من القرآن"، وفي رواية أخرى: "ملكتكها بما معك من القرآن"، وثالثة: "خذها بما معك من القرآن"، وفي رابعة: "أمكناكها بما معك من القرآن".
نعلم يقينا أنه ﷺ لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا نجزم بأنه قال بعضها، إذ يحتمل أنه قال لفظاً آخر مرادفاً لهذه الألفاظ، فأتى الرواة بالمراد منه، ولم يأتوا بلفظه؛ إذ المطلوب إنما هو نقل المعنى. وأضافوا إلى هذا: أن الرواة لم يكونوا يضبطون الحديث بالكتابة؛ اتكالاً على الحفظ، وأن الضابط منهم من يحتفظ بالمعنى، وأما ضبط اللفظ، فبعيد جداً، ولا سيما ألفاظ الأحاديث الطويلة.
ثانيهما: أنه وقع اللحن في كثير مما روي من الأحاديث؛ لأن كثيراً من الرواة لم ينشؤوا في بيئة عربية خالصة حتى يكونوا عرباً بالفطرة، بل كانوا قد تعلموا العربية الفصحى من طريق صناعة النحو.
* وجهة نظر المجوزين:
يستند هؤلاء إلى الإجماع على أنه ﷺ أفصح العرب لهجة؛ كما قال ابن حزم في كتاب؛ "الفصل" منكراً على من لم يجعلوا الحديث حجة في اللغة: "لقد كان محمد بن عبدالله قبل أن يكرمه الله بالنبوة، وأيام كان بمكة، أعلمَ بلغة قومه، وأفصح، فكيف بعد أن اختصه الله للنذارة، واجتباه للوساطة بينه وبين خلقه؟! ".
وقالوا: إن الأحاديث أصح سنداً مما ينقل من أشعار العرب؛ كما قال صاحب "المصباح" بعد أن استشهد بحديث: "من أثنيتم عليه بشر، وجبت"، على صحة إطلاق الثناء على الذكر بشر: "قد نقل هذا العدل الضابط عن العرب الفصحاء عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة؛ فإنهم
стр. 2662
يكتفون بالنقل عن واحد، ولا يعرف حاله".
وقد عرفت أن المانعين من الاحتجاج بالحديث معترفون بأن الرسول ﷺ أفصح العرب لساناً، وأبرعهم بياناً، ولا ينازعون في أن أسانيد الأحاديث أقوى من أسانيد الأشعار، وإنما استندوا في المنع إلى أن الأحاديث قد تروى بالمعنى، بخلاف شعر العرب، أو منثورهم؛ فإن رواته اعتنوا بألفاظه؛ لأن الغرض من روايته تقرير أحكام الألفاظ.
قال ابن ضائع في "شرح الجمل": "لولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث، لكان أولى وأثبت في إثبات فصيح اللغة كلام رسول الله ﷺ ".
وأظهر وجه يورده المجيزون: أن الأصل رواية الحديث الشريف على نحو ما سمع، وأن أهل العلم قد شددوا في ضبط ألفاظه، والتحري في نقله، ولهذا الأصل تحصل غلبة الظن بأن الحديث مروي بلفظه، وهذا الظن كافٍ في إثبات الألفاظ اللغوية، وتقرير الأحكام النحوية.
* مناقشتهم لأدلة المانعين:
يقول المانعون: إن الرواة كانوا ينقلون الأحاديث بالمعنى، فلا ثقة لنا من أن اللفظ الذي روي به الحديث هو لفظ رسول الله ﷺ .
وأجاب المجيزون على هذا: بأن كثيراً من المحدثين والفقهاء والأصوليين قد ذهبوا إلى منع رواية الحديث بالمعنى، ومن أجازوا الرواية بالمعنى شرطوا لذلك أن يكون الراوي على علم بما يغير المعنى، أو ينقصه، وأن يكون محيطاً بمواقع الألفاظ، بل قال بعضهم: شرطه أن يحيط بدقائق علم اللغة، وأن تكون المحسنات الفائقة على ذكر منه، فيراعيها في نظم كلامه. على أن المجيزين
стр. 2663
للرواية بالمعنى معترفون بأن الرواية باللفظ هي الأولى، وإذا كانت الرواية بالمعنى ليست في رأيهم سوى رخصة، فإنهم لا يحتجون لها إلا في حال ضرورة، وأضافوا إلى هذا: أن النقل بالمعنى إنما أجازه من أجازه في غير ما لم يدون في الكتب، أما ما دون في الكتب، فلا يجوز التصرف فيه بوجه، وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول قبل أن تفسد اللغة، وإذا كان قد وقع في الأحاديث المدونة نقل بالمعنى، فإنما هو تصرف ممن يصح الاحتجاج بأقوالهم.
وإليك ما قاله البدر الدماميني، وما حكاه عن شيخه ابن خلدون في الرد على من يمنعون الاستشهاد بالحديث، قال في "حواشيه على المغني":
"أسقط أبو حيان الاستدلال على الأحكام النحوية بالأحاديث النبوية باحتمال رواية من لا يوثق بعربيته إياها بالمعنى، وكثيراً ما يعترض على ابن مالك في استدلاله بها، ورده شيخنا ابن خلدون بأنها - على تسليم أنها لا تفيد القطع بالأحكام النحوية - تفيد غلبة الظن بها؛ لأن الاصل عدم التبديل، لاسيما والتشديد في ضبط ألفاظها، والتحري في نقلها بأعيانها، مما شاع بين الرواة، والقائلون منهم بجواز الرواية بالمعنى معترفون بأنها خلاف الأولى، وغلبة الظن كافية في مثل تلك الأحكام، بل في الأحكام الشرعية، فلا يؤثر فيها الاحتمال المخالف للظاهر، وبان الخلاف في جواز النقل بالمعنى في غير ما لم يدون في كتب.
أما ما دُون، فلا يجوز تبديل ألفاظه بلا خلاف؛ كما قاله ابن الصلاح (١)،
стр. 2664
وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية، وحين كان كلام أولئك - على تقدير تبديلهم - يسوغ الاحتجاج به، وغايته يومئذ تبديل لفظ يحتج به بآخر كذلك، ثم دون ذلك البدل، ومنع من تغييره ونقله بالمعنى، فبقي حجة في بابه صحيحة، ولا يضر توهم ذلك الاحتمال السابق في استدلالهم بالمتأخر.
وقد ناقش بعض شارحي (١) كتاب "الاقتراح" ابنَ خلدون، فقال:
إن تدوين الأحاديث وقع بعد فساد اللغة، وقال: لم يحصل التدوين إلا في عصر التابعين، ووقع يومئذ الاختلاط في اللغة، والرواية بالمعنى لم تقف عند حد من يتكلم بالعربية سليقة.
ولا يسعنا أمام دعوى ابن خلدون، ومناقشة هذا الشارح له، إلا أن نقول كلمة في تاريخ تدوين الحديث، ونتحدث عن العهد الذي وقع فيه فساد اللغة، لعلنا نهتدي إلى ما يفيدنا في أصل البحث: "بحث الاستشهاد بالحديث في اللغة".
الواقع أن أصل كتابة الحديث وقع في عهد النبي ﷺ . وممن كان يكتب الحديث: عبدالله بن عمرو بن العاص، ولهذا كان أكثر جمعأ للحديث: من أبي هريرة. أما تدوينه في كتب، فقد وقع بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة ١٠١ هـ، ومن المروي في الصحيح: أنه كتب إلى أهل الآفاق: أن انظروا ما كان من حديث رسول الله ﷺ ، أو سنته، فاجمعوه، أو فاكتبوه.
وأول من دون الحديث: محمد بن مسلم الزهري المتوفى سنة ١٢٤ هـ والمعروف أنه كان يروي عن الصحابة مثل: عبدالله بن عمر، وأنس بن مالك،
стр. 2665
وسهل بن سعد الساعدي.
وقيل إن أول من دون الحديث: الربيع بن صبيح المتوفى سنة ١٦٠ هـ، وسعيد بن أبي عروبة المتوفى سنة ١٥٦ هـ.
ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلي طبقة الزهري؛ كمالك بن أنس، وعبد الملك بن جريج، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة.
وكان كثير من رواة الحديث في هذا العهد يكتبون الأحاديث عند تلقيها، ولا يكتفون بحفظها عن ظهر القلب، فإنا نجد في تاريخ طائفة منهم: أن لهم كتباً كانوا يرجعون إليها عند الرواية.
ونجد في تاريخ من يروون عن أمثال الزهري: أن في مخلفاتهم أجزاء كثيرة تحتوي أحاديث أخذوها عن أولئك الأئمة. وكتابة الحديث تساعد على روايته بلفظه، وحفظُه عن ظهر القلب يبعده من أن يدخله غلط أو تصحيف.
ويصل بنا البحث إلى أن مصنفات الطبقة التي جات بعد طبقة مالك، وابن جريج قد بلغت الغاية في جمع الأحاديث، وفي ذلك العهد صنفت مسندات كثيرة؛ كـ: "مسند أسد بن موسى الأموي" المتوفى سنة ٢١٢ هـ، و"مسند عبيدالله بن موسى العيسى" المتوفى سنة ٢١٣ هـ، و"مسند نعيم بن حماد الخزاعي" المتوفى سنة ٢٢٨ هـ، و"مسند أحمد بن حنبل" المتوفى سنة ٢٤١ هـ.
وجاء بعد هؤلاء أصحاب الكتب الستة، وأولهم: البخاري المولود سنة ١٩٤ هـ، وآخرهم النسائي المولود سنة ٢١٥ هـ.
