﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾:
الخطاب للمسلمين، والإيمان بالله: أن يصدق الإنسان بما اختص به تعالى من صفات الكمال على وجه الجزم واليقين، تصديقاً ملاكه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وإنما يقوم التصديق على وجه الجزم واليقين متى استند إلى دليل تطمئن به النفس؛ من نحو: النظر في أسرار الكون، وحكمة المخلوقات، والانتباه لما يلاقيه الإنسان في حياته من ألطاف.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾:
يعني: القرآن الكريم. وصح نسبة الإنزال إلى المسلمين؛ لأنهم مخاطَبون بما فيه من أمر ونهي وعظات وغيرها.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾:
ما أنزل إلى إبراهيم: الصحف المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]. ونسب إنزالها إلى الأنبياء الثلاثة، ثم الأسباط بعد نسبته إلى إبراهيم ﵇؛ لأنهم يتعبدون بما فيها من الأحكام، ومأمورون بالدعوة إليه. والأسباط: جمع سِبْط، وهو الحافد، وهم حَفَدَة يعقوب؛ أي: ذريات أبنائه، وكانوا اثني عشر سبطاً كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] , والمراد: الإيمان بما أنزل الله من الوحي على الأنبياء منهم.
﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾:
﴿أُوتِيَ﴾: أعطي، وما أعطي موسى: التوراة، وما أعطي عيسى: الإنجيل، وعطف عيسى على موسى دون أن يكرر الفعل، فيقول: وما أوتي عيسى؛
стр. 282
لأن عيسى جاء مصدقاً لما في التوراة، وإنما نسخ منها أحكاماً يسيرة، كما قال تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، فكأن ما أوتيه النبيان شيء واحد.
﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾:
بعد أن ذكر ما أنزل على أنبياء بأعيانهم، ذكر ما أنزل على غيرهم من الأنبياء على وجه عام، وذكر ما أوتي موسى وعيسى بوجه خاص؛ لأن الكلام في الآية مع اليهود والنصارى، وموسى متبوع لليهود، وعيسى متبوع للنصارى، وقدم الإيمان بالله؛ لأن الإيمان بالنبي وما أنزل إليه متوقف على الإيمان بالله، وقدم ما أنزل إلينا، وهذا يستلزم الإيمان به على وجهي الإجمال والتفصيل، أما ما أنزل على الأنبياء من قبل؛ كالتوراة والإنجيل، فيكفي الإيمان به على وجه الإجمال، بل قال النبي ﷺ -كما جاء في "الجامع الصحيح" للإمام البخاري-: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إليكم"، والمراد بما لا نصدقهم فيه ولا نكذبهم: ما يكون محتملاً للصدق والكذب. فمن الجائز أن يكون في نفس الأمر صدقاً، فنقع بتكذيبه في حرج، أو يكون كذباً، ولا ينبغي لنا أن نتلقى الكذب، ونضعه بمكان الصدق.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾:
التفرقة: جعل شيء مفارقاً لآخر. و ﴿أَحَدٌ﴾ يستعمل بمعنى واحد، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]. ويطلق على ما يصلح أن يخاطب، واحداً كان أو مثنى أو مجموعاً، وإذا أضيف إليه كلمة (بين)، كان المراد به: جمعاً من الجنس الذي يدل عليه الكلام. وإنما
стр. 283
كان المراد به جمعاً؛ لأن (بين) لا تدخل إلا على متعدد، والجنس الذي يدل عليه الكلام في الآية هو جنس النبيين، فالمراد به: جماعة منهم. والمعنى: لا نفرق بين جماعة من النبيين، فنؤمن ببعضهم، ونكفر ببعض؛ كما فعل اليهود إذ كفروا بعيسى ومحمد، وكما فعل النصارى إذ كفروا بمحمد ﷺ ، بل نؤمن بهم جميعاً. والإيمان بما أنزل إلى الرسول يستلزم الإيمان بهم جميعاً.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾:
الإسلام: الخضوع بالطاعة والانقياد للأمر والنهي. والضمير في قوله: ﴿لَهُ﴾ عائد إلى الله تعالى. والجملة مندرجة تحت قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾. والمعنى: قولوا: آمنا بالله، وقولوا: نحن له مسلمون. فتكون الآية مبتدأة بالإيمان الذي هو التصديق بالقلب، ومنتهية بالإسلام الذي هو انقياد الجوارح بالعمل الصالح.
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾:
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ لأن قول المؤمنين: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. . . إلخ شأنه أن يكون سبباً لإيمان أهل الكتاب الإيمان الصحيح؛ لأنه الحق الذي لا شبهة فيه، وإن تخلف إيمانهم مع وجود ما يدعو إليه، فلقصر نظرهم، وشدة عنادهم.
والمثل يستعمل بمعنى: نفس الشيء وحقيقته؛ من قولهم: مثل الرجل يمثل: إذا قام وانتصب، وبالانتصاب تتحقق صورته، وتبدو ظاهرة.
وقد صرح بعض المحققين بأن المثل في الأصل: عبارة عن نفس الشيء وصورته، ثم شاع استعماله فيما يشابهه، فمعنى الآية: فإن آمنوا بنفس ما آمنتم به.
стр. 284
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾:
﴿تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا، والشقاق: المخالفة والعداوة، والمعنى: وإن أعرضوا عن الإيمان الذي تدعوهم إليه، فإنما هم في مشاقة لك وللمؤمنين، ومن يشاقق الرسول والمؤمنين، فقد شاق الله، وما له في الهداية من نصيب. وقال: ﴿هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ مبالغة في وصفهم بالشقاق؛ حيث جعله مستولياً عليهم استيلاء الظرف على ما يوضع فيه.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾:
أفادت الجملة السابقة أن إعراض أولئك اليهود والنصارى عن دعوة الحق يقضي بأنهم في مشاقة وعداوة للنبي ﵊، وشأن العدو المشاق للأنبياء أن يبذل جهده في إيذائهم، والصد عن سبيلهم. وجاءت هذه الجملة بوعد الله لرسوله بأنه سيعصمه من أولئك المشاقين، فلا تصل إليه أيديهم بأذى.
ويكفي: من الكفاية بمعنى: الوقاية، وفي الآية إيجاز ظاهر؛ إذ الكفاية إنما تتعلق بالأفعال لا بالذات، فالأصل: يكفيك الله شرهم؛ أي: يقيك منه. ويصح أن تحمل على معنى: الإغناء، فيكون المعنى: فسيغنيك الله عن مقاومتهم. وتصدير الفعل بالسين دون سوف إذ قال: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ مشعر بأن ظهوره عليهم واقع في زمن قريب من زمن نزول الآية، وقد أوفى الله بعهده، فأظهره عليهم، ومنعه منهم؛ بتفريق كلمتهم، وقتل من لا بد من قتله، وإجلاء من يكفي في السلامة من شره الإجلاء.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
هذه الجملة واردة مورد التقرير والتأكيد لما تضمنته الجملة السابقة
стр. 285
من ضمان الله تعالى لرسوله الأكرم العصمةَ من أعدائه؛ إذ إيراد وصفَي السميع العليم عقب خطابه ﵊ بقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ يحضر في الذهن معنى أن الله يسمع أقوالك، ويعلم نيتك وما تقصده بجهادك من إعلاء كلمة الحق، ومَنْ كان هذا شأنه، فما وعدك به من النصر على من يعادونك واقع لا محالة. ويصح أن يفهم من إيراد هذين الوصفين: أنه تعالى السميع لما يقول أعداؤكم، العليم بما يبيتونه لكم من مكر، فلا يتركهم دون أن يكف عنكم بأسهم، ويقطع دابرهم.
стр. 286
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨ - ١٤٠].
