← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

ولم تدر كيف تكلم فيها العرب بالاسم الدال على الذات وصفتها، وبهذا المذهب تستوفي الأفعال صفاتها المشبهة، ولا يبقى فعل من غير أن يكون هناك اسم يدل على الوصف والذات التي قام بها. ويقوم مقام اسم الفاعل: فعَّال، ومِفْعال، وفَعول، وفَعيل، وفَعِل، وهذه المسماة عندهم بأمثلة المبالغة، نحو نطار، ومِنْحار، وصَبور، وعليم، وحَذِر. ومن علماء العربية من يذكرها، ويضرب لها الأمثال، ويبسط أو يوجز في الخلاف الجاري في إعمالها عمل اسم الفاعل، ولا يأتي على ناحية القياس في اشتقاقها بعبارة صريحة، ومنهم من يصرح بصحة القياس في بناء فعَّال (١) خاصة، ووجه هذا المذهب: أن صيغة فَعَّال وردت في مقدار من الكلم الفصيح يكفي لصحة القياس عليه. ومما يستعمل للمبالغة في وصف الفاعل فِعِّيل، نحو "خِرِّيج" بمعنى: أديب، وقد صاغ فيه العرب ألفاظاً كثيرة، ولكن علماء العربية يقفون به عند حد السماع، وهذا ابن دريد قد سرد له في "الجمهرة" أمثلة كثيرة، ثم قال: "اعلم أنه ليس لمولّد أن يبني فِعّيلًا إلا ما بنته العرب، وتكلمت به، ولو أجيز ذلك، لقلب أكثر الكلام، فلا تلتفت إلى ما جاء على فِعِّيل مما لم تسمعه إلا أن يجيء فيه شعر فصيح". - اسم المفعول: يصاغ اسم المفعول من الفعل الثلائي على وزن "مفعول"، فإن زاد الفعل

стр. 2557

على ثلاثة أحرف، جرى اسم المفعول مجرى اسم الفاعل، في افتتاحه بميم مضمومة، وخالفه بفتح آخره بدل الكسر. ذلك قياس اسم المفعول الذي لا يختلف في صحته، فماذا ورد فعل متصرف، فلك أن تصوغ منه اسم مفعول، لا تتوقف في ذلك على سماع، ونقل عن الرماني: أنه قال: "لا يقال من "نفعَ" اسم مفعول، والقياس يقتضيه"، ولم ير أبو حيان وجهاً للتقيد في مثل هذا بالسماع، فقال: إن نفع كضرب، فكما يقال في مفعول ضرب: مضروب، يقال في مفعول نفع: منفوع. واستعمل العرب للدلالة على المفعول صيغاً أخرى، ومن هذه الصيغ ما لا خلاف في قصره على السماع؛ لقلة ما ورد منه، وهي فِعْل كذِبْح، بمعنى: مذبوح، وفَعَل؛ كقنص بمعنى: مقنوص. وفعالة كلقاطة بمعنى: ملقوط. ومنها ما اختلفوا في جعله مقيساً، وهو فَعيل كقتيل بمعنى: مقتول، وصريع بمعنى: مصروع. فوقف به فريق عند حد السماع، وفتح طائفة باب القياس لنوع منه، وهو ما لم يجئ من فعله فعيل بمعنى فاعل، فيقال بمقتضى هذا المذهب: حسيد بمعنى محسود، وضهيد بمعنى مضهود؛ حيث لم يجئ فعيل فيه بمعنى فاعل، ولا يقال: نصير بمعنى منصور، أو عليم بمعنى معلوم، أو رحيم بمعنى مرحوم؛ لأنه جاء نصير بمعنى ناصر، وعليم بمعنى عالم، ورحيم بمعنى راحم. وسبب الخلاف: أن "فَعيلاً" ورد بمعنى مفعول في ألفاظ كثيرة، والفريق الأول يعترفون بهذه الكثرة؛ ولكنهم رأوها غير كافية لفتح باب القياس، ورأتها الطائفة الثانية كافية لصحة القياس، ولكن قصروا القياس على ما لم يجئ من فعله فَعيل بمعنى فاعل؛ حذراً من التباس وصف المفعول بوصف الفاعل،

стр. 2558

وليس على من يأخذ بهذا المذهب حرج؛ فإنه قائم على مراعاة الكثرة التي هي شرط القياس، مع اجتناب اللبس الذي يختل به فهم الغرض من الكلام. - فعل التعجب وأفعل التفضيل: للتعجب صيغتان هما: ما أفعلَه، وأفعلْ به، وللتفضيل صيغة هي: أفعلُ، وهذه الصيغ مطردة في كل فعل استوفى الشروط المعتد بها عند علماء العريية. ومن الشروط المختلف فيها: اختصاص هذه الصيغ بالأفعال الثلاثية، تمسك الجمهور بهذا الشرط، ولم يجيزوا اشتقاق فعل التعجب، ولا أفعل التفضيل من الأفعال الرباعية فما فوقها، ووردت ألفاظ عن العرب أخذوها مما فوق الثلاثي، فحملها الجمهور على الشذوذ، ووقفوا بها حد السماع، ووجهة نظر الجمهور: أن صيغ التعجب والتفضيل لا تحتمل أكثر من ثلاثة أحرف مزادة عليها الهمزة التي هي أول ما تمتاز به الصيغة، فإن كانت حروف ما زاد على الثلاثي كلها أصول، نحو عَرْبد، لزم متى اشتق منه التعجب أو التفضيل إسقاطُ حرف أصلي من بناء الكلمة، وفي ذلك خلل لا داعي إلى ارتكابه. وهناك طرق أخرى للدلالة على التعجب أو التفضيل؛ نحو: ما أشد عربدته، أو: هو أشد عربدة، وإن كانت حروف ما زاد على الثلاثي مزيدة؛ نحو: انفعل، أو افتعل، أو استفعل، فهذه الأحرف يؤتي بها في الفعل لمعان، ومتى حذفت هذه الحروف من صيغ التعجب أو العفضيل، ضاعت تلك المعاني المقصود إفادتها للمخاطبين. وخالف الجمهورَ في هذا الشرط ثلاثُ طوائف: ١ - طائفة تجيز أخذ التعجب والتفضيل من (أفعل) الذي تكون همزته في أصل وضعه؛ نحو: أظلم الليل، دون ما تكون همزته للنقل؛ نحو:

стр. 2559

أجلس، ووجهه: أن الهمزة في نحو أظلم لم تدل على معنى خاص، فلا ينقص بحذفها شيء من المعنى المراد من أصل الفعل. ٢ - طائفة تجيز أخذهما من "أفعل"، لا فرق بين ما تكون همزته في أصل وضعه، وما تأتي همزته لتعديته إلى مفعول لا يتعدى إليه من قبل، واعتمد هذا المذهبُ على أنه سمع من العرب أخذهما من "أفعل" بكثرة تكفي لأن تجعله موضع القياس؛ نحو: هو أعطاهم للدنانير، وأولاهم للمعروف، وأكرمهم من كل أحد. ٣ - طائفة تجيز أخذهما من كل الأفعال الثلاثية المزيدة؛ كانفعل، واستفعل، ونحوهما، ويرى هؤلاء أن تلك المعاني المستفادة من الحروف الزائدة يمكن الدلالة عليها بعد حذف تلك الحروف بقرائن لفظية أو حالية. وذكروا في شروط صوغ التعجب وأفعل التفضيل: أن يكون الفعل مما يقبل المفاضل، وقالوا: لا يقال: ما أموته؛ لأن الموت لا يقع به التفاوت، ومقتضى هذا التعليل صحة أن يقال: ما أموته، متى جاء على وجه يحتمل التفاضل؛ كأن يكثر في بلد الموت، فتقول: ما أموتَ أهلَ هذا البلد، أي: ما أكثر موتهم، ولا يبقى سوى أن ما أموته لم يسمع من العرب بوجه، فنرجع إلى حكم الأفعال التي تحققت فيها شروط أخذ فعلي التعجب واسم التفضيل، ولم يبلغنا أن العرب نطقوا بهما، أو بأحدهما على طريق خاص، وسنمر بهذا البحث بعد صفحات قليلة - إن شاء الله -. وذكروا في شروط صوغها: أن لا يكون الفعل مبنياً للمجهول، وهذا في حال ما يحصل به لبس؛ نحو: ما أضرب زيداً، فإنه يسبق إلى الذهن أن التعجب من وصف الفاعل، لا من وصف المفعول، فإن كان القصد من

стр. 2560

التعجب واضحاً؛ كان تقول: ما ألبسَ هذا الثوبَ، تتعجب من كثرة لبس صاحبه له، فذلك ما يراه بعض الأئمة (١) قياساً سائغاً؛ اعتماداً على أن له أمثلة متعددة وردت في كلام العرب، نحو: ما أشهره، وما أخصره، ومن أمثالهم: (أشغل من ذات النِّحْيين). - اسم الآلة: يصاغ من الفعل اسم للآلة التي يعمل بها، ويجيء على وزن مِفعَل؛ نحو: مِخْيَط، ومِفْعَلة؛ نحو: مِطرَقة، ومِفعال؛ نحو: مفتاح، وأورد صاحب "المفصل" هذه الأوزان الثلاثة، وقال: هذا قياس مطرد في جميع الأفعال الثلاثية. ووجه اشتراط أن يكون الفعل ثلاثياً: هو أن الأفعال المزيدة يؤتي بها لمعان زائدة على أصل معنى الفعل، ووزن مفعل ومفعلة ومفعال لا يسع إلا ثلاثة أحرف، وهي أصول الفعل، فلو صيغ من المزيد اسم في أحد الأوزان الثلاثة، لفاتت المعاني التي تدل عليها الأحرف الزائدة في الفعل، وكذلك أخذه من الرباعي المجرد يستدعي حذف أحد حروفه، فيختل اللفظ، فإن ورد اسم الآلة من غير ثلاثي، فهو خارج عن القياس، فلك أن تستعمله كما استعمله العرب، وليس لك أن تقيس عليه ما لم يرد استعمال صحيح. وصرح بعض الكاتبين في الصرف باشتراط أن يكون الفعل متعدياً، ولعلهم نظروا إلى أن أكثر ما ورد منه اسم الآلة الأفعال المتعدية، ونحن نجد في أمثلة اسم الآلة ما هو مصوغ من فعل لازم؛ نحو: معراج ومعرج

