← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

والشاب المسلم: لا يزن الناس في مقام التفاضل بما يزنهم به العامة من نحو المال أو المنصب، وإنما يزنهم بما يزنهم به القرآن المجيد، والعقل السليم من ورائه، أعني: العلم النافع، والسيرة النقية الطاهرة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. والشاب المسلم: يكسب المال ليسد حاجات الحياة، ويحيط نفسه بسياج من العفاف والكرامة، ويأبى أشد الإباء أن يسعى له من طريق الملق وإراقة ماء الوجه، والذي يبذل ماء محياه، ولا يبالي أن يقف موقف الهوان، هو الشخص الذي فقد أدب التوكل على الخالق - جل شأنه -، وزهد في ثوب العزة الذي ألبسه إياه بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. والشاب المسلم: لا يرفع رأسه كبراً وتعظماً على الطيبين من الناس، وإن كان أغزر منهم علماً، وأعلى منصباً، وأكثر مالاً، وأوسع جاهاً، وانما الكبر والتعاظم مظهر قذارة في النفس توحي إلى أن من ورائها نقائص أراد صاحبها أن يوريها عن أعين الناس بهذه الكبرياء. والشاب المسلم: يرفع رأسه عزة على من يعدّون تواضعه خسة في النفس، أو بلاهة في العقل، حتى يريهم أن الإيمان الصادق لا يلتقي بالذلة في نفس واحدة. والشاب المسلم: إذا رأى منكراً يُفعل، نهى عنه، وإذا رأى معروفاً يُترك، أمر به، ولا يقول كما يقول فاقدو الغيرة على الإصلاح: ذلك شأن رجال الدين، يعنون: أرباب العمائم خاصة، والدين لم يقصر واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طائفة تسمى: رجال الدين، بل أوجب الأمر بالمعروف على كل من علم أنه معروف، وأوجب النهي عن المنكر

стр. 2347

على كل من عرف أنه منكر، لا فرق بين الشاب والشيخ، والمتعمم وحاسر الرأس. سادتي! هذه كلمة سقنا فيها مثلاً من السيرة التي يجب أن يكون عليها شباب الإسلام، وإذا هم نحروها رشداً، وثقنا بأن لنا أمة تستطيع أن تقف أمام كل قوة، وهي على ثقة بأن تجد من الله ولياً ونصيراً.

стр. 2348

إلى شباب محمد ﷺ أيها الشباب الناهضون ! (١) تعلم حق اليقين أن دين الإسلام منبع العزة في الدنيا، ومرقاة السعادة في الأخرى، يدري هذا من درس أصول الدين، واطلع على أسرار أحكامه وآدابه، ولا يزال المسلمون في سلامة وسيادة، حتى حادوا عن سبيله، ونكثوا أيديهم عن عروته الوثقى، وكان عاقبة ذلك: أن سقطت أوطانهم في أيدي أعدائهم، وأصبحوا لا يملكون لأنفسهم رأياً ولا نفاذاً. وكان يهوّن هذا الخطب أن انحراف المسلمين عن شريعتهم الذي كان سبب ضعفهم، لم يكن إلا إهمال الواجبات العملية عن غفلة، أو تغلب شهوة، والغفلة تداوى بالتنبيه، والشهوات تقاوم بالموعظة الحسنة. ولكن أمتنا بعد أن انحدرت بها الأهواء في تلك الحفرة من الذلة، أصيبت بعلة أخرى هي أسوأ أثراً، وأشأم عاقبة من علتهم الأولى، وهي ابتلاء كثير من أبنائنا بزيغ العقيدة، ومحاكاة المخالفين، حتى في الآراء المخالفة لجوهر الدين. وإذا كان خسران العقيدة فيما سلف، قد يبتلى به أشخاص متفرقون، ويبالغون في كتمانه، وإنما يظهر في لحن خطابهم، أو ينقله عنهم بعض من

стр. 2349

يسرون إليه به، فإنه في هذا العصر قد تفشى، حتى أصبح الملاحدة والاباحيون يصرخون في المجالس العامة، أو على صفحات المجلات أو الجرائد بما لا يختلف علماء الإسلام في أنه ردة وخروج على الدين إلى حد بعيد. وليس من العجب أن يلحد أبناؤنا الذين نشؤوا في بيئات لا تعرف من الدين إلا اسمه، ولم يلاقوا إلا النفر الذين تصدوا لمحاربة الدين بجهالة أو بسوء قصد، وإنما العجب أن تجد الإلحاد والإباحية في نفر نشؤوا في معاهد إسلامية، ولكنهم يتسترون بتأويل القرآن المجيد، والحديث النبوي الشريف تأويلاً لو سلكناه في تأويل كلام أحدهم، لغضب منه، وعمّه رمياً له بالعيّ، أو العبث باوضاع اللغة العربية. إذن فالزائغون عن الرشد في أوطاننا صنفان: ١ - صنف نشؤوا في بيئات شأنها الطعن في الدين، ولا عمل لها إلا إيراد الشبه مجردة من الحجج التي تدفعها، وتقر الحقائق في مواضعها. ٢ - وصنف نشؤوا في معاهد إسلامية، ولكنهم لم يدرسوا الدين دراسة جد وتحقيق تجعلهم في حصانه من أن تأخذهم الشبه، وتخدعهم زخارف الحياة، ولم يملكوا من خشية الله تعالى ما يمنعهم أن يقولوا على الله غير الحق. وتقويم الصنف الأول من الملاحدة أيسر من تقويم الصنف الثاني؛ إذ الصنف الأول قد يجلس إليك بصفتك داعياً إلى الإصلاح، فيصغي إليك عندما تتصدى لدفع شبهة، وإقامة حجة، فإذا بصر بالشبهة ذهبت، وبالحجة أضاءت، لم يلبث أن يجيب دعوتك متأسفاً عما سبق له من الغواية، مغتبطاً بما وفقه الله إليه من هداية.

стр. 2350

أما الصنف الثاني، وهو الذين يلحدون بعد قطع مراحل من التعليم الديني، ففي دعوتهم من ظلمات الزيغ إلى نور الرشد عسرة إذ يخيل إليهم أنهم عرفوا ما يعرفه الدعاة، ولم يجدوه موصلاً إلى حق، وهذا التخيل يصدهم عن الإصغاء إلى الدعوة، وإذا أصغوا إليها، فإنما يقصدون في غالب أمرهم استكشاف موضع ضعف يهاجمونها منه. وهذا الصنف أشد ضرراً على الأمة من الصنف الأول؛ إذ الصنف الأول قد يكون إلحاده مقصوراً عليه، وإن قام بدعاية إلى الإلحاد، فإن الناس لا يستمعون إليه؛ إذ هو محمول على الجهل بحقائق الدين وأصوله، أما ذلك الذي يخرج لهم في زي رجال الدين، أو يذكر أنه درس الدين حتى انتهى إلى غاية بعيدة، فكثيراً ما يغرّ الغافلين من الشباب أو العامة؛ إذ يسبق إلى أذهانهم أنه يتكلم على بينة، ولا ينتبهون لما يحمل في صدره من زيغ، ولا لما يضمر في نفسه من أغراض دنيئة. أقول هذا - أيها الشباب الناهضون - لأذكركم بأنكم ستلاقون شباباً سرى إليهم وباء الإلحاد والإباحية من اتصالهم بنفر أعرفَ بطرق المكر، أو أبرعَ في صناعة البيان، فخذوهم بالحكمة والرفق وسعة الصدر عند المناقشة؛ فإنكم تدعون إلى الحق، وللحق ضياء ينكشف إزاءه كل باطل، وإن خرج في ثوب مستعار من الحق. وأنكم ستلاقون فئة ممن يدّعون أنهم درسوا الدين وهم زائغون عن سبيله، وقد يجنحون بكم إلى طريقة التأويل الفاسد، فازدرُوا أقوالهم، وارموا في وجوههم بالحجة، ولا تهابوهم، ولو لبسوا العمائم؛ فإنها قد تنصب على رؤوس لا تفكر إلا في وسائل المكر بالدين الحنيف، وهذه الخيانة تكسبهم

