← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

البتة، وهذا كما شرطوا لعمل إن وأخواتها الترتيب في الوضع؛ بأن يأتي اسمها مقدماً على خبرها، فإن المتكلم إذا لم يوف لها هذا الشرط لا يسوغ له أن يدخلها في التركيب، ولو مع إهمالها. وهذا النوع من الشروط هو الذي يختلفون فيه كثيراً؛ فإن للمخالف في الشرطية أن يدَّعي أن مقارنة ذلك الوصف أو اللفظ إنما كانت على سبيل الاتفاق، لا على أنها لازمة بحيث يكون العمل موقوفاً عليها، إذ لا يوجد في هذا القسم صورة تبين كيف أهمل العامل من أجل تخلف ذلك الوصف أو اللفظ، مثلما وجد في القسم الأول. ولمدَّعي الشرطية أن يقول: إني لم أر هذه الأداة عاملة إلاَّ مع هذا الوصف أو اللفظ الخاص، فاعده شرطاً للعمل، ومن ينفي الشرطية، فعليه بإقامة الدليل. فمنكر الشرطية إما أن يسوق شاهداً على عملها مع عدم ذلك الوصف أو اللفظ، أو يمنع أن يكون لارتباط العمل به وجه مناسب. فإن سلك الطريقة الأولى، وهي إقامة الشاهد الصحيح على العمل مع تخلف الوصف أو اللفظ، فقد رمى بسهم صائب، وأصبح مذهبه في حرز من الصحة. ومثال هذا: أن البصريين يقولون: لا يصح العطف على الضمير المجرور إلا بشرط إعادة حرف الجر. وخالفهم الكوفيون، فأجازوا العطف مع عدم إعادة الجار، وأقاموا على مذهبهم شواهد، منها: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، وقول الشاعر: "فاذهب فما بك والأيامِ من عجب" وقد يستمر مدعي الشرطية متشبثاً برأيه، ولو بعد أن تلقى عليه الشواهد

стр. 2592

البينة في إلغاء الشرط وقيام الحكم بدونه، ويذهب في التأويل أبعد مذهب، وهذا كما قال البصريون في تاويل آية ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]: إن الواو في قوله: (والأرحامِ) للقسم، لا للعطف، أو إن حرف الجر، وهو الباء، مقدر، وكلا الوجهين في منتهى الضعف كما ترى. فلو عجز المخالف في شرطية الاقتران بوصف أو لفظ عن الطريقة الأولى، وهي إقامة الشاهد على وجود العمل مع تخلف ذلك الوصف أو اللفظ، وجنح إلى الطريقة الثانية، وهي المطالبة بالوجه المناسب، لجعل الاقتران بذلك الوصف أو اللفظ شرطاً، فإن أبدى القائل بالشرطية وجهاً صحيحاً لارتباط العمل بالوصف أو اللفظ المقارن، انقطع المخالف، واستقر الشرط في محله. وهذا كما يقول البصري: إن الفعل الناسخ المقرون بما النافية لا يجوز تقديم خبره على "ما"، وهذا القول في معنى أن شرط عمل الناسخ المنفي بحرف "ما" أن يكون خبره مؤخراً عنه. وقد نازع الكوفيون في هذا الشرط، مع اعترافهم بأن الخبر لم يرد في السماع إلا مؤخراً، فكان من البصريين أن قالوا: لربط العمل بتأخير الخبر وجه هو: أن "ما"، النافية من الأدوات المستحقة للصدارة، فلا يصح لما بعدها أن يعمل فيما قبلها. فإذا لم يأت مدعي الشرطية بوجه، أو أتى بوجه غير مقبول، بقي باب القياس مفتوحاً في وجه المخالف، فإن كان قريب المأخذ، حسن الموقع، انهدم ذلك الشرط، واستمر العمل على إطلاقه. * القياس في الأعلام: المعروف في الأعلام أن أمرها موكول إلى واضعها، فينقلها من أي

стр. 2593

موضع شاء، ويصوغها في أي وزن شاء، دون أن يراعي قانوناً، أو يجري فيها على سنة قياس. قال الشيخ ابن عرفة في تفسير قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٤]: انتقد القرافي على الفخر بن الخطيب تسمية كتابه بالمحصول قائلاً: إن فعل حصل "لا يتعدى" إلا بحرف الجر، ومثل هذا لا يبنى منه اسم المفعول إلا مصحوباً بالمجرور، فكان حق التسمية: المحصول فيه. ثم تصدَّى الشيخ ابن عرفة لجواب هذا الاعتراض، فقال: إن صوغ اسم المفعول من اللازم بدون المجرور إنما يمنع إذا أريد منه مجرد الوصف، وأما أخذه على أنه اسم لشيء معين، فجائز؛ لأنه يصح تسمية الإنسان ببعض الاسم، فأحرى أن يسمى باسم المفعول غير مصحوب بحرف الجر؛ كما سميت الشجرة: "سدرة المنتهى"، دون: المنتهى إليها. وبمثل هذا يجاب المعترض على القاضي عياض في تسمية كتابه: "الشفا"؛ حيث قال: إن ما ورد ممدوداً؛ كالشفاء، لا يجوز قصره إلا في ضرورة الشعر. وبمثل هذا أيضاً يجاب من اعترض تسمية بعض المؤلفات بنحو: رد المحتار، أو المقتطف؛ إذ لم يجد في كتب اللغة احتار واقتطف، وليس هناك قياس يجيز اشتقاق احتار من حار، أو اقتطف من قطف. والتحقيق: أن إنكار تسمية بعض المؤلفات برد المحتار، أو المقتطف، إنما يتوجه على واضع الاسم متى بنى وضعه على أن العرب قالوا: احتار، أو اقتطف، أو على اعتقاد صحة أخذ افتعل من مادة: حار، أو قطف، ولو علم أنه لا يقال: محتار، ومقتطف، ثم عمد إلى وضع أحدهما اسماً لتاليف

стр. 2594

بعينه، لم يكن مخالفاً لقانون اللغة، وعلى أي حال، لا يؤاخذ الناطق بهما بعد أن صارا علمين، ولا يوصف بالخطأ الذي يوصف به القائل: اقتطفت الثمرة، واحترت في أمر كذا. ولا أدري - إلى هذا اليوم - ماذا أراد صاحب "القاموس" بالقياس في قوله: "فَقْعَس عَلمٌ مرتجل قياسي"؛ إذ لا نعرف فارقاً بين فقعس وغيره من بقية الأعلام المرتجلة سوى أن مادته لم تستعمل إلا في صيغة هذا العلم؛ بخلاف غيره من الأعلام المرتجلة؛ كسعاد، وأدَد؛ فإنها مرتجلة؛ نظراً إلى صيغتها، وأما مادة حروفها، فإنها مستعملة من قبل هذه الأعلام بصيغ أخرى. * الكلمات غير القاموسية (١): كان فضيلة الأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي رئيس المجمع العلمي بدمشق قدَّم إلى ذلك المجمع اقتراحاً، وبعث إليَّ المجمع بنسخة من ذلك الاقتراح يطلب إبداء رأي فيه، فكتبت في جوابه مقالاً موجزاً، وقد رأيت إضافته في الطبع إلى كتاب "القياس في اللغة العربية" مصدَّراً باقتراح المغربي. اقتراح الأستاذ المغربي: موضوع اقتراحي - أيها السادة - هو استمالة نظركم إلى العناية بالكلمات (غير القاموسية)؛ وأعني بالكلمات غير القاموسية: كلمات نستنكف من إيداعها

стр. 2595

قواميسنا العربية. وقد أصبحنا - مع هذا - لا نستنكف من التكلم بها، وإيداعها كتاباتنا أحياناً. وقد أصبحنا -معشر العرب- مع معاجم لغتنا تجاه أمر واقع غريب الشكل، ذلك أننا نرى ألوفاً من الكلمات العربية الحوشية المهجورة الاستعمال قد تبوأت من قواميسنا الصدر والمحراب، وألوفاً من الكلمات الدخيلة التي ألفتها الأسماع، والتي نرى أنفسنا مضطرين لاستعمالها قد حرمت دخول المعاجم، وطرحت وراء الأبواب. وهذا على خلاف ما عليه الحال في لغات الأمم الراقية؛ فإن معاجمها اليوم تتضمن من الكلمات القديم والحديث، والأصيل والدخيل، وميزان التفاضل بينهما إنما هو استعمال البلغاء لها، لا لكونها أصيلة أو دخيلة، فإذا تصفحت معجم (لاروس) - مثل -، وجدت فيه إزاء الألفاظ الإفرنسية المحضة ألفاظاً أخرى من لغات مختلفة، فنجد من اللغة العربية - مثلاً - كلمات: mesquine " مسكين"، felouque " فلك"، marbout " مرابط" (شيخ صوفي)، bled " بلد"، cable " جبل"، sirop " شراب"، houri " حورية"، mantille " منديل"، jare " جرة" في نظير ذلك من الكلمات العربية التي يحلونها المحل الأرفع من معاجمهم، ويزينون بها خطبهم وكتاباتهم. ولا يخفى على حضراتكم - أيها السادة - أن الكلمات الدخيلة التي سميناها: (غير قاموسية) تبقى مرذولة سيئة السمعة ما دامت لا تذكر في معاجمنا العربية. وما دام كتابنا المجيدون يأنفون من استعمالها خشية أن ينسب إليهم قصور، أو توصم كتاباتهم بلوثة العجمة، وكل ما أريد الآن من أفاضلنا أن لا ينظروا إلى الكلمات (غير القاموسية) نظرة ازدراء، ولا يحرموا استعمالها على السواء، بل أقترح عليهم أن يضعوها، ثم يميزوا بين أصنافها، فصنف منها يعلن مجمعنا

