وضع المعاني النحوية التي هي الحذف ونحوه من التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير في مواضعها إنما يعرف بالملكة التي تتربى من كثرة كلام البلغاء، أو دراسة علم المعاني.
فكلام الشيخ عبد القاهر يشبه قول الزمخشري في مقدمة "المفصل" يمدح علم النحو: "وهو المرقاة المنصوبة إلى علم البيان، المطلع على نكت نظم القرآن".
ثم إن الشيخ عبد القاهر بعد أن قال: "أن تنظر في الخبر، وتنظر إلى الحروف؛ فتضع كلاً من ذلك في خاص معناه"، قال: "فتنظر في الجمل التي ترد، فتعرف موضع الفصل من موضع الوصل، وفي الوصل موضع الواو من الفاء، والفاء من ثم، إلى غير ذلك".
والمراد: أنك بعد أن تنظر إلى الوجوه التي تذكر في النحو؛ تعرف أن لكل واحد منها موضعاً مخصوصاً عند تركيب الكلام باعتبار إفادتها الأغراض المطلوبة منها، وتجيء بكل واحد في موضع ينبغي له.
والخلاصة: أن تنظر في الجمل التي تؤلف باعتبار العوارض التي يبحث عنها في علم النحو من العطف بالحروف المختلفة المعاني وتركه، فتعرف بالسليقة، أو بعلم المعاني موضع كل منها بحسب الأغراض المطلوبة منها، فتجيء به في موضعه.
وقد رأيت الشيخ كيف ذكر وجوهاً من تصرفات الخبر، ووجوهاً من تصرفات الشرط والجزاء، وأشار إلى حال التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، والحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، ونبه على أن النظم أن تضع كلاً من ذلك مكانه، وتستعمله على الصحة، وعلى ما ينبغي له، ثم قال:
стр. 2697
"ولست بواجد شيئاً يرجع صوابه إن كان صواباً، وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه".
فالنحوي يدلك على أن المبتدأ والمفعول - مثلاً - متى فهم بقرينة حال أو مقال، جاز حذفه، ولكن هذا المعنى النحوي الذي هو الحذف لا يأخذ به الكلام حكم الصواب عند البلغاء إلا أن تصيب به موضعاً من مواضعه المعروفة لدى السليقة العربية الصحيحة، أو الملم بالقوانين المبحوث عنها في فن البلاغة.
ومن الظاهر أن الشيخ عبد القاهر عندما ذكر أن النظم توخي معاني النحو، والعمل على قوانينه وأصوله، يريد: النحو الذي كتب فيه النحاة قبله، مثل: سيبويه، وأبي علي الفارسي، وابن جني، ويريد القوانين والأصول المقررة في كتب هؤلاء وأمثالهم، وليس من المحتمل أن يريد نحواً وقوانين وأصولاً لم يتكلم أو لم يحقق البحث فيها العلماء من قبله. ننفي هذا الاحتمال؛ لأنه يذكر النحاة وأصولهم وقوانينهم ذكرَ من هو راضٍ عنها، ولم يرمِهم كما رماهم المؤلف بإزهاق روح فكرة النحو، وعدم الاهتداء في أبحاثهم النحوية، ولو أن الشيخ عبد القاهر يريد أن يرسم طريقاً جديداً للنحو، لنبه -ولو بايماء ولطف- على أن النحاة ضيقوا دائرة النحو؛ وأهملوا جانباً من معانيه وأصوله.
وقد رأينا الشيخ عبد القاهر قد ألف في النحو مثل شرحه لكتاب الإيضاح الذي سماه: "المقتصد"، وذهب فيه مذهب النحاة من قبله ومن بعده في تقرير القواعد التي يستقيم بها التركيب، ويسلم بها من آفة الفساد، تاركين النظر فيه من جهة الفصاحة وحسن البيان إلى علماء البيان.
стр. 2698
وإذا قال الشيخ: إن النظم يعني البلاغة والبراعة أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، فهذا القول لاغبار عليه، ولا يقتضي أن رعاية قوانين النحو وحدها كافية في صوغ الكلام البليغ، أو فهم ما في الكلام من بلاغة عند سماعه، ذلك لأن النحو كما قدمنا يبحث عن المفردات والجمل من حيث هيئاتها التركيبية؛ فيفتح أمامك طرقاً متعددة للتعبير عن المعاني الوضعية، وليس من شأنه التعرض للأغراض التى يستدعي كل واحد منها طريقاً خاصاً، فما من غرض يعرض لك إلا وجدت له في النحو طريقاً تعبر به عنه، ولكن معرفة أن هذا الغرض يؤدى بهذا الطريق تحتاج فيه إلى وسيلة أخرى هي السليقة، أو تتبع علم المعاني، ونريد من الأغراض التي ليس من شأن علم النحو أن يبحث عنها: ما يسميه علماء البلاغة: المعاني التابعة؛ كالتعظيم يؤدى بالتركيب الذي يعبر فيه باسم الاشارة للبعيد، والتحقير يؤدى بالتركيب الذي يحذف فيه المسند إليه.
ودلالة الألفاظ على هذه الأغراض لم تكن بطريق الوضع، ولهذا لا يبحث عنها علماء اللغة أيضاً.
ذكر المؤلف: أن الشيخ عبد القاهر قد بلغ أقصى الجهد في تصوير رأيه وتوضيحه، وقال "فجمهور النحاة لم يزيدوا به في أبحاثهم النحوية حرفاً، ولا اهتدوا منه بشيء".
لم يزد النحاة بكتاب "دلائل الإعجاز" حرفاً؛ لأنه لم يؤلف في علم النحو، ولا قصد مؤلفه أن يزيد في علم النحو مسألة، وليست مباحثه مما تهدي إلى شيء من علم النحو.
وكيف يستقيم رأي المؤلف في أن عبد القاهر يقصد رسم طريق جديد
стр. 2699
في النحو، وعبد القاهر يدلنا في فاتحة كتابه أنه مؤلف في فن البيان؛ إذ قال بعد الحديث عن شرف العلم: "ثم إنك لا ترى علماً هو أرسخ أصلاً، وأبسق فرعاً، وأحلى جنى، وأعذب ورداً، وكرم نتاجاً، وأنور سراجاً، من علم البيان الذي لولاه، لم تر لساناً يحوك الوشي ... الخ".
وسمى الشيخ علم البيان: علمَ الفصاحة، فذكر أن القرآن كان معجزاً بالمزايا التي ظهرت في نظمه، والبدائع التي راعت العرب، وأنه يجب على العاقل أن يبحث عن تلك المزايا والبدائع ما هي؟ ولم هي؟ وكيف هي؟ ثم قال:
"ولا يمكن ذلك إلا بالبحث عن حقيقة المجاز والحقيقة، والاستعارة والتشبيه والتمثيل، وحقيقة النظم، والتقديم والتأخير، والإيجاز والحذف، والوصل والفصل، وسائر وجوه المحاسن المعتبرة في النظم والنثر"، ثم قال: "وإذا ثبت ذلك، كان العلم الباحث عن حقيقة الفصاحة، والكاشف عن ماهيتها، والمتفحص عن أقسامها؛ والمستخرج لشرائطها وأحكامها، والمقرر لمعاقدها وفصولها، والملخص المحرر لفروعها وأصولها، باحثاً عن أشرف المطالب الدينية، وأرفع المباحث اليقينية".
قال المؤلف: "وآخرون منهم أخذوا الأمثلة التي ضربها عبد القاهر بياناً لرأيه، وتأييداً لمذهبه، وجعلوها أصول علم البلاغة، سموه: علم المعاني، وفصلوه عن النحو فصلاً أزهق روح الفكرة، وذهب بنورها، وقد كان أبو بكر يبدي ويعيد أنها معاني النحو، فسموا علمهم: "المعاني"، وبتروا هذا الاسم البتر المضلل".
قد أريناك أن الشيخ عبد القاهر قد ذكر علم النحو، وقرر أن هناك علماً
стр. 2700
يسمى: علم البيان، وهو العلم الذي تحدث عنه بعدُ بأنه العلم الباحث عن حقيقة الفصاحة، وذكر في قبيل ما يبحث عنه في هذا العلم: المجاز والاستعارة، والتشبيه والتمثيل، وحقيقة النظم، والتقديم والتأخير، والإيجاز والحذف، والفصل والوصل ... إلخ.
