← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الليِّن. وجعلا علمين على موضعين بمقربة من البيت الحرام. والشعائر: أعمال الحج، وكل ما جعل علماً لطاعة الله من العبادات، واحدها شعيرة. ومعنى كون الصفا والمروة من شعائر الله: أنهما من المواضع التي يقام فيهما أمر من أمور دين الله، وهو السعي بينهما. ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾: الحج لغة: القصد، أو القصد إلى معظم. وشرعاً: القصد إلى البيت الحرام، في زمان خاص، بأعمال مخصوصة، والاعتمار كالعمرة لغة: الزيادة، وشرعاً: زيارة البيت الحرام بأعمال مخصوصة، وهي: الإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة. والحج فريضة معلومة من الدين بالضرورة، أما العمرة، فذهب فريق من الأئمة إلى أنها واجبة، ولم يقع في يد آخرين؛ كالإمام مالك دليل كافٍ للقول بوجوبها، فقالوا: إنها سنة مؤكدة. والجناح: الإثم والحرج. و ﴿يَطَّوَّفَ﴾ أصله يتطوف، فابدلت التاء طاء، وأدغمت في الطاء بعدها، فصار يَطَّوَّف، والتطوف بالشيء كالطواف به: الإلمام به، والمشي حوله. وقد فسرته السنة بالنسبة إلى الكعبة بالدوران بها سبعة أشواط، وبالنسبة إلى الصفا والمروة بالسعي بينهما سبعة أشواط كذلك. وقد اختلفت أنظار الأئمة من أهل العلم في حكم السعي بين الصفا والمروة، فرأى فريق أنه من أركان الحج؛ كالإحرام، والطواف، والوقوف بعرفة، وذهب فريق إلى أنه ليس بركن، وإنما هو واجب يجبر عند تركه عمداً أو سهواً بالدم. وقال بعضهم: هو مستحب. والمسألة مبسوطة في كتب الأحكام.

стр. 317

وقد يخطر على بالك أن قوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يدل على أن التطوف بالصفا والمروة مطلوب للشارع، ومعدود من الطاعات التي أقل درجاتها الندب، وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ يقتضي رفع الإثم عن المتطوف بهما، والتعبير برفع الإثم عن الشيء يأتي في مقام الدلالة على إباحته، فما هو الأمر الداعي إلى أن يقال في هذه الشعيرة: لا إثم على من يفعلها؟ ويرفع هذا الاستشكال بالوقوف على سبب نزول الآية، وهو أن الأنصار كانوا في الجاهلية يُهِلّون "يُحرِمون" لمناة، ثم يطوفون بين الصفا والمروة من أجل صنمين، وهما: أساف، ونائلة، كانا عليهما، فلما جاء الإسلام، تحرجوا من الطواف بينهما. في "صحيح البخاري" عن عاصم، قال: قلت لأنس بن مالك ﵁: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ , فاستبان بهذا أن الآية وردت لدفع التحرج الذي كان يتردد في صدور الأنصار من التطوف بالصفا والمروة. ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿تَطَوَّعَ﴾: من التطوع، وهو فعل الطاعة، فريضة كانت أو نافلة. و ﴿خَيْرًا﴾: أصله بخير؛ لأن تطوع إنما يتعدى بالباء، ولا يتعدى بنفسه، ثم حذفت الباء في نظم الكلام؛ نحو: أمرتك الخيرَ، والأصل: أمرتك بالخير، وذلك معنى قول علماء العربية: كذا منصوب بنزع الخافض. و ﴿شَاكِرٌ﴾: من الشكر، وشكر الله لعباده: جزاؤهم على ما يعملونه من الصالحات ابتغاء مرضاته الجزاء الأوفى. والمعنى: ومن أتى بالحج أو العمرة طاعة لله، فاز

стр. 318

بالثواب الجزيل، والنعيم المقيم،؛ لأن من صفاته تعالى مجازاة من يحسنون العمل، وهو عليم بكل ما يصدر عن عباده من الأعمال، فلا يضيع عنده أجر المحسنين. ويصح حملُ التطوع في الآية على معنى: الإتيان بما زاد على الواجب. ومعنى الآية على هذا الوجه: ومن أتى بالحج أو العمرة مرة أخرى، فزاد على الواجب، فإن الله شاكر عليم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: الكتم والكتمان: إخفاء الشيء قصداً مع تحقق المقتضى لإظهاره. وكتم ما أنزل الله يشمل إخفاء نصوصه، وعدم ذكرها للناس، وإزالة النص ووضع شيء آخر مكانه، وتحريفه بالتأويل الفاسد عن معناه الصحيح جرياً مع الأهواء. و ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الدالة على المقاصد الصحيحة بوضوح، وهي ما نزل على الأنبياء من طريق الوحي. والهدى معناه: العلم النافع، فهو أعم من البينات؛ إذ يشمل المعاني المستمدة من الآيات البينات على طريق الاستنباط، والاجتهاد القائم على الأصول المحكمة. والكتاب: لا يعنى به كتاب معين، بل يراد منه جنس الكتب، فيصح حمله على جميع الكتب التي أنزلت على الرسل ﵈. واللعن من الله للعصاة: إبعادهم من رحمته، وهو من اللاعنين؛ كالملائكة وغيرهم: الدعاء عليهم بالإبعاد من الرحمة. ودل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ على أن معصيتهم بالكتمان متناهية في الفظاعة؛ إذ عمدوا إلى ما أنزل إليه من هدى، وجعله

стр. 319

بَيِّناً عند الناس في كتاب يتلى، وأقدموا على كتمانه، وإنما يفعل هذا من بلغ الغاية في سفاهة الرأي. والآية نزلت في أهل الكتاب؛ إذ كانوا يكتمون بعض نصوص كتبهم؛ كما كتموا النصوص التي تتضمن البشارة بالنبي ﷺ ، إذ رأوها مطابقة لنعوته وسيرته، ولكن وعيدها يتناول كل من يكتم بينة أنزلها الله أو هدى. ومن شواهد هذا العموم: قول أبي هريرة كما ورد في "صحيح البخاري": "لولا آيتان في كتاب الله، ما حدثت حديثاً"، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾. ولكتمان المنتمين إلى علوم الدين ما أنزل الله من هدى بالسكوت أو التحريف أو التأويل الباطل عللٌ بسطنا الحديث عنها في رسالة "الدعوة إلى الإصلاح" (١). ومدار هذه العلل على عدم الرسوخ في الإيمان، وايثار رضا المخلوق على رضا الخالق - جل شأنه -. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿تَابُوا﴾: ندموا على ما صدر عنهم من كتمان ما أنزل الله، وعزموا على عدم العود إليه، وأصلحوا ما أفسدوه بالكتمان ما استطاعوا الإصلاح، وبينوا للناس حقيقة ما كتموه، فأولئك يقبل الله توبتهم، ويشملهم برحمته؛ فإنه تواب رحيم.

стр. 320

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٤]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: تضمنت الآيتان السابقتان لعنَ الكاتمين لما أنزل الله، واستثناءَ التائبين منهم، وذكر في هذه الآية: المصرين على الكتمان، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقد عرفت أن الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ نزلت في أهل الكتاب الذين يكتمون بعض نصوص كتبهم التي من جملتها النصوصُ المشتملة على البشارة بالنبي ﷺ ، فصح التعبير عن أصحاب ذلك الكتمان بالذين كفروا؛ ليحضرهم في الأذهان بأشنع وصف نعياً به عليهم، وهو الكفر، وليتناول وعيدُ الآية كل كافر، ولو بغير معصية الكتمان.