стр. 2596

العلمي الفتوى بجواز استعماله، بل بلزوم ذكره في معاجمنا اللغوية الحديثة أيضاً، وصنف منها يعلن عدم جواز استعماله أصلاً، ثم يبين السبب في الأمرين: الجواز، وعدم الجواز. وها أنذا منذ الساعة أصنف هذه الكلمات تصنيفاً أولياً يدرك الذهن منه ما هي الكلمات (غير القاموسية) التي ينبغي استعمالها، وما هي الكلمات التي يجب اطراحها وإهمالها: "الصنف الأول": من الكلمات (غير القاموسية): كلمات عربية قحة، لم تذكرها المعاجم، لكنها وردت في كلام فصحاء العرب الذين يحتج بأقوالهم، مثل فعل "تبدَّى" بمعنى: ظهر، لم تذكره المعاجم بهذا المعنى، وإنما ذكرته بمعنى: "سكن البادية"، لكنه ورد في بيت شعر لعمرو بن معدي كرب من قصيدته الدالية المذكورة في "ديوان الحماسة". والبيت هو قوله: وبدت لميس كأنها ... بدر السماء إذا تبدَّي فما رأيكم - أيها السادة - في هذه الكلمة (غير القاموسية)؟ هل يجوز لنا إهمالها بعد أن جات في شعر هذا العربي الصميم؟ لكن لماذا لم تذكرها المعاجم؟ هذا شيء آخر لا يتسع الوقت للبحث فيه، ولا أظن أن زملائي أعضاء المجمع العلمي يخالفونني في وجوب الإسراع إلى إعلان الفتوى بجواز استعمال كلمة (تبدى) وما أشبهها. "الصنف الثاني": من الكلمات (غير القاموسية): كلمات عربية خالصة لم تذكرها المعاجم، لكنها وردت في كلام فصحاء العرب الإسلاميين الذين لا يحتج بأقولهم: وهذا كفعل (أقصَّ) الخبر-رباعياً- بمعنى: (قصه) - ثلاثياً - لم تذكره المعاجم، لكنه جاء في كلام الإمام الطبري المشهور ببلاغة عبارته إذ

стр. 2597

قال في "تاريخه" (جزء ٢ ص ١٨٤) من الطبعة الأوربية -: "فأتيته فأقصصت قصته". وأظن أن السادة أعضاء المجمع يوافقونني أيضاً على إعطاء الفتوى بجواز استعمال هذا الصنف من الكلمات (غير القاموسية)، ويمكن أن يعدّ من هذا النوع إقرار العلامة اليازجي لكلمة "فخيم"، مع أن علماء اللغة لم يذكروا إلا "فَخْم"، واستعمال الإمام الشيخ محمد عبده لكلمة: "صدفة" في خطبة "شرحه لنهج البلاغة" مكان كلمة: (مصادفة). "الصنف الثالث": كلمات عربية المادة، ومع هذا لا يعرفها العرب، أو يعرفونها في معان أخر، وهي كلمات اصطلاحية فنية أو إدارية؛ كقولهم: (هيئة المحكمة)، (تشكيل المحاكم)، (انعقدت الجلسة)، (تعريفة الرسوم)، (ميزانية)، (كمية)، (كيفية)، وما في نظير ذلك، وهذه الكلمات (غير القاموسية) أرجو من رفاقي أعضاء المجمع أن يجوزوا استعمالها، لا سيما أنها كلمات اصطلاحية كما قلنا، ولكل قوم اصطلاحهم. "الصنف الرابع": كلمات عربية المادة ولَّدها المتأخرون من أهل الأمصار الإسلامية لا يعرفها العرب الأولون، ولم ينطق بها الفحول المقرمون؛ مثل فعل: "خابره" بمعنى: راسله، وفعل: "تفرج" على الشيء، "واحتار" في أمره، "وتنزه" في البستان، وهكذا. وأنا أعترف بأنني سألقي صعوبة في حمل زملائي أعضاء المجمع العلمي على إعطاء فتوى بجواز استعمال هذا الضرب من الكلمات (غير القاموسية). "الصنف الخامس": كلمات دخلية عجمية الأصل، وهي منها ما هو ثقيل "على اللسان": (أتوموبيل)، (بيرصو ناليته)، ومنها ما هو خفيف في

стр. 2598

السمع مثل: (فلم)، (بالون). وأنا على يقين أن أعضاء المجمع لا يجوزون استعمال كلا القسمين: الثقيل، والخفيف، وإنما هم يوجبون العدول عنهما إلى كلمات عربية تقوم مقامهما، أو تعريبها بكلمات ذات صيغة عربية كما قالوا: مناورة في تعريب manoeuvre. وأنا أوافقكم في الكلمات الثقيلة. أما الخفيفة مثل: (فِلم، وبالون)، فأرتاح إلى القول بجواز استعمالها كما هي. "الصنف السادس": أساليب أو تراكيب أعجمية تسربت إلى لغتنا مترجمة عن اللغات الأوربية، وهي مما لا يعرفه العرب الأقدمون، وهذا كقولهم: "ذر الرماد في العيون"، "عاش ستة عشر ربيعاً"، "وضع المسألة على بساط البحث"، "لا جديد تحت الشمس"، "ساد الأمن في البلاد"، وما في نظير ذلك، وكل هذا مما استفاض بيننا، وتعاورته أقلامنا، ولا أظن أن أحداً ينازع في جواز استعماله، اللهم إلا الذين أصيبوا بالوسواس اللغوي. "الصنف السابع": من الكلمات (غير القاموسية): كلمات عربية لا يستعملها أحد من الفصحاء، بل يتحاشون النطق بها لعمري، وهو ما نسميه: "العامي"، وهذا كثير لا يجهله أحد مثل كلمة "بدّى" أذهب، "جيب" الكتاب، "لحشه" على الأرض، "تعربش" على الشجرة، "تحركش" بفلان، إلى غير ذلك، وهذا لا يجوز استعماله بالطبع، بل يجب العمل على تقليص ظله من بيننا تدريجاً، وتعويد أبنائنا على استعمال غيره من الفصيح الذى يصلح أن يقوم مقامه. هذا ما خطر لي - أيها السادة - في تصنيف الكلمات (غير القاموسية)، ويمكن تصور أصناف أخرى غيرها؛ إذ ليس القصد من هذا الاقتراح الاستقصاء وبلوغ الغاية، وإنما القصد الإشارة والتلميح إلى ما يجب على مجمعنا العلمي

стр. 2599

عمله من التسامح، وإعطاء الفتوى في الكلمات التي عمت بها البلوى. "المغربي" جواب هذا الاقتراح: لم يبق اليوم من يخالف في أن اللغة العربية في حاجة إلى مجمع علمي يسير بها مع مقتضيات العصر، ويضع للمعاني المتجددة ألفاظاً لائقة. والذي يمكن أن تختلف فيه الآراء إنما هو الطريق الذي نذهب منه إلى سد الحاجة ورفع الحرج حتى لا تفقد اللغة حياتها. وحتى لا يقف الكاتب أو الخطيب أو الشاعر أمام هذه المعاني الطارئة مبهوتاً. يكاد علماء اللغة -فيما سلف- يجمعون على أن الناطق بكلمة لم ترو عن العرب الخلص مخطئ، إلا أن تكون على قياس لغتهم. وإذا جرى الخلاف في صحة استعمال كلمة أو تركيب لم ينقل عن العرب، فاساسه اختلاف النظر في أن هذا الاستعمال موافق لمقاييس اللغة، أو غير موافق لها. وإذا وجد الباحث في مواقع اختلاف علماء العربية سعة فيما يأخذ به من قبول بعض الكلمات أو التراكيب، فإن مخالفتهم فيما يجمعون على أنه غير مطابق للقياس ليست من السهولة بحيث يجهر به الكاتب أو الخطيب غير مستند إلى شيء سوى الحرص على تكثير سواد اللغة، وإطلاق الألسنة من أن تتقيد بنظمها. ولا أذهب إلى أن خرق إجماعهم في نفسه خطأ، وأن قولاً خارقاً مردود على كل حال؛ وإنما أود من الكاتب أو الخطيب أن يدخل البحث على طريقة يثبت بها أن اسمتعمال الكلمة أو التركيب على الوجه الذى يختاره موافق لمقاييس اللغة، أو يذكر وجه الحاجة الداعية إلى هذا الاستعمال، ويبين أن اللغة تبقى

стр. 2600

من دونه في قصور يقف بها دون هذه اللغات النامية. ضبط علماء اللغة قواعد العربية، ومازوا بين ما جاء على وجه الشذوذ، فينطق به كما ورد، وبين ما يصلح لأن يكون قياساً مطرداً، فرموا بهذا إلى غرضين شريفين: أحدهما: المحافظة على لهجة العرب وطرز خطابهم. ثانيهما: فتح السبيل إلى أن تستمر اللغة نامية على وجه يلائم روحها يوم وصلت في بلاغتها وحسن بيانها إلى ذروة لا تطمح العين إلى ما وراءها. "لم يزل ولدُ إسماعيل على مر الزمن يشتقون الكلام بعضه من بعض، ويضعون للأشياء أسماء كثيرة بحسب حدوث الأشياء الموجودات وظهورها". وهذا النوع من التصرف لا يختص بالعرب الخلص، بل هو حق باق لكل من ينشؤون على النطق بهذه اللغة الفضلى. وإذا لم تسر هذه اللغة فيما سلف على مقتضيات العصور، فليست علة ذلك أن آراء علمائها وقفت في سبيل تقدمها، وإنما فات علماءها أن يقوموا بهذا الإصلاح العلمي على طريقة منتظمة دائمة. طرأت على اللغة علل سرت من ألسنة غير فصيحة، وترجع هذه العلل إلى أضرب: أحدهما: تغيير نظم الكلام؛ كتقديم ما التزم العرب تأخيره، والفصل بين كلمتين التزموا فيهما الإتصال. وهذا النوع من التغيير لا يصح أن يجارى فيه العامة البتة؛ لأن الإغماض فيه يفضي إلى انقلاب اللغة الفصحى إلى لغة أو لغات لا ندري كيف تكون منزلتها في الانحطاط والبعد عن هذه الأساليب المحكمة.