ولا يصح أن يكون المراد من علم البيان: علم النحو؛ فإنه عد في موضوع علم البيان: المجاز والاستعارة، والتشبيه والتمثيل، ولا أظن المؤلف يقدم على دعوى أن هذه المباحث من قبيل علم النحو، فإن ظهر للمؤلف أن يترك المجاز والاستعارة ونحوها إلى علم البيان، ويأخذ مباحث التقديم والتأخير ونحوها إلى علم النحو، فإن هذا رأي المؤلف، لا رأي الشيخ عبد القاهر، وإذا كانت أحوال التركيب في الواقع نوعين:
أحوال يخلص بها الكلام من فساد البنية وعيب اللحن، وأحوال يرتفع بها شأن الكلام في الحسن، فليس لنا أن ننكر على علماء العربية إذا فصلوا بين النوعين، وجمعوا مباحث كل نوع منهما على جانب، وعدُّوه علماً مستقلاً، ذلك أن هذا الصنيع أقرب إلى تنظيم العلوم، ووضع مسائلها في سلك محكم من التناسب.
стр. 2701
التضمين (١)
للتضمين غرض هو: الإيجاز، وللتضمين قرينة هي: تعدية الفعل بالحرف، وهو يتعدى بنفسه، أو تعديته بنفسه، وهو يتعدى بالحرف.
وللتضمين شرط هو: وجود مناسبة بين الفعلين، وكثرة وروده في الكلام المنثور والمنظوم تدل على أنه أصبح من الطرق المفتوحة في وجه كل ناطق بالعربية، متى حافظ على شرطه، وهو مراعاة المناسبة.
فإذا لم توجد بين الفعلين العلاقة المعتبرة في صحة المجاز، كان التضمين باطلاً، فإذا وجدت العلاقة بين الفعلين، ولم يلاحظها المتكلم، بل استعمل فعل أذاع - مثلاً - متعدياً بحرف الباء على ظن أنه يتعدى بهذا الحرف، لم يكن كلامه من قبيل التضمين، بل كان كلامه غير صحيح عربية.
فالكلام الذي يشتمل على فعل عُدي بحرف، وهو يتعدى بنفسه، أو عدي بحرف، وهو يتعدى بغيره، يأتي على وجهين:
الوجه الأول: أن لا يكون هناك فعل يناسب الفعل المنطوق به، حتى تخرج الجملة على طريقة التضمين. ومثل هذا نصفه بالخطأ، والخروج
стр. 2702
عن العربية، ولو صدر من العارف بفنون البيان.
الوجه الثاني: أن يكون هناك فعل يصح أن يقصد المتكلم لمعناه مع معنى الفعل الملفوظ، وبه يستقيم النظم، وهذا إن صدر ممن شأنه العلم بوضع الألفاظ العربية، ومعرفة طرق استعمالها، حمل على وجه التضمين الصحيح، كما قال سعد الدين التفتازاني: "فشمرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم"، والتشمير لا يتعدى بإلى، فيحمل على أنه قد ضمن شمر معنى الميل الذي هو سبب التشمير عن ساق الجد.
فإن صدر مثل هذا من عامي، أو شبيه بعامي؛ أي: ممن يدلك حاله على أنه لم يبن كلامه على مراعاة فعل آخر مناسب للفعل الملفوظ، كان لك أن تحكم عليه بالخطأ، فلا جناح عليك أن تحكم على قول العامة - مثلاً -: أرجو الله قضاء حاجتي، باللحن، والخروج عن قانون اللغة الفصحى؛ لأن فعل الرجاء لا يتعدى إلى مفعولين، وليس لك أن تخرجه على باب التضمين؛ كأن تجعل "أرجو" مشرباً معنى "أسال" بناء على أن بين الرجاء والسؤال علاقة السببية، فإن هذا الوجه لم ينظر إليه أولئك الذين استعملوا فعل "أرجو" متعديا إلى المفعولين.
ومن هنا نعلم أن من يخطئ العامة في أفعال متعدية بنفسها، وهم يعدونها بالحروف، مصيب في تخطئته، إذ لم يقصدوا لإشراب هذه الأفعال معاني أفعال أخرى تناسبها، حتى يخرج كلامهم على باب التضمين.
وليس معنى هذا أن التضمين سائغ للعارف بطرق البيان دون غيره، وإنما أريد: أن العارف بوجوه استعمال الألفاظ، لا نبادر إلى تخطئته، متى وجدنا لكلامه مخرجاً من التضمين الصحيح. أما غيره؛ كالتلاميذ، ومن يتعاطى
стр. 2703
الكتابة من غير أن يستوفي وسائلها، فإن قام الشاهد على أنه نحا نحو التضمين؛ كما إذا اعترضت عليه في استعمال الفعل المتعدي بنفسه متعدياً بحرف، فأجاب بأنه قصد التضمين، وبين الوجه، فوجدته قد أصاب الرمية، فقد اعتصم منك بهذا الجواب المقبول، ولم يبق لاعتراضك عليه من سبيل.
وإن قام شاهد على أن المتكلم لم يقصد للتضمين، وإنما تكلم على جهالة بوجه استعمال الفعل، كان قضاؤك عليه بالخطأ قضاء لا مرد له.
فمصحح ما يكتبه التلاميذ ونحوهم، يجب عليه أن يرد الأفعال إلى أصولها، ولا يتخذ من التضمين وجهاً لترك العبارة بحالها، والكاتب لا يعرف هذا الوجه، أو لم يلاحظه عند الاستعمال.
فللتضمين صلة بقواعد الإعراب من جهة تعدي الفعل بنفسه، أو تعديه بالحرف، وصلة بعلم البيان من جهة التصريف في معنى الفعل، وعدم الوقوف به عند حد ما وضع له، ومن هذه الناحية لم يكن كبقية قواعد علم النحو، قد يستوي في العمل بها خاصة الناس وعامتهم.
стр. 2704
تيسير وضع مصطلحات الألوان (١)
حمداً لمن علم البشر أسماء الكائنات، وجعل لغة العرب أفضل اللغات، وصلى الله على سيدنا محمد أفصح الناطقين لساناً، وأبدعهم بياناً، وعلى آله وصحبه وسلم.
كثرت ضروب الألوان، بما ينشأ من مزج لون بلون، وبظهور اللون الواحد في درجات متفاوتة، فاحتاج كل لون يحصل من امتزاج لونين إلى اسم، كما احتاج كل لون إلى أن يكون له في كل درجة اسم يمتاز به.
وقد عنيت اللغات الحية بوضع أسماء تأتى على الألوان أصولها وفروعها، وربما بدا لذي النظرة القصيرة أن اللغة العربية فقيرة من أسماء الألوان، وأننا في حاجة إلى أن نستمد للألوان مصطلحات من لغات أخرى.
وهذا ما دعاني الى أن أحرر مقالاً، ترى فيه كيف وسعت العربية بما تحتويه معجماتها من الكلم، وبما تقرر في علم صرفها من المقاييس كلَّ ضرب من ضروب الألوان المختلفة بأصباغها، أو أشكالها أو درجاتها.
стр. 2705
يقع نظري عندما أتصفح بعض المعجمات على كثير من أسماء الألوان ، أو الأسماء التي روعي عند وضعها لون ما وضعت له، حتى وثقت بأن الألوان أخذت من اللغة حظاً وافراً.
ثم ألقيت نظرة على ما بين يدي من الكلم العائدة إلى الألوان، أو الكلم المراعى في وضعها لون، فلمحت أصولاً لا يمكن الاستعانة بها على توسيع دائرة مصطلحات الألوان كلما دعت الحاجة.
وها أنا ذا أعرض عليك أصنافاً من أسماء الألوان، وأصنافاً من الأسماء التي روعي في وضعها لون، وأحدثك عقب كل صنف عن مزيته، أو عما ينبه له من الأصول الميسرة لوضع مصطلحات جديدة:
* أسماء الألوان:
الاسم إما أن يدل على لون ساذج، وإما أن يدل على هيئة مركبة من لونين، أو ألوان، وكل من النوعين إما أن يكون مصدراً يؤخذ منه فعل، واسم فاعل، وإما أن يكون غير قابل للتصريف.
* القابل للتصريف من أسماء الألوان الساذجة:
أريد من اللون الساذج: ما يشمل اللون الأصلي؛ كالسواد، والفرعي؛ كالشهبة، وإليك جملة من هذا الصنف القابل للتصريف:
١ - الُأدمة: لون بين البياض والسواد، ويراد بها في وصف الإبل: البياض الواضح. يقال: أدِم وأدُم فهو آدم، والمؤنث أَدماء.
٢ - البرغثة: لون شبيه بالطحلة، ومنه اشتقاق البرغوث.
٣ - البضَاضة: شدة البياض. يقال: أبيض بَضَّ: شديد البياض.