стр. 2351

ضعفاً، وتجعل مسالك القول أضيق عليهم من سم الخياط، فلا يقفون لجدالكم إلا بمقدار ما يعرفون قوة إيمانكم، وثبات أقدامكم. وإنكم ستلاقون فئة باض اليأس من الإصلاح في قلوبهم وفرخ، ويصارحونكم بأن الدعوة إلى الحق في هذا العصر من قبيل النقش في الماء، أو الضرب في حديد بارد، فإن تعذر عليكم اقتلاع هذا اليأس من نفوسهم، فاعلموا أن خلف يأسهم جبناً، ولا خير لكم في محادثة الجبناء. وإنكم ستمرون بأشخاص مردوا على التهكم والاستهزاء، فيهمسون في الآذان، ويتغامزون بالأعين، وكذلك كان أمثالهم يستهزئون بالدعاة إلى الخير، فيجدون من الدعاة إخلاصاً وثباتاً يذهب كل استهزاء من حولهما لاغية، فدعوا المتهكمين والمستهزئين في هزلهم، وامضوا في سبيل دعوتكم إلى الحق والفضيلة، فستجنون بتأييد الله تعالى ثمرتها، وتحمدون عاقبتها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2352

مقاصد الاسلام في إصلاح العالم (١) يدخل الفساد في العقائد والآراء والأخلاق، وفيما يقصد به التقرب إلى الخالق - جلّ شأنه -، وفيما يتناوله الإنسان من نحو المطعوم والملبوس، وفي المعاملات الجارية بين الأفراد والجماعات من الناس، بل يدخل الفساد في معاملة الإنسان للحيوان. وقد دلّنا التاريخ أن كثيراً من عقائد الأمم كانت زائغة، وكثيراً من آرائهم كانت مزاعم ينبذها العقل، وأن الأخلاق كانت منحطة، والتقرب إلى مبدع الخليقة لا يقع على وجهه الصحيح، والتمتع بالمطعومات والملبوسات وما يتخذ من المراكب لا يقف عند الطيبات والزينة وما يوافق الحكمة، ومعاملات الأفراد والجماعات من الناس والحيوان لم تكن جارية على نظام الرحمة والعدل. فكان من مقاصد الإسلام: تقويم العقائد، وتطهير العقول من المزاعم السخيفة، وإصلاح الأخلاق، وشرع العبادات الصحيحة، وبيان الطيبات من الرزق، وما لا يخرج عن حدود الحكمة من نحو الملابس والمراكب، وتنظيم المعاملات على وجه العدل والرفق.

стр. 2353

أما العقائد، فقد أنكر الإسلام على أصحاب الملل الباطلة، وأقام الحجج على بطلان تلك الملل، وقرر العقائد السليمة، وثبتها بالبراهين القاطعة. حارب عقيدة الشرك بالله، ونهى عما يفضي إليها؛ كالمبالغة في تعظيم بعض المخلوقات، وصرّح ببطلان كل عبادة يتوجه بها إلى مخلوق؛ من نحو صنم، أو كوكب، أو نار، أو حيوان، أو إنسان، ونظر في الأديان السماوية السابقة؛ كاليهودية، والنصرانية، فدلّ على ما طرأ عليها من تغيير، وما دخلها من مبتدعات حتى بعدت عن هداية الله، وأصبحت تلك الأديان في واد، والسعادة في واد. وأما الآراء، فقد قصد الإسلام لتقويمها بطريقة عامة هي: نهيه عن التقليد، وحثّه على الرجوع إلى العقل، وإقامة العلم على قاعدة الاستدلال، ثم أتى إلى مزاعم كانت ذائعة بين الناس، فنبّه على بطلانها؛ كزعم الشؤم في بعض الأشياء، وكزعم أن خسوف الشمس أو القمر يقع لموت رجل عظيم. وأما الأخلاق، فقد وجه إليها الإسلام جانباً كبيراً من عنايته، فانكر الجبن والبخل والكذب والخيانة والرياء والحسد، إلى غير ذلك من الأخلاق الذميمة، وحثّ على الشجاعة والكرم والصدق والأمانة والحلم والإخلاص، إلى نحو هذا من الأخلاق الحميدة. وأما العبادات التي هي صلة بين الخالق والمخلوق، فقد قرر أوضاعها، ورسم حدودها، ونبّه على شروط صحتها؛ مثل: الصلوات والصيام والحج والزكاة والذكر، ونبّه على فساد أعمال قد يحسبها الناس عبادات تقربهم إلى الله، نبّه على ذلك بوجه عام كما قال ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا

стр. 2354

ما ليس منه، فهو رد"، وقصد لكثير من الأعمال الخاصة؛ فدلّ على أنها ليست من العبادات في شيء؛ كشدِّ الرحال للصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة، وكوصل الليل بالنهار في الصيام. وأما المطعومات، فقد ذكر الطيبات، وأذن في التمتع بها، وذكر الخبائث، ونهى عن تناولها. وأما الملبوسات، فقد حرم بعضها؛ كما حرم على الرجال لبس الحرير والذهب والفضة؛ لما في استعمالها من السرف والرفاهية، والرجال في حاجة إلى الكمال النفسي، وليسوا في حاجة إلى زخرف المظهر، وإذا كان الحرير والذهب والفضة تزيد في ظاهر المرأة حسناً، فإن الرجل لا يباهي إلا بسمو خلقه، واستنارة فكره، واستقامة سيرته، وصلاح أعماله، وتطوّحُه في النعيم إلى حد بعيد يعود إلى الرجولة الكاملة بشيء من النقص كثير أو قليل. وأما المراكب، فقد أذن في ركوب بعض الحيوان؛ كالخيل والبغال والحمير والإبل، ونهى عن ركوب البقر، ويلحق بالبقر كل حيوان يحصل له ما يحصل للبقر من ضرر الركوب عليه. وأما المعاملات بين الناس، فقد أخذت من شريعة الإسلام أوسع مكان، ونريد من المعاملات: ما يجري بين شخصين أو أشخاص من نحو عقود البيع والإجارة والقرض والهبة، ويدخل في هذا القبيل: مراعاة حقوق الزوجين والأقارب والأرقاء والأطفال، فيعدّ في قبيل المعاملات: أحكام النكاح والطلاق والعتق والحضانة والنفقات والإيصاء. وأما معاملة الحيوان، فقد أخذت جانباً من عناية الإسلام؛ إذ نهى عن تعذيب الحيوان، وحثّ على الرفق به.

стр. 2355

ثم إن الإسلام أرشد إلى أشياء قصد لها قصد الوسائل التي لا تتحقق المقاصد الأصلية إلا بها؛ كالجهاد، وعقوبات الجناة المشروعة للزجر عن الاعتداء على الدين والنفس والعرض والمال والعقل، وكالشورى؛ فإنها طريق الوصول إلى الحكم العادل، وطريق تدبير الأمور على نهج السداد، وكإطلاق العقل من أسر التقليد؛ لأنه طريق الإيمان الصادق، واستنباط الأحكام الصحيحة، وتوسيع دائرة العلوم على اختلاف موضوعاتها. فالإسلام لم يقتصر على إصلاح العقائد، وتنظيم الصلة بين العبد وربه؛ كما يقول بعض من يظهر الاسلام ويخفي الإنكار، بل الإسلام دين سماوي، نظر إلى كل ناحية من نواحي الحياة الفردية والاجتماعية، وقرر لها نظماً مفصلة، أو وضع لها أصولاً عامة، وعدَّ الخروج على هذه النظم وهذه الأصول فسقاً وظلماً، بل سماه في بعض الآيات كفراً؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وليس من شك في أن من خرج على نظم الإسلام وأصوله معتقداً أن ما خرج إليه أقرب إلى الحكمة، وأحفظ للمصلحة، فقد خلع طوق الدين الحنيف من عنقه. ولماذا لا يحتفظ المسلمون بشريعتهم وهي قائمة على رعاية المصالح التي يبحث عنها أصحاب القوانين الوضعية، فيسيبونها حيناً ويخطئونها أحياناً كثيرة. وقد تتبع الراسخون في العلم أحكام الشريعة الغراء فوجدوها ترجع إلى أربعة أصول: أولها: الأعمال بمقاصدها. ثانيها: الضرر يزال. ثالثها: المشقة تجلب التيسير.