стр. 2601

ثانيها: ترك هذه الحلية المسماة بحركات الإعراب، والأخذُ في هذا بما تفعله العامة مُذْهِبٌ لبهاء اللغة، وملقٍ للكلام في ضروب من الإبهام، وقد كانت وجوه الإعراب تصونه عنها لأول ما يلفظ به من غير احتياج في رفع هذا الإبهام إلى قرينة زائدة عن نفس الخطاب. ثالثها: مفردات أصلها عربي، فتغيرها العامة بنحو الحذف أو الزيادة أو القلب. مثل كلمة: (بِدِّى) أفعل، فالظاهر أن أصلها: (بوُدّي) ومثل: (تحركش) بفلان، فالظاهر أن أصلها: (تحرَّش)، وهذا من أمراض اللغة التي يجب أن نحمي ألسنتنا وأقلامنا من أن تحوم حولها. والأستاذ المغربي يوافق على أن هذا الصنف مما يتحاشى من النطق به، ويجب العمل على تقليص ظله. ولا أحسبه يخالف في تحامي الصنفين الأولين، ووجوب العمل على تنقية اللغة من أقذائهما. ونحن نوافق الأستاذ في صحة استعمال ما سماه صنفاً أول، وهو "كلمات عربية قحة لم تذكرها المعاجم، ولكنها وردت في كلام فصحاء العرب الذين يحتج بأقوالهم، مثل فعل (تبدَّى) بمعنى "ظهر"؛ حيث ورد في بيت لعمرو بن معدي كرب مروي في "ديوان الحماسة"، ومن الذي يعارضه في صحة استعمال كلمة جاءت في شعر عربي احتواه كتاب يوثق به؛ ككتاب "ديوان الحماسة"؟! ويجري على هذا السبيل كلمة: (معتمد) للذي عمده الوجع؛ فقد وردت في شعر عزاه صاحب "الأغاني" لعدي بن زيد، وهو "من لقلب دنفٍ أو معتمد"، والقافية، وتفسير صاحب "الأغاني" لها بقوله: "المعتمد: الذي قد عمده الوجع" ينفيان احتمال أن تكون هذه الكلمة قد أصيبت بتحريف. فعد مثل هذه الكلمة في لغة العرب مما يجد في القبول مساغاً، وإن لم يرد

стр. 2602

في كتب المعاجم. ومن هذا القبيل لفظ (يُسوِّف) مضعف سافَ؛ أي: شَمَّ، فإنا لم نجده في مثل "القاموس"، و"اللسان"، ولكنه ورد في قول أمية بن أبي عائذ: "فظل يسوف أبوالها"، وفسره أبو سعيد العسكري في "شرح أشعار الهذليين" بقوله: "يسوف: يشم". ونوافق الأستاذ "المغربي" فيما سماه صنفاً سادساً. وهو أساليب أو تراكيب أعجمية مترجمة عن اللغات الأجنبية، ولا يعرفها العرب الأقدمون، ونحن لا نعلم وجهاً للنفور من استعمال هذا الصنف ما دام التركيب موافقاً للنظم المالوفة في علم النحو؛ كهذه الأمثلة التى ضربها الأستاذ: (ذر الرماد في العيون)، (عاش ستة عشر ربيعاً)، (وضع المسالة على بساط البحث)، (لا جديد تحت الشمس)، (ساد الأمن في البلاد)، وهذا الصنف يرجع في الواقع إلى اقتباس صور من معاني لغة أخرى. واقتباس المعاني من اللغات الأجنبية شيء يتسع به أدب اللغة، ولا أعرف أحداً في القدماء أو المحدثين يلاقيه بإنكار، إلا أن يكون شيئاً تنبو عنه الأذواق السليمة. وأما ما سماه الأستاذ صنفاً ثالثاً، وهو (كلمات عربية المادة، ومع هذا لا يعرفها العرب، أو يعرفونها في معان أخرى، وهي كلمات اصطلاحية فنية أو إدارية)، فهذا النوع مما تدعو الحاجة إليه، ولمثله تؤسس المجامع اللغوية، والوقوف في سبيله وقوف في سبيل حياة اللغة، ولا شرط له إلا أن يجيء على قياس لغة العرب، ويصاغ على وجه يقع من ذوق الأديب العربي موقع القبول. وأما ما سماه الأستاذ: (صنفاً خامساً)، وهي كلمات دخيلة أعجمية الأصل؛ نحو: (أتوموبيل)، و (بالون)، فارى أن واجب المجمع اللغوي أن

стр. 2603

يضع لهذه المعاني الحديثة ألفاظاً عربية، والمجال أمامه فسيح. ففي المجاز، والاشتقاق القائم على القياس سعة. ولا سيما الكلمات الخفيفة المهجورة؛ فإن إحياءها واستعمالها فيما يشبه معناها الأصلي، أو يكون له به صلة غير مشابهة، خير من جلب كلمة غير عربية، وأدعى إلى تناسب الكلمات وائتلافها. ولا نعد المجمع اللغوي مضطراً إلى إباحة استعمال الأعجمية إلا إذا لم يجد في نفس اللغة العربية ما يغني غناءها. وأما ما سماه الأستاذ: صنفاً رابعاً، وهو (كلمات عربية المادة، ولَّدها المتاخرون من أهل الأمصار الإسلامية، لا يعرفها العرب الأولون، ولم ينطق بها الفحول المقرمون)، وضرب له المثل بنحو: (تفرج)، و (تنزه)، و (احتار)، فإن قبوله يطلق لكل أحد العنان في أن يشتق الكلمة على غير قياس؛ كأن يقول: اقتام في معنى قام، واعتلم في معنى علم، كما قال غيره: احتار في موضع حار، واقتطف في موضع قطف. وأما ما سماه الأستاذ: صنفاً ثانياً، وهو (كلمات عربية خالصة لم تذكرها المعاجم، لكنها وردت في كلام فصحاء العرب الذين لا يحتج بأقوالهم)، ومثل له بكلمة (أقصصنا) الواردة في تاريخ ابن جرير، و (فخيم) الواردة في كلام اليازجي، و (صدفة) الواردة في كلام الشيخ محمد عبده، فنحن لا نفهم إلا أن اليازجي والشيخ محمد عبده استعملا هاتين الكلمتين على توهم أنهما من العربي الفصيح، ولسنا على ثقة من أن ابن جرير الطبري قال: (فاقصصنا)، ومجيئها في بعض النسخ من "تاريخه" لا يكفي دليلاً على أنه لفظها بفمه، أو كتبها بقلمه. ولو سلمنا أن يكون الشيخ محمد عبده واليازجي قد استعملا الكلمتين

стр. 2604

مع العلم بأنهما لم يردا في كلام العرب الخلص، لكان تصرفهما هذا إطلاقاً لكل ناطق بالضاد أن يلقي الكلمات كيف يشاء. فيقول في الوصف من صعب - مثلاً - صعيباً، ومن سهل: سهيلاً؛ كما قال اليازجي في الوصف من فخم (فخيماً)، ويقول مكان قتل: (أقتلَ)، ومكان ضرب: (أضرب)؛ كما جاء في بعض النسخ من "تاريخ ابن جرير": (أقصصت)، ويقول كلمته (شفهة) بدل كلمته (مشافهة)؛ كما قال الشيخ محمد عبده: (صدفة) بدل مصادفة، ولسنا في حاجة إلى إيقاظ هذه الفوضى وهي نائمة، ولسنا في حاجة إلى أن ناع اللغة تمشي في غير نظام. انتهى

стр. 2605

حياة اللغة العربية

стр. 2606

حياة اللغة العربية (١) "محاضرة ألقاها المؤلف سنة ١٣٢٧ هـ في جمهور غفير من الأدباء وأساتيذ اللغة العربية، في "الجمعية الصادقية": كبرى الجمعيات الأدبية في تونس، عندما كان مدرساً بجامع الزيتونة". مقدمة في دلالة الألفاظ - تأثير اللغة في الهيئة الاجتماعية - أطوار اللغة العربية، وفيه: حكم الاستدلال بالحديث - فصاحة مفرداتها، ومحكم وضعها - حكمة تراكيبها - تعداد وجه دلالتها، وفي هذا الفصل: حكم ترجمة القرآن - تعداد أساليبها - طريق اختصارها - اتساع وصفها، وفي هذا الفصل: كلمة في الشعر والسجع - إبدل العرب في التشبيه - اقتباسهم من غير لغتهم - ارتقاء اللغة مع المدنية - اتحاد لغة العامة والعربية.