وما في الكتب الستة، أو معظمه كان مدوناً في الكتب المصنفة من قبل. ذكر الحافظ أبن حجر مصنفات أئمة الحديث في الصدر الأول، وقال:
стр. 2666
فلما رأى البخاري هذه المصنفات، ورواها، وجدها بحسب الوضع جامعة، فألف كتابه مقتصراً على الصحيح.
وإذا رأينا أن البخاري يقول في كتابه: حدثنا فلان. فهذا لا يمنع من أن يكون الحديث مدوناً في كتاب؛ فإنهم كانوا - كما عرفت آنفاً - لا يستغنون بالكتابة عن الحفظ، وربما قال الراوي: أملى علينا فلان كذا وكذا حديثاً من حفظه، ثم قرأها علينا من كتابه.
وهذه النظرة التاريخية تدلنا على أن ابتداء تدوين الحديث كان في أوائل القرن الثاني، وأنه لم يمض القرن الثاني حتى قيد معظم الأحاديث بالكتابة والتدوبن.
ولننظر بعد هذا إلى حال اللغة من جهة ما دخلها من الفساد، وننظر ما يكون لهذا الفساد من أثر في رواية الحديث.
أخذ الفساد يدخل اللغة منذ وصلت الفتوح الإسلامية العرب بالعجم، وأسرع إلى ألسنة طائفتين من أبناء العرب، أو الناشئين في بيئتهم: طائفة كانت أمهاتهم من الأعاجم، وطائفة العامة الذين يسكنون الأمصار، وتكثر مخالطتهم للأعاجم.
وظهر اللحن بجلاء في أواخر عهد الدولة الأموية، وكان انقراضها سنة ١٣٢ هـ.
وبقي بجانب هاتين الطائفتين فريقان: سكان الجزيرة البعيدون عن مخالطة الأعاجم مخالطة تمس فصاحتهم بسوء، وأبناء الخاصة من سكان الأمصار الذين لم تكن أمهاتهم من الأعاجم.
أما سكان الجزيرة، فإنهم ما برحوا على فصاحة اللغة إلى أواسط القرن
стр. 2667
الرابع، وأما الخاصة من سكان المدن، فبقوا على فصاحة اللهجة مدة في أوائل عهد الدولة العباسية.
وذكر الباحثون في طبقات الشعراء: أن إبراهيم بن هرمة آخر من يحتج بشعرهم، وقد توفي في خلافة الرشيد بعد الخمسين والمئة بقليل.
والذين نشؤوا في بيئة عربية لم ينتشر فيها فساد اللغة انتشاراً يرفع الثقة بفصاحة لهجتها، يوثق بأقوالهم، ولو تأخروا عن منتصف القرن الثاني؛ كا لإمام الشافعي؛ فإنه ولد سنة ١٥٠ هـ، ولكنه نشأ في بيئة عربية، وهي مكة، فيصح الاستشهاد بما يستعمله من الألفاظ.
قال الإمام أحمد: "كلام الشافعي حجة في اللغة"، وقال الأزهري في "إيضاح ما استشكل من مختصر المزني": "ألفاظ الإمام الشافعي عربية محضة، ومن عجمة المولدين مصونة".
وإذا عدنا إلى قول ابن خلدون: "وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية، وحين كان كلام أولئك - على تقدير تبديلهم - يسوغ الاحتجاج به"، وعرضناه على التاريخ، وجدنا التدوين وقع بعد أن دخل الفساد في اللغة، ولكن من المدونين من يحتج بأقواله؛ لأنه نشأ في بيئة عربية؛ كالزهري، ومالك بن أنس، وعبد الملك بن جريج، ومنهم من نشؤوا في بيئة غير عربية، أو عربية انتشر فيها الفساد، وصارت العربية الفصحى فيها إنما تدرك من طريق التعلم.
فدعوى أن الاحاديث دونت قبل فساد اللغة، وأن كلام المدونين لها يسوغ الاحتجاج به في اللغة، غير مطابقة للتاريخ من كل وجه، ولو تمت على نحو ما قرره ابن خلدون؛ لقامت لها الحجة الفاصلة على الاستشهاد بالحديث
стр. 2668
في اللغة من غير حاجة إلى شيء آخر يعضدها.
والذي نستفيده من حقائق التاريخ: أن قسماً كبيراً من الأحاديث دونه رجال يحتج بأقوالهم في العربية، وأن كثيراً من الرواة كانوا يكتبون الأحاديث عند سماعها، وذلك مما يساعد على روايتها بألفاظها، فيضاف هذا وذاك إلى ما وقع من التشديد في رواية الحديث بالمعنى، وما عرف من احتياط أئمة الحديث، وتحريهم في الرواية، فيحصل الظن الكافي لرجحان أن تكون الأحاديث المدونة في الصدر الأول مروية بألفاظها ممن يحتج بكلامه.
وأما قول المانعين: إنه وقع اللحن في كثير من الأحاديث، فيجاب عنه: بأن كثيراً مما يرى أنه لحن قد ظهر له وجه من الصحة، وقد ألف في هذا الباب ابن مالك كتابه: "التوضيح في حل مشكلات الجامع الصحيح"، وذكر للأحاديث التي يشكل إعرابها وجوهاً يستبين بها أنها من قبيل العربي الصحيح، وكثيراً ما نرى ألفاظاً من الحديث ينكرها بعض اللغويين، فيأتي لغوي آخر فيذكر لها وجهاً مقبولاً، أو يسوق عليها شاهداً صحيحاً.
ثم إن وجود ألفاظ غير موافقة للقواعد المتفق عليها، لا يقتضي ترك الاحتجاج بالحديث جملة، وإنما يحمل أمرها على قلة ضبط أحد الرواة في هذه الألفاظ خاصة.
وإذا وقع في رواية بعض الأحاديث غلط، أو تصحيف، فإن الأشعار يقع فيها الغلط والتصحيف، وهي حجة من غير خلاف.
قال محمد بن سلام: وجدنا رواة العلم يغلطون في الشعر، ولا يضبط الشعر إلا أهله. وأبو أحمد العسكري الذي ألف كتاباً في تصحيف رواة الحديث، قد ألف كتاباً فيما وقع من أصحاب اللغة والشعر من التصحيف.
стр. 2669
أما قول أبى حيان: "إن المتقدمين من علماء العربية لا يحتجون بالحديث"، فأجاب عنه المجيزون: بأن علماء العربية في العهد الأول لم يتعاطوا رواية الحديث، فعلماء الحديث غير علماء العربية (١)، ثم إن دواوين الحديث لم تكن مشتهرة في ذلك العهد، ولم يتناولها علماء العربية كما كانوا يتناولون القرآن الكريم، وإنما اشتهرت دواوينه، ووصلت إلى أيدي جمهور أهل العلم من بعد، فإن سلمنا عدم احتجاجهم بالحديث، فلعدم انتشاره بينهم، لا لأنهم يمنعون الاحتجاج به. على أن كتب الأقدمين الموضوعة في اللغة لا تكاد تخلو من الاستدلال على إثبات الكلمات بألفاظ الحديث، واللغة أخت النحو كما صرحوا به.
وكذلك نرى الإمام اللغوي أبا منصور الأزهري المولود سنة ٢٨٢ هـ يعتمد في كتابه "التهذيب" على الأحاديث، ويكثر من الاستشهاد بها.
وأما ما ادعاه أبو حيان من أن المتاخرين من نحاة الأقاليم تابعوا المتقدمين في عدم الاحتجاج بالحديث، فمرود بأن كتب النحاة من أندلسيين وغيرهم مملوءة بالاستشهاد بالحديث. وقد استدل بالحديث الشريف: الصقلي، والشريف الغرناطي في "شرحيهما لكتاب سيبويه"، وابن الحاج في "شرح المقرب"، وابن الخباز في "شرح ألفية ابن معطي"، وأبن علي الشلوبين في كثير من مسائله. وكذلك استشهد بالحديث: السيرافي، والصفار في "شرحيهما لكتاب سيبويه". وقال ابن الطيب: "بل رأيت الاستدلال بالحديث في كلام
стр. 2670
أبي حيان نفسه ".
وقد عرفت أن مذهب البدر الدماميني صحة الاستشهاد بالحديث، وقد جرى على مذهبه في شرحه للمغني والتسهيل والبخاري.
* تفضيل وترجيح:
من الأحاديث ما لا ينبغي الاختلاف في الاحتجاج به في اللغة، وهو ستة أنواع:
أحدها: ما يروى بقصد الاستدلال على كمال فصاحته ﷺ ؛ كقوله: "حمي الوطيمس"، وقوله: "مات حتف أنفه"، وقوله: "الظلم ظلمات يوم القيامه" إلى نحو هذا من الأحاديث القصار المشتملة على شيء من محاسن البيان؛ كقوله: "مأزورات غير مأجورات"، وقوله: "إن الله لا يمل حتى تملوا".
ثمانيها: ما يروى من الأقوال التي كان يتعبد بها، أو أمر بالتعبد بها؛ كألفاظ القنوت والتحيات، وكثير من الأذكار والأدعية التي كان يدعو بها في أوقات خاصة.
ثالثها: ما يروى شاهداً على أنه كان يخاطب كل قوم من العرب بلغتهم. ومما هو ظاهر أن الرواة يقصدون في هذه الأنواع الثلاثة لرواية الحديث بلفظه.