стр. 2356

رابعها: العادة محكمة. والقضاء الذي يقوم على رعاية هذه الأصول، قضاء محكم عادل، وهو يعد عدله وحكمته، كفيل بأن تطيعه قلوب الأمة، ولا تجد في أنفسها حرجاً متى أجرى عليها بإنصاف.

стр. 2357

انتشار الإسلام في العالم وعوامل ذلك (١) أبلغ رسول الله ﷺ دعوته إلى العرب، ثم اتجه بإبلاغها إلى الأمم الأخرى من غير العرب، فبعث رسله بكتب إلى ملك الفرس، وملك الروم، وملك مصر، وملك الحبشة، يدعوهم إلى الإسلام. فكتب إلى كسرى: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة؛ لينذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت، فعليك إثم المجوس". وكتب إلى هرقل: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين (٢)، و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًامِنْ دُونِ

стр. 2358

اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] ". وكتب إلى المقوقس ملك مصر: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك اثم أهل القبط، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة، أسلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت به، فخلقه الله من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني، وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله ، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي. والسلام على من اتبع الهدى". أما ملك الفرس، فمزق الكتاب، وبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: "مزق الله ملكه". وأما ملك الروم وملك مصر، فقابلا الدعوة برفق وأناة، ولكنهما لم يجيبا إليها. وأما النجاشي، فقبل الدعوة ودخل في الإسلام (١)

стр. 2359

وجّه ﷺ الدعوة إلى تلك الأمم بدعوة ملوكها، فكان هذا من دلائل أنه مأمور بإبلاغهم الدعوة كما أبلغها العرب، فلم يتردد أصحابه ﵁ في قصدهم لبثِّ الدعوة بين الأمم ما أمكنهم، وكان من أبي بكر الصديق بعد أن أطفأ فتنة المرتدين ومانعي الزكاة في البلاد العربية أن وجه نظره إلى نشر الإسلام في العراق والشام على طريق الفتح، وجاء عمر بن الخطاب، فأتم فتح الشام، ثم فتح الفرس ومصر وطرابلس الغرب، وجاء عثمان بن عفان، فاتم فتح الفرس، وفتح أرمينية والقوقاز. وفي عهد بني أمية فتحت تونس والجزائر والمغرب الأقصى وبلاد الأندلس، وانتشر الإسلام في الهند على يد فاتحها السلطان محمود بن سبكتكين، ثم المغول الذين أسسوا فيها الدولة المغولية. ووصل الإسلام إلى الصين منذ عهد قديم (١) على أيدي الدعاة من التجار والمهاجرين الذين يرحلون إلى تلك البلاد بحراً من طريق الهند، أو براً من طريق ما وراء النهر، ودخل جزائر سو مطرة، وجاوة منذ عهد بعيد على أيدي الدعاة أيضاً من التجار الوافدين عليها (٢)، ووصل إلى جزائر سرنديب "سيلان"، وجزائر الفلبين، وسيام، وأستراليا، والبرازيل، وبلاد أخرى من أميركة.

стр. 2360

وانتشر في السودان، وبلغ بلاد "السنغال"، و"غيانا"، و"ساحل العاج"، و"سيراليونا"، و"نيجيريا"، و"ساحل الذهب"، و"توجو"، و"الكمرون"، وجنوب أفريقية "مستعمرة الكاب"، و"مدغشقر"، و"زنجبار"، و"بلاد الحبشة". وانتشر الإسلام بالفتح العثماني في آسيا الصغرى، والآستانة، وشرقي أوربا، وهو اليوم في بولونيا، ويوغوسلافيا، وألبانيا، وبلاد اليونان. وانتشر في المغول "التتار"، وبلاد روسيا بالدعوة الخالصة. * عوامل انتشار الإسلام: انتشر الإسلام ذلك الانتشار الواسع المدى في زمن غير بعيد، بعوامل اقتضتها حكمة الله: وأول هذه العوامل: متانة أصول الدين، وسماحة شريعته، ووضاءة ما دعا إليه من أخلاق وآداب، فإذا صادفت الدعوة ذا فطرة سليمة، وعقل راجح، فنظر فيما يدعو إليه الدين من عقائد وأحكام وآداب، لم يلبث أن يتقبل دعوته، ويصير إلى إيمان لا تزلزله عواصف التضليل. في خطاب العلاء الحضرمي عند دعوة المنذر بن ساوي ملك البحرين: "هذا النبي الأميّ الذي والله! لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه ليته أمر به، أو ليته زاد في عفوه، أو نقص من عقابه؛ إذ كل ذلك منه على أمنية العقل، وفكر أهل البصر". وكذلك قال المنذر في جواب العلاء: "قد نظرت في هذا الأمر الذي في يدي، فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم، فوجدته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة، وراحة الموت".

стр. 2361

ولما بلغ أبا ذزّ الغفاري مبعثُ رسول الله ﷺ ، أرسل أخاه إلى مكة؛ ليسمع من قول النبي - صلوات الله عليه -، ويأتيه بخبره، فانطلق إلى مكة، وعاد إلى أبي ذر، وقال له: "رأيته يأمر بمكارم الأخلاق". وكذلك قال المقوقس عندما جاءه كتاب رسول الله ﷺ بالدعوة إلى الإسلام: "إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى إلا عن مرغوب عنه". وسلك الكتاب والسنّة في كثير من هذه الأصول والأحكام والآداب طريق الاحتجاج لها، وبيان الداعي لها، وما يترتب عليها من المصالح؛ لتزداد القلوب إيماناً بصحتها، وتطمئن إلى أن دعوة هذا الدين دعوة قائمة على رعاية المصالح؛ كما قال تعالى في الاستدلال على الوحدانية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقال ﷺ في علة النهي عن بيع الثمر قبل بدوِّ صلاحه: "أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ "، وقال لمن سأله عن الاستئذان على أمه: "استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟ ". ثانيها: استقامة الدعاة، وتحليهم بما يدعون إليه من خير. وانظر إلى قول ملك عمان لعمرو بن العاص إذ أبلغه كتاب رسول الله ﷺ داعياً إلى الإسلام: "إنه والله! لقد دلني على هذا النبي الأمي: أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يَغلب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر، وأنه يفي بالعهد، وينجز الموعود". ومن نظر في تاريخ الخلفاء الراشدين، وجدهم يقتدون برسول الله ﷺ في مثل: الزهد في الدنيا، والعدل في القضاء، والجد في العبادة، فكانوا

стр. 2362

دعاة للإسلام بسيرتهم قبل أن يدعوا إليه بالسنتهم. وفد على الخليفة الأول ذو الكلاع من ملوك اليمن، ولما شاهد ما كان عليه الخليفة أبو بكر من الزهد والتواضع، أخذ يتزيا بزيه حتى رئي ذو الكلاع وهو حامل لجلد شاة، فأنكر عليه بعض قومه أن يفعل هذا بين المهاجرين والأنصار. فقال: "أفأردتم أن كون ملكاً جباراً في الإسلام؟ لا والله! لا تكون طاعة الرب إلا بالتواضع والزهد". وانظر إلى ما كانوا يوصون به عمالهم من إنصاف أهل الذمة، وعدم إيذائهم، ومن هذا ما رواه الطبري في "تاريخه": أن عمر كتب إلى أمير البصرة أن يبعث إليه جماعة من ذوي الرأي والبصيرة، فأرسل إليه وفدأ فيهم الأحنف ابن قيس، فسألهم عن أهل الذمة، وقال: أيشكون ظلماً؟ فقالوا: لا. ولم يكتف بهذا حتى سأل الأحنف، وكان يطمئن له ويثق بخبره، فأجاب بمثل جوابهم، ثم صرفهم. ومن نظر إلى تاريخ أمراء الجيوش الفاتحة للفرس والعراق والشام ومصر وأفريقية، رآهم على سير قيمة، وآداب سنية، يكبرهم من أجلها المخالفون، وأقل ما يكون لها من الأثر: أن تستدعيهم إلى النظر في الدين الذي هو يدعو إليه هؤلاء العظماء. أرسل المقوقس رسلاً إلى عمرو بن العاص، فحبسهم عمرو عنده يومين وليلتين؟ ليروا حال المسلمين، فلما عادوا إلى المقوقس، وصفوا له المسلمين فقالوا: "رأينا قوماًالموتُ أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إلى أحدهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، وكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يُعرف رفيعهم من وضيعهم،

