وكان من حق الألفاظ والجمل التي تناسبت معانيها، وتعلق بعضها ببعض أن يلاءم بينها في السبك، ولا يفرق بينها في التأليف، هذا هو الأصل الذي بنيت عليه العربية، إلا أنهم لم يغلوا في ذلك؛ لئلا يوقعوا ألسنتهم في حرج، فأباحوا الفصل في مواضع لا يؤثر فيها الفصل تعقيداً، ولا يختل به فهم المعنى، وعملوا به في موارد الجمل الاعتراضية على وجه الزينة، وشبهوا ما بلغ الغاية في الحسن والقبول بحشو اللوزينج.
ثم نظر العرب إلى الجمل تستقل كل واحدة منها بنفسها، فوجدوها تارة تتناسب، ويتشبث بعضها ببعض من جهة المعنى، فليس من الحكمة وجودةِ التصرف أن تلقى منثورة لا يراعى فيها جانب المعنى، وتستأنف واحدة بعد أخرى، فاعملوا حروف العطف وسائط في وصل الجمل ونظمها في سمط المناسبة؛ لتكون أجزاء الكلام متماسكة.
وتارة تنقطع الجملة الثانية عن الجملة قبلها، ولا يتصل حديثها، بحديثها، سوى أنه اتفق الجمع بينهما في الإخبار، وفي هذا الموضع يجب الفصل بين الجملتين، فلو ضم المتكلم الجملة الأخيرة إلى الجملة السابقة بعاطف، كان بمنزلة من عمد إلى جواهر غير متناسبة في المقدار، ولا يشبه بعضها بعضاً في الشكل، وركبها في نظام واحد.
ودعاهم اللطف ورعاية الأدب في الخطاب إلى الإغضاء عن شرط المناسبة، فادمجوا حرف العطف بين جملتين ليس بينهما صلة مناسبة إذا كرهوا أن يسبق إلى ظن السامع خلاف ما يراد منهما لولا واسطة حرف العطف؛ كقولهم: لا، وأيدك الله.
فوضع الفصل والوصل بين الجمل على هذا الوجه وبناء حكمهما على
стр. 2627
اعتبار المناسبة، وما يقتضيه أدب الخطاب؛ مما يوضع في ميزان العربية، ويعد من دلائل الحكمة في وضع أساليبها. ويظهر مما ذكر الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين" "أن الفارسي سئل، فقيل له: ما البلاغة؟ فقال: معرفة الفصل والوصل" أن للغة الفارسية تعلقاً بهذا الباب.
* تعدد وجه دلالتها:
من المقرر أن الألفاظ لم توضع لإفادة معانيها في أنفسها ضرورة أن المخاطب يتصورها ويعرفها من حين علمه بالوضع، وإنما وضعت لإفادة النسب والربط بين موضوعاتها على وجه الثبوت أو السلب، فلا دلالة للألفاظ على شيء قبل تركيبها وارتباطها بهيئتها الصحيحة.
وللألفاظ العربية إذا ركبت دلالتان:
إحداهما: تصور مفردات على وجه النسبة بينهما، وإسناد بعضها إلى بعض؛ كدلالة قولك: "أكرمت زيداً العالم إجلالاً" على معنى صدور الإكرام منك، وتعلقه بزيد الموصوف بالعلم؛ لعلة باعثة على إكرامه هي الإجلال، والدلالة على هذه المعاني تشترك فيها جميع الألسنة، وهي الداعي الأول إلى وضع اللغات، ويمكن بالنسبة إليها نقل الكلام العربي إلى لغة أخرى، مع الإحاطة بجميع ما يراد منه ما لم يكن صالحاً لعدة معان لم يتحقق المراد في واحد منها كما يفعله البليغ بقصد الإجمال على السامع لغرض يستدعيه المقام.
ثانيتهما: الدلالة على معان زائدة على المعاني الأصلية من أحوال ترجع إلى المتكلم، أو المخاطب، أو المتحدث في شأنه، أو حال الفعل المخبر به، وغير ذلك؛ كدلالة الحذف لشيء من اْجزاء الكلام على ضجر المتكلم
стр. 2628
وسآمته، ودلالة تكيد الجملة بالقسم على أن المخاطب ينكر مضمونها، ومن هذا إيراد المسند إليه نكرة؛ للدلالة على تعظيمه، وتقديم الفعل على المفعول - مثلاً - لاهتمام المخبر بشأنه.
وهذه المعاني الزوائد تعتبر في صورة الكلام بمنزلة الروح تسري في الجسد، فتحدث فيه منظراً بهيجاً، وعلى حسب رعايتها تتفاضل العبارات في مقام البلاغة.
قال الباقلاني: إن كثيراً من المسلمين قد عرفوا تلك الألسنة، وهم من أهل البراعة فيها، وفي العربية وقفوا على أنه ليس يقع فيها من التفاضل والفصاحة ما يقع في العربية.
ومن قصد إلى ترجمة كلام عربي، ونقله إلى لغة أخرى، لا يمكنه تأدية ما اشتمل عليه من هذه المعاني الثواني، والإفصاح بها أثناء حكايته لمعانيه الأصلية، ومع هذا لم يمنع أهل الأسلام ترجمة القرآن، وأجمعوا على جواز ترجمته؛ لإفادة ما ظهر من معانيه الأصلية لمن لا قدرة له على فهم العربية، نقل الإجماع على ذلك أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته"، فما نقل إلى بعض المسامرين بموت العربية من (أن ترجمة إحدى سور القرآن إلى لغة أخرى ممنوع عند المسلمين) غير مطابق للحقيقة، بل أجاز بعض الأئمة ترجمته إلى الفارسية، أو القراءة بها عند العجز عن العربية، ولو في حال الصلاة.
ومن الآيات ما يحتمل بإعتبار معانيه الأصلية عدة وجوه، ولا يمكن نقله إلى لغة أخرى بحاله، فإذا اعتمد المترجم على أحد الوجوه، لم تكن الترجمة قرآناً بالمعنى؛ إذ يحتمل أن لا يكون مطابقاً للمراد من كلام الله تعالى، ومثل هذا لا ينبغي أن ينقل إلا على وجه التفسير والبيان؛ كأن يذكر المترجم
стр. 2629
الآية بلفظها العربي، ويأخذ بعد ذلك في بيانها باللسان الآخر.
وصرح الغزالي في كتاب "إلجام العوام" بحرمة ترجمة الآيات المتشابهات، واستدل على ذلك بأن من الألفاظ العربية ما لا يوجد لها فارسية تطابقها، ومنها ما يوجد لها فارسية تطابقها، ولكن ما جرت عادة الفرس باستعارتها للمعاني التي جرت عادة العرب باستعارتها منها، ومنها ما يكون مشتركاً في العربية، ولا يكون في العجمية كذلك، ومثل الفارسية غيرها من لغات الأعاجم.
* تعدد أساليبها:
مما يشهد بارتقاء اللغة، وسعة غايتها في البيان: تعدد أساليبها، وكثرة طرق إفادتها؛ فإن العبارات إذا اختلفت في أساليبها تغاير ما تصوره في نفوس المخاطبين من المعاني، وإن كان الغرض واحداً، فصورة المعنى الذي يستفاد بطريق المجاز أو الكناية يغاير الصورة التي تؤدى بلفظ الحقيقة أو القول الصريح، بل الصورة التي يرسمها قولك: زيد كريم الطبع غير الصورة التي ينقشها قولك: زيد ذو طبع كريم، وإن اتحد أصل المراد من المثالين، وهو إثبات الكرم لطبع زيد، ولولا أن العبارات الواردة على غرض واحد مختلفة في صور معانيها، لم يظهر التفاوت والتسابق بينها في حلبة البيان.
وإذا قويت عارضة المتكلم في العربية، أمكنه أن يتصرف في الغرض الواحد، ويفرغه في أساليب مختلفة، كأن يلقيه في صورة تكلم أو خطاب أو غيبة يطابق به الحقيقة، أو يسلك به خلاف الظاهر على وجه الالتفات أو التجريد، أو ينشئ الطلب في صيغة الخبر، أو يحكي الخبر في صورة الانشاء، أو يدخل بعض كلمات في نظم الجملة؛ ليتقوى به نسجها، أو يفيد قيداً تتوفر به جزالة
стр. 2630
معناها، وتارة يأتي بالألفاظ مساوية للمعنى المراد، ويفصلها على مقدار الحاجة، وريما كان إسقاطه لبعض الجملة أوقع في النفس، وأبعد عن اللغو، فيحذفه، وينبه على مكانه. ويعبر بلفظ مفرد إن شاء، أو مركب؛ نحو: سبقه، ووصل قبله، والمفرد إما مجرد من حرف الجر، أو موصول به؛ نحو: أخرجته، وخرجت به، أو يأتي بالمراد في سياق النفي أو الإيجاب؛ نحو: لم يشح بالتعليم، وسمحت نفسه به، أو يعبر عن الشيء وصفته بمركب إضافي، أو يركبهما على قياس النعت مع منعوته؛ نحو: يعجبني أكبر همتك، أو همتك الكبرى.
ثم إن الحاذق في عمل التمثيل هو الذي يمثل لك الحزين المتضاحك، والمستبشر المتباكي، كذلك الفصيح يبرز لك الجد في صورة الهزل، أو يكسو الهزل بلباس من الجد، ويلقي المدح في قالب الذم، ويسوق الذم في معرض المديح؛ كقولهم: "أرانيه الله أغر محجلاً"؛ أي: محلوق الرأس مقيداً. وقد ينحو نحو البراعة في الصناعة وإظهار القدرة على التانق في تأليف الكلام، فيشحنه بضروب الاستعارات، وفنون التشابيه، وغيرها من محاسن البيان التي لا يعقلها إلا الخاصة من الأدباء؛ كما فعل الحريري في "مقاماته"، أو يتخير ما كانت ألفاظه صريحة، ومعانيه واضحة يسهل مأخذها على كل من له إلمام باللغة، وذهن حاضر في الجملة، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف وطرق التعبير البالغة إلى غاية يقف دونها البيان.
