التربية الدينية والشباب (١)
سادتي! نقلب النظر في الأيام الخالية، فنقف على وقائع تحدث عنها التاريخ بإعجاب، ذلك أنها كانت مظهر قوة الفكر، ومتانة العزم.
ومن هذه الوقائع ما رفع أمة من خمول إلى نباهة، أو نقلها من استعباد إلى سيادة، فإذا تجاوزنا الوقائع إلى الأيدي التي هزتها وأطلقتها من عقالها، وجدناها أيدي الشباب الذين يشعرون فيعزمون، ويبصرون الخطر فلا يحجمون.
فذلك أبو مسلم الخراساني نهض بالدعوة العباسية، وزلزل عرش الدولة الأموية، وهو ابن إحدى وعشرين سنة.
وتولى محمد بن القاسم الثقفي قيادة جيش قاتل قبائل ثائرة، فأطفأ ثورتها وهو ابن سبع عشرة سنة، وقال فيه الشاعر:
إن السماحة والمروءة والنَّدى ... لمحمد بن القاسم بن محمدِ
قاد الجيوش لسبع عشرة حجةً ... يا قربَ ذلك سؤوداً من مولدِ
وقد نبّه رسول الله ﷺ على أن الولايات منوطة بالكفاية، وأن الكفاية
стр. 2312
للعظائم قد تتحقق في الشباب، فولى أسامة بن زيد جيشاً تخفق رايته على أمثال أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، ولم يتجاوز أسامة يومئذ الثامنة عشرة من عمره.
ففي الشباب نفوس قريبة من الخير، وهمم لا ترضى من المجد إلا باللباب، فإذا توجه الشباب إلى غايات خطيرة، وساروا في طرق قويمة، فما للأمة إلا أن ترفع رأسها عزّة، وما لخصومها إلا أن يتقوا بأسها، ويجنحوا لسلمها.
ومن أين لنا أن يتوجه شبابنا إلى السيادة لا يبغي بها بدلا؟ وإذا توجهوا إليها، فمن أين لنا أن يسيروا إليها في أقوم الطرق وآمنها؟
ذلك ما يجب علينا أن نفكر فيه بجد، ونبذل في سبيله كل جهد. نعم!
ذهبنا بالفكر في كل مذهب، ورجعنا إلى التاريخ والتجارب، فلم ندع بعيداً إلا دنونا منه، ولا شافياً إلا كشفنا غطاءه، فلم نر لشبابنا سيرة تجعلهم خير شباب أخرج للناس، إلا أن نراهم يستنيرون بهدى الله، ويتنافسون في التجمل بآداب شريعته الغرّاء:
أدب الفتى في أن يُرى متمسكاً ... بأوامرٍ من ربّه ونواهي
إن الدين ليهدي للتي هي أقوم!
يطبع النفوس على الأخلاق السمحة الكريمة؛ ويضع أمامها موازين تستبين به الرشد من الغي، ويريها كيف تحيا الحياة الزاهرة المطمئنة.
فإذا تلقن شبابنا حقائق الدين نقية من كل بدعة، وابتهجت نفوسهم بحكمته ابتهاج البلد الطيب بالغيث النافع، فقد أعددنا للخوض في غمار
стр. 2313
الحياة رجالاً لا يكتفون بالخُطب تلقى على المنابر، ولا بالمقالات تحرر على المكاتب، بل يعلمون فيقولون، ويقولون فيفعلون.
وأراكَ تفعلُ ما تقولُ، وبعضُهم ... مذقُ اللسان يقولُ ما لايفعلُ
إن الإيمان ليملأ القلوب إجلالاً للواحد الخلّاق، ومَنْ أجلَّ مقامَ خالقه، صغر في عينه كل جبار مخلوق، ومن الأمراض التي تأكل من كرامة الأمم أكلاً ذريعا، وترمي بالمهانة في أوطانها: أن ترهب سطوة المخلوق رهبة تمنعها من أن تقول في صدق، أو تعمل في حكمة.
فحقيق بشبابنا أن يكون الإيمان الصادق رائدهم، فإنا لا نرى من ضعيف الإيمان عملاً إلا أن يكون مخلوطا برياءة ولا نرى له من سيرة إلا أن تنحرف إلى الشمال مرة، وتتأخر إلى الخلف مرة أخرى.
وإذا كان في الأنابيبِ حيفٌ ... وقعَ الطيشُ في صدورِ الصِّعادِ
وإذا قيل: إن الذمم تباع وتشترى، فإن ذمم المؤمنين الصادقين، لا يملك ثمنها إلا رب العالمين.
كنا رأينا من بعض شبابنا انحرافاً عن الرشد، فخشينا أن تسري عدوى هذا الانحراف إلى سائر الشباب، فتصبح مصر - وهي زعيمة الأقطار الشرقية - مبعث الجحود والإباحية، ولكنا لم نلبث أن رأينا شباباً في المدارس العالية يحرصون على تلقي دروس علوم الدين، ويتبينون أحكامه وآدابه، ويتصلون بالجمعيات الإسلامية، بل أقول: إن للشباب الفضل في إنشاء هذه الجمعيات، أو المؤازرة على نهوضها.
والواقع أن ما قام به بعض العاملين من دعوة الشباب إلى الدين، قد أتى بثمر على قدر الجهاد الذي بذل في هذا السبيل.
стр. 2314
فمتى اتسعت دائرة هذا الجهاد، وكثر العاملون في صفوفه من رجال العلم، ووجه أولو الشأن عنايتهم للتربية الدينية أكثر مما وجهوا، متى تحقق هذا الأمل - ولا أراه إلا متحققاً -، أدركنا ما نبتغي من شرف وقوة، وفزنا بحياة آمنة المسالك، محمودة العواقب، ذلك وعد الله، والله لا يخلف الميعاد.
стр. 2315
التعليم الديني في مدارس الحكومة (١)
يشعر كل من يطلع على ما ينشر في الصحف، أو يشهد مجالس طوائف من الناس مختلفة: أن انحرافاً غريباً طرأ على الأخلاق، وأخذ يدب في نفوس النشء دبيب السم الناقع في جسم اللسيع، ويمتاز هذا الانحراف بأنه ناشئ عن زيغ العقيدة، لا عن مجرد الأهواء الغالبة. وزيغ العقيدة مصدر الأخلاق المرذولة في كل حين، إلا أن الدعاية إلى القبائح - فيما مضى - لم تبلغ في علانيتها ما بلغته اليوم، ألم يبلغ الحال أن يكتب الكاتب، أو يخطب الخطيب داعياً إلى ما يمزق رداء العفاف والكرامة، مخادعاً الشباب باسم الحرية، أو الفن الجميل؟ ولا جمال إلا مع الفضيلة، ولا حرية إلا لمن يلقى الناس بعرض سليم.
والانحراف الناشئ عن زيغ العقيدة أصعبُ علاجاً من الانحراف الناشئ عن طغيان الشهوة؛ فإن زائغ العقيدة يستهين ببعض محاسن الآداب؛ بزعم أنها ليست من الحسن في شيء، ويخرج عن حدود المكارم؛ بدعوى أن هذه الحدود رسمت على غير حكمة.
والمغلوب للشهوة وحدها قد ينصرف عن الحسنة معترفاً بأنه أقبل على سيئة، وينتهك حرمة الحق غير منازع في أنه ارتكب جريمة، وإذا احتجت
стр. 2316
في تهذيب أخلاق الزائغ إلى إصلاح عقيدته بالحجة، فإنه يكفيك في تقويم أخلاق المنحط في أهوائه شيء من الموعظة، وتاثير الموعظة في زجر من يعرف الحق حقاً، والباطل باطلاً، أيسرُ من تأثير الحجة فيمن يبصر الباطل حقاً، أو الحق باطلاً.
وقد يندى جبين المغلوب لأهوائه إذا أنبّته، ويعرف لك فضل النصيحة إذا ذكّرته، أما زائغ العقيدة، فإنه يحمل بين حاجبيه وناصيته ما هو أشد قسوة من الحجارة، ويرى إرشادك له لغواً في القول، فلا يعيرك فؤاداً صاغياً إلا أن تبقى فيه للإنصاف وحرية النظر بقية.
ولا مرية في أن انحراف الزائغين أظهر فساداً، وأشد فتنة من انحراف الشاعرين بقبح ما يفعلون؛ فإن الزائغ يندفع فيما لا يليق إلا أن يرهب قانوناً حازماً؛ ولا يبالي أن يبصر به من لا يملك للقانون نفاذاً، أما الشاعر بقبح ما سيفعل، فشأنه أن يجتهد في التستر عن أعين الناس- حتى في حال أمنه- من أن يناله القانون بأذى، فإذا قست الجاحد بأمثاله في التعلم أو الأمية، وجدت لخروجه عن مكارم الأخلاق مواطن أكثر، ومشاهد أظهر؛ فتكون جنايته في الناس أكبر وأفظع، فلا شبهة في أن إصلاح العقائد أساس لتهذيب الأخلاق، وأن الأخلاق الكريمة لا تستقيم إلا على العقيدة السليمة.