стр. 2363

ولا السيد منهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة، لم يتخلف منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويخشعون في صلاتهم". وإن شئت شاهداً على أن استقامتهم كانت قائمة على خشية الله، لا على الخوف من رئيسهم الأعلى، فذلك عمير بن سعد عاملُ عمر بن الخطاب على حمص: وفد على عمر، وسأله عن أشياء، ثم قال له: عد إلى عملك. فقال: لا تردني إلى عملي؛ فإني لم أسلم منه. حتى قلت لذمي: "أخزاك الله"، ولقد خشيت أن يخصمني له محمد ﷺ ، فقد سمعته يقول: "أنا حجيج المظلوم، فمن حاججته، حججته"، ولكن ائذن لي إلى أهلي، فأذن له، فأتى أهله (١). ثالثها: حكمة طرق الدعوة، فإن القرآن الكريم أرشد الدعاة إلى الأخذ بالحكمة والموعظة الحسنة، وأمرهم أن يتحروا في مجادلاتهم أحسن الطرق. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ومن ينظر في سيرة النبي ﷺ ، وجده يأخذ في الدعوة بالطرق التي تجعلها مالوفة للعقول، قريبة من القلوب، فكان يعرضها في لين من القول، ويخاطب كل قوم بما يفهمون، ولا يخاطب أحداً إلا بما يحتمله عقله، وينظر إلى النفوس وما يلابسها من علل وشبهات، ويضع كلامه موضع الدواء الناجع. وانظر قصة دعوته عدي بن حاتم حين دخل عليه في المسجد، فأخذ بيده، وانطلق به إلى بيته، وأخذ يدعوه إلى الحق، ويعالج ما في نفسه من شبه، ويزيحها في رفق، ومما يروى في هذه القصة: أنه قال له: "لعلك إنما يمنعك

стр. 2364

من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم، وقلة عددهم، فإن طالت بك حياة، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، ولئن طالت بك حياة، لتفتحن كنوز كسرى"، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "كسرى هرمز"، (١) فأسلم عدي، وكان من أصدق الناس إيماناً. وقد تعلم الناس من القرآن والسيرة النبوية كيف يدعون إلى الدين والإصلاح على طريق الحكمة، وكانت هذه الحكمة من وسائل نجاح الدعوة، وذهابها إلى أقصى الشرق والغرب. رابعها: بلاغة القول، وحسن البيان، ذلك أن بلاغة الداعي مما يأخذ إلى قبول الدعوة؛ فإن إخراج الحق في صورة واضحة جميلة يسرع بإلقائه في النفوس، وإذا نظرت إلى الرسل الذين كان رسول الله ﷺ يبعث بهم للدعوة، وتدبرت في المخاطبات التي كانت تجري بينهم وبين الملوك أو غيرهم من المدعوين، وجدتهم من أبدع الناس بياناً، وأعرفهم بالطرق التي تنفذ منها الدعوة إلى القلوب المستعدة إلى الرشد. وانظر إلى دعوة المهاجر بن أمية للحارث بن عبد كلال، فمما يقول فيها: "فإذا نظرت في غلبة الملوك، فانظر في غالب الملوك، وإذا سرّك يومك، فخف غدك، وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارهم، وبقيت أخبارهم، عاشوا طويلاً، وأملوا بعيداً، وتزودوا قليلاً، منهم من أدركه الموت، ومنهم

стр. 2365

من أكلته النقم، وإني أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى، لم يمنعك، وإن أرادك، لم يمنعك منه أحد". ثم انظر إلى دعوة عمرو بن أمية الضمري للنجاشي، فمما يقول فيها: "إن عليَّ القول، وعليك الاستماع، إنك كأنك في الرقة علينا منا، وكأنا بالثقة بك منك؛ لأنا لم نظن بك خيراً قط إلا نلناه، ولم نخفك على شيء قط إلا أمنّاه، وقد أخذنا عليك الحجة من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد، وقاض لا يجور، وفي ذلك وقع المحزّ، وإصابة المفصل، وإلا، فأنت في هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى بن مريم". وإذا عُدَّ بذل المال في وسائل نجاح الدعوة، فلأن الإحسان يزيل ما في النفوس من نفور، فيهيئها للنظر في أمر الرسالة، والتأمل في دلائلها، فإذا أذن الشارع بصرف جانب من المال لبعض من لم تطمئن قلوبهم بالإيمان، فإنما أذن في وسيلة من وسائل لفت النفوس المتجافية عن الحق إلى النظر في أمره، لعلها تصل إلى العقيدة الصادقة. قال بعض من نَفَّلهم النبي ﷺ ، من غنيمة هوازن: (لقد أعطاني رسول الله ﷺ وإنه لأبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إليّ). أما عن سوء سيرة رؤساء الأمم غير المسلمة، وعنف سياستهم، فذلك سبب لنفور أولئك الأقوام منهم، ووهن عزائمهم في الدفاع عن عروشهم، فيصح أن يعد من ميسرات تلك الفتوح التي هي وسيلة إلى الاتصال بالشعوب، وذلك الاتصال وسيلة إلى اطلاعها على مزايا الإسلام، ومحاسن آدابه، فتدخل فيه بركبة تملأ أفئدتها.

стр. 2366

وانظروا إلى قصة المغيرة بن شعبة إذ دخل على رستم قائد جيوش كسرى، وجلس معه على سريره، فوثب عليه الجند وأنزلوه، كيف قال كلمة حق، وكان لها في الجند أثر، قال: "إنا - معشر العرب - لا يتعبد بعضنا بعضاً، فظننت أنكم تتواسون كما نتواسى، فكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبرونا أن بعضكم أرباب بعض"!. * ما يثار حول انتشار الإسلام من شبه: يزعم بعض المخالفين غير المنصفين: أن الإسلام انتشر بالسيف، وأن النبي ﷺ قد كره الناس على قبوله، وهذا الزعم باطل، والحق أن دين الإسلام انتشر بالدعوة، وانقاد إليه الناس من طريق الحجة، وإليك البيان: كان النبي ﷺ يجاهد في مكة بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد عرفتهم ما كان يلاقيه من المشركين من أذى، وما ينالون به أصحابه من سوء العذاب، حتى هاجر بعض أصحابه إلى الحبشة، وهاجر هو وبقية المسلمين إلى المدينة المنورة، وهنالك تألف حوله حزب من المهاجرين والأنصار، وأصبح هذا الحزب بين أربعة أصناف من المخالفين: معاهدون: وهم اليهود وبعض قبائل من العرب؛ كبني مدلج، وبني ضمرة. ومنافقون: وهم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر. ومحاريون: وهم كفار قريش ومن شاكلهم في المجاهرة بالعداوة، والسعي للقضاء على هذه الدعوة قبل ظهورها، ومتاركون: وهم القبائل التي لم تتعرض لحربه، ولم تدخل معه في عهد. وقد جرى حكم معاملاته - صلوات الله عليه - لهذه الأصناف الأربعة على مقتضى الحكمة، وهو رعاية حق المعاهدين ما استقاموا على عهدهم، والأخذ في معاملة المنافقين بظاهر حالهم، ومسالمة المتاركين ما داموا على