ومن تنوع الأساليب إلى ما يفوق حد الوصف: أخذ كل شاعر وكاتب طريقة يعرف بها نظمه أو تحريره، حتى إذا تليت قصيدة لشاعر، أو رسالة لكاتب لا تعلم نسبتها إليه، وكنت عارفاً بطريقته، لم يشتبه عليك أنها من
стр. 2631
إنشائه. يؤيد لكم هذا: أن خلف الأحمر كان يعمل الشعر على ألسنة الفحول من القدماء، فيشبه كل شعر بقوله شعر من يصطنعه عليه، ويقال: إن القصيدة المنسوبة إلى الشنفرى التي أولها:
أقيموا بني أمي صدور مطيِّكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميلُ
هي له، وقال: أنا وضعت القصيدة التي أولها:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللُّجُما
ونسبتها إلى النابغة.
وروي أن الفرزدق أنتحل بيتاً من شعر جرير، وقال: هذا يشبه شعري.
وإذا نبغ كاتب كالجاحظ، أو شاعر كالمعريّ، وابتدع لنفسه أسلوباً راق في نظر أبناء عصره، أخذوا في محاكاته، واقتدوا بالعمل على منواله، فتتماثل تحريراتهم، ويتقرر لهم أسلوب جديد.
ونقل إلى المسامر بموت العربية (أن أساليبها واقفة عند غاية لا تتجدد)، ولم يصب المبلغ له ذلك شاكلة الصواب؛ فإن من ينظر في أساليب التحريرات الراقية اليوم يجد بينها وبين أساليب المتقدمين بوناً شاسعاً، فلو جئت إلى رجل تدرب على مطالعة هذه المحررات الحديثة، وأمليت عليه صحيفة من نسجها، وهو لا يعرف من أين صدرت، ولا متى نشأت، عقل على البديهة جدتها، ولم يرتَبْ في أنها من قبيل الصنع الذي ظهر به هؤلاء الكاتبون، كما لا يشك في معرفة ما يتلى من زبر الأولين، ويدرك لأول نظرة إنشاءها على الطراز العتيق.
والناقد لأصناف الكلام يفرق بين الإنشاء الحادث والعتيق، وإن كانت المعاني فيهما متماثلة، فلا يكن في ظنك أن الطريق المعرف للمنشآت الجديدة
стр. 2632
هو ما تتضمنه من الأسماء المستحدثة، أو الأفكار التي لم يعتن القدماء ببثها، والأساليب الخاصة بفرد، أو بأهل عصر مما يرجع في تمييزه إلى الذوق، وليس في طوق أحد أن يضبط لك أسلوباً ابتدعه كاتب أو شاعر بقواعد يدونها، حتى يمكنك إذا عرفتها أن تجري في تاليفك على نمطه بدون أن تتردد على محرراته بالنظر الجيد، وتدع في حفظك شذوراً منها، بل صاحب الأسلوب نفسه ليس في طاعته سوى أن يتصور المعنى مجملاً أو مفصلاً، ثم يطلق عليه العبارة بمقدار ما تصوره به من الإجمال أو التفصيل، فإذا وجد في أمد التعبير حرجاً، وعدم التئام مع الذوق، شعر حينئذ بأنه ذهب في غير منهجه المألوف، ولا يسعه إلا التصرف في القول بنحو تبديل الترتيب حتى يرده إلى الأسلوب.
* طرق إختصارها:
من البين أن الألفاظ وضعت لتنقل المعاني القائمة بالذهن إلى أفهام السامعين، لا زينة في المنطق، وحلية للألسنة كيف حضرت، وهذا ما دعا الواضع أولاً إلى التقدير في وضعها، واعتباره بمقدار الحاجة إلى الإفهام، فإذا اتفق في اللفظ القصير كفاية وغنى في الدلالة على المراد، آثره في الوضع على ما هو أبسط منه؛ حتى لا تسمع في حديث مخاطبك الحكيم لاغية.
ثم إن عقول المخاطبين تتفاوت في الاستفادة من العبارات بالنظر إلى سرعتها في الإنتقال إلى المعاني وبطئها، ومن جهة قرب غايتها في الفهم وبعدها، وربَّ خطاب يلقى إلى الغبي، فيراه أبتر عن الفائدة، لا يشفي غليل المنتظر لتحصيلها، ويوجه إلى الألمعي، فيسام لبعض كلمات أو جمل تغنيه قوة الكلام وقرينة السياق عن ذكرها الصريح.
فاقتضى تمايز المخاطبين بالفطنة والغباوة أن لا يستمر البليغ في سائر
стр. 2633
عباراته على نسق واحد، وبيان لا يختلف، وسبيله أن يلاحظ حال المخاطب أولاً، ثم يزن العبارة بحسبها، ولم يغب هذا المعنى عن العرب، فراعوا جانبه، وأضافوا إليه في الاعتبار أن الإنسان قد تدعوه الحاجة إلى الحديث في شأن، ويضيق به الوقت عن التوسع في البيان، أو يجد في نفسه ضجراً يثقل الكلام على لسانه، فوضعوا في الأساس الذي بنيت عليه لغتهم قاعدة الاختصار، ويجري في كلامهم على وجوه يرجع الفضل في بعضها إلى حكمة الواضع، ومنها ما تعود المزية فيه إلى اقتدار المتكلم ولطف تصرفه.
روعيت هذه القاعدة في كثير من المفردات حال وضعها، كما وضعوا الضمائر لتنوب عن الأسماء الظاهرة، وأقاموا علامة التثنية والجمع بأنواعه مقام العاطف والمعطوف، واستغنوا بتغيير الكلمة في التصغير عن وصف المسمى بالصغر بعد ذكر اسمه، واعتبروا في وضع أدوات الشرط زيادة على التعليق الدلالة على جنس المعلق عليه من عاقل وغيره، أو مكان أو زمان أو حال، فاكتفوا بنفس الأداة عن التصريح به من بعد، وكذلك صنعوا في أدوات الاستفهام حين أدخلوا في مفهوماتها فضلاً عن طلب الإعلام الدلالة على جنس المسؤول عنه، فإذا علمت بأن أحداً عند المخاطب، وقصدت إلى استكشاف حاله لتعرفه بعينه، فهنا لا تفيدك الهمزة في طلب تعيينه مثلما تفيدك كلمة (مَنْ)؛ إذ يلزمك مع الهمزة أن تعد الناس فرداً فرداً حتى تذكر الشخص المسؤول عنه، وربما لا يخطر على قلبك، أو كنت لا تعلم اسمه من قبل، فتستمر في تجديد السؤال: أزيدٌ عندك أو عمرو أو خالد؟ وهو يجيبك بالنفي إلى أن ينفد ما عندك من الأسماء، ولا يحصل لك الجواب المطابق، وليس على المخاطب أن يقول لك: عندي بكر - مثلاً - في جواب: أعندك زيد ... إلخ،
стр. 2634
وسبيله أن يجيبك بكلمة: لا، أو نعم، وكذلك القول في بقية ما يسأل عنه من مكان أو زمان أو حال أو عدد.
ومن هذا النوع: ضمير الفصل، وأدوات الاستثناء، وكلمة: إنما، فإنك تجد في ضمن استعمالها جملة ثانية تخالف الجملة المنطوق بها في الإيجاب أو السلب، وتقرب منها حروف العطف؛ لإغنائها عن إعادة العامل، ودلالتها فوق ذلك على معان أخرى؛ كمعنى الترتيب والتعقيب المستفاد من الفاء، والترتيب والمهلة المستفاد من "ثم".
وانظروا إليهم كيف خالفوا بين أواخر الكلم في هيئاتها، وأجروها على نظام محدود، فكانت أوقع في النفس، وأدعى للإعجاب؛ لما فطرت عليه النفوس المتنورة من استعظام ما يكون مرتباً على نظامات مطردة، ولو لم يجروها على قانون، ورموا بها كيف اتفق، لقل العجب بها، وفقدت من مآثر الفصاحة وجهاً بديعاً، ثم استشعروا حاجاتهم إلى التفرقة بين معان ينبني على تمايزها فهم المراد من الجملة؛ كتمييز الفاعل والمفعول والمضاف إليه، والمسند والمسند إليه، وفي طوقهم أن يضعوا للدلالة على ذلك علامات غير أحوال أواخر الكلم، ولكن جنحوا إلى طريقة الاختصار، واكتفوا بها في التمييز بين تلك المعاني، واعتمدوا في بعض الأحيان على دلالة التقديم والتأخير، وقرائن الأحوال.
وزعم ابن خلدون أن الإعراب لا يوجد إلا في لغة العرب، قال: وأما غيرها من اللغات، فكل معنى أو حال لابد له من ألفاظ تخصه بالدلالة.
وقد ثبت أن حكم الإعراب مما يوجد له أثر في اللغتين اليونانية والألمانية، وإن كانت العبرة به في لسان العرب أزيد، وعنايتهم به أقوى. ثم إن العبارة
стр. 2635
المطابقة للمعنى المراد من نسبة أمر لآخر تقتضي بطبيعتها أن تؤلف من ثلاثة ألفاظ في الأقل، واحد للمحكوم عليه، وآخر للمحكوم به، ولفظ ثالث لإفادة النسبة بينهما، وربطِ أحدهما بالآخر طبق ما هو المنقول عن اللغة الفارسية واللغة اليونانية، فالدال على النسبة عند الفرس لفظ: است، والموضوع لها في لغة اليونان لفظ: استين، ولكن العرب اقتصروا في تأدية ذلك المعنى على لفظين، فقالوا: زيد عالم، واستغنوا عن الرابطة بهيئة وضع التراكيب وما يجري في أواخر الكلم من علامات الإعراب.
ومن اللغات الراقية ما لا يتصرف؛ مثل: اللغة التركية، وبدخول الصرف في العربية تيسر في اللفظة الواحدة أن تدل على معان؛ مثل قولنا: تحاربوا يدل بواسطة صيغته الخاصة على وقوع الحرب بين جماعة، وطبيعة المعنى تقتضي أن لا يعبر عنه باقل من أربع كلمات.