стр. 2561

للسّلم، ونحو مِرقاة للدرجة، ومن استأنس بإهمال كثير من علماء الصرف لشرط التعدي، واقتصارهم على شرط أن يكون الفعل ثلاثياً، وذهب إلى صحة اشتقاق اسم الآلة من الأفعال اللازمة عند الحاجة، لا نراه ذاهبًا مذهباً بعيداً، فلو وضعت آلة للسَّباحة، وبدا لجماعة أن يسموها مِسبَحة، أو مِسبَحاً، لم يكونوا - فيما نراه - مخطئين. - مَفعَلَة: يشتق العرب للمكان الذي يكثر فيه شيء اسماً من ذلك الشيء على وزن مَفْعَلَة، فقالوا: أرض مَأْبَلَة، أي: ذات إبل، ومَأْسَدَة؛ أي: ذات أسود، وَمَسْبَعَة؛ أي: ذات سباع، وَمَبْطَخَة؛ أي: كثيرة البطيخ ومقثأة؛ أي: كثيرة القثاء، وقالوا للأرض كثيرة اللصوص: مَلصَّة، ولكثيرة الرمان: مَرْمَنة، ولكثيرة الخزان (١) مَخَزَّة. وهذه الصيغة مما اختلف علماء العربية في القياس عليها، فمنهم من وقف به عند حد السماع، مع اعترافه بكثرة ما سمع منه، وفي كتاب "سيبويه" ما هو ظاهر في جواز القياس، فقد قال: في حديثه عن هذا الباب: "وليس في كل شيء يقال إلا أن تقيس شيئاً، وتعلم أن العرب لم تتكلم به". قال صاحب "المحكم" في حكاية كلام "سيبويه"؛ يعني: لم تقل العرب في كل شيء من هذا، فإن قست على ما تكلمت به العرب، كان هذا لفظه. وممن صرح بصحة القياس فيه مُظهر الدين صاحب "شرح المفصل المسمى بالمكمل" إذ قال: اعلم أنهم إذا أرادوا أن يذكروا كثرة حصول شيء بمكان، وضعوا لها مَفعلة، وهذا قياس مطرد في كل اسم ثلاثي؛ كقولك:

стр. 2562

أرض مَسبعة؛ أي: يكثر فيها السباع، وساق بعد هذا أمثلة كثيرة. ومقتضى هذا المذهب: صحة أخذ مَفعلة من كل اسم ثلاثي يكثر معناه في أرض، نحو: الذهب، فتقول في الأرض كثيرة الذهب: مَذهبة. * الاشتقاق من أسماء الأعيان: تصرَّف العرب في أسماء الأعيان على وجه الاثشقاق، فأخذوا منها أفعالاً في أوزان مختلفة، وأسماء فاعلين ومفعولين، إلى غير ذلك من الصيغ التي تنتزع من أسماء الأحداث، وورد في كلامهم ما يدل على أنهم ذهبوا في هذا التصرف إلى غاية بعيدة، ووجدنا علماء العربية قد صرحوا بصحة القياس على بعض أنواعه، منها: اشتقاق الفعل من أسماء الأعيان لإصابتها، أو إمالتها، أو العمل بها. قال ابن مالك في "التسهيل": "ويطرد صوغ "فَعَل" من أسماء الأعيان لإصابتها؛ نحو: جَلَدَه، وَرَأسه، أو إنالتها؛ نحو: شحَمَه، ولحَمَه: أطعمه ذلك، أو عمل بها؛ نحو: رمَحَه، وسَهمه: أصابه بالرمح والسهم". وذكر بعد هذا نوعين يظهر من عبارته أنهما غير مقيسين، وهما: اشتقاق الفعل من اسم العين التي عملتها، أو اشتقاقه من اسم العين التي أخذتها، فقال: "وقد يصاغ (أي: فَعَل)؛ لعملها؛ نحو جَدَر، ويَأَر: عمل الجدار والبئر، أو أخذِها، نحو ثَلَث المالَ ورَبَعه: أخذ ثلثه وربعه، إلى العشر". ومن أنواعه المقيسة: اشتقاق اسم الأرض على وزن مَفْعَلَة مما يكثر حصوله فيها؛ نحو: مأسدة ومقثأة ومَذَبَّة (١).

стр. 2563

ونقل شرَّاح "درة الغوَّاص" عن أبي محمد ما يؤخذ منه أن اشتقاق الأفعال من اسم العين على وزن استفعل مقبول في القياس، ذلك أن الحريري أنكر قولهم: "استأهل"، فقال أبو محمد: استأهل استفعل، وأصله الهمزة، وهو جائز كثير؛ كاستأسد الرجل، واستأبر النخل، واستنوق الجمل؛ أي: صار ناقة، فإذا استعمل استأهل بمعنى صار أهلاً، كان قياساً جائزاً مع أن السماع فيه ثابت. ولم نجد في نصوص أهل العلم ما يساعد على الاشتقاق من أسماء الأعيان بإطلاق، وهو موضوع يستدعي بسطًا في القول، فنكتفي في هذا الفصل بما حدثناك به، وندع البسط إلى غير هذا المقام. * ما هو الاستقراء الذي قامت عليه أصول الاشتقاق ؟ لا يجب على الناظر في المشتقات من نحو: اسم الفاعل، واسم المفعول، وأفعل التفضيل، واسم المكان، واسم الزمان- عندما يريد تقرير قواعدها- أن يستقرئ جميع ما ورد منها في كلام العرب، فإنه يتعذر عليه الوصول إلى هذه الغاية، نظراً إلى سعة اللغة، وانتشارها إلى ما لا يمكن الإحاطة به، والذي في وسعه أن يتتبع جزئياتها إلى أن يأتي على مقدار يفيد ظناً قوياً، وثقة بأن اللغة جارية في مثله على رعاية قاعدة، والذي لم يقع تحت استقرائه يكون قاصداً لإجرائه في الكلام على ما يطابق هذه القاعدة، فيصح لنا أن نرجع إلى القاعدة في كل لفظ يتفق دون أن نتوقف على سماع. وهاهنا إشكال لا يزال يتردد على ألسنة طلاب العربية، وهو أن واضع القاعدة إذا لم يلزمه استقراء جميع جزئياتها، وجاز له الإكتفاء في تقرير القاعدة بتتبع جانب عظيم من الجزئيات، فما باله يصرح في بعض الأفعال والمصادر؛

стр. 2564

مثل: ويح، وويل، ونعم وبئس وعسى، ويذر وياع، بأنها لا تتصرف، ولا يصح أن يشتق منها اسم فاعل أو اسم مفعول أو أفعل تفضيل؟ وأي فرق بين هذه الأفعال والمصادر، وبين ما لم يبلغه استقراؤه من المصادر والأفعال، فيسوغ لنا أن ناخذ منها أوصافًا أو أفعالاً، ولا يجوز لنا أن نأخذ مثل ذلك من ويل وويح ونعم، وما شكلها من المصادر والأفعال التي يقولون عنها: إنها غير متصرفة؟ وجواب هذا: أن الأفعال والمصادر التي لم يسمع لها فروع في الاشتقاق على ضربين: أحدهما: ما يكثر استعماله في موارد كلام العرب من غير أن يتصرفوا فيه؛ مثل: ويل وويح ونعم ويذر وما يماثلها، وعدم تصريفهم لها- مع كثرة ترددها في محاوراتهم ومخاطباتهم- دليل على قصدهم لإبقائها على هيئتها. فمن تصرف فيها، فقد أتى بها على وجه قصد العرب إلى تركه، والناطق بما يقصدون إلى إهماله ناسج على غير منوالهم، وناطق بغير لهجتهم. هذا مذهب جمهور أهل العربية، وذهب بعضهم إلى جواز استعمال ما أهمله العرب متى دخل تحت قياس. قال ابن درستويه في "شرح الفصيح": "إنما أهمل استعمال وَدَع ووَذَر؛ لأن في أولهما واوًا، وهو حرف مستثقل، فاستغني عنهما بما خلا منه، وهو: ترك"، ثم قال: "استعمال ما أهملوا من هذا جائز صواب، وهو الأصل، وهو في القياس الوجه، وهو في الشعر أحسن منه في الكلام (النثر) (١) ". ثانيهما: ما لا يكثر في مخاطباتهم حتى يستفاد من وروده بهيئة واحدة

стр. 2565

أنهم قصدوا إلى ترك تصريفه. وهذا هو الذي نعمل به على طبق القاعدة، وإن لم يبلغنا أو يبلغ الواضعين للقواعد أن العرب تلفظوا فيه على وَفق القاعدة. فيصح لنا أن نجري قاعدة الاشتقاق في هذا النوع، وإن لم ندر أن العرب تصرفوا فيه على هذا الوجه من الاشتقاق. قال أبو عثمان المازني: ما قيس على كلام العرب، فهو من كلام العرب، ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول؟ وإنما سمعت بعضها، فقست عليها غيره. وقال ابن جني - بعد أن سرد أمثلة من اسم المكان والمصدر الواردين على اسم مفعول -: هذا كله من كلام العرب، ولم يسمع منهم، ولكنك سمعت ما هو مثله وقياسه. فإن قلت: ماذا يريد أبو إسحاق الشاطبي من قوله في "شرح الخلاصة": "الذين اعتنوا بالقياس والنظر فيما يعدُّ من صلب كلام العرب، وما لا يعد، لم يثبتوا شيئاً إلا بعد الاستقراء التام، ولا نفوه إلا بعد الاستقراء التام، وذلك كله مع مزاولة كلام العرب، ومداخلة كلامها، وفهم مقاصدها، إلى ما ينضم إلى ذلك من القرآن ومقتضيات الأحوال التي لا يقوم غيرها مقامها". قلنا: يريد من الاستقراء التام: الاستقراء الذي يفيد ظناً قوياً يكفي لتقرير أحكام اللغة. ويدلك على أنه لم يرد من الاستقراء التام تتبع أقوال العرب قولاً فقولاً إلى أن يأتي على آخرها، قوله فيما بعد: فالواجب على المتأخر التوقف حتى يدخل من حيث دخل المتقدم، فإن وجد الأمر مستثبتاً مطرداً على خلاف ما قال الأول، لم يسعه إلا مخالفته، وإن لم يجده كذلك،