٤ - البُغثة: بياض يضرب إلى الخضرة، أو إلى الحمرة، فهو
стр. 2706
أبغث، وهي بغثاء.
٥ - البُهمة: اللون الذي لا يخالطه غيره، فهو بهيم.
٦ - البياض: معروف.
٧ - الثقابة: شدة الحمرة، ثُقب، وهو ثقيب.
٨ - الحُتْمَة: السواد، والأَحتم: الأسود، والحاتم: الغراب الأسود.
٩ - الحُمرة: معروفة، احمرَّ الشيء، فهو أحمر، وهي حمراء.
١٠ - الحُلْبَة: سواد صرف، حَلِبَ، فهو أَحلب، وحلوب، ويقال: أسود حُلبوب: حالك.
١١ - الحُلكة: شدة السواد، حَلِك، فهو حالك، ويبالغ به، فيقال: أسود حالك.
١٢ - الحُمة: السواد، وقد يبالغ به في السواد، ويقال: أسود أحمُّ.
١٣ - الحَنْط: شدة الحمرة، يقال: حَنَطَ الأَديم، فهو حانط: احمرَّ، وقد يبالغ به في الحمرة، فيقال: أحمر حانط؛ أي: قانئ.
١٤ - الحَور: البياض، يقال: احوَّر الشيء: ابيضَّ، والحُوَّارَى: الدقيق الأبيض، وامرأة حوارية: بيضاء، وهو في العين شدة بياضها في شدة سوادها.
١٥ - الحُوَّة: حمرة تضرب إلى سواد، وسموا كل أسود غير شديد السواد: أحوى.
١٦ - الخَضْب: الخضرة تظهر في الشجر، يقال: خضَب الشجر، أو الأرض: اخضرَّ، فهو خاضب، وهي خاضبة.
١٧ - الخُضرة: معروفة، خَضِرَ، فهو أخضر، والمؤنث: خضراء،
стр. 2707
وخضِرة، وهو في الخيل: غُبرة تخالطها دهمة، وقد يطلق على السواد، فيقال: اخضرَّ الليل؛ أي: اسود.
١٨ - الذُّبْسة: حمرة مشربة سواداً، دبس، فهو أدبس، وهي دبساء، والدَّبس: الأسود من كل شيء.
١٩ - الدُّجة: في الأصل: شدة الظلمة، وجاءت بمعنى السواد، فقالوا للجبال السود: دُجُج، وقالوا: دُجدج ودَجوجى: شديد السواد.
٢٠ - الدُّجنة: أقبح السواد: دَجِنَ فهو أدجن، وهي دجناء.
٢١ - الدُّخنة: كُدرة في سواد، دَخِنَ فهو أدخن، وهي دخناء.
٢٢ - الدُّسمة: غبرة إلى سواد، دَسِمَ، فهو أدسم، وهي دسماء؛ والديسم: السواد.
٢٣ - الدُّعجة: السواد، أو شدة السواد، دَعِجَ، فهو أدعج، وهي دعجاء، وقيل: شدة سواد العين وشدة بياضها، فيدخل في القسم الآتي، وهي أسماء ما ركب من لونين.
٢٤ - الدُّهسة: لون الرمل يعلوه أدنى سواد، يقال: ادهاست الأرض، أو العنز: صارت دهساء اللون.
٢٥ - الدُّكنة: لون يضرب إلى الغبرة - بين الحمرة والسواد - دكِن، فهو أدكن، وهي دكناء.
٢٦ - الدُّلمة: لون الفيل، والدَّلام: السواد، فهو أدلم، ودلماء.
٢٧ - الدُّهمة: السواد، يقال: ادهمَّ وادهامَّ، فهو أدهمُ، وهي دهماء، ويوصف به الضأن، فيراد به: الخالصة الحمرة.
٢٨ - الرُّبدة: لون الرماد "كدرة في سواد"، وقد اربدَّ، واربادَّ، وهو
стр. 2708
أربد، وهي ربداء.
٢٩ - الرُّبْسة: مثل الدُّبْسة، يقال: داهية دبساء، وربساء، وجاء بأمور رُبْس: سود.
٣٠ - الرُّمدة - لون الرماد، يقال: نعامة رمداء، وثوب أرمد.
٣١ - الرُّمكة: سواد مشرب كُدرة "لون الرماد"، يقال: ارمكَّ الجمل، فهو أرمك.
٣٢ - الرَّهرهة: حسن بصيص البشرة ونحوه، وترهره الجسم: ابيضَّ من النعمة.
٣٣ - الزُّهرة: البياض، والأزهر: الأبيض، وهي زهراء، وقد يبالغ به في لون الحمرة، فيقال: أحمر زاهر.
٣٤ - السُّحمة: السواد، يقال: سَحِم فهو أسحم، وهي سحماء.
٣٥ - السُّخمة: السواد، سخِم، فهو أسخم، والسَّخام: سواد القدر.
٣٦ - السُّدفة: في الأصل: الظلمة، وتستعمل في السواد، وأشار صاحب "القاموس" إلى هذا بقوله: والأسدف: الأسود.
٣٧ - السُّعرة: لون يضرب إلى السواد فويق الأُدمة، يقال: سَعِر، فهو أسعر.
٣٨ - السَّفَر: بياض النهار.
٣٩ - السُّفعة: سواد مشرب بحمرة، وقيل: سواد مع لون آخر، يقال: سفع، فهو أسفع، وهي سفعاء.
٤٠ - السُّمرة: لون بين البياض والسواد، يقال: سمُر، فهو أسمر، وهي سمراء.
стр. 2709
٤١ - الشَّرَق: اشتداد الحمرة، يقال: شرق الشيء: اشتدت حمرته، وأشرقته بالصبغ إذا بالغت في حمرته، وثياب مشرقة؛ أي: محمرة.
٤٢ - الشُّقرة: بياض تعلوه حمرة، وهي في الخيل حمرة في مُغرة، يقال: شقِر، فهو أشقر، وهي شقراء.
٤٣ - الشُكلة - حمرة وبياض مختلطان، وقيل: بياض يضرب إلى حمرة، وفي الإبل: ما يخالط سواده حمرة.
٤٤ - الشُّهْبة: بياض يغلب على السواد، يقال: شَهِب وشَهُب، فهو أشهب، وهي شهباء.
٤٥ - الصُّبْحة: سواد يضرب إلى حمرة، يقال: صَبُح، فهو أصبح، وهي صبحاء.
٤٦ - الصُّحْرة: غبرة في حمرة خفيفة إلى بياض قليل، وهو أصحر، وهي صحراء.
٤٧ - الصُّحْمة: سواد إلى صفرة، أو غبرة إلى سواد قليل، أو حمرة في بياض، وهو أصحم، وهي صحماء.
٤٨ - الصُّدأة: شقرة إلى سواد، وهو أصدأ، وهي صدآء.
٤٩ - الصُّفرة: معروفة، وقد اصفرَّ واصفارَّ، فهو أصفر، وهي صفراء.
٥٥ - الصُّهبة: حمرة في سواد، أو شقرة في الشعر، صَهِب، فهو أصهب، وهي صهباء.
٥١ - الضحاء: البياض أو الشهبة، والأضحى من الخيل: الأشهب، والأنثى ضحياء: قال أبو عبيدة: لا يقال للفرس إذا كان أبيض: أبيض، ولكن يقال له: أضحى، وليلة ضحياء - بيضاء.
стр. 2710
٥٢ - الطّحْلة: لون بين الغبرة والبياض بسواد قليل "لون الرماد"، وفي "أساس البلاغة": "شراب أطحل: كدر على لون الطحال".
٥٣ - الطُّلسة: غبرة إلى سواد، وهو أطلس.
٥٤ - الطُّهمة: سمرة تجاوزت إلى سواد.
٥٥ - الظَّمى: السمرة، يقال: رمح أظمى: أسمر، وقد يراد به السواد، يقال: ظل أظمى، وبعير أظمى: اسود.
٥٦ - العَتك والعتوك: الاحمرار، يقال: عتك الرمل، والدم: اشتدت حمرتهما، والعاتك في الألوان الخالص، ومن النساء: المحمرة أو المصفرة من كثرة الطيب.
٥٧ - العَشرقة: الاخضرار، يقال: عشرق النبت، أو الأرض: اخضرَّ.
٥٨ - العُفرة: بياض تعلوه حمرة، أو بياض ليس بشديد.
٥٩ - العِيْسة: بياض يخالطه شيء من شقرة، وقيل: لون أبيض مشرب صفاء في ظلمة خفيفة.
٦٠ - الغُبرة: لون شبيه بالغبار، والأغبر: الذئب؛ لغبرة لونه، وهي غبراء.
