الضلالة إلى مكان بعيد. وقد تكون آفة الرجل من عدم تفقهه في الدين، وتخيله أن معنى الآية أو الحديث يخالف ما أثبته العلم الصحيح. فبلاء أبناء المسلمين الآن من أحد رجلين: رجل يتعلق بآراء المنتمين إلى الفلسفة، لا يفرق بين جيدها وزائها، حتى إذا لقي في الدين ما لا يوافق تلك الآراء الزائفة، خالطه الريب أو الجحود، ورجل يدرس الفلسفة، ولكنه لم يدرس الدين في طمأنينة، ولم يبحث في حقائقه بنظر فاصل، فيتوهم أن بعض نصوص الدين أو أصوله لا يطابق المعقول. ماذا يكون مبلغنا من الحكمة إذا لم نزن آراء علماء الغرب بالقسطاس المستقيم، ولم نفرق بين ما ينبني على علم أصيل، وما يقولونه على وجه الفرض، أو يتعلقون فيه بشبه واهية، وعمدنا إلى كل نص يظهر لنا أنه مخالف لرأي من آراء أولئك العلماء، فنذهب في تأويله إلى معنى يطابق ذلك الرأي، حتى إذا انكشف الحق، وظهر للملأ أن ذلك الرأي خيال في خيال، عدنا إلى ذلك التأويل، فمحوناه بايدينا، وكذلك يفعل من يستهويه كل ناعق، ويفتنه كل جديد. لم يخلص الدين من مبتدعة أو زنادقة افتروا عليه مزاعم باطلة، وذهبوا في تاويله مذاهب فاسدة، وقد قام علماء الشريعة الذين يردون منابعها العالية، فبينوا بطلان تلك المزاعم، وفساد تلك المذاهب، فما كان لأحد أن يأتي إلى

стр. 2310

أمثال هذه الأقذاء التي نفاها أهل العلم من قبل، ويتخذ منها شبهة على أن في الدين ما لا يقبله العقل، أو لا يرضى عنه العلم. فإنْ بدا لك أن في قسم العبادات ما لم يصل العقل إلى حكمته الخاصة، وهو ما يقول فيه بعض العلماء: هذا الأمر تعبُّدي، قلنا: معنى هذا: أن في الشريعة أحكاماً قد تخفى على العقل حكمتها المعينة، كما أنه لا يستطيع إنكارها إنكاراً يستند إلى وجه معقول، وهذا النوع - على قلّته في شريعة الإسلام- ليس بموضع خلاف بين الدين والعلم أو العقل، وإنما يرينا أن من أحكام الدين ما لا يدخل العقل في تفصيل حكمته، ولا في نفي حكمته، ولكن الآيات القائمات على أن الدين حق، هي الآيات البينات على أن هذه الأحكام مطوية على حكمة بالغة، وإن لم ندركها بوجه خاص، فإن الدين الحق لا يدعو إلا لما فيه خير ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].

стр. 2311

التربية الدينية والشباب (١) سادتي! نقلب النظر في الأيام الخالية، فنقف على وقائع تحدث عنها التاريخ بإعجاب، ذلك أنها كانت مظهر قوة الفكر، ومتانة العزم. ومن هذه الوقائع ما رفع أمة من خمول إلى نباهة، أو نقلها من استعباد إلى سيادة، فإذا تجاوزنا الوقائع إلى الأيدي التي هزتها وأطلقتها من عقالها، وجدناها أيدي الشباب الذين يشعرون فيعزمون، ويبصرون الخطر فلا يحجمون. فذلك أبو مسلم الخراساني نهض بالدعوة العباسية، وزلزل عرش الدولة الأموية، وهو ابن إحدى وعشرين سنة. وتولى محمد بن القاسم الثقفي قيادة جيش قاتل قبائل ثائرة، فأطفأ ثورتها وهو ابن سبع عشرة سنة، وقال فيه الشاعر: إن السماحة والمروءة والنَّدى ... لمحمد بن القاسم بن محمدِ قاد الجيوش لسبع عشرة حجةً ... يا قربَ ذلك سؤوداً من مولدِ وقد نبّه رسول الله ﷺ على أن الولايات منوطة بالكفاية، وأن الكفاية

стр. 2312

للعظائم قد تتحقق في الشباب، فولى أسامة بن زيد جيشاً تخفق رايته على أمثال أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، ولم يتجاوز أسامة يومئذ الثامنة عشرة من عمره. ففي الشباب نفوس قريبة من الخير، وهمم لا ترضى من المجد إلا باللباب، فإذا توجه الشباب إلى غايات خطيرة، وساروا في طرق قويمة، فما للأمة إلا أن ترفع رأسها عزّة، وما لخصومها إلا أن يتقوا بأسها، ويجنحوا لسلمها. ومن أين لنا أن يتوجه شبابنا إلى السيادة لا يبغي بها بدلا؟ وإذا توجهوا إليها، فمن أين لنا أن يسيروا إليها في أقوم الطرق وآمنها؟ ذلك ما يجب علينا أن نفكر فيه بجد، ونبذل في سبيله كل جهد. نعم! ذهبنا بالفكر في كل مذهب، ورجعنا إلى التاريخ والتجارب، فلم ندع بعيداً إلا دنونا منه، ولا شافياً إلا كشفنا غطاءه، فلم نر لشبابنا سيرة تجعلهم خير شباب أخرج للناس، إلا أن نراهم يستنيرون بهدى الله، ويتنافسون في التجمل بآداب شريعته الغرّاء: أدب الفتى في أن يُرى متمسكاً ... بأوامرٍ من ربّه ونواهي إن الدين ليهدي للتي هي أقوم! يطبع النفوس على الأخلاق السمحة الكريمة؛ ويضع أمامها موازين تستبين به الرشد من الغي، ويريها كيف تحيا الحياة الزاهرة المطمئنة. فإذا تلقن شبابنا حقائق الدين نقية من كل بدعة، وابتهجت نفوسهم بحكمته ابتهاج البلد الطيب بالغيث النافع، فقد أعددنا للخوض في غمار