لم يتفشّ زيغ العقيدة فيما سلف تفشيه اليوم؛ لأن وسائل ساعدت على سريان وبائه لم توجد قبل، وأمهات هذه الوسائل ثلاثة أمور:
أحدها: هذه المدارس التي يفتحها الأجانب في أوطاننا باسم العلم، ويغفل بعض المسلمين عن سريرتها، فتأخذهم بمظاهرها، حتى يسلموا أطفالهم - وهم على الفطرة - إلى من يصبغ هذه الفطر بسواد، وينزع منها
стр. 2317
روح الأدب الذي يجعلهم أولياء لعشيرتهم، نصحاء لأمتهم.
ثانيها: تهاون بعض الآباء بواجب أبنائهم، إذ يرسلون الناشئ إلى معاهد العلم باوربا قبل أن يتلقن من علوم الدين ما يجعل عقيدته مطمئنة، فيلاقي في أثناء الدراسة هنالك، أو في بعض المحادثات شُبهاً لا يجد في نفسه من الحجج ما يدفعها، وإذا تواردت الشبه على الناشئ، رانت على قلبه، وأصبح يبصر وجه الحق أسود قاتما، فيعود إلى وطنه وهو يحمل لأبويه عقيدة أنهما في ضلال قديم، وذلك جزاء من يستهين بهدى الله، ولا يهمه إلا أن يكون لابنه مورد رزق واسع، أو منصب في أحد الدواوين.
ثالثها: أن كثيراً من الحكومات الإسلامية ضعف فيها روح الاعتزاز بالدين الحنيف، فاستباح واضعو برامج التعليم العام في مدارسها أن لا يضربوا لعلوم الدين بسهم، ومن يضرب لها، فبسهم لا يغني من جهل، والتعليم الذي يهضم فيه جانب العلوم الدينية، لا يرجى منه تهيئة نشء تتساقط عليهم الشبه فيطردونها، أو توسوس إليهم الشياطين فيستعيذون منها.
وإذا كان سوء الأخلاق الذي هو علة اختلال النظام، ينشأ من زيغ العقيدة تارة، ومن طغيان الشهوات تارة أخرى، فإن الإسلام دين ينير العقول بالحجة، ويهذب النفوس بالحكمة، ولكم أخرجت مدارسه، أو مجالس القوّامين على هدايته من رجال يلاقون الأسود فيصرعونها، ويجارون الرياح فيسبقونها، يخفضون أجنحتهم تواضعا للمستضعفين، ويرفعون رؤوسهم عزّة على الجبارين، تعترضهم الأخطار، فيخوضون غمارها، وتعتل قلوب أو عقول، فيضعون الدواء موضع عللها، عدلٌ كأنه القسطاس المستقيم، وسخاء كانه الغيث النافع العميم، وجدٌّ في طلب العلم وإن كان بمناط الثريا، وطموح
стр. 2318
إلى المعالي وإن انتبذت وراء الفلك الدّوار مكاناً قصياً، إلى ما يشاكل كل هذا من الخصال التي ترفع بعض الأمم على بعض درجات.
والأمة في حاجة إلى نشء ترتبط قلوبهم بالتعاطف، وتمتلئ صدورهم بالغيرة على حقوق الوطن، والإخلاص في كفاح من يروم اغتصابها، والدين يفجّر ينبوع التعاطف، ويجعل الغيرة على الحقوق حامية، ويبعث في النفوس إخلاصاً يأبى لها أن تتخذ من المنافع الخاصة غرضاً.
والتاريخ يملأ آذاننا بأسماء رجال أحرزوا بعلمهم الزاخر مكانة تكفيهم لأن يعيشوا بين الناس في هناءة وإجلال، ولكن ما يبذره الدين في نفوسهم من غيرة وإخلاص يأبى لها أن يقضوا حياتهم بين جدران المدارس أو المساجد دون أن ينفقوا منها في تعرّف الشؤون العامة، والجهاد في نجاة الأمة قسطاً وافراً، ولو أخذنا نضرب الأمثال على أن التعليم الديني يطبع النفوس على خصال الشرف، ويملؤها همماً لا تقف عند حد، وغيرة لا تلهو عن حق، لملأنا صحفاً كثيرة أو أسفاراً، ولكن المقام للتذكرة، ومن مقامات التذكرة ما يغني فيه الإيجاز عن الإسهاب.
وإذا رأينا في بعض المتلقين لعلوم الدين عوجاً، فتلك سنّة الله في الخليقة أن لا تخلص الطوائف الكثيرة من أفراد يشربون بكأسها، ويظهرون في زيها، ثم هم يشذون عنها، ويسيرون في غير وجهتها؛ لعوارض تجد في نفوسهم من الاستعداد للهو أكثر من الاستعداد للجد، ويكفي شاهداً على استقامة الطريق: أن يبلغ أكثر سالكيه غاية الفلاح، فإن قعد في منتصفه ذو همة خامدة، أو التوى عنه ذو هوى غالب، فالطريق لا يزال طريق رشد وفلاح، والوزر على رقبة من قعد في منتصفه لاهياً، أو التوى عنه قبل أن يدرك من
стр. 2319
الاهتداء به حظاً كافياً.
فسماحة الدين، وما له من الأثر الخطير في إعداد أمة روحها البطولة، وزينتها التقوى، وغايتها السيادة، من أشد ما يبعث أولي الأمر منا على أن يضعوا علوم الدين بالمكانة العليا، ويقرروا لها في جميع المدارس، وفي كل سني الدراسة ما فيه الكفاية.
ومما يقضي عليهم بأن يعنوا بها عناية ضافية: أن الأمة مسلمة، والأمة المسلمة لا ترضى إلا أن يكون أبناؤها مطمئنين بحجج الدين الحنيف، سائرين في ضوء حكمته الغراء، فمن سلك في تعليم أبنائها طريقاً لا يأتي بهم على هذه الحجج، ولا يدخل بهم في نهار من ضوء هذه الحكمة، فقد تصرف في شؤونها تصرف من لا يرعى ذمتها، ولا يحترم وكالته على أمرها، وإذا وجد في الناس من لا يؤلمه أن يكون ولده في ظلام من الغي، فامثال هؤلاء - على قلتهم - طائفة استهواهم زخرف الحياة غروراً، ولم يهتدوا إلى خير أبنائهم سبيلاً، وما كان للحكومة الرشيدة إلا أن تقيم سياستها على رعاية ما فيه خير النشء، وما يرتضيه أهل العلم والعقل، ويكون قسط تلك الطائفة من هذه السياسة تقويم عوجهم، وإصلاح ما فسد من أخلاقهم، وإذا أهملت التعليم الديني حكومة باض الإلحاد في أدمغة رؤسائها وفرخ، فأعلنوا فسوقهم عن الدين في غير استحياء؛ فإن حكومة يكون على رأسها ملك يعتز عرشه الرفيع بعزة الدين الحنيف، وينص في دستورها على أن دينها الرسمي الإسلام، لجديرة بان يكون للتعليم الديني في مدارسها شأن لا يقل عن شأن غيره من العلوم النافعة في الحياة.
ولا يكفي في تعليم الدين أن تكون له جامعة كالأزهر، وما يتصل به
стр. 2320
من معاهد؛ فإن قصره على الأزهر والمعاهد الدينية يجعل تربيته العالية في طائفة من الناس خاصة، والخير في أن تكون روح الدين سارية في نفوس الأمة قاطبة، وبثها في جميع الأفراد مدعاة إلى الائتلاف والاتحاد الذي هو أساس كل نهضة، وكل عمل اجتماعي يقام على غير هذا الأساس، فمنقلب إلى فساد.
ولو كان التعليم الديني آخذاً حقه في جميع مدارسنا، لم ير الناس ما يرونه من التجافي بين أفراد نشؤوا في مدارس دينية، وآخرين نشؤوا في مدارس ليس للدين فيها من نصيب، ولا منشأ لهذا التجافي إلا بُعد النشأتين، وإدخال العلوم الحديثة في المعاهد الدينية يذهب بجانب هذا التجافي، فإذا عنيت وزارة المعارف بدراسة علوم الدين درساً جدياً، اتحد أبناؤنا في أصل التربية، فيكون فضل المعاهد الدينية والمدارس الرسمية على الشرق في إخراجهما نشئاً يتقارب شعورهم، وتتدانى عواطفهم، فيتسابقون إلى أعباء الحياة بكواهل متساوية، ويرمون في وجوه العظائم عن قوس واحدة.
لا يغيب عنا أن في بعض الأمم التي لا تعني وزارات معارفها بدرس علوم الدين شيئاً من كمال أو قوة، ونقول مع هذا: إن الأمم التي يقوم تعليمها على روح دينية قوية تبلغ من العظمة ما لا تبلغه أمة تساويها في غير هذه الروح من وسائل الحياة.