стр. 2607

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم مقدّمَة الإمام محمّد الخضر حسين الحمد لله الذي فاوت بين الألسنة في مراتب البيان والتبيين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد المرسل بلسان عربي مبين؛ ثم الرضا عن آل بيته الطاهرين. وأصحابه الأنصار والمهاجرين. هل أتاكم نبأ فريق من أعيان الأدباء، وأعضاء هذه الجمعية "جمعية الخلدونية"؛ إذ أخذتهم الغيرة على ما للغة العربية من الوضع المحكم، والأساليب المؤثرة، فاجمعوا أمرهم على السعي في ترقية شأنها باقرب الوسائل، ومواصلة البحث عن أسرار فصاحتها، ومن مآثر هذه الهمة أن خاطبني مجلس إدارتهم السامية بكتاب يقترح علي القيام بمسامرة في بيان شرف هذه اللغة، ودلائل حياتها، فضربوا لي معهم بسهم من ذلك الاهتمام، وما لبثت أن تلقيت دعوتهم بالاجابة. حررت ما سنناجيكم به في هذا المقام، وأتيت في خلال تحريره على شُبه أوحى بها إليّ بعض المسامرين، فالتبس عليه حال اللغة من جهة حياتها، ولئن أشهدناه دم الحياة كيف يجري في عروقها، وتلونا عليه من دلائل فصاحتها

стр. 2608

ما لا يستطيع إنكاره، فإنا نعترف له بمزية البحث، وإعمال الفكرة لأننا أمة بحث ونظر، لا أمة تقليد وضغط على الأفكار. ولا أظهر في هذا الموقف بدعوى المفاضل بينها وبين لغات أخرى، ثم أقضي لها بالمزية والسباق؛ فإن شرف منزلتها، وقرار حياتها، لا يتوقف في بيانه على الموازنة بينها وبين ما عداها من اللغات. ولا أدعي - فيما أسوقه من شواهد حسنها - أن جميعه خاصة لها، لا يشاركها فيه لسان، فإذا أوردنا في سلكها فضيلة يعهدها بعض الحاضرين من لغة أخرى، فلا يناجِ نفسه بأنا خرجنا عن سبيل الغرض والقصد من الاستشهاد؛ إذ يكفينا داعيا إلى الذود عن حياضها، وناهضاً بالهمم إلى الاحتفاظ بها، أن غيرها من الالسنة لا يفوقها بفن من فنون البيان. فالغرض، إنما هو البحث عن حال اللغة في حد نفسها من جهة أطوارها، ومحكم وضعها، واتساع نطاقها، وارتقائها مع المدنية، وما يشاكل ذلك، وإليكم حديثها. محمّد الخضر حسين

стр. 2609

دلالة الألفاظ لا يشتبه على ذي نظر قيم: أن الألفاظ - وإن حسن تاليفها، وتناسبت أوضاعها، وامتدت إلى غير نهاية - لا تزيد فائدتها عن ضبط الغرض القائم في النفس، وتمييزه عما سواه، ولا تكاد تؤدي الصور والمعاني، وتنقشها في نفس السامع بحالتها المرسومة عليها في ذهن المخبر بها، فإذا شاهد الرجل حادثة، أو أدرك بحاسة وجدانه معنى، وأراد حكايته وإفراغه بمثاله الحقيقي في ذهن السامع، حتى يصير إدراك المخاطب للمحكي، مطابقاً لإدراك الحاكي مطابقةَ النعل للنعل، لم يجد لذلك لساناً كافياً. ولا يستطيع إنسان - وإن ملك الفصاحة تحت طي لسانه - أن يصف لك ذات شيء أبصره، فتتصوره على وجه يطابق صورته، إذا رأيته رأي العين، فيضطر إلى أن يفحص بخاطره فيما سبقت لك به معرفة من الموجودات؛ ليأخذ لك مثلاً تتعرف فيه أحوالاً للموصوف، لا تفي العبارة بتشخيصها، ومن ثمة انفتح باب التشبيه والتمثيل، ولم يستغن الفصحاء بعباراتهم الصريحة أن يقرنوها بضروب من إشارة اليد ونحوها. وإذا كان الحاذق في صناعة التصوير، لا يمكنه أن يرسم للشيء مثالاً يحكيه لك بجميع خواصه، ويغنيك عن مشاهدته، فكذلك مؤلف الألفاظ؛ لأن التعبير بها نوع من التصوير والمحكاة.

стр. 2610

قال الشيخ ابن سينا في "كتاب الشفا": إن النفوس تنشط وتلتذ بالمحاكاة، فيكون ذلك سبباً لأن يقع عندها للأمر فضل موقع، والدليل على فرحهم بالمحاكاة؛ أنهم يسرون بتامل الصور المنقوشة للحيوانات الكريهة المنظر المتقزر منها، ولو شاهدوها أنفسها، لنفرت أنفسهم عنها، فيكون الفرح ليس بنفس تلك الصورة، ولا المنقوش، بل كونها محاكاة لغيرها إذا كانت قد أتقنت، ولهذا السبب ما صار التعليم لذيذاً إلى الفلاسفة فقط، بل إلى الجمهور، لما في التعليم من المحاكاة؛ لأن التعليم تصوير ما للأمر في رقعة النفس. وإذا كان التعبير بالألفاظ من قبيل التصوير ونقش المثال، فالصورة التي يمثلها الصانع بمقدار جمعها لخواص الممثل، وعلى حسب جودة أصباغها، وتناسب أوضاعها، تلذها العيون، ويرتاح الطبع عند النظر إليها، كذلك العبارة على قدر ما تسع من المعاني، وتحتوي عليه من الألفاظ السائغة، وحسن الائتلاف في التركيب، تطرب لها الأسماع، وتستعذبها الأذواق، ومن هذه الجهة يدخل العادلون إلى الحكم والتفضيل بين العبارات واللغات، فما كان أوسع دائرة في تصوير الغرض، وأرشق في مبانيه، وأحكم في نسيجه، كان أحق بالشرف، وأحرز للسباق. * تأثير اللغة في الهيئة الاجتماعية: مما لا سبيل للشبهة فيه، أن الشخص الذي يحل بين أقوام يجهل لغتهم، يبقى منفرداً عن جامعتهم، غيرَ معدود في زمرتهم، وتتوعر أمامه الطرق الموصلة إلى انخراطه في سلكهم، وتبادل المنافع معهم، فإذا تعلم من لسانهم ما يطلع به على آدابهم وعوائدهم ومعارفهم، انعقدت بينه وبينهم صلة التعارف والمعاشرة، وأصبح عضواً متصلاً بهم، عاملاً في هيئة مجتمعهم. هذا ما ينشأ عن مجرد

стр. 2611

حفظ اللغة، فإذا أدرك من تلك اللغة فصاحة ورونقاً، ورأى تلك الآداب والعوائد والمعارف قائمة على أساس الحكمة، واستحسان العقل الصحيح، ترقى فوق ذلك إلى مكان التقرب منهم بفؤاده، والتحم معهم بجامع التحابب التحام الأنامل بالراحة. وربما ينتقل الإنسان إلى بلد لا يعرف لغة أهلها، فيوقعه سوء التفاهم مع أولي القوة منها في خطر لا يجد للخلاص منه طريقاً. روي أن زيد بن عبد الله بن دارم الحجازي دخل على ملك حِمير في مدينة ظفار، وهو جالس على مكان مرتفع، فقال له الملك: ثِبْ؛ أي: اجلس، في لسان حمير، ومعناها في لسان أهل الحجاز: اقفز، ففهمها الأعرابي على مقتضى لغته، وقفز، فتكسر، واندقت رجلاه، فسأل الملك عنه، فأخبر بلغة أهل الحجاز، فقال: ليس عندنا عربيت (١)، من دخل ظفار، حمر، وفي رواية: أما علم أن من دخل ظفار حمر؛ أي: تعلم اللغة الحميرية. ولا نفهم من هذا أن استحسان تعلم الوارد على البلد لغة أهلها يختص بالضعيف الذي لا يستطيع الدفاع عن حقوقه، بل إذا كانت القوة والسلطة للوافد عليهم، تأكد في حقه أيضاً بموجب فضيلة العدل أن يتعلم من لغة المحكومين؛ لئلا يفضي به سوء التفاهم معهم إلى خطيئة ظلمهم، والقضاء عليهم، بغير ما يستحقون. والتوافق في اللغة مما يزيد العلائق التي تؤلف الناس في نظم الاتحاد قوة ووثوقاً، ولهذا ترى الداعي إلى الوحدة الوطنية يسعى في تعليم لغة الوطن، وتعميم نشرها؛ حتى تكون هي اللغة الجارية في خطاباتهم وتحريراتهم على