٦١ - الغُبسة: بياض فيه كدرة "لون الرماد"، فهو أغبس.
٦٢ - الغُثرة: الغبرة: أو الغبرة تضرب إلى خضرة، أو إلى حمرة.
٦٣ - الغُربة: بياض صرف، والمُغرب: الأبيض وما كل شيء منه أبيض، يقال: أسود غربيب: حالك.
٦٤ - الغُرَّة: البياض، والأَغَر: الأبيض من كل شيء، ويقال: غَرَّ غَرّاً وغُرَّةً: ابيضَّ، والغرة في الفرس: بياض في جبهته.
стр. 2711
٦٥ - الفُحومة: السواد: فَحُم، فهو فاحم، وفحيم.
٦٦ - الفُضحة: الغُبرة في طُلحة، يكون في ألوان الإبل والحمام، فضح، فهو أفضح، وهي فضحاء، وقال أبو عمرو: سألت أعرايياً عن الأفضح، فقال: هو لون اللحم المطبوخ.
٦٧ - الفُقوع: شدة الصفرة، وأصفر فاقع مبالغة، وقد يبالغ به في كل ناصع اللون من بياض وغيره.
٦٨ - القُتمة: سواد ليس بشديد، كسواد ظهر البازي، قَتِم، فهو قاتم، وقَتُم فهو أقتم، وهي قتماء، وقيل: القُتمة: حمرة وغبرة، ويقال: أحمر قاتم: شديد الحمرة، كما يقال: أسود قاتم.
٦٩ - القُثمة: الغبرة، قَثُم: اغبرَّ.
٧٠ - القُلْبة: الحمرة، يقال: قلبت البسرة: احمرت.
٧١ - القُمرة: شدة البياض، ومنه اشتق القمر، أو بياض يضرب إلى خضرة، أو بياض فيه كدرة، ويقال للسحاب الذي يشتد ضوؤه لكثرة مائه: سحاب أقمر، وهي قمراء، وقمرة.
٧٢ - القُنوء: اشتداد الحمرة، يقال: قَنَأ، وهو قانِئ، وهي قانئة، ويبالغ به في الحمرة، فيقال: أحمر قانئ.
٧٣ - القُهبة: بياض تعلوه كدرة، قَهِب فهو أقهب، وهي قَهِبة.
٧٤ - الكُدرة: لون ينحو نحو السواد والغبرة، كدِر، فهو كدر.
٧٥ - الكُلفة: لون بين البياض والسواد، والكَلَف: السواد في صفرة، ويقال: بعير كَلِف: للبعير الذي يخالط حمرته سواد.
٧٦ - الكُمتة: حمرة يخالطها سواد، كمت فهو كُميت.
стр. 2712
٧٧ - الكُمْدة - تغير اللون وذهاب صفائه، قالوا: مالي أراك أكمدَ اللون؟ وكمِد الثوب: تغير لونه من إخلاق.
٧٨ - الكُهبة: غيره مشربه سواداً.
٧٩ - اللُّهبة: بياض ناصع نقي، والملهَّب من الثياب: ما لم تشبع
٨٠ - اللَّهَق: شدة البياض، وهو لَهِق، وقيل: اللهق: بياض ليس بذي بريق.
٨١ - المُعرة. لون يضرب إلى الحمرة.
٨٢ - المُغرة: لون ليس بناصع الحمرة، أو شقرة بكدرة، والأَمغر الذي في وجهه حمرة في بياض صاف.
٨٣ - المَقَه: بياض في زرقة، أو حمرة في غبرة، أو غبرة إلى البياض، مَقِه مَقْهاً، فهو أمقهُ، وهي مقهاء.
٨٤ - المُلحة: بياض يخالطه سواد، وهو أملح، وهي ملحاء، وقد يطلق على أشد الزرق.
٨٥ - المُهْقة: بياض في زرقة، أو شدة البياض، مَهِق مَهَقاً فهو أمهق، وهي مهقاء.
٨٦ - النَّصاعة: شدة البياض، يقال: نصَع لونه؛ أي: اشتد بياضه، ويبالغ به في البياض، فيقال: أبيض ناصع، وقد يبالغ به في الحمرة، فيقال: أحمر ناصع؛ أي: قانئ.
٨٧ - النَّضْرة: الحسن والبهجة، والناضر: شديد الخضرة، ويبالغ به في كل لون، فيقال: أخضر ناضر، وأحمر ناضر، وأصفر ناضر.
стр. 2713
٨٨ - النُّعوج: البياض الخالص، يقال نعَجَ؛ أي: ابيضَّ، فهو ناعج، وهي ناعجة.
٨٩ - النُفوض: ذهاب بعض لون الصبغ، نفَض الثوب، فهو نافض: (باهت).
٩٠ - النَّوَق: بياض فيه حمرة يسيرة.
٩١ - الوُردة: حمرة تضرب إلى الصفرة، يقال وَرُد، فهو وَرْد، وهي وردة.
٩٢ - الوُرقة: بياض يضرب إلى سواد "لون الرماد"، وهو أورق، وهي ورقاء.
٩٣ - الوَضَح: بياض الصبح: والواضح من الإبل: غير شديد البياض، والوضاح: الأبيض اللون، الحسنه.
٩٤ - اليُقوقة: البياض، يقال: يَقَّ: ابيضَّ، فهو يَقِق، ويبالغ بها فيه، فيقال: أبيض يقق.
فقد رأيت من هذه الكلم، كيف كان واضع اللغة العربية يضع للألوان أسماء يؤخذ منها أفعال وأسماء الفاعل، ورأيته كيف كان يدل على اللولين يمتزجان بلفظ واحد، وفي ذلك كله تيسيرٌ على الناطق بها، وتَحَرٍّ لوجه من وجوه الإيجاز البديع.
ومن مزايا هذا النوع من الكلم: أنه يؤخذ منه لايجاد اللون مصادر، وأفعال، وأسماء فاعل، وأسماء مفعول، فيقال: بيَّض الشيء تبييضاً، فهو مبيِّض، والشيء مبيَّض، وكذلك قالوا: حمرته، وسودته، وصفرته، وخضَّرته، ووردته، وقنأته.
стр. 2714
وتعدية الفعل الثلاثي اللازم بالتضعيف إلى المفعول، مقيسٌ عند طائفة من علماء العربية، وإذا رأيت في هذا النوع ألفاظاً مترادفة على لون واحد، فلواضع المصطلحات أن يخص كل لفظ من هذه المترادفات بدرجة من درجات اللون الذي فسر به.
وما كان ينبغي لواضع مصطلحات أن يعدل عن هذه الأسماء إلى غيرها من الأسماء التي لا تتصرف، أو الألفاظ التي لا تشعر باللونين الممتزجين إلا أن تمكون مركبة.
* أسماء الألوان الساذجة غير القابلة للتصريف:
في أسماء الألوان الساذجة ما لا يساعد على أن يؤخذ منه فعل، أو اسم فاعل، كالأرجوان للحمرة (١)، والجريال لحمرة الذهب (٢)، والعوهق للون كلون السماء مشرب سواداً.
ومن هذا القبيل الألفاظ التي تدل على لون بإلحاق ياء النسبة إلى اسم شيء عرف بذلك اللون؛ كما قالوا: الزنجارية (٣) للون الكُهبة، والكراثية (٤) لخضرة تضرب إلى سواد، والنيلية (٥) للكراثية مع قليل من الحمرة، والبنفسجية لما يشبه لون البنفسج؛ وقال العرب: أسود لوبيّ، وأرادوا باللوبي: شديد السواد، نسبة إلى اللوبة، وهي الأرض ذات الحجارة السود، وقالوا: فرس
стр. 2715
صنابيّ اللون: بين الصفرة والحمرة: نسبة إلى الصناب، وهو الخردل مع الزبيب، وقالوا حمام ورسيّ: أصفر: نسبة إلى الورس، وهو نبات أصفر تصبغ به الثياب، وقالوا: تِبْنىّ: أصفر كالتبن.
والوصول إلى التشبيه من طريق النسبة غير عزيز، فقول الناس: برتقالي، ورمادي، وسماوي، غير خارج عن مقاييس اللغة.
* أسماء هيئات الأشياء المركبة من ألوان:
نريد من هذا النوع: الاسم الذي يدل على هيئة مركبة من لونين يمتاز كل منهما عن الآخر بصبغة وموضعه نحو: الرُّقطة، وتلحق بهذا ما يدل على لون يستلزم لوناً آخر، كاللُّمظة، وهذا النوع يأتي مصدراً يؤخذ منه فعل، واسم فاعل، ويأتي اسماً غير قابل للتصريف.