رابعها: الأحاديث التي وردت من طرق متعددة، واتحدت ألفاظها؛ فإن اتحاد الألفاظ مع تعدد الطرق دليل على ان الرواة لم يتصرفوا في ألفاظها، والمراد أن تتعدد طرقها إلى النبي ﷺ أو إلى الصحابة، أو التابعين الذين ينطقون الكلام العربي فصيحاً.
стр. 2671
خامسها: الأحاديث التي دونها من نشأ في بيئة عربية لم ينتشر فيها فساد اللغة؛ كمالك بن أنس، وعبد الملك بن جريج، والإمام الشافعي.
سادسها: ما عرف من حال رواته أنهم لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى؛ مثل: ابن سيرين، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة، وعلي بن المديني. ومن الأحاديث ما لا ينبغي الاختلاف في عدم الاحتجاج به، وهي الأحاديث التي لم تدون في الصدر الأول، وإنما تروى في كتب بعض المتأخرين.
ولا يحتج بهذا النوع من الأحاديث، سواء أكان سندها مقطوعاً، أم متصلاً، أما مقطوعة السند، فوجه عدم الاحتجاج بها واضح، وأما متصلة السند، فلبعد مدونها عن الطبقة التي يحتج بأقوالها. وإذا أضيفت كثرة المولدين في رجال سند الحديث إلى احتمال أن يكون بعضهم قد رواه بالمعنى، أصبح احتمال أن تكون ألفاظه ألفاظ النبي ﷺ أو ألفاظ رواية الذي يحتج بكلامه، قاصراً عن درجة الظن الكافي لإثبات الألفاظ اللغوية، أو وجوه استعمالها.
والحديث الذي يصح أن تختلف الأنظار في الاستشهاد بألفاظه هو الحديث الذي دون في الصدر الأول، ولم يكن من الأنواع الستة المنبه عليها آنفاً، وهو على نوعين:
(حديث) يرد لفظه على وجه واحد، (وحديث) اختلفت الرواية في بعض ألفاظه.
أما الحديث الوارد على وجه واحد، فالظاهر صحة الاحتجاج به؛ نظراً إلى أن الأصل الرواية باللفظ، وإلى تشديدهم في الرواية بالمعنى، ويضاف
стр. 2672
إلى هذا: قلة عدد من يوجد في السند من الرواة الذين لا يحتج بأقوالهم، فقد يكون بين البخاري ومن يحتج بأقواله من الرواة واحد، أو اثنان، وأقصاهم ثلاثة.
ومثال هذا النوع: أن الحريري أنكر على الناس قولهم قبل الزوال: سهرنا البارحة، قال: وإنما يقال: سهرنا الليلة، ويقال بعد الزوال: سهرنا البارحة. والشاهد على صحة ما يقوله الناس حديث: أن النبي ﷺ كان إذا أصبح، قال: "هل رأى أحد منكم البارحةَ رؤيا؟ "، وحديث: "وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: عملت البارحة كذا"؛ ففي قوله: "إذا أصبح، قال: هل رأى أحد منكم البارحةَ"، وقوله: "ثم يصبح فيقول: عملت البارحة" شاهد على صحة أن يقول الرجل متحدثاً عن الليلة الماضية، وهو في الصباح: سهرنا البارحة، أو وقع البارحة كذا.
وأما الأحاديث التي اختلفت فيها الرواية، فإنا نرى من يستشهدون بالأحاديث من اللغويين والنحاة لا يفرقون بين ما روي على وجه واحد، وما روي على وجهين، أو وجوه. ويمكننا أن نفصل القول في هذا النوع، فنجيز الاستشهاد بما جاء في رواية مشهورة لم يغمزها بعض المحدثين بأنها وهم من الراوي؛ مثل كلمة: "ممثل" وردت في أشهر رواية لحديث: "قام النبي ﷺ ممثلاً"؛ أي: منتصباً، والمعروف في كلام العرب إنما هو ماثل من مثل؛ كنصَر وكرُم.
وأما يجيء في رواية شاذة، أو في رواية يقول فيها بعض المحدثين: إنها غلط من الراوي، فنقف دون الاستشهاد بها، ومثال هذا كلمة: "ناعوس" وردت في إحدى روايات حديث: "إن كلماته بلغت ناعوس البحر"، ووردت
стр. 2673
في بقية الروايات: "قاموس البحر"؛ أي وسطه ولجته. وكلمة ناعوس غير معروفة في كلام العرب.
قال أبو موسى محمد بن أيي بكر الأصفهاني أحدُ المؤلفين في غريب الحديث: "فلعل الراوي لم يجود كتب كلمة قاموس".
وأضعف من هذا: أن تجيء الكلمة غير معروفة في اللغة في صورة الشك من الراوي؛ ككلمة: خطيط، وردت في حديث: "ثم نام حتى سمعت غطيطه، أو خطيطه"، قال ابن بطال: لم أجد كلمة "خطيط" - بالخاء - عند أهل اللغة.
وخلاصة البحث: أنا نرى الاستشهاد بألفاظ ما يروى في كتب الحديث المدونة في الصدر الأول، وإن اختلفت فيها الرواية، ولا نستثني إلا الألفاظ التي تجيء في رواية شاذة، أو يغمزها بعض المحدثين بالغلط، أو التصحيف غمزاً لا مرد له، ويشد أزرنا في ترجيح هذا الرأي: أن جمهور اللغويين، وطائفة عظيمة من النحويين يستشهدون بالألفاظ الواردة في الحديث، ولو على بعض رواياته.
стр. 2674
موضوع علم النحو (١)
اطلعت على كتاب "إحياء النحو" لأحد أساتذة الجامعة المصرية، فبدا لي أن أشاركه في بعض بحوثه التي رأى أن النحاة قد غفلوا عن وجه الصواب فيها، وهو: موضوع علم النحو، وإذا نقدت بعض عبارات المؤلف، وعرضت رأياً غير رأيه، فإنما أريد طرح البحث بين أيدي القراء؛ لينظروا ماذا يرون.
قال المؤلف في (ص ١): "يقول النحاة في تحديد علم النحو: إنه علم يعرف به أحوال أواخر الكلم إعراباً وبناء"، ثم قال: "فيقصرون بحثه على الحرف الأخير من الكلمة، بل على خاصة من خواصه، وهي الإعراب والبناء"، وقال: "غاية النحو - أي عند النحويين - بيان الإعراب، وتفصيل أحكامه، حتى سماه بعضهم: علم الإعراب"، وقال: "وفي هذا التحديد تضييق شديد لدائرة البحث النحوي، وتقصير لمداه، وحصر له في جزء يسير مما ينبغي أن يتناوله".
لا ندري ماذا صنع المؤلف عندما وقف على هذا التعريف الذي ساقه لعلم النحو، هل تجاوزه الى مطالعة ما كتبه أهل العلم في شرحه، أو أنه اقتصر
стр. 2675
على قراءته وحده، وكتب هذا الذي يقوله في الإنكار على علماء النحو، فإن كان قد اطلع على ما كتبه أولئك المحققون في شرحه، كان حقاً عليه أن يكف قلمه عن هذا الإنكار جملة، أو يترك -على الأقل - نسبته إلى النجاة في تلك العبارة الظاهرة في أن هذا هو التعريف الذي يقولونه على اتفاق منهم.
وإن لم يكن المؤلف قد اطلع عل ما كتبوه في شرح هذا التعريف، وهو في المؤلفات القريبة المنال، أفلا يكون لقارئ كتابه حق في عتبه عتباً جميلاً على عدم صرف شيء من وقته في الرجوع إلى أمثال هذه المؤلفات قبل أن يتعرض لتخطئة علماء قضوا في استنباط قواعد العربية والتفقه في أسرارها وقتاً طويلاً؟! والتحديد الذي ساقه الأستاذ، وغمره بالإنكار، قد اقتصر فيه صاحبه على أحوال الكلم مراعياً الغالب في مباحث علم النحو. قال العلامة الأمير في شرح هذا التعريف: "هو اقتصار على غالب، وإلا فيعرف به - أي النحو- أحوال غير الكلمات؛ كالجمل التي لا محل لها من الإعراب، والتي لها محل، وكأحكام جملة الصلة من حيث العائد، وكونها لا تكون جملة إنشائية، وكذا جملة النعت والخبر.
واقتصر في هذا التعريف على حال الإعراب والبناء، مع أن النحو يبحث فيه عن أحوال غير هذا الحال مراعاة للغالب أيضاً".
قال العلامة الأمير: "وقولهم: إعراباً وبناء اقتصار على غالب، وإلا فيعرف به أحوال الكلم من غير أحوال الإعراب والبناء، كـ "إنَّ" من جهة كسر همزها أو فتحها، أو تخفيفها، أو شروط عملها، وشروط عمل بقية النواسخ، وكالعائد من حيث حذفه وعدمه، وغير ذلك".
وصرح بعد هذا كئير من النحاة بأن علم النحو يبحث عن أحوال الألفاظ
стр. 2676
من حيث دلالتها على المعاني التركيبية؛ أي: المعاني التي تستفاد من إسناد بعض الكلم إلى بعض، وهذا أبو إسحاق الشاطبي يقول في "شرح الخلاصة":
"وهو - أي النحو - في الاصلاح: علم بالأحوال والأشكال التي بها تدل ألفاظ العرب على المعاني، ويعني بالأحوال: وضع الألفاظ من حيث دلالتها على المعاني التركيبية؛ أي: المعاني التي تستفاد بالأشكال ما يعرض في آخر طرفي اللفظ ووسطه من الآثار والتغييرات التي تدل بها ألفاظ العرب على المعاني"، فانظر إلى قوله "علم بالأحوال والأشكال"، وإلى تفسيره الأحوال بأنها وضع الألفاظ بعضها مع بعض، فذلك صريح بأن النحاة لا يقصرون بحثهم على الإعراب والبناء.