فإذا تقدمت فرنسا - مثلاً - على بعض الشعوب الشرقية، وكانت أبسط منه سلطاناً وأنعم بالاً، فإنما فضلته بالقوة المادية، ثم بجانب من الأخلاق التي ينتظم بها شأن الاجتماع في بلادها، ويجعلها قوية أمام خصومها، ولو جاراها ذلك الشعب الشرقي في وسائل الحياة المادية، واستنار في تقويم
стр. 2321
أخلاقه بحكمة الدين، لكان أسعد منها حالاً، وأرسخ في السيادة قدماً، وأعلى يوم ينادي المنادي علماً.
وليس في إعطاء علوم الدين بمدارس الحكومة حقها ما يجحف بحق دراسة العلوم الأخرى؛ لأنا لا نرجو من وزارة المعارف أن تغذي التلاميذ من علوم الدين بمقدار ما يتغذى به طلاب العلم بالمعاهد الدينية، وإنما نرجو منها أن تقرر من هذه العلوم ما يستنير به التلميذ في كل سنة من سني الدراسة، وتجعله مادة أساسية في امتحاني النقل والشهادة، وأن تسن لهذه العلوم مناهج حكيمة، ولا تغمض عن كفاية من تعهد إليهم بتدريسها.
وقد دلنا التاريخ والمشاهدات على أن وزارات المعارف في بعض الشعوب الإسلامية، قد تستخف بالتعليم الديني متى ألقي أمرها إلى من نشأ في غفلة عن آداب الدين، وقصر في السياسة شأوه، فليس له بصيرة يحس بها فضل الدين ومحاسنه، ولا بعدُ نظر في السياسة يفقه به أن خير ما تتألف به الأمم الإسلامية رعاية دينها، وجعله روحاً في تربية أبنائها، ومن أشد ما تبلى به المصالح العامة أن يصرفها من لا يدري كنهها، ولا يتدبر العواقب في تصريفها، وإذا انتهز أولئك الخاطئون غفلة الأمة فرصة لاهتضام حق التعليم والتربية، فإنها اليوم في يقظة تميز بها المهوشين من المصلحين، فتقابل المهوش بامتعاض وتنديد، وتلاقي المصلح بإقبال وتأييد، ورجاؤنا في حضرة صاحب المعالي وزير المعارف أن يكون الرجل الذي يؤثر إقبال الأمة على امتعاضها، وتأييدها على تنديدها، بل صلاحها على فسادها، وسعادتها على شقوتها؛ فيوفي للتعليم الديني حقه، حتى تصبح مدارسنا منبع العلم، ومطلع الهداية.
ومن فائدة الشرق: أن تكون له عاصمة تلتقي فيها آراء المصلحين،
стр. 2322
ويتدفق منها الشعور السامي إلى سائر الأقطار. وموقع مصر في البلاد يستدعي أن تكون مصر هي ملتقى تلك الآراء، ومصدر ذلك الشعور؛ ولا يكفيها لهذه الزعامة أنهارها التي تجري من تحتها، والعلوم والفنون المالئة ما بين جوانبها، وإنما تحن لها القلوب، وتمتلئ بمهابتها العيون، إذا أضافت إلى هذه الأنهار والمدارس تربية دينية عامة، حتى يقول كل زائر لها فاضل - مثل ما قال العلامة أبو عبد المقري - حين زارها، وعاد إلى المغرب في أثناء المئة الثامنة: "من لم ير مصر، لم ير عز الإسلام".
стр. 2323
العلماء وأولو الأمر (١)
يقصد الإسلام لأن يخرج للناس أمة تُجفها القلوب، وتهابها العيون، وإنما تجلها القلوب وتهابها العيون على قدر اعتصامها بهدى الله، وعلى قدر ما تأخذ به من مظاهر القوة والمنعة.
ولا تعتصم الأمة بهدى الله، ولا تظهر في قوة ومنعة، إلا أن يقيض الله لها علماء يملأ الخوف من الله قلوبهم، حتى لا يدع فيها للخوف من مخلوق مثقال ذرة، وتظفر مع هذا بولاة يحرصون على أن يقيموا العدل، ويستقيموا على طريق الرشد كثرَ من حرصهم على ما تشتهي أنفسهم، وتلذ أعينهم من متاع هذه الحياة.
لهذا عني الإسلام بأن يكون في الأمة علماء لا يكتمون عن أحد نصائحهم، وأمراء يحبون أن يسمعوا كلمة الحق تتردد في مجالسهم.
والتاريخ الصادق يحدثنا أن بلاد الإسلام قد حظيت بعلماء يزهدون في زهرة الحياة الدنيا، ويبيعونها بكلمة حق يقولونها ابتغاء أن يكون لها في إصلاح حال السلطان أثر كبير أو صغير.
وحظيت برؤساء يرتاحون لوعظ العالم الأمين، ويسيغونه إساغة الظمآن
стр. 2324
للماء القراح. وبمثل هؤلاء العلماء والأمراء تسعد الأمة، ويعظم شأن الدولة.
والتاريخ الصادق قد حدثنا أيضاً: أن في أهل العلم مَنْ فتنته الدنيا بزخرفها، فانطلق يجري وراءها، لا يرعى للحق عهداً، ولا لجانب الله حرمة. وحدثنا: أن في الرؤساء من يكون نصيب اللهو والانهماك في الشهوات منه أكثرَ من نصيب الجد والرشد.
وإذا حدثنا التاريخ عن أمة ذلّت بعد عزة، أو دولة سقطت بعد قوة، فتبعة ذلك الذل أو السقوط ملقاة على رقاب أولئك العلماء الذين لا ينصحون، أو الرؤساء الذين لا يحبون الناصحين.
نلقي نظرة على تراجم العلماء، فنجد حالهم مع الأمراء يجعلهم على ثلاثة أصناف:
أولهم: عالم يضع نصب عينه رضا الله، ويهمه أن يسير أولو الأمر في الناس على استقامة، فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر بمرأى ومسمع منهم، غير مبال بأن يقع أمره أو نهيه لديهم موقع الرضا والقبول، أو موقع الكراهية والإِعراض عنه.
قيل لمالك: إنك تدخل على السلطان وهو يظلم أو يجور؟ فقال: يرحمك الله، فأين يكون الكلام في الحق؟!.
والعلماء الذين يقومون بواجب النصيحة للأمراء يختلفون في أساليب وعظهم، فمنهم من يسلك طريق الصراحة، ويشافه الأمير بإنكار ما يريد إنكاره على وجه التعيين؛ حيث يرى أن طريق التصريح والتعيين أبلغ وأقرب إلى نجاح الدعوة.
كان السلطان سليم أمر بقتل مئة وخمسين رجلاً من حفّاظ الخزائن،
стр. 2325
فبلغ ذلك الشيخ علاء الدين الجمالي، فدخل على السلطان وقال له: وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان، وهؤلاء الرجال لا يجوز قتلهم شرعاً، فعليك بالعفو عنهم. فغضب السلطان سليم، وقال للشيخ: إنك تتعرض لأمر السلطنة، وليس ذلك من وظيفتك. فقال: لا، بل أتعرض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي، فإن عفوت، فلك النجاة، وإلا، فعليك عقاب عظيم، فانكسرت سورة الغضب في نفس السلطان، وعفا عن أولئك الرجال الذين كان قد أمر بقتلهم.
ومن العلماء الحكماء من يسلك في وعظ الأمراء طريقاً غير صريح؛ إذ يراه كافياً في إبلاغ النصيحة. قدم الشيخ أبو بكر بن سيد الناس حاضرة تونس في عهد المنتصر بالله، ولما دخل على الأمير، أمره أن يقرأ بين يديه آية من القرآن، فقرأ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فاستحسن المنتصر قراءته وقصده، وكان ذلك سبب حظوته، ورفعة منزلته عنده.
ومن العلماء من يأخذ في نصح الأمراء بالعزيمة، ويوطن نفسه على احتمال كل ما يمكن أن يلاقيه من أذى. وقد صبر رجال من كبار أهل العلم أيام فتنة القول بخلق القرآن، على ما أصابهم في الدين من أذى، واحتملوا أشد العذاب، مثل: نعيم بن حميد الذي توفى في سجن الواثق، وأحمد بن نصر الخزاعي الذي قتل في عهد الواثق، وأحمد بن حنبل الذي سجن وضرب في عهد المعتصم، ومثل أبي يعقوب البويطي الذي حمل مقيداً من مصر إلى العراق، حتى مات في أقياده.
ومن العلماء من يرى أن له فيما يلحقه من الأذى عذراً في السكوت
стр. 2326
وعدم التعرض للسلطان بأمر أو نهي. ويصح أن يقال: إن هؤلاء قد أخذوا بالرخصة، وليس لهم من قوة الصبر على الأذى ما يحملهم على أن يأخذوا بالعزيمة، ويجاهروا بالدعوة إلى حق أو إصلاح.
