← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

من وُثِّق من علماء اللغة ومن طُعِن فيه (١) لما نزل الكتاب المجيد، وبيَّن الحديث النبوي أحكامه وحكمه ودلائله - وكلاهما ورد باللغة العربية-، أقبل الناس على النظر في العربية مفرداتها وإعرابها وأساليبها؛ لتحقيق تفسير القرآن، وشرح الحديث الذي هو بيان له. ومقالنا هذا يبحث في رواية المفردات الصحيحة والمعتلَّة، ورواية الأساليب الصحيحة والفاسدة، وهو موضوع علم النحو، ولا يبحث عن رواية الأساليب التي يرتفع بها شأن الكلام، وهو موضوع علم البلاغة. ومن العلماء من وُثِّق في رواية مفردات اللغة؛ كمحمد بن أحمد الأزهري المتوفى سنة ٣٧٠ هـ، ألف كتابه المشهور "تهذيب اللغة"، وكان متفَقًا على ثقته وورعه، كما قال ابن خلكان: إن بعض الأفاضل ذكر لي أنه رأى بخطه: "إني امتُحنت بالأسر، سنةَ أن عارضت القرامطةُ الحاج في الهبير (٢)، والقوم الذين وقعت في سهمهم عرب نشؤوا بالبادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع ... إلخ"، وهذا الذي نقله ابن خلكان عن بعض الأفاضل هو ما ذكره الأزهري في مطلع كتابه "التهذيب".

стр. 2802

وممن ألف في اللغة: محمود الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ هـ؛ فقد ألف كتابه المسمى "أساس البلاغة"، غير أنه يمتاز عن بقية المعجمات ببيان ما هو مجاز أو استعارة؛ كقوله: "ذهب من داره إلى المسجد ذهابًا ومذهباً"، ثم قالوا: ومن المجاز والكناية: ذهب فلان مذهباً حسناً، وذهب عليَّ كذا: نسيته. ونرى "القاموس" يخلط في معاني الكلمة بين الحقيقة والمجاز؛ كما قال في مادة "أبل": "الإبل: حيوان معروف"، وأردف ذلك مباشرة: "أو السحاب الذي يحمل ماء المطر"، وهو مجاز، ثم قال، ويقال: "إبلان للقطيعين من الإبل ... إلخ". ومنهم من ألف في مفردات خاصة بأجناس؛ كما ألف معمر بن المثنى: "غريب القرآن"، و"غريب الحديث"، وكما ألف ابن الأثير: "النهاية في غريب الحديث"، وكما ألف الفيروز أبادي: "الروض المسلوف فيمن له اسمان إلى ألوف". وممن ألف في النحو: سيبويه، والخليل من البصريين، والكسائي، وثعلب من الكوفيين. فسيبويه له: "الكتاب" المعروف، والخليل بن أحمد له: "كتاب العين"، وثعلب له كتاب: "المصون"، وكتاب "اختلاف النحاة". ومن هنا صار النحو قسمين: نحو البصريين، ونحو الكوفيين. وظهر تأليفان: تأليف في نحو البصريين، وتأليف في نحو الكوفيين، وتأليف في اختلاف البصريين والكوفيين. ويقول أصحاب الطبقات: فلان يعرف نحو البصريين والكوفيين. وممن وثق من علماء اللغة: الخليل، وتلاميذه: سيبويه، ومؤرج

стр. 2803

السدوسي، والنضر بن شميل، وكذلك ثعلب، والكسائي، والقاسم بن سلام، وأبو حنيفة الدينوري. والموثقون من علماء العربية كثير، والمطعون فيهم قليل، ويعتمد في التوثيق وعدم التوثيق على من عاصرهم من أهل الصدق، ولم يكن بينهما منافرة. فلا يعتمد على قلة الثقة بابن دريد على ما قاله فيه نفطويه؛ لأن بينهما منافرة فقد قال فيه: ابن دريد بقرة ... وفيه عِيٌّ وشَرَه ويدَّعي من حمقه ... وضعَ كتاب "الجمهرة" وهو كتاب "العين" ... إلا أنه قد غَيَّره وقد نفهم صدق العالم من تأليفه. فتتبع كلام الرجل المختلف الغايات يدل على شيء من أخلاقه وطبائعه، مثال هذا: ابن الأنباري الذي يقول في قصيدته التي خاطب بها أبا زكريا الحفصي يرغب منه النصرة لأهل الأندلس: أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا والقصيدة طويلة بليغة للغاية. فالذي ينظم هذه القصيدة المملوءة بلاغة وغيرة لا يكون إلا نقي الأخلاق، بعيداً عن أن يقول في العربية ما لم يسمع. والذي يشترط فيه الصدق هو من ينقل عن العرب أنفسهم؛ كالأزهري في "التهذيب"، أو من ينقل عن الثقة الذي ينقل عنهم؛ كالجوهري صاحب "الصحاح". أما صاحب "المصباح"، فأكثره متابع للمعاجم المعروفة، ونجد فيه ألفاظاً لا توجد في المعاجم التي بين أيدينا؛ كرفيع بمعنى: رقيق، وكعوائد: جمع عادة.

стр. 2804

وممن طُعن فيه: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي. قال الأزهري في "التهذيب": حضرته في داره ببغداد غير مرة، فرأيته يروي عن أبي حاتم، والرياشي، وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، فسألت إبراهيم بن محمد بن عرفة الملقب بنفطويه عنه، فاستخف به، ولم يوثقه في روايته. ودخلت يوماً عليه، فوجدته سكران لا يكاد يستمر لسانه على الكلام من غلبة السكر عليه. وتصفحت كتاب "الجمهرة" له، فلم أره دالًا على معرفة ثاقبة، وعثرت منه على حروف كثيرة أزالها عن وجوهها، وأوقع في تضاعيف الكتاب حروفًا كثيرة أنكرتها، ولم أعرف مخارجها، فاثبتها من كتابي في مواقعها منه؛ لأبحث عنها أنا وغيري ممن يظهر فيه لبعض الأئمة، فإن صحت لبعض الأئمة، اعتمدتها، وإن لم توجد لغيره، وقفت. وممن طعن فيه الأزهريُّ - في مقدمة كتاب "التهذيب" -: الجاحظُ، فقال: "وممن تكلم في لغة الغريب بما حضر لسانه، وروى عن الأئمة في كلام العرب ما ليس من كلامهم: عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ، وكان أوتي بسطة في لسانه، وبيانًا عذبًا في خطابه، ومجالاً واسعاً في فنونه، غير أن أهل المعرفة بلغات الغريب ذموه، وعن الصدق دفعوه". وأخبر أبو عمرو الزاهد: أنه جرى ذكره في مجلس أحمد بن يحيى، فقال: "اعزبوا عن ذكر الجاحظ؛ فإنه غير ثقة، ولا مأمون". وممن طعن فيه: أبو علي محمد بن المستنير المعروف بقطرب. قال ابن السكيت: "كتبت عنه قِمَطْراً، ثم تبينت أنه يكذب في اللغة، فلم أذكر عنه شيئاً". وممن طعن في روايته: أبو الفرج الحسين الأصبهاني صاحب كتاب

стр. 2805

"الأغاني"؛ فقد قال ابن شاكر في كتابه "عيون التواريخ": إن الشيخ شمس الدين الذهبي قال: رأيت شيخنا - يعني: ابن تيمية - يضعفه، ويتهمه في نقله، ويستهول ما يأتي به. وقال ابن الجوزي: "لا يوثق بروايته؛ فإنه يصرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق. ومن تأمل كتاب "الأغاني"، رأى كل قبيح ومنكر". وممن طُعن فيه: أبو العلاء صاعد بن الحسين، جاء من الشرق إلى الأندلس في عهد المنصور بن أبي عامر، فشاهد منه علماء الأندلس إخباراً في اللغة بخلاف الواقع، فاعرض عنه أهل العلم كما قال المقري في "نفح الطيب"، وقدحوا في علمه وعقله. وألَّف لهم كتاب "الفصوص"، فألقوه في النهر، ولم يأخذوا عنه شيئاً؛ لقلة الثقة به. ولا يقدح خطأ رأي العالم في الثقة بروايته. فابن تيمية - مثلاً - يصحح رواية سيبويه، ويخطئه في التطبيق، وقد روى: أن أبا حيان كان رفيقًا لابن تيمية، فرد ابن تيمية على سيبويه فقال له أبو حيان: أترد على سيبويه؟ فقال: هل سيبويه نبي النحو؟ لقد أخطأ في ثلاثين موضعاً من كتابه، فهجره أبو حيان، وكان شأن أبي حيان أن يقول له: بيِّن لنا الخطأ الذي وقع في الثلاثين موضعاً ويردها أو يسلم بها، ولا يكون قول ابن تيمية وحده سبباً للهجرة. ومن يروي شيئاً في اللغة، وهو لا يوثق بروايته، يحفظ قوله، فإن ورد ما رواه عن راو آخر يوثق بروايته، أخذ به، وإلا، وقف عن روايته كما قال الأزهري في "تهذيبه". وهناك فريق ثالث يخرج من اللغة ما يصح أن يكون داخلاً فيها؛