стр. 2612

وجه الصحة، لا يعدلون إلى التفاهم بغيرها إلا عند الحاجة، ومتى أهملت الأمة لغتها، وزهدت في تعلمها، انفصمت عرا جامعتها لا محالة، وتفرقوا أيدي سبأ، فإذا قام مناد يدعو أمة إلى نبذ لغتها، وأن تستبدل بها لغة أخرى، فإنما يريد انقسام وحدتها، وإخراجها من صبغة جنسها. ولن تتقدم أمة في معارج النهضة والرقي إلا بوسيلة لغتها، وعلى قدر ما تحتفظ بلغتها ترتقي في حياتها الأدبية، فمثل اللغة مع حال الأمة كالمثاقيل التي توضع في مقابلة الموزون، فبحساب ما ينقص من اللغة، ينزل ما يقابلها من حال الأمة إلى درك الشقاء؛ إذ لا يؤثر على إحساسهم في تذكيرهم بمجد الآباء، أو يهيج بعواطفهم إلى الاتحاد، والأخذ بوسائل السعادة غيرُ لغتهم الراقية، واعتبر في ذلك ببلاد الأندلس؛ فإن من أسباب سقوطها، ونزع أيدي المسلمين من ولايتها: ضعف اللغة العربية عندهم، ومسخ صورتها بما خالطها من الكلمات والأساليب التي لا تطابق وضعها، ولا تحتملها طبيعته. * أطوار اللغة العربية: لم يأت الباحثون عن مبدأ اللغة في أدلتهم بما تطمئن إليه النفوس، ويحل منها محل القطع، أو الظن القريب منه. على أن اختلافهم في تعيين الواضع هل هو الله تعالى، أو البشر؟ مما لا تترتب عليه فائدة في العمل تقتضي العناية بترجيح أحد المذهبين، ومن ثم صحح المحققون: أن ادخال هذه المسألة في علم الأصول من الفضول، وزعم بعضهم: أن قلب الألفاظ التي يؤدي تغييرها إلى فساد في أحكام الشريعة؛ كتسمية الثوب فرساً، والفرس ثوباً، يرجع حكمه إلى أصل ذلك الخلاف، فيمتنع القلب على القول بأن اللغة كلها وقعت بتعليم من الله، ويجوز على القول بأنها وضعت باصطلاح البشر، وليس هذا

стр. 2613

البناء بمستقيم؛ فإن مجرد إسناد الوضع إلى الله تعالى، وإن ثبت بالحجة القاطعة، لا يقتضي الوقوف عند حد ما ورد منه، والإمساك عن تغييره باصطلاح جديد. وأقصى ما ثبت في التاريخ: أن هذه اللغة كانت في قبائل من ولد سام بن نوح ﵇، وهم: عاد، وثمود، وجرهم الأولى، وويار، وغيرها، وقد انقرضت أجيال هؤلاء، إلا بقايا متفرقين في القبائل، ولا يصح شيء مما يروى عنهم من الشعر، وقد أنكر العارفون على من كتب في السيرة أشعاراً كثيرة، ونسبها إلى عاد وثمود. ثم انتقلت إلى بني قحطان، وكانوا يتكلمون باللسانِ الكلداني لسان أهل العراق الأصليين، وأول من انعدل لسانه إلى العربية: يعرب بن قحطان، وبعد أن نشأت منها الحميرية لغة أهل اليمن، انتقلت إلى أولاد إسماعيل ﵇ بالحجاز، ولم تكن لغة إسماعيل عربية، بل كان عبرانياً على لسان أبيه إبراهيم ﵇، ثم انخرط في شعوب العرب بمجاورتهم، ومصاهرته لجرهم الثانية حين نزل بمكة، فنطق بلسانهم، وورثه عنه أولاده، فاخذوا يصوغون الكلام بعضه عن بعض، ويضعون الأسماء بحسب ما يحدث من المعاني إلى أن ظهرت اللغة في كامل حسنها وبيانها، وصار لها شأن عظيم وتأثير بليغ. ويدلك على عنايتهم بأمر الفصاحة: ما وصل إلينا من نتائج أفكارهم، ويدائع خطبهم وقصائدهم في سوق عكاظ، وسوق مجنّة؛ إذ يفدون عليهما في موسم الحج، ويقيمون في عكاظ ثلاثين يوماً، وفي مجنة سبعة أيام، يتناشدون ما وضعوه من الشعر، ويتفاخرون بجودة صناعة الكلام، وعند احتفالهم يضربون قبة للشاعر العظيم في وقته؛ كالنابغة الذبياني، ويعرضون

стр. 2614

عليه منتخبات أشعارهم، وكان بعضهم يهمد بعضاً بنظم الهجاء، وتسييره في ذينك الموضعين. قال أمية بن خلف يهدد حسان ﵁: ألامن مبلغٌ حسان عني ... مغلغلةً تدبُّ إلى عكاظ وقال حسان في جوابه. أتاني عن أمية زور قول ... وما هو في المغيب بذي حفاظ سأنشر إن بقيت له كلاماً ... ينشر في المجنة مع عكاظ ومن شواهد هذا: أن الحارث بن حلزة اليشكري كان شاعراً حكيماً، ولكنه ابتلي بوضَح (برص)، ومن أجله كان عمرو بن هند ملك الحيرة يكره النظر إليه، ويأبى أن يستمع إلى خطابه إلا من وراء ستار، فدخل عليه يوماً، وأنشد بين يديه قصيدته المعدودة في المعلقات: آذنتنا ببينها أسماء ... ربَّ ثاوٍ يمل منه الثواء وتعرض فيها إلى شيء من الصلح بين بكر وتغلب، فبهرت عمراً برائع نظمها، واستولت على لبه بسحر بيانها، فأخذته هزة وارتياح، ولم يتمالك أن أمر برفع الستار ما بينهما. واقتضت عناية العرب لذلك العهد بالإبداع في القول، والتنافس في مقام الفصاحة أن ظهرت معجزة الرسول ﷺ في بلاغة ما أنزل عليه من القرآن؛ كما جاء عيسى ﵇ يبرئ الاكمه والأبرص، ويحي الموتى بإذن الله لما أرسل إلى قوم توفرت عندهم العناية بعلم الطب، وكما بعث موسى ﵇ إلى أمة انتهى السحر فيها إلى غاية، فأتاهم في مقام

стр. 2615

المعجزة بأبدع ما يكون في قلب الأعيان وإراءتها في غير سيرتها الأولى. ثم ارتقت اللغة في صدر الإسلام إلى طورها الأعلى، ودخلت في أهم دور يحق علينا أن نسميه: عصر شبابها، فنمت عروقها، وأثمرت غصونها بألوان مختلفة من الأساليب. ومن مآثر هذه الحياة الراقية: أن كان كلام الناشئين في الإسلام من العرب أحلى نسقاً، وأصفى ديباجة من كلام الجاهلية في شعرهم وخطبهم ومحاورتهم. والأسباب التي ارتقت بها اللغة حتى بلغت أشدها، وأخذت زخرفها أمور ثلاثة: أحدها: ما جاء به القرآن الحكيم من صورة النظم البديع، والتصرف في لسان العرب على وجه يملك العقول؛ فإنه جرى في أسلوبه على منهاج يخالف الأساليب المعتادة للفصحاء قاطبة، وان لم يخرج عما تقتضيه قوانين اللغة، واتفق كبراؤهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه اللائق به، وإن تفاضل الناس في الإحساس بلطف بيانه تفاضلهم بسلامة الذوق وجودة القريحة. ومن النحاة من يحكم على بعض استعمالات يرد عليها القرآن بعدم القياس عليها؛ كما قصروا حذف حرف المصدر ورفع المضارع بعده على السماع بعد أن أوردوا في مثاله قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤]، ولا أدري كيف يتفق لهم هذا، مع علمهم بأنه صاحب وجد ما يعارضه في القياس يوقف على السماع، فنسلم لهم إجراء هذه البلاغة التي ليس وراءها مطلع، وإنا لنعلم قولهم في أصول العربية:

стр. 2616

إن ما قل في السماع إن كان مقبولاً في القياس، صح القياس عليه، وإن وجد ما يعارضه في القياس، يوقف على السماع، فتسلم لهم إجراء هذه القاعدة في كلام العرب؛ لاحتمال أن تزيغ ألسنتهم عن القصد، فيحرفون الكلمة عن أصل استعمالها غلطاً، ولا نسلم لهم تحكيمها في كتاب الله الذي أخرس بفصاحته لسان كل منطيق. ثانيها: ما تفجر في أقوال الرسول ﷺ من ينابيع الفصاحة، وما جاء في حديثه من الرقة والمتانة والإبانة من الغرض بدون تكلف. روي أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: لقد طفت في أحياء العرب، فما رأيت أحداً أفصح منك يا رسول الله، قال: "وما يمنعني، وأنا قرشي، وأرضعت في بني سعد؟! " وبنو سعد أفصح قبيلة في العرب بعد قريش. وإنما أغضى علماء اللسان النظر عن الإستشهاد بالحديث؛ لأن رواته لم يجمعوا عنايتهم على ضبط ألفاظه كما كانوا يثبتون في نقله على المعنى، ولو تحقق أهل العربية من رواية حديث بلفظه؛ كالأحاديث المنقولة للاستشهاد على فصاحته ﷺ ، لاستندوا إليه في وضع أحكامها يقيناً. ثالثها: ما أفاضه الإسلام على عقولهم بواسطة القرآن والحديث من العلوم السامية، وبما نتج عن تعارف الشعوب والقبائل، والتئام بعضها ببعض من الأفكار ومطارحة الآراء، ومعلوم أن اتساع العقول وامتلاءها بالمعارف مما يرقي مداركها، ويزيد في تهذيب ألمعيتها، فتقذف بالمعاني المبتكرة، وتبرزها في أساليب مستحدثة؛ فإن كثرة المعاني ودقتها تبعث على التفنن في العبارة، والتأنق في سياقها، وبوضح لكم هذا: أن الناشئين في الحواضر نجدهم في الغالب أوسع غاية في اجتلاب المعاني الفائقة، وأهدى إلى العبارات