وإذا جاز للعالم أن يسكت عن الأمر أو النهي اتقاء لأذى لا طاقة له به، فليس له أن يكتم الحق بمجرد الخوف من أن يجفوه السلطان، أو يبعده من مجلسه، أو يحرمه من ولاية منصب.
ثانيهم: عالم يذهب مذهب العزلة والبعد من ساحات الأمراء؛ حتى لا يقف بين يدي ذي نخوة وتعاظم، ومن هؤلاء من يقول:
إنْ صحبنا الملوكَ تاهوا علينا ... واستخفّوا كبراً بحق الجليسِ
فلزمنا البيوت نستخرج العلـ ... ـم ونملا به بطونَ الطروس
وملاقاة النخوة والتعاظم ليست عذراً يبيح للعالم القعود عن إسماع الأمراء النصيحة، فقد دخل موسى ﵇ على فرعون ليدعوه إلى الحق، وكان فرعون متكبّراً جبّاراً.
وقد يبتعد العالم عن الأمراء الذين لا يعنون بتنقية ساحتهم من أقذاء المنكرات؛ كراهة أن يشاهد منكراً، وقد يكون هذا الابتعاد حكمة متى عرف العالم أنه لا يستطيع النصح بإزالة ذلك المنكر، وأنه لا يجتني من رؤيته إلا حسرة وأسفاً.
وقد يكون الاقتراب خيراً من الابتعاد، متى قصد بالاقتراب إيصال النصيحة إليهم، عسى أن تجد أذناً واعية، أو نفساً زاكية، وكان أبو الحسن الأشعري يقصد إلى مجالس المعتزلة ليناظرهم، ويقول: هم أولو رياسة، منهم الوالي والقاضي، ولرياستهم لا ينزلون إليّ، فإذا لم أسر إليهم، فكيف
стр. 2327
يظهر الحق، ويعلمون أن لأهل السنّة ناصراً بالحجة؟.
ثالثهم: عالم يتردد على ساحة الأمراء، ويميل مع أهوائهم، وربما بلغ به الإغراق في ابتغاء مرضاتهم: أن يحرف أحكام الله عن مواضعها، ومثل هذا الصنف من العلماء لا يرجى منهم أن يبسطوا ألسنتهم إلى السلطان بنصيحة.
ولهذا الصنف جنايات على الدين، وعلى الأمة، وعلى الأمراء نفسهم.
أما جنايتهم على الدين، فلأنهم يختلقون أحكاما يلصقونها بالدين، وليست من الدين.
وأما جنايتهم على الأمة، فلأنهم يسهلون على الولاة السير بالسياسة في طريقة عمياء.
وأما جنايتهم على الأمراء أنفسهم، فلأن الأمة إنما تفتح صدورها لمحبة أمرائها، وتبذل لهم حسن الطاعة من جميع أفئدتها، متى ساروا في رشد، وساسوا الناس بقوانين العدل.
ونحن نعلم أن العصور تتغير، وأن مقتضياتها تختلف، ولكن الحق هو الحق، والكرامة هي الكرامة، فلا يأتي عصر يفقد فيه الحق جلاله، ولا يأتي عصر يبيح للعالم أن يداهن السلطان، ولا أن يغمض عن شيء من كرامته، وإنما هي التربية الدينية الصحيحة تُري العالم وجه الحق مشرقاً، فلا يرضى إلا أن يحميه بيده، أو لسانه، وتريه منزلته شامخة الذرى، فيابى أن ينزل عنها، ولو وضعت الشمس في يمينه، والقمر في يساره.
يحدثنا التاريخ القديم: أن بعض المنتمين إلى العلم كانوا يتملقون أولي الأمر من المسلمين، وقد يفتونهم بغير ما أنزل الله، ويحدثنا التاريخ غير القديم: أن من المنتمين إلى العلم من يتملق بعض المخالفين الغاصبين، ويرضى أن
стр. 2328
يكون جسراً يعبرون به إلى قضاء مآربهم التي يكيدون بها الإسلام والمسلمين.
وقد يسمّي هذا العالم تملقه للمخالفين الغاصبين: مداراة؛ ليقضي بعض حاجات شخصية، وربما زعم أنه يقضي بهذا التملق مصالح وطنية. والواقع: أن اتصال العالم بالمخالفين الظالمين، وهو يستطيع أن لا يتصل بهم، وصمةٌ في عرضه لا يغسلها ماء، وجناية على الدين خاصة، وعلى الأمة عامة.
أما أنه وصمة في عرض ذلك العالم، فلما عرف من أن المخالف الغاصب لا يُقبل بوجهه، ولا يضع يد الصداقة إلا في يد من اختبر سرائرهم، ووثق من إخلاصهم له.
وأما أنه جناية على الدين فلأن ذلك الاتصال الآخذ اسم الصداقة خروج عن الدين الذي ينهى عن موادة أعدائه.
وأما أنه جناية على الأمة عامة، فلأن هذا العالم لا يتحامى أن يرضي أولئك المتغلبين المخالفين بالمساعدة على أعمال يفسدون بها على الأمة أمر دينهم أو دنياهم.
ونلقي بعد هذا نظرة في حال الأمراء مع العلماء الذين يجاهرونهم بالنصيحة، أو يؤثرون الحق على أهواء الأمراء، فنجدهم ثلاثة أصناف:
أولهم: أمير تلقى إليه النصيحة، فيأخذه التعاظم بالإثم، ويقابل الناصحين بوعيد، أو بعقوبة المجرمين.
وقد يدعو بعض الأمراء بعض العلماء إلى حرام، فلا يجيبه إلى ذلك، فيناله بالعقوبة، ويتلقاها العالم بصبر جميل.
دعا أحمد بن طولون القاضي بكّار بن قتيبة لخلع الموفق من ولاية العهد
стр. 2329
للخلافة، فامتنع، فحبسه، وما زال يكرر عليه القول، وهو لا يجيبه إلى ذلك، حتى مرض ابن طولون، وأمر بنقل بكار من السجن إلى دار اكتريت له.
ثانيهم: أمير يجد في صدره الحرج من إسماعه الموعظة تأتي على غير ما يهوى، ولكنه يهاب مكان العالم، فلا يقابله بأذى.
استدعى أبو جعفر المنصور عبدالله بن طاوس بن كيسان، ومالك بن أنس، فلما دخلا عليه، أطرق ساعة، ثم التفت إلى ابن طاوس، وقال له: حدثني عن أبيك، فقال: حدثني أبي: أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى في سلطانه، فأدخل عليه الجور في حكمه. فأمسك أبو جعفر ساعة. قال مالك: فضممت ثيابي خوفاً أن يصيبني دمه. ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة، قال ذلك ثلاث مرات، فلم يفعل، فقال له: لم لا تناولني؟ فقال: أخاف أن تكتب بها معصية، فاكون قد شاركتك فيها! فلما سمع ذلك، قال: قوما عني! قال: ذلك ما كنا نبغي! قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم.
ثالثهم: أمير تأخذه اليقظة وصفاء الفطرة إلى طاعة الحق، وشكر الدعاة إليه.
دخل عز الدين بن عبد السلام إلى السلطان أيوب نجم الدين، وقال له: ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أُبَوِّئ لك ملك مصر، ثم تبيح الخمور؟! فقال: هل جرى هذا؟ قال: نعم، الحانة الفلانية تباح فيها الخمور وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة! فقال: أنا ما علمته، ثم أمر السلطان بإبطال تلك الحانة.
ودخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك، فسأله الوليد عن حديث:
стр. 2330
"إن الله إذا استرعى عبداً الخلافة، كتب له الحسنات، ولم يكتب له السيئات"، فقال له: هذا كذب، ثم تلا: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]. الآية، فقال الوليد: إن الناس ليغروننا عن ديننا (١).
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، كتب إليه طاوس بن كيسان: "إن أردت أن يكون عملك كله خيراً، فاستعمل أهل الخير"، فقال عمر: كفى بها موعظة.
ومن الأمراء الذين كانوا يوسعون صدورهم لنصح العلماء: عبد الرحمن الناصرة فقد كان القاضي منذر بن سعيد يواجهه بإنكار ما يراه من أعماله منكراً؛ كخطبته التي ألقاها على مسمع منه في إنكاره عليه الإسراف في الإنفاق على بناء القصور وزخارفها. ومن مواقف منذر بن سعيد في هذا السبيل: دخوله على الناصر، ومخاطبته بالبيتين:
يا باني الزهراء مستغرقاً ... أوقاته فيها أما تمهل
لله ما أحسنَها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبل
ولم يزد الناصر على أن قال: إذا سقيت بماء الخشوع، وهب عليها نسيم التذكار، لا تذبل إن شاء الله.