стр. 2806

كالقاسم الحريري؛ فقد ألَّف "درة الغواص في أوهام الخواص"، وكثر ما جعله وهمًا، وليس بعربي فصيح، رده شارحو كتابه: الشهاب الخفاجى، والشيخ محمود الألوسي بأنه عربي فصيح، إما بمطابقته لقول بعض النحاة، أو بوجه عربي مقبول. وعلى فرض أن سجل ما ينطق به أشباه العامة، فعلينا أن نضع علامات لما زيد على العربية الفصحى. ومن أدبائنا من يمشي في طريق معاكس لهذا، فيسبق إلى ذهنه أن استعمال العامة من الناس لكلمة توافق العربية، فيستعملها على أنها عربية فصيحة، ويتبين أن العامة لم يستندوا إلى نطق عربي فصيح، ولو قبلنا هذه الكلمة، لزم أن نقبل كل ما تنطق به العامة مخالفاً العربية الفصحى؛ كاشتقاق بعضهم اسم الفاعل من فخم: فخيم، والعرب يقولون: هو فخم، ولم يقولوا: فخيم، وقول العامة: عمولة، وهي في اللغة: عمالة - بالكسر والضم -. ثم إنا لو قبلنا دخول هذا في معاجمنا على أنه من العربية الفصحى، لكثر في اللغة المترادف: اللفظ العربي، واللفظ العامي الذي زيد عليه. ومن أدبائنا من يرون كثرة المترادف في اللغة من العيب فيها، وأنه يجب إعدامه. ولا يضرنا وجود المعرب في اللغة إذا اقتضت الحاجة، ولا سيما إذا لم يوجد له مثال قريب من العربية. وقد أخذ الأتراك كلمتي: فانوس، وفنار من اليونان، ثم أخذتهما أمم عربية، وصارتا من مفرداتها اللغوية. وكذلك: الجذوة؛ فقد قال في المعجم التركي شمس الدين سامي: هي مأخوذة من العربية، والأصل: قبسة من النار. ويستعمل في تونس: "كاهية" لنائب الرئيس، قال السيد محمد فريد في رحلته إلى تونس: إن أهل تونس يطلقون كاهية بمعنى: وكيل الرئيس، وهي محرفة عن "كيخيا" المحرفة هي أيضاً عن

стр. 2807

"كتخدا". والحق أن كتخدا فارسي، ومعناه: بيت الرب. وحرّفه الأتراك إلى قولهم: كاهية بمعنى: وكيل الرئيس، ولفظ كيخيا لعلّه مستعمل في مصر فقط، فإنا لم نره في المعجم التركي الذي بين أيدينا لشمس الدين سامي. لهذا أرى من الواجب أن نتحرز مما ينسب إلى غير الموثوق بهم حتى يعضده نقل آخر موثوق به، أو يكون له في العربية وجه مقبول.

стр. 2808

اللَّهجات العربية في هذا العصر (١) لهجات البلاد العربية اليوم أصلها العربية الفصحى، دخلها الفساد من وجوه شتى، وظهر في كثير من ألفاظها وأساليب مخاطبتها. ولما كان مجمع اللغة العربية الملكي يعمل لسلامة اللغة العربية، وسد ثغور حاجاتها، وإصلاح ما اعتراها من خلل، كان من حقه دراسة تلك اللهجات بقدر المستطاع، متخذًا هذه الدراسات وسيلة إلى تخليصها مما طرأ على ألفاظها وأساليبها من فساد. وذلك أن دارس اللهجة يذكر الكلمات التي دخلها التحريف، ويبيِّن وجه تحريفها، وينبه على وجهها الصحيح، ويذكر الكلمات التي دخلها التحريف، ويدل على ما يقوم مقامها من الألفاظ العربية الفصيحة، ويتعرض للكلمة المستعملة في غير معانيها المعروفة في كلام العرب، أو معجمات اللغة، حتى إذا لم يجد بين هذه المعاني والمعاني التي وضعت لها الكلمة مناسبة، نبّه على أن هذه الكلمة استعملت في غير مواضعها، وأرشد إلى الألفاظ التي يصح أن تستعمل مكانها. وإذا أخذ يبحث في الأساليب، ووجد فيها ما يخالف قانون نظم الكلام

стр. 2809

العربي، نبه على هذه المخالفة، وذكر الوجه الذي يكون به الأسلوب عربيًا فصيحاً. وفي دراسة هذه اللهجات معرفة مقدار بُعدها عن العربية. والمجهودات التي تبذل في إصلاحها تكون على قدر ما عرف من هذا البعد؛ فقد يظن بعض أهل العلم أن اللغة الدارجة في طرابلس الغرب، أو في المغرب الأقصى بعيدة عن العربية أشد البعد، ويرى أن العودة بها إلى العربية المستقيمة أمر متعسر أو متعذر، ولكنه متى درسها بنفسه، أوقرأ كتبًا بحثتها بحثًا علميًا وافيًا، يعرف أنها لم تبعد عن العربية إلى الحد الذي سبق إلى ظنه، فيقوى أمله في السعي لإعادتها إلى العربية السليمة، ويعمل لتحقيق هذا الأمر مجتهداً. وأذكر أني كنت ممن يحسبون أن لهجة بلاد الجزائر قد بعدت من العربية إلى أقصى غاية، حتى أخذت أدرس مفرداتها، وأرجع فيما أشتبه فيه إلى معجمات اللغة، فوجدت أكثرها من أصل العربية، غير أنهم يحرفونه بنحو تبديل بعض الحركات أو الحروف، أو بصوغه على غير قياس، أو يتصرفون فيه باحد طرق المجاز، ويغلب استعماله في المعنى المجازي حتى يصبح حقيقة في عرفهم الخاص. ونجد في لهجة كل قطر ألفاظاً عربية فصيحة دارجة بين عامتهم، ولابتذالها في ألسنة العامة يتحاماها الكتاب والشعراء والمؤلفون، وقد تكون هذه الألفاظ عند أدباء قطر معدودة في غريب اللغة؛ لعدم جريانها في لهجتهم، وقلة ورودها فيما قرب مأخذه من كلام العرب، ومثال ذلك: أنك ترى العامة في بلاد بصحراء الجزائر يقال لها: "سوف" يستعملون لفظ: كرف بمعنى:

стр. 2810

الشم، فيقولون: كرفت؛ أي: شممت. وفي "القاموس": كل ما كرفته، فقد شممته. وأدباء تلك الناحية يتجنبون استعمالها بهذا المعنى؛ لابتذالها، وربما يعدها بعض الأدباء في بلاد الشرق من غريب اللغة، فيترك استعمالها لغرابتها، لا لابتذالها. ولو أرسلت في إيراد ما يشاكل هذه الكلمة في ابتذاله بين أهل قطر، وعده غريباً عن آخرين، لأتيت بكلم كثير. فبحثُ المجمع في لهجات البلاد العربية اليوم وأساليبها، واستكشافُ ما دخلها من ضروب الفساد، ثم التنبيهُ على وجوه صحتها في مجلته، أو في مؤلفات خاصة، نراه من أقرب الوسائل إلى إصلاح هذه اللهجات، وإعادتها إلى أصلها العربي الفصيح. ولا يغني عن هذه الدراسة أن يحيل أهل تلك اللهجات على معجمات اللغة، وكتب النحو؛ فإن أكثر الناس يأخذهم التعود على النطق بلفظ أو أسلوب غير عربي، فلا يتنبهون لوجه الخطأ في استعماله. ومثل هذا التعود كان السبب في انتشار أخطاء كثيرة، حتى بين الأدباء والمؤلفين من أهل العلم، ولم ينكشف للناس أمرها إلا بعد أن قام رجال من العلماء الراسخين في اللغة، فأقبلوا يتتبعون بقدر ما استطاعوا تلك الألفاظ التي يخطئ في استعمالها الخواص من الناس، فنقدوها، وبيَّنوا وجه استعمالها الصحيح، فتجنبها من يتحرَّى النطق والكتابة بالعربية الفصحى. وإذا وجد أفراد خدموا اللغة بإصلاحِ جانبٍ من أخطاء طرأت عليها، وأنقذوا ألسنة كثيرة وأقلامًا من معرَّة تلك الأخطاء، فجدير بمجمع اللغة العربية الملكي أن يقوم بعمل أوسع من عمل أولئك الأفراد، وأعظم منه أثراً، وهو أن يدرس لهجات الأقطار العربية من ناحية ما دخل في ألفاظها وأساليبها من