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾:
الصبغة في أصل اللغة: الحالة التي يقع عليها الصبغ، وهو تلوين الشيء كالثوب بلون، وأطلقت في الآية بمعنى: الإيمان بما ذكر مفصلاً في الآية من قبل؛ لأن الإيمان يتدخل في القلوب تدخل الصبغ في المصبوغ، ويظهر أثره على المؤمن كما يظهر أثر الصبغ على ما يصبغ، ويقال: تصبَّغ فلان في الدين: إذا أحسن دينه.
وهذا متصل بقوله تعالى فيما سبق: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾. و ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ هكذا بالنصب على أنه وارد مورد المصدر المؤكد لقولهم: ﴿آمَنَّا﴾؛ فإنه في معنى: صبغنا الله بالإيمان، وكأنهم قالوا: صَبَغَنا الله بالإيمان صبغته. وإيراد المصدر ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ تأكيداً لفعل يوافقه في المعنى، ويخالفه في
стр. 287
اللفظ؛ مثل: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ معهود في الكلام البليغ.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾:
هذه الجملة واردة في صورة الاستفهام الذي يراد منه النفي، والمعنى: لا أحد أحسنُ من الله صبغة؛ أي: ديناً. وهذا التركيب يدل -بحسب أصل وضع اللغة- على نفي أن يوجد دين أفضل من دين الله، ويبقى احتمال أن يوجد دين يساويه في الحسن، وهذا الاحتمال لم ينفه التركيب بحسب أصل الوضع، ولكن مثل هذا التركيب صار أسلوباً يفهم منه - بمعونة مقام المدح - نفيُ مساواة دين لدين الله في الحسن، كما يفهم منه نفي أن يكون هناك دين أحسن منه. وأفضلية دين الله: من جهة هدايته إلى الاعتقاد الحق، والأخلاق الكريمة، والآداب السمحة، والعبادات الصحيحة، والسياسة الرشيدة، والمعاملات القائمة على رعاية المصالح.
﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾:
﴿عَابِدُونَ﴾: من العبادة، وهي العمل الذي يتقرب به إلى الله تعالى، وإنما يكون العمل عبادة وطاعة يستحق صاحبها ثواب الله إذا صحبه إخلاص، ووقع على الوجه الذي رسمه الشارع الحكيم.
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾:
الخطاب للنبي ﷺ . والمحاجة: المجادلة. ومجادلتهم في الله بمعنى: المجادلة في دينه، ذلك أنهم يدَّعون أن دين الله الحق هو اليهودية، ويزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، فالدين إنما يلتمس منهم، وحق النبوة أن تكون فيهم.
﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾:
الرب: الخالق المنعِم. والمعنى: قل يا محمد لأهل الكتاب: أتجادلوننا
стр. 288
في دين الله بدعوى أنكم أولى به من المسلمين، والحال أنه خالقنا المنعِم علينا، وخالقكم المنعِم عليكم، فنحن وأنتم في العبودية له سواء، وهو أعلم حيث يوحي بدينه الحق، فلا وجه لدعوى اختصاصكم به.
﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾:
لكل فريق منا أعمال يختص بما يترتب عليها من ثواب أو عقاب، فكما أنا نتساوى في العبودية له تعالى، نتساوى في استحقاق الجزاء على الأعمال الصادرة منا.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾:
﴿مُخْلِصُونَ﴾: من الإخلاص، وهو أن يقصد بالعمل وجه الله وحده. وقد وردت في تعريفه عبارات نبُه بها على بعض علاماته، فقالوا: هو أن يعمل الإنسان في الباطن كما يعمل في الظاهر، وقالوا: هو أن يكتم حسناته كما يكتم سيئاته، وقالوا: لا يبلغ الإنسان حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمد على عمل. ولم يصف المسلمون أعمالهم بالحسن، ولا أعمال المخاطبين بالسوء؛ تجنباً لنفور المخاطبين من سماع خطابهم، بل أوردوا كلامهم مورد قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، كما أنهم لم يقولوا: ونحن مخلصون، وأنتم غير مخلصين، بل اقتصروا على نسبة الإخلاص لأنفسهم، وفي ذلك تعريض لطيف بأن المخاطبين غير مخلصين لله؛ فإن إخبار الإنسان باشتراكه مع جماعة في أمر أو أمور، وإفراد نفسه بعد ذلك بأمر، يومئ إلى أن هذا الأمر الذي أثبته لنفسه خاصة معدوم في أولئك الجماعة. فمعنى الجملة: ونحن مخلصون في أعمالنا لله وحده، ولم نخلطها بشيء من الشرك كما فعل غيرنا.
стр. 289
﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾:
لما أنكر على أهل الكتاب محاجَّتهم في الله بغير حق، بقي من مباهتاتهم دعوى أن أسلافهم من الأنبياء كانوا على دينهم، فتكون دعواهم الاختصاص بالجنة صحيحة، فأبطلها سبحانه بقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾. . . إلخ. فحرف ﴿أَمْ﴾ في الآية واقع في مقابلة الهمزة في قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾، والمراد: إنكار محاجتهم في الله، وإنكار قولهم: إن إبراهيم وما عطف عليه من الأنبياء كانوا هوداً أو نصارى، فكأن الآية تقول: قل لهم: لا تحاجونا في الله، وتدَّعوا أننا لسنا على الدين الحق، ولا تقولوا: إن الأنبياء كانوا على دينكم، فكل ذلك زعم باطل، وقول مفترى.
﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾:
هذا وارد مورد إبكاتهم، ومعناه: أن مازعمتموه هو على خلاف ما يعلمه الله، فأنتم تقولون: إن الأنبياء السابقين كانوا على يهوديتكم أو نصرانيتكم، والله يقول: ما كان أولئك الأنبياء على دين اليهودية أو النصرانية، فهل أنتم أعلم بديانتهم، أم الله؟ ولا يمكنهم أن يقولوا: نحن أعلم، وإن قالوا: الله أعلم، قلنا لهم: قد أخبر في القرآن الذي قامت الأدلة القاطعة على أنه تنزيل منه بأن إبراهيم لم يكن يهودياً، ولا نصرانياً؛ أي: إنه بريء من الديانتين.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾:
عند أهل الكتاب شهادة من الله هي أن إبراهيم ﵇ كان على دين الحنيفية بريئاً من اليهودية والنصرانية، وقد بلغتهم هذه الشهادة
стр. 290
من طريق القرآن، وهو المعجز الذي لا تحوم حول صدقه ريبة، فيصح أن تكون هذه الآية منكرة على أهل الكتاب عدم إقرارهم بأن إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً على حسب ما أخبر به القرآن.
وعند أهل الكتاب شهادة من الله هي ما اشتملت عليه التوراة والإنجيل من البشارة برسول تنطبق صفاته على حال النبي ﷺ ، وقد عرفوا ذلك، ولم يقروا به، والامتناع من الإقرار بالشيء مع قيام الحجة على ثبوته كتم للشهادة، فيصح أن تكون الآية منكرة عليهم كتم ما يجدونه في التوراة والإنجيل من صفات الرسول المبشر ببعثته، حيث كانت مطابقة لحال النبي ﷺ مطابقة تامة واضحة.
ولما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية. فمن أهل الكتاب من آمن به، وأخبر بما في كتبهم من ذكره بصفته وعلاماته، ومنهم من لا ينكر أن يكون قد ذكر في الكتابين، ولكنه يكابر، ويقول: المقصود نبي لم يأت بعد.