ولقبول الأمراء لنصح العلماء فضل لا يقل عن فضل قيام العلماء بنصيحة الأمراء؛ فإن النفوس - ولاسيما الشاعرة بما لديها من قوة ومقدرة على البطش - شأنها النفور من أن تؤمر بمعروف، أن تنهى عن منكر، تتخيل أن ذلك الأمر أو النهي يتضمن نسبتها إلى الجهل، أو القصد إلى ارتكاب أمر قبيح، فإن
стр. 2331
تلقى الأمير نصيحة العالم الأمين، وأساغها على ما فيها من مرارة، دل ذلك على أنه يجل الحق، ويبتغي الخير، ويريد أن يفتح لحرية القول باباً طالما أغلقه المستبدون الظالمون. ولا تبلغ الأمم مراقي المنعة والسيادة إلا أن يكون باب الحرية مفتوحاً في وجوه الدعاة المصلحين.
يقدم العالم الأمين على نصح ذي السلطان غيرة على الحق، وحرصاً على أن يكون ذو السلطان كامل السيرة، طيب السمعة، وكثير من الأمراء من يفهم وعظ العلماء على هذا القصد، ويكون في نفسه نزعة إلى الاستقامة، فيتلقى الإرشاد بارتياح وشكر.
الأمراء المستقيمون يرتاحون لوعظ أهل العلم، ومنهم من يطلب من أتقياء العلماء أن يزودوه بالوعظ؛ كما كان عمر بن عبد العزيز وأمثاله يفعلون ذلك.
يعظ العلماء المستقيمون الأمراء، فيساعدونهم على أن يكونوا أمراء راشدين، ويستطيع الأمراء أن يلاقوا العلماء بما يساعدهم على أن يكونوا علماء مصلحين، وسبيل هذه المساعدة: أن يجلوا العلماء، ويفهموهم أنهم يجلونهم لعلمهم واستقامتهم، ثم إذا استفتوهم في واقعة، طلبوا منهم أن يبينوا لهم حكم الله الذي تدل عليه نصوص الشريعة أو أصولها دلالة تطمئن إليها النفوس، وإذا استبانوا أن عالماً فقد الخشية من الله، وأخذ يبتغي مرضاتهم بتحريف النصوص، اْو تلقط الأقوال الساقطة، عمّوه في جماعة المنافقين، وأشعروه بأن مثل هذا النفاق لا يزيده عندهم إلا حقارة، ثم كانوا منه على حذر.
وبمثل هذه السيرة يصل الأمير العادل إلى أن يرى المعاهد العلمية، والمحاكم الشرعية طافحة بعلماء تزدهر بهم مملكته ازدهار السماء بالكواكب النيرة.
стр. 2332
تعاون الدولة والأمّة على انتظام الأمن (١)
يطمح كل أحد إلى أن يحيا حياة طيبة، ولا حياة طيبة إلا مع ارتياح الضمير، وطمأنينة النفس، وإنما ترتاح الضمائر، وتطمئن النفوس عندما يكون الأمن الشامل ضارباً أطنابه في البلاد.
ونريد من الأمن: أن تسير الأمة في حياتها وهي آمنة على نفوسها ودينها وأعراضها وأموالها، وكل اعتداء على نفس أو دين أو عرض أو مال يعد خرقاً في سياج الأمن.
والمخل بالأمن أحد رجلين: رجل يباشر الأعمال المخلة بنفسه؛ كالقاتل، والقاذف، والغاصب، ورجل ينصب للأعمال المخلة وسائل، فتقع على غير يده؛ كالنمام، والمحرّض على الجناية، والمفتي إذا أفتى بجهالة، والقاضي إذا قضى بغير علم.
ويدخل في الاعتداء على النفوس: حال الطبيب الذي لا يفحص العليل بعناية وروية، فيخطئ في فهم الداء ووصف الدواء، فيقع العليل في موت، أو يصاب بآفة مزمنة.
ويدخل في الاعتداء على الدين: تحريف كلمة عن مواضعها، وحملها
стр. 2333
على غير ما يقصد منها.
ويدخل في الاعتداء على الأعراض: الطعن فيها بنحو الكنايات الجلية، وقد ذهب بعض أهل العلم؛ كمالك بن أنس إلى أن القاذف بالكناية المفهومة مستحق للعقوبة.
ويدخل في الاعتداء على الأموال: الرشوة؛ فإن لها شبهاً بالغصب؛ حيث تؤخذ من صاحبها وهو يبصر، وشبهاً بالسرقة؛ حيث تؤخذ على استخفاء من الناس، وإن شئت فقل: تزوج الغصب السرقة، فولدا الرشوة.
وللأمن الشامل وسائل يقوم عليها، وآثار يحمد من أجلها. والقصد من هذا الحديث: إلقاء نظرة على وسائل الأمن، وإتباع هذه النظرة بنظرة أخرى فيما يأتي به الأمن من خير وسعادة.
أعظم وسيلة لبسط ظلال الأمن في البلاد: التعليم المثمر، والتربية الصحيحة. فمتى انتشر التعليم بين الأمة، وأصبح كل فرد يدرك ما له من حقوق، وما عليه من واجبات، رأيت الرجل يبادر إلى أداء ما عليه من واجب، ولا يطالب غيره إلا بما هو حق له.
والتعليم الصحيح يرفع همّة الرجل من أن يتعرض لنقيصة، وإن من أنقص النقائص امتناعَ الإنسان من أن يقضي حقا حضر وقت قضائه، أو إطلاق يده إلى حق فرد أو جماعة، وانتزاعه بخدل أو بقوة، قال بشير بن عبيد الله: إياك والخصومات، فإنها تذهب بالمروءة.
والتعليم الصحيح يسمو بالرجل إلى منزلة من الشرف متى قدرها حقَّ قدرها، يأبى كل الإِباء أن يدنسها بعمل قد يساق من أجله إلى القضاء، أو إلى دار لا يساق إليها إلا المجرمون، ومن هنا نرى الجنايات تقل من طبقات
стр. 2334
المتعلمين، ولاسيما الطبقة الراقية منهم، وإذا صدر من متعلم اعتداء على نفس أو عرض أو مال، نظر الناس إلى هذا الاعتداء بتعجب، وتكون شدة تعجبهم على قدر منزلته من العلم.
والتربية الصحيحة تغرس في النفوس أخلاقاً وآداباً تجعلها بعيدة من أن يصدر عنها ما يمس الأمن العام بسوء: تغرس فيها الحلم والأمانة والسخاء، وإيثار طهارة العرض على الحطام الزائل.
قال الشاعر:
أقي العرض بالمال التلاد وما عسى ... أخوك إذا ما أُضيع العرض يشتري
وقال مهيار:
ومتى تسمع بقوم أعجفوا ... ليعزّوا فابغني فيهم تجدني
وكذلك ترى الرجل الذي نشأ في بيئة عفاف وكرم نفس يؤثر بقاء العرض على الشهوات؛ كما قال العجير السلولي:
يبين الجار حين يبين عني ... ولم تأنس إليّ كلاب جاري
وتظعن جارتي من جنب بيتي ... ولم تستر بستر من جوار
وتأمن أن أطالع حين آتي ... عليها وهي واضعة الخمار
كذلك كان آبائي قديماً ... توارثه النِّجار عن النجار
ويروى: أن عبد الملك بن مروان قال لمؤدب ولده: إذا روَّيتهم الشعر، فلا تروِّهم إلا مثل قول العجير السلولي: (يبين الجار حين يبين عني ... إلخ الأبيات).
وللتربية الدينية في ترقية النفوس، وتهذيب الأخلاق أثر أعظم من كل
стр. 2335
أثر، فإن التربية غير الدينية قد تضعف أمام كثير من الأهواء الطاغية، فلا تستطيع كبح جماحها، أما التربية الدينية فلديها من المتانة ما يطارد هذه الأهواء، وليس الذي يؤمن بأنه سيقف بين يدي علاّم الغيوب، ويحاسبه على ما يرتكبه من جنايات، ويجازيه عليه جزاء العادل الحكيم، مثل الذي لا يعرف زاجراً عن الجناية سوى أنها موضع لوم من يطلعون عليها، أو عقوبة من ترفع إليهم قضيتها.
ومما يعد في وسائل انتظام الأمن العام: براعة الرجال الذين يتولون استنطاق مرتكبي الجرائم، فمتى عرف المجرمون أن الذي يتولى استكشاف الجنايات قد رزق ألمعية تصل به إلى معرفة مرتكب الجريمة ولو بالغ في إخفائها ما شاء، أدركتهم الرهبة، وأحجموا عن الأِجرام؛ مخافة أن ينكشف أمرهم، ويقعوا في عقوبة لا يطيقونها.