стр. 321

﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: سبق أن اللعن من الله للعاصي أو الكافر: إبعادهُ من رحمته، ومن المخلوق؛ كالملائكة والناس للكفار والعصاة: الدعاء عليهم بالإبعاد من رحمة الله؛ كأن يقال: لعنهم الله، أو عليهم لعنةُ الله، ولا حرج في اللعن بالوصف العام؛ كان يقال: لعن الله الكافرين، أو الفاسقين، أو الظالمين، ومن المحظور لعنُ الأشخاص بأعيانهم؛ كأن يقال: لعن الله فلاناً، أو على فلان لعنة الله، إلا من ثبت موتهم على الكفر؛ لاحتمال أن يتوب أولئك الأشخاص من كفرهم أو فسقهم، فيستحقوا القرب من رحمة الله، لا الإبعادَ منها، وقد يطلق اللعن بمعنى: السبِّ؛ أي: ذكر المعايب. وما يروى من أن بعض الصحابة كان يُلعن في عهد بعض الأمويين على المنابر، إنما يريدون من اللعن - إن صحت الرواية - ذكر أشياء ينسبونها إليه على أنها معايب له. والمراد من الناس: من يستقبحون الكفر، وهم المؤمنون، وكل مؤمن يلعن الذين ماتوا وهم كفار بلسانه أو بقلبه. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود: البقاء إلى غير نهاية، ويستعمل بمعنى: البقاء مدة طويلة، وإذا وصف به عذاب الكافر، فإنما يراد المعنى الأول. والظاهر: أن الضمير في قوله: ﴿فِيهَا﴾ عائد إلى اللعنة؛ لأنها المذكورة في الجملة، والخلود في اللعنة يقتضي الخلود في النار. ومن هنا جعل بعض المفسرين الضمير عائداً إلى النار المفهومة من معنى الجملة. ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾: دل قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ على كثرة مدة العذاب، ودلت هذه الجملة

стр. 322

على شدة وقعه، والمعنى: أن المقدار الذي استحقوه من العذاب لا يتفاوت بحسب الأوقات شدة وخفة؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٥]. والزيادة في قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠] محمولة على معنى: استمرار العذاب، فهي إشارة إلى الخلود فيه، لا إلى الزيادة في شدته. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: الإنظار: الإمهال والتأخير، والمعنى: لا يمهلون عن العذاب كما يمهلون في الدنيا، بل يلاقيهم العذاب حال مفارقة الحياة. ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: هذه الجملة معطوفة على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾. والإله: المعبود، ومعناه في الآية: المعبود بحق؛ بدليل الإخبار عنه بأنه واحد، والمعنى: وإلهكم الذي يستحق العبادة، فمن عبد شيئاً دونه، أو عبد شيئاً معه، فعبادته باطلة، والعبادة الصحيحة ما يتجه بها إلى المعبود بحق، ومن العبادات: الدعاء، فالصحيح منه ما يُقبِل به الإنسان على الإله الواحد موقناً بأن لا نافع ولا ضار سواه، وهذا لا ينافي أن ينتفع الإنسان بشفاعة بعض المقربين عنده تعالى حيث يأذن الله له بذلك. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: أثبتت الجملة السابقة له تعالى الوحدانية، وإثباتُ الوحدانية يقتضي نفي الشريك في الإلهية، وجاءت هذه الجملة: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ مقررة لما تضمنته الجملة السابقة، فنفت عن الله الشريك صراحة، وأثبتت له مع ذلك

стр. 323

الإلهية، فمعنى ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: أن الله إله، وليس شيء مما سواه بإله. ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: لما كان ذكرُ الإلهية والفردانية يُحضر في ذهن السامع معنى القهر، وسعة القدرة، وعزة السلطان، وذلك مما يجعل القلب في هيبة وخشية، ناسب أن يورد عقبه ما يدل على أنه - مع العظمة والسلطان - مصدرُ الإحسان، ومُولي النعم، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، وهذه سنة القرآن في الترويح على القلوب بالتبشير بعد ما يثير الخشية؛ حتى لا تقع من طغيان الرهبة عليها في قُنوط. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾: لما تضمنت الآية السابقة إثباتَ وجوده تعالى، ونفي الإلهية عما سواه، جاءت هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها منبهة لبعض الأدلة على وجوده تعالى، وقد اشتملت على آيات يخرج الناظر من التفكير فيها إلى بطلان ما يفعله طوائف من البشر من عبادة بعض المخلوقات؛ كالكواكب، والنار، والحيوان، والأحجار، بزعم أنهها آلهة، أو شركاء الله في إلهيته، وأول هذه الآيات: السموات، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾. والسموات: جمع سماء، والسماء: كل ما علا كالسقف. والمراد في الآية: الأجرام المقابلة للأرض، وهي سبع كما ورد ذلك صريحاً في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [الطلاق: ١٢]. ذكرها القرآن هنا في جملة المصنوعات التي يجد فيها الناظر آيات عظيمة على وجود الله ووحدانيته، ونبه في آيات أخرى على بعض وجوه الاعتبار فيها؛ من نحو: تزيينها بمصابيح، ورفعها بغير عمد.

стр. 324

﴿الْأَرْضِ﴾: هذه الآية الثانية من الآيات الموصلة إلى معرفة الله، وقد نبه تعالى على بعض وجوه الاعتبار بها في آيات أخرى؛ كتفجير أنهارها، وعمارتها بحدائق ذات ثمار تختلف ألوانها، وبتفاضل كلها، وكوضعها بحال يتيسر معه للإنسان أن يتقلب في أرجائها، ويمشي في مناكبها، وينتفع بما يحتاج إليه منها أينما كان. وجاءت الأرض مفردة، وهي لا تجيء في القرآن إلا كذلك؛ لأن المشاهدة لا تقع إلا على أرض واحدة، ولا تقع على أثر أرض غيرها. ومن هنا حمل بعض أهل العلم تعددها الذي يتبادر من ظاهر قوله تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] على أنها طبقات لا ينفصل بعضها عن بعض. ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: الاختلاف: التعاقب؛ أي: إن كلاً من الليل والنهار يأتي خلفاً من الآخر. والنهار للعمل وابتغاء الرزق، والليل للسكون والراحة والانفراد للعبادة لمن وفقه الله إلى أن يقضي جانباً منه في مناجاة الملك الكريم. ومن المحتمل القريب أن يكون المراد: اختلافهما في أنفسهما بالزيادة؛ والنقصان. ومأخذ العبرة من هذا الاختلاف: أن مُدد الليل والنهار تختلف، فلكل ليل أو نهار من السنة مدة يستوفيها بمقتضى نظام مطرد، وجَريُ الزيادة والنقص في الليالي والأيام على نظام لا ينخرم دليلٌ على أن هذا الاختلاف تدبير من إله قادر حكيم. وإذا كان لهذا الاطراد أسباب عرفت بعدُ، فإن الذي خلق

стр. 325

الأسباب، وجعل بينها وبين هذا الاختلاف تلازماً، إنما هو الإله الواحد القهار. ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾: الفلك: ما عظم من السفن، ويستعمل للواحد والجمع، والظاهر: أن الوارد في الآية جمع؛ بدليل قوله: ﴿الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾، ولو كانت للمفرد، لقال: الذي يجري؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩]. ووجه الاستدلال بالفلك على وجود الله، وإن كانت من تركيب الناس: أن الذي خلق الآلات التي كانت بها سفناً، وسخر لها البحر مع قوة سلطانه إذا هاج وعظم هوله، فتجري فيه مقبلة ومدبرة تشق الأمواج المتلاطمة شقاً إلى أن تصل إلى ساحل السلامة، وهي موقَرة بما ينفع الناس من نحو الأطعمة أو الأمتعة أو الحيوان، لا يكون إلا مقتدراً حكيماً. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: المراد من السماء: جهة العلو. وإحياء الأرض: اهتزازها ونموها، وإظهار ما أودع الله فيها من نبات وزهور وثمار. وموتها: خلوها من ذلك باستيلاء اليبوسة عليها. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾: هذا معطوف على قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، فما أنزله الله من السماء من ماء ينشأ عنه أمران: إحياء الأرض بالنبات، وبث الدواب فيها. والبثّ: تفرقة آحاد متكثرة في جهات مختلفة. والدابة: اسم من الدبيب، وهو المشي رويداً، فكل ما يمشي فوق الأرض، فهو بحسب الوضع اللغوي دابة،