стр. 2367

حيادتهم، وإعلان الحرب على من وقف موقف العدو الذي لا يرعى عهداً، ولا يقبض يده عن شر. ومن درس غزواته ﷺ ، وسراياه، وجدها إما حرباً لعدو لم يدع أذى وصلت إليه يده إلا فعله؛ كغزوة بدر، أو دفاعاً لعدو مهاجم؛ كغزوة أحد، وغزوة حنين، أو مبادرة لعدو تحفز للشر؛ كغزوة بني قريظة، وغزوة المريسيع، وغزوة دومة الجندل، وغزوة ذات السلاسل، أو كسراً لشوكة عدو نقض العهد، وعرف بمحاربة الدعوة، واتخذ كل وسيلة للانتقام من القائمين بها، والقضاء عليها؛ كفتح مكة. حارب ﷺ أولئك الأعداء، وكان يحاريهم في جانب عظيم من السماحة، فنهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ، ونهى عن المثلة، وكان يمضي كل تأمين يصدر من أحد من المسلمين لبعض المحاريين، ولو صدر التأمين من امرأة أو عبد (١)، وقال: "ويسعى بذمتهم أدناهم"، وكان يوصي بالإحسان إلى الأسرى، وقد يطلق سبيلهم من غير فداء؛ كما أطلق سبيل سبعين رجلاً من المشركين هبطوا عليه في صلح الحديبية يريدون غرته؛ وقد أشار القرآن المجيد إلى هذه القضية، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]. وإذا عقد مع قوم عهداً، حافظ على العهد إلى أن ينقضوه بأنفسهم، ومن أظهر المثل التي نسوقها على هذا: قصة أبي رافع الذي بعثه إلى قريش؛

стр. 2368

فإنه لما لقي النبي ﷺ ، وقع في قلبه الإيمان، وقال: يا رسول الله! لا أرجع إليهم، فقال النبي ﷺ : "إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ارجع إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن، فارجع". ونص الفقهاء على أنه لا يقتل المعتوه، ولا الأعمى، ولا الزَّمِن، ومن الفقهاء من يقول: لا يقتل الأعمى والزمن، ولو كانا ذوَي رأي وتدبير. وما زال ﷺ يدافع أولئك المعتدين على الوجه المذكور آنفاً، إلى أن شرعت الجزية في السنة الثامنة أو التاسعة للهجرة، ونزل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فأخذ الجزية من النصارى واليهود والمجوس. أخذها من نصارى نجران، ومن اليهود الذين كانوا باليمن، ومن المجوس الذين كانوا بالبحرين، أما محاربته ليهود المدينة، فكانت قبل شرع الجزية. واختلفت أنظار الفقهاء فيمن تقبل منهم الجزية، وقد قرر جماعة منهم: أن الجزية تقبل من كل مخالف، ولو لم يكن من أهل الكتاب، قال ابن حجر في "الفتح": "وقال مالك: تقبل الجزية من جميع الكفار إلا من ارتد، وبه قال الأوزاعي، وفقهاء الشام". وقال ابن القاسم من أصحاب مالك: "إذا رضيت الأمم كلها بالجزية، قبلت منهم" (١). وإذا لم يرد أن النبي ﷺ أخذها من عبدة الأصنام، فلأن مشركي العرب أسلموا قبل نزول آية الجزية؛ لأنها إنما نزلت بعد غزوة تبوك، وكان رسول الله ﷺ قد فرغ من قتال العرب،

стр. 2369

واستوثقت كلها بالإسلام، فعدم أخذه الجزية من عبدة الأصنام لعدم وجود من يؤخذ منه، لا لأنهم ليسوا من أهلها (١)، وفي "صحيح مسلم" أنه قال: "إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى خلال ثلاث، فأيتهن أجابوك إليها، فاقبل منهم، وكف عنهم". ثم أمره أن يدعوهم إلى الإسلام، أو الجزية، أو يقاتلهم. فلا شبهة أن الدعوة انتشرت في مكة بالحجة، ولا شك أن الأنصار من الأوس والخزرج أسلموا بمجرد الدعوة. وكذلك من أسلم من اليهود بالمدينة، فإنهم أسلموا وهم في حماية العهد الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ . وأسلم قبل فتح مكة رجال كثير من قريش باختيار منهم، مثل: خالد ابن الوليد، وعمرو بن العاص، وطلحة بن أبي طلحة، ومن غير قريش مثل: رفاعة بن زيد الجذامي، وأبي موسى الأشعري، وأصحابه الأشعريين، وكذلك كان إسلام فريق من الحبشة. ومن أسلم بعد فتح مكة من قريش قد أسلموا بعد أن أعطاهم النبي ﷺ الأمان بقوله: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن أغلق بابه، فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام، فهو آمن". وبقوله - صلوات الله عليه - لقريش: "لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء،. ونرى قبيلة ثقيف لم يدخلوا الإسلام يوم كان النبي ﷺ محاصِراً لهم وهم بالطائف، ولكنهم بعد أن تركهم، وعاد إلى المدينة، جاؤوا إلى المدينة فأسلموا بحق، ثم عادوا إلى قومهم، وأخذوهم إلى الإسلام بالدعوة فأسلموا، وكذلك كان الشأن في

стр. 2370

القبيلة التي يسلم رؤساؤها من غير حرب؛ فإنه يتركهم يدعون بقية قومهم، ويرسل معهم من يدعو عامتهم بالحكمة والموعظة الحسنة. ومن أسلم في البلاد التي تُقبل من أهلها الجزية لا يصح أن يقال: إنه أكره على الإسلام؛ لأن له سبيلاً إلى البقاء على دينه، وعدم الدخول في الإسلام، وذلك السبيل هو إعطاء الجزية، وليست الجزية بالشيء الذي يضطر الشخص إلى الخروج عن دينه؛ فإن النبي ﷺ أمر معاذاً إذ أرسله إلى اليمن أن يأخذ من كل محتلم ديناراً، أو قيمته (١)، وهذا المقدار اليسير إنما يؤخذ من الرجل البالغ القادر على أدائه، ولا يؤخذ من امرأة، أو صبي، أو فقير عاجز عن الكسب. وكذلك نرى الخلفاء الراشدين في فتوحهم لم يحملوا أمة على الإسلام، بل كانوا يخيرون الأمم بين الإسلام والجزية والمقاتلة، وفي حديث المغيرة ابن شعبة لعامل كسرى: "أمرَنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله، أو تؤدوا الجزية". وماذا يقول هؤلاء الذين يزعمون أن الإسلام انتشر بالسيف إذا نظروا في مسلمي الصين، وجاوة، وغيرهم من الأمم التي دخلت الإسلام بمجرد الدعاية؟! وقد اعترف بعض منصفي الأوربيين بهذه الحقيقة، مثل: (السير توماس أرنولد) حيث قال: "لا يعرف الإسلام بين ما نزل به من الخطوب والويلات خطباً أشد هولاً من غزوات المغول، فقد انسابت جيوش جنكيز

стр. 2371

خان انسياب الثلوج من قنن الجبال، واكتسحت في طريقها العواصم الإسلامية، وأتت على ما كان لها من مدنية وثقافة، على أن الإسلام لم يلبث أن نهض من تحت أنقاض عظمته الأولى، وأطلال مجده التالد، واستطاع بواسطة دعاته أن يجذب أولئك الفاتحين المتبربرين، ويحملهم على اعتناقه، ويرجع الفضل في ذلك إلى حماسة الدعاة من المسلمين الذين كانوا يلاقون من الصعوبات أشدها، لمناهضة منافسينِ عظيمين هما: المسيحية، والبوذية" (١). وقال في كتابه "تاريخ انتشار الأديان": "إن اقتناع المسلمين بأن دينهم دين الحق قد غرس في نفوسهم المران والاندفاع في الدعاية إليه حيثما وجدوا، وآية هذه الدعاية في ثلاثة عشر قرناً مضت: ما نراه اليوم من استقرار الإسلام في نفوس بضع مئات من ملايين البشر منتشرين في كل بقعة من بقاع الأرض". وقال: "بينما كان المغول يغيرون على بغداد، وينهبونها عام (٦٥٦ هـ)، ويحتلون بيت الخلافة من بني العباس، ويغرقونه بالدماء، وبينما كان (فرديناند) يكتسح بقايا المسلمين في قرطبة عام (٦٣٤ هـ)، ويرغم غرناطة - وهي المعقل الأخير للمسلمين في الأندلس- على أداء الخراج، كان الإسلام يظفر في خلال ذلك بالتقدم والانتشار في جزائر سومطرة". وقال سليمان نظيف بك التركي في التعليق على هذا الذي كتبه (السير أرنولد) في صحيفة "صوت تلغراف": "فالترك السلجوقيون في القرن الخامس الهجري، والمغول من بعدهم بقرنين، إنما جاؤوا إلى بلاد الإسلام أعداء

стр. 2372

مغيرين، فما لبثوا أن دخلوا تحت جناح هذا الدين، وصاروا إلى دعاته وناشريه" (١). فالحق: أن الإِسلام لم ينتشر بالسيف، وإنما انتشر بالدعوة والحجة، وإذا كان للفتح أثر في انتشار الإِسلام، فمن جهة أن فتح البلاد يستدعي قصد كثير من المسلمين للرحلة إليها، والإقامة في ربوعها، فيكثر اتصال أهل البلاد بالمسلمين، فيقفون في محادثتهم ومعاملتهم على جانب من حقائق الدين، ولو لم يتعمدوا البحث عنها، ثم إن ظهور الدعاة بمظهر العزة والوجاهة يجعل العيون ترمقهم بإجلال، فتقرب منهم النفوس، حتى إذا وجدتهم على دين أفضل من دينها، وشريعة أحكم من شريعتها، وآداب أرفع من آدابها، آمنت بما يؤمنون، وسارت في حياتها على ما يسيرون.