стр. 2811

أغلاط، ويدل على وجهها الصحيح. وأذكر أني كنت في مجلس حضره أحد كبار رجال الدولة في هذا العهد، ودار حديث يتعلق بالمجمع، فقال: إن أهم عمل يقوم به المجمع أن يأتي إلى ألفاظ دائرة في اللغة الدارجة، وليست بعربية، فينبه على الألفاظ الفصيحة التي تقوم مقامها، وضرب المثل بكلمة: "يادوبك" في اللهجة المصرية، وهذه الكلمة تستعمل بمعنى: على أكثر تقدير. فهذا أحد عظماء الدولة يرى أن من أهم أغراض المجمع دراسة اللهجات الحاضرة، والعمل لإصلاحها. واتصال المجمع بعلماء الأقطار العربية وأدبائها يساعده على درس هذه اللهجات، ويكون هؤلاء العلماء والأدباء هم الذين يتلقون ما يقرره من إصلاح، ويأخذون به النشء ما أمكنهم، ويذيعونه في دروسهم ومجالسهم، ويدعون إليه في صحفهم. وقد روير في نظام المجمع ما يؤكد الصلة بينه وبين تلك الأقطار؛ إذ جعل للمجمع انتخاب أعضاء فخريين، وأعضاء مراسلين، فإذا جرى المجمع في انتخاب هؤلاء الأعضاء على أن يكون له في كل قطر عضو أو أعضاء، انفتح أمامه الطريق لدراسة هذه اللهجات دراسة وافية. ودراسة اللهجات - بعرض مفرداتها وأساليبها على قوانين العلوم العربية - قد تحتاج إلى مجهود كبير، وزمن غير قصير، ولكن غاية سامية مثل هذا الإصلاح ينبغي للمجمع أن يقف دونها، وهو يستطيع إدراكها، ولو بعد عشرات من السنين. أما لجنة اللهجات، فقد كتب أعضاؤها في لهجة مصر والشام وتونس

стр. 2812

والجزائر، ولكن اللجنة أرجات النظر فيما كتبوه؛ لكثره ما عرض في جلسات المجمع من مصطلحات العلوم والفنون والشؤون العامة، فإذا زيد في أعضاء المجمع، وكان عمله متواصلاً غير مقيد بجلسات معلومة، استطاعت اللجنة أن تواصل عملها، وتعرض على المجمع ما يصل إليه بحثها.

стр. 2813

نيابة بعض الحروف عن بعض (١) يتعرض النحاة لمعاني الحروف، فيذكرون للحرف الواحد معنيين، أو معاني، كما يقولون في الباء: تأتي للسببية، والظرفية، والاستعانة، وإذا وقفت على ظاهر صنيعهم، تبادر إلى ذهنك أن الحروف التي تعددت معانيها من قبيل المشترك، وهو اللفظ الدال على معنيين فأكثر؛ بحيث يدل كل معنى مستقل عن الآخر دلالة لا يحتاج فيها إلى تطلب علاقة. وقد رأينا كثيراً من محققي النحاة يعملون لتقليل معنى الحروف، فيأتون إلى كثير من الشواهد التي يريد بعضهم أن يثبت بها للحروف معاني زائدة على معانيها الكثيرة الدوران في كلام الفصحاء، ويردونها إلى المعاني المعروفة في الاستعمال، كما يفعل ابن هشام، ونجم الدين الرضي، وكما فعل السكاكي في كتاب "المفتاح"، وكذاك ينبغي أن تكون معاني الألفاظ المشتركة قليلة؛ فإن قلتها أعون على حسن البيان. وقد تمر على قول النحاة: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، فيجعلك هذا القول في حيرة، أو يذهب بك في استعمالها على غير طريقة، تسمعهم يقولون: إن "في" - مثلاً - تكون بمعنى: "إلى"، أو تكون بمعنى:

стр. 2814

"الباء"، فتريد أن تذهب بذلك مذهب القياس، فتقول بدل "سرت إلى البحر": سرت في البحر، أو تقول بدل "بعته بدرهم": بعته في درهم. وإذا مشيت على هذا الوجه من القياس، وقعت في لبس من القول، وأتيت بجمل تنبو عنها الفطرة العربية، وقد نقد أحد فلاسفة اللغة- وهو ابن جني- قول النحاة: إن الحروف يستعمل بعضها مكان بعض، ونبه لما في إطلاق هذه العبارة من فساد، فقال في كتاب "الخصائص": "هذا باب يتلقاه الناس مغسولًا ساذجًا من الصنعة، وما أبعد الصواب عنه، وأوقفه دونه! ". ثم قال: "ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا، ولكنا نقول: إنه يكون بمعناه في موضع، دون موضع على حسب الحال الداعية إليه، والمسوغة له، فأما في كل موضع، وعلى كل حال، فلا". ثم أتى إلى كثير من الشواهد التي ساقوها على استعمال الحرف بمعنى الحرف؛ وخرَّجها على وجوه تبقى بها الحروف في معانيها المعروفة، واعتمد في هذه الوجوه على باب التضمين. وقال ابن القيم في كتاب "بدائع الفوائد": "وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر، وأما فقهاء العربية، فلا يرتضون هذه الطريقة، بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف، ومعنى مع غيره، فينظرون إلى الحرف، وما يستدعي من الأفعال، فيشربون الفعل المتعدي به معناه، هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه، وطريقة حذاق الصناعة، يضمنون الفعل معنى الفعل، لا يقيمون الحرف مقام الحرف. وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن". وخلاصة هذا المذهب: أن الحروف لا تستعمل إلا في معانيها الشائعة

стр. 2815

في كلام الفصحاء، فإذا وجه إليك كلام، وظهر لك أنه قد أنيب فيه حرف مكان حرف، فإن هناك تضميناً، أو حذف كلمة يبقى به الحرف على حقيقته المعروفة في الاستعمال. وإذا صرفت النظر إلى فن البيان؛ رجاء أن تجد فيه ما يزيد البحث وضوحًا، وجدتهم يعدون في قبيل الاستعارات: استعارة حرف لمعنى آخر. ولا يزيدون على أن يذكروا لك أمثلة قليلة؛ لتعلم منها كيف تجري الاستعارة في الحروف. غير أنك تحتاج بعد هذا إلى تفصيل القول في معاني الحروف، حتى تصرف المعاني التي وضعت لها الحروف على وجه الحقيقة؛ لتفرق بينها وبين المعاني التي تستعمل فيها على وجه المجاز. ولا لوم على البيانيين إذا لم يفصّلوا لك القول في معاني حروف الجر؛ فإن ذلك من شأن اللغوي الذي يبحث عن دلالات الألفاظ المفردة. فإذا ضم المجمع اللغوي ما يقوله البيانيون إلى ما يقوله ابن جنّي وغيره من المتفقهين في العربية، أمكنه أن يقرر أن الحرف لا يستعمل مكان آخر إلا على وجه الاستعارة، أو على وجه التضمين. وعلى المؤلفين في العربية بعد هذا أن يقتصروا في بيان معاني الحروف على المعاني الحقيقية، وإن تعرضوا لما زاد على ذلك، فمع بيان أنها معان لم يوضع لها الحرف، حتى يكون الناشئ على بصيرة من أن استعمال الحرف في هذه المعاني من قبيل الاستعارة التي لا تتم إلا بملاحظة علاقة، ونصب قرينة. وتتعرف المعاني الأصلية للحروف من نصوص علماء العربية، أو من تتبع موارد استعمالها، وكثرة دورانها في الكلام الفصيح.

стр. 2816

الأمثال في اللّغة العربيّة (١) المَثَلُ في أصل وضعه: المثيل، والشبيه، ويطلق على الكلام البليغ الشاخ المشهور؛ لحسنه، أو لاشتماله على حكمة، وذلك ما نبغي الحديث عنه في هذا المقال. توجد الأمثال حتى في غير اللغات الراقية، ولا تكاد لغة تخلو من الأمثال. وها نحن نجد بين الجماعات البعيدة من العلم أو المدنية أقوالاً من نوع كلامهم يضربونها في مواضع تشبه مواردها، ولا فرق بينها وبين ما جاء في الفصيح من الأمثال إلا الفرق الذي نحسه بين اللغة الدارجة واللغة العربية الخالصة. من خواص المثل: الإيجاز، وأن يكون جيد العبارة. ولإيجازه وجودة عبارته تداولته الألسنة، وقبلته خاصة الناس وعامتهم. قال الزمخشري: "ولم يضربوا مثلاً، ولا رأوه أهلاً للسير، ولا جديرًا بالتداول والقبول، إلا قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه". وقال الفارابي: "المثل ما ترضاه العامة والخاصة في لفظه ومعناه، حتى ابتذلوه فيما بينهم، وفاه بها في السرَّاء والضرَّاء".