стр. 2566

فليتوقف، وأبو إسحاق الشاطبي نفسه قد نقل أن إمام العربية سيبويه يجعل من شواذ التعجب "ما أمقته"، و "ما أفقره" بناء منه على أن العرب لم يستعملوا الفعل الثلاثي من المقت والفقر، ثم ذكر الشاطبي أن جماعة من أئمة اللغة أثبتوا استعمال العرب للفعل الثلاثي من المقت والفقر، وخفي ذلك على سيبويه، وقال: ولا حجة في قول من خفي عليه ما ظهر لغيره، بل الزيادة من الثقة مقبولة. وهذا يزيدك خُبراً بأن واضع القاعدة يستند إلى الاستقراء الذي يكسبه ظناً بقصد العرب لأن يكون الحكم قياساً مطردًا، كما يستند إلى الاستقراء الذي يفيده ظناً بن العرب لم ينطقوا من هذا المصدر بفعل أو اسم فاعل، أو من هذا الفعل بمصدر أو فعل ماض - مثلاً -. * قياس التمثيل: ذكرت فيما سلف أني أريد بقياس التمثيل: إلحاق نوع من الكلم بنوع آخر في حكم، وهو ما ينكره بعض النحاة، ويعنونه في قولهم: إن اللغة لا تثبت بالقياس. يأخذ النحاة بقياس التمثيل لإثبات أصل الحكم، وكثيراً ما يرجعون إليه في تأييد المذهب بعد بنائه على السماع، وهذا أبو حيان الذي هو من أشد النحاة وقوفًا عند حد السماع، ومن أسرعهم إلى محاربة من يعول على هذا الضرب من القياس، قد ينظر إليه في بعض الأحيان، كما قال: إن الناصب لى: بى ذا" فعلُ شرطها، قياساً على سائر أدوات الشرط. وقال في الكلام على وقوع الجملة المنفية حالاً: والمنفية بـ: "إن" لا أحفظه من كلام العرب، والقياس يقتضي جوازه، فنقول: جاء زيد إِنْ يدري كيف الطريق؛ قياساً

стр. 2567

على وقوعها خبراً في حديث: "فظل إن يدري كم صلى"، فقياس "إذا" على بقية أدوات الشرط في جعل العامل فيها فعل الشرط، وقياس الجملة الحالية في صحة تصديرها بـ: "إن" النافية على جملة الخبر، كلاهما من قبيل قياس التمثيل. * قياس الشبه وقياس العلة: يقيس النحاة بعض أنواع الكلم على بعض إذا انعقد بينهما شبه من جهة المعنى، أو من جهة اللفظ، ويسمى هذا القياس: "قياس الشبه"، ومثال الشبه من جهة المعنى: أن أسماء الأفعال نحو: عليك، ومكانك، وأمامك مشابهة في المعنى للأفعال التي قامت هذه الأسماء مقامها، وهي: الْزم، واثْبت، وتقدم، ولهذا الشبه أجاز الكوفيون تقديم معمول أسماء الأفعال عليها قياسا على جواز تقديمه على الأفعال التي قامت هي مقامها. ومثال الشبه من جهة اللفظ: أن المركب المزجي يشابه المختوم بتاء التأنيث في أحوال لفظية، منها: حذف جزئه الثاني عند النسب كما تحذف تاء التأنيث، ومنها: أن التصغير يجري في صدره كما يجري فيما قبل تاء التأنيث، وللشبه في هذه الأحوال اللفظية أجازوا ترخيمه بحذف الجزء الثاني قياساً على ترخيم المؤنث بحذف التاء. وقد ينبني القياس على اشتراك المقيس والمقيس عليه في العلة التي يقع في ظنهم أن الحكم قائم عليها، ويسمى هذا الضرب: "قياس العلة". * أقسام علة القياس: العلل التي يذكرها الباحثون في العربية بدعوى أن العرب راعتها، وبنت عليها أحكام ألفاظها، ترجع إلى ثلاثة أقسام:

стр. 2568

أحدها: ما يقرب مأخذه، ويتلقاه النظر بالقبول، كما وجهوا تحريك بعض الحروف الساكنة بالتخلص من التقاء الساكنين، ووجهوا حذف أحد الحرفين المتماثلين بطلب الخفة. ثانيها: ما يكون من قبيل الفرضيات التي لا تستطيع أن تردها على قائلها، كما أنك لا تضعها بمحل العِلم، أو الظن القريب منه، وهذا كما قالوا في وجه بناء قبلُ وبعدُ إذا قطعا عن الإضافة لفظاً: "إنهما شابها الحرف في احتياجهما إلى معنى المحذوف، وهو المضاف إليه، فإذا قلت: إن هذه العلة ثابتة عند ذكر المضاف إليه، فلماذا لم يرتبط بها أثرها، وهو حكم البناء؟ قالوا: ظهور الإضافة التي هي من خواص الأسماء أبعَدها عن شبه الحرف، فعادت إلى أصلها الذي هو الإعراب، فإن قلت لهم: ما بالهم بنوا أيَّ الموصولة فيما إذا أضافوها في اللفظ، وحذفوا صدر صلتها؛، فهذا يرد قولكم: إن ظهور الإضافة يبعد عن شبه الحرف؛ لأنها من خواص الأسماء؟ أجابوك: بأن العرب أنزلوا المضاف إليه في باب أيَّ منزلةَ صدر الصلة المحذوف، فصارت أيّ في حكم المقطوع عن الإضافة في اللفظ، فتستحق ما استحقته قبلُ وبعدُ من البناء. ولا يسعك بعد هذا إلا أن تسلَّ يدك من هذه المجادلة، وتنفصل منها، وليس في ذهنك أثارة من علم. ثالثها: ما يجري فيه بعض النحاة على ما يشبه التخييل، ومثال هذا: أن "هل" تختص في أصل استعمالها بالدخول على الأفعال؛ نحو: هل كتب عمرو؟ وقد تخرج عن هذا الأصل؛ فتدخل على مبتدأ خبره اسم؛ نحو: هل عمرو كاتب؟ ولكنها لا تدخل على مبتدأ خبره فعل؛ نحو: هل عمرو كتب؟

стр. 2569

وقد أراد بعضهم أن يذكر علة لدخولها على اسم خبرُه اسم، وعدم دخولها على اسم خبرُه فعل؛ فقال: لأن"هل" إذا لم تر الفعل في حيزها، تسلت عنه ذاهلة، وإن رأته في حيزها، حنت إليه سابق الألفة، فلم ترض حينئذ إلا بمعانقته. وكلام هذا النحوي وهو يقرر حقيقة علمية لا يختلف عن قول الشاعر وهو يسبح في لجج من الخيال: مليحة عشقت ظبياً حوى حورا ... فمذ رأته سعت فوراً لخدمته كهل إذا ما رأت فعلاً بحيزها ... حنت إليه ولم ترض بفرقته * أقسام قياس العلة: لقياس العلة أقسام ثلاثة: أحدهما: قياس الأولى، وهو أن تكون العلة في الفرع أقوى منها في الأصل، ومثال هذا: أن صاحب "الكافية" أجاز في نحو اغضضْنَ أن يقال: غُضْنَ، قياساً على قول العرب في نحو "اقرِرْن": قَرْنَ، بحذف أحد المثلين، وعلة هذا القياس: طلب التخفيف، ولكن فك المضموم في نحو اغضضن أثقل من فك المكسور في نحو اقررن، وإذا فر من فك المكسور إلى الحذف ابتغاء التخفيف، ففعل ذلك بالمضموم أحق بالجواز. ثانيهما: قياس المساوي، وهو أن تكون العلة في الفرع والأصل على سواء، ومثاله: أن يقول من منع تقديم خبر ليس عليها: لا يجوز تقديم خبرها عليها، قياساً على عسى؛ فإنه لا يجوز تقديم خبرها عليها، وعلة المنع عدم تصرف الفعل، وهذه العلة يستوي فيها الفعلان ليس وعسى. ثالثهما: قياس الأدنى، وهو أن تكون العلة في الفرع أضعف منها في الأصل، ومثاله: أن اسم الزمان المضاف إلى الفعل الماضي يجوز بناؤه

стр. 2570

على الفتح نحو: "على حينَ عاتبت المشيب على الصبا" وعلة بنائه: أن الظرف في الواقع مضاف إلى المصدر الذي تضمنته الجملة، وإن كان في الظاهر مضافاً إلى الجملة نفسها، فشابه اسم الزمان كلمتي قبلُ وبعدُ في وجه بنائهما حين يقطعان عن الإضافة لفظاً لا معنى، وتتقوى هذه العلة في اسم الزمان الواقع بعده فعل ماض أن الفعل الماضي واقع موقع المضاف إليه، الذي قد يكتسب منه المضاف شيئاً من أحكامه؛ كالتعريف والتنكير، ووجوب التصدير، فلا بعد في أن يكون للإضافة - وإن كانت في ظاهر اللفظ - أثر في كتساب المضاف حكم البناء من المضاف إليه. فإن كان الواقعَ بعد اسم الزمان فعل مضارع، والمضارع معرب، نحو: "على حين أعاتب الزمان"، فعلّة بناء اسم الزمان، وهو "حين" أضعف منها في حال اتصاله بفعل ماض؛ حيث نقص منها ما كانت قد تقوَّت به من استعداد المضاف لاكتساب البناء من المضاف إليه. وقد اكتفى بعض البصريين والكوفيين بالعلة الضعيفة، وأجازوا بناء اسم الزمان الواقع بعده فعل مضارع؛ لتحقق أصل العلة، وهو الانقطاع عن الإضافة في اللفظ دون المعنى. * شرط صحة قياس التمثيل: يكون قياس التمثيل صحيحاً، ويتم الاستدلال به على تقرير حكم من أحكام اللفظ؛ متى كان وجه الشبه بين الأصل والفرع واضحاً، أو ظهر أن ما ذكره المستدل على وجه التعليل هو العلة التي يرتبط بها حكم الأصل، ويضاف إلى هذا: أن لا يوجد بين الأصل والفرع فارق يؤثر في عدم تعدية