стр. 326

وقد يجري عرف خاص باستعماله في نوع خاص من الحيوان؛ كذوات الأربع. والمراد في الآية: المعنى العام، وهو مطلق حيوان. وحرف (من) في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ بيان لجنس الشيء المبثوث المفهوم من قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾. ويكفي في (من) المبينة للجنس أن يكون المبهم الذي تبين جنسه مقدراً في نظم الكلام، مشاراً إلى مكانه بقرينة. والمعنى: وبث في الأرض شيئاً هو أنواع الدواب كلها. ووجه الاستدلال بالدواب على وجوده تعالى: هو اختلاف أحجامها وأشكالها وألوانها وأصواتها، ومدد حملها، وكيفية تناسلها، ووجوه الانتفاع بها، ومن أراد التوسع في هذا الضرب من الاستدلال، فليتجول في حديقة من حدائق الحيوان الكبرى معتبراً، لا لمجرد التلهي والترويح على النفس. ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: ﴿الرِّيَاحِ﴾: جمع ريح، وهي نسيم الهواء. تصريفها: تقليبها في الجهات، ونقلها من حال إلى حال. فتهب صَباً؛ أي من مطلع الشمس، ودبوراً أي من جهة الغرب، وشمالاً وجنوباً، وتهب حارة وباردة، وعاصفة ولينة، وملقحة للنبات وعقيماً. ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: ﴿الْمُسَخَّرِ﴾: من التسخير، وهو التذليل والتسيير. والسحاب يتألف من بخار يتصاعد من الأرض، ويتراكم في الهواء، فيسوقه الله موقراً بالمياه العذبة حتى يرسلها في البلاد التي يريد إحياءها. وقد كشف القرآن الكريم

стр. 327

عن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿للَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: ٤٨]. ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: ﴿يَعْقِلُونَ﴾: يتدبرون ويتفكرون فيما هو مودَع في الكائنات العلوية والسفلية من أسرار ونظم يمر عليها أشباه الأنعام وفي أبصارهم غشاوة، ويبصر بها أولو الفطر السليمة والأفكار الثاقبة، فيقتنون منها درراً غالية. ومعرفتنا لأسباب بعض المصنوعات الكونية البديعة لا يقف بنا حد هذه الأسباب، ويقطع النظر عن أن يعد تلك المصنوعات في جملة الآيات الدالة على الإله الواحد، بل ارتباطها بأسباب يشهد بأنها قائمة على نظام ليس من المعقول أن يحدث بنفسه، فنزداد يقيناً بأنها من صنع إله قادر حكيم. ويصل الناظر في هذه الآيات إلى معرفة وجود الله وتعاليه عن أن يكون له شريك كما يزعم طوائف المشركين. وقد أورد القرآن للوحدانية برهاناً صريحاً خاصاً في مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].

стр. 328

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٩]. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾: بعد أن ذكر الله جانباً من الآيات الدالة على وجوده الحق ووحدانيته، وصف في هذه الآية حال المشركين، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ﴾. والأنداد: جمع نِدّ، وهو المماثل. والمعنى: أن من الناس من لا يعقل تلك الآيات، وتبلغ بهم الجهالة أن يخضعوا لبعض المخلوقات خضوعَهم لله بزعم أنها أمثال له. ويجري معنى الآية على كل طائفة يسندون إلى مخلوق أمراً انفرد به -عز شأنه-؛ من نحو: التحليل والتحريم، وإيصال النفع من

стр. 329

طريق غيبي، وإلحاق الضرر بمن يشاء. ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: الحب: ميل القلب إلى الشيء. والضمير (هم) عائد إلى قوله: ﴿أَنْدَادًا﴾، ووروده في صيغة ضمير العقلاء ظاهر في أن المراد من الأنداد في الآية: من بلغ الجهال في تعظيمهم حد العبادة، أو كانوا يطيعونهم في أمر التحليل والتحريم الإطاعةَ الواجبة لله؛ كما حكى الله عنهم ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]. وإذا كان الحب ميل القلب إلى الشيء، فإن من دواعي هذا الميل: كمال ذلك الشيء، فيصح إبقاء الحب في قوله: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ على حقيقته؛ إذ لا كمال يداني كمال ذي الجلال والإكرام. فالمؤمن يحب الله؛ أي: يميل قلبه إليه لكماله، ويشتد ميله إليه وتعلقه كلما ازداد علماً ببديع حكمته، وبالغ حجته، وسعة رحمته، وعدالة أحكامه، وعزة سلطانه. ومن مقتضيات هذا الحب: إجلاله تعالى وعبادته. فدل قوله: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ على أن حب المشركين لمن اتخذوهم أنداداً لله، هو الحب الذي يحمل على التعظيم البالغ والعبادة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾: حب المؤمنين لله أشدُّ من حب المشركين للأنداد؛ من جهة أن الحب الذي يدخل في القلوب من ناحية الاعتقاد بالكمال يعظم كلما عظم كمال من يحب، وقد عرفت أن كمال الله فوق كل كمال. ثم إن المحبة تشتد على قدر قوة الإيمان بكمال المحب، واعتقاد المؤمنين بكمال الله وليد أدلة يقينية، والكمال الثابت بيقين يستميل القلوب بأشد مما يستميلها الكمال

стр. 330

الذي تصوره الأوهام، أو يُتلقى من طريق التقليد. والتصريح بالأشدية في قوله: ﴿أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ أبلغ من أن يقال: أحبُّ لله؛ كما قال تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، مع صحة أن يقال: أو أقسى. ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾: هذا إخبار بسوء عاقبة الذين يتخذون من دون الله أنداداً المتقدم ذكرهم، وكان بمقتضى تقدم ذكرهم أن يقال: ولو يرون إذ يرون. ولكن وضع الموصول وصلته ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ موضع الضمير؛ ليحضر في ذهن السامع أنهم صاروا باتخاذهم الأنداد من الظالمين، وليشعر بأن سبب رؤيتهم العذاب الشديد هو ذلك الظلم العظيم. و (لو) في قوله: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ لمجرد تعليق فعل على آخر في المستقبل؛ نحو: لو يقوم زيد غداً، لاكرمته؛ أي: إن يقم أكرمه. والقوة: القدرة. وجواب (لو) محذوف من نظم الآية، فيقدر على حسب ما يقتضيه المقام. والمعنى مع ملاحظة الجواب المقدر: ولو يرى أولئك المشركون حين يعاينون العذاب المعد لهم يوم القيامة أن القدرة كلها لله وحده، وأن عذابه الذي يصيب به المتخبطين في ظلمات الشرك شديد، لرأوا ما لا يوصف من الهول والفظاعة. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾: هذا تابع على وجه البدل قوله تعالى: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾. وتبرأ: من التبرؤ، وهو التخلص والتنصُّل. و ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾: أئمة الكفر الذين يحرمون ويحللون عن غير أمر الله. و ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: أشياعهم الذين يتلقون

стр. 331

جميع أقوالهم بالتقليد والطاعة. والضمير في قوله: (رأوا) عائد إلى الفريقين: التابعين، والمتبوعين، و ﴿وَتَقَطَّعَتْ﴾: انقضت واضمحلت. و ﴿الْأَسْبَابُ﴾: جمع سبب، ويستعمل في الحبل، وكل ما يتوصل به إلى حصول مقصد، وتفهم في الآية على ما يكون بين الرؤساء والأذناب في الدنيا من روابط يتواصلون بها؛ نحو: الاتفاق في الدين والنسب والمحبة. والباء في قوله: ﴿بِهِمُ﴾ باء الملابسة، وهي التي يكون بين مجرورها وفاعل الفعل وجه من الملابسة؛ أي: الاتصال، ويعبر عنها علماء العربية بباء الحال؛ لأنها تقع مع مجرورها في الإعراب موقع الحال، نحو: تفرقت الطريق بالقوم. ووجه الملابسة بين القوم والطريق: سيرهم فيها. ونحو كبا بزيدٍ الفرسُ. ووجه الملابسة بين زيد والفرس: ركوبه إياه. وكذلك تقطعت بهم الأسباب: وجه الملابسة بين أولئك المشركين وتلك الأسباب: انعقادها بينهم في الدنيا، وطمعهم في نفعها لهم في الآخرة. والمعنى: إذ تنصَّل الرؤساء من المرؤوسين وقت أن عاينوا العذاب، وتقطعت الروابط بهم؛ أي: في حال ملابستها لهم. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾: ﴿لَوْ﴾ للتمني. والكرة: الرجعة. والمعنى: ليت لنا رجعة إلى الحياة الدنيا، فنتبرأ من هؤلاء الذين اتخذناهم أئمة، وأضلونا السبيل كما تبرؤوا منا في هذا اليوم العصيب!. ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾: كلمة ﴿كَذَلِكَ﴾ قد يصدَّر بها الخبر لتُشعر بأهمية المعنى الذي تضمنه.