وهذا السيد الجرجاني قد ذكر في "شرح المفتاح" علوم الأدب التي تبحث عن المركبات، فقال: "وأما عن المركبات على الإطلاق، فأما باعتبار هيئتها التركيبية، وتأديتها لمعانيها الأصلية، فعلم النحو، وأما باعتبار إفادتها لمعان مغايرة لأصل المعنى، فعلم المعاني".
فانظر كيف جعل موضوع علم النحو: المركبات باعتبار هيئتها التركيبية، وتأديتها لمعانيها الأصلية، ولم يقل: يبحث عن الكلم باعتبار ما يعرض لها من الإعراب والبناء.
وكذلك ترى ابن سيده اللغوي قد تناول النحو بشرح يجعل موضوعه أوسع من أحوال الإعراب والبناء، فقال: "النحو أخذ من قولهم: انتحاه: إذا قصده. إنما هو انتحاء سمتِ كلام العرب من إعراب وغيره؛ كالتثنية والجمع والتصغير والتكسير والإضافة والنسب؛ ليلحق به من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة، فينطق بها".
стр. 2677
وكذلك يقول ابن كمال باشا في رسالة تعرض فيها للتفرقة بين موضوع علم النحو وعلم المعاني: "ويشارك النحوي صاحب المعاني في البحث عن المركبات، إلا أن النحوي يبحث عنها من جهة هيئتها التركيبية صحة وفساداً، ودلالة تلك الهيئات على معانيها الوضعية على وجه السداد، وصاحب المعاني يبحث عنها من جهة حسن النظم المعبر عنه بالفصاحة في التركيب، وقبحه"، وقال: "فما يبحث عنه في علم النحو من جهة الصحة والفساد، يبحث عنه في علم المعاني من جهة الحسن والقبح، وهذا معنى كون علم المعاني تمام علم النحو". وهذا صريح في أن بحث علم النحو لا يقف به النحويون عند حد الإعراب والبناء، ولا يجعلونه دائراً على هذا الحال كما يدعي صاحب كتاب "إحياء النحو".
وإذا رجعنا إلى الكاتبين في حقائق العلوم وموضوعاتها، وجدناهم لا يفهمون إلا أن النحاة يبحثون عن أحوال الكلم من حيث دلالتها على المعاني التركيبية، فصاحب "كشاف اصطلاحات الفنون" يقول:
"علم النحو، ويسمى: علم الاعراب - على ما في شرح اللب - وهو: علم يعرف به كيفية التركيب العربي صحة وسقماً"، ثم قال: "والغرض منه: الاحتراز عن الخطأ في التأليف، والاقتدار على فهمه، والإفهام به"، ومعنى هذا: أن النحو قوانين يعرف بها أحوال التركيب؛ من نحو: الترتيب والذكر والحذف والإعراب والبناء.
وسلك صاحب "مدينة العلوم" هذا المسلك، فعرف النحو: بأنه علم باحث عن أحوال المركبات من حيث دلالتها على المعاني التركيبية النسبية، وقال: "وغايته: الاحتراز عن الخطأ في تطبيق التراكيب العربية على المعاني
стр. 2678
الوضعية الأصلية"، ولو كان موضوع علم النحو عندهم محصوراً في حال الإعراب والبناء، لما كان علم النحو كافياً في تطبيق التراكيب العربية على المعاني الوضعية الأصلية.
وهؤلاء البيانيون يعدون فيما يخل بفصاحة الكلام التعقيد اللفظي، ويذكرون أن التعقيد يحصل بأحد أمرين:
أولهما: ضعف التأليف، وهو أن يكون الكلام مخالفاً لقوانين علم النحو؛ كالفصل بين المبتدأ والخبر، أو النعت والمنعوت، بأجنبي.
ثانيهما: اجتماع أمور كل واحد منها جائز، ولكنه خلاف الأصل؛ كتقديم المفعول على الفاعل، والمستثنى على المستثنى منه، والخبر على المبتدأ، ويقولون بعد هذا: إن كلاً من الأمرين - أعني: ضعف التأليف، ومخالفة الأصل - يعرف بعلم النحو.
ولا يصح لنا أن نتهم هؤلاء البيانيين بأنهم لم يكونوا على بينة من علم النحو، أو أنهم أحالوا عليه أشياء لا تحتوي عليها كتبه.
ثم قال المؤلف في (ص ١) "فإن النحو - كما نرى، وكما يجب أن يكون - هو قانون تأليف الكلام، وبيان لكل ما يجب أن تكون عليه الكلمة في الجملة، والجملة مع الجمل، حتى تتسق العبارة، ويمكن أن تؤدي معناها".
حقق النحاة النظر في علم النحو، وعرفوه كما يجب أن يكون، وقالوا: إنه يبحث عن أحوال التركيب، ويبين ما تكون عليه الكلمة في الجملة، والجملة مع الجمل، حتى يكون الكلام مطابقاً للمعاني الوضعية الأصلية.
وقال المؤلف في (ص ٢): "فالنحاة حين قصروا النحو على أواخر الكلمات، وعلى تعرف أحكامها، قد ضيقوا من حدوده الواسعة، وسلكوا
стр. 2679
به طريقاً منحرفة إلى غاية قاصرة، وضيعوا كثيراً من أحكام نظم الكلام، وأسرار تأليف العبارة".
لم يقصر النحاة النحو على أواخر الكلمات وتعرفِ أحكامها، بل بحثوا في أحكام تأليف الكلام؛ من نحو: التقديم والتأخير، والذكر والحذف، واتصال بعض الكلم ببعض، وانفصاله منه، ولا يكاد باب من أبواب النحو يخلو من البحث في التراكيب من هذه الناحية، ولعل الدارس لعلم النحو في كتبه المبسوطة، يخرج منها وهو على ثقة من أنهم قد أعطوا ناحية تأليف الكلام حقها، فلا يعرض له أسلوب من الكلام إلا نقده بما استفاده من تلك الكتب، ويقضي بانطباقه على الأسلوب العربي، أو انحرافه عنه.
قال المؤلف في (ص ٣): "فطرق الإثبات والنفي، والتأكيد والتوقيت، والتقديم والتأخير، وغيرها من صور الكلام قد مروا بها من غير درس، إلا ما كان ماساً بالإعراب، أو متصلاً بأحكامه، وفاتهم لذلك كثير من فقه العربية، وتقدير أساليبها".
إذا ألقينا نظرة على علم النحو، وجدناه يبحث عن أحوال الجمل والمفردات من حيث وقوعها في التراكيب، أو عن الأحوال التي يكون بها التركيب مطابقاً للمعاني الوضعية الأصلية، أما الجمل، فنحو الجملة التي تقع خبراً، أو حالاً، أو صفة، أو معطوفة، أو شرطاً، أو جزاء، أو جواب قسم، أو مضافا إليه، أو مفعولاً ثانياً لنحو: علمت وظننت، ولم يقصر النحاة بحثهم في هذه الجمل على جهة الإعراب، بل بحثوا عن أحكامها من جهات أخرى؛ ككونها خبرية أو إنشائية اسمية أو فعلية، مقيدة بنوع خاص من الألفاظ أو مطلقة، كما بحثوا عنها من جهة موقعها في نظم الكلام، أو من جهة ما تتصل
стр. 2680
به من الألفاظ أو من جهة وجوب الحذف وامتناعه أو جوازه.
فيقولون لك - مثلاً -: إن جملة الخبر أو الوصف أو الصلة لا تكون إنشائية، وإن جملة الجزاء لا تتقدم على الشرط، وجملة الصلة لا تتقدم على الموصول، ويحدثونك عن حكم عطف الجملة الإسمية على الفعلية، وعطف الإنشائية على الخبرية، ويقولون لك: إن جملة الجزاء إذا كانت إسمية أو إنشائية، وجب قرنها بالفاء، ويدلونك على مواضع حذف جملة الشرط أو الجزاء أو جواب القسم.
وأما المفردات، فيبحثون عن المفرد الذي يقع مبتدأً أو خبراً، أو فاعلاً، أو مفعولاً، أو حالاً، أو تمييزاً، أو مضافاً إليه أو مجروراً بحرف، ولا يقصرون بحثهم فيه على جهة الإعراب، بل يبحثون عن حال المبتدأ والحال والتابع - مثلاً - من جهة التنكير والتعريف، وعن الخبر والفاعل والمفعول والحال والتمييز والتابع من جهة التقديم والتأخير، وعن هذه الأنواع وغيرها من جهة الحذف والذكر، ويبحثون عن نوع الكلم التي يتصل بها كل من الحروف الرابطة بين الكلم، فيقولون لك - مثلاً -: إن حروف القسم، وكاف التشبيه، ومذ ومنذ لا تدخل على الضمائر، وإن "ربَّ" مختصة بالنكرات، وإن حيث وإذ لا يضافان إلا إلى جمل الأفعال، وتراهم يبسطون القول في حكم المضارع الذي يقع خبراً لكاد وعسى وأخواتها من جهة اتصاله بأَنْ.
قال المؤلف في (ص ٣): "نعم، ربما تعرضوا لشيء من هذه الأحكام حين يضطرون إليها لبيان الإعراب وتكميل أحكامه، فقد تكلموا في وجوب الصدارة لأسماء الاستفهام وبعض أدوات النفي، حين أرادوا شرح التعليق، وبيان مواضعه، ولزمهم أن يحصوا من الأدوات ما يحجب ما قبله عن
стр. 2681
العمل فيما بعدمه".