стр. 2571

حكم الأصل، إلى الفرع، ويزيد بعضهم على هذا: أن لا يكون حكم الأصل مخالفاً للأصول، خارجاً عن حد القياس. فالقياس مع الفارق؛ كما أجاز بعض النحاة تقديم معمول الفعل المنفيّ بلن قائلاً: إن لن أضرب، نفي لقولك: ساضرب، فكما جاز قولك: زيداً سأضرب، يجوز قولك: زيداً لن أضرب، وما كان من المنكرين لهذا القياس سوى أن فرقوا بين السين ولن؛ بأن حرف النفي يقتضي الصدارة في الجملة التي يدخلها، وذلك معنى لا يقتضيه حرف التنفيس. ومثال القياس على ما خالف القياس: أن الكسائي يقول: لا يقتصر في الظروف الواردة أسماءَ فعل؛ نحو: عليك، وأمامك على ما ورد في الرواية، بل يجوز أن يقاس عليها غيرها مما لم يرد به سماع، وطعن البصريون في هذا المذهب؛ بن تلك الظروف إنما وقعت موقع أسماء الأفعال على خلاف أصلها، وما جاء على خلاف الأصل لا يصح القياس عليه بحال. والحق أن الأمر في مثل هذا يرجع إلى قوة نظر المجتهد في العربية؛ فإن الأصول التي يجيء حكم الأصل على خلافها تتفاوت في اقتضاء حكمة الوضع لها، وخروج العرب عن حدودها، فالأصل الذي يمنع من زيادة الكلمات - مثلا-، وهو أن الألفاظ إنما وضعت لإفادة المعاني، أقوى من الأصل الذي يمنع من تقديم المعمول على العامل، ولهذا كانت مخالفة العرب لقانون تقديم المعمول على العامل أكثر من مخالفتهم لقانون المنع من الزيادة، فيمكن للمجتهد في العربية أن يمنع قياس زيادة "كان" في صدر الكلام، أو في آخره، على زيادتها في وسطه، وليس من البعيد صحة تقديم خبر "زال" الناسخة عليها قياساً على تقديم معمول الخبر الثابت على خلاف القياس؛ إذ القياس تقديم

стр. 2572

العامل على المعمول. ويذكر بعضهم في شرط صحة القياس: أن لا يكون حكم الأصل موضع اختلاف، ومثال هذا: أن الكوفيين ألحقوا فعل التعجب بأفعل التفضيل في جواز بنائه من لوني البياض والسواد، وردَّ البصريون هذا القياس؛ بأنه قياس على مختلف فيه؛ لأنهم لا يوافقون على حكم الأصل، وهو: صوغ اسم التفضيل من أسماء الألوان. والتحقيق: أن القياس على المختلف فيه لا يكون حجة على المخالف في حكم الأصل، أما من تقرر عنده حكم الأصل بدليل راجح، فله أن يتعلق بمثل هذا القياس في تعديته إلى الفرع. * مباحث مشتركة بين القياس الأصلي، والقياس التمثيلي - القياس في الاتصال: خصت العرب بعض الكلمات بالدخول على أنواع من الكلم لا تتجاوزها إلى غيرها؛ مثل: حروف الجر والنداء تختص بالأسماء، ومثل: لن ولم وليس وسوف تختص بالفعل المضارع، وجعلت بعضها مطلقاً بين الأسماء والأفعال، نحو: همزة الاستفهام، وما النافية، أو مطلقاً بين المضارع والماضي؛ نحو: قد، ولا النافية، وإن الشرطية. فإذا وردت كلمة من أمثال هذه الكلمات مقرونة بنوع خاص من الكلم، فليس لنا أن نخرج به عن دائرة السماع. ويجري على هذا الأصل "لَمّا" الحينية؛ فإنها إنما جاءت في كلام العرب موصولة بالفصل الماضي، ومقتضى الأصل المذكور امتناع دخولها على الفعل المضارع، ولهذا لحَّن بعض الناقدين ابن أبي حجة في قوله: والنبت يضبطها بشكل معرب ... لما يزيد الطير في التلحين

стр. 2573

وإذا دارت الكلمة في كلام العرب، ولم ترد إلا مجردة من أداة التعريف - مثلاً -, فهل يجوز لنا استعمالها موصولة بهذه الأداة؟ يجري هذا النظر في لفظ: كل، وبعض، فقد أنكر الأصمعي أن تدخل عليهما ال المعرفة؛ حيث لم يجيئا في كلام العرب موصولين بها، وأجاز اتصالهما بها ابن درستويه، وخالفه جميع نحاة عصره، ذاهبين مذهب الأصمعي في وجوب تجردهما من أداة التعريف، وإن استعملها بعض الأدباء؛ كابن المقفع، ويعض النحاة؛ كسيبويه، والأخفش موصولة بها، وكل من هؤلاء الأدباء أو النحاة لا يحتج بما يقع في كلامهم، وإنما الحجة في روايتهم. وبمقتضى هذا الأصل أنكر الحريري إدخال أل المعرفة على لفظ "كافة" ناظراً إلى أن العرب لم تفعل ذلك (١). قد يخطر ببالك أن هذا الحجر يقتضي أن لا تدخل أل على اسم إلا إذا سمع اتصالها به في الفصيح من كلام العرب، ومن المتعذر أن يتتبع واضع القاعدة جميع الأسماء العربية؛ ليتحقق هل نطقوا بها مقرونة بال المعرفة، أولا؟. فالجواب: أنا لا ندَّعي أن هذه الكلمات لم يستثنها النحاة إلا بعد أن أتوا على جميع المفردات مفردًا مفردًا، فوجدوها تجيء موصولة بأل ما عدا هذه المستثنيات: كل، ويعض، وما شاكلها، وإنما جاز لهم استثناؤها من جهة أنها دائرة على ألسنة الفصحاء بكثرة، حتى لا تكاد تمر بقصيدة أو خطبة أو محاورة، دون أن يعترضك شيء منها، وعدم استعمالها موصولة بأداة التعريف

стр. 2574

مع إيرادهم لها في جل مخاطبتهم، دليل على أنهم التزموا قطعها عن هذه الأداة، ولا يسوغ لنا إلحاق الكلمة باشباهها متى شهد الاستعمال المستفيض بعدم إجرائها على القاعدة. وملخص القول: أن الكلمة إذا وردت متصلة بلفظ، أو نوع من الألفاظ خاص، فلابد من النظر في حال استعمالها؛ فإن أكثر دورانها في أقوال الفصحاء وغيرهم، ولم يعدلوا بها عن ذلك الوجه من الاستعمال، وقفنا عند حد استعمالهم، ولا يسعنا الخروج بها عن ذلك الحد، وإذا لم تكن شائعة في فنون المخاطبات شيوعَ كلّ وبعض؛ فإنه يسوغ لنا أن نتصرف فيها، ونتعدى بها حدود الرواية؛ حيث لم يقم الدليل على قصد اختصاصها بذلك الاستعمال، وهو كثرة تقلبها على ألسنتهم، ودورانها في محاوراتهم. ومما ينتظم تحت هذا البحث: الألفاظ التي قال صاحب "إصلاح المنطق" وغيره: إنها لا تستعمل إلا في سياق النفي، وهو: أحد، وعريب، وديَّار، وأخواتها، ويدخل في هذا نحو: قصارى، وحمادى، ولبَّى، ودوالي من الكلمات التي لم ترد موصولة إلا بنوع خاص، وهو المضاف إليه. ونظير هذا كلمة: "بيد"، فإنها بمعنى غير، ولكنها لم ترد إلا متصلة بأنَّ وصلتها، فيقال: فلان كثير المال بيد أنه بخيل، فلا يتجاوز بها حد هذا الاستعمال؛ كان تضيفها إلى اسم صريح قياسا على كلمة "غير" مراعياً توافقهما في المعنى. وإن شئت مثلاً يزيد البحث بياناً، فإن العرب لم يستعملوا الضمير المسبوق بهاء التنبيه موصولاً باسم الإشارة؛ نحو: ها أناذا قائم، فرأى ابن هشام أن الشواهد الواردة بهذا الأسلوب قد بلغت في الكثرة إلى أن يؤخذ

стр. 2575

منها لزوم اتصال هذا الضمير باسم الإشارة، فمنع من أن يجيء الضمير المقرون بهاء التنبيه مقطوعًا عن اسم الإشارة. وعلى هذا المذهب ابن هشام أيضاً جرى في "غير" المبنية على الضم، فقال: إنها لا تستعمل إلا متصلة بليس، فتقول: عندي كتاب ليسَ غيرُ، وقولهم: "لا غيرُ" لحن، ومن عدَّ استعمال "لا غير" فصيحاً، فقد وقف في كلام العرب على ما يشهد بصحته، وهو قول الشاعر: جواباً به تنجو اعتمد فوربنا ... لعن عمل أسلفت لا غير تسأل وإذا وردت الكلمة متصلة بنوع من الكلم وروداً لا يحيط به استقصاء، صح أن يكون اتصالها بذلك النوع مقيساً؛ كتاء التأنيث تتصل باسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة والمنسوب، على وجه القياس، ولم يبلغ اتصالها بأسماء الأعيان هذا المبلغ، فوقفوا به عند حد السماع، كظبي وظبية، وامرئ وامرأة، فليس لك أن تقول: إنسانة في مؤنث إنسان إلا إذا نقل إليك لفظه في شاهد صحيح، ولهذا الأصل أنكر الصفدي قولهم للظبية: غزالة، مع ورود غزال للمذكر؛ لأنه لم يثبت عنده أن العرب قالوا: غزالة، وما خالفه الدماميني في ذلك إلا بعد وقوفه على شواهد من كلام العرب تقتضي صحة استعمالها. فالمذكر من أسماء الأعيان لا تلحقه التاء قياساً، وكذلك المؤنث منها لا يجرد من علامة التانيث، ويستعمل في المذكر إلا إذا ورد به نقل عن العرب، كما سمع إلْقة اسماً للقِرْدة، ولا يقال في ذكرها: إلْق؛ حيث لم يقم شاهد على استعماله. * القياس في الترتيب: إذا كانت إحدى الكلمتين تابعة للأخرى من جهة المعنى، فالتناسب