стр. 2373

نهوض الشباب بعظائِم الأمُور (١) يسبق إلى الأذهان: أن الفتى حديث السنن؛ لقلّة ما مر عليه من التجارب، تخفى عليه عواقب الأمور، ويقصر باعه عن حل المعضلات، وتصريف الأمور بحكمة، ومن هنا نرى الناس يحتملون أخطاء الشباب أكثر من احتمالهم أخطاء غيره، ويعتذرون عنه بحداثة سنِّهِ، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ لمن أنكر عليه عزل خالد بن الوليد من قيادة الجيش الفاتح للشام: إنك حديث السنن, مغضب في ابن عمك. وهذا حق بالنظر إلى الشباب الذين ينشؤون نشأة عادية، فتنمو عقولهم على قدر ما يمر عليهم من السنين، وعلى قدر ما يلاقون من تجارب الحياة. ما استقامت قناةُ فكري ... إلا بعد أن أعوجَ المشيبُ قناتي ولكن التاريخ والمشاهدة يدلان على أن في الشباب من يبلغ في حصافة العقل، وحسن التدبير، المنزلةَ الكافية لأن يلقى على عاتقه ما يلقى على عواتق الكهول أو الشيوخ من عظائم الأمور. وفي مثل هذا الفتى يقول بعض الأدباء: "قد لبس شبابه على عقل كهل، ورأي جزل، ومنطق فصل، حمدت عزائمه، قبل أن تحمل تمائمه"، وفي

стр. 2374

مثل هذا يقول آخر: "وكان بارعاً في العلم، أو السياسة إلى درجة تسمو على سنِّه"، وفي مثل هذا الفتى يقولون: "كان حسن السيرة، رفيقاً بالرعية، على حداثة سنِّه)، وقد يقولون: لا تنظر إلى صغر سن فلان، وانظر إلى عظم ما بلغه من المجد, كما قال البحتري: لا تنظرن إلى الفياض من صغر ... في السنن وانظر إلى المجد الذي شادا إن النحوم نجومَ الأفق أصغرها ... في العين أذهبها في الجو إصعادا وإذا قلبنا صفحات التاريخ, دلتنا على رجال ظهرت عبقريتهم وكفايتهم للقيام بأعمال جليلة، وهم في أوائل عهد شبيبتهم. نقرأ في السيرة النبوية: أن النبي ﷺ ولّى عتاب بن أسيد مكة وقضاءها، وهو في سن الحادية والعشرين، وولّى معاذ بن جبل على اليمن وهو دون سن العشرين، وولّى أسامة بن زيد إمارة جيش فيه الشيخان أبو بكر وعمر، وسن أسامة يومئذ تسع عشر سنة، وولّى عمر بن الخطاب ﵁ كعبَ بن صور قضاء البصرة وهو في سن العشرين. وكان يدعو ابن عباس في المعضلات، ويجلسه بين الأشياخ، وهو دون سن العشرين. وقلّد عثمان ﵁ عبد الله بن عامر ولاية البصرة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، قاد الجيوش، وفتح ما بقي من بلاد الفرس، حتى انقرضت على يده الدولة الساسانية، وولّى الحجاج محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي قيادة جيش أخمد ثورة في الفرس، وقيادة جيش افتتح السند، وكان عمر هذا القائد سبع عشرة سنة، حتى قال فيه بعضهم: قاد الجيوش لسبع عشرة حجَّة ... يا قربَ ذلك سؤدداً من مولدِ وظهر نبوغ مخلد بن يزيد المهلبي في أوائل عهد شبابه، وفيه يقول

стр. 2375

حمزة بن بيض الحنفي: بلغت لعشر مضت من سنيـ ... ـك ما يبلغ السيد الأشيب فهمّك فيها جسام الأمور ... وهمُّ لداتك أن يلعبوا وكان مخلد هذا والياً على جرجان، وتوفي في عهد عمر بن عبد العزيز، وهو ابن سبع وعشرين سنة، وقال عمر بن العزيز: اليوم مات فتى العرب، وأنشد متمثلاً: على مثل عمرٍ تذهب النفس حسرةً ... وتضحي وجوه القوم مغبّرةً سودا وولى المأمون يحيى بن الأكثم قضاء بغداد وهو في سن الحادية والعشرين، وتولى أبو شجاع بن نظام الدين الوزارة للمسترشد، وسنه دون العشرين، ولم يل الوزارة أصغر منه. وإذا انتقلنا إلى النظر في شباب الملوك، وجدنا رجالاً تقلدوا الملك في سن العشرين، أو فيما دونه، أو فيما يزيد عليه بقليل، وأخص حديثي وما أسوقه من الأمثال بمن تولوا الملك في عهد الشباب، وظهرت لهم آثار تدل على كفايتهم للقيام بأعباء الملك. وأضع في أول سلسلة هؤلاء الشباب من الملوك: الخليفة هارون الرشيد, فإنه تولى الخلافة وهو في سن الحادية أو الثانية والعشرين، وماذا أقول في هارون الرشيد، وصحف التاريخ مملوءة بمآثره الحميدة، وبما بلغه الإِسلام في عهده من العزة والعظمة؟!. وإذا لم يكن بدّ من ذكر خصلة من خصاله الزاهرة، فإنه كان يدع القضاء يتمتع بحريته الكاملة، ومما حدثنا به التاريخ: أن يهودياً كان قد رفع عليه قضية لدى القاضي أبي يوسف، وحكم القاضي لليهودي، وكان هارون في المجلس، فبادر إلى تنفيذ ما حكم به القاضي.

стр. 2376

ومن عظماء شباب الملوك: ملك شاه بن ألب أرسلان الملقب بالسلطان العادل، تولّى الملك وهو في سن التاسعة عشرة، أو العشرين، وقد ملك من كاشغر "أقصى مدينة في بلاد الترك" إلى بيت المقدس، وكان مغرماً بالعمران، لهجاً بالصيد، مظفرًا في الحروب، وكانت السبل في أيامه آمنة: تسافر القوافل أو الأفراد مما وراء النهر إلى أقصى الشام من غير خوف ولا رهبة، وأصدق شاهد على إخلاصه في سياسة الأمة: أنه خرج لقتال أخيه أبي سعيد بن ألب أرسلان، واجتاز بمشهد الإمام علي الرضا، فقال في دعائه: "اللهم انصر أصلحَنا للمسلمين، وأنفعَنا للرعية". ومن عظمائهم: محمد بن ملك شاه، فقد تولى السلطنة وهو في سن العشرين، وسار سيرة حسنة، وكانت له الآثار الجميلة من العدل الشامل، والبرّ بالفقراء والأيتام، وكان ساهرًا على أن تكون عقيدة الأمة سليمة، يخشى أن يدخلها الإلحاد، فتتزعزع قوتها المعنوية، وما تفشّى الإلحاد والإباحية في قوم إلا فقلت الرجولة من نفوسهم، وركب العدو أعناقهم. ومن عظمائهم: محمود بن محمد بن ملك شاه؛ فقد تولى السلطنة في خلافة المستظهر بالله، وخطب له في بغداد وهو في سن الحلم، وكان هذا السلطان متوقدًا ذكاء، قوياً في العربية، عارفًا بالتواريخ، شديد الميل إلى أهل العلم والفضل، وهو الذي مدحه الشاعر حيص بيص بقصيدته التي يقول فيها: يا ساري الليل لا جدب ولا فرق ... فالنبت أغيد والسلطان محمود قيلٌ تألفت الأضداد خيفته ... فالمورد الضنك فيه الشاء السيد ومن عظمائهم: فنا خسرو عضد الدولة بن بويه، فقد ولّي سلطنة فارس