والمعروف أن النحاة يتكلمون عما تجب له الصدارة في أبواب غير بحث التعليق، فيقولون في باب المبتدأ والخبر: يجب تقديم المبتدأ إذا كان مشتملاً على ماله الصدر، ويجب تقديم الخبر إذا كان متضمناً ماله الصدر (١)، ويذكر بعضهم في هذا الباب بعض ماله الصدارة؛ من نحو: الشرط والعرض والتمني (٢)، ويقولون في باب الجوازم: إن الشرط له الصدارة (٣)، ويقولون في باب كم وكأين: إن كم الخبرية والاستفهامية يلزمان الصدارة.
وقال ابن حاجب في فصل عقده لحروف التحضيض: حروف التحضيض: هلا، وألا، ولولا، ولوما، لها صدر الكلام.
قال المؤلف: "وبينوا بعض الأدوات التي يجب أن يليها فعل، والتي لا يليها إلا اسم، حين أرادوا تفصيل أحكام الاشتغال". المعروف أن النحاة يتكلمون عن الأدوات من جهة ما تتصل به من فعل أو اسم؛ في مواضع غير باب الاشتغال، فقد قالوا في بحث حروف التحضيض هلا وألا ولولا ولوما إنها تلزم الفعل لفظاً أو تقديراً، وقالوا في بحث حروف الاستفهام: إن الهمزة وهل تدخلان على الجملة الاسمية والفعلية (٤)، وقالوا في بحث لو: إنها تختص بالفعل كإن الشرطية (٥).
стр. 2682
وقال المؤلف: "ولكن هذه المباحث جاءت متفرقة على الأبواب، تابعة لغيرها، فلم يُستوف درسها، ولا أُحيطَ بأحكامها".
قال لنا المؤلف: إن النحاة ذكروا ما يجب له الصدارة من أسماء الاستفهام وبعض أدوات النفي في بحث التعليق، وذكروا الأدوات التي يجب أن يليها فعل، والتي لا يليها إلا اسم في باب الاشتغال، واستخرج من هذا نتيجة، هي: أنهم لم يستوفوا درس هذه المباحث، ولا أحاطوا بأحكامها، وقد عرفت أنهم تكلموا عنها في غير بحث التعليق وباب الاشتغال، وكان على الأستاذ أن يذكر لنا شيئاً من الوجوه التي فاتتهم دراستها، أو شيئاً من الأحكام التي ظفر بها من الكلام العربي، ولم يتعرضوا له، ولو فعل شيئاً من هذا، لكان قوله: "فلم يستوف درسها، ولا أحيط بأحكامها" نتيجة يعترف المنطق الصحيح بصدقها.
ثم تكلم الأستاذ على النفي من جهة أنه كثير الدوران في كلام العرب، مختلف الأساليب، متعدد الأدوات، وذكر أن النحاة درسوه مفرقاً على أبواب الإعراب، ممزقاً، وأخذ يتحدث عن هذه الأدوات التي هي: ليس، وما، وإن، ولا، وغير، وإلا، ولم، ولن، ولما. فلم يرض عن أن تدرس "لا" فيما ألحق بكان، ثم فيما ألحق بأنَّ، ولا أن تدرس "غير، وإلا، وليس" في باب الاستثناء، ولا أن تدرس "لن" في نواصب الفعل، "ولم، ولما" في جوازمه، ثم قال: "درست هذه الأدوات - كما ترى - مفرقة، ووجهت العناية كلها إلى بيان ما تحدث من أثر في الإعراب، وأغفل شر إغفال درس معانيها، وخاصة كل أداة في النفي، وفرق ما بينها وبين غيرها في الاستعمال، ولو أنها جمعت في باب، وقرنت أساليبها، ثم ووزن بينها، وبين منها ما ينفى الحال،
стр. 2683
وما ينفي الاستقبال، وما ينفى الماضي، وما يكون نفيا لمفرد، وما يكون نفياً لجملة، وما يخص الاسم، وما يخص الفعل، وما يتكرر، لأحطنا بأحكام النفي، وفقهنا أساليبها، ولظهر لنا من خصائص العربية ودقتها في الأداء شيء كثير أغفله النحاة، وكان علينا ان نتبعه ونبينه".
شأن علم النحو البحث عن أحوال ألفاظ من حيث دخولها في التركيب؛ مثل: تقديم اللفظ أو تاخيره، واتصاله أو انفصاله، وحذفه أو إثباته، وزيادته أو إفادته لمعنى، وإعرابه أو بنائه، وعمله في غيره أو إهماله عن العمل، فإذا درس النحاة حروف النفي في أبواب متفرقة، فذلك ما يناسب موضوع علمهم، إذ يذكرون الألفاظ في مقام البحث عن حال يعرض للفظ عند وقوعه في تركيب، وليس هناك حال يعرض لأدوات النفي عند التركيب، ويكون جارياً في جميع هذه الأدوات، وإنما نجد من الأحوال التي تعرض عند التركيب ما يتناول بعض أدوات النفي وغيرها من الكلم؛ كرفع الاسم ونصب الخبر يعرض لفعل نفي، وهو ليس، وأحرف نفي، وهي: ما، وإن، ولا، ولبعض أفعال الإثبات، وهي: كان وبقية أخواتها.
ولا شك أن هذه الوجوه التي تشترك فيها حروف النفي مع غيرها هي أشد صلة بعلم النحو من مجرد الاشتراك في أصل المعنى الذي وضع له اللفظ.
والواقع أن البحث عن معاني الحروف والأدوات لا يدخل في صلب علم النحو؛ إذ لم يكن بحثاً عن أحوال اللفظ من جهة وقوعه في التركيب، بل هو بحث عن المعاني التي وضعت لها هذه الكلم -؛ أعني: الحروف -، فهو إلى علم اللغة أقرب منه إلى علم النحو، ولكن النحويين لاحظوا أن هذه
стр. 2684
الحروف روابط للتراكيب، فتعرضوا لمعانيها عند البحث عن الحال الذي يعرض لها عند التركيب؛ كالعمل أو الإعراب أو البناء أو الزيادة.
قال المؤلف: "ومثل النفي في ذلك التوكيد، يدرسونه في "باب: إن"، ويقرنون بأن المؤكدة "أن" الواصلة، و"ليت" المتمنية؛ لأنها أدوات تتماثل في العمل، وإن تباعد ما بينها في المعنى والغرض، وفي باب الفعل يذكرون نوني التوكيد وأحكامهما؛ لأثرهما في إعرابه، وفي بحث التوابع يجعلون للتوكيد باباً خاصاً يذكرون فيه عدداً من الكلمات حكمها في الإعراب حكم ما قبلها، ولو جمعت أساليب التوكيد في العربية، ما ذكر هنا، وما لم يذكر، وبين ما يكون تنبيهاً للسامع، وما يكون توكيداً للخبر، وما يكون تقوية لرغبة، لكان أقرب إلى أن تدرس كل أنواع التوكيد، ويبين لكل نوع موضعه، ولكان أدنى إلى توضيح أساليب العربية وسرها في التعبير".
فعل النحويون في التوكيد وأدواته ما يناسب صناعتهم، قرنوا إن بأن الواصلة، وليت المتمنية؛ لاشتراك الأحرف الثلاثة في حال يعرض لها بالتركيب، وهو نصب الاسم ورفع الخبر، وأوردوا الكلمات التي تستعمل للتوكيد؛ مثل: كل، وأجمع في بحث التوابع؛ لمماثلتها للتوابع في حكم ما يعرض لها بالتركيب، وهو موافقة ما قبلها في الإعراب، وذكروا نوني التوكيد في بحث الفعل حيث كان لهما عند الاتصال بالفعل أحكام خاصة لا يشاركهما فيها غيرهما من أدوات التوكيد، وهو إعراب الفعل الذي يتصلان به أو بناؤه على الوجه المعروف في ذلك البحث.
ولو سلك النحاة في ألفاظ التوكيد هذا الطريق الذي أشار به المؤلف، فجمعوها في باب، لم يكن من اللائق بصناعتهم أن يقتصروا على بيان معانيها
стр. 2685
الذي هو في الواقع من موضوع علم اللغة، ولو تعرضوا في كل لفظ إلى الحكم الذي يعرض له في التراكيب؛ كأن يذكروا عمل "إن" في الاسم والخبر في البحث عن حروف التوكيد، ويذكروا عمل "ليت" كذلك في حروف التمني، وعمل "كأن" في بحث حروف التشبيه، وعمل "لكن" في بحث الاستدراك، لتشتت الكلام في الأحوال التي يعد البحث فيها من صلب علم النحو، وهي رفع: الاسم والخبر، وما يعرض لهما من نحو الترتيب والذكر والحذف.
ثم قال المؤلف: "والزمن جعله النحاة ثلاثة أنواع: الماضي، والحال، والمستقبل، وجعلوا للدلالة عليها صيغتين فقط: الفعل الماضي، والفعل المضارع، وكفاهم ذلك؛ لأن أحكام الإعراب لا تكلفهم أكثر منه، ولم يحيطوا بشيء من أنواع الزمن، وأساليب الدلالة عليه، وهي في العربية أوسع وأدق، يدل على الزمن بالفعل وبالاسم، وبالفعل والفعل، وبالفعل والاسم وبالحرف، ولكل اسلوب من هذه جزء من الزمن محدود يدل عليه".