стр. 2617

الحسنة ممن يعادلها في جودة القريحة، وفصاحة المنطق بفطرته؛ لاشتمال المدن على معان شتى ينتزع الذهن منها هيئات غريبة لا طريق لتصورها إلا المشاهدة. ولما فارق العرب الحجاز لإبلاغ دعوة الإسلام، وبث تعاليمه بين الأمم، اقتضت مخالطتهم لمن لا يحسن لغتهم ضعف ملكاتها على ألسنتهم، ودخول التغيير عليها في مبانيها وأساليبها وحركات إعرابها، وابتدأ التحريف يسري إلى اللغة في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب ﵁، فأشار على أبي الأسود الدؤلي بوضع علم النحو، ولم يزل أئمة العربية يحوطونها باستنباط القواعد حتى ضربوا عليها بسياج يقيها عادية الفساد، ويحول بينها ويين غوائل الضياع والاضمحلال، وحين انتشرت المخالطة، وتفشى داء اللحن، أمسك العلماء عن الاستشهاد بكلام معاصريهم من العرب، ويعدّون أول المحدَثين الذين لا يستشهد باقوالهم: بشار بن برد المتوفى سنة ١٦٧ هـ، واحتج سيبويه بشيء من شعر بشار بدون اعتماد عليه، وإنما أراد مصانعته، وكف أذيته؛ حيث هجاه لتركه الاحتجاج بشعره، كما استشهد أبو علي الفارسي في كتاب "الإيضاح" بقول أبي تمام: من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الاماني لم يزل مهزولا وليس من عادتهم الاستشهاد بشعر أبي تمام؛ لأن عضد الدولة كان يعجب بهذا البيت، وينشده كثيراً. واستشهد صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] ببيت من شعر أبي تمام، وقال: وهو وإن كان محدثاً لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة

стр. 2618

ما يرويه، فيؤخذ من صريحه أنه يرى صحة الاحتجاج بكلام المحدث إذا كان من أئمة اللغة، وليس مذهبه هذا بسديد، وقياس ما يقوله أبو تمام على ما يرويه غير صحيح؛ فإن التكلم بالعربية الصحيحة لعهد أبي تمام ناشئ عن ملكة تستفاد من تعلم صناعتها، ومدارسة قوانينها، فعلى فرض أن لا تفوته معرفة بعضها، قد يذهل عن ملاحظة تلك القوانين، فلا يامن أن يزل به لسانه في خطأ مبين. وأبو تمام نفسه صدرت عنه أبيات كثيرة خرج فيها عن مقاييس العربية. قال ابن الأثير: لم أجد أحداً من الشعراء المفلقين سلم من الغلط، فإما أن يكون لحن لحناً يدل على جهله بمواقع الإعراب، وإما أن يكون أخطا في تصريف الكلمة، ولا أعني بالشعراء من هو قريب عهد بزماننا، بل أعني بالشعراء من تقدم زمانه؛ كالمتنبي، ومن كان قبله؛ كالبحتري، ومن تقدمه؛ كأبي تمام، ومن سبقه؛ كأبي نواس. أما العربي القح، فإنه يطلق العبارة بدون كلفة في اختيار ألفاظها، أو ترتيب وضعها، فتقع صحيحة في مبانيها، مستقيمة في إعرابها، ولا يكاد يلحن في إعراب كلمة، أو يزيلها عن موضعها إذا ترك لسانه وسجيته، ومن ثم كان قرض الشعر كالخطابة على الارتجال والبديهة شائعاً عند العرب، نادراً في عصر المولدين، ولا يعترض هذا بأن كثيراً من العرب يطيل المدة في عمل القصيدة؛ كما فعل زهير في حولياته؛ لأنه يستوفيها في أمد قريب، ويتمها على شرط الصحة، ولكنه لا يخرجها للناس إذا فرغ من عملها إلا بعد التروي، وإعادة النظر في تقويم معانيها، وحسن النسق في بنائها وإحكام قوافيها، لا ليخلصها من اللحن، ويطبق عليها أصول العربية كما هو شأن المحدثين.

стр. 2619

ثم نشأ بجانب هذا التحريف الذي طرأ على اللغة مرض آخر انجر إليها بسبب من أسباب حسنها، هو: أن مسلم بن الوليد وأبا تمام أمعنا النظر في أشعار الفصحاء وخطبهم، وحسروا اللثام عن وجه بيانها، فابصروا فيها محاسن من فنون البديع؛ كالاستعارة والجناس والتورية، فشغفوا بها، وثابروا على إيرادها في منظوماتهم؛ توفيراً لحسنها، واستزادة من التأنق فيها، فكان الناس يقولون: إن أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، وسمع أعرابي قصيدة أبي تمام التي يقول في طالعها: "طلل الجميع أراك غير حميد" فقال: إن في هذه القصيدة أشياء أفهمها، وأشياء لا أفهمها فإما أن يكون قائلها أشعر من جميع الناس، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه. وما تعاصى فهمها على الأعرابي إلا لكونه سمع شعراً حشي بوجوه من البديع خرجت به عن الأسلوب المألوف، فثقل تأليفه، وبعد عن الأفهام تناوله. واتبع طريقهما كثير من الأدباء، وربما انتهى بهم الإعجاب بمحاسن البديع إلى مخالفة قانون العربية، وتغيير بنية الكلمة من أجلها؛ كقول بعضهم: انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي فكأنه زاد في مصدر تلف ألفاً يتم له الجناس مع قوله: تلاف، ولا نعرف في كتب اللغة من ذكر التلاف مصدراً لتلف، وإنما يوردون في مصدره التلف - بدون ألف -. ولم تقف سيئة الإكثار من البديع عند حد الشعر، بل تعدى وباؤها إلى النثر أيضاً، فطفق كثير من الكتاب يملؤون رسائلهم بوجوه التحسين: الاستعارة والجناس ونحوها، واجتهدوا أن لا يفوتهم الشعراء بواحد منها،

стр. 2620

حتى إذا ما تلقيت صحيفة من هذا القبيل، وألقيت فيها نظرك ليطوف عليها بالمطالعة، أدركته عند كل فقرة حبسة، والتوت أمامه طرق فهمها، وإن كانت معاني مفرداتها جلية، فتحس به كيف ينتقل من كلمة إلى أخرى بخطوات ضيقة كأنما حمل على قيد من حديد. وأكثر هؤلاء يهملون النظر إلى جانب المعنى والمحافظة على إقامته واستيفائه، وهذا ما بعث الشيخ عبد القاهر الجرجاني حين قام ينادي بابسط عبارة: إن الألفاظ خدم للمعاني، وإن المعاني مالكة سياسة الألفاظ، وأقام الحجة في كتابيه "دلائل الإعجاز"، و"أسرار البلاغة" على أن مزية الفصاحة إنما استحقتها الألفاظ، ووصفت بها من جهة معانيها، وأزال كل شبهة عرضت لمن اعتقد أنها مزية استحقها اللفظ بنفسه. وأدرك غالب المحررين اليوم: أن تتبع هذه الحسنات، ومواصلة العمل بها في نظم الكلام يبدلها سيئات تشمئز منها قلوب الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه بياناً، فأقلعوا عن الإكثار منها، لا سيما في خطابات الجمهور، وزهدوا فيها، إلا ما سمح به الخاطر عفواً، ورمته الطبيعة بدون كلفة ظاهرة. وكانت اللغة في خلال الأعصر الماضية تعلو وتضعف وتنتشر في أنحاء المعمورة على حسب كرم الدولة، وعناية رجالها بالفنون الأدبية، فارتفع ذكرها حين كان الأمير سيف الدولة يباحث أبا علي الفارسي في غوامض علم النحو، وينقد شعر أبي الطيب المتنبي بذوق لطيف، ويجازيه وغيره من الشعراء بغير حساب. وأرتقى شأنها يوم قام القاضي منذر بن سعيد في مجلس الملك الناصر لدين الله عند احتفاله برسول ملك الروم في قصر قرطبة، وشرع يخطب من

стр. 2621

حيث وقف أبو علي البغدادي، وانقطع به القول، فوصل منذر افتتاح أي علي بكلام عجيب، وأطال النفس في خطبة مرتجلة، فخرج الناس يتحدثون ببديهته المعجزة، وارتواء لسانه من اللغة الفصحى، ولا مرية في أن كرم الدولة باعث على إرتقاء حال اللغة عند من التفت إلى التاريخ، وأقام الوزن بين الشعراء الناشئين في زمن أجواد العرب، وملوك آل جفنة، وملوك لخم؛ كزهير والنابغة، وبين من تقدمهم من الشعراء. * فصاحة مفرداتها ومحكم وضعها: تتفرع العربية بحسب إختلاف الشعوب والقبائل إلى لغات متعددة، ولكنها متقاربة اللهجة في أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها، والمغايرة بينها يسيرة جداً لا تخرجها عن اعتبارها في الأصل لغة واحدة ذات قوانين تطرد في جميعها، ما عدا لغة حِمير؛ فإنها تخالف لغة مضر خلافاً ظاهراً، ولا توافقها في أكثر أوضاعها ومقاييسها. وأفصح لغات العرب لغة قريش، وفضلت عن سائر اللغات بوجهين: أحدهما: بعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ولهذا لم يحتج أهل الصناعة العريية إلا بلسانهم، أو ما كان قريباً منه، ولم يعتمدوا لغات القبائل التي تجاور غيرها من الأمم؛ كلغة لخم وجذام وقضاعة وغسان، ولم يخالفهم في شرطهم هذا إلا أبو عبدالله بن مالك، فنقل في كتبه لغة لخم وقضاعة وغيرهم ممن يسكن أطراف الحجاز. ثانيهما: أن العرب كانوا يفدون عليهم في موسم الحج، ويقيمون عندهم قريباً من خمسين يوماً، فيتخيرون من لغات أولئك الوفود ما تعادلت حروفه، وخف وقعه على الأسماع، ويرفضون كل ما يثقل على الذوق، ولا يجد