стр. 2377

وعمره خمس عشرة سنة، واستولى على العراق والجزيرة، وهو أول من خوطب بالملك في الإِسلام، وكان شهمًا حازماً متيقظًا، محبًا لأهل الفضل، وقصده فحول الشعراء ومدحوه بأحسن المدائح، ومن هؤلاء الشعراء المتنبي، ومما قال فيه: ومن أَعتاضُ عنك إذا افترقنا ... وكل الناس زور ما خلاكا ومنهم محمد بن عبد الله السلامي، وهو الذي يقول فيه: وبشرف آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر ومن عظماء شباب الملوك في الشام أو مصر: أبو الفتح غازي بن السلطان صلاح الدين المعروف بالملك الظاهر، فقد سلم إليه والده مملكة حلب وسنه أربع عشرة سنة، وكان ملكاً حازماً عالي الهمة، حسن السياسة، كثير الاطلاع على حال الرعية وأخبار الملوك، باسطاً للعدل، مجّلاً للعلماء، مجيزاً للشعراء، ورثاه راجح بن إسماعيل الحلبي بقصيدة بديعة يقول في طالعها: سل الخطب إن أصغى إلى من يخاطبه ... بمن علقت أنيابه ومخالبه ثم يقول: أيا تاركي ألقى العدو مسالماً ... متى ساءني بالجد قمت ألاعبُهْ

стр. 2378

ومن شباب ملوك مصر: خمارويه بن أحمد بن طولون؛ فقد تولى ملك مصر وهو ابن عشرين سنة، وكان هذا الملك يمثل الثبات ومقارعة الخطوب؛ فقد أصابه في أوائل ولايته ما يكسر العزم، ولكنه ما زال ينهض حتى ثبت لقتال الخارجين عن طاعته، ووصل أصحابه إلى "سر من رأى" بالعراق، وعظم أمره، واستولت الهيبة منه على القلوب. وإذا نزل بقدره شيء، فهو أنه كان ينفق الأموال الطائلة في الملاهي والزينة. كما فعل في تجهيز ابنته "قطر الندى". وممن يذكر في هذا القبيل: علي بن الحاكم العبيدي، الملقب بالظاهر، فقد تولى ملك مصر وعمره ست عشرة سنة، وكان على خصال حميدة من نحو: السخاء والحلم والتواضع، والعدل في الرعية، والنظر في إصلاح البلاد، وكان لا يدّعي ما كان يدّعيه والده وجدّه من المزاعم، وله كتاب يتبرأ فيه من الغلاة فيه، وفي آبائه. ومن هؤلاء العظماء: المظفّر موسى بن الملك العادل، فقد ملكه والده مدينة "الرها" وهو في سن العشرين، واتسع ملكه بعد، وكان سلطاناً واسع الصدر، كريم الأخلاق، ويقول المؤرخون: إنه أحسن إلى الناس إحساناً لم يعهدوه ممن كان قبله، فكان محبوباً إلى الناس، مؤيداً في الحروب، ومن شعرائه أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن النبيه، ويعجبني من مديحه له قوله: قام بالدنيا وبالأخرى معاً ... فهي ضرات به قد رضيت حسن الظاهر للناس وللـ ... ـه منه حسنات خفيت ومن عظماء شباب الملوك في تونس: أحمد بن محمد بن الأغلب،

стр. 2379

فقد ولي الملك بالقيروان وهو في سن العشرين، وكان حسن السيرة، رفيقاً بالرعية، كثير الصدقات، وكان مولعاً بالعمارة، فبنى بأفريقية حصوناً كثيرة الحجارة والكلس وأبواب الحديد. ومن هؤلاء العظماء: باديس بن المنصور، فقد تولى الملك بالقيروان وعمره إحدى عشرة سنة، وكان ملكاً كبيراً، حازم الرأي، شديد البأس، وأذكر من مآثره: أن الفقيه الزاهد محرز بن خلف بعث إليه بكتاب يعظه فيه، ويطلب رفع مظلمة وقعت على أحد تلاميذه، ومما يقوله في الكتاب: "لا يغرنك توالي زخارف الدنيا عليك، وشاور في أمرك من يتقي الله، وخف من لا يحتاج إلى عون عليك، أنت على رحيل، فخذ الزاد". ولما وصل الكتاب إلى باديس، أصدر أمراً بتحرير طلبة العلم كافة، ورفع المظالم عنهم جملة. ومن هؤلاء العظماء: المعزِّ معد بن منصور العبيدي، تولى الملك وهو في الثانية والعشرين من العمر، وثبّت دعائم دولتهم بالمغرب، ثم أسس الدولة العبيدية بمصر، وكان عاقلاً حازماً أديباً. ومنهم: المعزّ بن باديس؛ فقد تولى الملك وهو في السنة الثامنة من العمر، وكان ملكاً جليلًا، عالي الهمة، حريصاً على تنفيذ أحكام الشريعة الغراء، واجتمع بحضرته من أفاضل الشعراء ما لم يجتمع إلا بباب الصاحب ابن عباد. ويدخل في صف هؤلاء: المستنصر باللهِ محمد بن زكريا؛ فقد تقلّد الملك في تونس وعمره عشرون سنة، فنهض بأعباء الملك، وعلا صيته، وأبقى آثاراً علمية وأدبية وعمرانية أبقت له ذكراً جميلاً، وهو الذي قدم عليه حازم القرطاجني من الأندلس، فأكرم نزله، ومدحه بقصيدته الطائية المعروفة،

стр. 2380

وقصيدته الرائية التي يقول في نسيبها: ولا تعجبوا يوماً لكسر جفونها ... فإن إناء الخمر في الشرع يُكسَرُ ويقول في حال الأعداء: وقد شابه الأعداء جمعاً مؤنثاً ... لذاك غدت في حالة الفتح تُكسَرُ ومن عظماء شباب السلاطين بالمغرب الأقصى: إدريس بن إدريس الحسني؛ فقد أخذت له البيعة بالمغرب الأقصى وعمره إحدى عشرة سنة، فقد نشأ في كفالة مولى أبيه راشد، فأقرأه القرآن الكريم، وعلمه السنّة، وروّاه الشعر وأمثال العرب، وأطلعه على سير الملوك، ودربه على ركوب الخيل، والرمي بالسهام، فلم يصل إلى السنة الحادية عشرة حتى ترشح للأمر، واستحق أن يبايع، وظهر من ذكائه ونبله ما أذهل العامة والخاصة. صعد المنبر يوم بيعته وخطب، ومما قال في خطبته: "أيها الناس! إنا قد ولّينا هذا الأمر الذي يضاعف للمحسن فيه الثواب، وللمسيء الوزر، ونحن - والحمد لله- على قصد جميل، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا, فإن ما تطلبونه من إقامة الحق إنما تجدونه عندنا"، وكان عاملاً بكتاب الله، قائماً بحدوده، وبذلك استقام له الملك، وعظم أمره. ومن هؤلاء العظماء: علي بن محمد بن إدريس، أخذت له البيعة بعد وفاة أبيه، وكان يوم بويع في سن العاشرة من العمر، فظهر ذكاؤه ونبله، وسار بسيرة أبيه وجده في العدل، وإقامة الحق، وقمع الأعداء، وضبط البلاد والثغور، ويقول المؤرخون: كانت أيامه خير أيام. ومن هؤلاء العظماء: علي بن يوسف بن تاشفين، بويع وعمره ثلاث وعشرون سنة، وكان حليماً عادلاً وقوراً، آخذاً بالحزم، فضبط الثغور، وملك