ثم قال المؤلف: "وليس لهذه الأبحاث من موضع يجب أن تفصل فيه وتبين أحكامها إلا علم النحو".
قد عرفت أن علم النحو أحد العلوم العربية، لا أنه كل العلوم العربية؛ فإن علماء العربية يقسمون البحث في اللغة إلى علوم، فيقولون: البحث فيها إما عن المفردات من حيث جواهرها وموادها وهيئتها، فعلم اللغة، أو من حيث صورها وهيئتها فقط، فعلم الصرف، أو من حيث انتساب بعضها ببعض بالأصالة والفرعية، فعلم الاشتقاق، وأما عن المركبات فباعتبار هيئتها التركيبية، وتأديتها لمعانيها الأصلية، فعلم النحو، وأما باعتبار تأديتها لمعان مغايرة لأصل المعنى، فعلم المعاني، وأما باعتبار كيفية تلك الإفادة في مراتب
стр. 2686
الوضوح، فعلم البيان (١).
فهناك نحو، ولغة، وصرف، ومعان، وبيان، ولكل علم من هذه العلوم حد لا يتعداه، وعلم النحو من بينها إنما يبحث عن الألفاظ باعتبار هيئتها التركيبية، وتأديتها لمعانيها الأصلية، فنظره يتوجه إلى الأحوال التي تعرض للألفاظ عند تأليفها، وهذا لا يستدعي أن تجمع الكلمات المشتركة في الدلالة على معنى وضعت له، في بحث، إلا أن تشترك بعد ذلك في وجه من الوجوه التي يتناولها موضوع علم النحو، وهي الأحوال التي تعرض للألفاظ من حيث التركيب، وتأدية المعاني الأصلية.
ثم أعاد الأستاذ دعوى أن النحاة قصروا النحو على البحث في أواخر الكلم، وقال: "قد أخطؤوا إلى العربية من وجهين"، وقال: "الأول -؛ أي: من الوجهين - أنهم حين حددوا النحو، وضيقوا بحثه، حرموا أنفسهم وحرمونا إذ اتبعناهم، من الاطلاع على كثير من أسرار العربية وأساليبها المتنوعة، ومقدرتها في التعبير، فبقيت هذه الأسرار مجهولة، ولم نزل نقرأ العربية ونحفظها ونرويها، ونزعم أننا نفهمها، ونحيط بما فيها من إشارة، وما لأساليبها من دلالة، والحق أنه يخفى علينا كثير من فقه أساليبها، ومن دقائق التصوير بها".
قد أريناك أن النحاة لم يقصروا النحو على البحث في أواخر الكلم، وأنهم بحثوا في أحوال التأليف من كل ناحية تدخل في موضوع علمهم، ولا يسلم للمؤلف أنهم حرموا أنفسهم، وحرموا من اتبعهم، من الاطلاع على كثير من أسرار العربية وأساليبها المتنوعة، وإليك التحقيق:
стр. 2687
للنظر في أسلوب الكلام العربي جهتان:
أولاهما: جهة صحة تأليف الكلام بحيث لا يعد صاحبه خارجاً عن العربية، محكوماً عليه باللحن، وبعبارة أخرى: يكون الكلام مطابقاً لأحد الأساليب التي يؤدي بها العرب المعنى الأصلي بليغاً أو غير بليغ، وهذه الجهة هي التي يبحث عنها النحاة.
الثانية: جهة أخذ الكلام مرتبة من المراتب الزائدة على صحة التاليف عربية؛ أعني: مراتب حسن البيان، وهذه الجهة هي التي يبحث عنها علماء البلاغة.
وإذا درسنا كتب النحاة، وكتب البيان بإنصاف، وجدنا كلاً من الطائفتين قد قطعوا في البحث عن فقه الأساليب ودقائق التصوير بها أشواطاً واسعة، وبلغوا فيها إلى غايات بعيدة، فدعوى أنهم حرموا أنفسهم، أو حرموا أتباعهم من الاطلاع على كثير من أسرار العربية، مبنية على أن النحاة قد ضيقوا بحث علم النحو، وقد أريناك أنهم لم يضيقوه، ولكنهم لم يريدوا أن يتعدوا حدوده إلى موضوعات يبحث عنها في علوم أخرى؛ كعلم اللغة وفقهها، أو علوم البلاغة.
وأشار الأستاذ إلى الوجه الثاني من الوجوه التي أخطأ فيها النحاة إلى العربية من أجل قصرهم النحو على البحث في أواخر الكلم، فقال: "الثاني: أنهم رسموا للنحو طريقة لفظية، فاهتموا ببيان الأحوال المختلفة للفظ؛ من رفع أو نصب، من غير فطنة لما يتبع هذه الأوجه من أثر في المعنى. يجيزون في الكلام وجهين أو أكثر من أوجه الإعراب، ولا يشيرون إلى ما يتبع كل وجه من أثر في رسم المعنى وتصويره. وبهذا يشتد جدلهم، ويطول احتجاجهم،
стр. 2688
ثم لا ينتهون إلى كلمة فاصلة".
النحاة يبحثون عن الأساليب التي لا يقال للناطق بها: قد جئت بما لا تتكلم به العرب، فإذا أجازوا في بعض التراكيب وجهين، أو وجوهاً من الإعراب، فمعنى ذلك: أن هذين الوجهين، أو تلك الوجوه قد تكلم بها العرب عند تأدية المعنى الأصلي لذلك التركيب، يقولون هذا، ولا ينفون أن يكون لكل وجه من الوجهين أو الوجوه أثر في تصوير المعنى الأصلي يغاير الآثار التي قد يحدثها غيره من الوجوه، فهم إذا اختلفوا في وجه من وجوه الإعراب يجيزه طائفة، ويمنعه آخرون، فإن اختلافهم يرجع إلى أن هذا الوجه قد نطق به العرب في مثل هذا التركيب، أو لم ينطقوا، وبعد أن يقوم الشاهد على جواز وجهين أو وجوه في التركيب، قد ينبهون إلى ما يفترق به الوجهان أو الوجوه من الأثر في رسم المعنى الأصلي وتصويره، وإن صح أنهم لم ينتهوا في جدلهم إلى كلمة فاصلة، فلأن المجيز لبعض الوجوه لم يقم الشاهد المقنع لخصمه من كلام فصيح، أو قياس صحيح.
* وجهات البحث النحوي:
ذكر المؤلف شدة عناية العرب بالإعراب، وساق على ذلك شواهد، وتخلص منها إلى وصف النحاة بأنهم أطالوا مراقبة أواخر الكلمات، وأنهم قد يختلفون فيها، ويتجادلون عندها، ثم قال: "وطول هذه المراقبة، ودأبهم عليها هداهم إلى كشف سر من أسرار العربية عظيم، وهو أن هذه الحركات ترجع إلى علل وأسباب يطرد حكمها في الكلام، ويمكن الرجوع إليها، والاحتجاج بها، وقد أعجبوا بهذا الكشف إعجاباً عظيماً، فألحوا في الدرس، وفي تتبع الأواخر، والكشف عن أسرار تبديلها، وسموا ما كشفوا أول الأمر:
стр. 2689
علل الاعراب، أو: علل النحو، ثم لم يلبثوا أن أوجزوا، فسموها: علم النحو، أو الإعراب".
العلل التي يذكرها النحاة على أن العرب راعتها، وبنت عليها أحكام ألفاظها ترجع إلى ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يقرب مأخذه، ويتلقاه النظر بالقبول؛ كما وجهوا تحريك بعض الحروف والساكنة بالتخلص من التقاء الساكنين، ووجهوا حذف أحد الحرفين المتماثلين بطلب الخفة.
ثانيهما: ما يكون من قبيل الفرضيات التي لا تستطيع أن تردها على قائلها، كما أنك لا تضعها بمحل العلم، أو الظن القريب منه، كما قالوا في وجه بناء قبلُ وبعدُ: إنهما شابها الحرف في احتياجهما إلى المحذوف، وهو المضاف إليه.
ثالثها: ما يجري فيه بعض النحاة على ما يشبه التخييل، ويسهل عليك أن ترده على صاحبه، وأنت واثق من أنك دفعت عن العلم شيئاً لا يتصل بأول منه ولا بآخر، ومن هذا القبيل - فيما أرى -: قول بعضهم في تعليل عدم جواز اتصال الضمير الثاني في نحو: أعطاه إياك، فلا تقول: أعطاهك؛ بأن الضمير الثاني أشرف أنه أعرف، فيأنف من كونه متعلقاً بما هو أدنى منه.
أما النوعان الثاني والثالث، فلا يدخلان في صلب العلم، ولا ملحه، وأما النوع الأول، فهو الذي يصح أن يدخل في علم النحو على أنه من أسرار أحكامه، والنحاة يعدونه في المرتبة الثانية، ومنهم من يصرح بأنه ليس من مقصود علم النحو.
قال أبو إسحق الشاطبي في "شرح الخلاصة": "وعلم النحو يحتوي
стр. 2690
على نوعين من الكلام"، وذكر أول النوعين، وهو إحراز اللفظ عند التركيب عن التحريف والزيغ عن معتاد العرب في نطقها، ثم قال: "والنوع الثاني: التنبيه على أصول تلك القوانين، وعلل تلك المقاييس والأنحاء التي نحت العرب في كلامها وتصرفاتها مأخوذاً ذلك من استقراء كلامها، وهذا النوع مهم، وليس بواجب، ولا هو المقصود من علم النحو، فلذلك لم يتعرض له الناظم (يعني: ابن مالك)؛ إذ لا ينبني عليه من حيث انتحاء سمة كلام العرب شيء، لكن لما كان هذا النوع لائقاً بغرض الشرح، لم أخل هذا الكتاب (يعني: شرحه للخلاصة) منه".