وقد تصدى لجمع هذه البشائر من كتابي اْلتوراة والإنجيل طائفة من أهل البحث والعلم في القديم والحديث، وبينوا وجه انطباقها على حال النبي ﷺ ؛ بحيث لا يأخذ الناظر الطالب للحق ريبة في أنه الرسول الذي بشرت الأنبياء بمبعثه وعموم رسالته. ومن هذه البشائر: ما جاء في سفر التثنية من التوراة: "أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به". والنبي المماثل لموسى ﵇ في الرسالة والشريعة المستأنفة هو النبي محمد ﷺ ، وإخوة بني
стр. 291
إسرائيل هم العرب؛ لأنهما يجتمعان في إبراهيم ﵇. وقوله: "وأجعل كلامي في فمه" يوافق حال النبي ﷺ من الأمية وعدمِ تعاطي الكتابة.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
الغفلة: السهو والنسيان، وإذا نُفيت عن الله، فقيل: إن الله ليس بغافل عن كذا، فإنما يراد منها: إحصاؤه للشيء، وإحاطته به علماً، فالجملة تهديد ووعيد لأهل الكتاب، والمعنى: أن الله لا يترك أمرهم سُدى، بل هو مُحصٍ لأعمالهم، ومحيط بها علماً، وإذا كانت الأعمال معاصي وآثاماً، استحقوا العقوبة بها، ومن كبر المعاصي والآثام أن يكتم الإنسان شهادة عنده من الله.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
الأمة المشار إليها في الآية: إبراهيم وآله. ووردت هذه الآية في آيات تقدم تفسيرها آنفاً، وأعيدت هنا بعينها؛ مبالغة في التحذير من الافتخار بالآباء، والاتكال على صلاحهم، والمقتضي لهذه المبالغة: أن النفوس مطبوعة على هذا الافتخار والاتكال.
ولتكرار التحذير من الشيء أثر كبير في تطهير النفوس منه، وصرفها عنه، وكأن الآية تقول لأهل الكتاب في تأكيد: إن أمامكم ديناً دعيتم إلى اتباعه، واقترنت دعوته بالحجة، فانظروا في دلائل صحته وسمو حكمته، ولا تردوه بمجرد دعوى أن الأنبياء السابقين كانوا على ما أنتم عليه الآن؛ فإن دعواكم هذه لا تنفعكم، ولو في حال تسليمها لكم؛ إذ لا يمتنع اختلاف الشرائع باختلاف المصالح، وعلى حسب ما تقتضيه حكمة عالم الغيب والشهادة.
стр. 292
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٢ - ١٤٤].
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾:
ثبت أن النبي ﷺ والمسلمين من بعد الهجرة إلى المدينة كانوا يستقبلون في صلواتهم بيت المقدس، واستمروا على ذلك بضعة عشر شهراً؛ وكان النبي - صلوات الله عليه - يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم ﵇ , فنزل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾. . . إلخ الآية. والسفهاء: جمع سفيه، وهو خفيف العقل، ومن لا يميز ما له وما عليه. وولاهم: صرفهم. والقبلة: المكان يتوجه إليه للصلاة، والمراد: بيت المقدس. والاستفهام
стр. 293
في قوله: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ للإنكار. والمعنى: أن الجاحدين لنبوتك من اليهود والمنافقين سيقولون على وجه الإنكار -إذا حولتم وجوهكم عن استقبال بيت المقدس في الصلاة-: أيُّ شيء صرفهم عن استقبال القبلة التي كانوا عليها؟ وهذه الآية تدل على أنه سيقع حادث في أمر القبلة، وأن السفهاء سيتخذونه وسيلة إلى الطعن في حكمة التشريع. وسمى أولئك الجاحدين سفهاء؛ للتنبيه على أن إنكارهم لتغيير القبلة إنما هو وليد الجهل وخفة العقل.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾:
هذا تعليم من الله تعالى لنبيه الكريم الجواب عن إنكار أهل الكفر والنفاق لتحويل القبلة. والمراد من المشرق والمغرب: جميع الأرض. ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: شرع قويم. والمعنى: قل يا محمد إذا قالوا ذلك: إن جميع الأمكنة مملوكة لله، وهي بالنسبة إليه متساوية، وله أن يخص بعضها بحكم دون بعض، فإذا أمرنا باستقبال جهة في الصلاة، فلحكمة اقتضت الأمر، وما على الناس إلا أن يمتثلوا أمره، وهو الذي يهدي من يشاء من خلقه، فيوفقه إلى طريق مستقيم؛ إذ يستقبل القبلة التي أمره بالتوجه إليها. وقال هنا: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هكذا منكَّراً؛ لأن المراد منه: أمر جزئي من أمور الشريعة هو استقبال البيت الحرام. وقال في سورة الفاتحة: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ معرفاً بأل؛ لأن المراد: الشريعة كلها، فكان من المناسب تعريفه بأل المفيدة للكمال.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾:
الوسط في الأصل: ما بين طرفين أو أطراف، ويستعمل بمعنى: العدل والخير، ويوصف به المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث؛ وهو في الآية بمعنى:
стр. 294
خيار عدول، وقيل للخيار: وسط؛ لسلامة الوسط مما يسارع إلى الأطراف من الخلل والفساد؛ وسالك الوسط من الطريق محفوظ من الانحراف إلى غير طريق. والمعنى: ومثلما جعل قبلتكم وسطاً؛ لأنها البيت الحرام الذي هو بناء الخليل إبراهيم ﵇ جعلكم أمة وسطاً بين الأمم؛ ليتحقق التناسب بينكم وبين القبلة التي تتوجهون إليها في صلواتكم. ويصح أن يكون لفظ: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ للتنبيه على الخبر المهم الذي ذكر بعده، وهو جعل المخاطبين وسطاً؛ أي: عدولاً، وما ترتب عليه من شهادتهم على الناس يوم القيامة.
﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾:
هذا بيان لوجه جعلِهم خياراً عدولاً، وهو استشهادهم، وقبول شهادتهم على الخلائق يوم القيامة. وشهداء: جمع شهيد، وصفٌ من الشهادة، وهي إخبار الإنسان بما شاهده، أو شهده؛ اْي: حضره، وتستعمل في الإخبار بما علم - ولو من غير طريق المشاهدة -. وتكون الشهادة في الدنيا بين الناس على أعمالهم ومعاملاتهم، وفي الآخرة بين الرسل وأممهم، كما قال تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩].
وتحمل شهادة الأمة في الآية على شهادنهم على الأمم السابقة بأن أنبياءهم قد بلغوهم الرسالة على وجهها؛ ومستند هذه الشهادة: ما قصه علينا القرآن الكريم من أنبائهم. وشهادة الرسول ﵊ على أمته: إخباره بتصديقهم له، وتلقيهم دعوته بالطاعة. والحكمة في شهادة الأمة المسلمة على الأمم يوم القيامة: إظهار فضل الأمة التي استنارت بالحجة، واطمأنت للمعجزة، فاَمنت بجميع الأنبياء ﵈ , ولم تفرق بين أحد منهم.
стр. 295
وإيراد شهادة الأمة المسلمة على الناس مورد العلة لجعلهم وسطاً لا ينفي أن يكون هناك حكمة أو حكم أخرى تترتب على جعلهم أمة خياراَّ عَدولاً. وينتزع من الآية حكم ظاهر هو أن الشهادة لا تقبل إلا من العدول. والعدل: من يجتنب الكبائر من المعاصي جملة، ويتقي صغائرها في أغلب أحواله، ولا يأتي ما يقدح في مروءته.