стр. 2381

من البلاد ما لم يملكه أبوه من قبله. ومن عظماء شباب الملوك بالأندلس: عبد الرحمن الناصر، تولى الملك غير متجاوز الثانية والعشرين من عمره، درس عبد الرحمن القرآن والسنّة، وأجاد النحو والتاريخ, وبرع في فنون الحرب والفروسية، وزهت في عصره العلوم والزراعة والصناعة، وساد الأمن في البلاد، وكان للعلماء في عصره الحرية المطلقة، يواجهونه بالأمر بالمعروف، ويتلقى منهم ذلك بصدر رحب. ومواقف منذر بن سعيد في نصحه له معروفة في التاريخ, وهو الذي خطب على المنبر في بعض المجالس الحافلة منكراً عليه الإسراف في تشييد المباني وزخرفتها، وهو الذي خاطبه في أحد المجالس بقوله: يا باني الزهراء مستغرقاً ... أوقاته فيها أما تمهل لله ما أحسنها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبل وكان القضاء في عهده على استقلال لا يخشون معه لومة لائم، وكان القاضي ابن بشير يحكم عليه لخصمه، ويتوعده بالاستقالة إذا لم يمتثل ما حكم به عليه. ومن هؤلاء العظماء: أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج أحد ملوك غرناطة، تولى الملك وهو في السادسة من العمر، وكان الغالب على أيامه الهدنة والصلاح والخير، وكان وزيره الأديب الكبير أبو الحسن بن الجياب، ثم توزر له لسان الدين بن الخطيب. ومن هؤلاء العظماء: ابنه محمد بن يوسف بن إسماعيل، بويع له بعد وفاة أبيه يوسف وعمره تسع سنين، وكان وزيره لسان الدين بن الخطيب بعد أن توزر لأبيه من قبله، ووصفه ابن الخطيب فقال؛ متحلٍّ بوقار وسكينة،

стр. 2382

وسافر عن وسامة يكتنفها جلباب حياء وحشمة، كثير الأناة، ظاهر الشفقة، عطوف، مخفوض الجناح، مائل إلى الخير بفضل السجية، فأنست العامة بقربه، وسكنت الخاصة إلى طيب نفسه، وحمد الناس فضل عفافه، وكلفه بما يعنيه من أمره، وكان مع هذه المزايا مثلاً في الفروسية، قال بعض مادحيه: إن ألمَّتْ هيعةٌ طا ... ر إليها غير وانِ يصدع الليل بقلبٍ ... ليس بالقلب الجبان وأختم حديثي هذا بحديث ملوك تقلدوا في أوائل شبابهم ولايات كانوا فيها مظهر اليقظة والحزم، وتولوا الملك بعده، فساروا فيه سيرة عبقري زادته التجارب خبرة بطرق السياسة الرشيدة. ومن هؤلاء الملوك: هشام بن عبد الرحمن الداخل "مؤسس الدولة الأموية بالأندلس"؛ فقد كان والده عبد الرحمن يوليه في صباه الأعمال، ويرشحه لولاية الملك، ولما توفي عبد الرحمن، تولى هشام الخلافة وعمره ثلاثون سنة، وكان يذهب بسيرته مذهب عمر بن عبد العزيز ﵁. ويدخل في نظم هؤلاء الملوك: عبد الرحمن بن الحكم الأموي، وكان أبوه الحكم يوليه قيادة الجيوش العظيمة في الأندلس وهو ابن خمس عشرة سنة، فيهزم الأعداء، ويعود ظافراً. وأذكر من هذا القبيل: تميم بن المعزّ بن باديس، فوض إليه والده المعزّ ولاية "المهدية" وهو في سن الثالثة والعشرين، وتولى الملك بعده وهو في سن الثانية والثلاثين، وكان حسن السيرة، محمود الآثار, معظمًا لأرباب الفضائل، وقصدته الشعراء من الآفاق، وكان هو نفسه معدوداً من طبقات الأدباء. ومن شعره:

стр. 2383

فإما الملك في شرف وعزٍّ ... عليّ التاج في أعلى السرير وأما الموت بين ظبا العوالي ... فلست بخالد أبد الدهور والغرض من حديثنا عن أولئك الشباب الذين تولوا أموراً جليلة القدر، عظيمة الشأن، فقاموا بأعبائها خير قيام: أن نستنهض همم أبنائنا للأخذ بأسباب قوة الفكر، وسعة الدراية لأول عهد التمييز، ولمواصلة السير في سبيل السيادة بجد وحزم؛ لكي نراهم وهم في ريعان الشباب قد بلغوا بجودة النظر، واستقامة السيرة أن كانوا موضع آمال الأمة، يعملون لسلامتها، والاحتفاظ بعزتها. وواجب على ولي أمر الناشئ أن يشعره بأن بلوغ الفتى المنزلة المحمودة في السيادة وهو في مقتبل العمر، ليس بالأمر المتعذر أو المتعسر، وليس من شك في أن هذا الشعور يريه السيادة قريبة التناول، فيشمر عن ساعد الجد، وسرعان ما يبلغ ذروتها، ومن أدرك السيادة في عنفوان شبابه، فإن مات، مات سيداً، وإن عاش إلى زمن الكهولة أو الشيخوخة، كانت سيادته أطول عماداً، وأرفع ذكراً، وأطيب ثمراً.

стр. 2384

جيل يؤمن بالأخلاق (١) إن الأمم الناهضة تحتاج نفوسها إلى الغذاء الجيد من الأخلاق والسجايا, لتقوى به على مواصلة النهوض إلى المعالي، كما تحتاج أجسامها إلى الغذاء الجيد من الطعام؛ لتقوى به على مواصلة الكفاح في سبيل المعايش، والشجاعة غذاء من أغذية الأمة في طور التحرير، لا يتهاون به إلا صغار النفوس، والذين يستعذبون موارد العبودية، وإن لم تفرض عليهم، وأصل الشجاعة: أن تعرف الحق: حق الله، وحق الأمة، وحقوق المواطنين، وحقك الشخصي، فتوطن نفسك على أن تكون صادق العزم في إعطاء كل ذي حق حقه بالعدل والإنصاف. وقد أوصى المسلمين بأن يكونوا أهل الشجاعة في مواقف الدفاع عن الحق، ما داموا يرجون لهذا الحق العزة والاستعلاء، فقال ﷺ ؛ في سورة النساء: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤]، فأرشدهم الله إلى أنهم بما يرجون من إقامة الحق ومعونة الله عليه، ينبغي

стр. 2385

لهم أن يكونوا أبعد من أعداء الحق عن الوهن والضعف؛ لأن المؤمن الذي يرجو الحق، ويعيش له، ويعد نفسه لإعلانه ونصرته، يجب أن يكون من أبعد الناس عن الوهن في سبيله. ومن هنا يتبين لنا: أن الشجاعة العسكرية وليدة الشجاعة الأدبية، لأن كلا نوعي الشجاعة منبعث عن الولاء للحق، وتوطين النفس على إقامته ونصرته. وإن الرجل الشهم الذي يوطن نفسه على الدفاع عن الحق، ويؤدي الشهادة الصادقة على نحو ما علم، دون أن يهاب ذا جاه أو سطوة، لا يقل عن البطل الصنديد في موقفه بساحة الحرب أمام نيران العدو مدافعاً عن حق أمته وملته ووطنه. إن المسلم الذي يعلم أنه لم يكن مسلماً إلا بشهادة الحق: "لا إله إلا الله" يوطن نفسه على أن ألا يشهد إلا بالحق، ولو على نفسه وعلى والديه في كل المواقف، متمثلًا دائمًا في ذهنه أمر الله للمسلمين: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ولما ربى الإِسلام أبناءه على إقامة الحق ونصرته ومحبته، والشهادة به والإعانة عليه، ربى فيهم بهذه السجية خلق الشجاعة في النفوس، فأخرج منهم أمة لا تهاب الخطوب، وترى الموت في سبيل إعلاء كلمة الحق خيرا من ألف حياة يقضيها صاحبها في مشاهدة الباطل يمشي في الأرض مرحاً. انظروا إلى قول الخليفة الأول أبي بكر الصديق في وصيته لقائده العظيم خالد بن الوليد: "احرص على الموت، توهب لك الحياة"، فباقتحام موارد الموت في سبيل إقامة الحق تبرهن الأمة على أنها جديرة بالحق، وبهذا
следующие страницы →