وتحدث المؤلف بعد هذا على كتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة، ووصفه بأنه حاول أن يبين ما في الجملة العربية من تقديم أو تأخير، أو حذف، أو غيرها، ثم قال:
"ولكن النحاة - والناس من ورائهم كانوا قد شغلوا بسيبويه ونحوه، وفتنوا به كل الفتنة"، وقال: "فلم تتجه عنايتهم إلى شيء مما كشف عنه أبو عبيدة في كتابه "مجاز القرآن"، وأُهمل الكتاب، ونُسي"، ثم نقل المؤلف نحو ثلاث صفحات مما جاء في مجاز أبي عبيدة، ليبين بها كيف كان أبو عبيدة يتكلم عما يتجاوز آخر الكلمة وحكم إعرابها من سر العربية، ونظم تأليفها".
لم يرد أبو عبيدة بتأليف "مجاز القرآن" البحث عن قوانين النحو، وإنما أراد بيان ما قد يخفى فهمه من الآيات، فيقف الذهن مستكشفاً عنه، فذكر وجوهاً يدل بها على المعنى الذي يطابق استعمال الكلمات أو الجمل عربية، أو وجوهاً ينبه بها القارئ على شيء من حسن بيان الآية، وأخذها
стр. 2691
من البلاغة مكانتها السامية.
وإذا نظرنا في هذه الصفحات الثلاث التي نقلها المؤلف من كتاب "مجاز القرآن"، وجدناها تشتمل على سبعة أحكام تتعلق بالأساليب.
أولها: إيراد الضمير مفرداً في سياق الحديث عن أمرين أو أمور، فذكر أنه قد يراعى في هذا الضمير الأول؛ كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا (١١)﴾ [الجمعة: ١١]، وقد يراعى في استعماله الأمر الأخير؛ كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢].
وقد تعرض النحاة لمثل هذا البحث، إذ ذكروا في بحث الضمير شرط مطابقته لمرجعه من جهة التذكير والتأنيث والإفراد والجمع، وأوردوا آيات جاء فيها الضمير مفرداً، ومرجعه فيما يظهر متعدد، وتأولوها على وجوه لا تنافي شرط المطابقة؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ومن الوجوه التي ذهبوا إليها في الآية: أن عود الضمير على أحدهما لا يخل بالمعنى؛ لأن في إرضاء الله إرضاء الرسول، وفي إرضاء الرسول إرضاء الله.
ثانيها: ما عبر عنه أبو عبيدة بمخاطبة الغائب، ومعناه: الشاهد، وقال في قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢] مجازه: هذا القرآن. واستعمال أسماء الإشارة الموضوعة للبعيد، في مشار إليه قريب، قد تعرض له علماء المعاني، وجعلوه من موضوع علمهم (١).
ومن النحويين من يتعرض له، ويسوقه في تأليفه النحوي على طريق البسط، ومن هؤلاء: العلامة الرضي؛ فقد بحث في وجوه استعمال الإشارة،
стр. 2692
وتعرض لاستعمال اسم الإشارة البعيد في مشار إليه قريب، وقال في أثناء البحث: "ويجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]، من باب عظمة المشار إليه، أو المشير (١).
ثالثها: الانتقال من مخاطبة الشاهد إلى مخاطبة الغائب، قال هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢]، وقد أشار بهذا إلى النوع المسمى: بالالتفات، والالتفات قد تناوله علماء الأدب في القديم؛ كابن المعتز، وقدامة، وأدخلوه في مباحث علم البيان.
وإذا ترك النحاة البحث في الالتفات إلى علماء البديع، فلأنه يرجع إلى وجه من وجوه حسن البيان، وقد وجهوا أنظارهم إلى استعمال الضمير مكان آخر يوافقه في المعنى، كما بحثوا عن صحة مثل قولك: أنت الذي أكرمتني، أو أنا الذي قمت، مكان: أنت الذي أكرمني، وأنا الذي قام، فأجازوه، وبحثوا عن مثل قولك: الذي أكرمتك أنا، أو الذي أكرمتني أنت، فمنعوه، فالحق أن النحاة لم يتركوا البحث عن وجه من وجوه نظم الكلام إلا أن يدعوه لفن يرونه أحق به من فنهم.
رابعها: التكرار للتوكيد، فقال: "ومن مجاز المكرر للتوكيد قال: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] أعاد الرؤية، وقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤] أعاد اللفظ".
وقد تحدث النحاة في باب التوكيد عن هذا النوع المسمى عندهم: التوكيد اللفظي؛ من جهة أنه يتبع المؤكد في إعرابه، أو من جهة أنه أسلوب
стр. 2693
عربي صحيح، وساقوا عليه شواهد من القرآن والحديث والشعر، وتحدث عنه البيانيون في بحث توكيد المسند إليه من جهة ما يقتضيه من الأحوال.
خامسها: تقديم المؤخر، وتأخير المقدم، وساق عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾، وقال: "أراد: ربت، واهتزت".
والنحاة يتعرضون لمثل هذا بما يقولونه من أن العطف بالواو لا يفيد ترتيباً، فيجوز لك أن تعطف بها المتأخر في الواقع عن المتقدم، ولا تعد بما فعلت مخطئاً الأسلوب العربي.
وإذا أجاز النحاة تقديم المؤخر على معنى أنه لا يخرج بنظم الكلام عن الأسلوب العربي الصحيح، بقي للباحث عن البلاغة النظر في وجه تقديم كذا في النظم، وهو مؤخر في المعنى.
سادسها: أن يكون الحديث عن سبب شيء، فتحول الحديث عن السبب إلى الشيء نفسه، قال: هذا في معنى قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]؛ فإنه حول الخبر، وهو وقوله ﴿خَاضِعِينَ﴾ عن الأعناق إلى من أضيفت إليهم الأعناق.
وقد تعرض النحاة في بحث جمع المذكر السالم لوجه ورود ﴿خَاضِعِينَ﴾ في الآية وصفاً للأعناق على خلاف المعروف من أن وصف غير العاقل لا يأتي على هذا الجمع، فقال الرضي: "وقد شبه غير أولي العلم بأولي العلم في الصفات إذا كان مصدر تلك الصفات من أفعال العلماء؛ كقوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾، وقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، ومثله في الفعل: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].
стр. 2694
سابعها: حذف حرف النداء، قاله في تفسير قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].
وحذف حرف النداء من الأحكام التي يذكرها النحاة في باب النداء.
ثامنها: زيادة "لا" النافية. قال في تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] مجازه: غير المغضوب عليهم والضالين.
وقد بحث النحاة في حروف الزيادة، وأتوا على مواضع زيادتها، ومما تناولوه في بحثهم: زيادة حرف "لا"، وذكروا في الحديث عن مواضع زيادتها: أنها تزاد بعد حرف العطف.
ثم أخذ المؤلف في حديث عن الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ونقل ما كتبه في "دلائل الإعجاز" عن معنى النظم، وخرج منه باعتقاد أن الشيخ قد رسم في كتابه المذكور "طريقاً جديداً للبحث النحوي، تجاوز أواخر الكلم وعلامات الإعراب".
ونحن نسوق إليك عبارات الشيخ التي حملها المؤلف على أنها تنبيه لطريق جديد للبحث في النحو، ونريك أن غرض الشيخ في ناحية غير الناحية التي نظر إليها المؤلف عند تفهم كلامه.
قال الشيخ عبد القاهر في (صفحة ٦١) من الكتاب المذكور:
"واعلم أنه ليس النظم إلا أن تضع الكلام الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت، فلا تخلّ بشيء منها".
موضوع حديث الشيخ عبد القاهر: الفصاحة التي هي بمعنى البلاغة والبراعة، وهي الوصف الذي يقع به التفاضل في خصلة البيان.
стр. 2695
أراد الشيخ أن يحقق البحث عن منشأ هذه الفصاحة وموطنها، فأنكر أن تكون من صفات الألفاظ المفردة، والكلم المجردة، وقرر أنها من صفات الألفاظ باعتبار إفادتها المعاني عند التركيب.
وكلمة النظم يطلقها الشيخ، ويريد بها: تطبيق الكلام لمقتضى الحال، فيقول مرة: "النظم هو توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام"، ومعنى توخي معاني النحو: إيرادها على حسب الأغراض، ومعاني النحو هي: التقديم والتأخير، والحذف والذكر، والتكرار والإضمار، والتعريف والتنكير، ونحو ذلك. ويقول مرة: "ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله".
والقوانين التي أشار إليها هي أحكام المبتدأ والخبر، والفاعل والمفعول، والحال والتمييز، والمضاف والمضاف إليه، والتوابع، والشروط والجزاء، وغيرها، وأحكام هذه الأبواب ترجع إلى الإعراب، والتقديم والتأخير، والحذف والذكر، وغير ذلك مما يبحث عنه في علم النحو.
ومعنى وضع الكلام الموضع الذي يقتضيه علم النحو: أن تضع كل واحد من مفرداته ومركباته، موضعه الذي يقتضيه علم النحو، ووضع المفردات والمركبات على وفق النحو لا يكفي لارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول إلا بعد أن يفيد الأغراض التي تراد منه، ووضع المفردات والمركبات على وجه يفيد هذه الأغراض، قد تهدي إليه السليقة، وقد تساعد عليه معرفة علم المعاني.