وتتصل بوسيلة براعة المتصدين للبحث عن الجنايات وسيلة أخرى، هي: اختيار العيون؛ أي: المخبرين من الرجال النبهاء الأمناء، حتى يصلوا بنباهتهم إلى ما يقع في الخفاء من أعمال الفساد، ويبلغوا ما يطلعون عليه إلى ولي الأمر بصدق وأمانة، وكان أحمد بن طولون يوجه في ملأ من الناس تهمة جناية على بعض الأشخاص، ويبعث بهم إلى السجن على أنهم من أرباب الجرائم، حتى يتصلوا بالمسجونين، ويتعرفوا منهم أسراراً كانوا قد أصروا على كتمانها من قبل، ثم يأذن بإخراجهم؛ ليبلغوه ما أفضى به إليهم المسجونون من أنباء الجنايات الخفية.
وينتظم الأمن العام بالقضاء العادل، فإذا عرف من يتهم بالجناية أن القاضي يقضي على كل جان بما يستحقه من العقاب، ولا تأخذه في تنفيذ
стр. 2336
ما يقضي به لومة لائم، كان هذا من أسباب إحجامهم عن الجناية؛ حذراً من أن تناله عقوبتها المؤلمة.
فالقاضي العادل هو الذي يأخذ أرباب الجرائم بالحزم، ولا يجيب عاطفة الرأفة في إهمال عقوبتهم، ولا يقبل شفاعة من يشفع عنده لإِطلاق الجاني وتخلية سبيله من غير عفو المجني عليه.
وقد تقع ولاية الحكم إلى من ليس فيه كفاية لها، فتكون سيرته عاملاً من عوامل الإخلال بالأمن، ورؤساء الدولة المخلصون يحترسون من مثل هذا الحال بإرسال عيون من وراء كل ذي ولاية، حتى يكونوا على بينة من استقامتهم أو انحرافهم، وكذلك كان عمر بن الخطاب ﵁ يرسل وراء كل عامل بعض من يثق به؛ ليطلع على سيرته، ويأتيه بخبرها، وقالوا في سيرة هشام بن عبد الرحمن أمير قرطبة: وكان يبعث بقوم من ثقاته إلى نواحي البلاد، فيسألون الناس عن سير عمالهم، ويخبرونه بحقائقها، فإذا انتهى إليه حيف من أحدهم، أنصف منه، وأسقطه، ولم يستعمله بعد.
ومن ينظر في تراجم الأمراء والقضاة الذين استقاموا على سيرة العدل، يجد الأمن في عهدهم سائداً، كما قالوا في سيرة ملك شاه بن ألب أرسلان، وكانت السبل في أيامه آمنة، تسافر القوافل أو الأفراد مما وراء النهر إلى أقصى الشام من غير خوف ولا رهبة.
ومما يساعد القضاء العادل على تثبيت دعائم الأمن: أن يكون الرجل قد عرف الجناية، فيؤدي شهادته على الجاني كما عرفها، وكذلك المحامي يساعد القضاة على تخفيف شر الجنايات، أو قطع دابرها، متى اتجه في دفاعه إلى إظهار الحقيقة، فإذا دافع عن الجاني، وهو يعلم أنه مرتكب الجناية، وبذل
стр. 2337
قوة بيانه لينقذه من عقوبتها، فهو أخو الجاني، وعليه نصيب من وزر الإخلال بالأمن والفساد في الأرض.
ورئيس الدولة الذي يقدر الأمن العام قدره يمنح القضاء حريته، فلا يتدخل في شأن من شؤونه، ويساعد على تنفيذ الأحكام، ولو كان الحكم صادراً عليه، أو على بعض شيعته.
كان المنصور بن أبي عامر ملك قرطبة في مجلس عام يسمع فيه شكوى المظلومين، فنادى رجل من العامة: يا ناصر الحق! إن لي مظلمة عند ذلك الفتى الذي هو قائم على رأسك، وقد دعوته إلى الحاكم، فلم يحضر. فقال المنصور: أو عبد الرحمن بن فطيس (يعني: صاحب المظالم) بهذا العجز والمهانة، وكنا نظنه أمضى من ذلك؟!، ثم قال المنصور: ما أعظم بليتنا بهذه الحاشية، وقال للفتى: انزل صاغراً، وساو خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك، ففعل، وقال لصاحب شرطته الخاص: خذ بيد هذا الظالم، وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم، لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجن أو غيره. وبعد أن نفذ عليه صاحب المظالم حكمه، أبعده المنصور من خدمته.
ومن أهم وسائل الأمن الشامل: أن يكون الملقى على كواهلهم أمرُ المحافظة على الأمن ذوي حزم، وغيرة على الحقوق والنظام؛ بحيث لا تأخذهم غفلة عن الأفراد والجماعات التي شأنها تعكير صفو الأمن، ويكونون على أهبة في كل ساعة من ليل أو نهار للضرب على يد كل من يحاول الاعتداء على نفس أو دين أو عرض أو مال، وإنما يفضل القائم على أمر الأمن بمثل هذه الأهبة التي تساعد على صد حوادث الفساد قبل وقوعها، أو قطعها قبل
стр. 2338
استفحال أمرها، والناس يمدحون الأهبة لمكافحة الحوادث، ويجدونها من أكبر مظاهر الحزم واليقظة.
قال مسلم بن الوليد يمدح يزيد بن مزيد الشيباني:
تراه في الأمن في درع مضاعَفَةٍ ... لايأمن الدهر أن يأتي على عَجَلِ
تتمتع الأمة براحة البال متى كان المسؤولون عن الأمن في حزم ويقظة، ومن متممات الحزم واليقظة: أن يوجهوا عنايتهم إلى الغاية التي نيطت بعهدتهم، لا يشغلهم عنها شاغل ولو طرفة عين، وأن يحملوا في صدورهم قلوب آساد لا تلوي جباهها عن كفاح؛ كما قال لقيط بن يعمر فيمن ينبغي أن يوكل إليه أمر الدفاع:
لا مترفاً إن رَخِىُّ العيش ساعده ... ولا إذا حلَّ مكروه به خضعا
مسهر النوم تعنيه أموركم ... يروم منها على الأعداء مطلعا
فليس يشغله مال يثمره ... عنكم ولاولد يبغي له الرفعا
ومن وسائل انتظام الأمن العام: مكافحة البطالة؛ فإن البلاد التي تكثر فيها طرق الاكتساب من نحو الزراعة والصناعة والتجارة، وتكون عامرة بالجمعيات الخيرية والملاجئ؛ بحيث يجد صحيح البنية طريق العمل ميسوراً، ويجد العاجز باب البر مفتوحاً، يقل فيها ارتكاب جريمة الاعتداء على الأموال التي تفضي في كثير من الأحوال إلى سفك الدماء.
ومكافحة البطالة ترجع إلى أغنياء الأمة، ورجال الدولة، فأغنياء الأمة يستطيعون عقد شركات تجارية أو زراعية أو صناعية، فتكون طرقاً لاكتساب كثير من أرباب العائلات معايشهم.
стр. 2339
أما رجال الدولة، فشأنهم تدبير كل ما يعود على ذوي الحاجات بالرفق واليسر.
وإذا ساد الأمن في البلاد، وقلَّ الاعتداء على النفوس والأعراض، شعر الناس بطمأنينة، وعاشوا في راحة وصفاء، ولم يجهدوا أنفسهم في اتخاذ وسائل السلامة.
وطمأنينة القلوب أهم ركن من أركان الحياة الطيبة، قال النبي ﷺ : "إذا أصبحت آمناً في سربك، معافى في بدنك، عندك قوت يومك، فعلى الدنيا وأهلها العفاء". والأمن في السرب يراد به: الأمن في طريق الحياة.
وقد جعل القرآن الكريم اطمئنان النفوس من أعظم نعم الله على الناس، فقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤].
فامتن على قريش بالإطعام من الجوع الذي هو أساس الحياة الجسمية، وأتبعه بالامتنان عليهم بالأمن من الخوف، ذلك أن التمتع بالحياة الجسمية لا يتم إلا مع راحة النفوس، وعدم اضطرابها بالخوف من الأيدي العادية.
وكذلك نرى القرآن المجيد قد جعل الخوف فيما ينتقم به الله من الجاحدين المجرمين، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
أراد تعالى أن يصف أهل قرية بأنهم كانوا على ما يرام من سعادة الحياة، فأشار إلى ذلك بأنهم كانوا آمنين من المخاوف، وكانوا في سعة من العيش، ثم أراد التنبيه لما يوقعهم فيه الكفر بالنعم من شقاء، فذكر ابتلاءهم بضيق
стр. 2340
العيش، وتجرع غصص الخوف، ويكفي شاهداً على شدة بلاء الخوف أن ينبه به على سوء عاقبة من يكفر بأنعم الله.