وينحتون من كلمتين فكئر كلمة واحدة؛ نحو: سمعل: إذا قال: سلام عليكم، ودمعز: إذا قال: أدام الله عزك.
وقال ياقوت في "معجم الأدباء": إن الشيخ أبا الفتح عثمان بن عيسي البلطي سأل الظهير الفارسي عما وقع في ألفاظ العرب على مثال: شقحطب، فقال: هذا يسمى في كلام العرب: المنحوت، ومعناه: أن الكلمة منحوتة من كلمتين؛ كما ينحت خشبتين، ويجعلهما واحدة، فشقحطب (١) منحوت من شق حطب، فسأله الملطي أن يثبت له ما وقع من هذا المثال ليعول في معرفته عليه، فأملاها عليه في نحو عشرين ورقة من حفظه.
стр. 2636
ولم يقف الناس في زمن الإسلام على ما سمع منه عن العرب، فقالوا في النسبة إلى الشافعي وأبي حنيفة: شفعنتي، ولا نعد النحت من خصائص العربية، بل هو معروف في اللغات الإفرنجية، اتخذوه منبعاً يستمدون منه أسماء ما يحدث من المعاني على ممر الزمان؛ فإن جغرافيا - مثلاً - مأخوذة من جيه بمعنى أرض، وأغرافو بمعنى ارسم، وتلسكوب (المنظار الفلكي) من تيل؛ أي: بعيد، وسكوبيو؛ أي: اختبر، وجيولوجيا من جيو بمعنى أرض، ولوغوس بمعنى علم، وتلغراف مشتق من تيل؛ أي: بعيد، واغرافو؛ أي: اكتب، وتليفون من تيل؛ أي: بعيد، وفون؛ أي: صوت، وترامواي كلمة إنكليزية من ترام بمعنى قضيب منبعج، "ويه" بمعنى طريق، إلى غير ذلك من الأسماء المحدثة.
وشرع العرب سنّة الحذف، فيضمرون الكلمة، والجملةَ فما فوقها، وينبهون على المحذوف بقرينة المقال أو المقام. وحال الحذف من مقدار اللفظ الذي يستحقه المعنى كإبانة بعض أجزاء من خلقة الإنسان، والنقص في الخلقة منه ما يكون مكروهاً؛ كقطع يد أو لسان، ومنه ما يستحب دائماً، ولا يحسن في النظر سواه؛ كتقليم الظفر، وتقصير بعض الشعر، وقد يتقارب النقص والبقاء على أصل الفطرة، فيختلف الناس في ترجيح أحدهما واختياره بحسب الأشخاص والأذواق؛ كشجة تعرض في الوجه، فتزيده حسناً، وبعض أنواع اللثغ يلذ في سماع أناس، ويؤثرونه على الحرف المتمكن في مخرجه، وكذلك الحذف يجري على هذا التقسيم، منه معيب، وهو ما اختل به أداء المعنى المراد، وفسدت به هيئة الكلام، ومنه ما يدخل في سبيل الواجب، ويعد الذكر مكانه خروجاً عن قانون العربية؛ كحذف الفعل في باب التحذير التزموه عند تكرار المحذر منه، أو العطف عليه؛ لأن التحذير إنما يقع حيث
стр. 2637
أشرف المخاطب على مهواة خطر، أو خيف عليه من الحصول في مكروه، وهذا يوجب على المتكلم المبادرة لاستيفاء الكلام، والاختصار على قدر ما يفهم المراد؛ حذراً من طول الكلام على المخاطب حتى يغشاه المخوف منه قبل أن يأخذ في سبب النجاة، وكذلك أوجبوه على أنفسهم عند حث المخاطب وإغرائه على طلب أمر محبوب؛ فإن شدة الحرص على فوزه بمرغوب فيه، وسباقه إليه تستدعي اختصار القول له ما أمكن؛ لئلا تفوته الفرصة قبل انقضائه.
ومن الحذف ما يدخل في حكم الجائز بحسب أصل الوضع، ويفوض في ترجيحه وإختياره عن الذكر إلى نظر البليغ، وما يقتضيه مقام تلك العبارة بخصوصها؛ كالحذف مع القرائن الخفية لإختبار نباهة المخاطب، والعلم بمقدار شعوره.
ونسمع من كثير: أن العربية لا تصلح في تعليم الجند، وأمرهم بالانتظام والاستعداد والهجوم وأعمال السلاح؛ بدعوى أن عباراتها الكافية للإفهام في هذا الغرض لا تبلغ غاية الاختصار المطلوب في مواقع الحروب، وهذه غفلة منهم عن وجه الحذف الذي أوجبته العربية في مثل هذه المقامات، وعدم دراية بأن الكلم المستعملة لتنظيم حال الجيش عند الأمم الأخرى إنما دخل عليها الاختصار من باب الحذف والإضمار.
وسلك العرب في طلب الإيجاز جهة أخرى سوى طريقة الحذف هي: أن يطلقوا العبارة، فتشتمل بمفهومها على معان جمة، ولا تستطيع أن تضع يدك في حشوها، أو على موضع من جوانبها، وتشير إلى كلمة أو جملة سقطت هناك، ولكنك لو أخذت المعنى من حواشيه، وأفرغته في ألفاظ تفصلها من عندك، وتقدرها بالقياس على أفهام الأوساط أو العامة الذين لا يعقلون إلا
стр. 2638
الصريح من القول، لاتسع مجالها، وكبرت عن طوق العبارة الأولى.
* اتساع وضعها:
تنقسم اللغات إلى: راقية، وغير راقية، فغير الراقية: ما كانت موادها قليلة، لا يسع التعبير بها أكثر ما تمس الحاجة إليه؛ مثل: اللغات الزنجية، ولغة بعض سكان أستراليا، وهذه الأخيرة - على ما نقل بعض الكاتبين - ناقصة جداً بحيث لا يمكنهم التفاهم بها إلا مع إشارات حسية، والعمي عندهم، والمتخاطبون ليلاً بمنزلة من في آذانهم وقر، لا يكادون يفقهون حديثاً. والراقية: ما غزرت مبانيها، واتسعت طرق دلالتها، فكانت موفية بتأدية المراد مع الاستغناء عن الإشارة، وعدم الاعتماد على قرائن الأحوال في الأكثر؛ مثل: اللاتينية، والفارسية، والعربية.
تحتوي العربية على ما يقوم بسداد الحاجة من أبنية الكلم، بل على ما تدعو إليه زيادة التحسن والتحبير، فإنا نجد المعنى الواحد قد وضعت له ألفاظ متعددة؛ لتكثر وسائل التفاهم؛ حتى لا تأخذ المتكلم حبسة في أثناء الخطاب، فإذا غاب عنه لفظ، وسعه أن يأتي بمرادفه، وإذا تعسر عليه النطق بكلمة؛ كالألثغ، عدل عنها إلى غيرها؛ كما فعل واصل الغزالي حين كان لا يحسن النطق بحرف الراء، فتركه في زوايا الإهمال، ولولا المترادف، ما أمكنه أن ينبذ الراء من كلامه جملة.
وقد يضطره الحديث إلى إعادة المعنى، فلا يؤوده أن يعيده بغير اللفظ الذي عبر به أولاً؛ مثلما قال معاوية ﵁: من لم يكن من بني عبد المطلب جواداً، فهو دخيل، ومن لم يكن من بني الزبير شجاعاً، فهو لزيق، ومن لم يكن من ولد المغيرة تياهاً، فهو سنيد. فقال: دخيل، ثم قال: لزيق، ثم قال:
стр. 2639
سنيد، فخلص كلامه من كراهة التكرار، وارتفع شأنه في الحسن درجة. وبالمترادف استعان المعتمد بن عباد ملك إشبيلية حين وقف إثر جنازة ولده في محفل عظيم من الناس قاموا لتعزيته، واقتدر على أن يجيب كل واحد من المعزين بعبارة لم يعدها إلى غيره، مع كثرتهم، وكونه في أسف شديد.
قال الباقلاني: ويقول العارفون بألسنة الأمم: إنهم لا يجدون في تلك الألسنة من الأسماء الموضوعة للشيء الواحد ما يعرفونه من اللغة العربية. وتجد بعض اللغات خالية من علامة التمييز يين المذكر والمؤنث؛ كاللغة الفارسية، والتركية، والإنكليزية، وميزت العرب المؤنث عن المذكر بوضع الألف في اسم، أو التاء في اسم وفعل؛ كما فرقوا بينهما في الضمائر والموصولات وأسماء الاشارة.
ومن اللغات ما وضع خالياً مما يدل على العدد؛ كاللغة الإنكليزية، فاللفظ الدال على المفرد هو الدال على غيره، ومنها ما لا يوجد فيه سوى المفرد والجمع؛ كاللغة الفارسية، وزادت العربية بما يدل على الاثنين، فميزوه عن المفرد والجمع بعلامة الألف أو الياء، وأفردوه في وضع الضمائر والموصولات وأسماء الإشارة باوضاع خاصة.
ومن خصائص هذه اللغة: جمع التكسير، وجمع الاسم الواحد على عدة أمثلة، وهذا لا يشاركها فيه غيرها، حتى اللغتان اللتان يجتمعان معها في أصل واحد: العبرانية، والسريانية، ويوجد جمع التكسير في اللغة الجيزية من لغات بلاد الحبشة؛ لأنها تفرعت في الأصل عن العربية.
ولا نجد في بعض اللغات أدوات رابطة بين الأفعال والذوات، وهي الحروف؛ مثل: اللغة الصينية، فيتكلفون في تأدية معنى "في" - مثلاً - إلى
стр. 2640
ما يرادف كلمة: وسط، ولها في العربية محل من الاعتبار، ومدخل في الدلالة على المقصود، حتى أفردها بعضهم بالتاليف، وعدها ابن خلدون من خصائص العربية، ونفاها عن غيرها، وليس حكمه هذا بشامل؛ لأن الحروف توجد في لغات أخرى؛ مثل: اللاتينية، وما تفرع عنها.