وقال الفقهاء؛ حرصاً على عدم إضاعة الحقوق: ولو اتفق أن كان أهل البلد كلهم فساقاً، لأقمنا للشهادة عليهم أقلَّهم فسقاً.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾:
الجعل هنا بمعنى: الشرع؛ والمراد من القبلة: بيت المقدس، فيكون في الآية دليل على أن الاتجاه إلى بيت المقدس كان بأمر من الله؛ كما ورد صريحاً في بعض الروايات، وهذه الآية جاءت لبيان حكمة الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس قبل أن تجيء الآية الناسخة لها. والحكمة: ما أرشد الله تعالى إليه بقوله: ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، والانقلاب: الارتداد. والعقب: مؤخر القدم. ومعنى الانقلاب على العقب: الارتداد عن الإسلام. والمعنى: ما شرعنا التوجه إلى بيت المقدس إلا لنعلم من يتبع الرسول، ويأتمر بأوامره في كل حال، متميزاً ممن لم يدخل الإيمان في صميم قلبه، وإنما دخل في الدين، ووقف منه على حرف؛ بحيث يرتد عنه بأدنى شبهة؛ والله عالم بكل شيء، ولكنه شاء أن يكون معلومه الغيبي مشاهداً في العيان؛ إذ تعلَّق العلم بالشيء واقعاً في العيان هو الذي تقوم عليه الحجة، ويترتب عليه الثواب والعقاب.
стр. 296
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾:
(إن): هي (إنَّ) المشددة، خففت وألغيت عن العمل، وأتى بها لمجرد التأكيد.
والضمير في ﴿كَانَتْ﴾ عائد إلى القبلة، وكبيرة: ثقيلة شاقة. وإنما أخبر عن القبلة بأنها ثقيلة شاقة على بعض النفوس؛ لأنها اسم لبيت المقدس الواجب استقباله في الصلاة، فوجوب الاستقبال صار شطراً من معنى القبلة؛ وهذا الشطر هو الذي جعلها شاقة على بعض النفوس. والمعنى: وإن القبلة -التي شرعناها لتمييز من يتبع الرسول ممن يعصي أمره- لا يسهل الاستسلام لشرعها إلا على الذين جعل الله في قلويهم نوراً من الهدى؛ فإنهم يتجهون إليها بخضوع، ولا يجدون في صدورهم حرجاً من استقبالها.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾:
سبب نزول هذه الجملة: ما روي في الصحيح عن البراء بن عازب: أنه قال: "مات على القبلة -أي: بيت المقدس- قبل أن تحول رجالٌ، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. ومن هنا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن المراد من الإيمان: الصلاة، وأطلق الإيمان على الصلاة؛ لأنه لازم لها؛ إذ لا صلاة بحق إلا مع الإيمان. ويصح أن يكون في الجملة مع هذا وعد للمخاطبين الذين ثبتوا على الإيمان عند فتنة القبلة بأن الله لا يضيع إيمانهم. ومعنى عدم إضاعة الصلاة أو الإيمان: أن الله يجازيهم على ذلك الجزاء الأوفى.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾:
الرؤوف: من الرأفة، وهي صفة تقتضي دفع المكروه، وإزالةَ الضرر.
стр. 297
والرحيم: من الرحمة، وهي صفة تقتضي الإنعام. وقدم رؤوف على رحيم؛ لأن دفع الضرر يقدم على الإنعام عندما تقتضيهما حال الشخص. وهذه الجملة واقعة موقع الاستدلال على أنه نقلهم من شرع إلى شرع أصلح، وعلى أنه لا يضيع صلاتهم، أو إيمانهم، فيتركه بغير ثواب؛ فإن الرؤوف الرحيم لا ينقل الناس من شرع إلا إلى ما هو أصلح، ولا يضيع أجر من آمن منهم وأحسن عملاً.
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾:
دل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾. . . إلخ، على أنه سيقع تغيير للقبلة، وجاءت هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ﴾ خطاباً للنبي ﷺ ، ووعداً له بأن القبلة التي سيؤمر بالتوجه إليها هي الجهة التي يحرص على أن ينزل الوحي بجعلها القبلة؛ وكان ﷺ عندما أحب تحويل القبلة إلى الكعبة يُقبل بوجهه الكريم على السماء التي هي مصدر الوحي منتظراً نزول الوحي بذلك. ومعنى توليته قبلة يرضاها: تمكينه من استقبالها بشرع ذلك على وجه الإيجاب.
وتحويل القبلة إلى الكعبة شُرع على مقتضى الحكمة، ورغبتُه ﵊ فيه كانت موافقة للحكمة المقتضية للتحويل، وتقلب وجهه في السماء انتظاراً لشرع الحكم يدل على أنه قد يشعر بحكمة التشريع قبل نزول الوحي به.
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾:
وعد الله تعالى نبيه - صلوات الله عليه - بتوليته قبلة يرضاها، وعقب ذلك الوعد بالإنجاز، فقال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾. والشطر: يطلق بمعنى:
стр. 298
نصف الشيء والجزء منه، ويطلق بمعنى: الجهة والنحو، وهذا ما يفهم من قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾، والمسجد الحرام: يطلق على المصلى العام، فيتناول الكعبة وما أحيط بها من نحو الحِجْر ومقام إبراهيم، ويطلق على الكعبة نفسها؛ وهذا ما يفهم من الآية؛ إذ القبلة إنما هي البيت الحرام.
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾:
وجه الخطاب باستقبال الكعبة إلى نبيه الكريم، إذ قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾، والمعروف أن الأصل فيما يخاطب به النبي ﷺ من أحكام هو خطاب للأمة قاطبة، وجاءت هذه الجملة: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ مؤكدة لذلك، ودافعة احتمال أن يكون استقبال الكعبة من خواصه. والمشاهد للكعبة يجب عليه أن يستقبل عينها، والغائب عنها يكفيه استقبال جهتها، ويجتهد في تعرف الجهة ما استطاع.
стр. 299
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤ - ١٤٩].
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾:
الذين أوتوا الكتاب: علماء اليهود والنصارى. والضمير في قوله: ﴿أَنَّهُ﴾ عائد إلى تحويل القبلة إلى الكعبة. و ﴿الْحَقُّ﴾: الحكم الثابت بإيجاب الله له. والتالون للكتاب من اليهود والنصارى يعلمون أن التحويل إلى الكعبة حق من جهة أنه دعا إليه من قامت الآيات البينات عندهم على أنه رسول الله حقاً.
стр. 300
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾:
هذه الجملة واقعة موقع الوعيد لأولئك الذين يعلمون الحق ويجحدونه؛ إذ معنى أن الله لا يغفل عن العمل: إحاطته به علماً. وعلمه تعالى لما يصدر عنهم من الباطل قولاً أو عملاً، يقتضي جزاءهم عنه الجزاء اللائق به.
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾:
هذه الآية إراحة له ﷺ من التطلع إلى اهتداء أولئك الذين يعرفون الحق من اليهود والنصارى ولا يتبعونه. واللام في قوله: ﴿وَلَئِنْ﴾ تشير إلى قسم مقدر في نظم الكلام لتاكيده، والمعنى: لا تنتظر يا محمد من أولئك اليهود أو النصارى أن يتبعوا قبلتك التي هي الكعبة، ولو جئتهم بكل آية تدل على أن التوجه إليها هو الحق من ربهم؛ لأن إعراضهم لم يكن عن شبهة، فتزول إذا حضرت الحجة، بل هو إعراض عن عناد، وما أضيعَ البرهانَ عند المعاند! والعناد يقع لغلبة هوى في النفس؛ من حب دنيا، أوجاه، أو نحو ذلك.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾:
هذه الجملة إخبار بأنه ﵊ لا يتبع قبلة اليهود ولا النصارى، وردت لتقرير حقية القبلة التي هي الكعبة، وتأكيدها بأنه ﷺ لا يعدل عنها إلى غيرها؛ وفي هذا الإخبار قطعٌ لأطماع ما يتمناه بعض أهل الكتاب من أن يعود إلى قبلتهم. وأفرد القبلة، فقال: ﴿قِبْلَتَهُمْ﴾، مع أن لكل من اليهود والنصارى قبلة خاصة؛ لاتحاد القبلتين في البطلان؛ بالتحويل إلى الكعبة، واتحادهما في الباطل جعلهما بمنزلة قبلة واحدة، والبلاغة العربية تسمح بالتعبير عن المثنى بمفرده إذا لوحظ اتحاد مفرديه
стр. 301
في وصف، كما تسمح بالتعبير عنه بصيغة الجمع إذا أضيف إلى مثنى مثله؛ كما قال تعالى:
﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾:
ما أولئك اليهود بتابعين قبلة النصارى، ولا أولئك النصارى بتابعين قبلة اليهود، يأبون ذلك تقليداً لآبائهم، لا لدليل يستندون إليه بعد المقارنة بين القبلتين؛ فهم متفقون على عدم اتباع القبلة التي هي حق، ومشتركون في أن قبلة كل منهم ليست بحق، فاثبتوا على قبلتكم، ودعوهم وشأنهم، ولا تقيموا لمشاغبتهم وزناً.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾:
لما ثبت أن التحويل إلى الكعبة هو الحق، صار المتوجه إلى غيرها إنما هو متبع للهوى، قال تعالى محذراً للأمة من التوجه إلى بيت المقدس متابعة لأهل الكتاب تحذيراً في صورة الخطاب للإمام الأعظم - صلوات الله عليه -: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، والأهواء: جمع هوى، وهو الرأي الباطل.