стр. 2622

في السمع مساغاً. ولا غرابة أن تجري الألفاظ في وصف الحسن والقبح مجرى جنسها الذي هو الصوت، فمن الأصوات ما يحدث في السمع لذة، ويرتاح الخاطر بالإصغاء إليه كنغم الأوتار، وسجع البلبل من الطير، ومنها ما يرميه الطبع، وينقبض لسماعه؛ كنعيق الغراب، وصرير آلة النشر. ويمكن الحكم على اللفظ بالحسن وضده - ولو من غير العارف بمعناه - متى كان ذوقه صحيحاً، فكل ذي ذوق سليم يفرق بين الورد، والوردة، والخوجم والخوجمة، ويميز بين السيف والخنشليل، ولا تتشابه عنده النفس والجرشى. وإذا كان إدراك صفة الحسن في اللفظ المفرد لا يتوقف على ملاحظة مدلوله، فيتيسر لمن لا يحسن لغة قوم أن يستمع إلى مفرداتها المستعملة عند الفحصاء منهم، ويستقرئها إلى أن يأتي على أكثرها، ثم يدخل إلى الحكم في وصفها بالفصاحة، أو الموازنة بينها وبين لغة أخرى، ولا يبالي. ومن أصغى جيداً إلى الألفاظ العربية الجارية على ألسنة الفصحاء، وجدها لذيذة في السمع، خفيفة على الأرواح. حكى الشيخ ابن الأثير في "المثل السائر": أنه لقي رجلاً إسرائيلياً بالديار المصرية، قال: فجرى ذكر اللغة العربية وفصاحتها، فقال ذلك الرجل من بني إسرائيل: كيف لا تكون كذلك؛ فإن واضعها تصرف في جميع اللغات السالفة، فاختصر ما اختصر، وخفف ما ضف، فمن ذلك اسم الجمل؛ فإنه عندنا في اللسان العبراني: كوميل، فجاء واضع اللغة العربية، وحذف منه الثقيل، وقال: جمل، فصار عذباً حسناً، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة.

стр. 2623

ونقل بعض المحررين أخيراً حكاية ابن الأثير، وقال: سمعت من بعض اليهود العارفين بالعبرية أن الجمل يسمى: جمال، فيكون الفرق بينهما الألف بعد الميم، وأنكر تسميته كوميلاً، إلا أن هذا يقرب من اسمه بالرومية. ويشهد لبناء العربية على قاعدة الاعتدال: أن أكثر كلماتها وضعت على ثلاثة أحرف، وأقلوا من الرباعي والخماسي؛ لئلا يطول بهم الأمد في القول بدون فائدة، ولم يكثروا من الثنائي؛ حذراً من أن تتجاور منه عدة كلمات في خطاب واحد، فيقع في لهجته تقطع كثير يضعف بنسيجه، ويذهب بحسن تناسقه، وبهاء توسله؛ فإن المتكلم الفصيح - وإن وصل الجمل بعضها ببعض، ولم يقف عند انتهاء كل جملة منها - لا يسردها سرداً، بل يفصلها في منطقه، ويرتلها ترتيلاً يميز به المتثبت في تلقي الخطاب الكلم الداخلة في الجملة من الكلم المنفصلة عنها، وربما يتبين من هيئة نطق الفصيح نهاية الكلمات، فيميز السامع الحرف الذي هو منتهى كلمة، من الحرف الذي هو بداية لكلمة أخرى. والثلاثي يبتدئ فيه المتكلم بحرف، ويعتمد على ثان، ثم ينتهي بحرف آخر، فيكون في آلة النطق أمكن، وشماعده على أن ينحو في هيئة خطابه نحو المتانة والانسجام. قال الباقلاني: ولضيق ما سوى كلام العرب، أو لخروجه عن الاعتدال يتكرر في بعض الألسنة الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيراً؛ نحو: تكرر الطاء والسين في لسان يونان، ونحو الحروف الكثيرة التي هي اسم لشيء واحد في لسان الترك، ولذلك لا يمكن أن ينظم من الشعر في تلك الألسنة على الأعاريض التي تمكن في اللغة العربية. ولشدة محافظتهم على الاعتدال في الكلم يسقطون شيئاً من حروفها إذا عرض لها طول في بعض

стр. 2624

تصاريفها؛ كحذفهم لآخر الاسم الخماسي في التصغير؛ نحو: سفر جل إذا أرادوا تصغيره يقولون: سُفيرج، وكذلك يفعلون في جمعه، فيقولون: سفارج. ثم إنك لا تجدهم يجمعون في حشو الكلمة بين ساكنين؛ لما ينشأ عن اجتماع الساكنين من البطء في التلفظ بها، ولا يوالون في اللفظة الواحدة بين أربعة أحرف متحركة؛ حذراً من الاستعجال الحاصل من كثرة الحركات المتوالية، ويزيدك بصيرة بهذا: إهمالهم للأوزان التي يتعسر النطق بها؛ نحو: فِعُل - بكسر الفاء وضم العين - رفضوه من أن يبنوا عليه شيئاً من كلمهم؛ للثقل الذي يوجبه الانتقال من الكسر إلى الضم. وقرر الباحثون عن أسرار اللغة أن الألفاظ تختلف بطبائعها وهيئاتها مثل اختلافها بالصلابة والرخاوة، والفك والإدغام، والحركة والسكون، ولم يصرف واضع العربية نظره عن هذه الوجوه، ولاحظ في كثير من الألفاظ المناسبة بينها وبين ما يدخل في قياسها. وإن شئت مثالاً يضرب على شاكلة ما قرروه، فانظر إلى علامة النسب، فتجدها ياء شددت للمبالغة في وصف الانتساب، وتلويحاً إلى شدة رابطة المنسوب بالمنسوب إليه، فإذا استعملت في نسبة الشخص إلى عشيرته - مثلاً -، كان تشديدها؛ كالمهماز لتحريك غيرته عليهم، أو تنبيه عواطفهم للإقبال عليه. * حكمة تراكيبها: من يرجع إلى حال نفسه عند إلقاء العبارة، يشعر بأنه لا يحرك بها لسانه إلا بعد أن يتصور معانيها المفردة، ويضم بعضها إلى بعض بروابط النسب الإسنادية، أو التقييدية في ذهنه، فيأخذ كل معنى من جهة التقديم والتأخير رتبة في النفس يستحقها بطبعه؛ كالفاعل يخطر في البال قبل المفعول،

стр. 2625

والموصوف يجري على المخيلة قبل صفته. وقد يعرض لبعض المعاني حال ينقله عن مرتبته الطبيعية، ويعطيه في نفس المتكلم منزلة ثانية؛ كالاهتمام بالمفعول به يقتضي تقديمه على الفعل. وإذا تبين هذا، فمما يرجع إليه في وصف العبارة بحسن البيان: أن تكون ألفاظها مؤلفة على حسب ترتب معانيها في النفس، سواء كان ذلك الترتب مما دعت إليه طبيعتها، أو اقتضته الأحوال العارضة، ومن افتكر في تاليف الكلام العربي بالنظر إلى تقديم أجزائه وتأخيرها، وجده معتمداً على رعاية هذه القاعدة. تراتيب الكلم على ثلاثة أضرب: أحدها: ما عينه الواضع، وحكم به على سبيل الوجوب، فيعد مخالفه مخطئاً، ويخرج الكلام الخالي من مراعاته عن الأسلوب العربي؛ كتأخر التمييز عن المميز، والمضاف إليه عن المضاف. ثانيها: ما عينه الواضع أيضاً، ولكنه قضى به على وجه الأصالة، واعتبار ما هو الأولى، ولا تخرج العبارة بمخالفته عن حدود العربية؛ كتقديم اسم من صدر منه الفعل على اسم الذات الواقع عليها، والبحث عن أسرار ما كان من قبيل هذين الضربين مبثوثاً في مدارج علم النحو. ثالثها: ما لا يقتضيه الوضع على التعيين، وجعل أمره دائراً على رعاية ما يناسب المقام، وتعيينه بحسب التراكيب المخصوصة موكول إلى ألمعية المتكلم، وحسن تصرفه؛ كتقديم المفعول على الفعل لإفادة اختصاصه به، وعدم تعلقه بغيره، والبحث في هذا القسم ووجوهِه المناسبة مندرج في موضوع علم البيان.