ويحتمل الوضع العربي أن ينقل اللفظ عملاً وضع له أولاً، ويستعمل في غيره على شرط المناسبة بين المعنى الأصلي والمعنى المقصود من اللفظ، فيقال: غيث - مثلاً - ويراد: نبات، وأسد، ويراد: شجاع، وهذا ضرب من التوسع في الخطاب؛ لأنه زيد للنبات اسم هو الغيث، وجعل للشجاع اسم آخر هو الأسد، بل أسماء الغيث كلها صارت بهذه الوسيلة صالحة لأن تطلق على النبات، وجميع الألفاظ الموضوعة للأسد يصح استعمالها في الشجاع، وترجع أمثلة هذا النوع المسمى بالمجاز إلى ضربين:
أحدهما: ما كانت علاقته غير المشابهة، ويعرف بالمجاز المرسل، وقد أخبر الشيخ عبد القاهر الجرجاني بأنه لا يوجد في غير اللغة العربية.
ثانيهما: ما كانت علاقته المشابهة، ويختص باسم الاستعارة، وهذا الضرب لا تختص به العربية، بل يجري به العرف في غير اللغات الراقية أيضاً؛ فإن بعض سكان أستراليا لا يجدون في لغتهم ما يفيد معنى صلب، فإذا اضطروا إلى وصف شيء بالصلابة، قالوا: حجر.
ويتمايز هذان النوعان في الترجمة أيضاً، فلو أبدل مترجم الغيث في قولنا: رعينا غيثاً باللفظ الموضوع للنبات في اللغة المنقول إليها، لم يتغير المعنى، وكان مؤدياً للكلام بحاله، ولو أنه ترجم بحراً في قولك: رأيت بحراً يعطي الدنانير بلفظ يرادف كريماً، ولم يعبر بالاسم الذي يوافق البحر في تلك
стр. 2641
اللغة، لأخل بجانب المعنى، ولم تكن الترجمة مطابقة، وقد تجري العادة في لسان قوم باستعارة اسم شيء لآخر، فيحسن موقعها من قلوبهم، ولا يألفها قوم في مجاري خطاباتهم، فتتبرأ منها أسماعهم، وتنفرها أذواقهم، وبمثل هذا يظهر النقص في صورة المعنى المؤدى بلهجة لغة إذا نقل إلى لغة أخرى.
ولاتساع العرب في كلامهم بهذه الوجوه: المترادف، وجمع التكسير، والمجاز، وما يشاكلها من القلب اللفظي؛ نحو: جبذ وجذب، وورود الكلمة الواحدة على عدة أحوال مختلفة بزيالة بعض الأحرف ونقصها؛ كإصبع وأصبوع، تمكنوا من بناء أشعارهم على هذه الأوزان المعتدلة، والتزموا فيها القافية ورويَّها بدون كلفة، فجاءت محكمة في وضعها، بديعة في نسجها.
قال أبو نصر الفارابي: إن الألسن العجمية متى وجد فيها شعر مقفى، فإنما يرومون أن يحتذوا فيه حذو العرب، وليس ذلك موجوداً في أشعارهم القديمة.
وتيسر للعرب بهذه الأسباب أيضاً أن يأخذوا بطريقة السجع، فيأتوا بالكلام قطعاً قطعاً، ويلتزموا في كل كلمتين منه قافية، وكان هذا النوع في زمن الجاهلية متداولاً بدون أن يتغلب على المرسل، وكثر ما يستعمل عند أصحاب الكهانة؛ فإنهم كانوا يلتزمونه التزاماً، ثم هجره الناس في صدر الإسلام هجراً جميلاً، فلا يستعملونه إلا إذا أرسلته السجية بدون تطلب وتصنع، ثم أخذ في القرون الوسطى من العناية والحظوة ما لم يكن له في صدر الإسلام، ولا في زمن الجاهلية، فدرج الناس على سنته في خطاب الجمهور، والتزمه الكتاب في مخاطبة السلطان إلى الرعايا، وكتبوا به بعض الرسائل العلمية، وتغنت به الباعة في النداء على أمتعتها.
стр. 2642
وبالغ بعض البيانيين في الرفع من شأنه حتى جعل تقديم الكلمة عن موضعها لصحة السجع أو الفاصلة من وجوه البلاغة، ونبه الباقلاني على عدم استقامة هذا الوجه بالنسبة إلى الكتاب الحكيم؛ لأن صرف الكلمة عن مرتبتها في النظم؛ لتوافق شيئاً من محاسن البديع، نوع من التصنع الذي عابه علماء الفصاحة على المولدين، ثم إن صحة السجع إنما هي عذر يقيمونه لرفع الملامة في مخالفة ما يقتضيه السياق، وإذا ساعدتك نفسك على الاعتذار به في سجع أو قافية من كلام البشر، فلا تسمح لك بتقريره في كتاب الله الذي لا يعجزه أن يضع كل كلمة في منزلتها التي يستدعيها حال المعنى مع سلامة الفاصلة.
وأدرك كثير من المحررين اليوم أن المرسَل أوسع مذهباً في البيان، فعدلوا إلى طريقته في خطاب الجمهور، إلا إذا ساعدهم الطبع على السجع بسهولة كغيره من محاسن البديع.
* إبداع العرب في التشبيه:
علم من صدر هذه المسامرة: أن الباعث على التشبيه أمر فطري، وهو قصور العبارة عن إيضاح المراد، لهذا لم يختص في أصل استعماله بالبلغاء من الناس، وتناولته الأطفال في حجور أمهاتهم، وأيضاً لم تتميز به لغة دون أخرى، بل فازت اللغات السافلة منه بنصيب؛ فإن بعض سكان أستراليا لا يوجد عندهم ما يؤدي معنى مستدير، فيقولون: مثل القمر، وجرى العرب في هذا المضمار إلى الغاية القصوى، ورموا في تشابيههم إلى أغراض أخرى وراء البيان والإيضاح، منها: القصد إلى مدح المشبه وتزيينه في عين السامع؛ لتنبسط نفسه إليه، وتتقوى رغبتها فيه حيث حوكي بصورة راقية في حقيقتها، أو حسنة
стр. 2643
في وضعها، ومما ينبئ عليه التشبيه: الاهتمام بشأن المشبه به؛ لأن صانع التشبيه يلتفت أولاً إلى ما استودعه في مخيلته من الصور، فتخطر على مفكرته، وتتسابق إليها على حسب تكررها على ذهنه، وتوجه قلبه إليها، فإذا ضرب مثلاً عند الاستغناء عنه، أو اختاره دون غيره، مع مساواته له في تحصيل الغرض، أشعر بكثرة ملابسته له، وتردده على فكره، فلا غرو أن تستفيد من تشابيه الرجل مكان همته، وإلى أين تذهب نفسه في معالي الأمور أو أسافلها، ومن الخطأ الذي يعرض للأديب هنا: أن يجري في تشابيهه على ما يلابس خاطره، ويسبق إلى قريحته، ولا يراعي في ضرب المثل حال المخاطبين، وما هو معروف لديهم.
ثم إنهم لم يقتصروا في المشبه به على حد ما تقع عليه الحاسة، أو تدركه القوة العاقلة من الحقائق الثابتة، وتعدوا إلى ما تقدره قوة الخيال من المعاني التي لم يتحقق لها أثر في الوجود. ورأوا الفضل في التشبيه البسيط غير كبير؛ إذ لا مزية تظهر للشاعر في تشبيه الشجاع بالأسد، والعزيمة بالسيف، فترقوا في ذلك إلى انتزاع الهيئات المفصلة من المركبات في الواقع، أو بواسطة الخيال؛ كتشبيههم الزرع تتخلله شقائق النعمان وهو يميس أمام الرياح بكتيبة لباسها أخضر قد انهزمت، ومن بينها جرحى كسيت باثواب من الدماء، ولولا قوة مداركهم، ولطف تصرفها، ما رأيت فئة كثيرة من الشعراء يتواردون على تشبيه شيء واحد، فيسلك كل فرد منهم جهة لم يتعلق بها نظر غيره، كما بلغوا في تشبيه الهلال إلى ما يقارب السبعين وجهاً.
منها: قول شرف الدين بن الريان:
كأن الهلال نزيل السماء ... وقد قارن الزهرة النيره
стр. 2644
سِوارٌ لحسناءَ من عسجدٍ ... على قفله وضعت جوهره
ومنها: قول بدر الدين محمد بن مكي:
كأن الشمس إذ غربت غريق ... هوى في البحر أو وافي مغاصا
فأتبعها الهلال لدى غروب ... بزورقه يريد لها خلاصا
فيمكنك أن تنظر إلى تشابيه الأمة وما يضربونه من الأمثال، وتجعلها عنواناً على إضاءة عقولهم، وشاهداً بالغاية التي تنفذ إليها بصائرهم؛ فإن المشبه به إذا كان نادر الحصول في الذهن، أو في ضمنه تفصيل كثير، صعب استطراده في غير موضع الحديث عنه، ولا يتمكن من قلادة التمثيل به إلى من كان له نظر واسمع في تخييل المعاني القاصية، وقوة فائقة في تأليفها مع ما يجانسها في شمل واحد. وكثيراً ما يصنع الأدباء التشابيه على بساط المساجلة لمجرد الرياضة، وإظهار البراعة في الالتفات من معنى إلى آخر، وإدخاله في نسق الحديث عن غيره بمناسبة لطيفة.
فالأدباء يختلفون في مراتب التشبيه، ويتفاوتون في الغوص على لطائفة؛ مثلما يختلف المصورون من أهل السياسة في تمثيل حال أمة في سعادتها أو شقائها - مثلاً -، أو حال دولة في اتحادها مع دولة أخرى أو معارضتها، ويتفاوتون فيما يضمنونه في ذلك التمثيل من النكت السياسية.