وكذلك نرى الشعراء إذا مدحوا الكبراء، قد يصفونهم بفضيلة البر والإحسان، ويقرنون ذلك بمدحهم بخصلة تأمين الناس من الخوف؛ كما قال المغيرة بن حبناء في مدح المهلب بن أبي صفرة:
أمنٌ لخائفهم فيضٌ لسائلهم ... ينتاب نائله البادون والحضر
وإذا ساد الأمن في البلاد، وقلّ الاعتداء على الأموال، انتظمت الزراعة والتجارة والصناعة، وتقدمت هذه الأصول في نماء، وعادت على الناس بثراء؛ كما قال الأستاذ محمود قبادو في قصيدة تعرض فيها لصيانة النفوس والأموال والأعراض:
والأمن في تلك الأصول جميعها ... هو منشأ الإثراء والعمران
وليس الثراء بالأمر الذي يقصد لذاته، وإنما هو وسيلة لبلوغ ذروة العزة، متى صرف في سبيل الخير وحماية الأوطان من أيد تريد إذلالها.
إذن يمكننا أن نقول: إن الأمن الشامل في داخل البلاد، هو الوسيلة إلى أن تكون الأمة بمأمن من أن يستخف عدو أجنبي بحقوقها، أو يبسط يده إلى استعبادها.
وقد عني الإسلام بالأمن العام، ومن شدة عنايته به: أنه لم يلق واجبه على رجال الدولة وحدهم، بل جعل على الأمة قسطاً كبيراً من العمل لمكافحة الجنايات، فكل أحد يرى شخصاً قد عزم على ارتكاب جريمة، وجب عليه زجره ووعظه بكل قوة، وإذا رآه قد أخذ في فعلها، كان رآه يحاول الاعتداء على نفس أو مال أو عرض، وجب عليه رده عنها بيده حسب المستطاع،
стр. 2341
قال ﷺ "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه".
ويبقى استخلاص الحقوق بعد الاعتداء عليها، أو عقوبات الجنايات بعد وقوعها، فذلك ما يرجع إلى القضاء العادل؛ اتقاء للفتنة، وحذراً من انتشار الفوضى.
стр. 2342
من هو الشاب المسلم ؟ (١)
في شبابنا من يكتفي في إسلامه بأن ينشأ في بيت إسلامي، ويسمّى: محمداً، أو مصطفى، ويعد عند إحصاء طوائف البلاد في قبيل المسلمين، ولا تجد بعد هذا فارقاً بينه وبين شاب لا تمت روحه إلى الإسلام بصلة. وهذا ما بعثني على أن اخترت للمحاضرة موضوع: "من هو الشاب المسلم؟ ".
ذلك أن أنظار حكماء الأمة متجهة إلى بناء مدنية روحها الإيمان، وجسمها نظم الإسلام، وحليتها آدابه التي صاغتها يد الوحي السماوي، وما زالت ولن تزال في صفاء وضياء، فوجب أن تعلم من هو الشاب الذي يصلح لأن يمد يده لبناء هذه المدنية الشامخة الذرا؟ فنقول:
الشاب المسلم: هو الذي يسمو بنفسه إلى أن يكون مسلماً حقاً، فيقرأ القرآن المجيد بروية، ويجيل فكره في آياته الزاهرة، حتى يتملأ حكمه البالغة، ومواعظه الرائعة، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
والشاب المسلم: هو الذي يؤمن بالله من الشرك، أو ما يشبه الشرك، فيعتقد من صميم قلبه أن الله وحده هو المتصرف في الكون، فلا مانع ولا ضار
стр. 2343
إلا هو، وبهذه العقيدة السليمة يحمي نفسه من أن تلابسها مزاعم مزرية، ويصغر في عينه كل جبار، ويهون عليه احتمال المصاعب، واقتحام الأخطار في سبيل الجهاد في الإصلاح والدعوة إلى الحق.
والشاب المسلم: هو الذي يدرس سيرة رسول الله ﷺ دراية يرى بها رأي العين أن تلك المكانة البالغة المنتهى من الحكمة وقوة البصيرة، والنهوض بجلائل الأعمال المختلفة الغايات، مكانة لا يدركها بشر ليس برسول، وإن بلغ في العبقرية الذروة القصوى، وأنفق في السعي إليها مئات من الأعوام أو الأحقاب.
والشاب المسلم: يستجيب لله فيما شرعه من عبادات تقربه إليه زلفى؛ كالصلوات الخمس بقلب حاضر، ويؤديها ولو بمحضر طائفة لم تذق حلاوة الإيمان، فتنظر إلى المستقيمين بتهكم وسخرية، وضعفاء الايمان من شبابنا لا يقومون إلى الصلاة في مجالس الملاحدة وأشباه الملاحدة من المترفين، يخافون أن يسخروا منهم، أو تزدريهم أعينهم.
والشاب المسلم يعتز بدين الله، فيدافع عنه بالطرق المنطقية، ويرمي بشواهد حكمته في وجه المهاجم له، أو ملقي الشبه حوله، وإن كان ذا سلطان واسع، وكلمة نافذة، وضعفاءُ الإيمان من شبابنا تتضاءل نفوسهم أمام أولئك الطغاة، ويقابلون تهجمهم على الدين بالصمت، وربما بلغ بهم ضعف العقيدة أن يجاروهم فيما يقولون، وسيعلم الذين يشترون رضا المخلوق بغضب الخالق أي منقلب ينقلبون.
والشاب المسلم يذكر في كل حين: أن أمد عمره غير معروف، ويتوقع انقطاعه في كل يوم، فتجده حريصاً على أن لا تمر ساعة من ساعات حياته
стр. 2344
دون أن يكسب فيها علماً نافعاً، أو عملاً صالحاً.
إذا ما مضى يومٌ ولم أصطنع يداً ... ولم أكتسب علماً فما ذاك من عمري
والشاب المسلم: إذا وكل إليه عمل، أقبل عليه بنصح، وتولاه بأمانة، ذلك بانه يشعر بان الرجال إنما يتفاضلون على قدر إتقانهم للأعمال، ويشعر بانه مسؤول عما ائتمن عليه بين يدي من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
والشاب المسلم: ينظر بنور الله، فلا يسارع إلى تقليد المخالفين، ومحاكاتهم في عاداتهم وأساليب مدنيتهم، وإن لم تقم على رعاية مصلحة، وضعفاء الإيمان يحرصون على أن يقلدوهم في كل شيء، ولو خالف آداب الشريعة، كمن يمسك السكين باليمين عند الأكل، والشوكة بالشمال، ويتناول بها الطعام مخالفاً لآداب الشريعة الغراء.
والشاب المسلم: يؤمن بأن النظم الإسلامية الاقتصادية أرقى نظم يسعد بها البشر، ويدركون بها حياة مطمئنة آمنة، فمن يعتقد أن الربا - مثلاً - من الوسائل التي تتسع بها الثروة، وينتقل بها الناس من فقر إلى غنى، فقد وقف بهذا الرأي محارباً لله ورسوله، ولا يزيده ما يرتكبه في تحريف نصوص الشريعة عن مواضعها إلا ضلالاً.
والشاب المسلم: لا يجعل أحكام الشريعة تابعة لهواه وشهواته، فياخذ في تأويل نصوص الشريعة والتلاعب بقواعدها حتى يزعم أنها موافقة لهواه،، كمن يحاول أن يكون سفور النساء وتبرجهن واختلاطهن بالرجال غير محظور شرعاً، يزعم هذا؛ لينظر إلى بنات المسلمين وأزواجهن بملء عينيه، أو يتصل بهم دون أن يسمع كلمة إنكار.
стр. 2345
والشاب المسلم: لا يسعى لمجالسة الجاحدين، إلا أن تدعوه إلى ذلك ضرورة؛ فإن علامة حياة القلب بالإيمان تألمه من سماع كلمة تهكم أو طعن في الدين، وقد دل التاريخ والمشاهدة: أن الزنا دقة إن لم يطعنوا في الدين، أو يتهكموا بالمؤمنين صراحة، لم يلبثوا أن يطعنوا فيه، أو يتهكموا به رمزاً وكناية، ثم إن الملحد - أيها الشاب المسلم- لا تجد في خلقه وفاء، ولا في مودته صفاء، إلا أن تسير سيرته، وتحمل بين جنبيك سريرته.
والشاب المسلم: يمثل سماحة الإسلام، وفضلَه في تهذيب النفوس، وأخذها بأرقى الآداب، فإذا جمع بينه ويين المخالفين المسالمين عملٌ لمصلحة وطنية، عاشرهم برفق وإنصاف، وإذا دارت بينه وبينهم محاورة في علم أو دين، اكتفى بتقرير الحقائق، وإقامة الحجة، وطفر لسانه أو قلمه من الكلمات الجافية، وأخفى ما قد يقع في نفسه من غيظ، والتجملُ بالأناة وحسن السمت، ولين القول قد يجاذب النفوس الجامحة عن الحق، ويخطو بها الخطوة الأولى إلى التدبر في الحجة.