стр. 2626

وكان من حق الألفاظ والجمل التي تناسبت معانيها، وتعلق بعضها ببعض أن يلاءم بينها في السبك، ولا يفرق بينها في التأليف، هذا هو الأصل الذي بنيت عليه العربية، إلا أنهم لم يغلوا في ذلك؛ لئلا يوقعوا ألسنتهم في حرج، فأباحوا الفصل في مواضع لا يؤثر فيها الفصل تعقيداً، ولا يختل به فهم المعنى، وعملوا به في موارد الجمل الاعتراضية على وجه الزينة، وشبهوا ما بلغ الغاية في الحسن والقبول بحشو اللوزينج. ثم نظر العرب إلى الجمل تستقل كل واحدة منها بنفسها، فوجدوها تارة تتناسب، ويتشبث بعضها ببعض من جهة المعنى، فليس من الحكمة وجودةِ التصرف أن تلقى منثورة لا يراعى فيها جانب المعنى، وتستأنف واحدة بعد أخرى، فاعملوا حروف العطف وسائط في وصل الجمل ونظمها في سمط المناسبة؛ لتكون أجزاء الكلام متماسكة. وتارة تنقطع الجملة الثانية عن الجملة قبلها، ولا يتصل حديثها، بحديثها، سوى أنه اتفق الجمع بينهما في الإخبار، وفي هذا الموضع يجب الفصل بين الجملتين، فلو ضم المتكلم الجملة الأخيرة إلى الجملة السابقة بعاطف، كان بمنزلة من عمد إلى جواهر غير متناسبة في المقدار، ولا يشبه بعضها بعضاً في الشكل، وركبها في نظام واحد. ودعاهم اللطف ورعاية الأدب في الخطاب إلى الإغضاء عن شرط المناسبة، فادمجوا حرف العطف بين جملتين ليس بينهما صلة مناسبة إذا كرهوا أن يسبق إلى ظن السامع خلاف ما يراد منهما لولا واسطة حرف العطف؛ كقولهم: لا، وأيدك الله. فوضع الفصل والوصل بين الجمل على هذا الوجه وبناء حكمهما على

стр. 2627

اعتبار المناسبة، وما يقتضيه أدب الخطاب؛ مما يوضع في ميزان العربية، ويعد من دلائل الحكمة في وضع أساليبها. ويظهر مما ذكر الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين" "أن الفارسي سئل، فقيل له: ما البلاغة؟ فقال: معرفة الفصل والوصل" أن للغة الفارسية تعلقاً بهذا الباب. * تعدد وجه دلالتها: من المقرر أن الألفاظ لم توضع لإفادة معانيها في أنفسها ضرورة أن المخاطب يتصورها ويعرفها من حين علمه بالوضع، وإنما وضعت لإفادة النسب والربط بين موضوعاتها على وجه الثبوت أو السلب، فلا دلالة للألفاظ على شيء قبل تركيبها وارتباطها بهيئتها الصحيحة. وللألفاظ العربية إذا ركبت دلالتان: إحداهما: تصور مفردات على وجه النسبة بينهما، وإسناد بعضها إلى بعض؛ كدلالة قولك: "أكرمت زيداً العالم إجلالاً" على معنى صدور الإكرام منك، وتعلقه بزيد الموصوف بالعلم؛ لعلة باعثة على إكرامه هي الإجلال، والدلالة على هذه المعاني تشترك فيها جميع الألسنة، وهي الداعي الأول إلى وضع اللغات، ويمكن بالنسبة إليها نقل الكلام العربي إلى لغة أخرى، مع الإحاطة بجميع ما يراد منه ما لم يكن صالحاً لعدة معان لم يتحقق المراد في واحد منها كما يفعله البليغ بقصد الإجمال على السامع لغرض يستدعيه المقام. ثانيتهما: الدلالة على معان زائدة على المعاني الأصلية من أحوال ترجع إلى المتكلم، أو المخاطب، أو المتحدث في شأنه، أو حال الفعل المخبر به، وغير ذلك؛ كدلالة الحذف لشيء من اْجزاء الكلام على ضجر المتكلم

стр. 2628

وسآمته، ودلالة تكيد الجملة بالقسم على أن المخاطب ينكر مضمونها، ومن هذا إيراد المسند إليه نكرة؛ للدلالة على تعظيمه، وتقديم الفعل على المفعول - مثلاً - لاهتمام المخبر بشأنه. وهذه المعاني الزوائد تعتبر في صورة الكلام بمنزلة الروح تسري في الجسد، فتحدث فيه منظراً بهيجاً، وعلى حسب رعايتها تتفاضل العبارات في مقام البلاغة. قال الباقلاني: إن كثيراً من المسلمين قد عرفوا تلك الألسنة، وهم من أهل البراعة فيها، وفي العربية وقفوا على أنه ليس يقع فيها من التفاضل والفصاحة ما يقع في العربية. ومن قصد إلى ترجمة كلام عربي، ونقله إلى لغة أخرى، لا يمكنه تأدية ما اشتمل عليه من هذه المعاني الثواني، والإفصاح بها أثناء حكايته لمعانيه الأصلية، ومع هذا لم يمنع أهل الأسلام ترجمة القرآن، وأجمعوا على جواز ترجمته؛ لإفادة ما ظهر من معانيه الأصلية لمن لا قدرة له على فهم العربية، نقل الإجماع على ذلك أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته"، فما نقل إلى بعض المسامرين بموت العربية من (أن ترجمة إحدى سور القرآن إلى لغة أخرى ممنوع عند المسلمين) غير مطابق للحقيقة، بل أجاز بعض الأئمة ترجمته إلى الفارسية، أو القراءة بها عند العجز عن العربية، ولو في حال الصلاة. ومن الآيات ما يحتمل بإعتبار معانيه الأصلية عدة وجوه، ولا يمكن نقله إلى لغة أخرى بحاله، فإذا اعتمد المترجم على أحد الوجوه، لم تكن الترجمة قرآناً بالمعنى؛ إذ يحتمل أن لا يكون مطابقاً للمراد من كلام الله تعالى، ومثل هذا لا ينبغي أن ينقل إلا على وجه التفسير والبيان؛ كأن يذكر المترجم

стр. 2629

الآية بلفظها العربي، ويأخذ بعد ذلك في بيانها باللسان الآخر. وصرح الغزالي في كتاب "إلجام العوام" بحرمة ترجمة الآيات المتشابهات، واستدل على ذلك بأن من الألفاظ العربية ما لا يوجد لها فارسية تطابقها، ومنها ما يوجد لها فارسية تطابقها، ولكن ما جرت عادة الفرس باستعارتها للمعاني التي جرت عادة العرب باستعارتها منها، ومنها ما يكون مشتركاً في العربية، ولا يكون في العجمية كذلك، ومثل الفارسية غيرها من لغات الأعاجم. * تعدد أساليبها: مما يشهد بارتقاء اللغة، وسعة غايتها في البيان: تعدد أساليبها، وكثرة طرق إفادتها؛ فإن العبارات إذا اختلفت في أساليبها تغاير ما تصوره في نفوس المخاطبين من المعاني، وإن كان الغرض واحداً، فصورة المعنى الذي يستفاد بطريق المجاز أو الكناية يغاير الصورة التي تؤدى بلفظ الحقيقة أو القول الصريح، بل الصورة التي يرسمها قولك: زيد كريم الطبع غير الصورة التي ينقشها قولك: زيد ذو طبع كريم، وإن اتحد أصل المراد من المثالين، وهو إثبات الكرم لطبع زيد، ولولا أن العبارات الواردة على غرض واحد مختلفة في صور معانيها، لم يظهر التفاوت والتسابق بينها في حلبة البيان. وإذا قويت عارضة المتكلم في العربية، أمكنه أن يتصرف في الغرض الواحد، ويفرغه في أساليب مختلفة، كأن يلقيه في صورة تكلم أو خطاب أو غيبة يطابق به الحقيقة، أو يسلك به خلاف الظاهر على وجه الالتفات أو التجريد، أو ينشئ الطلب في صيغة الخبر، أو يحكي الخبر في صورة الانشاء، أو يدخل بعض كلمات في نظم الجملة؛ ليتقوى به نسجها، أو يفيد قيداً تتوفر به جزالة

стр. 2630

معناها، وتارة يأتي بالألفاظ مساوية للمعنى المراد، ويفصلها على مقدار الحاجة، وريما كان إسقاطه لبعض الجملة أوقع في النفس، وأبعد عن اللغو، فيحذفه، وينبه على مكانه. ويعبر بلفظ مفرد إن شاء، أو مركب؛ نحو: سبقه، ووصل قبله، والمفرد إما مجرد من حرف الجر، أو موصول به؛ نحو: أخرجته، وخرجت به، أو يأتي بالمراد في سياق النفي أو الإيجاب؛ نحو: لم يشح بالتعليم، وسمحت نفسه به، أو يعبر عن الشيء وصفته بمركب إضافي، أو يركبهما على قياس النعت مع منعوته؛ نحو: يعجبني أكبر همتك، أو همتك الكبرى. ثم إن الحاذق في عمل التمثيل هو الذي يمثل لك الحزين المتضاحك، والمستبشر المتباكي، كذلك الفصيح يبرز لك الجد في صورة الهزل، أو يكسو الهزل بلباس من الجد، ويلقي المدح في قالب الذم، ويسوق الذم في معرض المديح؛ كقولهم: "أرانيه الله أغر محجلاً"؛ أي: محلوق الرأس مقيداً. وقد ينحو نحو البراعة في الصناعة وإظهار القدرة على التانق في تأليف الكلام، فيشحنه بضروب الاستعارات، وفنون التشابيه، وغيرها من محاسن البيان التي لا يعقلها إلا الخاصة من الأدباء؛ كما فعل الحريري في "مقاماته"، أو يتخير ما كانت ألفاظه صريحة، ومعانيه واضحة يسهل مأخذها على كل من له إلمام باللغة، وذهن حاضر في الجملة، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف وطرق التعبير البالغة إلى غاية يقف دونها البيان. ومن تنوع الأساليب إلى ما يفوق حد الوصف: أخذ كل شاعر وكاتب طريقة يعرف بها نظمه أو تحريره، حتى إذا تليت قصيدة لشاعر، أو رسالة لكاتب لا تعلم نسبتها إليه، وكنت عارفاً بطريقته، لم يشتبه عليك أنها من
следующие страницы →