* أسماء الألوان المركبة القابلة للتصريف:
يوجد من هذا النوع أسماء كثيرة، وإليك طائفة مما وقع عليها نظرنا فى المعجمات:
١ - الأُرْثة: بياض وسواد، وهي الرقطة، يقال: كبش آرث، ونعجة أرثاء.
٢ - البُرشة: أن يكون في الشيء ألوان مختلفة، يقال: مكان أبرش: مختلف الألوان، والبَرَش في شعر الفرس: نكت صغار تخالف سائر لونه.
٣ - البَرص: بياض يظهر في البدن، وجاوز العرب به هذا المرض، فقالوا للحية فيها لمع بياض: البرصاء، بل سموا القمر بالأبرص.
٤ - البُغثة: سواد يشوبه نقط بياض؛ أو بياض يشوبه نقط سواد، بغِث فهو أبغث، وهي بغثاء.
стр. 2716
٥ - البَقَع: بياض يخالطه لون آخر، وهو أبقع، ومبقَّع: فيه موضع بياض، وموضع غيره.
٦ - البُلقة: سواد وبياض، بَلُق، فهو أبلق، وهي بلقاء، والفرس الأبلق: ما ارتفع تحجيله إلى فخذيه.
٧ - الخصاف: أن يجتمع لونان من سواد وبياض، والأخصف من الخيل والغنم: الأبيض الخاصرتين والجنبين، ومن الجبال: ما فيه بياض وسواد، ورماد خصيف: فيه سواد وبياض، وسماء مخصوفة: ذات لونين، وخصَّف الشيبُ لمته: جعلها خصيفة: ذات بياض وسواد.
٨ - الخُلسة: أن يكون السواد أكثر من البياض، يقال: أخلس الشعر، فهو مخلس، وخليس: إذا ابيض بعضه، وأخلس النبت: إذا كان بعضه أخضر، وبعضه أبيض.
٩ - الخَيَف: أن يكون إحدى عيني الفرس أو غيره زرقاء، والأخرى كحلاء، فهو أخيف، ويقال: تخيَّف ألواناً؛ أي: تغير.
١٠ - الخال: الشَّامة في الجسد، والأخيل: كثير الخيلان، وهي خيلاء، (وقد نص صاحب "اللسان" على أنه لا فعل له).
١١ - الدُّرعة: أن يكون رأس الفرس أو الشاة أسود، وسائره أبيض، دَرع، فهو أدرع، وهي درعاء.
١٢ - الدغمة: أن يضرب وجه الفرس وجحافله إلى سواد أشد من سواد سائر جسده، ويقال: ادغامَّ، فهو أدغم، وهي دغماء.
١٣ - الرُّبشة: اختلاف اللون، يقال: رجل أربش: مختلف اللون.
١٤ - الرُّثمة: بياض في جحفلة الفرس العليا، أو بياض في الأنف،
стр. 2717
رثم، فهو أرثم، وهي رثماء، ونعجة رثماء: سوداء الأرنبة، وسائرها أبيض.
١٥ - الرُّقش: نقط أو خطوط سود وبيض، يقال: حية رقشاء؛ لترقيش ظهرها بخطوط ونقط. والرقشاء من المعز: التي فيها نقط من سواد وبياض.
١٦ - الرُّقطة: سواد يشوبه نقط بيض، أو بياض يشوبه نقط سود، ارقَطَّ وارقاطَّ، فهو أرقط، وهي رقطاء.
١٧ - الرَّمش: رجل أرمش: مختلف اللون، وأرض، أو سنة رمشاء: كثيرة العشب.
١٨ - الرَّمَل: خطوط في قوائم الثور أو البقرة الوحشية تخالف سائر لونه، وهو أرمل، وهي رملاء، ونعجة رملاء: سوداء القوائم، وسائرها أبيض.
١٩ - الشُّمَط: بياض الرأس يخالطه سواد، والشميط: ذئب فيه سواد وبياض.
٢٠ - الصُّقعة: أن يكون في وسط رأس الفرس أو الطير أو غيره بياض، وهو أصقع، وهي صقعاء.
٢١ - العُرمة: تنقيط ببياض وسواد، ومن غير أن يتسع كل نقطة، وهو أعرم، وهي عرماء، والحية العرماء: التي فيها نقط سود وبيض.
٢٢ - العُصمة: أن يكون في ذراعي الظبي أو الوعل، أو في إحدى ذراعيه بياض، وسائره أسود أو أحمر، وهو أعصم، وهي عصماء.
٢٣ - الكَحَل: سواد يعلو جفون العين خِلقة، والكحلاء: الشديدة سواد العين، ومن النعاج: البيضاء السوداء العين.
٢٤ - اللُّمْظة: بياض في جحفلة الفرس السفلى، فهو ألمظ.
стр. 2718
٢٥ - اللَّمى: سمرة في الشفة، لَمِيَ، فهو ألمى، وهي لمياء، واستعملوها في شديد السمرة، فقالوا: رمح ألمى: شديد السمرة.
٢٦ - النَّبَطُ: أن يكون في بطن الفرس أو شاكلة الشاة بياض، يقال: فرس أنبط: أبيض البطن، وشاة نبطاء: بيضاء الشاكلة.
٢٧ - النَّشَم: أن يكون في الثور نقط بيض وسود، يقال: نشِم، فهو نشيم.
٢٨ - النَّكتة: النقطة من أي لون كان، يقال: في العين نكتة بياض، أو حمرة، ويقال: هو كالنكتة البيضاء في الثور الأسود، ونكَّت البُسر: بدا فيه نقط من الإرطاب، فهو منكِّت، والبسرة منكِّتة (بصيغة اسم الفاعل).
٢٩ - النُّمرة: النكتة من أي لون كان، ولكنهم يقولون: الأنمر: ما فيه نكتة بيضاء، وأخرى سوداء، ومنه سمي السبع المعروف بالنَّمر، ويقال نَمِر (كفرِح) السحابُ: صار على لون النمر، فهو نِمر وأنمر، وهي نَمِرة ونمراء.
٣٠ - الوبَش: الرَّقَط من الجرب، وَبِش البعير، فهو وَبِش.
٣١ - الوَدَق: نقط حمر تخرج في العين من علة كدم تشرق به، ودِقت، فهي ودِقة.
٣٢ - الوَكتة: النقطة في الشيء من غير لونه، يقال: وكَّت البُسْر: بدت فيه نقط من الإرطاب، فهو موكِّت، والبسرة موكِّتة (بصيغة اسم الفاعل).
وفي هذا النوع المزايا التي نبهنا لها آنفاً من صوغ الأفعال، وأسماء الفاعل، ومن دلالة الكلمة الواحدة على هيئة شيء ذي لونين.
* أسماء الألوان المركبة غير قابلة التصريف:
نريد من هذا: ما كان نحو الخِلقة، وهو كل لونين اجتمعا.
стр. 2719
ويمكن صوغ أسماء للألوان المركبة بوسيلة النسبة التي يراد بها التشبيه؛ كأن تريد الدلالة على حال ما يركب من سواد وبياض في هيئة الجِزعْ "وهو: خرز يماني فيه سواد وبياض"، فتقول: الجزعية، وذو اللون جزعي، ولو أردت الدلالة على حال ما يركب من ألوان متعددة مختلفة بهيئة قوس قُزَح، لساغ لك أن تقول القزحية، وذو اللون قزحي، وتقول على هذا النمط: النرجسية، متى أردت تشبيه حال ما اجتمع فيه بياض وصفرة على هيئة النرجس، والعرب يشبهون العيون بالنرجس، وشبهوا عيون الوحش بالجَزْع.
* الأسماء المراعى في معانيها لون:
في اللغة أسماء يلاحظ عند وضعها، أو عند استعمالها لون من الألوان، دون أن نجد لها في المعجمات مصدراً، أو فعلاً يدل على نفس اللون. أولاها: أسماء لا يوجد في مادتها مصدر، أو فعل يدل على نفس اللون، ويصح أن تكون مأخوذة منه على وجه مقيس، وهذه إما أن تكون موضوعة، أو مستعملة لمجرد الدلالة على الاتصاف بلون.
وأمثلتها:
الدَّيجور: الأغبر الضارب إلى السواد.
الدِّحمس: الأسود من كل شيء.
الذريحي: يبالغ به في الحمرة، فيقال: أحمر ذريحي؛ أي: أرجوان. الأصبغ: المبيضّ طرف الذنب، يقال: طائر أصبغ، وعنز صبغاء.