стр. 2817

وقال: "وهو أبلغ الحكمة؛ لأن الناس لا يجتمعون على ناقص، أو مقصر في الجودة، أو غير مبالغ في بلوغ المدى في النفاسة". وقال أبو عبيد: "اجتمع في الأمثال ثلاث خلال: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه". يصوِّر المثل الحقائق في أجلى صورة، ويريك المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة، فإذا أردت أن تصف رجلاً بالدهاء، وجودة الرأي، والأخذ في تدبير الأمور بأنجح الطرق، ورمت أن تعبر عن هذا المعنى بلفظ موجز ينقشه في نفس المخاطب حتى كأنه يراه رأي العين، ضربت فيه المثل: "يعرف من أين تؤكل الكتف". وإذا سمعت كلاماً كثيراً لا تُجنى منه فائدة، وأردت أن تصفه بكلمة يخف وقعها في الأذن، وتضع ذلك المعنى موضع المشاهد، ضربت فيه المثل: "أسمع جعجعة، ولا أرى طحناً". يحسن ضرب المثل حيث يكون سبب وروده معروفاً للمخاطبين. وكثير من الأمثال لا يفهم منها معنى، وإن كانت ألفاظها واضحة الدلالة على معانيها المفردة، فالمثل: "إن يبغ عليك قومك، لا يبغ عليك القمر"، مفرداته واضحة المعاني، وليس في تركيبه حذف، ولا لفظ يتوقف فهمه على كلام يسبقه أو يأتي من بعده، ولو سقته في الحديث مع من لا يعرف مورده، لم تصل به إلى الغرض الذي تستعمل من أجله الأمثال، وهو إبراز المعنى في صورة مألوفة تتلقاها النفوس بارتياح، وإنما يفي هذا المثل بالغرض، ويقع المعنى المقصود في نفس المخاطب موضع الجلي الواضح، متى عرف: "أن بني ثعلبة بن سعد بن ضبة في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ليلة

стр. 2818

أربع عشرة من الشهر، فقالت طائفة: تطلع الشمس، والقمر يُرى، وقالت طائفة: يغيب القمر قبل أن تطلع الشمس، فتراضوا برجلٍ جعلوه حكماً، فقال واحد منهم: إن قومي يبغون عليّ، فقال الحكم: "إن يبغ عليك قومك، لا يبغ عليك القمر". قد يستعمل المثل على وجه الاستعارة؛ كضرب المثل: "الصيف ضيَّعتِ اللبن" في حق من كان متمكنًا من أمر، فأضاعه من يده، ثم جاء يطلبه بعد فواته، فإنك شبهت حال هذا الرجل بمورد المثل، وهو حال المرأة التي كانت تحت شيخ موسر سألته الطلاق، فطلقها زمن الصيف، فتزوجت شابًا فقيراً، فلما دخل الشتاء، أرسلت إلى الشيخ تستقيه لبناً، فقال لها: "الصيف ضيعت اللبن"، واستعرتَ هذا المثل إلى حال الرجل الذي أضاع أمراً كان طوع يده، ثم رغب في مناله. واستعمال الأمثال على هذا الوجه هو الذي تحدث عنه البيانيون، فقالوا: "متى فشا استعمال المجاز المركب، سمي: مثلاً". وقد يستعمل المثل على وجه التشبيه الصريح؛ كان تذكر شخصًا تريد أن تصفه بأنه يُشتهى قربه، ويخاف شره، فتقول: هو "كالخمر يُشتهى شربها، ويُخاف صداعها". وقد يستعمل على وجه الحقيقة المحضة، كأن ترى شخصًا اعتبر في بعض الأمور بما وقع فيه غيره من عاقبة مكروهة، فأخذ حذره من ذلك الأمر، فتقول: "السعيد من اتعظ بغيره" فليس في ضرب هذا المثل استعارة ولا تشبيه. والكتب التي صنفت في أمثال العرب، كأمثال أبي عبيدة، والميداني،

стр. 2819

وابن قتيبة، وابن حبيب، وابن الأنباري، وابن هلال، والشيخ طاهر الجزائري، تجمع الأنواع الثلاثة، ولا تختص بما تحدث عنه البيانيون، وهو المجاز المركب الذي يفشو استعماله. يلزم في المثل: أن يكون قولاً موجزاً شائعاً، وقد يكون حكمة؛ أي: كلاماً ينهى عن سفه، أو يدعو إلى خير، نحو: "إنَ المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقي"، وهو مثل يضرب لمن يجهد نفسه في طلب الشيء، ويبالغ في الطلب، حتى إنه ربما يدركه التعب أو الملل، فينقطع دون البلوغ إلى الغاية. وقد يكون خالياً من الحكمة بالمعنى المشار إليه، ولكنه يدل على معنى مقبول؛ كالأمثال الصالحة للاعتذار؛ نحو: "مكره أخاك لا بطل". والحكمة التي تؤدي إلى ما يؤديه المثل، إلا أنها لم تشع في الجمهور، ولم تجر إلا بين الخواص، يسميها بعض الأدباء بالنادرة. ومن الأمثال ما يكون كلاماً مستقلاً بنفسه، نحو: (حُبُّك الشيءَ يُعمي وُيصم"، ونحو: "ربَّ أخ لك لم تلده أمك". وقد يكون مقتطعًا من كلام؛ نحو: "إن المقدرة تذهب الحفيظة". قال أبو عبيد: بلغنا هذا المثل عن رجل عظيم من قريش في سالف الدهر كان يطلب رجلاً بثأر، فلما ظفر به، قال: لولا أن المقدرة تذهب الحفيظة، لا نتقمت منك. ثم تركه. وإلى هذين الضربين من الأمثال أشار المرزوقي في كتاب "الفصيح"، فقال: المثل جملة من القول مقتضبة من أصلها، أو مرسلة بذاتها، فتتسم بالقبول، وتشتهر بالتداول. يقول علماء الأدب: إن الأمثال لا تُغير، بل تجري كما جاءت، حتى إنهم يحافظون عليها، وإن جاءت على بعض الوجوه الشاذة. قال الزجاج

стр. 2820

في "شرح أدب الكاتب": الأمثال قد تخرج عن القياس، فتحكى كما سمعت، ولا يطرد فيها القياس، فتخرج عن طريقة الأمثال. وقال المرزوقي: من شرط المثل: أن لا يغير عما يقع في الأصل، ألا ترى أن قولهم: "أعطِ القوس باريها" تسكن ياؤه، وإن كان التحريك الأصل؛ لوقوع المثل في الأصل على ذلك. ويتصل بهذا: أن لا يغير المثل ليوافق حال من ضرب في شأنهم؛ من نحو التذكير والتأنيث، أو الإفراد والتثنية والجمع، بل يستعمل باللفظ والحال التي نطق به العربي في أول ما نطق به (١). والعلَّة العامة في امتناع تغيير ما يسمى مثلاً: أن تغييره يخرجه عن أن يكون اللفظ المتداول المشهور، وفي امتناع تغيير المثل الذي يستعمل على وجه الاستعارة علة خاصة، هي أن الاستعارة مبنية على استعمال لفظ المشبه به، ولو غير المثل؛ كأن قلت: (الصيف ضيعتَ اللبن"- بفتح تاء الخطاب -، لما كان لفظ المشبه به مستعملاً في المشبه بعينه، ومن تصرف في المثل بالتغيير، كان مشيرًا إلى المثل، لا ضارباً للمثل نفسه. وقد عد علماء الأدب فيما يجب أن يعرفه الكاتب والشاعر: الأمثال العربية. قال ابن الأثير في "المثل السائر": وكنت جردت من كتاب "الأمثال" للميداني أوراقاً خفيفة تشتمل على الحسن من الأمثال الذي يدخل في باب الاستعمال. وإذا كان في الأمثال حكمة وبلاغة، كان في العناية بجمعها ودرسها وسيلة من وسائل ترقية التحرير والخطابة.