والعلم الذي جاءه على طريق الوحي هو أن أهل الكتاب مقيمون على باطل، وعلى عناد الحق، ووصفُ المتبع لأهوائهم بأنه من قبيل الظالمين، وعيدٌ بالجزاء الذي يليق بمن ظلموا أنفسهم أو غيرهم بارتكاب ما ليس بحق. فالآية وعيد وتحذير للأمة من اتباع آراء أهل الكتاب المنبعثة عن هوى، وأخرجت الوعيد والتحذير في صورة الخطاب للرسول الأكرم، الذي لا يتوقع منه أن يتبع أهواء أهل الكتاب؛ تأكيداً للوعيد والتحذير؛ فكأنه يقول: لو اتبع أهواءهم أفضلُ الخليقة وأعلاهم منزلة عندي، لجازيته
стр. 302
مجازاة الظالمين، وأحرى بهذه المجازاة من كانوا دونه في الفضل وعلو المنزلة إذا اتبعوا أهواء المبطلين. ومفاد الآية: أن هذا الوعيد منوط باتباع أهوائهم غير منظور فيه إلى حال المتبع له. وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ شاهد على أن اتباع الرجل للهوى، وهو على علم منه، أفظعُ من اتباعه له وهو على جهالة، وأن مخالفته للحق وهو عالم به أدعى إلى عتابه أو عقابه وهو جاهل به. وقال فيمن يتبع أهواء المخالفين: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وهو أبلغ من أن يقال: إنك ظالم؛ ذلك أن الإنسان إذا تصور فئة من الناس يضعون الأشياء في غير مواضعها بمخالفة أمر الله، أو بالاعتداء على الأعراض والأموال والأنفس، حصلت في نفسه صورة مستبشعة، ووجد فيها كراهية لأن يقال له: أنت من هذه الفئة، أشد من كراهيته لأن يقال له: أنت ظالم.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾:
الذين أوتوا التوراة والإنجيل يعرفون رسول الله ﷺ ، ومعنى معرفتهم له: علمهم بصدق رسالته الحاصل من دلائل نبوته، وموافقة نعوته لنعوت الرسول المبشر به في كتبهم، فهم يعرفون محمداً بصفته رسولاً من عند الله، لا يأخذهم شك في ذلك؛ كما لا يأخذهم شك في معرفة أبنائهم؛ لكثرة ملابستهم لهم، ولمعرفتهم أنه رسول حق يعرفون أن تحويل القبلة إلى الكعبة شرع من الله، لا يأخذهم في ذلك ريب.
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
يكتمون الحق: يخفونه ولا يعلنونه، فمن أنكر الحق، وجحد به، فهو كاتم له، ومن سكت عنه في الوقت الذي يقتضي بيانه، فهو كاتم له، غير
стр. 303
أنه أدنى درجة ممن ينكره بلسانه، ويصد عن سبيله. وقال: (يكتمون)، و ﴿يَعْلَمُونَ﴾ هكذا بالفعل المضارع، فدل على أنهم متمادون في العلم به، وعلى كتمانه؛ لما عرف سابقاً من أن التعبير عن المعنى بالفعل المضارع يدل على تجدده وتتابعه المرة بعد الأخرى.
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾:
جملة مستأنفة لتقرير حقِّية ما جاء به النبي ﷺ من الشرائع بكونه من الله. والرب: المالك المنعم، وقال: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ ليشعره بأن هذا الحق من قبيل الخير الذي ينعم به عليه. ولم يعطف الجملة على ما قبلها، فيقول: "والحق من ربك"؛ لما عرف من فنون البيان أن قوة عناية المتكلم بمعنى الجملة من دواعي إلقائها على المخاطب مستقلة غير تابعة لما قبلها بحرف العطف.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾:
الممترين: من الامتراء، وهو الشك والتردد. والشك فيما أوحى الله به من حق، غيرُ متوقع منه ﵊؛ فالنهي موجه إلى الأمة في صورة الخطاب له؛ إذ في الأمة حديثو عهد بكفر يخشى عليهم أن يفتنوا بزخرف من القول يروِّج به أهل الكتاب شُبهاً تعلق بأذهان من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾:
الوجهة: الناحية، والمراد: القبلة، وموليها: متجهٌ إليها بتولية وجهه إياها.
والاستباق: أشد السرعة؛ لأن الذي يسابق غيره إلى غاية يبذل جهده
стр. 304
في أن يسبقه إليها. فالأمر بالاستباق أمر بأقصى ما يمكن من السرعة. والخيرات: جمع خيرة، وهي الفاضلة من الشيء. والمراد: الأعمال التي اختارها الله للعباد ورضيها. والمعنى: لكل فريق قبلة يتجهون إليها، فسارعوا أنتم جهدكم إلى ما اختاره الله لكم من الأعمال التي من جملتها التوجه إلى الكعبة للصلاة.
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
هذا وعد لمن يطيع أمر الله، ويستبق الخيرات، ووعيد لمن يخالف أمره، وينصرف عن عمل الخير؛ كالذين يكتمون الحق وهم يعلمون، أو يولون وجوههم غير المسجد الحرام؛ فالله يأتي بالفريقين المطيعين والمخالفين يوم البعث من أي مكان أدركهم فيه الموت؛ ليجازي كل فريق على حسب طاعته أو مخالفته، ولا يعجزه ذلك، لأنه قادر على كل شيء.
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
شرع القرآن الكريم تحويل القبلة إلى الكعبة، وكرر الأمر بتولية الوجوه إليها في الصلاة، وكرر الوعيد على عدم اتباعها، وأتى في ذلك بوجوه من التأكيد تدل على عناية بالغة بشأنها؛ والمقتضي لهذه العناية، مع أن التوجه إلى القبلة فرع من فروع الدين، لا ركن من أركانه: هو أن التحويل جاء على خلاف رغبة اليهود؛ إذ كانوا يحرصون على أن يستمر المسلمون على التوجه إلى قبلتهم بيت المقدس، فاتخذوا من تحويل القبلة شبهة يقدحون بها في صحة النبوة؛ ليفتنوا ضعفاء العقيدة، وزعموا أن نسخ الحكم بعد شرعه منافٍ للحكمة، فلا يقع في الشرائع الإلهية، وانتشر تهويشهم، وكان له فيما يروى أثر في بعض النفوس الضعيفة، وبهذا أخذت مسألة القبلة شأناً
стр. 305
غير شأن بقية الأحكام الفرعية. ثم إن للقبلة بين الأمم شأناً عظيماً؛ إذ أصبح شعار كل ملة قبلتها، ولا يفارق الإنسان قبلة دينه إلا إذا فارق الدينَ نفسه، فلا جرم أن يُعنى القرآن بأمر القبلة هذه العناية من تكرار الأمر، والوعيد، ودفع الشبه، وتأكيد أنها الحق من الله، حتى يرد شغب أهل الكتاب، وينهض بضعفاء الإيمان إلى منزلة الراسخين في العلم.