المُصْمَت: ما لا يخالط لونه لون آخر، يقال: ثوب مصمت؛ أي: بلون واحد لا شِيَة فيه.
الصَّمعريُّ: الخالص الحمرة.
стр. 2720
الصَّيعريُّ: يبالغ به في الحمرة، يقال: أحمر صيعري؛ أي: قانئ. المضرحيُّ: الأبيض من كل شيء.
الغُداف: الأسود، يقال: شعر غداف، وجناج غداف: أسود، ويقال للغراب الأسود غداف، وأغدف الليل: إذا أظلم.
الغضْب: الشديد الحمرة.
الغيهب: شديد السواد من الخيل.
الفَدْم: الأحمر المشبع حمرة، أو ما لم تكن حمرته شديدة.
القَرَّاص: القانئ، يقال: أحمر قراص: قانئ.
القهْبَلس: الأبيض تعلوه كدرة.
الكرك: الأحمر، وأكثر ما يوصف به الثياب، واستعمل في الخوخ، فقالوا: خوخ كرك: فيه حمرة.
اللُّهاثي: الكثير الخيلان الحمر في الوجه، واللُّهاث: النقط في الخوص.
الماذي: الأبيض، قالوا: عسل ماذيّ؛ أي: أبيض، ودرع ماذيَّة: بيضاء.
الأمرخ: المنقط ببياض وحمرة، قالوا: ثور أمرخ؛ أي: به نقط بيض وحمر.
المارَّية: البيضاء البراقة (لؤلئية اللون) يقال: امرأة أو قطاة مارية؛ أي: بيضاء براقة.
اليلَق: الأبيض من كل شيء، ويقال: أبيض يلق: متناهٍ في البياض.
وإما أن يجري مجرى اسم العين، فلا يقع وصفاً لغيره، وهو الذي يقول فيه أصحاب المعجمات: هو اسم لاصفة.
стр. 2721
وأمثلته:
البرّكان والبرنكان: الكساء الأسود.
الشَّمرساء: السحابة البيضاء.
الصبير: السحابة البيضاء.
العلجوم: الظبي الآدم.
العوهج: الظبية في كشحيها خطتان سوداوان.
الغَمِرة: ثوب أسود يلبسه الخدمة.
القصيم: الجلد الأبيض يكتب فيه.
ثانيتها: أسماء تدل على ذي لون أو لونين، وهي مأخوذة من اسم عين؛ كاسم الموضع الذي يقع عليه أحد اللونين.
أمثلته:
الأصدر: الأبيض لبة الصدر من الغنم والخيل.
المطرَّف: أبيض الطرفين: الرأس، والذنب، أو أسودهما، وسائر لونه يخالف ذلك.
الأعنق: الكلب في عنقه بياض.
المعضَّد: ثوب له علم في موضع العضد.
أو اسم ما يشبهه اللون في صبغه أو هيئته.
وأمثلته:
الآزر: يقال: فرس آزر: إذا كان لون فخذيه أبيض، ولون مقاديمه أسود، أو أي لون كان، فكأن بياضه إزار، والمؤزرة: نعجة كأنها أزرت بسواد.
стр. 2722
المحجَّل: يقال: فرس محجَّل: إذا ابيضت قوائمه، وجازوا البياض إلى نصف الوظيف (ما فوق الرسغ إلى الساق) كأن بياضه حجل (والحجل: الخلخال).
المتبَّن: الأصفر في لون التبن.
المدنَّر: الفرس فيه نكت فوق البرش (تشبه الدنانير).
المرجَّل: يقال: بُرد مرجل: فيه صور الرجال.
المرحَّل: برد مرحل: فيه صور الرحال.
المسروَل: يقال: فرس مسرول: إذا جاوز بياض تحجيله العضدين والفخذين؛ كأنه لبس السراويل.
المسهَّم: يقال: برد مسهم: إذا كان فيه وشي كالسهام.
المشجَّر: ما نقش بهيئة الشجر من الديباج.
المضلَّع: ثوب فيه خيوط تشبه الأضلاع.
المطبَّل: ثوب عليه صورة الطبل، يقال: برزوا في أردية الطبل.
المطيَّر: ما نقش فيه صورة الطيور.
المعمَّم: الأبيض الرأس، يقال: فرس معمَّم؛ أي: أبيض الرأس دون العنق، ودون سائر جسده، كأن بياضه عمامة، وهي ما يلف على الرأس. المعيَّن: ثوب في وشيه ترابيع صغار كعيون الوحش.
المقفَّص: يقال: ثوب مقفص؛ أي: مخطط بهيئة القفص.
المفوَّف: الثوب الذي فيه خيوط بيض كالفُوف، والفوف: نقط بياض في أظفار الأحداث.
стр. 2723
المقفَّز: ما كان بياض تحجيله في يديه إلى المرفقين؛ كأنه لبس القفاز.
المُمَرجَل: ثوب فيه صور المراجل؛ أي: القدور.
المكعَّب: الموشَّى على هيئة الكعاب.
الممغَّر: ما لونه كلون المغرة.
المنطَّقة: ما علم عليها بحمرة في موضع النطاق.
الوشحاء: العنز التي يكون بياضها المخالف لسائر لونها؛ كالوشاح لها.
وما جاء على وزن مفعَّل من هذا الضرب يصح لواضع المصطلحات أن يقيس عليه، فيقول - مثلاً -: مسوَّر، أو مسمَّك، أو مسيَّف، لما نقش عليه صور أسورة، أو اسماك، أو سيوف.
ومن قبيل الأسماء المأخوذة من اسم عين ما يؤخذ من اسم الموضع الذي ينتهى إليه اللون نحو:
١ - المجبَّب: يقال: فرس مجبب: إذا ارتفع البياض منه إلى الجبُب (جمع: جبة، وهو موصل ما بين الساق والفخذ).
٢ - المجوَّف: الذي يصعد البلق فيه حتى يبلغ الجوف (البطن).
٣ - مرفَّقة: وصف للشاة التي يبلغ بياض يديها إلى مرافقها.
ومن هذا القبيل ما يؤخذ من اسم الصبغ الذي يعطي اللون، نحو:
١ - المجسَّد: الأحمر، يقال: ثوب مجسد؛ أي: أحمر، وأصله: المصبوغ بالجساد، وهو الزعفران، أو العصفر.
٢ - المضرَّج: الأحمر، قيل: مأخوذ من الإضريج، وهو صبغ أحمر.
٣ - المُمَصَّر: يطلق على ما فيه حمرة خفيفة من الثياب، وقال بعض
стр. 2724
علماء اللغة: الممصَّر: المصبوغ بالمصر، وهو الطين الأحمر، ومن فسروا الممصر بما فيه صفرة خفيفة لم نرهم تعرضوا لوجه اشتقاقه.
٤ - المُهَرْوَد: ما فيه صفرة خفيفة في الثياب، وقال بعض علماء اللغة: المهرود: الثوب الذي يصبغ بعروق يقال لها: الهُرد.
ويدخل في هذا الباب الاسم الذي يؤخذ من اسم البلد الذي يصنع فيه ذو اللون.
ومثاله:
مهراة: صفراء، يقال: عمامة مهراة؛ أي: صفراء، وكان سادات العرب يلبسون العمائم الصفر، قال بعض علماء اللغة: مهراة،: نسبة إلى هراة، لأن هذه العمائم كانت تجلب منها.
* أسماء إيجاد الألوان:
ذكرنا أن أسماء الألوان يشتق منها مصادر وأفعال للدلالة على إيجادها؛ نحو: بيَّض وحمَّر وسوَّد، وللعرب بعد هذا ألفاظ للدلالة على إيجاد الألوان.
وأمثلتها:
البرقشة: النقش بألوان شتى، وتبرقش الرجل: تزين بألوان شتى مختلفة، وتبرقش النبت: إذا اختلفت ألوانه.
الدِّخلة: تخليط ألوان في لون.
الدَّمّ: طلاء الشيء بأي لون كان، دمَّه بالدمام (الطلاء)، فهو مدموم، ودميم.
الرَّقْم: تخطيط في الثوب وغيره كالترقيم.
الترقين: الترقيم.
стр. 2725
الزَّبرقة: تصفير الثوب.
الزَّهلقة: تبييض الثوب.
التزويق: النقش والتزيين.
التضريج: صبغ الشيء بحمرة.
النقش: تلوين الشيء بلونين.
الوشي: الرقم والنقش.