стр. 332

و ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: المعاصي التي ارتكبوها، وفي مقدمتها: اتباعهم لقادة مضلين. والحسرات: جمع حسرة، وهي أشد الندم على ما وقع من مكروه، أو مافات وقته من مرغوب فيه دون أن يقع. والمعنى: أن أعمالهم التي كانوا يحسبون أنهم أحسنوا بها صنعاً، وأنهم سيلاقون جزاءها في الآخرة السلامة والفوز، سيريهم الله إياها حسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾: وصفت الجمل السابقة ما يقع بين التابعين والمتبوعين من تقاطع، وما يتجرعونه عند معاينة العذاب من حسرات. وجاءت هذه الجملة لبيان عاقبة أمرهم، وهو الخلود في النارة إذ لا معنى لنفي خروجهم من النار وتأكيده بإيراده في جملة اسمية، ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ سوى دوام استقرارهم فيها؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾: الخطاب عام لجميع المكلفين من البشر. والآية واردة في تفنيد آراء من يحرِّمون على أنفسهم مطعومات لم يقم دليل من الشارع على تحريمها. فقوله: ﴿كُلُوا﴾ صيغة اْمر واردة في معنى الإباحة. والحلال: ما أذن الله في تناوله، فيخرج منه ما قام الدليل على حرمته لمفسدة في ذاته؛ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، أو لوصف عارض؛ كالمغصوب، أو المسروق، فحرمته لتعلق حق الغير به. والطيِّب: ما تقبل عليه النفوس الطاهرة، وتنبسط

стр. 333

لتناوله، وإنما تنبسط النفوس الطاهرة لتناول طعام غير قذر، ولا موقع في تهلكة، فالقذر ينفر منه الطبع، والموقع في ضرر ينبذه العقل. فيحمل قوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ على أنه مقرر ومؤكد لمعنى يستفاد من قوله. ﴿حَلَالًا﴾، وهو طهارة المطعوم، وخلوه من القذارة، وعدم إيقاعه في ضرر. والمعنى: يباح لكم أن كلوا من كل ما تحويه الأرض من المطعومات حالَ كون ما تأكلون منه حلالاً طيباً. وليس من الورع، ولا الزهد المرضي عنه شرعاً تركُ بعض المباحات؛ فإن الله سوّى فيها بين الفعل والترك. ومن يجعل تركها من الورع، والورع مندوب، كأنه يقول: إن الترك راجح على الفعل. وكان الحسن البصري، وهو من أجل التابعين، يقوِّم عِوَجَ من يعدُّون في الزهد المحمود الامتناعَ من تناول بعض المباحات؛ كالأطعمة الفاخرة. دخل عليه أحد زهاد البصرة، فقال له الحسن: أتحب الخبيص "طعام لذيذ"؟ قال: لا أحبه، ولا أحب من يحبه، فأقبل الحسن على جلسائه، وقال لهم: أترونه مجنوناً؟!. فلا ورع في ترك المباح من حيث إن فيه متعة للنفس، فذلك هو التنطُّع في الدين، وإنما الورع في ترك الإكثار من تناول مباحات؛ حذراً من أن يفضي الإكثار منها إلى بطر النفس، أو يدفعه سلطان التعود عليها إلى اكتساب المال، ولو من طريق فيه شبهة. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: الخطوات: جمع خطوة، وهي في الأصل: ما بين القدمين عند المشي. وتستعمل على وجه المجاز في الآثار. فالمعنى: لا تتبعوا آثار الشيطان،

стр. 334

وهي وساوسه التي يقذفها في صدور الناس؛ لينقلهم بها من طاعة إلى معصية، أو من معصية إلى أخرى. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: هذا تعليل للنهي عن اتباعه. و ﴿مُبِينٌ﴾: من أبان بمعنى: بان وظهر، والمعنى: أنه عدو لكم ظاهر بحيث لا تخفى عليكم عداوته. أو من أبان بمعنى: أظهرَ، والمعنى: أنه مُظهِر للعداوة. ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾: هذه جملة واردة مورد البيان لمظهر من مظاهر عداوته. والسوء في الأصل: مصدر ساءه يسوعه؛ أي: أحزنه. ويطلق على المعصية، سواء كانت قولأ، أو فعلاً، أو اعتقاداً؛ لأنها تسوء صاحبها؛ أي: تحزنه في الحال أو المآل. والفحشاء: أقبح أنواع المعاصي، وأعظمها مساءة. وروي عن ابن عباس ﵁: أن السوء: ما لا حَدَّ فيه، والفحشاء: ما فيه حَدّ. والأمر في الأصل: الطلب بالقول، واستعمل في تزيين الشيطان المعصية؛ لأن تزيينها في معنى: الدعوة إلى ارتكابها. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: القول على الله بغير علم: أن يقول: حرم الله هذا، أو أحل هذا، من غير استناد إلى دليل يفيد العلم، فيدخل فيما يأمر به الشيطان: أن يحرم الرجل الشيء، أو يحلله متعمداً الكذب على الله، وأن يحرم أو يحلل بجهالة؛ حيث لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد. وقد يخطر على بالك أن تقرير الأئمة المجتهدين لبعض الوقائع أحكاماً من طريق الاستنباط، قد يستندون في ذلك إلى دليل يفيد الظن بالحكم،

стр. 335

ولا يصل إلى أن يفيد العلم به، فيكون إفتاؤه في مثل هذه الوقائع من قبيل القول على الله بغير علم. ويزاح هذا الخاطر بأنه قد انضم إلى ذلك الدليل الظني أصل انعقد عليه الإجماع، وأصبح مقطوعاً به، وهو أن كل مجتهد بحق يكون حكم الشرع في حقه، أو حق من يتابعه، هو الحكم الذي أداه إليه اجتهاده، وبمراعاة هذا الأصل المقطوع به لم يكن المجتهد المشهود له بالرسوخ في العلم قائلاً على الله ما لا يعلم.

стр. 336

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٠ - ١٧٦]. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: نهى الله تعالى فيما سبق عن اتباع خطوات الشيطان، ودل في هذه الآية على حال من أحوال المتبعين لخطواته، وهي تقليدهم لأسلافهم الجهلة، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. . . الآية. فالضمير في قوله: ﴿لَهُمُ﴾

стр. 337

يعود على طائفة ممن شملهم الخطاب بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾. والقائل لهم ذلك هو النبي ﷺ ، والمسلمون. و ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: القرآن، وشرائع الإسلام. و ﴿أَلْفَيْنَا﴾: وجدنا، والمعنى: وإذا دعي أولئك الكفار إلى اتباع القرآن الذي هو منزل من عند الله، أعرضوا عنه، وقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾: هذا رد عليهم، وبيان لبطلان الاعتماد في الدين على مجرد تقليد الآباء. وهمزة الاستفهام في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾ واقعة موقع الإنكار. والمعنى: أيتبعون ما وجدوا عليه آباءهم، والحال أن آباءهم لا يعرفون شيئاً من أمور الدين، ولا يسيرون فيها على هدى؟!. وفي الآية إنكار للتقليد في أمور الدين، وحثٌّ على التمسك فيها بعرا الأدلة؛ أما العقائد، فلا تستقر في النفوس إلا إذا انبنت على دلائل نظرية مفصلة، أو مطوية في الصدور؛ بحيث لا تزلزلها الشبه، ولو ألقيت في زخرف من القول؛ وأما الأحكام العملية، فيجب على المكلف الأخذ فيها بغاية ما يستطيع من اجتهاد عند فقد النص، أو ترجيح عند اختلاف أهل العلم، أو متابعة من ثبت رسوخه في فهم الشريعة، وصدق لهجته عند الإفتاء. وفي ميسور الباحث أن يصل إلى معرفة من هو أهل للمتابعة من طريق ما ينقل من فتاوى الفقيه، وما يتحدث به ثقات الناس، أو يكتبونه عن سعة علمه، وصفاء بصيرته، واستقامة سيرته. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾: المثل: الشأن والصفة. و ﴿يَنْعِقُ﴾: يصيح، ويستعمل في صيحة الحق