стр. 306
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠ - ١٥٤].
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾:
قال تعالى عند شرع تحويل القبلة إلى الكعبة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. ثم قال مخاطباَّ للنبي ﷺ وحده: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، فدل على أن توجُّهه للكعبة كتوجه الأمة لا يختص ببقعة دون بقعة، ولا بزمان دون زمان، ولا بحضر دون سفر؛ ثم أعاد الأمر مخاطباً للنبي ﷺ وسائر الأمة على وجه النعميم في جميع الأمكنة والأحوال، فقال تعالى:
стр. 307
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ولم يعد الأمر على هذا الوجه لمجرد التأكيد، بل أعيد ليرتب عليه التنبيه على علة التشريع بقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾:
الناس: اليهود والمشركون. والحجة تطلق في أصل اللغة على كلام يقصد به غلبة الغير، سواء أكان دليلاً صحيحاً، أم باطلاً، كما قال تعالى: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦]، فالشبهة قد يطلق عليها في مجاري الاستعمال لفظ الحجة؛ وتحويل القبلة إلى الكعبة يبطل مما يجادل به اليهود في رسالة النبي ﷺ قولهم: يخالفنا في ديننا، ويتبع قبلتنا؛ ويبطل مما يجادل به المشركون قولهم: إن محمداً لما ترك التوجه إلى الكعبة، ترك دين إبراهيم.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾:
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: هم المعاندون من فريقي اليهود والمشركين؛ فلاستيلاء الأهواء على قلوبهم لا يرجعون في تمييز الرشد من الضلال إلى الأدلة، ولا يرجى من الشبه التي تعلق بأذهانهم، أو تجري على ألسنتهم أن تذهب عند حضور الحجة الساطعة على بطلانها.
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾:
الخشية: الخوف؛ والمعنى: فلا تخافوا أولئك المعاندين، ولا تقيموا لما يشاغبون به في أمر القبلة وغيره وزناً؛ فإني أكفيكم بأسهم، وأرد عنكم كيدهم، وخافوني فيما آمركم به من الطاعات، وحافظوا على التوجه في صلواتكم إلى البيت الحرام.
стр. 308
﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾:
هذا معطوف على قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، فهو حكمة ثانية لتولية الوجوه شطر المسجد الحرام. والمعنى: فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام؛ قطعاً لمحاجة اليهود والمشركين، ولأجعل نعمتي عليكم في تشريع ما هو الأصلح والأفضل تامة.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾:
قد تقوم (لعلَّ) في القرآن مقام التعليل، فتكون هذه الجملة منبهة لحكمة ثالثة في تحويل القبلة إلى الكعبة، وهي اهتداء المخاطبين بالسير في صراط مستقيم. وقد جعل في الآيات السابقة التوجه إلى القبلة المأمور بها صراطاً مستقيماً إذ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢].
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾:
المعنى: حولت القبلة إلى شطر المسجد الحرام؛ لأتم عليكم النعمة، ولتكونوا من المهتدين، كما أرسلت فيكم رسولاً منكم إجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل إذ قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]. . . الآية. وفي إرسال الرسول فيهم، وهو منهم، نعمة تستوجب شكراً زائداً على شكر أصل إرساله بالهدى ودين الحق؛ إذ إرساله منهم يسبقه معرفتهم لنشأته الطيبة، وسيرته النقية، وهممه السنية؛ وهذه المعرفة شأنها أن تسرع بأولي البصائر والفِطَر السليمة إلى اتباعه لأول معجزة تظهر على يده.
﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾:
الآيات: دلائل التوحيد والنبوة والبعث، وتلاوتها: التذكير بها. ويصح
стр. 309
أن يراد من الآيات؛ آيات القرآن، وتلاوتها: قراءتها؛ فإن العارف بأساليب حسن البيان يدرك من مجرد تلاوة القرآن كيف ارتفع إلى الذروة التي كان بها معجزة ساطعة.
﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾:
يطهركم من الشرك والأخلاق الذميمة، واذا أشرقت النفوس بالتوحيد، وتحلت بالأخلاق الكريمة، قويت على تلقي ما يرد عليها من الحقائق السامية.
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾:
﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن، وتعليمه: بيان ما قد يخفى من معانيه، فهو غير التلاوة؛ كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقد أبعد في التأويل من حمل الكتاب على الكتابة، إذ لم يكن من سيرة النبي ﷺ تعليم الكتابة، وإنما كان يأمر بتعليمها وتعلمها. والحكمة: ما يصدر عنه ﷺ من الأقوال والأفعال التي جعل الله للناس فيها أسوة حسنة.
﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾:
ومما لم يكونوا يعلمونه، وعلَّمهم إياه النبي ﷺ : وجوه استنباط الأحكام من النصوص، أو الأصول المستمدة منها، وبهذا النوع من التعليم صار الدين كاملاً قبل انتهاء عهد النبوة. ومما تلقوه عن الرسول الأكرم: العقائد السليمة، والعبادات الخالصة، والأخلاق القويمة، والآداب السَّنية، والأحكام العادلة، والسياسة الرشيدة.
وقد كان العرب في جاهليتهم لا يُحكمون سياسة الجماعات، وبعد أن تلا عليهم الرسول الأكرم آيات الله، وعلمهم الكتاب والحكمة، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، خرج منهم رجال صاروا مثلاً عالية في سياسة الأمم
стр. 310
المختلفة البيئات والنزعات.
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾:
ذكر الشيء: التلفظ باسمه، ويطلق بمعنى: إحضاره في الذهن، وهو ضد النسيان، ولا يكفي الإنسانَ في ذكر الله أن يُجري اسماً من أسمائه على لسانه، إلا أن يستحضر عظمته وجلاله، واستحضارُ العظمة والجلال هو الذي يبعث على استفراغ الوسع في الأعمال المأمور بها؛ من نحو: التسبيح، والتحميد، والتفكر في حكمة المخلوقات، وصرف الجوارح فيما يأذن به الخالق - جل شأنه - ويرضاه.
وذكرُ الله للعبد يفهم على معنى: كفايته من يريد به سوءاً، ثم الإنعام عليه بالعزة في الدنيا، والسعادة في الأخرى. فالذكر في قوله: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ مستعمل فيما يترتب على الذكر من المجازاة بما هو أوفى وأبقى.
﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾:
الشكر: عرفان الإحسان وإظهاره بالثناء على المحسن، يقال: شكره، وشكر له؛ كما يقال: نصحه، ونصح له. وشكر العبد لله يطلق بمعنى: ذكر إحسانه الذي هو النعمة، ومن ذَكر أن ما يصل إليه من الخير هو من نعم الله عليه، واعترف بذلك من صميم قلبه، وحضر في نفسه جلال المنعم، لم يلبث أن يصرف ما أنعم الله به عليه من العقل والجوارح فيما يرضيه، ومن هنا صح حمل الشكر على معنى: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من العقل والجوارح فيما يأذن به من الطاعات. فالشكر المأمور في الآية: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ هو الشكر الذي يكون من مظاهره حسن الطاعة فيما يأمر به، أو ينهى عنه. وقدّم الأمر بالذكر على الأمر بالشكر؛ لأن الذكر يتعلق بالذات
стр. 311
وعظمتها، فهو أولى بالتقديم على النعم الصادرة عنها.