стр. 2576

الطبيعي يقتضي أن تذكر الكلمة التابعة عقب الكلمة المتبوعة، ومن ثم قرروا في أصولهم: أن المعطوف عليه يتقدم على المعطوف، والمؤكد يقدم على التوكيد، والمنعوت يتقدم على النعت، والمبين يتقدم على البيان، والمبدل منه يتقدم على البدل، والمستثنى منه يتقدم على المستثنى، والمميز يتقدم على التمييز، وصاحب الحال يتقدم على الحال. فمن يجيز تقديم كلمة تابعة على متبوعها، فإنما تقبل دعواه متى كانت مصحوبة بدليل. فالكوفيون- مثلاً - أجازوا تقديم المعطوف على المعطوف عليه، والكسائي والمبرد سوَّغا تقديم التمييز على عامله، والفرَّاء والأخفش ذهبا إلى صحة تقديم الحال على عاملها الظرف أو الجار والمجرور. وابن برهان وابن كيسان نباحا تقديم الحال على صاحبها المجرصر بالحرف، وما أجاز هؤلاء التقديم في هذه المسائل، وهو مخالف للقياس، إلا مستندين إلى شواهد رأوها كافية في تقرير ما ذهبوا إليه. ومن فروع هذا الأصل: أن لا يتقدم الضمير على معاده، واستثنوا من ذلك مواضع، أجازوا منها تقديم الضمير على معاده: إما باتفاق؛ كتقديم ضمير الشأن، وإما مع اختلاف؛ كتقديم الضمير العائد على مفعول متأخر عنه، والأصل في محل الاختلاف بيد من لا يجيز عوده على المتأخر عنه في نظم الكلام إلى أن يأتي المخالف بشاهد صحيح، وكذلك كان مذهب الأخفش، وأبي الفتح في إجازة عود الضمير المتصل بفاعل مقدم على مفعول متأخر لم يقف أمام مذهب الجمهور الذين يمنعون هذه الصورة إلا بما احتف به من الشواهد؛ نحو: جزى بنوه أبا الغيلان عن أكبر ... وحسن فعل كما يجزي سِنمَّار

стр. 2577

ووجهة نظر الجمهور في عدم الأخذ بهذه الشواهد، وحملها على الشذوذ أو الضرورة: أنها جاءت على خلاف أصل أصيل، وما يرد على خلاف الأصول المعتد بها، لا يجعل مقيساً إلا حيث تكثر شواهده حتى تدل على قصد العرب لاطراده. ومقتضى هذا الأصل، وهو أن ترتب الألفاظ يكون على حسب ترتب المعاني في الذهن: أن يجيء المستثنى بعد المستثنى منه، وما نسب إليه من الحكم؛ نحو: قام الرجال إلا علياً؛ فإن مرتبة المُخرَج بعنوان أنه مخرج متأخرة عن مرتبة المخرج منه، سواء قلنا: إن المستثنى مخرج من المستثنى منه، أو من الحكم المتعلق به، ولكن أكثر في الاستعمال تقدمه على المستثنى منه؛ نحو: جاعني إلا زيداً القوم، أو على الحكم فقط؛ نحو: القوم إلا زيداً إخوتك، فبقيت مسألة تقدمه عليهما معاً على أصل المنع، وقد جوزها الكوفيون قياساً؛ والحق أن مخالفة الأصل بكل واحد من أمرين على انفراده، لا تدل على جواز مخالفته بالأمرين كليهما. * القياس في الفصل: الأصل في الألفاظ المربوط بعضها ببعض من جهة المعنى: أن لا يلقى بينها بفاصل، وقد خالفوا هذا الأصل في مواضع كثيرة، حتى دخل بعضها في فنون البلاغة؛ كالفصل بين مفعولي "رأيت" في مثل قول الشاعر: ويمتحن الدنيا امتحان مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا أو بين النعت والمنعوت؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦]، ويجب النظر في قوة الارتباط وضعفه في هذا المقام، فيكفي من الشواهد الواردة في الفصل بين ما ضعف ارتباطهما ما لا يكفي

стр. 2578

في الفصل بين ما كان الارتباط بينهما قوياً، ويدلك على أن لشدة الارتباط بين المعنيين أثراً في ضعف القياس: أن بعض النحاة منعوا من الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمجموع الأمور التي يجوز الفصل بكل واحد منها منفردًا؛ نحو: الظرف، والمفعول، ولما أجاز طائفة الفصل بمجموعها قياساً على الفصل بين "تقول" العاملة عمل ظن، وأداة الاستفهام بمجموع ما يجوز به الفصل بينهما، وهو الظرف والمعمول، وطعنوا في هذا القياس بن ما بين المضاف والمضاف إليه من الاتصال أشد مما بين أداة الاستفهام والفعل المستفهم عنه. ويزيدك علما بن لشدة ارتباط الكلمة بالأخرى أثراً في أحكام النحو: أن كثيراً من علماء العربية منعوا الفصل بين الموصول الحرفي وصلته متى كان الموصول عاملاً؛ مثل: "أن" المصدرية، وأجازوا الفصل بين الموصول غير العامل وصلته؛ مثل: "ما" المصدرية، ذلك لأن الموصول العامل أشد اتصالًا بصلته من الموصول غير العامل؛ إذ الأول طالب للصلة من جهة المعنى والعمل، وأما الثاني، فطلبه لها من جهة واحدة، وهي الموصولية. * القياس في الحذف: من الجليّ: أن حذف أحد أجزاء الجملة يغير أسلوبها، ويحدث فيها هيئة جديدة، والمحافظة على الأسلوب العربي تقضي أن لا يلفظ الإنسان بعبارة إلا أن تجيء مطابقة للهجة العربية. وهذا الأصل هو الذي يتمسك به من لا يجيز حذف كلمة من الجملة حيث لم يقم عنده دليل على صحة حذف أمثالها. كما منع الجمهور حذف الفاعل، ومنع البصريون حذف الموصول، ومنع ابن ملكون حذف أحد

стр. 2579

مفعولي ظننت، منعوا حذف هذه الأصناف من الكلم، وإن قامت القرائن، ودلت على الحذف بوضوح. فإذا جرى خلاف في حذف إحدى الكلم، فالأصل بيد من يوجب ذكرها، والمجيز لحذفها هو المطالب بالدليل. قد يقال: إن العرب أكثروا من حذف ما تقوم عليه القرينة، كالمبتدأ والخبر، والمفعول به، والمعطوف والمعطوف عليه، والحال والتمييز، وفعل الشرط وجوابه، وباستقراء هذه المواضع يتقرر أصل يمكن اطراده، وهو صحة الحذف لدليل. والجواب: أن ورود السماع بالحذف في باب؛ كالنعت أو المنعوت، إنما يبيح القياس في ذلك الباب خاصة؛ إذ أقصى ما تدل عليه شواهده: أن الحذف هنالك غير مخالف لأسلوب اللغة، وإنما أجاز الكسائي حذف الفاعل، والكوفيون حذف الموصول، والجمهور حذف أحد مفعولي ظننت؛ اعتماداً على شواهد مبسوطة في كتب الفروع. وإذا ورد السماع بحذف حرف في موضوع من التركيب على سبيل الاطراد، فهل يقاس عليه ما يرادفه من الحروف، فيسوغ حذفه، ولو لم ترد به الرواية؟ هذا من مواقع اختلاف علماء العربية أيضاً، ومن أمثلته: أنهم أجازوا حذف "لا" النافية في جواب القسم، كما ورد في قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥]، وقول الشاعر: آليتَ حبَّ العراق الدهرَ أطعمه ... والحبُّ يأكله في القرية السوس واختلفوا في حذف "ما" النافية في نحو هذا المقام، ومن أبى حذفها قد يتمسك بأن "لا" وضعت للدلالة على السلب، وحذفها يوهم إرادة الإثبات

стр. 2580

الذي هو ضد مدلوها، فكان ذكرها على ما يقتضيه وضعها أمراً لابد منه، ولكنهم حذفوها في جواب القسم؛ لكثرة استعمالها، ولا يصح إلحاق لفظ "ما" بها، وإن كانت مرادفة لها في المعنى؛ لأنها لا تشاركها في الوجه الذي اقتضى العدول بها عن الأصل، وهو كثرة الاستعمال. وإذا وضعت ألفاظ للدلالة على غرض، وانتظمت في منهج، وسمع في أحدها حذف بعض متعلقاته، فهل يجري الحذف في متعلقات ما يشاركه في المعنى على طريقة قياس التمثيل؟. ومثال هذا: ما ثبت من أن العرب يحذفون صدر الصلة مع أيّ الموصولة، فيقولون: زارني أيهم أفضل، والأصل: أيهم هو أفضل، فحذفوا الضمير الذى هو صدر الصلة، وقد وقف بعض النحاة عند هذا الموضع، واستضعفوا حذف مثل هذا الضمير مع غير أيّ من الموصولات، ولم يستضعفه ابن مالك، فالقائل بمنع القياس ناظر إلى أن حذف متعلق الكلمة، وهو صدر الصلة، جرى على غير أصل، فلا نتجاوز به حد السماع، ونلحق به ما يشارك تلك الكلمة في وجه الاستعمال، ونحذف متعلقه كما حذف تعلقها. والقائل بجواز الإلحاق ناظر إلى أن اتحاد الكلمتين في المعنى يجعلهما بمنزلة الكلمة الواحدة، فما يثبت لأحدهما من الأحكام يصح إعطاؤه للأخرى؛ حيث إن الأسلوب معهما متماثل. * القياس في مواقع الإعراب: إذا وردت الكلمة بمكان من الإعراب، ولم يسمع استعمالها في غير هذا المكان، فأصولهم تقتضي أنها تطرد فيما سمعت، ولا يقاس عليه غيره من المواضع، ومن هذا: تخصيصهم الكلمات: فل، ولومان، ونومان بحال