هذا ما أردنا عرضه من أسماء الألوان، وأسماء ما يراعى في استعماله لون يقوم به، وقد رأيت فيما عرضناه من أسماء الألوان ما يذكر علماء اللغة في تفسيره لونين، أو ألواناً، ولواضع المصطلحات أن يقصر اللفظ المشترك على أحد معانيه؛ كما قالوا: الجون: الأحمر والأبيض والأسود، فله أن يخصه بأي لون شاء.
ورأيت فيما عرضناه من الأسماء ما يختلف علماء اللغة في تعيين اللون المراد منه، ولواضع المصطلحات فيما إذا اختلفوا، ولم يظهر وجه لترجيح رأي على غيره: أن يأخذ بالرأي الذي ينايسب الاصطلاح، كما اختلفوا في "الممصر" هذا يقول: ما فيه حمرة خفيفة، وهذا يقول: ما فيه صفرة خفيفة، فله أن يخص الممصر بما شاء من ذي حمرة خفيفة، أو ذي صفرة خفيفة. ويشابه هذا أن يختلف اللغويون في درجة اللون الذي وضع له الاسم، كما اختلفوا في "الفدم"، هذا يقول: المشبع حمرة، وهذا يقول: ما حمرته غير شديدة، فلواضع المصطلحات أن يخص كلمة الفدم بذي الحمرة الشديدة، أو ذي الحمرة الخفيفة.
ورأيت فيما عرضناه عليك أسماء تخصها المعجمات بنوع من الأشياء؛
стр. 2726
كالثياب، أو الحيوان، أو النبات، وهذا النوع من الأسماء يصح لواضع المصطلحات التصرف فيه باستعماله على وجه المجاز فيما بينه وبينه علاقة من نحو مشابهة، أو إطلاق، أو تقييد.
وملخص البحث: أن اللغة العربية تسع - بغزارة مفرداتها، ومساعدة أصول صرفها - كلَّ ما يحتاج إليه من المصطلحات العائدة إلى الألوان، وقد رأيتها كيف تدل على الألوان بالألفاظ الكثيرة التصرف، ورأيتها كيف فتحت أبواباً يمكن الدخول منها إلى وضع مصطلحات حاجات العلوم والمدنية، دون أن نضطر إلى ترقيعها بكلمات من لغات غير عربية.
стр. 2727
طرق وضع المصطلحات الطبيّة (١) وتوحيدها في البلاد العربية
شرف الأمة في رقي لغتها، ورقي لغتها في مسايرتها للعلوم والفنون، واتساعها لأن تخوض في بحث كل علم أو فن، وتشرح مسائله، وإن بلغت في كثرتها وغموضها أقصى غاية.
كانت العلوم والفنون على اختلاف موضوعاتها، قد وجدت من بيان اللغة العربية معيناً لا ينضب، فلم تلبث أن لبست من ألفاظ هذه اللغة وأساليبها حللاً ضافية.
ومن بين العلوم التي وجدت في اللغة العربية بغيتها في علم الطب، فتقبلته، وتقبلت كل ما يدخل فيه أو يتصل به من فنون.
وجد هذا العلم في اللغة أيام انتقاله إلى العرب مادة غزيرة، واستطاع أن يأخذ منها كل ما يسد حاجته، ويجعل العرب والمستعربين يتدارسونه بلسان عربي مبين.
انتقل هذا العلم إلى العرب وهو يعتزون بلغتهم، ويحرصون على أن تكون لغة العلم، كما كانت لغة السياسة والأدب والاجتماع، فالتفت علماء
стр. 2728
الطب إلى الألفاظ العربية التي وضعت لمعان تدخل في علمهم، أو تتصل به من نحو: أسماء العلل (١)، وأسبابها، وأعراضها، وأطوارها، وآثارها (٢). وأسماء الأعضاء والأجزاء منها، ظاهرة كانت أو باطنة، وأسماء ما يركب منه الأدوية من نحو: النبات، والمعادن، والأحجار، وأسماء الأدوات التي يستعان بها على المداواة (٣).
التفتوا إلى هذه الكلمات، واستعملوا كثيراً منها في معانيها المعروفة في اللغة، ولعلي لا أكون مخطئاً إذا قلت: أن علم الطب قد وجد في اللغة العربية مدداً أكثر مما وجده غيره من العلوم المنقولة إليها ووجد علماء الطب بعد ذلك المدد أصولاً في اللغة تسمح لهم بوضع مصطلحات لمعان طبية لم يتقدم للعرب أن وضعوا لها أسماء؛ مثل: أصول الاشتقاق والمجاز والنقل، فصاروا يضعون مصطلحات زائدة على ما تكلمت به العرب في هذا العلم، وصارت كتب الطب تصدر في عبارات عربية فصحى.
فإذا ألقينا نظرة على كتب الطب المؤلفة فيما سلف بأقلام عربية فصيحة، وجدناها قائمة على كلمات مستعملة فيما وضعها له العرب من المعاني الطبية، وكلمات اشتقها أولئك الأطباء لمعان يتحقق فيها معنى الفعل الذي
стр. 2729
اشتقت منه، كما سموا العرض دليلاً، نظراً إلى مطالعة الطبيب الاه، ومعرفته ماهية المرض منه.
وكلمات نقلوها من معانيها المعروفة عند العرب إلى معان تربطها بتلك المعاني مناسبة، كما استعملوا الرسوب في كل جوهر أغلظ قواماً من المائية، وإن لم يرسب.
قال ابن سينا في كتاب "القانون": إن اصطلاح الأطباء في استعمال لفظة: الرسوب، والثفل قد زال عن المجرى المتعارف؛ لأنهم يقولون: رسوب وثفل، لا لما يرسب فقط، بل لكل جوهر أغلظ قواماً من المائية متميزاً عنها، وإن طفا.
وكلمات صاغوها على مثال الإضافة؛ كما قالوا: حمى الدق، وهي الحمى المعروفة "أنطيقوس".
أو على مثال تركيب الصفة والموصوف؛ كما قالوا: الشريان الصاعد، والشريان النازل، أو على مثال النسب الذي يقصد به التشبيه؛ كما سموا أحد أنواع النبض الموجي؛ لأنه يشبه الأمواج إذ يتلو بعضها بعضاً على الاستقامة، مع اختلاف بينها في السرعة والبطء.
وقد نبه أبو علي بن سينا في كتاب "القانون" على وجوه تسمية الأمراض، فقال: قد تلحقها التسمية من وجوه:
إما من الأعضاء الحاملة (١) لها؛ كذات الجنب، وذات الرئة، وإما من
стр. 2730
أعراضها؛ كالصرع، وإما من أسبابها؛ كقولهم: مرض سوداوي، وإما من التشبيه؛ كقولهم: داء الأسد (١)، وداء الفيل (٢)، وإما منسوباً إلى أول من يذكر أنه عرض له؛ كقولهم: قرحة طيلانية منسوبة إلى رجل يقال له: طيلانس، وإما منسوباً إلى بلدة يكثر حدوثه فيها؛ كقولهم: القروح البلخية، وإما منسوباً إلى من كان مشهوراً بالإنجاح في معالجتها؛ كالقرحة السيروتية، وإما من جواهرها وذواتها؛ كالحمى، والورم.
وتجدد لذلك العهد أسماء عربية لأدوات طبية؛ كأسماء آلات الكي والجراحة التي ذكرها أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (٣) في كتابه المسمى: "التصريف" (٤)؛ فإنه رسم في هذا الكتاب صور الآلات، وذكر لكثير منها أسماء مناسبة؛ نحو: المكواة، والزيتونية، والمنشارية، والهلالية والمسارية.
ودخل في مصطلحاتهم كلمات مولدة؛ ككلمة "بحران" للتغير الذي يحدث للعليل دفعة في الأمراض الحادة، وكلمة "تفسرة" لماء المريض المستدل به على علته، يقال: أرسل فلان تفسرته إلى الطبيب، ونظر الطبيب
стр. 2731
في تفسرة المريض.
ومن أسباب أخذ علم الطب فيما سلف مكانة في اللغة الفصحى: أن كثيراً من رجال هذا العلم كانوا قد درسوا اللغة العربية إلى أن صاروا من أئمتها، أو صاروا من كبار أدبائها، تجدون الحديث عن هؤلاء الرجال، والتنبيه على رسوخهم في علم الطب واللغة، في كتب طبقات الأطباء، وطبقات اللغويين والأدباء؛ مثل: الرئيس أبي علي الحسين بن سينا، برع في الطب، وأتقن الأدب، وبلغ في اللغة مرتبة عليا، وله في الطب مؤلفات كثيرة، منها: كتاب "القانون"، وله مؤلف في اللغة يسمى: "لسان العرب".