ومعنى العمل على قوانين النحو: أن يكون تأليف الكلام على طبق قوانين النحو؛ بأن لا يرتكب فيه ضعف التأليف، أو التعقيد اللفظي، ولكن
стр. 2696
وضع المعاني النحوية التي هي الحذف ونحوه من التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير في مواضعها إنما يعرف بالملكة التي تتربى من كثرة كلام البلغاء، أو دراسة علم المعاني.
فكلام الشيخ عبد القاهر يشبه قول الزمخشري في مقدمة "المفصل" يمدح علم النحو: "وهو المرقاة المنصوبة إلى علم البيان، المطلع على نكت نظم القرآن".
ثم إن الشيخ عبد القاهر بعد أن قال: "أن تنظر في الخبر، وتنظر إلى الحروف؛ فتضع كلاً من ذلك في خاص معناه"، قال: "فتنظر في الجمل التي ترد، فتعرف موضع الفصل من موضع الوصل، وفي الوصل موضع الواو من الفاء، والفاء من ثم، إلى غير ذلك".
والمراد: أنك بعد أن تنظر إلى الوجوه التي تذكر في النحو؛ تعرف أن لكل واحد منها موضعاً مخصوصاً عند تركيب الكلام باعتبار إفادتها الأغراض المطلوبة منها، وتجيء بكل واحد في موضع ينبغي له.
والخلاصة: أن تنظر في الجمل التي تؤلف باعتبار العوارض التي يبحث عنها في علم النحو من العطف بالحروف المختلفة المعاني وتركه، فتعرف بالسليقة، أو بعلم المعاني موضع كل منها بحسب الأغراض المطلوبة منها، فتجيء به في موضعه.
وقد رأيت الشيخ كيف ذكر وجوهاً من تصرفات الخبر، ووجوهاً من تصرفات الشرط والجزاء، وأشار إلى حال التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، والحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، ونبه على أن النظم أن تضع كلاً من ذلك مكانه، وتستعمله على الصحة، وعلى ما ينبغي له، ثم قال:
стр. 2697
"ولست بواجد شيئاً يرجع صوابه إن كان صواباً، وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه".
فالنحوي يدلك على أن المبتدأ والمفعول - مثلاً - متى فهم بقرينة حال أو مقال، جاز حذفه، ولكن هذا المعنى النحوي الذي هو الحذف لا يأخذ به الكلام حكم الصواب عند البلغاء إلا أن تصيب به موضعاً من مواضعه المعروفة لدى السليقة العربية الصحيحة، أو الملم بالقوانين المبحوث عنها في فن البلاغة.
ومن الظاهر أن الشيخ عبد القاهر عندما ذكر أن النظم توخي معاني النحو، والعمل على قوانينه وأصوله، يريد: النحو الذي كتب فيه النحاة قبله، مثل: سيبويه، وأبي علي الفارسي، وابن جني، ويريد القوانين والأصول المقررة في كتب هؤلاء وأمثالهم، وليس من المحتمل أن يريد نحواً وقوانين وأصولاً لم يتكلم أو لم يحقق البحث فيها العلماء من قبله. ننفي هذا الاحتمال؛ لأنه يذكر النحاة وأصولهم وقوانينهم ذكرَ من هو راضٍ عنها، ولم يرمِهم كما رماهم المؤلف بإزهاق روح فكرة النحو، وعدم الاهتداء في أبحاثهم النحوية، ولو أن الشيخ عبد القاهر يريد أن يرسم طريقاً جديداً للنحو، لنبه -ولو بايماء ولطف- على أن النحاة ضيقوا دائرة النحو؛ وأهملوا جانباً من معانيه وأصوله.
وقد رأينا الشيخ عبد القاهر قد ألف في النحو مثل شرحه لكتاب الإيضاح الذي سماه: "المقتصد"، وذهب فيه مذهب النحاة من قبله ومن بعده في تقرير القواعد التي يستقيم بها التركيب، ويسلم بها من آفة الفساد، تاركين النظر فيه من جهة الفصاحة وحسن البيان إلى علماء البيان.
стр. 2698
وإذا قال الشيخ: إن النظم يعني البلاغة والبراعة أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، فهذا القول لاغبار عليه، ولا يقتضي أن رعاية قوانين النحو وحدها كافية في صوغ الكلام البليغ، أو فهم ما في الكلام من بلاغة عند سماعه، ذلك لأن النحو كما قدمنا يبحث عن المفردات والجمل من حيث هيئاتها التركيبية؛ فيفتح أمامك طرقاً متعددة للتعبير عن المعاني الوضعية، وليس من شأنه التعرض للأغراض التى يستدعي كل واحد منها طريقاً خاصاً، فما من غرض يعرض لك إلا وجدت له في النحو طريقاً تعبر به عنه، ولكن معرفة أن هذا الغرض يؤدى بهذا الطريق تحتاج فيه إلى وسيلة أخرى هي السليقة، أو تتبع علم المعاني، ونريد من الأغراض التي ليس من شأن علم النحو أن يبحث عنها: ما يسميه علماء البلاغة: المعاني التابعة؛ كالتعظيم يؤدى بالتركيب الذي يعبر فيه باسم الاشارة للبعيد، والتحقير يؤدى بالتركيب الذي يحذف فيه المسند إليه.
ودلالة الألفاظ على هذه الأغراض لم تكن بطريق الوضع، ولهذا لا يبحث عنها علماء اللغة أيضاً.
ذكر المؤلف: أن الشيخ عبد القاهر قد بلغ أقصى الجهد في تصوير رأيه وتوضيحه، وقال "فجمهور النحاة لم يزيدوا به في أبحاثهم النحوية حرفاً، ولا اهتدوا منه بشيء".
لم يزد النحاة بكتاب "دلائل الإعجاز" حرفاً؛ لأنه لم يؤلف في علم النحو، ولا قصد مؤلفه أن يزيد في علم النحو مسألة، وليست مباحثه مما تهدي إلى شيء من علم النحو.
وكيف يستقيم رأي المؤلف في أن عبد القاهر يقصد رسم طريق جديد
стр. 2699
في النحو، وعبد القاهر يدلنا في فاتحة كتابه أنه مؤلف في فن البيان؛ إذ قال بعد الحديث عن شرف العلم: "ثم إنك لا ترى علماً هو أرسخ أصلاً، وأبسق فرعاً، وأحلى جنى، وأعذب ورداً، وكرم نتاجاً، وأنور سراجاً، من علم البيان الذي لولاه، لم تر لساناً يحوك الوشي ... الخ".
وسمى الشيخ علم البيان: علمَ الفصاحة، فذكر أن القرآن كان معجزاً بالمزايا التي ظهرت في نظمه، والبدائع التي راعت العرب، وأنه يجب على العاقل أن يبحث عن تلك المزايا والبدائع ما هي؟ ولم هي؟ وكيف هي؟ ثم قال:
"ولا يمكن ذلك إلا بالبحث عن حقيقة المجاز والحقيقة، والاستعارة والتشبيه والتمثيل، وحقيقة النظم، والتقديم والتأخير، والإيجاز والحذف، والوصل والفصل، وسائر وجوه المحاسن المعتبرة في النظم والنثر"، ثم قال: "وإذا ثبت ذلك، كان العلم الباحث عن حقيقة الفصاحة، والكاشف عن ماهيتها، والمتفحص عن أقسامها؛ والمستخرج لشرائطها وأحكامها، والمقرر لمعاقدها وفصولها، والملخص المحرر لفروعها وأصولها، باحثاً عن أشرف المطالب الدينية، وأرفع المباحث اليقينية".
قال المؤلف: "وآخرون منهم أخذوا الأمثلة التي ضربها عبد القاهر بياناً لرأيه، وتأييداً لمذهبه، وجعلوها أصول علم البلاغة، سموه: علم المعاني، وفصلوه عن النحو فصلاً أزهق روح الفكرة، وذهب بنورها، وقد كان أبو بكر يبدي ويعيد أنها معاني النحو، فسموا علمهم: "المعاني"، وبتروا هذا الاسم البتر المضلل".
قد أريناك أن الشيخ عبد القاهر قد ذكر علم النحو، وقرر أن هناك علماً
стр. 2700
يسمى: علم البيان، وهو العلم الذي تحدث عنه بعدُ بأنه العلم الباحث عن حقيقة الفصاحة، وذكر في قبيل ما يبحث عنه في هذا العلم: المجاز والاستعارة، والتشبيه والتمثيل، وحقيقة النظم، والتقديم والتأخير، والإيجاز والحذف، والفصل والوصل ... إلخ.
ولا يصح أن يكون المراد من علم البيان: علم النحو؛ فإنه عد في موضوع علم البيان: المجاز والاستعارة، والتشبيه والتمثيل، ولا أظن المؤلف يقدم على دعوى أن هذه المباحث من قبيل علم النحو، فإن ظهر للمؤلف أن يترك المجاز والاستعارة ونحوها إلى علم البيان، ويأخذ مباحث التقديم والتأخير ونحوها إلى علم النحو، فإن هذا رأي المؤلف، لا رأي الشيخ عبد القاهر، وإذا كانت أحوال التركيب في الواقع نوعين:
أحوال يخلص بها الكلام من فساد البنية وعيب اللحن، وأحوال يرتفع بها شأن الكلام في الحسن، فليس لنا أن ننكر على علماء العربية إذا فصلوا بين النوعين، وجمعوا مباحث كل نوع منهما على جانب، وعدُّوه علماً مستقلاً، ذلك أن هذا الصنيع أقرب إلى تنظيم العلوم، ووضع مسائلها في سلك محكم من التناسب.