стр. 2821

وصف جمع غير العاقل بصيغة فَعْلاء (١) جرى اختلاف بين أدباء العصر في صحة عبارة وقعت في منثور الكتَّاب، ومنظوم الشعراء منذ عهد بعيد، وهي العبارة التي يوصف فيها الجمع بصيغة فعلاء. وأول مناقشة جرت في هذا كانت بين الأستاذ (فريتس كرنكو العرباني الجرماني)، والأب (آنستاس الكرملي)؛ حيث كان الأب آنستاس يستعمل في مجلته "لغة العرب" فعلاء وصفاً للجمع، كان يقول: الأشجار الخضراء، بدلأ من: الأشجار الخضر، فأنكر عليه الأستاذ (كرنكو) بدعوى أن هذا الاستعمال خطأ، ورد عليه الأب (آنستاس) بأن من مزايا لغة العرب وصف المنعوت المجموع من غير العاقل بصفة المفردة المؤنثة، وأورد شواهد فيها وصف الجمع بصفة فاعلة؛ نحو: الأيام الخالية، وقطوفها دانية، وتناولت الصحف والأندية الحديث عن هذه المسألة باحثة عن وجه الحق في هذه العبارة، فبدا لي أن ألقي نظرة فاحصة بين نظراتهم حتى أثق بفصاحة هذا الوصف، وتناولته من حيث القياس والسماع، فكان ملخص البحث ونتيجته ما يأتي:

стр. 2822

يقول علماء العربية: يجوز وصف الجمع المكسر لغير العاقل بالمفرد المؤنث، غير أن وصفه بالمفرد المؤنث بالتاء كثير شائع، ووصفه بالمفرد المؤنث بالصيغة قليل، والمراد من المؤنث بالصيغة: ما كانت علامة تأنيثه ألف التأنيث المقصورة، أو الممدودة، فالحكم الذي قرروه عام، ولكنهم اقتصروا فيما رأينا على التمثيل بما فيه ألف التأنيث المقصورة. قال أبو البقاء في "الكليات": "والجمع المكسر لغير العاقل يجوز أن يوصف بما يوصف به المؤنث، نحو: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]، وهو قليل". ثم قال: "والجمع يوصف بالمفرد المؤنث بالتاء، وهو شائع، وقد يوصف بالمفرد المؤنث بالصيغة؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]. ومازال الناس يحملون ما قرره علماء العربية من جواز وصف جمع التكسير لغير العاقل بالمفرد المؤنث على عمومه، دون أن يتعرض أحد لمنع وصفه بفعلاء. وورد وصف الجمع بصيغة فعلاء في أشعار هذا العصر؛ كما قال الأستاذ خليل مطران في رثاء شوقي: يجلو نبوغك كلَّ يوم آية ... عذراءمن آياته الغرّاء فقد وصف الآيات، وهي جمع، بغرّاء. وقال أيضاً: النيل يجري من عميق دافق ... من حيث ينبع في الربا السَّمَّاء وقال الأستاذ بشارة الخوري في رثاء شوقي: قاموا على سرر الأعراس وانتبهوا ... على صياح بكيّ الطرف عائرِهِ على مآتم من طير ومن شجر ... خرساء كالقبر غرقى في دياجره

стр. 2823

فوصف المآتم بقوله: خرساء. وورد وصف الجمع بفعلاء في كثير من أشعار المولدين قبل هذا العصر، كما قال القاضي الفاضل عبد الرحيم (١): متكفن بملابس ... حمراء وهي تعود خضرا وقال برهان الدين القيراطي المتوفى سنة ٧٨١ هـ: شرَّف الله أحمداً سيد الخلق ... بأسنى المواهب الحسناء وقال: قد تشرفت حيث صغت قريضاً ... في معاني صفاتك العلياء وقال الإشبيلي (٢): أفديه إن أخذ الطلا منه وقد ... دعت الكرى أجفانه الوطفاء وقال مهيار الديملي: راكب العز في مفاوزها اليَهْـ ... ـماءِ سار لا يركب التغريرا فوصف المفاوز، وهو جمع، باليهماء، قال صاحب "الأساس": "مفازة يهماء: ما فيها ماء". وقال اليازجي: "وبوده أن يكون فداء عن أياديهم البيضاء". وورد في أشعار المولدين فَعْلاء خبراً عن ضمير يعود على جمع؛ كما قال أبو تمام:

стр. 2824

فيا حسن الرسوم وما تمشى ... إليها الدهر في صور البعاد وإذ طير الحوادث في رباها ... سواكن وهي غنّاء المراد فقوله "غنّاء المراد" خبر عن الضمير العائد إلى الرسوم، أو إلى رياها. وقال ابن هانئ: طويت لي الأيام فوق مكايد ... ما ينطوي من فوقها الأعداء ما كان أحسن من أياديها التي ... توليك إلا أنهاحسناء وقال أبو الطيب المتنبي: وعقاب لبنان وكيف يقطعها ... وهوالشتاء وصيفهن شتاء لبس الثلوج بها علي مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداء فقوله: "سوداء" خبر عن الضمير في قوله: "فكأنها"، وهذا الضمير عائد على الثلوج، أو على المسالك. بل ورد مثل هذا في شعر عربي فصيح، قال المخبل السعدي: أعرفت من سلمى رسوم ديار ... بالشط بين مخفق وصحار وسألتها عن أهلها فوجدتها ... عمياء جاهلة عن الأخبار فقوله: "عمياء" مفعول ثان لوجدت، وهو بمنزلة الخبر عن الضمير العائد إلى رسوم ديار "الأغاني". وورد خبراً عن الضمير العائد إلى جمع بعد الإخبار عنه المفرد المؤنث بالتاء؛ كما قال ابن هانئ: لولا مشيب بفودي للفؤاد عصا ... أنضيت في مهمه التشبيب لي قلصا واستوقفت عبراتي وهي جارية ... وكفاء توهم ربعاً للحبيب قصا

стр. 2825

وجرى على هذا المرحوم حافظ إبراهيم، فقال: يستنطق الآلام وهي دفينة ... خرساء حتى تنطق الآلام فأخبر عن الضمير العائد إلى الآلام بفعلاء بعد أن أخبر عنه بالمفرد المؤنث بالتاء، ونسج على هذا المنوال المرحوم مصطفى صادق الرافعي، فقال: "وترد الأمواج نقية بيضاء كأنها عمائم العلماء". وورد خبراً عن ضمير يعود على اسم جمع؛ كما قال ابن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ في طير أبابيل من سورة الفيل: "ثم اختلفوا في صفتها، فقال بعضهم: كانت بيضاء، وقال آخرون: كانت سوداء، وقال آخرون: كانت خضراء، والطير اسم لجماعة ما يطير، والواحد طائر". وورد فعلاء في أشعارهم حالاً من الجمع، كما قال ابن الخطيب (١): ولك الجواري المنشآت وقد غدت ... تختال في برد الشباب وترفل جوفاء يحملها ومن حملت به ... من يعلم الأنثى وماذا تحمل فقوله: "جوفاء" حال من الجواري المنشآت، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي؛ أعني: الجواري. وقال الطغرائي يمدح أبا الفضل أسعد بن محمد بن موسى (٢): لقد قلت للمزجي قلائصه ... حدباء يعرق لحمها الجدب فقوله: "حدباء" حال من جمع، وهو: "قلائصه". ووردت وصفاً لجمع محذوف بعد وصفه بصفة المؤنث بالتاء،

стр. 2826

قال المتنبي: وبساتينك الجياد وما تحـ ... ـل من سمهرية سمراء وقال الأبيوردي: ولو استطيل على الحمام بعزة رفعت له اليزنية السمراء واليزنية: الرماخ، نسبة إلى ذي يزن. وملخص البحث: أن علماء العربية أطلقوا في صحة وصف جمع غير العاقل بصفة المفردة المؤنثة، فيدخل في إطلاقهم وصفه بفَعلاء، ولم نر أحداً منهم خص هذا الحكم بصيغتي فاعلة، وفعلى. ثم إن الوصف بها ورد في كلام العلماء والأدباء كثيراً؛ كما ورد في عبارة ابن جرير الطبري، وورد في شعر أبي تمام، والمتنبي ما يدل على صحته. وقد قال صاحب "الكشاف": اجعل ما يقوله أبو تمام بمنزلة ما يرويه. وقال الشهاب الخفاجي في "شرح درة الغواص": اجعل ما يقوله المتنبي بمنزلة ما يرويه. ثم إن قياس فَعلاء على فعلى وفاعلة في صحة الوصف بهما من الأقيسة التي تتلقاها اللغة العربية على الرحب والسعة. وبناء على هذا، أقترح على مؤتمر المجمع الموقر أن يُصدر قراراً في صحة التركيب الذي يوصف فيه جمع غير العاقل بصيغة فَعلاء، قطعاً للمناقشة التي تدور حول هذا الأسلوب. وبعد عرض هذا الاقتراح قرر المجمع صحة وصف جمع غير العاقل بصيغة فعلاء.