стр. 2581

النداء، وقط، وعوض بالظرفية، أو الجر بمن. ومن فروع هذا: قول ابن الحاجب، وسعد الدين التفتازاني: إن لفظه: "كل" إذا أضيفت إلى الضمير لم تستعمل في كلامهم إلا توكيدًا، فيمتنع إيرادها مفعولاً به، أو فاعلًا، ومن أجاز إيرادها مفعولاً به؛ كابن هشام اعتمد على ما وقع في يده من الشواهد التي منها قول الشاعر: "فيصدر عنها كلُّها وهو ناهل" ومما يجري على هذا الأصل قولهم: إن كافة، وقاطبة، وطُرّاً لا تخرج عن الحالية، وعدّ ابن هشام في أوهام الزمخشري تخريجه لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] على أن كافة نعت لمصدر محذوف، والتقدير: رسالة كافة، ومن نازعوا في اختصاصها بالحالية يقفون موقف المدعي المطالَب بالدليل، وقد استشهدوا على ما ذهبوا إليه بمثل قول عمر ابن الخطاب ﵁: "قد جعلت لآل بني كاهلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهباً". وحاول الشهاب الخفاجي هدم هذا الأصل المقرر في الصدر، فقال في "شرح الدرة": فإن "كافة" ورد عن العرب بمعنى جميع، لكنه استعمل منكراً منصوباً، وفي الناس خاصة، ومقتضي الوضع: أنه لا يلزمه ما ذكر، فيستعمل كما استعمل "جميع" معرفاً ومنكراً بوجوه الإعراب، وفي الناس وغيرهم؛ لأنَّا لو اقتصرنا في الألفاظ على ما استعملته العرب العارية والمستعربة، حجَّرنا الواسع، وعسر التكلم بالعربية على من بعدهم. وهذا الرأي لا يؤخذ به على الإطلاق، ولا يستضاء به في كل حال؛ فإنه لا يطابق ما قاله أساتيذ العربية من أن معرفة الوضع غير كافية ما لم ينضم إليها

стр. 2582

العلم بحال الاستعمال. قال ابن خلدون في "المقدمة": ليس معرفة الوضع الأول بكاف في التركيب حتى يشهد له استعمال العرب لذلك، وأكثر ما يحتاج إلى ذلك الأديب في فني نظمه ونثره؛ حذراً من أن يكثر لحنه في الموضوعات اللغوية في مفرداتها وتراكيبها، وهو شر من اللحن في الأعراب وأفحش. ولو اقتدينا بالشهاب في إباحته، وسرنا على أثر مقالته المطلقة العنان، لعمدنا إلى مثل: قط، وقبل، وعند، ومع، وأخرجناها عن الظرفية إلى نحو الابتداء، أو الفاعلية، ولا أحسبه يرضى للغة هذه الفوضى، فيفصم نظامها، وهو يريد توسيع نطاقها. والتحقيق في هذا المطلب: أن ما يصلح أن نجريه على القاعدة في الإعراب نوعان: أحدهما: ما يدور على ألسنة البلغاء وغيرهم، ويجري في مخاطباتهم بحالة خاصة من الإعراب، مثل: عند، وقبل، وقاطبة، ومع، وهذا هو الذي نقف فيه عند حد السماع؛ فإن كثرة دورانه في مجاري كلامهم نظمًا ونثرًا، وتقلبه في أساليبهم بحالة مخصوصة من الإعراب يشعر بقصدهم إلى تخصيصه بتلك الحالة، وما كان ينبغي لنا في هذا القسم إلا أن نتحرى الطريقة المألوفة في استعماله. ثانيهما: ما لا يتردد في أغلب مخاطباتهم، وإنما يرد في حال لا يدل على قصدهم إلى قصره على الحالة التي جاءت بها الرواية. وهذا هو الذي يسوغ لنا أن نخرج به عن حالته الواردة. ونستعمله في المواضع التي يساعد عليها الوضع، فلو لم نسمع لفظ الضرغام، أو اللوذعي، أو الفيصل إلَّا فاعلاً أو

стр. 2583

مفعولاً، كان لنا إيراده في تراكيب من عندنا مضافاً إليه، أو مبتدأ، أو خبراً. فيتضح من هذا التفصيل مذهب الجمهور، ووجه ماخذه. ويمكنك أن تقضي به على مقالة الشهاب؛ حيث أباح خروج "كافة" عن الحالية بمجرد النظر إلى حال الوضع؛ فإن هذه الكلمة من القسم الأول قطعاً، فيجب على من ذهب إلى صحة استعمالها فاعلاً أو مفعولاً - مثلاً - إقامة شاهد على ذلك، ولا يكفيه التمسك بأنها قابلة لهذه الوجوه من الإعراب بحسب وضعها. وللشيخ الكافيجي مقالة تشبه مقالة الخفاجي، هي: أنه تكلم عن نحو قولك، في الدار علي، والمسجدِ خالد (١)، ثم قال: إن جزئيات الكلام إذا أفادت المعنى المقصود منها على وجه الاستقامة لا يحتاج إلى النقل والسماع، وإلا لزم توقف تراكيب العلماء في تصانيفهم على ذلك. وهذه العبارة مطلقة العنان، فلابد من وقفها عند حد، فنقول: إن أراد الكافيجي بقوله: "أفادت المعنى على وجه الاستقامة": أن المعنى حصل في ذهن المخاطب عند النطق بها كاملاً. فهذا لا يكفي في صحة الكلام عند علماء العربية قطعاً؛ فإن من التراكيب ما يفهم منه المعنى المراد، ويكون المتكلم قد خالف فيه بعض القواعد المجمع عليها، وإن قصد بوجه الاستقامة: المطابقة لصحة الأسلوب عربية، قلنا: هذا هو محل النزل بينه وبين من لا يجيز المثال: في الدار عليٌّ، والمسجدِ خالد؛ فإن

стр. 2584

المانع يراه غير مطابق للأسلوب العري الصحيح، فلا محيص للكافيجي وغيره من إقامة الدليل على صحة هذا التركيب. * القياس في العوامل: من البين أن الرافع والناصب للكلمة هو الناطق بها، وما نسميه بالعامل؛ كالفعل والحرف إنما هو أداة يلاحظها المتكلم، وياخذها بمنزلة الوسيلة لتلك الآثار الخاصة من رفع ونصب وخفض وجزم. ولما لم يكن تأثير هذه العوامل النحوية من قبيل تأثير الأسباب العقلية أو الحسية، وإنما هو بقصد المتكلم إلى جعلها وسيلة للعمل، جاز تأخيرها عن المعمول، واستقام لكل من اللفظين أن يكون عاملاً في صاحبه؛ كأسم الشرط والفعل المجزوم به؛ نحو: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١٠]، ولا يتوجه الاعتراض عليهما بأن الأثر لا يوجد قبل علته الفاعلة. وساغ لهذا المعنى أيضاً أن يتوارد عاملان على معمول واحد، ولكنهم ضعفوا قول المبرد: إن الابتداء عامل في المبتدأ، وهما؛ أي: الابتداء والمبتدأ عاملان في الخبر، من جهة السماع، فقالوا: إن توجّه عاملين إلى معمول واحد لا يعهد له نظير في العربية، وبمثل هذا الوجه ضعفوا قول الفراء: إن زيداً في قولك: "قام وقعد زيد" مرفوع بالفعلين، واختاروا أن يكون فاعلاً للثاني، وهو قعد، وجعلوا الفاعل للأول ضميراً مقدراً. وأكثر اختلافهم في تحقيق العامل لا يظهر له أثر في نظم الجملة، وقد ينبني عليه الحكم بصحة بعض التراكيب؛ كاختلاف الكوفيين والبصريين في الرافع لاسم "كان" الناسخة، فمقتضى قول الكوفيين: إن الاسم لم يزل مرفوعا بالابتداء، وإن "كان" إنما عملت في الخبر، امتناع نحو: كان زيد

стр. 2585

كاتباً، وعمرو شاعراً؛ لأنك عطفت قولك: "عمرو شاعراً" على قولك: "زيد كاتباً"، فيكون التركيب من قبيل عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين، وهما - أي: العاملان: كان، والابتداء - ولكنه بمقتضى مذهب البصريين كلام عربي فصيح؛ لأن المعطوف عليهما، وهما "زيد كاتباً" معمولان لمعمول واحد هو لفظ كان، وعطف اسمين على معمولي عامل واحد - وإن اختلف إعرابهما - لا مرية في صحته. وعوامل الإعراب ترجع إلى ستة أصناف: أولها: الأفعال المتصرفة، ومصادرها، وما يشتق منها؛ نحو: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل. ثانيها: الأفعال غير المتصرفة؛ نحو: عسى وليس ونعم وبئس. ثالثها: الحروف؛ مثل: الحروف الخافضة للأسماء، والحروف الناصبة للأفعال، أو الجازمة لها. رابعها: أسماء تعمل من جهة موقعها في الجملة؛ كالمضاف يعمل في الخبر، والمميز المفرد يعمل في التمييز. خامسها: صفات تكتسبها الكلمة من حال استعمالها في الجملة؛ كالإبتداء، والإضافة في الأسماء، والتجرد من الناصب والجازم في الأفعال. سادسها: كلمات ليست بأفعال، ولكنها تشبه الأفعال في المعنى؛ كاسم الإشارة وحرف التنبيه في رأي من يجعلهما عاملين في الحال؛ نحو: هذا زيد كاتباً، وكحروف النداء، وما النافية عند من يجيز تعلق الظرف أو الجار والمجرور بها. ولا شبهة في أن الصنف الأول، وهو الأفعال والمصادر، وما يشتق