والشاب المسلم: يعمل ليرضي ربه، ولا يحفل بأن تكون له وجاهة عند رجال الدولة، فإذا وجد أمامه أمرين، أحدهما يرضي الخالق، وثانيهما يقربه من ذوي السلطان درجة، اختار أولهما؛ فإن آثر رضا السلطان على رضا الله، فليتفقد مقر إيمانه، فعساه أن يهتدي إلى المرض الذي طرأ على قلبه، فليلتمس له دواء ناجعاً، وإنما دواؤه الناجع: أن يعلم أن الله يمنعه من ذوي السلطان، وأن ذوي السلطان لا يمنعونه من الله.
والشاب المسلم: قد تقضي عليه ظروف خاصة بأن يسكت عن بعض ما هو حق، ولكنه إذا تكلم، لا يقول إلا الحق.
стр. 2346
والشاب المسلم: لا يزن الناس في مقام التفاضل بما يزنهم به العامة من نحو المال أو المنصب، وإنما يزنهم بما يزنهم به القرآن المجيد، والعقل السليم من ورائه، أعني: العلم النافع، والسيرة النقية الطاهرة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
والشاب المسلم: يكسب المال ليسد حاجات الحياة، ويحيط نفسه بسياج من العفاف والكرامة، ويأبى أشد الإباء أن يسعى له من طريق الملق وإراقة ماء الوجه، والذي يبذل ماء محياه، ولا يبالي أن يقف موقف الهوان، هو الشخص الذي فقد أدب التوكل على الخالق - جل شأنه -، وزهد في ثوب العزة الذي ألبسه إياه بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
والشاب المسلم: لا يرفع رأسه كبراً وتعظماً على الطيبين من الناس، وإن كان أغزر منهم علماً، وأعلى منصباً، وأكثر مالاً، وأوسع جاهاً، وانما الكبر والتعاظم مظهر قذارة في النفس توحي إلى أن من ورائها نقائص أراد صاحبها أن يوريها عن أعين الناس بهذه الكبرياء.
والشاب المسلم: يرفع رأسه عزة على من يعدّون تواضعه خسة في النفس، أو بلاهة في العقل، حتى يريهم أن الإيمان الصادق لا يلتقي بالذلة في نفس واحدة.
والشاب المسلم: إذا رأى منكراً يُفعل، نهى عنه، وإذا رأى معروفاً يُترك، أمر به، ولا يقول كما يقول فاقدو الغيرة على الإصلاح: ذلك شأن رجال الدين، يعنون: أرباب العمائم خاصة، والدين لم يقصر واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طائفة تسمى: رجال الدين، بل أوجب الأمر بالمعروف على كل من علم أنه معروف، وأوجب النهي عن المنكر
стр. 2347
على كل من عرف أنه منكر، لا فرق بين الشاب والشيخ، والمتعمم وحاسر الرأس.
سادتي! هذه كلمة سقنا فيها مثلاً من السيرة التي يجب أن يكون عليها شباب الإسلام، وإذا هم نحروها رشداً، وثقنا بأن لنا أمة تستطيع أن تقف أمام كل قوة، وهي على ثقة بأن تجد من الله ولياً ونصيراً.
стр. 2348
إلى شباب محمد ﷺ أيها الشباب الناهضون ! (١)
تعلم حق اليقين أن دين الإسلام منبع العزة في الدنيا، ومرقاة السعادة في الأخرى، يدري هذا من درس أصول الدين، واطلع على أسرار أحكامه وآدابه، ولا يزال المسلمون في سلامة وسيادة، حتى حادوا عن سبيله، ونكثوا أيديهم عن عروته الوثقى، وكان عاقبة ذلك: أن سقطت أوطانهم في أيدي أعدائهم، وأصبحوا لا يملكون لأنفسهم رأياً ولا نفاذاً.
وكان يهوّن هذا الخطب أن انحراف المسلمين عن شريعتهم الذي كان سبب ضعفهم، لم يكن إلا إهمال الواجبات العملية عن غفلة، أو تغلب شهوة، والغفلة تداوى بالتنبيه، والشهوات تقاوم بالموعظة الحسنة.
ولكن أمتنا بعد أن انحدرت بها الأهواء في تلك الحفرة من الذلة، أصيبت بعلة أخرى هي أسوأ أثراً، وأشأم عاقبة من علتهم الأولى، وهي ابتلاء كثير من أبنائنا بزيغ العقيدة، ومحاكاة المخالفين، حتى في الآراء المخالفة لجوهر الدين.
وإذا كان خسران العقيدة فيما سلف، قد يبتلى به أشخاص متفرقون، ويبالغون في كتمانه، وإنما يظهر في لحن خطابهم، أو ينقله عنهم بعض من
стр. 2349
يسرون إليه به، فإنه في هذا العصر قد تفشى، حتى أصبح الملاحدة والاباحيون يصرخون في المجالس العامة، أو على صفحات المجلات أو الجرائد بما لا يختلف علماء الإسلام في أنه ردة وخروج على الدين إلى حد بعيد.
وليس من العجب أن يلحد أبناؤنا الذين نشؤوا في بيئات لا تعرف من الدين إلا اسمه، ولم يلاقوا إلا النفر الذين تصدوا لمحاربة الدين بجهالة أو بسوء قصد، وإنما العجب أن تجد الإلحاد والإباحية في نفر نشؤوا في معاهد إسلامية، ولكنهم يتسترون بتأويل القرآن المجيد، والحديث النبوي الشريف تأويلاً لو سلكناه في تأويل كلام أحدهم، لغضب منه، وعمّه رمياً له بالعيّ، أو العبث باوضاع اللغة العربية.
إذن فالزائغون عن الرشد في أوطاننا صنفان:
١ - صنف نشؤوا في بيئات شأنها الطعن في الدين، ولا عمل لها إلا إيراد الشبه مجردة من الحجج التي تدفعها، وتقر الحقائق في مواضعها.
٢ - وصنف نشؤوا في معاهد إسلامية، ولكنهم لم يدرسوا الدين دراسة جد وتحقيق تجعلهم في حصانه من أن تأخذهم الشبه، وتخدعهم زخارف الحياة، ولم يملكوا من خشية الله تعالى ما يمنعهم أن يقولوا على الله غير الحق.
وتقويم الصنف الأول من الملاحدة أيسر من تقويم الصنف الثاني؛ إذ الصنف الأول قد يجلس إليك بصفتك داعياً إلى الإصلاح، فيصغي إليك عندما تتصدى لدفع شبهة، وإقامة حجة، فإذا بصر بالشبهة ذهبت، وبالحجة أضاءت، لم يلبث أن يجيب دعوتك متأسفاً عما سبق له من الغواية، مغتبطاً بما وفقه الله إليه من هداية.
стр. 2350
أما الصنف الثاني، وهو الذين يلحدون بعد قطع مراحل من التعليم الديني، ففي دعوتهم من ظلمات الزيغ إلى نور الرشد عسرة إذ يخيل إليهم أنهم عرفوا ما يعرفه الدعاة، ولم يجدوه موصلاً إلى حق، وهذا التخيل يصدهم عن الإصغاء إلى الدعوة، وإذا أصغوا إليها، فإنما يقصدون في غالب أمرهم استكشاف موضع ضعف يهاجمونها منه.
وهذا الصنف أشد ضرراً على الأمة من الصنف الأول؛ إذ الصنف الأول قد يكون إلحاده مقصوراً عليه، وإن قام بدعاية إلى الإلحاد، فإن الناس لا يستمعون إليه؛ إذ هو محمول على الجهل بحقائق الدين وأصوله، أما ذلك الذي يخرج لهم في زي رجال الدين، أو يذكر أنه درس الدين حتى انتهى إلى غاية بعيدة، فكثيراً ما يغرّ الغافلين من الشباب أو العامة؛ إذ يسبق إلى أذهانهم أنه يتكلم على بينة، ولا ينتبهون لما يحمل في صدره من زيغ، ولا لما يضمر في نفسه من أغراض دنيئة.
أقول هذا - أيها الشباب الناهضون - لأذكركم بأنكم ستلاقون شباباً سرى إليهم وباء الإلحاد والإباحية من اتصالهم بنفر أعرفَ بطرق المكر، أو أبرعَ في صناعة البيان، فخذوهم بالحكمة والرفق وسعة الصدر عند المناقشة؛ فإنكم تدعون إلى الحق، وللحق ضياء ينكشف إزاءه كل باطل، وإن خرج في ثوب مستعار من الحق.
وأنكم ستلاقون فئة ممن يدّعون أنهم درسوا الدين وهم زائغون عن سبيله، وقد يجنحون بكم إلى طريقة التأويل الفاسد، فازدرُوا أقوالهم، وارموا في وجوههم بالحجة، ولا تهابوهم، ولو لبسوا العمائم؛ فإنها قد تنصب على رؤوس لا تفكر إلا في وسائل المكر بالدين الحنيف، وهذه الخيانة تكسبهم