стр. 2827

اسم المصدر في المعاجم (١) يقوم المجمع اليوم بعمل معجمين: المعجم الوسيط، والمعجم التاريخي الكبير؛ ليخرج للناس معاجم تمتاز عن المعاجم السابقة بترتيب يجعل الاستفادة منها أيسر، وبعبارات تعرض المعاني في أجلى صورة، علاوة على الداعها ألفاظاً وضعها المجمع، أو أقر وضعها؛ استيفاء لمقتضيات العلم والحضارة. وهذا الاتجاه الموفق دعاني إلى أن أطرح على بساط المؤتمر الموقر بحثًا في كلمة ترد في المعاجم على وجه غير منضبط، وغير واضح وضوحًا يسارع بمعناها إلى أذهان عامة المطالعين. وهذه الكلمة هي: اسم المصدر، الذي يشيرون إليه بعد ذكر الفعل أو المصدر أو الوصف بقولهم: "اسم المصدر كذا"، أو "الاسم منه كذا"، أو "الاسم كذا"، أو "وكذا الاسم". توجد هذه الكلمة في المعاجم القديمة؛ ككتاب "الصحاح"، "والمخصص"، "والجمهرة" لابن دريد، "والنهاية" لابن الأثير، "والقاموس المحيط"، "ولسان العرب"، و"المصباح"، كما توجد في المعاجم الحديثة؛

стр. 2828

كـ "البستان"، "وأقرب الموارد"، ولا تخلو منها كتب الأدب؛ كـ "الكامل" للمبرد، و"الأمالي" لأبي علي القالي، بل توجد في عبارات يعزوها بعض أصحاب المعاجم إلى الأقدمين من علماء العربية؛ كالخليل، وسيبويه، وأبي عبيدة. ودخلت هذه الكلمة في كتب العلوم الأخرى، وذاعت في شروحها وحواشمِها، حتى انساقت إلى التفسير، وشروح الحديث عندما يرد شيء من أفرادها في القرآن الكريم، أوالحديث الشريف، وجرت على ألسنة الفقهاء عند تعريف بعض الحقائق الشرعية؛ كالطهارة، والسرقة، والعطية. ولا أحسب أن في اللغات الواسعة النطاق لغة تخلو من اسم المصدر، وأعرف أن في اللغة الألمانية مصدراً infinitive، واسم مصدر substantivischer infinitive، والقصد من كلمتنا هذه يرجع إلى أربعة أهداف: أولها: بيان ما هو اسم المصدر في عرف علماء العربية. ثانيها: عرض أمثلة ترون فيها كيف اختلف أصحاب المعاجم في تمييز اسم المصدر عن المصدر، وساروا في ذكره على طريقة غير منتظمة. ثالثها: أسباب هذا الاختلاف. رابعها: البحث عما ينبغي أن نأخذ به في المعاجم التىِ بين أيدينا عندما يقتضي الحال ذكر هذا الصنف من المشتقات. * ما اسم المصدر؟ وما الفرق بينه وبين المصدر؟ حيث جعلنا الهدف الأخير لهذا البحث: لفتَ نظر المجمع إلى رسم الطريقة التي. ينبغي أن تسير عليها معاجمنا في الصيغ التي تسميها المعاجم السابقة: اسم المصدر، رأيت أن أضع على وجه التذكرة أمام المجمع مذاهب

стр. 2829

علماء العربية في هذا المصطلح، وما قرروه في الفرق بينه وبين المصدر، فأقول: اسم المصدر: كلمة جرى عرف علماء العربية باستعمالها في نوع خاص من الكلمات المشتقة، يجري بحثها في علمي الصرف والنحو، ينظر الصرفيون في بحثها إلى حال بنيتها واشتقاقها، ويبحثها النحويون من جهة إعرابها، وعملها عمل المصدر في نحو الفاعل والمفعول، ويتناول كل منهما عند شرح معناها الفرق بينها وبين المصدر. يقسم بعض النحويين اسم المصدر إلى ثلاثة أقسام: أحدها: الاسم المشتق من المصدر بزيادة ميم في أوله؛ نحو: ضرب مَضْرِباً؛ أي: ضرباً، وأكرم مُكرماً؛ أي: إكراما .. وليس هذا موضع بحثنا؛ لأنه من الصيغ المطردة المنضبطة، فلا يقع في اشتقاقه غلط، ولا في معناه التباس. على أن كثيراً من النحويين والصرفيين يسمونه: مصدراً ميمياً، لا اسم المصدر. ثانيها: اسم يدل على ما يدل عليه المصدر، ويجري عليه من الأحكام ما يجري على بعض الأعلام؛ من البناء، أو المنع من الصرف؛ نحو: برة غير مصروف بمعنى: المبرة، وفجارِ مبنياً على الكسر بمعنى: الفجور، ونظيره بدادِ، ومعناه: البدة، أو المبادة، وهي التفرق، وهمامِ، ومعناه: الهمة، وصلاحِ، ومعناه: المصالحة، وورد إطلاق اسم المصدر على هذا النوع في كتاب سيبويه إذ قال: ومما جاء اسماً للمصدر: قول الشاعر: إنا اقتسمنا خطتينا بيننا ... فحملت برة واحتملت فجارِ وليس هذا النوع أيضاً موضع بحثنا؛ لأنه يمتاز عن المصادر بما أجري

стр. 2830

عليه من أحكام العلم، وهي ألفاظ محصورة في المعاجم ليست بكثير. ثالثها: اسم دال على معنى المصدر، ولكنه يخالف المصدر في عدم جريانه على الفعل الذي يجري عليه المصدر، نحو: الصلح اسم مصدر للمصالحة، فالمصالحة مصدر لصالَحَ، والصلح اسم للمصدر؛ أعني: المصالحة؛ لأنه لا يجري على فعل صالَحَ. وهذا النوع هو الذي نريد بحثه في هذا الحديث، ونعنيه باسم المصدر، أو هو الذي اختلفت كلمة النحاة في تعريفه، وافترقت المعاجم في إيراده بين المشتقات. وإليكم بعض النصوص المعبرة عما يراد منه، الكاشفة عما بينه وبين المصدر من فروق. وستلمحون في نصوص أولئك الباحثين اختلافاً أدى إلى ما ألفوه من حرية الرأي، وإطلاق الفكر في مجال الاجتهاد، ولا يضر الاختلاف الصادر عن حرية واجتهاد ما دام وراءه نقد بريء يميز الراجح من الضعيف، والمخطئ من المصيب. والنصوص التي سنسوقها في التعريف باسم المصدر بعضها يبين الفرق بين المصدر واسم المصدر من جهة اللفظ، وبعضها يبين الفرق بينهما من جهة المعنى. قال أبو إسحاق الشاطبي في "شرح الخلاصة": "اسم المصدر يطلق عند النحويين بإطلاقين: أحدهما: أن يكون معناه الاسم المشتق من المصدر بزيادة ميم في أوله؛ كقولك: ضرب مضربًا، وقتل مقتلًا، وأكرم مكرمًا (١). والثاني: أن يكون معناه: الاسم الدال على

стр. 2831

معنى المصدر المخالف له بعدم جريانه على فعله، ومثاله: الكلام، والسلام، والعون، والكبر، والطاقة، والطاعة، والعطاء، والعسرة، والثواب؛ فإن هذه الكلمات ونحوها غير جارية على أفعالها: والجاري على سَلَّم: التسليم، وعلى كَلَّم: التكليم، وعلى أَعان: الإعانة، وكذلك سائرها؛ أي: والجاري على تكبر: التكبر، وعلى أطاق: الإطاقة، وعلى أطاع: الإطاعة، وعلى أعطى: الإعطاء، وعلى أعسر: الإعسار، وعلى أثاب: الإثابة، فالجاري هو المصدر، وغير الجاري هو اسم المصدر". وقد رأيتموه كيف أتى بهذه الأمثلة من الصيغ التي جاءت حروفها أقل من حروف الفعل، وهذا ما يصرح به جمهور النحويين؛ إذ يجعلون الفرق بين المصدر واسم المصدر في اللفظ: أن تكون أحرف اسم المصدر أقل من أحرف الفعل، فإن ساوت أحرفُ الصيغة أحرفَ الفعل، أو كانت أزيدَ منها، فذاك هو المصدر، والظاهر أن أبا إسحاق يريد بجريان المصدر على فعله: أن يكون المصدر مشتملًا على أحرف الفعل، سواء كانت أحرفه مساوية، أو أزيد، ويعدم الجريان على الفعل أن تكون أحرفه أنقص من أحرف الفعل، فيدخل في تعريف المصدر: المصادرُ غير القياسية، وهي المصادر الشاذة الموقوفة على السماع، فتكون الصيغ التي تدل على الحدث: مصادر قياسية، ومصادر سماعية، وأسماء مصادر. وقد ذكر ابن القيم في كتاب "بدائع الفوائد" هذا الفرق، فقال: "إن المصدر هو الجاري على فعله الذي هو قياسه؛ كالإفعال من أفعل، والتفعيل من فَعَّل، والانفعال من انفعل، والتفغُّل من تفغل، وأما السلام والكلام، فليسا بجاريين على فعليهما، ولو جريا عليه، لقيل: تسليم، وتكليم.