стр. 2313

الحياة رجالاً لا يكتفون بالخُطب تلقى على المنابر، ولا بالمقالات تحرر على المكاتب، بل يعلمون فيقولون، ويقولون فيفعلون. وأراكَ تفعلُ ما تقولُ، وبعضُهم ... مذقُ اللسان يقولُ ما لايفعلُ إن الإيمان ليملأ القلوب إجلالاً للواحد الخلّاق، ومَنْ أجلَّ مقامَ خالقه، صغر في عينه كل جبار مخلوق، ومن الأمراض التي تأكل من كرامة الأمم أكلاً ذريعا، وترمي بالمهانة في أوطانها: أن ترهب سطوة المخلوق رهبة تمنعها من أن تقول في صدق، أو تعمل في حكمة. فحقيق بشبابنا أن يكون الإيمان الصادق رائدهم، فإنا لا نرى من ضعيف الإيمان عملاً إلا أن يكون مخلوطا برياءة ولا نرى له من سيرة إلا أن تنحرف إلى الشمال مرة، وتتأخر إلى الخلف مرة أخرى. وإذا كان في الأنابيبِ حيفٌ ... وقعَ الطيشُ في صدورِ الصِّعادِ وإذا قيل: إن الذمم تباع وتشترى، فإن ذمم المؤمنين الصادقين، لا يملك ثمنها إلا رب العالمين. كنا رأينا من بعض شبابنا انحرافاً عن الرشد، فخشينا أن تسري عدوى هذا الانحراف إلى سائر الشباب، فتصبح مصر - وهي زعيمة الأقطار الشرقية - مبعث الجحود والإباحية، ولكنا لم نلبث أن رأينا شباباً في المدارس العالية يحرصون على تلقي دروس علوم الدين، ويتبينون أحكامه وآدابه، ويتصلون بالجمعيات الإسلامية، بل أقول: إن للشباب الفضل في إنشاء هذه الجمعيات، أو المؤازرة على نهوضها. والواقع أن ما قام به بعض العاملين من دعوة الشباب إلى الدين، قد أتى بثمر على قدر الجهاد الذي بذل في هذا السبيل.

стр. 2314

فمتى اتسعت دائرة هذا الجهاد، وكثر العاملون في صفوفه من رجال العلم، ووجه أولو الشأن عنايتهم للتربية الدينية أكثر مما وجهوا، متى تحقق هذا الأمل - ولا أراه إلا متحققاً -، أدركنا ما نبتغي من شرف وقوة، وفزنا بحياة آمنة المسالك، محمودة العواقب، ذلك وعد الله، والله لا يخلف الميعاد.

стр. 2315

التعليم الديني في مدارس الحكومة (١) يشعر كل من يطلع على ما ينشر في الصحف، أو يشهد مجالس طوائف من الناس مختلفة: أن انحرافاً غريباً طرأ على الأخلاق، وأخذ يدب في نفوس النشء دبيب السم الناقع في جسم اللسيع، ويمتاز هذا الانحراف بأنه ناشئ عن زيغ العقيدة، لا عن مجرد الأهواء الغالبة. وزيغ العقيدة مصدر الأخلاق المرذولة في كل حين، إلا أن الدعاية إلى القبائح - فيما مضى - لم تبلغ في علانيتها ما بلغته اليوم، ألم يبلغ الحال أن يكتب الكاتب، أو يخطب الخطيب داعياً إلى ما يمزق رداء العفاف والكرامة، مخادعاً الشباب باسم الحرية، أو الفن الجميل؟ ولا جمال إلا مع الفضيلة، ولا حرية إلا لمن يلقى الناس بعرض سليم. والانحراف الناشئ عن زيغ العقيدة أصعبُ علاجاً من الانحراف الناشئ عن طغيان الشهوة؛ فإن زائغ العقيدة يستهين ببعض محاسن الآداب؛ بزعم أنها ليست من الحسن في شيء، ويخرج عن حدود المكارم؛ بدعوى أن هذه الحدود رسمت على غير حكمة. والمغلوب للشهوة وحدها قد ينصرف عن الحسنة معترفاً بأنه أقبل على سيئة، وينتهك حرمة الحق غير منازع في أنه ارتكب جريمة، وإذا احتجت
следующие страницы →