стр. 2586

منها، أقوى من بقية أصناف العوامل، ولقوته في العمل صح لهم أن يسندوا إليه عملين مختلفين؛ كالفعل يرفع الفاعل، وينصب المفعول، أو ثلاثة آثار؛ كالفعل يرفع الفاعل، وينصب مفعولين، أو أربعة آثار؛ كالأفعال التي ترفع الفاعل، وتنصب ثلاثة مفاعيل. ونبني على هذا: أنه متى أمكن أن يكون العامل من هذا الصنف الأقوى، لم يعدل عنه إلى جعل العامل من صنف غيره، وقد اختار سيبويه أن يكون العامل في المنادى فعلاً مقدراً، ورجحه على أن يكون العامل حرف النداء، وإن كان ملفوظاً به؛ حيث قال: إن العامل في المنادى فعل مضمر تقديره: "أدعو". والتحقيق - فيما نرى - أن الموازنة بين الصنف الأول إذا كان مقدراً، وغيره إذا كان ملفوظاً به، يرجع إلى قوة النظر في المعنى، وسرعة انتقال الخاطر إلى المقدر، فإذا كان المدعى تقديره لا ينتقل إليه الذهن بسرعة، أو لا يلتئم بنظم الكلام عندما تصرح به، فالراجح نسبة العمل إلى الملفوظ به، ولو كان من الأصناف الضعيفة، وهذا ما دعا المبرد إلى أن قال: العامل في المنادى حرف النداء نفسه. والرجوع في العوامل إلى ما يقتضيه المعنى ويتبادر إلى الأذهان، يريك أن قول سيبويه: إن العامل في عطف النسق هو العامل في المتبوع، أقوى من قول ابن جني في "سرِّ الصناعة": إن العامل مضمر، ويقدر من جنس العامل في المعطوف عليه. وإذا وزنت بهذا الأصل قول الجمهور: ان المفعول لأجله في نحو: "قمت إجلالاً لك" منصوب بالفعل المذكور، رأيته أرجح من مذهب الزجاج؛

стр. 2587

حيث أرجعه إلى المفعول المطلق، وقدر له فعلاً من نوعه، والتقدير: قمت وأجلك إجلالاً. ومما يجري على هذا النسق: أن الجمهور يرون أن عامل الجزم في الفعل الواقع في جواب الطلب، شرط مقدر؛ والتقدير عندهم في نحو: "استقمْ يرفعِ الله قدرك": إن استقمت، يرفع الله قدرك، وذهب فريق إلى أن عامل الجزم هو الطلب نفسه، ومن أقام موازنة بين المذهبين، قد تدفعه قوة المعنى إلى ترجيح قول الجمهور، فإن رفعة القدر في المثال السابق معلقة على حصول الاستقامة، وهذا المعنى لا يستقل بافادته الأمر أو الاستفهام وحده، فلابد من ملاحظة شرط يستقيم به نظم الكلام، ويطابق به المعنى الذي أردت التعبير عنه. وللفريق الذي جعل عامل الجزم في ذلك المثال فعلَ الطلب نفسه، أن يجيب بأن ترتب رفعة القدر على الاستقامة، ودلالة الجملة على أن أولاهما موقوفة على ثانيتهما، يؤخذ بقرينة الجزم، فيكون الجزم بمنزلة الفاء في مثل قولك: كن شريف الهمة، فيكبُر عملك، فكبُر العمل موقوف على شرف الهمة، ولا حاجة إلى تقدير شرط؛ فإن الفاء تنبئ عن هذا الارتباط الذي سميت من أجله فاء السببية. والأصل في الحروف المشتركة بين الأسماء والأفعال: أن تكون معزولة عن العمل، وخرج عن هذا الأصل: "ما"، و"لا"، و"إن" النافيات؛ فإنها من قبيل ما يشترك فيه الأسماء والأفعال، وقد أعطاها بعض العرب عمل "ليس" الناسخة. فإذا وقع نزاع في نسبة العمل إلى حرف مشترك بين الأسماء والأفعال،

стр. 2588

فهذا الأصل ينصر من ينفي عنه العمل، فيمكنك أن تستدل به على ضعف مذهب من يقول: إن العامل في المعطوف هو حرف العطف، فان العاطف يتصل بنوعي الأسماء والأفعال. وعلى هذا الأصل ينبني خلافهم في إن وأخواتها عندما تتصل بها "ما" الزائدة، فقد سمع إعمال "ليتما"، فاتفقوا على جواز إعمال هذا الحرف. واختلفوا في إعمال بقية الحروف، فمنعه سيبويه. وأجازه الزجاج، وابن سراج، والكسائي، ومذهب سييويه قائم على أن "ليتما" لم تزل على اختصاصها بالأسماء، فساغ إعمالها، ولا يسوغ قياس الأحرف الباقية عليها؛ لأن "ما" أزالت اختصاصها بالأسماء، وهيأتها للدخول على الأفعال. ومن أصولهم: أن الحرف لا يعمل عملين مختلفين، وإنما يعمل عملاً واحداً؛ كالحروف الخافضة للأسماء، أو الناصبة للأفعال، أو عملين متماثلين؛ نحو: إن، وإذما الشرطيتين، يجزمان فعل الشرط وجوابه، وخرج عن هذا الأصل عند البصريين: إن وأخواتها؛ فإنها في مذهبهم ناصبة للاسم ورافعة للخبر، وحافظ عليه الكوفيون، فطردوه في كل موضع، وقالوا: إن الناسخ عمل في الاسم وحده، وأما الخبر، فإنه مرفوع بما ارتفع به قبل أن يرد عليه الناسخ، وهو المبتدأ. ويشبه هذا قول سيبويه: إن "لا" النافية للجنس إنما عملت في الاسم، وأما الخبر، فإنه مرفوع بكونه خبر المبتدأ. والأصل فيما يسند إليه العمل: أن لا يتخلف عنه أثره أينما وجد، فإذا احتمل وجه الاعراب أن ينسب إلى ما يدور معه العمل حيثما وجد، وأن ينسب إلى ما لا يطرد معه العمل في جميع مواقعه، ترجح جانب الاحتمال

стр. 2589

الأول، ومن أمثلة هذا: أن بعض الكوفيين يقولون: إن الفعل الواقع بعد واو المعية المسبوقة بطلب (١) أو نهي منصوب بالخلاف المسمى عندهم بالصرف، وبيانه: أن ما بعد واو المعية مثل: "وتأتي" في قول الشاعر: "لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله" خبر، وما قبله طلب، فلما اختلفا في المعنى، وقع الخلاف بينهما في الإعراب. وهذا المذهب مردود بأن نحو هذا الخلاف قد ثبت في مواضع لم يظهر له فيها عمل؛ مثل: الأسماء الواقعة بعد "لا"، أو "لكن" العاطفتين؛ نحو: ما كتب زيد، لكن بكر، وأحسن عمرو، لا خالد. وإذا دلت الصيغة على المعنى، وتقرر لها عمل خاص، ثم جاءت صيغة أخرى توافقها في الدلالة على ذلك المعنى، أفنلحق الصفة الثانية بالأولى، ونعطيها ذلك العمل الخاص، أو لا نملك هذا الإلحاق، ونقف دونه حتى يرد في كلام العرب ما يشهد بأنهم أعطوا من العمل ما أعطوه للصيغة الأولى؟ ووجه الوقف: أنه لا يلزم من الاتحاد في المعنى التماثل في العمل؛ فإنك ترى كثيراَ من الكلم تتحد معنى، وهي تختلف في التعدي واللزوم؛ نحو: رحمه، وصلى عليه. ومما يوضح هذا أن صيغة "مفعول" تعمل في الاسم الظاهر؛ نحو: محمود مُقامه، ومرفوع ذكْرُه؛ ويوافق صيغة مفعول في الدلالة على معناها صيغة فعيل، نحو قتيل وجريح، وقد أبى الجمهور أن يلحقوا فعيلاً بشبيهه، وهو مفعول، فيجيزوا رفعه للظاهر، وقالوا: لا يصح أن يقال: مررت برجل

стр. 2590

كحيل عينه، أو قتيل أبوه، وأجاز ذلك ابن عصفور، ولعله استند في هذا إلى أصل القياس. ويدخل في هذا الباب صيغة فَعِل؛ نحو: حَذِر، فالجمهور يمنعون عمله عمل الصيغة المحول عنها، وهي صيغة فاعل، فلا ينصب المفعول به، وسيبويه يجيز عمله، ولكنه استند في مذهبه إلى شاهد على أنه من كلام العرب هو قول الشاعر: حذر أموراً ماتخاف وآمن ... ما ليس ينجيه من الأقدار وطعن الجمهور في هذا البيت بأنه مصنوع، وحكوا عن اللاحقي أنه قال: إن سيبويه سألني عن شاهد في تعدي فَعِل، فعملت له هذا البيت. * القياس في شرط العمل: قد يكون العامل مقارناً لوصف، أو لفظ، فيجعلون مقارنته لذلك الوصف أو اللفظ شرطاً في عمله، كما أخذوا في فعل التعجب شرط تاخير معموله عليه، فلا يقال: زيداً ما أحسن، وكما قالوا: إنَّ "دام" تعمل عمل كان بشرط أن تسبقها "ما" المصدرية الظرفية. وللعامل مع هذه الشروط حالان: أحدهما: ما إذا فقد الشرط بطل العمل، ويقي العامل مهملاً، كما شرطوا في نصب "إذن" للمضارع أن تكون في صدر الجملة، فإذا فقدت الصدارة، بطل النصب، مع بقاء"إذن" في نظم الكلام مهملة. ومثل هذا النوع من الشروط لا تنبغي المخالفة فيه إلا ممن لم تبلغه الشواهد التي خليت من الشرط، فتخلى العامل فيها عن العمل. ثانيهما: ما إذا فقد الشرط، لم يصح أن يؤتى بالعامل في نظم الجملة