стр. 2832

وإذا كان المصدر ما يجري على قياس فعله، واسم المصدر ما لا يجري على قياس فعله، بقيت المصادر التي لا تجري على قياس فعلها، وهي المصادر السماعية، خارجة عن التعريفين؛ أي: تعريف المصدر؛ لأنها غير جارية على فعلها، وعن تعريف اسم المصدر؛ لأنها تجيء مساوية للفعل بأحرفها، أو أزيد منها. والفرق بين المصدر واسم المصدر في اللغة الألمانية من جهة اللفظ: أن المصدر ما كان منتهياً بحرفي en دائماً؛ نحو: kammen المجيء gehen: الذهاب. وأما اسم المصدر، فإنه يأتي في صيغ مختلفة. هذا ما يقرره علماؤنا من الفرق بين المصدر واسم المصدر من جهة اللفظ، وأما الفرق بينهما من جهة المعنى، فقد افترقوا في ذلك على ستة مذاهب: ١ - أن اسم المصدر يدل على ما يدل عليه المصدر؛ أعني: الحدث، فهما في المعنى سواء، وإنما الاختلاف بينهما في اللفظ فقط، وهذا ما يوافق قول الشاطبي فيما نقلناه عنه في تعريف اسم المصدر: "الاسم الدال على معنى المصدر، المخالف له بعدم جريانه على فعله"، وقال ابن مالك في "التسهيل": "اسم المصدر هو ما دل على معناه ... " إلخ. ٢ - أن معنى اسم المصدر: هو لفظ المصدر من حيث دلالته على الحدث، فتكون دلالة اسم المصدر على الحدث بواسطة دلالته على لفظ المصدر، فمدلول عطاء: لفظ: الإعطاء؛ من حيث دلالة الإعطاء على المعنى الصادر من الفاعل، وهو المناولة، وهذا الرأي - وإن اختاره بعض كبار

стр. 2833

النحويين؛ كأبي حيان - نراه بعيداً، ودعوى أن العربي عندما يعبر بلفظ الإعطاء يريد به نفس الفعل، وإذا عبر بالعطاء يريد منه: كلمة الإعطاء؛ ليتوصل منها إلى معناها الذي هو المناولة، تعسفُ ينبو عنه الفكر. ٣ - ثالث المذاهب: أن معنى المصدر هو الفعل، مع ملاحظة تعلقه بالمنسوب إليه، وأما اسم المصدر، فهو موضوع للفعل من حيث هو، بلا اعتبار تعلقه بالمنسوب إليه، وإن كان له تعلق في الواقع. قال الرضي: الحدث إن اعتبر صدوره عن الفاعل، ووقوعه على المفعول، سمي: مصدراً، وإذالم يعتبر من هذه الحيثية، سمي: اسم مصدر، ويرجع إلى هذا المذهب قول ابن القيم في كتاب "بدائع الفوائد": "وأما الفرق المعنوي - أي: بين المصدر واسم المصدر -، فهو أن المصدر وإل على الحدث وفاعله، فإذا قلت: تكليم، وتسليم، وتعليم، ونحو ذلك، دل على الحدث ومن قام به، فيدل التسليم على السلام والمسلم، وكذلك التكليم والتعليم، وأما اسم المصدر، فإنما يدل على الحدث وحده، فالسلام والكلام لا يدل لفظه على مسلم ومكلم؛ بخلاف التكليم والتسليم، فاسم المصدر جردوه لمجرد الدلالة على الحدث". وقريب من هذا ما يقرر في اللغة الألمانية من أن المصدر الاسمي يلاحظ فيه الحدث مجرداً عن اعتبار تعلقه بفاعل أو مفعول؛ بخلاف المصدر، ولعدم اعتبار تعلقه بفاعل أو مفعول صرحوا بأنه لا أثر له في الإعراب، فلا يعمل في فاعل أو مفعول، وكذلك يقول جماعة من علماء لغتنا: إن اسم المصدر لا يعمل في شيء من متعلقات الفعل، ووقف جماعة على شواهد قليلة فيها إعمال ما يسمى مصدراً، فأجازوا إعماله.

стр. 2834

٤ - ورابع المذاهب: ما حكاه أبو البقاء في "كلياته"، وهو أن المصدر مدلوله الفعل مع ملاحظة تعلقه بالفاعل، واسم المصدر يدل على الفعل أيضاً، ولكن مع ملاحظة الأثر المترتب عليه. ٥ - خامسها: أن المصدر اسم عين يستعمل بمعنى المصدر، فيقال فيه عند استعماله لمعنى المصدر: اسم مصدر، قال الرضي في "شرح الكافية": "هو اسم العين يستعمل بمعنى المصدر؛ كقوله: أكفراً بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المئة الرتاعا أي: إعطائك، والعطاء في الأصل اسم لما يعطى". فاسم الحدث - بناء على هذا الرأي - لا يسمى: اسم مصدر، إلا إذا ثبت أنه استعمل من قبل اسماً لعين. ٦ - وسادس المذاهب: ما أشار إليه فارس الشدياق في كتاب "الجاسوس" إذ قال: "الفرق بين المصدر والاسم: أن المصدر يتضمن معنى الفعل ينصب مثله، والاسم هو الحال التي حصلت من الفعل، مثال ذلك: الغَسل، والغُسل تقول: قد بالغت في غَسل هذا الثوب، فتنصب الثوب، فإن أردت الحال، قلت: لست أرى في هذا الثوب غسلاً، وهذا ماظهر لي". وهذا الرأي غير معروف في كتب النحو صراحة. غير أني وقفت على عبارة للشهاب الخفاجي في "شرحه للشفاء" توافقه؛ حيث ذكر صاحب "الشفاء": "الثناء، والكرامة"، فقال الشهاب مفسراً للكرامة: الكرامة: اسم مصدر بمعنى الحاصل بالمصدر، وهو الإكرام. والحاصل بالمصدر يريدون منه: الأثر الذي يترتب على فعل الفاعل؛ أعني: الإيقاع. فمدلول المصدر

стр. 2835

نفس الإيقاع الذي هو أمر معنوي لا يشاهد، وهو من مقولة الفعل، ومدلول اسم المصدر: أثره الذي هو هيئة محسوسة، وهو بهذا المعنى من مقولة الكيف. * اختلاف المعاجم في أسماء المصادر: هل سار اللغويون في معاجمهم عند إيراد اسم المصدر على قاعدة النحويين، وهو أن تكون أحرفه أقل من أحرف الفعل، أو أنهم اتخذوا قاعدة أخرى لهذا المصطلح، وساروا عليها بانتظام؟. هم يقولون فيما كانت أحرفه أقل من أحرف الفعل: اسم مصدر، فكثيراً ما تجدهم يذكرون فعلاً على وزن أفعل، أو فغَّل، أو تفاعل، أو نحوها من الأفعال المزيدة، ويوردون صيغة أقل حروفاً منه على أنها اسم المصدر، كما قال صاحب "المخصص": "الأداء اسم من قولك: أديت الشيء تأدية". ولكننا نجدهم قد يذكرون الفعل الثلاثي، ويسمون ما يذكرونه بعدُ: اسماً، وهو مساو لحروفه للفعل، كما قال صاحب "المصباح": أثم أثماً من باب تعب، والإثم -بالكسر- اسم منه. وقال صاحب "المخصص": نبزه ينبزه نبزاً، والاسم النبز. وقال صاحبه "البستان": والصدر - محركة -: الاسم من صدر؛ أي: رفع. وقال صاحب "المخصص": عفوت للحق: خضعت، والاسم العفوة. وقال صاحب "الجمهرة": غبّ الطعام يغب غباً، والاسم: الغبّ. بل نجدهم يذكرون الفعل الثلاثي، ويصلونه بما يسمونه اسماً، وهو أزيد حروفاً من الفعل؛ كما قال صاحب "المصباح": "أتى الرجل يأتي أتياً: جاء، والإتيان اسم منه". قال: "شَتَّ من باب ضرب، والاسم: الشتات"،

стр. 2836

وقال صاحب "القاموس": "مرح؛ كفرح ونشط: تبختر، والاسم ككتاب؛ أي: مراح"، وقال: "صقله: جلاه، فهو مصقول، وصقيل، والاسم ككتاب"، وقال: "فطمه: فصله عن الرضاع، والاسم: ككتاب". وقد يبدو للناظر في المعاجم أن ليس للغويين قاعدة مضبوطة في تسمية بعض أسماء المعاني أسماء مصادر؛ لوجوه: أحدها: أنهم قد يترددون، أو يختلفون في الصيغة الواحدة بين كونها مصدراً أو اسماً كما قال صاحب "القاموس": عتق العبد يعتق عتقاً، ويفتح، أو بالفتح: المصدر، وبالكسر: الاسم، وقال: الصدق - بالكسر والفتح -: ضد الكذب، أو - بالفتح -: المصدر، و - بالكسر - الاسم، وقال: عاف عيفاً وعيافاً، أو ككتاب: مصدر، وككتابة: اسم، وقال صاحب "المحكم": التلقاء اسم مصدر، لا مصدر، وقيل: مصدر، ولا نظير له. ثانيها: أنهم يختلفون في الصيغة، هل هي اسم مصدر، أو هي مصدر في بعض اللغات، كما قال صاحب "المصباح": شربته شَرباً - بالفتح -، والاسم: الشُّرب - بالضم -، وقيل: همالغتان، أي: كل منهما مصدر، وكل مصدر عائد إلى لغة، وورد الحَج بالفتح، والحِج بالكسر، فقال أبو علي الفارسي في كتاب "الحجة": الحج مصدر، والحِج الاسم، وقال غيره في "المخصص": همالغتان. ثالثها: قد يدرج بعضهم في أسماء المصادر صيغة يعدها النحويون من الصيغ الجارية على القياس؛ كما عدّ صاحب "المصباح": النواح اسم مصدر لناح، مع أن الفُعال - بضم الفاء - من الأوزان القياسية مما يدل على صوت؛ كالصراخ، وقد أورده صاحب "القاموس" في المصادر، ثم