ولم تكفهم الإصابة في وجه الشبه والتحقيق فيه، فدعاهم لطف الذوق في التمثيل إلى التحفظ في موارده عما لا يلائم الغرض منه، ألا ترى الأصمعي كيف عاب في مجلس الرشيد قول النابغة:
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم الى وجوه العُوَّدِ
стр. 2645
فإن النابغة - وإن سدد الرمية إلى وجه الشبه -، لكنه أورده في صورة تقتضي تشبيه المحبوبة بالسقيم، وذلك مما يتخلى ذوق الأديب عن قبوله. ونظير هذا: أن يمثل المصور السياسي أمة في سعة رفاهيتها، وسعادة حريتها، فيرسم صوراً كريهة المناظر، تمرح بملابسها الفاخرة في رياض باسمة الأزهار، ويرمز إلى روح الأمن والاطمئنان باسطة أشعتها في صدورهم بانتظام سيرهم، والسكينة في حركاتهم، فهذا المثل كما رأيته مستوف للغرض الذي رسم من أجله؛ لأن السعداء بنعمة الحرية لا يجب أن تكون وجوههم مشرقة، وأعضاؤهم متناسبة، ولكن ما ارتكز في النفوس من إعظام الحرية، وشدة الشغف بها يخيل إليها أن من لبسوا رداءها، وتحلوا بزينتها، لابد أن تلقى على وجوههم نضرة النعيم، وتعلوها وضاءة لا يبصر الناظر معها إلا حسناً، فإذا شاهد إنسان الأحرار في صور كريهة، نقص إعجابه بالحرية، أو نازع المصور في عدم إتقانه لذلك التمثيل.
واتسع العرب في هذا الباب إلى أن قال المبرد في "الكامل": لو قال قائل: هو أكثر كلام العرب، لم يبعد.
وتفننوا فيه على حسب توغلهم في الحضارة، ومشاهدتهم للصور الغريبة، ولا جرم أن يجد الناظر في تشابيه أدباء الأمة ما يطلعه على نبذة من أحوالهم المدنية؛ فإن كثيراً من الأشياء يتعالى الأديب عن الحديث في شأنها. إذا ساقها إليك مساق التمثيل بها.
فمما يقرب معرفتك إلى هيئة لباس النساء في عهد ابن الرومي قوله يصف قوس الغمام:
يطرزها قوس الغمام بأصفر ... على أخضر في أحمر وسط مبيض
стр. 2646
كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض
ومن عرف القائل:
أأميم شاهدت يوم نزالنا ... والخيل تحت النقع كالأشباح
تطفو وترسب في الدماء كأنها ... صور الفوارس في كؤوس الراح
لم يبق على الجهالة بشكل الكؤوس المستعملة لذلك العصر، وعقلها على أي صورة تصنع.
ولعلك تسمع قول النور الأسعدي:
يميناً ما مدحتك من ضلال ... ولي في ذاك عذر في الكمال
ولكني لأكمل منك نقصاً ... كما جعل الطراز على الشمال
فتستفيد منه: أن العلامة التي تجعل في ثياب الكبراء من قبل الأمراء؛ ليمتازوا بها عن غيرهم، كانت توضع في القديم على جهة اليسار؛ كما هي عادة رجال الدول اليوم في وضع غالب النياشين التي هي بمثابة الطراز.
* اقتباسهم من غير لغتهم:
مما يشهد للعرب بارتقاء أفكارهم، وبعدها عن ساحة الجمود: أنهم لم يستنكفوا - مع إعجابهم بفصاحة لغتهم، وعلمهم بكثرة مفرداتها وتصاريفها - أن يضيفوا إليها من لغات الأمم ما يوفر عددها، ويزيدها سعة على سعتها، ومن هذه الألفاظ الدخيلة ما يبقونه على حالته التي كان عليها عند العجم؛ نحو: كركم، ومنه ما يغيرونه بالنقص أو الزيادة أو الإبدال، لاسيما إذا كانت حروفه مخالفة في المخارج والصفات لحروف لغتهم؛ مثل: فيروز، فاؤه عند العجم بين الفاء والباء، ومثل: الأسقف، وأصله باليونانية (إيسكوبوس)،
стр. 2647
وربما اشتقوا منه أفعالاً على قياس ما يشتقونه من أسماء الأجناس الأصلية في أبنيتهم؛ نحو: تطليس: إذا لبس الطيلسان، وألجم الدابة: إذا وضع اللجام في فمها، واتسعوا في تصريفها إلى أن نقلوها إلى غير معناها على سبيل المجاز، فقالوا: لجمه الماء: إذا بلغ فاه.
وإذا تصرفوا فيها كما يتصرفون في أوضاع كلامهم، صارت بمنزلة الألفاظ المرتجلة عندهم. وليس بصحيح ما يزعمه بعضهم من أن إدخال الألفاظ الأعجمية على اللغة مفسد لها؛ فإن القرآن، وهو الراقي بفصاحته إلى حد الإعجاز، قد اشتمل على عدة كلمات غير عربية؛ نحو: مشكاة من الهندية، وإستبرق من الفارسية، وقسطاس من الرومية، وهذا لا ينافيه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]؛ فإن هذه الألفاظ لما أخذها العرب، وأدخلوها في لسانهم، اختلطت بلغتهم، وصارت معدودة فيما هو عربي فصيح، فلا يخرج الكلام الشامل لها من نسبته إلى العربية.
وأنكرت طائفة - منهم ابن جرير الطبري - وقوع المعرَّب في القرآن، وادعوا أن هذه الأمثلة مما تواردت فيها اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس أو الروم - مثلاً - بلفظ واحد من دون اقتباس، ولا يصح القول بهذا في مثل إستبرق وسندس؛ لأن الثياب الحرير ليست من مصنوعات العرب، وإنما عرفوها من الفرس.
وتجاوز كثير الحد في هذا النوع، وأتوا إلى كل لفظ عربي يعثرون عليه في لغة أخرى، وحكموا عليه بأن العرب اقتبسته من تلك اللغة، وإن كان معناه مما شأنه أن تشترك فيه الأمم، أو لا يدرى من الذي أنشاه سابقاً؛ مثل: الهرج؛ أي: الفتنة، والدرّي؛ أي: المضيء، والشطر؛ أي: الجهة،
стр. 2648
يقول بعضهم: إن العرب أخذتها من الحبشة، ولن يجد دليلاً على ذلك؛ إذ يحتمل أن الحبشة هي التي أخذتها من العرب، أو تكلم بها الفريقان على سبيل الاتفاق.
* ارتقاء اللغة مع المدنية:
يعلم كل من له حظ من تعاليم هذه اللغة أن موضوعاتها لم تقف عند الحد الذي انتهت إليه قبل الإسلام، ولا في زمن نزول الوحي، فكثير من الألفاظ وقع التصرف فيها، فنقلت إلى شرائع ومعان لا تعرفها الجاهلية؛ مثل: الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، ومثل: المنافق، والفاسق، والمخضرم، ولما دونت العلوم على اختلاف فنونها، وحدثت معان لم تكن اشتقوا لها أسماء من اللغة، وأجروها مجرى العربي الصحيح في الاستعمال، ولم يقتصروا على الاشتقاق من العربية، وسلكوا طريقة العرب في اقتباسهم من غير لغتهم، فنقلوا جملة من الكلمات الأعجمية، واستعملوها بحالها؛ كالسقمونيا، والإسطرلاب من اللغة اليونانية، والأسطوانة، والبنج من اللغة الفارسية، هذه الاصطلاحات المتجددة، وإن كان السبب الذي يدعو إلى وضعها أولاً هو الحاجة إلى التفاهم في مسائل تلك العلوم، فلا جناح على من أوردها في أغراض خارجة عن العلم متى جرت إليها مناسبة تشبيه، أو تلميح في خطاب لا يقصد به إلا الخاصة من الأدباء، وإنما يعاب استعمالها في مثل المقالات والقصائد والخطب التي يوجه الخطاب فيها إلى عامة الناس؛ لغموض معانيها، وعدم اشتهار وضعها.
وفي قصائد الشعراء ورسائل الكتاب من التلميحات والتشابيه بالمعاني العلمية ما يستحق أن يذكر في عدد حسناتهم البديعية؛ كقول بدر الدين الدماميني
стр. 2649
في بعض قصائده:
وقد شابه الأعداء جمعاً مؤنثا ... لذاك غدت في حالة الفتح تكسر
وكثرت اصطلاحات الفنون، واتسعت شعويها حتى خصصوها بمعجمات؛ مثل كتاب: "التعريفات" للجرجاني، وكتاب "الكليات" لأبي البقاء، و"كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي.
فالإسلام لم يعق العربية عن النمو، ولا شد وثاقها عن الارتقاء مع المدنية كما أوحي به إلى بعض المسامرين، فقرر في سياق الاستشهاد على موت العربية: "أن المسلم الخالص يلزمه أن يبقى اللسان الذي نزل به القرآن على حاله. وتحويل الكلمة عن معناها الأصلي إلى معنى جديد يعد تغييراً للغة"، فهذا لفظ الباي، والمدير، والسفير، والمشير، ومجلس الشورى، وكثير من اصطلاحات الصنائع والفنون لم تكن معروفة في صدر الأسلام بهذه المعاني الخاصة، ويستعملها الناس منذ وضعت بدون تحرج منها، أو دخول شبهة عليهم في استعمالها.