ومثل أبي بكر محمد بن أبي مروان بن زهر (١)؛ فقد كان - كما قالوا - بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطب عذب معين، وكان يحفظ شعر ذي الرمة، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب (٢).
ومثل محمد بن أحمد بن رشد (٣)؛ فقد جمع إلى الطب والفلسفة التضلع في علوم العربية، وله في الطب مؤلفات منها كتاب "الكليات"، وله في العربية الكتاب المسمى: "الضروري".
ونرى طائفة ممن بلغوا في علوم الشريعة مرتبة الاستنباط - ولا يبلغ مرتبة الاستنباط في الشريعة إلا من كان له في علوم اللغة قدم راسخة - قد برعوا في علم الطب، ومن هؤلاء: الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر المازري (٤)، كان
стр. 2732
يعد في طبقة المجتهدين، ودرس علم الطب، وألف فيه، وقالوا في ترجمته: "كان يفزع إليه في الطب كما يفزع اليه في الفتوى (١) ".
ولا عجب أن يقبل الفقهاء على علم الطب، فإنهم يرونه من العلوم التي رفع الشرع الإسلامي منزلتها، حتى إنهم بنوا كثيراً من الأحكام الشرعية على رعايته، واستعانوا في بيان أسرار الأوامر والنواهي بشيء من مسائله، ومثال هذا: أن النبي - صلوات الله عليه - قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعًا إحداهن بتراب"، والعلامة محمد بن رشد جد الفيلسوف ابن رشد أول من نبه - فيما بلغنا - على أن هذا الامر مراعى فيه وجهة طبية، هي ما يخالط لعاب الكلب من مواد ضارة تعرض له عند ما يصاب بداء الكلب، وإصابته بهذا الداء قد تكون خفية، فلا تظهر لكل ناظر (٢).
فلولا أن علم الطب قد وقع فيما مضى بأيدي علماء اللغة، ما ظفر هذا العلم بتلك المصطلحات التي ترتبط باللغة ارتباطاً محكماً.
ويدلكم على أن أولئك الأطباء اللغويين كانوا يجتهمون في أن يخرج علم الطب في لسان عربى فصيح: تحريهم العربية الفصحى في ألفاظ مؤلفاتهم، نجد في ترجمة الطبيب اللغوي مهذب الدين عبد الرحيم بن علي: أنه كان إذا تفرغ من افتقاد المرضى من أعيان الدولة وغيرهم، يأتي إلى داره، ويأتيه طلاب علم الطب قوماً بعد قوم، وكان إلى جانبه - مع ما يحتاج إليه من الكتب الطبية - كتب اللغة: "الصحاح" للجوهري، و"المجمل" لابن فارس، وكتاب "النبات" لأبي حنيفة الدينوري، فكان إذا جاءت في الدرس
стр. 2733
كلمة لغوية محتاج إلى كشفها وتحقيقها، نظرها من تلك الكتب.
ومن يطالع شيئاً من مؤلفات أولئك الأطباء، ويمعن النظر فيما يستعملون من أسماء الأمراض وغيرها من المعاني المتصلة بعلم الطب، يعرف أن أولئك المؤلفين كانوا على اطلاع واسع في اللغة، وبذلك أمكنهم أن يجعلوا اللغة تسير مع علم الطب جنباً لجنب.
ينبئنا بهذا: أننا نجد جانباً عظيما من الألفاظ العربية غير الكثيرة الاستعمال مبثوثة في هذا العلم، ومنظومة في سلك مصطلحاته؛ ككلمة: "الحصف" للجرب اليابس، وكلمة: "الشرى" لبثور صغار حكاكة، وكلمة: "الحرصان" للحمة دقيقة لاصقة بحجاب البطن، وكلمة: "الصاخة" لورم يكون في العظم من صدمة أو كدمة (١)، و"القطرب" لنوع من الماليخوليا (٢).
وقف علم الطب بعد هذا في الشرق عند حد، وتناوله الغربيون من مؤلفات علمائنا، وأوسعوه بحثًا، وقطعوا فيه أشواطًا بعيدة المدى، وصارت المصطلحات العربية التي وضعت له من قبل لا تفي بما تجدد فيه من آراء ومستكشفات.
ظل هذا العلم يتقدم بخطوات سريعة، ويقيت لغتنا واقفة دونه بمراحل، ولما أقبل أبناء العربية على دراسته، اضطروا إلى أن يدرسوه بلغات أجنبية، وأصبح علم الطب وهو في ديارنا يدرس بلسان غير عربي.
وإذا وجد فيما سلف لغويون أطباء استطاعوا أن يسيروا بعلم الطب تحت ظلال اللغة ومقاييسها، فإن علم الطب الحديث واسع المباحث،
стр. 2734
كثير الفنون، فلا يتيسر لعلماء اللغة اليوم أن يبرعوا فيه كما برع فيه كثير من اللغويين من قبل إلا بمجهود كبير، وعناية متناهية.
ومن هنا شعر الناس في هذا العصر بالحاجة إلى إنشاء مجمع لغوي عربي يقوم بوضع مصطلحات العلوم؛ كي تسير اللغة الفصحى مع العلوم كتفًا لكتف.
وأخذ مجمع اللغة العربية يعمل لهذه الغاية المنشودة، ووجد في ميسوره أن ينقل العلوم - وبينها علم الطب على اختلاف فنونه، وكثرة مصطلحاته - إلى العربية الفصحى. تجد في المعاجم ألفاظاً كثيرة تتصل بهذا العلم، وهذه الألفاظ إما أن تكون نصاً في المعنى الطبي؛ نحو: "مثير" بمعنى الموضع الذي تلد فيه المرأة، فلو أطلقناه على الحجرة، أو الغرفة المعدة في المستشفى للولادة، كان استعمالاً للفظ في معناه العربي من غير تصرف فيه.
وأذكر بهذه المناسبة أني رأيت الطبيب أبا المؤيد محمد بن الصائغ الجزري ينهى في وصية له طبية عن أن يلتزم الإنسان في غذائه طعاماً خاصاً، فيقول:
إياك تلزأ كل شيء واحد ... فتقود طبعك للأذى بزمام
ووجدت لهذا المعنى بعد ذلك كلمة عربية هي: المرازمة، فقد شرحتها المعاجم بأن لا يداوم الإنسان في عيشه على طعام خاص.
ويلحق بمثل هذه الألفاظ المطابقة لمعناها: أن تذكر المعاجم في بيان مفهوم اسم المرض- مثلاً - سبب المرض، كما قالت: "السواد": داء يأخذ الإنسان من كل التمر يجد منه وجعًا في كبده، فنرى أن ذكر السبب لا يجعل الاسم خاصًا بما ينشأ عن هذا السبب، فإذا ظهر من طريق علم الطب
стр. 2735
أن هذا الداء بنفسه وأعراضه قد يحصل في الكبد من سبب آخر غير كل التمر، صح أن نطلق عليه لفظ: "السواد"، وإن لم يحدث عن كل التمر، ولا نعد هذا الإطلاق من نوع التصرف لإخراجها عن موضوعاتها اللغوية.
وأنبه هنا على أن المعاجم قد تذكر للكلمة الواحدة معاني طبية متعددة، كما قالوا: "الذرب": فساد الجرح، وفساد المعدة، والمرض الذي لا يبرأ.
والمجمع يتجنب في وضع مصطلحات العلوم أن يكون بينها لفظ مشترك، ويحافظ على أن يكون للاسم الواحد في العلم الواحد معنى واحد.
وقد تذكر المعاجم للمعنى الطعي الواحد، - مثلاً -, أسماء متعددة توردها على أنها مترادفة، كما قالوا لما يقاس به غور الجرح: سبار، ومسبار، ومحراف، وقالوا لذلك المرض: السل، والسحاف، ولواضعي المصطلحات وجه من الحق في تخصيص كل اسم بنوع من أنواع ذلك المعنى متى تعددت أنواعه، وقد سلك المجمع هذا المسلك في طائفة من مصطلحات العلوم.
وقد تشير المعاجم إلى اختلاف اللغويين في معنى الاسم، كما قال صاحب "القاموس": السلعة: خرل في العنق، أو غدة في العنق، أو زيادة في البدن كالغدة تتحرك إذا حركت.
وقد جرى المجمع على أن يأخذ في مثل هذا بالقول الذي يسد حاجة العلم.
ووجد المجمع في مؤلفات الأطباء فيما سلف مصطلحات محكمة الوضع، وخطته أن يحافظ على المصطلحات القديمة ما وجد لها وجهاً تدخل به في حدود العربية.
ووجد في علم العربية مقاييس تساعده على أن يصوغ للمعاني التي