стр. 338

وغيرها، فيقال: نعق المؤذن، ونعق الراعي بالضأن. والدعاء في الآية، كما هو الظاهر مما حكاه الطبري عن السدي: الصياح بالبهائم لتأتي، والنداء: الصياح بها لتذهب. وقيل: الدعاء للقريب، والنداء للبعيد، فيكون الصوت في النداء أرفعَ منه في الدعاء. والآية تمثل حال الكفار ومن يدعوهم إلى التوحيد بحال البهائم والراعي الذي ينعق بها، وذكر في جانب المثل المشبه المدعوين إلى التوحيد فقط، وهم الكفار، فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. . . إلخ، ولم يذكر الداعي إلى التوحيد، وإنما دل عليه ما يقابله في المثل المشبه به؛ أعني: قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾. والمعنى بعد ملاحظة ما اقتضى الإيجاز حذفه: وشأن الذين كفروا والداعي لهم إلى الإيمان حين يدعوهم، فيعرضون عن دعوته، وينصرفون عن تفهمها؛ كشأن البهائم والراعي حين يصيح بها لتقبل أو تدبر، فلا تسمع إلا صوتاً أو ألفاظاً لا تعقل لها معنى. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: صمٌّ عن استماع دعوة الحق، بكمٌ عن إجابة الداعي إليها، عميٌ عن آيات صدقها، فهم بمنزلة من فقدوا عقولهم؛ إذ فقدوا أهم طرق الإدراك؛ أعني: السمع والبصر، وأهم وسيلة للثقافة، وهي استطلاع الحقائق من طريق المحاورة. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: الطيبات من الأطعمة: المستلذات، ويصح حملها على ما طاب من الرزق بتحليل الله له. وما رزقناكم: ما أوصلناه إليكم من الرزق، وهو ما ينتفع به، ومنه اسم "الرزاق"، وهو خاص به تعالى، لا يجوز إطلاقه على غيره؛

стр. 339

بخلاف الرازق؛ فإنه يصح إطلاقه على الإنسان الذي يكون سبباً في وصول رزق إلى غيره. ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: تضمنت الجملة السابقة من الآية تذكير المؤمنين بنعمة عظيمة هي خلقه تعالى الطيبات من الرزق، وايصالها إليهم، ثم إذنه لهم في التمتع بها، وأمرهم في هذه الجملة بأن يصلوا نعمه بالشكر، فقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾، وشكر الله: الاعتراف بنعمته على وجه التعظيم، وهذا يستدعي امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. والعبادة: الخضوع والطاعة، ودل قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ على أن شكره تعالى لا يتحقق إلا مع التوحيد الخالص. فالمعنى: واشكروا لله إن كنتم تخصونه بالعبادة. ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: أذن تعالى في التمتع بالطيبات، وأردف ذلك بتحريم الخبيثات، وهي: الميتة، وما عطف عليها. والميتة: ما فارقه الروح من غير ذكاة شرعية، حرم كلها؛ لفساد الجسم بذبول أجزائه وتعفنها. والدم المحرم: ما يسيل من الحيوان الحي، كثيراً كان أم قليلاً. ويحرم من دم الحيوان حلال الأكل بعد تذكيته ما كان جارياً، وذلك معنى قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وحرمة الخنزير شاملة للحمه وشحمه وجلده. وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه الذي يقصد بالأكل. ووجه تحريمه: قذارته، واشتماله على دودة تضر ببدن آكله. وأُهِلَّ: من الإهلال، وهو رفع الصوت، يقال: أهل المحرِم: إذا رفع صوته بالتلبية. والإهلال بالذبيحة لغير الله:

стр. 340

أن يذكر غير اسم الله عليها عند ذبحها؛ كما يفعل المشركون؛ إذ يذكرون على ذبائحهم أسماء ما يعبدونهم من دون الله. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: ﴿اضْطُرَّ﴾: أُلجئ؛ أي: ألجأته إلى الأكل من تلك المحرمات ضرورة، وهي الخوف من تلف النفس، ولا ينتظر الجائع إلى أن يشرف على الموت. والباغي: من البغي. والعادي: من العدوان. والبغي والعدوان يستعملان بمعنى الظلم وتجاوز الحد، ولما وردا في الآية معطوفاً أحدهما على الآخر، اقتضى حسن البيان الذي عرف به القرآن الكريم أن يحمل كل منهما على معنى خاص يناسب أصل وضعه، وصح أن يقال: الباغي في أصل اللغة: الطالب لخير أو شر، وقد يخص بطالب الشر الساعي في فساد. وعلى هذا المعنى يحمل الباغي في الآية، فيتناول المسافر لارتكاب معصية؛ نحو: قطع طريق، أو قتل نفس. حتى يعزم التوبة. والعادي: من عدا؛ أي: تجاوز حد ما يجوز إلى ما لا يجوز، فيحمل على معنى المجاوز حد الضرورة؛ بأن يزيد في الأكل من تلك المحرمات على قدر سد الجوع إلى الشبع. والمعنى: فمن ألجأته ضرورة إلى كل شيء من تلك المحرمات، وهو غير ساع في فساد، ولا متجاوز سد الجوع، فلا إثم عليه فيما أكل منها. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿غَفُورٌ﴾: من المغفرة، وهي صيانة العبد عما استحقه من العقاب. ويرد بعد ذكر التوية، وهذا واضح، ويرد بعد الترخيص؛ كما ورد هنا بعد الإذن للمضطر في الأكل من الميتة، وكما قال تعالى في آية التيمم: ﴿فَامْسَحُوا

стр. 341

بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]. ووجهه: أن من يعفو عن الخطايا، ويغفر الذنوب، شأنه أن يشرع ما فيه يسر، لا ما فيه عسر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: لما كانت دعوة الحق إنما تصل إلى الناس بعد الأنبياء ﵈ على ألسنة العلماء، عُنِي القرآن الكريم بإصلاح سيرة هذه الطائفة، وإخراجهم في أحسن تقويم، واشتدت عنايته بخصلة إذا رسخوا فيها، وحافظوا عليها، كانت مطلع كل خير، وهي أن يكونوا أمناء على ما تحملوه من هداية، ويضربوا بالدعوة إليها في وجوه الطغاة، لا يخافون لومة لائم، ولا سطوة غاشم، فمن الحكمة أن ينذر القرآن المرة بعد الأخرى سوء عاقبة كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى، ويصل التذكرة بوعيد ترتعد له القلوب رهبة. وهذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إخبار على وجه التوبيخ والوعيد لمن يكتم شيئاً مما أنزل الله، فيخفيه عند السؤال عنه، أو عند الحاجة إليه، أو يزيله، ويضع شيئاً آخر مكانه، أو يتأوله على ما يوافق بعض الأهواء، يفعل ذلك لدنيا يصيبها، وهي الثمن الذي اشتراه؛ أي: استبدله بكتمان ما أنزل الله، ووصف هذا الثمن بالقلة؛ لأن كل ما يؤخذ في مقابلة إخفاء شيء مما أنزل الله فهو قليل. ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾: في هذه الجملة تمثيل حالة أولئك الكفار الحاصلة من أكلهم ذلك الثمن القليل المفضي بهم إلى النار، بحالة من جمل نفس النار، ووجه الشبه بين الحالتين: أنه يترتب على كل ذلك المال الحرام من تقطيع الأمعاء، وشدة الألم، ما يترتب على أكل نفس النار، غير أن العذاب الحاصل من