ومما يزيل هذا الغلط، ويمحي أثره: أن العربية لم يحتكرها العرب المسلمون لأنفسهم، ولا سدوا أفواه القوم المخالفين لهم عن التخاطب بها، بل لا تزال لسانَ طوائف ذات ملل مختلفة من حين بزغت شمس الإسلام إلى يومنا هذا، فعلى تسليم أن يقضي الإسلام ببقاء اللغة واقفةً عند حد، فلا يجري حكمه هذا إلا على من لبسوا هديه، وتطوقوا بقلادة شريعته؛ لأن هؤلاء الطوائف - وإن ضمهم الأسلام تحت حمايته - فإنه يطلق لهم الحرية فيما يدينون وما يصنعون، ولا يحملهم على ما يقرره من الأصول أو الفروع، فإذا قدرنا أن العربية سكنت أنفاسها، ولحقت بأصحاب القبور كما يزعم المسامر، فهي
стр. 2650
وسيلة من وسائل الارتقاء وسعادة الحياة، أهملتها أمة غير متحدة في الملة، فكيف يستقيم لنا أن نلقي مسؤولية ذلك على عاتق دين لا تنسحب واجباته على جميعها، وليس التصرف في ترقية حال اللغة من متعلقات السياسة خاصة حتى يقال إن أمره في يد الهيئة الحاكمة، وهي متلبسة بشعار الإسلام. فلو نهض أفراد من أمة غير مسلمة يسعون إلى عمل لا يلحق بغيرهم ضرراً؛ كإصلاح لسانهم، لم يكن للدولة الإسلامية بوصفها إسلامية أن تعاضهم، وتحول بينهم وبين ذلك المسعى، صان كان عملاً غير صالح في شريعة الإسلام. فليس من العدل في القضية أن نسند موت اللغة -لو وقع - إلى الإسلام وحده، وهي لسان أمم لا تجمعها شريعته.
قال المسامر: إن هذه اللغة ضيقة النطاق، لا تسع تحريرات العلوم العصرية، ولا يمكن أن يوجد فيها أسماء لهذه المخترعات، نحو: فوتغراف، وتلفون. وهذه قضية تردها شهادة التاريخ والعلم؛ فإن علوم الحكمة والطب والهندسة والحساب والفلك والمنطق وغيرها قد ترجمت في عهد الدولة العباسية، ودونت بالقلم العربي، وأصبحت تدرس بلسان عربي مبين، وأما شهادة العلم، فانه يمكننا أن نضع لهذه المعارف الحديثة أسماء عربية، وهو أحسن الطرق وأفضلها؛ لئلا تكثر الألفاظ الدخيلة، وتتغلب على ما هو عربي، فتؤول بكثرتها إلى خروج الكلام وانسلاخه عن صبغته العربية؛ فإن اللغات تتمايز بالأساليب، وبالمفردات، إلا ما كان قليلاً.
ولما كانت العربية من اللغات المتصرفة يُشتق منها اسم الفاعل والمفعول، والمكان والآلة، سهل الطريق إلى وضع أسماء مفردة لهذه المستحدثات؛ فإن أكثرها من قبيل المكان، أو الآلة، أو الموصوف بالفعل، وهناك وسيلة
стр. 2651
أخرى هي طريقة، المجاز، فإذا عرض لنا معنى جديد، نظرنا إلى لفظ يتناوله على وجه عام - مثلاً - أو مستعمل في معنى يقرب منه، وعلقناه عليه؛ كما فعل بعض الأذكياء في: رتل، وقطار، وبريد، ومنطاد، وعربة، ولا تثريب علينا إذا لم نهتد إلى وضع أسماء مفردة أن نعلق عليها أسماء مركبة؛ نحو: حاكي الصدى لفونغراف، وكذلك يفعل الإفرنج الآن، فأسماء المستحدثات عندهم من قبيل المركب، أو المنحوت.
وبعد هذه الوسائل، فإن العربية - كما علمنا - تتلقى ما يرد عليها من الألسنة الأخرى، وتقبله بقبول حسن بعد تنقيحه وسبكه في قالب عربي، فلا مانع من أن نقتبس أسماءها الموضوعة لها في اصطلاح مخترعيها عند استحسانها، ونهذبها، ثم نحشرها في زمرة ما هو عربي فصيح.
* اتحاد لغة العامة والعربية:
إذا تتبعنا لغة التخاطب الآن؛ لنعلم نسبتها من العربية، وجدناها نفس العربية، ولكن طرأ عليها التحريف بنقص أحوال الإعراب، أو تغيير حروف بعض الكلم بالحركة أو السكون، اْو التخفيف أو التشديد، أو الحذف أو الزيادة، أو القلب أو الإبدال، وقد يرد الخطأ عليها من ناحية الاشتقاق؛ نحو: شائب، ومهبول، ومبروك؛ فإن الصحيح عربية: أشيب، وأهبل، ومبارك.
وهناك كلمات دخيلة اقتضتها سنة المخاطبة، وقدرها بعض المحررين بالنسبة إلى ما هو عربي في لسان المصريين بخمسة في المئة، وليس التفاوت بينهم وبين التونسيين ببعيد.
ومن شواهد أن لغة العامة لسان عربي دخله التحريف: أنك تراهم يستمعون إلى القرآن الحكيم، فيفهمون ظاهراً منه، ويتأثرون لسماعه، وتسرد
стр. 2652
عليهم القصص المؤلفة بقلم عربي، فلا يفوتهم من فهمها إلا ما كان نادراً.
واستشهد المسامر على عدم حياة العربية: بأن الجرائد المحررة بقلم راق لا يفهمها جميع الناس. وهذا مسلم في المنشآت التي يرمي فيها الكاتب إلى أنظار بعيدة عن أفكار العامة، ولا أظن العالم والأمي في أي أمة يكونان سواء في فهم التحريرات المشحونة بالأنظار العالية، وإن كانت خالية من المعاني العلمية واصطلاحاتها، وأما ما كانت معانيه قريبة التناول؛ كأخبار الوقائع والإعلانات، فلا يخفى عليهم فهمها، وإن كانت عباراتها راقية، إلا أن تشتمل على بعض مفردات غريبة وعندهم ما يرادفها من العربي صحيحاً أو محرفاً.
ولا ننسى - وإن نسي المسامر - أن لغة العامة في كل أمة لا تنطبق بجملتها على اللسان الذي يكتب به علماؤها، وإن كان الفرق بينهما في ممالك أوربا على ما ينقل أقل من الفرق بين لغة التخاطب عندنا والعربية الفصحى؛ لأن أولي الأمر منهم في الأعصر القريبة كانوا أشد عناية بشأن التعليم، وأحرص على تعميمه بين رعاياهم، واستقامة ألسنة الأمة في اللغة على قدر ما يفتح لها من أبواب التعليم، ويتخذ فيه من الوسائل القريبة، ولهذا نرى لسان المتعلمين منا، أو من يتردد على صحبتهم أقرب إلى العربية من لسان الأميين الذين لا يحومون على ساحة التعليم.
ثم إن ما قرره المسامر في شرط حياة اللغة، وبنى عليه الحكم بموت العربية، وهو: "أن يكون لسان التخاطب بها مطابقاً للسان الكتابة تماماً" نحن في سعة واختيار من قبوله، والاعتبار بوزنه، سواء قاله من تلقاء نفسه، أو تبع فيه سلفاً على وجه التقليد؛ فإن شرطه هذا أمر وضعي لا يستند في
стр. 2653
تحقيقه إلى حجة عقلية، فلا يكبر علينا الالتفات عنه، ونعتمد وضعاً آخر لشرط الحياة، فنقول: إن اللغة الحية هي التي يكتب بها طائفة من الأمة على وجه الصحة، ويمكنهم أن يتفاهموا بها كذلك في أي عرض يعرض، وإن كانت في نطق العامة محرفة، ونسمي ذلك التحريف: مرضاً، لا موتاً حقيقياً.
وإذا أثبت أن لغة التخاطب الآن عربية، ولكنها ابتليت بعلل يرجى برؤها منها، وعودها إلى تمام صحتها بالمعالجة شيئاً فشيئاً، فلا يحسن بنا أن نهجر اللغة الفصحى، ونسعى في تدوين لغة العامة على علاتها، فإن تحريفها يختلف بحسب اختلاف الأقطار والبلاد، حتى يكاد أهل الأقطار المتباعدة لا يفهم بعضهم خطاب بعض، وإن اشتركوا في فهم العربية الصحيحة، وإذا أريد أن أهل كل قطر أو بلاد يدونون لسانهم المحرف، فانظروا ماذا ترون. أيجمل بنا أن نعمد إلى لغة يشترك في التفاهم بها جميع المسلمين على اختلاف أجناسهم، ويتخاطب بها ابن الصين مع ابن مراكش بدون واسطة ترجمان، ويينهما من بعد المسافة مثل ما بين ملتقى الخافقين، ونفرقها الى لغات شتى تفريقاً يجعلها -في الأقل- لغات سافلة منزوعة من سر الفصاحة والرونق، ولا تجد قوة تذود بها عن حياضها كما وجدت العربية من ذات فصاحتها حانياً ونصيراً.
وللعربية في نظر المسلم موقع عظيم من الاعتبار؛ لأن الإسلام وإن لم يجعلها من شعائره، فيأمر المسلم بالتزامها في سائر خطاباته، إلا أنه استحب له تلاوة القرآن، والتدبر في معانيه؛ لمعرفة وجوه إعجازه، واستخراج عبره، والاستضاءة بأنوار هديه؛ لأن غيره من كتب الحكمة والإرشاد ليس لقولها سلطان يؤثر على النفوس، ويعمل عمل القرآن في تطهيرها عما يعرض
стр. 2654
لها من الوساوس، وهدايتها إلى محاسن الأخلاق، ولا سبيل إلى التدبر في آياته وإدراك بلاغته إلا بعلم هذه اللغة.
ولما علم المحققون أن استنباط الأحكام التفصيلية عند الحاجة إليها يجب أن يقوم به طائفة من الأمة. والأحكام إنما تؤخذ من القرآن، وحديث الرسول ﷺ ، وكلاهما وارد بلسان العرب، عدوا من فروض الكفاية التبحر في معرفة العربية، وهذا وجه نسبتها إلى الإسلام، وهو الحصن الذي يتكفل بحفظها وبقائها ما بقي دينه القويم.