стр. 2837

٠ قال: والاسم: النياحة. رابعها: أن يذكر فعلا ثلاثياً، وفعلاً آخر من المزيد. ويوردون صيغة واحدة على أنها اسم مصدر لهما؛ كما قال صاحب "المصباح" في مادة: ألف: ألفته إلفاً: أنست به، والاسم: الألفة - بالضم -، والألفة أيضاً اسم من الائتلاف. خامسها: أن يختلف عمل المعجميين في الصيغة الواحدة، فيوردها أحدهم في جملة المصادر، ويقول الآخر عنها: إنها اسم مصدر؛ كما ساق صاحب "القاموس" المودة في مصادر ودّ، وعدها صاحب "المصباح" اسم مصدر، فقال: والاسم: المودة، وكما اختلفا في لفظ مُزاحة، ساقها صاحب "المصباح" مساق المصدر، وعدها صاحب "القاموس" اسماً لمصدر مزح. واختلفا في لفظ البخل كفلس، ساقه صاحب "القاموس" مساق المصادر لبخل، وعده صاحب "المصباح" اسم مصدر. ونسب فارس الشدياق لصاحب "القاموس" تخليط المصدر باسم المصدر؛ حيث ذكر القوت - بالضم - في مصدر قات، مع أن صاحب "الصحاح" عده اسماً إذ قال: والاسم: القوت. وقد يجدهم الناظر يذكرون للفعل الواحد مصادر متعددة، ولا يسمون واحداً منها اسم مصدر، كما ذكر صاحب "القاموس" لفعل لزم ستة مصادر، ولخسر سبعة مصادر، ولمكث تسعة مصادر، وللقي أحد عشر مصدراً، ولتم عشرة مصادر، ولم يقل في واحد منها: إنه اسم مصدر. وأحياناً يذكرون للفعل الواحد مصدراً، ويردفونه بصيغ يقولون عنها: إنها أسماء مصادر، قد يكون من المعقول أن يذكرواللفعل المزيد صيغاً

стр. 2838

ليست جارية عليه، ويسمونها: أسماء مصدر؛ كما قال صاحب "القاموس": أوصاه، ووصَّاه توصية: عهد إليه والاسم: الوصاة، والوصاية، والوصية، ولكن النظر يقف عندما يذكرون فعلاً ثلاثياً ومصدره، ثم يذكرون صيغاً بمعنى المصدر، ويسمونه: أسماء مصدر، كما قال صاحب "القاموس": "مزح مزحاً"، ثم قال: "ومُزاحة، ومُزاحاً - بضمهما -، وهما اسمان". * أسباب اختلات المعاجم في مسألة اسم المصدر: لعدم اتحاد المعاجم على وجهة واحدة أسباب نعرض على حضراتكم ما بدالنا منها أثناء البحث، عسى أن يكون لعرضها أثر في تلافي ذلك النقص فيما سيصدره المجمع من المعاجم: ١ - جرى علماء اللغة على أن يجمعوالهجات القبائل العربية في لغة واحدة، فيذكرون للفعل الواحد مصادر متعددة، وقد يكون للفعل في لغة قبيلة صيغة مصدر، وله في لغة غيرها من القبائل صيغة أخرى، فهذا صاحب "القاموس" - مثلاً - عدّد لكل من فعلي حمّل وكذّب مصدرين هما: التحميل، والتحمال، والتكذيب، والكِذّاب، والواقع أن كل واحد من المصدرين عائد إلى لغة. قال سيبويه في "الكتاب": "وقال قوم: كلمته كِلاَّماً، وحَمَّلته حِمَّالا". وقال الكسائي: "أهل اليمن يجعلون مصدر فعّل فِعّالاً، وغيرهم من العرب يجعلونه تفعيلاً". ومن أمثلة هذا أن صاحب "القاموس" ذكر مصادر فعل طلع، فقال: طلعت الشمس طلوعاً، ومطلَعاً، ومطلِعاً، وسيبويه يقول في الكتاب أتيتك مطلِع الشمس؛ أي: عند طلوعها، وهذه لغة بني تميم، وأما أهل الحجاز، فيفتحون؛ أي: اللام. ومن قبيل ما كان تعددُ مصادره من اختلاف اللغات: غزر؛ ككرم،

стр. 2839

غزراً، وغزراً؛ أي: أكثر، فقد قال الأصمعي كما في "أمالي أبي علي القالي": إن الغزر لغة أهل البحرين، والغزر - بالفتح - اللغة العالية. ويدلكم على أن تعدد المصادر قد يكون من اختلاف اللغات: أن قياس أهل نجد كما قال الرضي في "شرح الشافية" أن يقولوا في مصدر مالم يسمع مصدره من فعَل - المفتوح العين -: فُعول، متعدياً كان أو لازماً، وقياس الحجازيين فيه: فعل، متعدياً كان أو لازماً. ونشأ من إيراد المصادر من غير أن تنسب إلى قبائلها أن ألحقوا بعض المصادر باسم المصدر، وإنما هو مصدر في لغة من اللغات؛ كما عد بعضهم شُرباً - بضم الشين - اسم مصدر لشرب، وإنما هي لغة تميم، قال صاحب "المزهر": شربت الماء شَرباً، وبنو تميم يقولون: شربت الماء شُرباً. ٢ - ومن المصادر الجارية على بعض الأفعال ما يوضع موضع مصدرٍ آخر جارٍ على فعله الخاص؛ كوضع تعقيد موضع تعقُّد، في قولك: فصاحةُ الكلام: خلوُصه من التعيقد،. إذ الكلام إنما يوصف بالتعقد، لا بالتعقيد، ولكنك وضعت التعقيد موضع التعقد، وقد جاء في الكتاب العزيز: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، وضع هنا التبتيل موضع التبتُّل، وكثيراً ما يقول المتقدمون في مثل هذا النوع: اسم أقيم مقام مصدر كذا، وسماه سيبويه في كتابه: مصدراً، فقال: باب: ما جاء المصدر فيه على غير الفعل؛ لأن المعنى واحد، وذلك قولهم: اجتوروا تجاوراً، وتجاوروا اجتواراً، فإن معنى اجتوروا وتجاوروا واحد، وأورد في هذا القبيل آية: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ وقول القطامي: وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تَتَبَّعُهُ اتِّباعا

стр. 2840

كما استعمل رؤبة الانطواء موضع التطوي في قوله: "وقد تطويت انطواء الحضب"، والحضب: الحية. وقد يطلق بعض أهل العربية على هذا النوع كلمة: اسم مصدر، مع أن له فعلاً يجري عليه. ٣ - وقد يجد اللغوي اسم معنى، ولا يقف له على فعل من لفظه يجري عليه، فيسميه: اسم مصدر؛ كما قال ابن الحاجب في "أماليه": "واسم المصدر هو اسم المعنى، وليس له فعل يجري عليه؛ كالقهقرى". ولكن ثبت عند غيره أن له فعلاً يجري عليه؛ كما ورد في "القاموس": أنهم قالوا قهقر؛ أي: رجع إلى خلف. وكما قال ابن درستويه في "شرح الفصيح": ليس واحد من الخُطبة والخِطبة بمصدر لقولك: "خطب المرأة" يخطب، ولكنهما اسمان يوضعان موضع المصدر؛ لأن مصدر هذا الفعل غير مستعمل. وقد ثبت عند غيره أن له مصدراً جارياً عليه، وهو الخطب، أورده صاحب "القاموس"، وأضاف إليه: الخطبة، والخطِّيبى على أن الثلاثة مصادر لهذا الفعل. ٤ - قد يسمون اللفظ الدال على الحدث: اسم مصدر؛ حيث يجدونه وارداً على صيغة غير معروفة في المصادر، ومن هنا أنكر كثير من علماء الصرف أن يكون ما جاء على وزن فَعول - بالفتح - مصدراً، وقالوا فيما ورد منه؛ كَقبول ووَلوع: اسم مصدر، لا مصدر، وحكى صاحب "اللسان" عن ابن جني: أن المجوبة: اسم مصدر من أجاب، ثم قال: "ولا تكون مصدراً؛ لأن المفعلَة عند سيبويه ليست من أبنية المصادر"، وقال صاحب "المحكم": التقاء اسم مصدر، لا مصدر، وإلا، فتحت التاء، فسماه: اسم مصدر؛ حيث ورد في وزن غير معروف في المصادر.
следующие страницы →