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾:
الكفر: الجحود، يستعمل بمعنى: عدم الإيمان، فيتعدى بالباء، فيقال: كفر بالله، ويستعمل بمعنى: عدم الشكر، فيتعدى بنفسه، فيقال: كفر بالنعمة؛ أي: جحدها، وكفر المنعم؛ أي: جحد نعمته، ولم يقابلها بالشكر. وهذه الجملة: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ تأكيد لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾:
لما كان الإيمان بحق يستدعي القيام بمصاعب، واحتمال مكاره؛ كالدعوة إلى الحق، والجهاد، وبذل المال في سبيل الخير، ولقاء الأذى من عدو أو سفيه، دل القرآن الحكيم على ما يعين على القيام بالمصاعب، واحتمال المكاره، فقال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، فيستعين الإنسان بالصبر والصلاة على فعل الطاعات، وترك المعاصي، وعلى احتمال المصائب التي تجري بها الأقدار. والصلاة التي يستعان بها على القيام بالطاعات، ومخالفة الأهواء، والاطمئنان عند مفاجأة المصائب، هي الصلاة التي يستحضر فيها المصلي جلال الله، ويتدبر فيما يجري على لسانه من قرآن وذكر. وإن شئت فقل: هي الصلاة التي يلين فيها قلبه خشوعاً. والمفهوم من مقاصد الشريعة: أن الإنسان لا يثاب من صلاته على الأجزاء التي قضاها وقلبه مشغول بأمور دنيوية صرفة.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾:
إن الله مع جميع خلقه بعلمه وقدرته، فهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، ومع بعض خلقه؛ باعزازهم ونصرهم، ووقايته لهم من بأس
стр. 312
أعدائهم، ومعيَّةُ الله للصابرين من هذا القبيل، فالله ناصر للصابرين، وكافيهم شر من يبسطون إليهم ألسنتهم أو أيديهم بالأذى. والجملة بيان لحكمة الاستعانة بالصبر، وهو الفوز والنصر. وقال تعالى: ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ولم يقل: (مع المصلين)؛ لأن الصلاة كما أمر الله لا تقوم إلا بالصبر؛ فالمصلون بحق داخلون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾:
المعروف أن الموت: مفارقة الروح للجسد، فيسلب الجسد الحياة، ويعدم الحس والحركة الإرادية. وهذا المعنى حاصل فيما يرى لمن قتل في سبيل الله، كما يرى لمن مات على فراشه. والآية تنبه على أن في الشهداء مزية تفصلهم عن الموتى المعروفين لدى الناس، وهي أنهم في حياة سارة، ونعيم لذيذ عند ربهم؛ وهذه الحياة الممتازة ترفعهم عن أن يقال فيهم كما يقال في غيرهم: أموات، وإن كان المعنى اللغوي للموت حاصلاَّ لَهم؛ ولهذا يصح أن يقال: مات فلان شهيداً. وقد يكره الشارع إطلاق اسم على شيء، وإن كان إطلاقه عليه موافقاً للغة؛ حيث يكون إطلاقه مشعراً بشيء من الاستهانة بشأنه، ويحب أن يسمى باسم أدلَّ على فضله من ذلك الاسم.
والمعروف أن أرواح السعداء من غير الشهداء في حياة ونعيم بعد الموت، ولكن للشهداء حياة أرقى تمتاز عن حياة غيرهم من السعداء، نؤمن بها كما ذكرها الله تعالى، ولا ندرك حقيقتها؛ إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحي؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا تحسون، ولا تدركون حالهم بالمشاعر؛ لأنها من شؤون الغيب التي لا طريق للعلم بها إلا الوحي.
стр. 313
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٦٠].
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾:
تضمنت الجملة السابقة طلب الاستعانة بالصبر على احتمال المكاره، وتلقِّيها بسكينة؛ أعني: قوله تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، ووردت هذه الجملة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ منبهةً على مواطن لا يمر فيها الإنسان بسلامة إلا إذا اعتصم بعرا الصبر.
(لنبلونكم) من البلو والبلاء، وهو الامتحان والاختبار. و ﴿الْخَوْفِ﴾: غَمٌّ يلحق النفس لتوقّع مكروه، ومن أشدِّ ما تضطرب له النفوس من الخوف
стр. 314
توقُّعها لأن يقع تحت يد عدو لا همّ له إلا أن يرميها بأصلب عود في كنانته. والجوع: الحاجة إلى الغذاء، والمجاعة العامة تغشى الناس من القحط وعدم كفاية ما تنبته الأرض لسد حاجاتهم. وقد يصيب الجوع طائفة منهم لأسباب خاصة؛ كهجرتهم من أوطانهم؛ ليمحصهم الله بالابتلاء، ويمتاز المهاجر إلى دنيا يصيبها من المهاجر إلى الله ورسوله. والأموال: جمع مال، وهو ما يملك، وجرى للعرب عرف باستعماله في النَّعَم خاصة، ومن هنا حمل بعض المفسرين النقصَ من الأموال بهلاك المواشي، والنقصُ من الأنفسِ بِذهاب من عز عليهم بالقتل والموت. والثمرات: جمع ثمرة، وهي حمل الشجر، وقد تطلق على الشجر والنبات نفسه. وقال تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾، فأتى بلفظ (شيء) منكراً؛ ليفيد قلة ما يصيبهم به من هذه المكاره، وأنه يبتليهم منها بقدر ما يمتاز به غير الصابرين من الصابرين.
ومعنى الآية: ولنصيبنكم بشيء من الخوف. . . إلخ؛ لنرتب على الصبر والثبات على الطاعة الثواب، ونرتب على الجزع وعدم التسليم لأمري العقاب.
ومجرد الحزن عند نزول المصيبة معفو عنه، وإنما يؤاخَذ الإنسان على جزع يفضي به إلى إنكار حكمة الله فيما نزل به من البأساء أو الضراء، أو إلى فعل ما حرمه الشارع؛ من نحو: النياحة، وشق الجيوب، ولطم الخدود.
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾:
بعد أن ذكر الله تعالى مواطن تضطرب منها النفوس، وتخرج أو تكاد تخرج فيها عن سبيل الرشد، أردف ذلك بذكر عاقبة الصبر الحسنى، وجزائه
стр. 315
الأسنى، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. . . الآية. وهذه البشارة موجهة إلى الذين يتقون المصيبة بسكينة وتسليم لقضاء الله لأول حلولها، يشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا﴾، فإنه يدل على أنهم يقولون ذلك وقت الإصابة، ويصرح بهذا قوله ﷺ فيما ورد في الصحيح: "الصبر عند الصدمة الأولى". ومعنى ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾: إنا لِلّه ملكاً وعبودية، والمالك يتصرف في ملكه ويقلبه من حال إلى حال كيف يشاء. ومن ربط نفسه بعقيدة أنه مِلْك وعبدٌ لرب حكيم رحيم، وجدها متهيئة للصبر عند كل مصيبة تفاجئه. ومعنى ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: إنا صائرون إليه يوم القيامة، فيجازينا على ما دعانا إليه من الصبر والتسليم إلى قضائه عند نزول المصائب التي ليس في استطاعتنا دفعها.
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾:
الصلوات: جمع صلاة. وصلاة الله على عباده: إقباله عليهم بالعطف، وجمعت؛ مراعاة لكثرة ما يترتب عليها من أنواع الخير في الدنيا والآخرة، وعطف عليها الرحمة، فقال: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾؛ ليدل على أن بعد ذلك الإقبال إنعاماً واسعاً، وجاءت الرحمة مفردة على أصل المصادر، وهو إفرادها؛ لأنها تستعمل في القليل من معناها وكثيره، والمقام في الآية يذهب بذهن السامع إلى كثرة الإنعام المترتب على الصبر الجميل.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾:
فهم الذين اهتدوا لطريق الصواب بالتسليم وقت صدمة المصيبة دون غيرهم ممن جزعوا عند صدمتها حتى صدر منهم ما لم يأذن به الله.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ﴾:
الصفا في أصل اللغة: الحجر الأملس. والمروة: الحجر الأبيض
стр. 316
الليِّن. وجعلا علمين على موضعين بمقربة من البيت الحرام. والشعائر: أعمال الحج، وكل ما جعل علماً لطاعة الله من العبادات، واحدها شعيرة. ومعنى كون الصفا والمروة من شعائر الله: أنهما من المواضع التي يقام فيهما أمر من أمور دين الله، وهو السعي بينهما.