стр. 2591

البتة، وهذا كما شرطوا لعمل إن وأخواتها الترتيب في الوضع؛ بأن يأتي اسمها مقدماً على خبرها، فإن المتكلم إذا لم يوف لها هذا الشرط لا يسوغ له أن يدخلها في التركيب، ولو مع إهمالها. وهذا النوع من الشروط هو الذي يختلفون فيه كثيراً؛ فإن للمخالف في الشرطية أن يدَّعي أن مقارنة ذلك الوصف أو اللفظ إنما كانت على سبيل الاتفاق، لا على أنها لازمة بحيث يكون العمل موقوفاً عليها، إذ لا يوجد في هذا القسم صورة تبين كيف أهمل العامل من أجل تخلف ذلك الوصف أو اللفظ، مثلما وجد في القسم الأول. ولمدَّعي الشرطية أن يقول: إني لم أر هذه الأداة عاملة إلاَّ مع هذا الوصف أو اللفظ الخاص، فاعده شرطاً للعمل، ومن ينفي الشرطية، فعليه بإقامة الدليل. فمنكر الشرطية إما أن يسوق شاهداً على عملها مع عدم ذلك الوصف أو اللفظ، أو يمنع أن يكون لارتباط العمل به وجه مناسب. فإن سلك الطريقة الأولى، وهي إقامة الشاهد الصحيح على العمل مع تخلف الوصف أو اللفظ، فقد رمى بسهم صائب، وأصبح مذهبه في حرز من الصحة. ومثال هذا: أن البصريين يقولون: لا يصح العطف على الضمير المجرور إلا بشرط إعادة حرف الجر. وخالفهم الكوفيون، فأجازوا العطف مع عدم إعادة الجار، وأقاموا على مذهبهم شواهد، منها: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، وقول الشاعر: "فاذهب فما بك والأيامِ من عجب" وقد يستمر مدعي الشرطية متشبثاً برأيه، ولو بعد أن تلقى عليه الشواهد

стр. 2592

البينة في إلغاء الشرط وقيام الحكم بدونه، ويذهب في التأويل أبعد مذهب، وهذا كما قال البصريون في تاويل آية ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]: إن الواو في قوله: (والأرحامِ) للقسم، لا للعطف، أو إن حرف الجر، وهو الباء، مقدر، وكلا الوجهين في منتهى الضعف كما ترى. فلو عجز المخالف في شرطية الاقتران بوصف أو لفظ عن الطريقة الأولى، وهي إقامة الشاهد على وجود العمل مع تخلف ذلك الوصف أو اللفظ، وجنح إلى الطريقة الثانية، وهي المطالبة بالوجه المناسب، لجعل الاقتران بذلك الوصف أو اللفظ شرطاً، فإن أبدى القائل بالشرطية وجهاً صحيحاً لارتباط العمل بالوصف أو اللفظ المقارن، انقطع المخالف، واستقر الشرط في محله. وهذا كما يقول البصري: إن الفعل الناسخ المقرون بما النافية لا يجوز تقديم خبره على "ما"، وهذا القول في معنى أن شرط عمل الناسخ المنفي بحرف "ما" أن يكون خبره مؤخراً عنه. وقد نازع الكوفيون في هذا الشرط، مع اعترافهم بأن الخبر لم يرد في السماع إلا مؤخراً، فكان من البصريين أن قالوا: لربط العمل بتأخير الخبر وجه هو: أن "ما"، النافية من الأدوات المستحقة للصدارة، فلا يصح لما بعدها أن يعمل فيما قبلها. فإذا لم يأت مدعي الشرطية بوجه، أو أتى بوجه غير مقبول، بقي باب القياس مفتوحاً في وجه المخالف، فإن كان قريب المأخذ، حسن الموقع، انهدم ذلك الشرط، واستمر العمل على إطلاقه. * القياس في الأعلام: المعروف في الأعلام أن أمرها موكول إلى واضعها، فينقلها من أي

стр. 2593

موضع شاء، ويصوغها في أي وزن شاء، دون أن يراعي قانوناً، أو يجري فيها على سنة قياس. قال الشيخ ابن عرفة في تفسير قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٤]: انتقد القرافي على الفخر بن الخطيب تسمية كتابه بالمحصول قائلاً: إن فعل حصل "لا يتعدى" إلا بحرف الجر، ومثل هذا لا يبنى منه اسم المفعول إلا مصحوباً بالمجرور، فكان حق التسمية: المحصول فيه. ثم تصدَّى الشيخ ابن عرفة لجواب هذا الاعتراض، فقال: إن صوغ اسم المفعول من اللازم بدون المجرور إنما يمنع إذا أريد منه مجرد الوصف، وأما أخذه على أنه اسم لشيء معين، فجائز؛ لأنه يصح تسمية الإنسان ببعض الاسم، فأحرى أن يسمى باسم المفعول غير مصحوب بحرف الجر؛ كما سميت الشجرة: "سدرة المنتهى"، دون: المنتهى إليها. وبمثل هذا يجاب المعترض على القاضي عياض في تسمية كتابه: "الشفا"؛ حيث قال: إن ما ورد ممدوداً؛ كالشفاء، لا يجوز قصره إلا في ضرورة الشعر. وبمثل هذا أيضاً يجاب من اعترض تسمية بعض المؤلفات بنحو: رد المحتار، أو المقتطف؛ إذ لم يجد في كتب اللغة احتار واقتطف، وليس هناك قياس يجيز اشتقاق احتار من حار، أو اقتطف من قطف. والتحقيق: أن إنكار تسمية بعض المؤلفات برد المحتار، أو المقتطف، إنما يتوجه على واضع الاسم متى بنى وضعه على أن العرب قالوا: احتار، أو اقتطف، أو على اعتقاد صحة أخذ افتعل من مادة: حار، أو قطف، ولو علم أنه لا يقال: محتار، ومقتطف، ثم عمد إلى وضع أحدهما اسماً لتاليف

стр. 2594

بعينه، لم يكن مخالفاً لقانون اللغة، وعلى أي حال، لا يؤاخذ الناطق بهما بعد أن صارا علمين، ولا يوصف بالخطأ الذي يوصف به القائل: اقتطفت الثمرة، واحترت في أمر كذا. ولا أدري - إلى هذا اليوم - ماذا أراد صاحب "القاموس" بالقياس في قوله: "فَقْعَس عَلمٌ مرتجل قياسي"؛ إذ لا نعرف فارقاً بين فقعس وغيره من بقية الأعلام المرتجلة سوى أن مادته لم تستعمل إلا في صيغة هذا العلم؛ بخلاف غيره من الأعلام المرتجلة؛ كسعاد، وأدَد؛ فإنها مرتجلة؛ نظراً إلى صيغتها، وأما مادة حروفها، فإنها مستعملة من قبل هذه الأعلام بصيغ أخرى. * الكلمات غير القاموسية (١): كان فضيلة الأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي رئيس المجمع العلمي بدمشق قدَّم إلى ذلك المجمع اقتراحاً، وبعث إليَّ المجمع بنسخة من ذلك الاقتراح يطلب إبداء رأي فيه، فكتبت في جوابه مقالاً موجزاً، وقد رأيت إضافته في الطبع إلى كتاب "القياس في اللغة العربية" مصدَّراً باقتراح المغربي. اقتراح الأستاذ المغربي: موضوع اقتراحي - أيها السادة - هو استمالة نظركم إلى العناية بالكلمات (غير القاموسية)؛ وأعني بالكلمات غير القاموسية: كلمات نستنكف من إيداعها

стр. 2595

قواميسنا العربية. وقد أصبحنا - مع هذا - لا نستنكف من التكلم بها، وإيداعها كتاباتنا أحياناً. وقد أصبحنا -معشر العرب- مع معاجم لغتنا تجاه أمر واقع غريب الشكل، ذلك أننا نرى ألوفاً من الكلمات العربية الحوشية المهجورة الاستعمال قد تبوأت من قواميسنا الصدر والمحراب، وألوفاً من الكلمات الدخيلة التي ألفتها الأسماع، والتي نرى أنفسنا مضطرين لاستعمالها قد حرمت دخول المعاجم، وطرحت وراء الأبواب. وهذا على خلاف ما عليه الحال في لغات الأمم الراقية؛ فإن معاجمها اليوم تتضمن من الكلمات القديم والحديث، والأصيل والدخيل، وميزان التفاضل بينهما إنما هو استعمال البلغاء لها، لا لكونها أصيلة أو دخيلة، فإذا تصفحت معجم (لاروس) - مثل -، وجدت فيه إزاء الألفاظ الإفرنسية المحضة ألفاظاً أخرى من لغات مختلفة، فنجد من اللغة العربية - مثلاً - كلمات: mesquine " مسكين"، felouque " فلك"، marbout " مرابط" (شيخ صوفي)، bled " بلد"، cable " جبل"، sirop " شراب"، houri " حورية"، mantille " منديل"، jare " جرة" في نظير ذلك من الكلمات العربية التي يحلونها المحل الأرفع من معاجمهم، ويزينون بها خطبهم وكتاباتهم. ولا يخفى على حضراتكم - أيها السادة - أن الكلمات الدخيلة التي سميناها: (غير قاموسية) تبقى مرذولة سيئة السمعة ما دامت لا تذكر في معاجمنا العربية. وما دام كتابنا المجيدون يأنفون من استعمالها خشية أن ينسب إليهم قصور، أو توصم كتاباتهم بلوثة العجمة، وكل ما أريد الآن من أفاضلنا أن لا ينظروا إلى الكلمات (غير القاموسية) نظرة ازدراء، ولا يحرموا استعمالها على السواء، بل أقترح عليهم أن يضعوها، ثم يميزوا بين أصنافها، فصنف منها يعلن مجمعنا
следующие страницы →