стр. 342

كل النار يقع عندما تمتلى منها بطونهم، والعذابَ الحاصل من كل المال الحرام يقع عند لقاء جزائه، وهو الإحراق بالنار. وذكر من وجوه انتفاعهم بذلك الثمن الحقير: الأكلَ في بطونهم؛ ليشعر بدناءة هممهم، وسقوطها إلى حد أن يزهدوا في إبلاغ ما أنزل الله، ويبيعوه بملء بطونهم. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: بما تطمئن به نفوسهم، وتنشرح له صدورهم؛ كما يكلم المؤمنين بحق. ويصح أن يكون نفي تكليم الله لهم كناية عن غضبه عليهم؛ فإن من اشتد غضبه على مسيء، أعرض عنه، وأبى أن يتوجه إليه، ولو بقليل من الكلام. ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: يُزَكيهم: من التزكية، وهي التطهير، وتستعمل بمعنى: الثناء، ومنه: زكَّى الرجل نفسَه: إذا وصفها، وأثنى عليها، وزكَّى الشهودَ: إذا عدَّلهم، ووصفَهم بأنهم أزكياء. فالذين يكتمون ما أنزل الله محرومون من فضل عظيم إنما يفوز به الذين يعطون الدعوة إلى هدى الله حقها، وهو تزكية الله لهم؛ أي: ثناؤه عليهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: بعد أن أخبر تعالى بأن أولئك الكاتمين إنما يأكلون في بطونهم ناراً، ودل على حقارتهم، وحرمانهم من تكليمه، وتزكيته لهم، أردف ذلك ببيان سوء منقلبهم، وشدة ألم العذاب الذي يصيبهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾: المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾: مَن تقدم حديثهم ووعيدهم،

стр. 343

وهم الكاتمون لما أنزل الله. واشتروا: استبدلوا، ومعنى استبدلوا الكفر بالإيمان، والعذاب بالمغفرة: أنهم عدلوا عن طريق العلم، وهو الرجوع إلى الحجة، فأخذوا الكفر بدل الإيمان، وعدلوا عن طريق الجنة، وهو الاستقامة على صالح الأعمال التي من جملتها: إبلاغُ ما أنزل الله، فأخذوا العذاب بدل المغفرة. ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾: ظاهر الجملة التعجبُ من صبر أولئك الكفار على النار، والتعجب: انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر يجهل سببه، وهذا المعنى غير جائز في حق الخالق الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فإذا أوردت جملة من كلامه تعالى في الأسلوب الذي يستعمله العرب للتعجب، حملت على أن المعنى الذي استعمل فيه صيغة التعجب، وهو في هذه الآية: صبر أولئك الكفار على النار، قد حل محل ما يُتعجب منه، وهذا معنى قول أهل العلم: إن فعل التعجب في كلام الله يراد منه التعجيب؛ أي: جعل الغير يتعجب من ذلك الفعل، وهو في الآية: صبرهم على النار. والمعنى: تعجيب المؤمنين من جراءة أولئك الكفار، وارتكابهم ما يلقي بهم في النار، لا يبالون ما ارتكبوا، شأن الواثق من أنه يصبر على عذابهم المقيم. ويجري على هذا الوجه من التعجب: أن تقول لمن يجاهر السلطان المستبد بالعداوة، ويفعل ما يهيج غضبه: ما أصبرَك على السجن! لا تريد التعجب من صبره على السجن، وإنما تريد تلقينه أن التعرض لما يهيج غضب السلطان المستبد لا يقع إلا ممن شأنه الصبر على السجن، والقصد من هذا التعجب: تحذيره من التمادي على مجاهرة ذلك المستبد بالعداوة.

стр. 344

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: أخبر تعالى فيما سبق: أن لأولئك الكفار عذاباً أليماً. وذِكرُه لهم بوصف الكتمان لما أنزل الله يُشعر بأن علة استحقاقهم للعذاب الأليم هو ذلك الكتمان، وجاءت هذه الآية مقررة لهذه العلة بأصرح عبارة، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾. . . ﴿ذَلِكَ﴾: مشار به إلى عذاب الكاتمين، والباء في قوله: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ دالة على أن ما بعده سبب لما قبلها. و ﴿الْكِتَابَ﴾: التوراة، والباء في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ للمصاحبة. والمعنى: ذلك العذاب الأليم واقع عليهم بسبب أن الله أنزل التوراة مصحوبة ببيان الحق الذي من جملته: البشارة بخاتم النبيين محمد، فكفروا ببعضه، وتناولوه بالتحريف والتأويل، إيثاراً لمطامع دنيوية على هدى الله الذي هو أساس كل سعادة. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: ﴿اخْتَلَفُوا﴾: خالف بعضهم بعضاً. و ﴿الْكِتَابِ﴾: التوراة، أو التوراة والإنجيل؛ إذ يصح أن يراد: جنسُ الكتاب، والمقام يصرفه إلى هذين الكتابين. واختلافهم في الكتاب: قول بعضهم: كله، أو شيء منه باطل، وتناوُل بعضِهم له بتحريف كلمِه عن مواضعه، أو تأويله على غير ما يُراد منه. والشقاق: الخلاف؛ كان كل واحد من المختلفين في شق غير الشق الذي يكون فيه الآخر. وإذا وصف الخلاف بالبعد، فُهم منه أنه بعيد من الحق، يقال: قال فلان قولاً بعيداً؛ أي: بعيداً من الصواب.

стр. 345

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾: ﴿الْبِرَّ﴾: الخير، وكل عمل مَرْضِيّ. وتولية الوجوه قِبل الشيء: التوجُّه إليه. ﴿الْمَشْرِقِ﴾: قبلة النصارى في صلاتهم. والمغرب: مشار به إلى قبلة اليهود، وهي بيت المقدس. والخطاب في الآية موجَّه إلى أهل الكتاب، ذلك أن الله تعالى ذكر قبل هذا: أنهم في شقاق بعيد، ومن أسباب شقاقهم: أمر القبلة؛ إذ أكثروا الخوض فيه، وأنكروا على المسلمين التحول إلى استقبال الكعبة، وادعى كل من الفريقين، اليهود والنصارى: أن البر مقصور على قبلته، فرد الله

стр. 346

عليهم بأن نفى البر عن قبلتهم، ثم قال بياناً لما هو البر: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾: ﴿مَنْ آمَنَ﴾: وقع في اللفظ موقع الخبر عن قوله: ﴿الْبِرَّ﴾، والخبر في المعنى لفظ مضاف إلى من آمن، مقدر لفهمه من سياق الجملة. والمعنى مع ملاحظة المقدر: ولكن البر بِرُّ من آمن بالله. وهذا الضرب من الإيجاز معهود في كلام البلغاء؛ إذ تجدهم يقولون: السخاء حاتم، والشعر زهير؛ أي: إن السخاء سخاء حاتم، والشعر شعر زهير. والإيمان بالله: التصديق بما لا تتم معرفته إلا به، وهي الصفات الواجبة له تعالى؛ من نحو: الوحدانية، والقدم، والبقاء، والقدرة، والعلم، والغنى المطلق. ومن اعتقد أن الله حَلَّ في غيره، أو اتحدَ به، فقد عمي عن سبيل النجاة، واستبدل بالإيمان جحوداً. والإيمان باليوم الآخر: التصديق بالبعث، وما يقع بعده من حساب وثواب وعقاب على الوجه الذي وصفته نصوص الشريعة بأجلى بيان. ومما دلت عليه نصوص الشريعة الغراء دلالة لا تحوم بها شبهة: أن للأجسام نصيباً من ذلك النعيم أو العذاب، ولا يختص به الأرواح؛ كما يزعم بعض من لا يريد، أو لا يستطيع أن يأتي الحقائق من أبوابها، وقد كان المشركون ينكرون بعث الأجسام، ويزعمون استحالته، ويوردون في ذلك الشُّبه؛ كما قالوا فيما قصه القرآن الكريم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. ورد الله عليهم بدليل نظري ينفي استحالة وقوعه، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]. وحيث جاز وقوعه، وقام الدليل السمعي من طريق الوحي المقطوع