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾:
الحج لغة: القصد، أو القصد إلى معظم. وشرعاً: القصد إلى البيت الحرام، في زمان خاص، بأعمال مخصوصة، والاعتمار كالعمرة لغة: الزيادة، وشرعاً: زيارة البيت الحرام بأعمال مخصوصة، وهي: الإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة. والحج فريضة معلومة من الدين بالضرورة، أما العمرة، فذهب فريق من الأئمة إلى أنها واجبة، ولم يقع في يد آخرين؛ كالإمام مالك دليل كافٍ للقول بوجوبها، فقالوا: إنها سنة مؤكدة. والجناح: الإثم والحرج. و ﴿يَطَّوَّفَ﴾ أصله يتطوف، فابدلت التاء طاء، وأدغمت في الطاء بعدها، فصار يَطَّوَّف، والتطوف بالشيء كالطواف به: الإلمام به، والمشي حوله. وقد فسرته السنة بالنسبة إلى الكعبة بالدوران بها سبعة أشواط، وبالنسبة إلى الصفا والمروة بالسعي بينهما سبعة أشواط كذلك.
وقد اختلفت أنظار الأئمة من أهل العلم في حكم السعي بين الصفا والمروة، فرأى فريق أنه من أركان الحج؛ كالإحرام، والطواف، والوقوف بعرفة، وذهب فريق إلى أنه ليس بركن، وإنما هو واجب يجبر عند تركه عمداً أو سهواً بالدم. وقال بعضهم: هو مستحب. والمسألة مبسوطة في كتب الأحكام.
стр. 317
وقد يخطر على بالك أن قوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يدل على أن التطوف بالصفا والمروة مطلوب للشارع، ومعدود من الطاعات التي أقل درجاتها الندب، وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ يقتضي رفع الإثم عن المتطوف بهما، والتعبير برفع الإثم عن الشيء يأتي في مقام الدلالة على إباحته، فما هو الأمر الداعي إلى أن يقال في هذه الشعيرة: لا إثم على من يفعلها؟ ويرفع هذا الاستشكال بالوقوف على سبب نزول الآية، وهو أن الأنصار كانوا في الجاهلية يُهِلّون "يُحرِمون" لمناة، ثم يطوفون بين الصفا والمروة من أجل صنمين، وهما: أساف، ونائلة، كانا عليهما، فلما جاء الإسلام، تحرجوا من الطواف بينهما. في "صحيح البخاري" عن عاصم، قال: قلت لأنس بن مالك ﵁: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ , فاستبان بهذا أن الآية وردت لدفع التحرج الذي كان يتردد في صدور الأنصار من التطوف بالصفا والمروة.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿تَطَوَّعَ﴾: من التطوع، وهو فعل الطاعة، فريضة كانت أو نافلة. و ﴿خَيْرًا﴾: أصله بخير؛ لأن تطوع إنما يتعدى بالباء، ولا يتعدى بنفسه، ثم حذفت الباء في نظم الكلام؛ نحو: أمرتك الخيرَ، والأصل: أمرتك بالخير، وذلك معنى قول علماء العربية: كذا منصوب بنزع الخافض. و ﴿شَاكِرٌ﴾: من الشكر، وشكر الله لعباده: جزاؤهم على ما يعملونه من الصالحات ابتغاء مرضاته الجزاء الأوفى. والمعنى: ومن أتى بالحج أو العمرة طاعة لله، فاز
стр. 318
بالثواب الجزيل، والنعيم المقيم،؛ لأن من صفاته تعالى مجازاة من يحسنون العمل، وهو عليم بكل ما يصدر عن عباده من الأعمال، فلا يضيع عنده أجر المحسنين.
ويصح حملُ التطوع في الآية على معنى: الإتيان بما زاد على الواجب. ومعنى الآية على هذا الوجه: ومن أتى بالحج أو العمرة مرة أخرى، فزاد على الواجب، فإن الله شاكر عليم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾:
الكتم والكتمان: إخفاء الشيء قصداً مع تحقق المقتضى لإظهاره. وكتم ما أنزل الله يشمل إخفاء نصوصه، وعدم ذكرها للناس، وإزالة النص ووضع شيء آخر مكانه، وتحريفه بالتأويل الفاسد عن معناه الصحيح جرياً مع الأهواء.
و ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الدالة على المقاصد الصحيحة بوضوح، وهي ما نزل على الأنبياء من طريق الوحي. والهدى معناه: العلم النافع، فهو أعم من البينات؛ إذ يشمل المعاني المستمدة من الآيات البينات على طريق الاستنباط، والاجتهاد القائم على الأصول المحكمة. والكتاب: لا يعنى به كتاب معين، بل يراد منه جنس الكتب، فيصح حمله على جميع الكتب التي أنزلت على الرسل ﵈. واللعن من الله للعصاة: إبعادهم من رحمته، وهو من اللاعنين؛ كالملائكة وغيرهم: الدعاء عليهم بالإبعاد من الرحمة.
ودل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ على أن معصيتهم بالكتمان متناهية في الفظاعة؛ إذ عمدوا إلى ما أنزل إليه من هدى، وجعله
стр. 319
بَيِّناً عند الناس في كتاب يتلى، وأقدموا على كتمانه، وإنما يفعل هذا من بلغ الغاية في سفاهة الرأي.
والآية نزلت في أهل الكتاب؛ إذ كانوا يكتمون بعض نصوص كتبهم؛ كما كتموا النصوص التي تتضمن البشارة بالنبي ﷺ ، إذ رأوها مطابقة لنعوته وسيرته، ولكن وعيدها يتناول كل من يكتم بينة أنزلها الله أو هدى. ومن شواهد هذا العموم: قول أبي هريرة كما ورد في "صحيح البخاري": "لولا آيتان في كتاب الله، ما حدثت حديثاً"، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾.
ولكتمان المنتمين إلى علوم الدين ما أنزل الله من هدى بالسكوت أو التحريف أو التأويل الباطل عللٌ بسطنا الحديث عنها في رسالة "الدعوة إلى الإصلاح" (١).
ومدار هذه العلل على عدم الرسوخ في الإيمان، وايثار رضا المخلوق على رضا الخالق - جل شأنه -.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾:
﴿تَابُوا﴾: ندموا على ما صدر عنهم من كتمان ما أنزل الله، وعزموا على عدم العود إليه، وأصلحوا ما أفسدوه بالكتمان ما استطاعوا الإصلاح، وبينوا للناس حقيقة ما كتموه، فأولئك يقبل الله توبتهم، ويشملهم برحمته؛ فإنه تواب رحيم.
стр. 320
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٤].
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾:
تضمنت الآيتان السابقتان لعنَ الكاتمين لما أنزل الله، واستثناءَ التائبين منهم، وذكر في هذه الآية: المصرين على الكتمان، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقد عرفت أن الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ نزلت في أهل الكتاب الذين يكتمون بعض نصوص كتبهم التي من جملتها النصوصُ المشتملة على البشارة بالنبي ﷺ ، فصح التعبير عن أصحاب ذلك الكتمان بالذين كفروا؛ ليحضرهم في الأذهان بأشنع وصف نعياً به عليهم، وهو الكفر، وليتناول وعيدُ الآية كل كافر، ولو بغير معصية الكتمان.