وإذا كانت العربية رواية نتلقى منها علوم الدين، وبريداً يحمل إلينا علوم الدنيا، فمن واجباتها علينا أن نصرف الهمة في سبيل إصلاحها، ونعدل ألسنة الناشئين بآثارها الصحيحة؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
* حياة اللغة العربية:
كان المؤلف ﵀ أنشأ في رمضان سنة ١٣٣٥ هـ قصيدة في حياة اللغة العربية في أسلوب رواية خيالية، ونشرت في جريدة "الزهرة" الزاهرة، وقد رأينا من المناسب إثباتها هنا إتماماً للفائدة، ونصها:
بصري يسبح في وادي النظر ... يتقصى أثراً بعد أثرْ
وسبيل الرشد ممهود لمن ... يتجافى الغمض ما اسطاع السهر
إنما الكون سجل رسمت ... فيه للأفكار آيٌ وعبر
وإذا أرخى الدجى أستاره ... هب سمعي كاشفاً عما استتر
لست أنسى جنح ليل خفقت ... فيه بالأحشاء أنفاس الضجر
لج بي التسهيد حتى أوشكت ... غرة الإصباح أن تغشى السحر
стр. 2655
قمت أسعى لتقاضي سلوة ... ومطايا السعي مرقاة الوطر
قمت أخطو فجرى حادي الصبا ... بحسيس من أحاديث السمر
وانثنى بي نحو ناد نشبوا ... في لحاء ولجاج منتشر
لا تعي من بينهم إلا وغى ... في مزيج مثل ضغث معتكر
وإذا الخصمان لم يهتديا ... سنة البحث عن الحق غبر
هذه طائفة تحدو بما ... في لسان العرب من فضل ظهر
وجفته فئة فاهتضموا ... شأنه والجهل مدعاة الهذر
وتراضوا بعد ذا أن نصبوا ... حكماً بينهم فيما شجر
فانبرى فيهم خطيباً بصدى ... لهجة فصحى وجأش مستقر
لغة أودع في أصدافها ... من قوانين الهدى أبهى درر
لغة نهصر من أغصانها ... زهر آداب وأخلاق غرر
ضاق طوق الحصر عن بسطتها ... ولآلي البحر ليست تنحصر
فاض من نهر مبانيها على ... فصحاء العرب سيل منهمر
فسرت روح بيان في اللهى ... كخصيب الأرض يحييه المطر
وابنها المنطيق إن زج به ... في مجال القول جلى وبهر
يسبك المعنى متى شاء على ... صيغ شأن الغني المقتدر
ثم لا يعوزه السير على ... وضعها في كل معنى مبتكر
فأسأل التاريخ ينبيك بما ... أنجبت أرض قريش ومضر
من خطيب مصقع أو شاعر ... مفلق يسحب أذيال الفخر
стр. 2656
ضربت في كل شرب ينتحى ... من فنون الحسن بالسهم الأغر
أرشفت من شنب الرقة ما ... يذهل الأسماع عن نغم الوتر
ولطيف اللفظ يسري في الحشا ... ما سرت نظرة ظبي ذي حور
وتذيب القلب رعبأ بجزا ... لة أسلوب لديها محتكر
والكلام الجزل وضعاً واقع ... موقع السيف إذا السيف خطر
ضل قوم سلكوا في حفظها ... سبباً أوهن من حبل القمر
واحتست في نطق بعض أحرفاً ... من لغى أخرى فأضناها الخدر
بعض من لم يفقهوا أسرارها ... قذفوها بموات مستمر
نفروا عنها لواذاً وإذا ... جف طبع المرء لم تغن النذر
مازكا تفاح لبنان على ... حسك السعدان في ذوق مذر
هكذا في نظر الأعشى استوى ... زهر روض وهشيم المحتظر
لغة قد عقد الدين لها ... ذمة يكلؤها كل البشر
أو لم تنسج على منوالها ... كلم التنزيل في أرقى سور
يالقومي لِوفاء إن من ... نكث العهد أتى إحدى الكبر
فأقيموا الوجه في إحيائها ... وتلافوا عقد ما كان انتشر
стр. 2657
الاستشهاد بالحديث في اللغة (١)
يستند علماء العربية في إثبات الألفاظ اللغوية، وتقرير الأصول النحوية، إلى القرآن المجيد، وكلام العرب الخلص، وجرى بينهم الخلاف في الاحتجاج بما يروى من الأحاديث النبوية. وحقيق بمجمع اللغة العربية أن ينظر في هذه المسألة، ويقطع فيها رأياً؛ فإن الكتب المؤلفة في الحديث وغريبه كثيرة، ومنها ما يبلغ مجلدات ضخمة.
ومتى رأينا أن الحق في جانب من يراها حجة كافية في اللغة، كان مجال البحث في علوم اللغة أوسع، ووجدنا من المساعدة على إعلاء شأن اللغة ما لا نجده عندما نقصر الحجة في القرآن الكريم، وما يبلغنا من كلام عربي فصيح.
وهذا ما دعاني إلى أن بحثت هذه المسألة، وبذلت جهداً في استقصاء ما كتبه فيها أهل العلم، ثم استخلصت من بين اختلافهم رأياً.
وهأنذا أعرض البحث كما اتفق لي أن سرت فيه، وأصله بإبداء ما رأيت؛ لينظر مجمعنا ماذا يرى.
стр. 2658
* ما المراد من الحديث ؟
تشتمل كتب الحديث على أقوال النبي ﷺ ، وعلى أقوال الصحابة تحكي فعلاً من أفعاله ﵇، أو حالاً من أحواله، أو تحكي ما سوى ذلك من شؤون عامة أو خاصة تتصل بالدين؛ بل يوجد في كثير من كتب الحديث أقوال صادرة عن بعض التابعين.
وكذلك نرى المؤلفين في غريب الحديث يوردون ألفاظاً من أقوال رسول الله ﷺ ، أو أقوال الصحابة، أو أقوال بعض التابعين؛ كعمر بن عبد العزيز ﵁.
وهذه الأقوال المنسوبة إلى الصحابة أو التابعين، متى جاءت من طريق المحدثين، تأخذ حكم الأقوال المرفوعة إلى رسول الله ﷺ من جهة الاحتجاج بها في إثبات لفظ لغوي، أو قاعدة نحوية.
* هل في الحديث ما لا شاهد له في كلام العرب ؟
يرد في الحديث ألفاظ لا يعرف لها علماء اللغة شاهداً في كلام العرب، وترد بعض الألفاظ على وجه من الاستعمال لا يعرف إلا من الحديث.
وكثيرا ما يقول شراح غريب الحديث، وهم من جهابذة علماء اللغة: هذا اللفظ لم يجئ إلا في الحديث، ولم نسمعه إلا فيه.
وقال أبو بكر محمد بن قاسم الأنباري أحدُ المؤلفين في غريب الحديث: "وكذلك أشياء كثيرة لم تسمع إلا في الحديث" (١).
وتكلم أبو موسى محمد بن أبي بكر الأصفهاني في كتاب "الغريب" عن
стр. 2659
الألفاظ التي لم ترد إلا في بعض روايات الحديث، فقال: وإنما أورد نحو هذه الألفاظ؛ لأن الإنسان إذا طلبه، لم يجده في شيء من الكتب، فيتحير، فإذا نظر في كتابنا، عرف أصله ومعناه.
ومن أمثلة هذا النوع كلمة "استارة" وردت في حديث: "أيما رجل أغلق بابه على امرأته، وأرخى دونها استارة، فقد تم صداقها".
لقد قال شراح الغريب: لم تستعمل "استارة" إلا في هذا الحديث (١).
ومن أمثلته كلمة "أفلج" من الفلج؛ أي: تباعد ما بين الثنايا، فقد وردت في وصف ابن أبي هالة للنبي ﷺ غير مضافة إلى الأسنان، وابن دريد، وصاحب "القاموس" يقولان: لا يقال: رجل أفلج، إلا إذا ذكر معه الأسنان.
* الخلاف في الاحتجاج بالحديث:
ذهب جماعة من النحاة إلى أن الحديث لا يستشهد به في اللغة؛ أي: لا يستند اليه في إثبات ألفاظ اللغة، ولا في وضع قواعدها، ومن هذه الجماعة: أبو الحسن علي بن محمد الاشبيلي المعروف بابن الضائع (٢)، وأثير الدين محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان (٣)، وزعم أبو حيان: أنه مذهب المتقدمين والمتأخرين من علماء العربية، فقال في "شرح كتاب التسهيل": "إن الواضعين الأولين لعلم النحو، المستقرئين للأحكام من لسان العرب؛ كأبي عمرو، وعيسى بن عمر، والخليل، وسيبويه، من أئمة البصريين،
стр. 2660
والكسائي، والفراء، وعلي بن مبارك الأحمر، وهشام الضرير، من أئمة الكوفيين، لم يفعلوا ذلك -أي: لم يحتجوا بالحديث- وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين، وغيرهم من نحاة الأقاليم؛ كنحاة بغداد، وأهل الأندلس".
وأجاز قوم الاحتجاج بالحديث في اللغة، وعدوه في الأصول التي يرجع إليها في تحقيق الألفاظ، وتقرير القواعد. وممن عرف بهذا المذهب: محمد بن عبدالله المعروف بابن مالك (١)، وعبدالله بن يوسف المعروف بابن هشام (٢)، وممن انتصر لهذا المذهب: البدر الدماميني في شرحه لى: "كفاية المتحفظ" المسمى بتحرير الرواية، وعد من أصحاب هذا المذهب: الجوهري، وابن سيده، وابن فارس، وابن خروف، وابن جني، وابن بري، والسهيلي، حتى قال: لا نعلم أحداً من علماء العربية خالف في هذه المسألة إلا ما أبداه الشيخ أبو حيان في "شرح التسهيل"، وأبو الحسن الضائع في "شرح الجمل"، وتابعهما على ذلك الجلال السيوطي.