стр. 347

بصدقه على أنه واقع، دخل التصديق به في حقيقة الإيمان. ومن أنكر جزءاً مما يتقوم به الإيمان، صح أن ينفى عنه الإيمان، ولا يوضع في حساب المؤمنين. والجاحدون باليوم الآخر لا يبالون أن يرتكبوا القبائح، ويبسطوا أيديهم في البغي، إلا حيث يخشون أن تراهم أعين الناس. وتنالهم عقوبة من ذي سلطان. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾: أجسام لطيفة نورانية قادرون على التشكل في صور مختلفة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ووجه دخول التصديق بهم في حقيقة الإيمان: أن الله وسطهم في إبلاغ الوحي للأنبياء ﵈، وذكر ذلك في الكتاب، وتحدث الأنبياء عنهم بما لا يدع في النفس شبهة في أن الملَك مخلوق ذو حياة ونطق عقلي. فمن لم يؤمن بهذا النوع من المخلوقات على الوجه الذي وصفه الكتاب العزيز، فقد أنكر الوحي، وحُرم من إيمان يبنى عليه سيرة يصل بها إلى أمن وسعادة. ﴿وَالْكِتَابِ﴾: القرآن. والإيمان به يستلزم الإيمان بجميع الكتب المنزلة من عند الله. والإيمان بالنبيين: التصديق بأنهم رجال اصطفاهم الله لتلقي هدايته وكتبه، وإبلاغها للناس في صدق وأمانة. والنبيون الذين يجب الإيمان بهم: كل من ثبتت نبوته بقرآن، أو حديث صحيح. والدليل القاطع على أن محمداً ﷺ خاتم النبيين يجعل المدعين للنبوة بعده مضلين، والمصدقين لمزاعمهم ضالين. ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾: هذا معطوف على قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. ﴿وَآتَى﴾: أعطى.

стр. 348

والضمير في قوله: ﴿حُبِّهِ﴾ عائد إلى المال. والأموال منها ما شأنه أن يُحب، وهو الطيب، ومنها ما لا يُرغب فيه، وهو الخبيث؛ أي: الرديء. وإيتاء المال الذي يدل على صدق إيمان صاحبه، ويرتقي به إلى منازل الأبرار، إنما هو بذل ما كان محبوباً له، وهو نفائس الأموال والطيبات من الرزق؛ كما قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. والقربى: القرابة؛ أي: قرابة المعطي للمال. والمعنى: وأعطى المال -على محبته له- ذوي قرابته، فهم من بين المحتاجين أولى بالمعروف؛ لأن إعطاءهم إحسان وصلة رحم، وهذا سر تقديمهم في الآية على من ذكر بعدهم من بقية الأصناف المستحقين للعطف والإحسان. ﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم، وهو من فقد أباه بالموت، ولم يبلغ الحلم، وهم أولى بالمعروف بعد ذوي القربى، متى كانوا محتاجين؛ لشدة عجزهم عن كسب ما يسد حاجاتهم. ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾: جمع مسكين، وهو من لا شيء له من المال، أو له شيء لا يكفي حاجاته. ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: هو المسافر المنقطع عن ماله. وسمي ابن السبيل؛ أي: الطريق؛ لأنه يظهر للناس من جانبها. ويعطى المسافر الغني في بلده من الصدقات إذا لم يمكنه الاستقراض، فإن أمكنه الاستقراض، خرج عن أن يكون أهلاً لقبول الصدقات. وفي هذا تنبيه على أن المسلمين -وإن اختلفت أوطانهم- ينبغي أن يكونوا في التعاطف والتعاون على مرافق الحياة كأسرة واحدة.

стр. 349

﴿وَالسَّائِلِينَ﴾: جمع سائل: وهو الطالب للمعروف. ويحملون على أنهم سألوا بدافع الحاجة حتى يعرف أنهم سألوا وهم في يسار أو كفاف. ﴿الرِّقَابِ﴾: جمع رقبة، وهي في الأصل: العنق، وتطلق على البدن كله، كما تطلق العين على الجاسوس، فصح حمل الرقاب على الأسارى والأرقاء. ولفظ ﴿فِي﴾ بعد حرف العطف ينبئ بأن هناك لفظاً مقدراً مضافاً إلى الرقاب هو المقصود بإيتاء المال. والمعنى مع ملاحظة اللفظ المقدر: وأعطي المال في تخليص الأسرى من أيدي العدو بفدائهم، وتخليص الأرقاء بشرائهم وإعتاقهم. ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾: ذكر في خصال البر: مواساةَ الخلق إذ قال: ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾، فدل على أنه لا بر إلا لمن يكون رحيم القلب، سريم العطف على ذوي الحاجات ما استطاع، وعطف على ذلك خصلة أخرى ترجع إلى التزامه القيامَ بما يأمره الله به من حسن الطاعة، فقال تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾. وإقامة الصلاة: أداؤها في مواقيتها مستوفية لأركانها وآدابها. والزكاة يراد بها: الزكاة المفروضة على الوجه المفصل في السنة. وما تقدم من إيتاء ذوي القربى، وما عطف عليهم يراد منه: نوافل الصدقات. وإيتاء الزكاة: وضعها في أيدي مستحقيها من الفقراء والمسكين، أو تسليمها لمن يصرفها في مواضعها المنصوص عليها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ. . .﴾ [التوبه: ٦٠]. وفي الأموال حقوق لذوي الحاجات غير الزكاة. ومما لا يجري فيه خلاف بين أهل العلم: أن الحاجة إذا بلغت بطائفة من الأمة حد الضرورة، وجب على ذوي اليسار سدها، ولو مما زاد على قدر الزكاة.

стр. 350

﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾: هذا معطوف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾. ﴿وَالْمُوفُونَ﴾: من الإيفاء، وهو الإنجاز. والعهد: الميثاق والذمة، فيشمل ما يقع بينهم وبين الناس من عقود، وما يلتزمون لله من نذور؛ كما قال في آية أخرى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، ويدخل في هذه الخصلة: الوفاء بالوعد؛ فإنه معدود في أسمى مكارم الأخلاق. ويقضي بإنجاز الوعد إذا علق بسبب؛ كأن يقول لشخص: تزوج، وأدفع لك المهر، فعقد الموعود على امرأة اعتماداً على هذا الوعد. وقال تعالى: ﴿إِذَا عَاهَدُوا﴾، فأشار إلى أن إيفاءهم بالعهد لا يتأخر عن وقت حصول العهد. ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: ﴿الْبَأْسَاءِ﴾: الفقر. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: السقم والوجع. والبأس: القتال. ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ معطوف في المعنى على ﴿مَنْ آمَنَ﴾؛ كقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ﴾، ولكنه جاء منصوباً جرياً على الأسلوب المعروف بين البلغاء، وهو أن المتكلم إذا أراد التنبيه على فضل زائد في المعطوف على مرفوع، غَيَّرَ وجه الإعراب، وأتى به منصوباً على تقدير فعل يدل عليه مقام المدح، وجرى علماء العربية على أن يبينوه بنحو: أمدح، أو أخصّ. ولا ريب في أن خصلة الصبر على الشدائد، وحين القتال في سبيل الله، جديرة بأن ينبه لمزيد فضلها؛ إذ هي أصل لكثير من المكارم؛ كالعفاف عما في أيدي الناس، والتسليم للقضاء الذي لا مرد له، والإقدام الذي يحمى به الدين، وتسلم به النفوس والأموال والأعراض. وجاءت كلمة (حين) في قوله: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ مشيرة إلى أن مزية الصبر في القتال إنما تظهر حين تدور رحى الحرب، وتأخذ الأسلحة في قطف الرؤوس من الأعناق، وسلب

стр. 351

الأرواح من الأجساد. وقد يكون في الإنسان شيء من قوة الجأش، ويحشر نفسه في زمرة الأبطال، ويزحف في مقدمة الزاحفين، حتى إذا التقى الجمعان، وكشرت المنايا تحت سحاب النقع، أخذ الفزع من الموت بمجامع قلبه، وذهبت نفسه شَعاعاً، ولاذ بالفرار، أو استسلم للعدو، وفاته أن يكون من الصابرين حين البأس. وجاءت أنواع الصبر في الآية على وجه الترقي من الشديد إلى الأشد، فالصبر على المرض أصعب من الصبر على الفقر، والصبر حين البأس أصعب من الصبر على المرض. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: المشار إليهم: من تقدم ذكرهم من المحرزين لخصال البر. واسم الإشارة (ذلك) أحضرهم في أذهان المخاطبين، وهم متصفون بتلك الخصال العظيمة. وجاء الإخبار عنهم بأنهم الصادقون المتقون مبشراً لهم بأنهم بلغوا بإحراز تلك الخصال الغاية التي يطمح إليها أرباب البصائر النيرة، والنفوس الطاهرة، وهي مقام الصدق والتقوى، والصدق توصف به الأقوال المطابقة للواقع، وتوصف به الأفعال الواقعة على ما ينبغي أن تكون عليه؛ كما قالوا: صدقوهم القتال، وقالوا: فلان صادق الحملة. ومن حازوا خصال البر صادقون في القيام بما أوصى الله به من أعمال الخير. والمتقون: من الاتقاء، وهو الحذَر، واذا أطلق المتقي في كلام الشارع، فهو الحذِرُ من عقاب الله؛ بتجنب معاصيه، وامتثال أوامره. وعقبى الصادقين المتقين الفوز بطمأنينة النفس في العاجلة، والنعيم الدائم في الآخرة. ففي هذه الجملة من الآية ثناء على أولئك الأبرار، وإيحاء إلى ما يلاقونه من اطمئنان وخيرات حسان.

стр. 352

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٨ - ١٧٩]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾: أفادت الآية السابقة أن البر هو الإيمان بالله، والإخلاص في طاعته الذي يظهر في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومواساة ذوي الحاجات، والوفاء بالعهود، والصبر على البلاء، والاستهانة بالموت في مواقع الجهاد إعلاء لكلمة الحق، وأتبع ذلك بشرع بعض الأحكام العملية الجليلة، وابتدأ منها بما يرجع إلى حفظ الدماء؛ لأخذه منزلة ذات شأن في إصلاح العالم، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾. ﴿كُتِبَ﴾: من الكتابة، وهي في الأصل: الخط بما يدل على معنى، ويستعمل بمعنى: الفرض، والإيجاب، فمعنى كتب عليكم: فرض عليكم، والقصاص: العقوبة بالمثل من قتل أو جرح، والقتلى: جمع قتيل، والقصاص

стр. 353

فيهم: قتل القاتل عقوبة له على القتل، مع مراعاة المساواة التي تتقرر بتقدير الشارع الحكيم. وإنما يفرض القصاص عند القتل الواقع على وجه العمد والعدوان، وحيث يطالب به أولياء القتيل. وصدرت الآية بخطاب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقوية لداعية إنفاذ حكم القصاص، فكأنه يقول: إن معكم من الإيمان ما يمنعكم من التهاون بإقامة هذا الواجب؛ فإن المؤمن الصادق يحرص على أن يسد الأبواب في وجه كل فتنة تحل عرا الألفة والمودة بين الأفراد والجماعات، وتلقي بحبل الأمن في اضطراب واختلال. والقرآن الكريم يوجه الخطاب في عقوبات الجنايات كالقصاص إلى الأمة على أن يقيمها الرئيس الأعلى، أو من ينوب عنه. وتوجيه الخطاب إلى الأمة يُشعرها بأن عليها جانباً من التبعة إذا أهمل أولو الأمر هذه العقوبات، أو لم يقيموها على حق، ويشعرهم بأنهم مطالبون بعمل ما يساعد الحكام على وضع العقوبات في حدود العدل؛ كتسليم الجاني، وأداء الشهادة عليه في صراحة وأمانة. ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾: هذا بيان لمعنى المساواة في القتل المشار إليها بلفظ القصاص، فالجملة تتمة لمعنى الجملة السابقة، ومفادها: أن يقتل بالمقتول قاتلُه دون ما سواه؛ لأن أخذ غير الجاني ليس بقصاص، بل هو اعتداء ثان، وإنما يرتفع الفساد بالقصاص، لا بالقتل ظلماً. وفي الآية إبطال ما كان جارياً في الجاهلية؛ حيث إن القبيلة القوية إذا قتلت منها القبيلة الضعيفة شخصاً، لا ترضى إلا أن تقتل معه أشخاصاً من شيعته، وإذا قتلت منها عبداً، لا ترضى إلا أن

стр. 354

تقتل به حراً، وإذا قتلت منها أنثى، لا ترضى إلا أن تقتل بها رجلاً. وبتحرِّي قصد الشارع من القصاص يستبين أن الجماعة التي تشترك في قتل الواحد حقيقةٌ بأن تؤخذ به قصاصاً؛ حتى لا يتوسل إلى قتل أفراد كثيرة بأيدي جماعة تجمع أمرها، وتخوض بسلاحها مشتركة في سفك دماء معصومة واحداً بعد آخر. ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: وردت هذه الجملة حديثاً عن إسقاط ولي المقتول القصاصَ عن القاتل، وإعطاء القاتل لولي المقتول الديةَ بدلَ القصاص، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ عفي: من العفو، وهو الإسقاط، ومن عفي له: هو القاتل، و ﴿أَخِيهِ﴾: ولي المقتول، و ﴿شَيْءٌ﴾: القصاص، وهو مفعول به ناب عن فعل عفي، وهذا الوجه من الإعراب هو الموافق لما عرف به القرآن الكريم من حسن البيان، ومعنى هذه الجملة المصوغة في طريق الإيجاز: أن ولي المقتول أسقط القصاص راضياً بأخذ الدية، وفي هذا الحال يكون شأن ولي المقتول طلب الدية، وشأن القاتل أداؤها، فجاء قوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وصيةً لولي المقتول بأن يتبع القاتل عند طلب الدية بالمعروف؛ أي: يرفق في الطلب، وينتظره في حال عسرة إلى ميسرة، وجاء قوله: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ وصيةً منه تعالى للقاتل بأن يؤدي الدية بإحسان؛ أي: لا يمطل بها، ولا يبخس منها. ويصح حمل العفو على معنى العطاء، وهو معنى معروف في كتب اللغة، وجرى عليه بعض كبار العلماء في تفسير الآية، والمعنى: فمن أعطِي، وهو ولي المقتول، من أخيه، وهو القاتل، شيئاً، وهو الدية، فعلى ولي المقتول

стр. 355

اتباعه بالمعروف، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان. وسمي القاتل أخاً لولي المقتول؛ تذكيراً بالأخوة البشرية والدينية حتى يهز عطف كل واحد منهما إلى الآخر، فيقع بينهم العفو، والاتباع بالمعروف، والأداء بإحسان. ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: المشار إليه: الحكم المفهوم من تيسير أمر القصاص بشرع الدية، فشرعها من آثار رحمته تعالى، وعدم إرادته الحرج فيما شرع من الدين، ففي الدية تخفيف على القاتل، ونفع لأولياء القتيل، وقد جمع الإسلام في عقوبة القتل بين العدل والرحمة، فجعل القصاص حقاً لأولياء المقتول إذا طالبوا به، وذلك عدل، وشرع الدية إذا أسقطوا القصاص عن القاتل، وذلك رحمة. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: المشار إليه: قبول الدية، والاعتداء: قتل القاتل، والمعنى: فمن اعتدى على القاتل بعد قبول الدية، فله عذاب شديد الألم في الآخرة. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾: لما كان القصاص أشد عقوبة يؤخذ بها الجناة، عني القرآن ببيان حكمته توطيناً للنفوس على الانقياد إليه، وتقوية لعزم أولي الأمر على إقامته، فقال تعالى مبيناً حكمة شرعه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. في القصاص حياة من وجهين: أولهما: أن الشخص إذا هم بقتل شخص، وعلم أنه إذا قتله اقتص منه، امتنع من قتله، فيكون القصاص سبباً للردع عن قتل أنفس كثيرة. ثانيهما: أن القبائل القوية إذا قتلت منها القبيلة الضعيفة أحداً، لا تكتفي بقتل القاتل حتى تلحق به آخرين من عشيرته، والقصاص لا يتجاوز القاتل
следующие страницы →