* وجهة نظر المانعين:
قالوا: لا يستشهد بالحديث؛ لعدم الوثوق بأن ذلك لفظ رسول الله ﷺ ، وانتفت الثقة من أنه لفظ الرسول لأمرين:
أحدهما: أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى، فتجد القصة الواحدة قد جرت في زمانه ﷺ ، فتنقل بألفاظ مختلفة؛ كحديث: "زوجتكما بما معك
стр. 2661
من القرآن"، وفي رواية أخرى: "ملكتكها بما معك من القرآن"، وثالثة: "خذها بما معك من القرآن"، وفي رابعة: "أمكناكها بما معك من القرآن".
نعلم يقينا أنه ﷺ لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا نجزم بأنه قال بعضها، إذ يحتمل أنه قال لفظاً آخر مرادفاً لهذه الألفاظ، فأتى الرواة بالمراد منه، ولم يأتوا بلفظه؛ إذ المطلوب إنما هو نقل المعنى. وأضافوا إلى هذا: أن الرواة لم يكونوا يضبطون الحديث بالكتابة؛ اتكالاً على الحفظ، وأن الضابط منهم من يحتفظ بالمعنى، وأما ضبط اللفظ، فبعيد جداً، ولا سيما ألفاظ الأحاديث الطويلة.
ثانيهما: أنه وقع اللحن في كثير مما روي من الأحاديث؛ لأن كثيراً من الرواة لم ينشؤوا في بيئة عربية خالصة حتى يكونوا عرباً بالفطرة، بل كانوا قد تعلموا العربية الفصحى من طريق صناعة النحو.
* وجهة نظر المجوزين:
يستند هؤلاء إلى الإجماع على أنه ﷺ أفصح العرب لهجة؛ كما قال ابن حزم في كتاب؛ "الفصل" منكراً على من لم يجعلوا الحديث حجة في اللغة: "لقد كان محمد بن عبدالله قبل أن يكرمه الله بالنبوة، وأيام كان بمكة، أعلمَ بلغة قومه، وأفصح، فكيف بعد أن اختصه الله للنذارة، واجتباه للوساطة بينه وبين خلقه؟! ".
وقالوا: إن الأحاديث أصح سنداً مما ينقل من أشعار العرب؛ كما قال صاحب "المصباح" بعد أن استشهد بحديث: "من أثنيتم عليه بشر، وجبت"، على صحة إطلاق الثناء على الذكر بشر: "قد نقل هذا العدل الضابط عن العرب الفصحاء عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة؛ فإنهم
стр. 2662
يكتفون بالنقل عن واحد، ولا يعرف حاله".
وقد عرفت أن المانعين من الاحتجاج بالحديث معترفون بأن الرسول ﷺ أفصح العرب لساناً، وأبرعهم بياناً، ولا ينازعون في أن أسانيد الأحاديث أقوى من أسانيد الأشعار، وإنما استندوا في المنع إلى أن الأحاديث قد تروى بالمعنى، بخلاف شعر العرب، أو منثورهم؛ فإن رواته اعتنوا بألفاظه؛ لأن الغرض من روايته تقرير أحكام الألفاظ.
قال ابن ضائع في "شرح الجمل": "لولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث، لكان أولى وأثبت في إثبات فصيح اللغة كلام رسول الله ﷺ ".
وأظهر وجه يورده المجيزون: أن الأصل رواية الحديث الشريف على نحو ما سمع، وأن أهل العلم قد شددوا في ضبط ألفاظه، والتحري في نقله، ولهذا الأصل تحصل غلبة الظن بأن الحديث مروي بلفظه، وهذا الظن كافٍ في إثبات الألفاظ اللغوية، وتقرير الأحكام النحوية.
* مناقشتهم لأدلة المانعين:
يقول المانعون: إن الرواة كانوا ينقلون الأحاديث بالمعنى، فلا ثقة لنا من أن اللفظ الذي روي به الحديث هو لفظ رسول الله ﷺ .
وأجاب المجيزون على هذا: بأن كثيراً من المحدثين والفقهاء والأصوليين قد ذهبوا إلى منع رواية الحديث بالمعنى، ومن أجازوا الرواية بالمعنى شرطوا لذلك أن يكون الراوي على علم بما يغير المعنى، أو ينقصه، وأن يكون محيطاً بمواقع الألفاظ، بل قال بعضهم: شرطه أن يحيط بدقائق علم اللغة، وأن تكون المحسنات الفائقة على ذكر منه، فيراعيها في نظم كلامه. على أن المجيزين
стр. 2663
للرواية بالمعنى معترفون بأن الرواية باللفظ هي الأولى، وإذا كانت الرواية بالمعنى ليست في رأيهم سوى رخصة، فإنهم لا يحتجون لها إلا في حال ضرورة، وأضافوا إلى هذا: أن النقل بالمعنى إنما أجازه من أجازه في غير ما لم يدون في الكتب، أما ما دون في الكتب، فلا يجوز التصرف فيه بوجه، وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول قبل أن تفسد اللغة، وإذا كان قد وقع في الأحاديث المدونة نقل بالمعنى، فإنما هو تصرف ممن يصح الاحتجاج بأقوالهم.
وإليك ما قاله البدر الدماميني، وما حكاه عن شيخه ابن خلدون في الرد على من يمنعون الاستشهاد بالحديث، قال في "حواشيه على المغني":
"أسقط أبو حيان الاستدلال على الأحكام النحوية بالأحاديث النبوية باحتمال رواية من لا يوثق بعربيته إياها بالمعنى، وكثيراً ما يعترض على ابن مالك في استدلاله بها، ورده شيخنا ابن خلدون بأنها - على تسليم أنها لا تفيد القطع بالأحكام النحوية - تفيد غلبة الظن بها؛ لأن الاصل عدم التبديل، لاسيما والتشديد في ضبط ألفاظها، والتحري في نقلها بأعيانها، مما شاع بين الرواة، والقائلون منهم بجواز الرواية بالمعنى معترفون بأنها خلاف الأولى، وغلبة الظن كافية في مثل تلك الأحكام، بل في الأحكام الشرعية، فلا يؤثر فيها الاحتمال المخالف للظاهر، وبان الخلاف في جواز النقل بالمعنى في غير ما لم يدون في كتب.
أما ما دُون، فلا يجوز تبديل ألفاظه بلا خلاف؛ كما قاله ابن الصلاح (١)،
стр. 2664
وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية، وحين كان كلام أولئك - على تقدير تبديلهم - يسوغ الاحتجاج به، وغايته يومئذ تبديل لفظ يحتج به بآخر كذلك، ثم دون ذلك البدل، ومنع من تغييره ونقله بالمعنى، فبقي حجة في بابه صحيحة، ولا يضر توهم ذلك الاحتمال السابق في استدلالهم بالمتأخر.
وقد ناقش بعض شارحي (١) كتاب "الاقتراح" ابنَ خلدون، فقال:
إن تدوين الأحاديث وقع بعد فساد اللغة، وقال: لم يحصل التدوين إلا في عصر التابعين، ووقع يومئذ الاختلاط في اللغة، والرواية بالمعنى لم تقف عند حد من يتكلم بالعربية سليقة.
ولا يسعنا أمام دعوى ابن خلدون، ومناقشة هذا الشارح له، إلا أن نقول كلمة في تاريخ تدوين الحديث، ونتحدث عن العهد الذي وقع فيه فساد اللغة، لعلنا نهتدي إلى ما يفيدنا في أصل البحث: "بحث الاستشهاد بالحديث في اللغة".
الواقع أن أصل كتابة الحديث وقع في عهد النبي ﷺ . وممن كان يكتب الحديث: عبدالله بن عمرو بن العاص، ولهذا كان أكثر جمعأ للحديث: من أبي هريرة. أما تدوينه في كتب، فقد وقع بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة ١٠١ هـ، ومن المروي في الصحيح: أنه كتب إلى أهل الآفاق: أن انظروا ما كان من حديث رسول الله ﷺ ، أو سنته، فاجمعوه، أو فاكتبوه.
وأول من دون الحديث: محمد بن مسلم الزهري المتوفى سنة ١٢٤ هـ والمعروف أنه كان يروي عن الصحابة مثل: عبدالله بن عمر، وأنس بن مالك،
стр. 2665
وسهل بن سعد الساعدي.
وقيل إن أول من دون الحديث: الربيع بن صبيح المتوفى سنة ١٦٠ هـ، وسعيد بن أبي عروبة المتوفى سنة ١٥٦ هـ.
ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلي طبقة الزهري؛ كمالك بن أنس، وعبد الملك بن جريج، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة.
وكان كثير من رواة الحديث في هذا العهد يكتبون الأحاديث عند تلقيها، ولا يكتفون بحفظها عن ظهر القلب، فإنا نجد في تاريخ طائفة منهم: أن لهم كتباً كانوا يرجعون إليها عند الرواية.
ونجد في تاريخ من يروون عن أمثال الزهري: أن في مخلفاتهم أجزاء كثيرة تحتوي أحاديث أخذوها عن أولئك الأئمة. وكتابة الحديث تساعد على روايته بلفظه، وحفظُه عن ظهر القلب يبعده من أن يدخله غلط أو تصحيف.
ويصل بنا البحث إلى أن مصنفات الطبقة التي جات بعد طبقة مالك، وابن جريج قد بلغت الغاية في جمع الأحاديث، وفي ذلك العهد صنفت مسندات كثيرة؛ كـ: "مسند أسد بن موسى الأموي" المتوفى سنة ٢١٢ هـ، و"مسند عبيدالله بن موسى العيسى" المتوفى سنة ٢١٣ هـ، و"مسند نعيم بن حماد الخزاعي" المتوفى سنة ٢٢٨ هـ، و"مسند أحمد بن حنبل" المتوفى سنة ٢٤١ هـ.
وجاء بعد هؤلاء أصحاب الكتب الستة، وأولهم: البخاري المولود سنة ١٩٤ هـ، وآخرهم النسائي المولود سنة ٢١٥ هـ.
وما في الكتب الستة، أو معظمه كان مدوناً في الكتب المصنفة من قبل. ذكر الحافظ أبن حجر مصنفات أئمة الحديث في الصدر الأول، وقال: