ما للعدا جُنَّةٌ أوقى من الهربِ ... أينَ المفرُّ وخيلُ اللهِ في الطلبِ
كما عارض نجم الدين يونس بن محمد المصري قصيدة الحصري القيرواني التي يقول في مطلعها:
يا ليلُ الصبُّ متى غدُهُ ... أقيامُ الساعة موعده؟
بقصيدته التي يقول في طالعها:
قد ملَّ مريضَكَ عُوّدُه ... ورثى لأسيرِكَ حسَّدُه
وعارضها الشاعر شوقي بقصيدة يقول في مطلعها:
مُضناك جفاه مرقدُه ... وبكاه ورحَّم عُوّدُهُ
وكما صدر الشيخ قبادو التونسي وشطر القصيدة التي مطلعها:
أفاطمُ لو شهدتِ ببطن خَبْتٍ ... وقد لاقى الهزبرُ أخاك بِشْرا
وهو الذي فتح باب الشعر العصري في تونس إذ يقول في بعض قصائده:
ومن لم يجس خبر أوربا وملكها ... ولم يتغلغل في المصانعِ فهمُه
فذلك في كنِّ البلاهةِ داجنٌ ... وفي مضجعِ العاداتِ يلهيه حُلْمُه
واقترح المنصور بن أبي عامر على شاعره أحمد بن دراج أن يعارض قصيدة أبي نواس التي يقول فيها: "أجارة بيتينا أبوك غيور" إلخ. فعارضها بقصيدة يقول فيها:
أَلمْ تعلمي أن الثواءَ هو الثوى ... وأن بيوتَ العاجزين قبورُ
وقال فيها يصف ابنه الصغير عند رحيله:
تناشدني عهدَ المودة والهوى ... وفي المهدِ مبغومُ النداءِ صغير
стр. 3012
عَييٌّ بمرجوعِ الخطابِ ولحظُهُ ... بموقع أهواء النفوسِ خبيرُ
ومما يدل على براعة الشعر: تعدد من يدعيه؛ بأن يقول شاعر القصيدة، فينسبها بعض الأدباء لنفسه؛ لينال فخر نظمه لها، وقد ذم ابن الرومي بعض من يأخذ شعر غيره، وينسبه إلى نفسه.
وتشكى السريُّ الرفّاء بأديبين في قصيدة بعث بها إلى المفضل الضبي.
ومما يدل على بلاغة الشعر: اتخاذه مثلاً يضرب لمن حصل له معناه؛ كقول عبد العزيز بن نباتة السعدي:
ومن لم يمتْ بالسيفِ مات بغيره ... تعددت الأسبابُ والموتُ واحدُ
أو من حصل له ما يماثل معناه؛ كقول المتنبي:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابةَ إلا من يعانيها
وقول أبي نواس:
لا أذود الطير عن شجرٍ ... قد بلوْتُ المرَّ مِنْ ثمره
وهذا مثل يضربه من ناله مكروه من رجل يجرعه غصص الأذية مرة بعد أخرى.
ومن طرق التنبه على براعة الشعر: قول الأدباء: من كمال الظرف في الإنسان: أن يحفظ قصيدة فلان، أو شعر فلان، كما قال الأدباء: من كمال الظرف: أن يحفظ الإنسان قصيدة ابن زريق التي يقول في طالعها:
لا تعذليه فإن العذْلَ يولِعُهُ ... قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه
إلى أن يقول:
أعطيت ملكاً فلم أحسن سياسته ... كذاك من لا يسوس الملك يخلعه
стр. 3013
وقال أدباء الأندلس: من كمال الظرف: أن يحفظ الإنسان شعر ابن زيدون.
ومن هذا القبيل: قصيدة أبي القاسم عامر بن هشام التي يسميها أهل الأندلس: "كنز الأدب"، والقصيدة يذكر فيها متنزهات قرطبة، وفيها حكم بليغة. يقول في طالعها:
يا هبة باكرت من نحو دارينِ ... وافت إليّ على بُعد تحييني
إلى أن يقول:
وأنكدُ الناس عيشاً من تكون له ... نَفْسُ الملوك وحالاتُ المساكين
* العلماء والشعر:
وتبرأ بعض العلماء من الشعر، ورأى أنه يزري بالعلماء، فقال:
ولولا الشعرُ بالعلماء يُزري ... لكنت اليومَ أَشعرَ من لَبيدِ
ولكن الشعر في ذاته لا يزري بالعلماء، بل هو فن من فنون أدب اللغة، فمن تعلق به، فقد ضم إلى أدبه أدباً. والشعر الذي يزري بالعلماء هو الشعر الذي يُقبل عليه الجاهلون، ويدعوهم إلى ما فيه خيبة وخسر، والذي يتيه بصاحبه في كل ناحية من الباطل، ومن يقول صاحبه مالا يصدر منه. وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٤ - ٢٢٦].
فمن الشعراء من يقول غير الحق؛ كقول بعضهم:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا ... فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا
وقول الآخر:
стр. 3014
ومن لا يَظْلِم الناسَ يُظْلَمِ
وحتى بلغ ابن الرومي أن مدحَ الحقد، فقال:
وما الحقدُ إلا توأمُ الشكرِ في الفتى ... وبعضُ المزايا (١) ينتسبن إلى بعضِ
فحيث ترى حقداً على ذي إساءة فثمَّ ... ترى شكراً على واسع (٢) القرض
فالحقد عند علماء الأخلاق خلق ذميم، وإنما يجوز للإنسان أن يمسك الإساءة في قلبه بقدر ما تستقيم به السيرة، أو تعتدل به السياسة. ولعل هذا هو مراد ابن الرومي بالحقد.
وفي الشعر خصلة أخرى تزري بالعلماء؛ أعني: اكتساب الرزق به، وهو قادر على الاكتساب بغيره من الحرف اللائقة، وهجاء من لا يجازيهم على مدحهم، حتى قال ابن الجزّار:
كان فضلي على الكلاب ومذ صر ... ت أديباً رجوتُ فضلَ الكلابِ
فمراده من الكلاب في الشطرة الثانية: اللؤماء من الناس.
ومن العلماء من يجمع بين العلم والأدب؛ كالقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي الذي قال فيه أبو العلاء المعري:
والمالكي ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكاً جدلاً ... وينشر الملكَ الضليِّلَ إن شعرا
ومن شعر القاضي عبد الوهاب قوله:
стр. 3015
متى تصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحارُ من الركايا (١)
ومن يثني الأصاغرَ عن مرادٍ ... وقد جلس الأكابرُ في الزوايا
وكالقاضي أحمد بن عمر الأرجاني؛ فقد كان فقيهاً أديباً، وهو يقول:
اقرنْ برأيك رأيَ غيرِك واستشرْ ... فالحقُّ لا يخفى على الإثنينِ
المرءُ مراَةٌ تُريه وجَهه ... ويرى قفاه بجمع مِرْآتين
ومثل القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني؛ فقد كان فقيهاً أديباً، وهو القائل:
يقولون لي: فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
يقولون: هذامورد. قلت: قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما
وقد يولع العالم الكبير بالشعر البارع؛ كما فعل تقي الدين بن دقيق العيد عالم الإسكندرية لمّا بلغته قصيدة ابن خميس الشاعر التلمساني الذي يقول في طالعها:
عجباً لها أيذوق طعمَ وصالِها ... من ليس يأملُ أن يمرَّ ببالها
فقام لها، وجعل يكررها المرة بعد الأخرى، ووضعها بمكان قريب منه إعجاباً بها.
وهؤلاء ينظرون إلى قول علي بن الجهم:
وما أنا ممن سار بالشعر ذكره ... ولكنَّ أشعاري يسيِّرها ذكري
وكثير من فحول الشعراء يفتتحون قصائدهم في المديح بالغزل؛ لتنبسط
стр. 3016
نفس الممدوح أولاً، وتقبل على سماع المديح بارتياح. وقد أشار أبو الطيب المتنبي إلى هذه العادة بقوله:
إذاكان مدحٌ فالنسيبُ المقدَّمُ ... أكلُّ فصيح قال شعراً متيَّمُ؟
لَحُبُّ ابن عبدالله أولى فإنه به ... يبدأ الذكر الجميل ويختم
وأنكر عليهم تطويل الغزل في قصائد المديح عمرو بن العلاء، فقال: "يا معشر الشعراء! عجباً لكم! إن أحدكم يأتينا فيمدحنا بقصيدة يتنسب فيها، ولا يبلغنا حتى تذهب لذاذة مرحه، ورونق مدحه".
ومن كبار الأدباء من ينتقل من الغزل إلى المديح، ولا يراعي مناسبة خاصة. ومنهم من يراعي مناسبة خاصة بين الغزل والمديح، ويسميه علماء البديع: حسن التخلص؛ كقول أبي تمام:
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا؟ ... فقلت: كلا، ولكن مطلع الجود
وقد أقبل المحدَثون على حسن التخلص، فأتوا بتخلصات بديعة، ومعان مبتكرة، وكتبُ الأدب حافلة بذلك، منها: قول القاضي الشيخ ابن عاشور يمدح الصادق صاحب تونس، أذكر منها:
..................... ولاح لها من كاذب الفجر ما يبدو
فقلت لها: مهلاً، وبالصادق ابشري ... فقالت: أجل. إن الأمير هو القصدُ
والذي يدرك الشعر البارع: الأدباء؛ لأنهم يمارسون الأدب، ويعرفون التخيل الجيد، والمعاني الغريبة، وارتباط بعضها ببعض، ويصحبون من قضى زمناً مديداً في نظم الشعر، فقد كان الشاعر كثير راوية جميل، وكان جميل راوية هدبة، وكان هدبة راوية الحطيئة، وكان الحطيئة راوية زهير وابنه كعب،
стр. 3017
وكان ابن العميل راوية الشاعر مسلم بن الوليد، والبحتري تعلم الشعر من أبي تمام، ومهار الديلمي أخذ عن الشريف الرضي، وكان خلف الأحمر من الكوفيين يضع على ألسنة الشعراء شعراً، وكل شعر يشبه شعر الذي يضعه على لسانه، وكان حماد الراوية يعرف شعر القدماء والمحدَثين، وقال: لا ينشدني أحد شعراً قديماً أو حديثاً إلا ميزت بينهما.
روي أن الخليفة المهدي عقد مجلساً عاماً، وكان بالحضرة بشار بن برد، فدخل أبو العتاهية، وهنأ المهدي بالخلافة بقصيدته التي يقول فيها:
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ولولم تطعه بنات القلوب ... لما قبل الله أعمالها
فالتفت بشار إلى شاعر بجانبه، وقال له: هل طار الخليفة من فراشه؟ يعني: طرب للأبيات.
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: اتفقت مع عباس بن الأحنف على أنه إذا سمع شعراً بليغاً، أطرفني به، وأنا أفعل ذلك. فجاءني يوماً، وأنشد أبيات ابن الدمينة التي يقول فيها:
أإنْ هتفت ورقاءُ في رونقِ الضحى ... على فَنَنٍ غضِّ النباتِ من الرندِ
وقد ترنح طرباً من حسنها.
وكان بعض الأدباء كثيراً ما يعجب بقول شوقي:
وللحرية الحمراء باب ... بكل يد مضرجة يُدَقُّ
* براعة الشعر عند الخلفاء:
وقد يدرك الخلفاء والملوك والوزراء براعة الشعر؛ لكثرة من ورد عليهم
стр. 3018
من الشعراء، فيعرفون من يأتي بالمعنى الغريب، ومن يتخيل التخيل الرائع.
ويروى: أن الرشيد قال ليزيد بن مزيد: أتعرف من يقول فيك:
تراه في الأمن في درعٍ مضاعفة ... لا يأمن الدهرَ أن يأتي على عجلِ
قال: لا يا أمير المؤمنين، لا أعرف قائله.
فقال الرشيد: قد بلغ هذا الشعر أمير المؤمنين، فرواه وأجازه، وأنت لا تعرف قائله؟! وقائله هو مسلم بن الوليد.
وقد يكون الخليفة أو الملك أو الوزير هو الذي يدرك بلاغة القصيدة؛ لكثرة ورود الشعراء لمجلسه، وتقريبه لهم؛ لنشر مفاخره ومآثره بين الناس، وإن لم يكن الشعر في مدحه.
روي: أن هشام بن عبد الملك قال لأهله وولده: ليقل كل واحد منكم أحسن ما سمع من شعر، فواحد يذكر شعر امرئ القيس، وآخر يذكر شعر الأعشى، وآخر يذكر شعر طرفة، وأكثروا حتى أتوا على محاسنهم.
فقال لهم: أشعرهم - والله - الذي يقول:
وذي رحم قلَّمت أظفارَ ضِغنه ... بحلميَ عنه وهو ليس له حلمُ
وذكر الأبيات، وهي لمعن بن أوس المزني، وأعجب بها؛ لسلاسة لفظها، ودلالتها على خلق قلما نجد من يتصف به.
ويقال: إن الرشيد قال لمروان بن أبي حفصة: أنشدني مرثيتك في معن ابن زائدة، فأنشده إياها، فتأثر الرشيد وأجازه.
وكذلك يروى: أن الوزير جعفر البرمكي قال لمروان بن أبي حفصة: أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة، فأنشده إياها، فتأثر من نظمها البليغ,
стр. 3019
وأجازه عن مرثية قيلت في معن بن زائدة.
وقتل عضد الدولة الوزير ابن بقية مصلوباً، ورثاه ابن الأنباري بقصيدته التي يقول في طالعها:
علوٌ في الحياة وفي المماتِ ... لحقٌ أنت إحدى المعجزات
وهرب من وجه عضد الدولة، ولما انتهت القصيدة إلى عضد الدولة، أمَّن الشاعرَ، وتمنى أن يكون هو المصلوب دون ابن بقية، وقيلت فيه هذه القصيدة.
ولما أنشد ابن الأنباري هذه القصيدة بمجلس الصاحب بن عباد، ووصل إلى قوله:
فلم أر قبلَ جذعك قبلُ جذعاً ... تمكن من عناق المكرمات
قام الصاحب بن عباد، وقبَّله؛ لشدة إعجابه بالبيت.
وكان سيف الدولة يعجب من قول أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
وينشده كثيراً. وهذا ما دعا أبا علي الفارسي أن يذكر البيت في كتاب "الإيضاح "، مع أنه ليس من عادته الاستشهاد بمثل قول أبي تمام السابق. وإعجاب الخلفاء والملوك والوجهاء بالقصائد التي يمدحون بها قد يكون من بلاغة الشعر، ويزيدهم طرباً أن يكون في ذكر مفاخرهم؛ كما ذكر أن مروان بن أبي حفصة أنشد بين يدي المهدي قصيدته التي يقول في طالعها:
طرقتك زائرةٌ فحيِّ خيالَها ... حسناء تخلط بالجمال دلالها
فأنصت له المهدي، ولم يزل يزحف كلما سمع شيئاً منها، حتى صار
стр. 3020
على البساط؛ إعجاباً بما سمع.
ودخل أبو الفضل محمد بن شرف على المعتصم بالأندلس، ومدحه بقصيدته التي يقول فيها:
مطل الليلُ بوعد الفلق ... وتشكّى النجمُ طول الأرقِ
هربت ريح الصبا مسك الدجا ... فاستفاد الروض طيب العبق
فطرب المعتصم للقصيدة، وقضى له كل مطالبه، وهو (أي: أبو الفضل) صاحب القصيدة التي يقول فيها:
لم يبق للجور في أيامهم أثر ... غير الذي في عيون الغيد من حور
ودخل ابن جناح على المعتضد بن عباد في اليوم الذي أعده للشعراء، وكان الشعراء لا يعرفونه، ويظنونه لا يجيد الشعر، فاتفقوا على تقديمه، فأنشده قصيدته الفائقة التي يقول في مطلعها:
قطَّعتَ يا يوم النوى أكبادي ... ونفيتَ عن عيني لذيذَ رقادي
فلما انتهى منها، قال له: قد وليتك رياسة الشعراء، ولم يسمع من غيره في ذلك اليوم. وهذه القصيدة يقول فيها:
إن القريضَ لكاسدٌ في أرضنا ... وله هنا سوقٌ بغيركساد
ودخل إبراهيم بن هرمة على المنصور، وأنشده قصيدته التي يقول فيها:
له لحظاتٌ في خفايا سريرِه ... إذا كرها فيها عقاب ونائل
فرفع الحجاب له وأقبل عليه.
وروي: أن عبد المؤمن بن علي مدحه أبو العباس التيفاشي بقصيدته التي قال في أولها:
стр. 3021
ما هزَّ عطفيه بين البيضِ والأَسَلِ ... مثلُ الخليفة عبد المؤمن بنِ علي
فأشار عليه أن يقتصر على هذا البيت؛ لأنه يغني عن بقية القصيدة.
ومدح عبد الرحمن الفنداقي الخليفة إدريس بن يحى بقصيدته التي يقول فيها:
أَلِبَرْقٍ لائح من أندرين ... ذرفت عيناك بالماء المعين؟
ويقول:
ومصابيحُ الدجى قد طفئت ... في بقايامن سواد الليل جون
وكأن الطلَّ مسكٌ في الدجى ... وكأن الطل درٌّ في الغصون
والندى يقطر من نرجسه ... كدموع أسكبتهن العيون
فرفع الخليفة الحجاب بينهما من شدة طربه بالقصيدة.
وقد يتفق الأدباء في فهم بلاغة البيت، ولكن ينظر كل واحد منهم إلى ناحية من المعنى، فيجعلها بالوجه الذي كان به البيت بليغاً؛ كما روي أن الشاعر أبا الحسن البقال سمع قصيدة إبراهيم الصولي، فاستحسنها، ولما وصل إلى قوله فيها:
رأى خلَّتي من حيث يخفى مكانهُا ... فكانت قذى عينيه حتى تجلَّتِ
كرره استحساناً له. وكان بمرأى منه أبو الفرج الحسين الأصفهاني صاحب كتاب "الأغاني "، فأرسل إليه يقول له: أسرفت في استحسان هذا البيت، فأين موقع الصنعة فيه؟ فقال: قوله: "فكانت قذى عينيه حتى تجلت "، فقال صاحب "الأغاني " للرسول: قل له أخطأت، فالصنعة في قوله: "من حيث يخفى مكانها".
стр. 3022
وقال ياقوت في "معجم الأدباء": وقد أصاب كل واحد منهما؛ فإن الموضعين غاية في الحسن، وإنما كان ما ذهب إليه أبو الفرج أحسن.
والحق أن الصنعة فيه تأسست بقوله: "رأى خلتي من حيث يخفى مكانها"، ولكن المعنى الحسن لم يتم إلا بقوله: "فكانت قذى عينيه".
ونظيره قول ابن هرمة في مدح المنصور:
له لحظاتٌ في خفايا سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل
فقد تأسست الصنعة بقوله: "له لحظات في خفايا سريره"، وتم المعنى المطرب بقوله: "إذا كرها فيها عقاب ونائل "، ولولا هذه التكملة، لكانت الصنعة ناقصة.
فالشعر الجيد له يد في الدعوة إلى سبيل الحق، والأخلاق الفاضلة؛ كشعر حسان بن ثابت في صدر الإسلام ومن بعده، وإلى هذا يشير أبو تمام بقوله:
ولولا خلالٌ سنَّها الشعر ما درى ... بغاةُ العلا (١) من أين تؤتى المكارمُ
* آثار الشعر:
وقد يقرب الأديب منزلة من الخليفة أو الملك أو الوزير، فيضعه في منصب عال، أو يمنحه أموالاً طائلة، وقد ينجو الأديب من عقوبة من يقدر على عقوبته؛ كما نجا ابن الأنباري ببلاغة قصيدته: "علوٌّ في الحياة وفي الممات " من عقوبة عضد الدولة.
وقد يرغب الأديب في القيام بطاعة لم تكن في باله.
стр. 3023
قال ابن جريج: كنت في اليمن، وليس في بالي أن أؤدي فريضة الحج في هذه السنة حتى خطر ببالي قول عمر بن أبي ربيعة:
بالله قولي له في غير مَعْتَبَةٍ: ... ماذا أردتَ بطول المكث في اليمنِ؟
إن كنتَ حاولت دنيا أو نعمتَ بها ... فهل أخذتَ بترك الحجِّ من ثمنِ؟
ولا سبب للحج إلا هذان البيتان اللذان خطرا ببالي.
ومن بلاغة الشاعر في المديح: أن يذكر كلمة أو جملة يخفي وجة زيادتها على الممدوح ويعدها تقصيراً في الممدوح، حتى يذكر الشاعر وجه زيادتها؛ كالقصيدة التي مدح فيها عبدالله بن إبراهيم المعتمد بن عباد إذ يقول فيها:
ولا سقاهم على ما كان من عطشٍ ... إلا ببعض ندى كفِّ ابن عبّاد
فقال ابن عباد: "لأي شيء بخلت عليهم أن يسقوا بكل ما في كفي؟ "، فقال: إذاً يلحقني من التبعة مالحق الذي قال: "ولا زال منهلاً بجرعائك القطر"، وكان طوفان نوح أهونَ عليهم من ذلك.
وقد احترس الشاعر من مثل هذا بقوله:
فسقى ديارَك غيرَ مفسدِها ... صوبُ الغمام وديمةٌ تَهمي
стр. 3024
أثر الشعر في التّرويح على النّفس وإثارة العواطف الشّريفة (١)
ترتاح النفوس لسماع الشعر أكثرَ مما ترتاح لسماع النثر المساوي له في مرتبة البلاغة، ذلك أن الشعر يمتاز بالوزن والقافية، ولورود الألفاظ في جمل موزونة، ومنتهية بقافية، وقعٌ تلذه النفس، زائدٌ على ما تلذّ من موقع الفصاحة والبراعة.
ثم إن الشاعر يطلق لخياله العنان، فيؤلف من المعاني التي يقع عليها الخيال صوراً شائقة ليس من عادة البلغاء إيراد أمثالها في منثور الكلام.
ويضاف إلى هذا: أن للبلغاء أساليب في الشعر غير أساليب الكلام المنثور، أساليب يستدعيها رعاية الوزن والقافية، أو يستدعيها إرسال الخيال في أودية لا يحوم بها خيال الكاتب أو الخطيب.
وهذا الذي امتاز به الشعر؛ من الوزن والقافية، والأساليب الغريبة، وصور المعاني الطريفة، جعله يفعل في النفوس مالا يفعله المنثور من القول، وجعله يخرج النفوس من الهمود إلى انتباه، ومن الانقباض إلى ارتياح، ومن النفور إلى إقبال، بل زعم بعضهم: أن من الشعر البليغ ما ينسي الوطن والأهل.
стр. 3025
أورد أبو علي القالي قصيدة، وحكى: أن بعض أهل العلم سمعها وهو في دار غربة، فقال: أنستني أهلي، وهان عليّ طول الغربة، ومن أبيات هذه القصيدة:
فإن تكن الأيامُ فينا تبدَّلتْ ... ببؤسٍ ونُعْمى والحوادثُ تفعلُ
فما ليَّنتْ مني قناةً صَليبةً ... ولا ذللتنا للذي ليس يجملُ
ولكن رحلناها نفوساً كريمة ... تُحمَّل ما لا يُستطاعُ فتَحْمِلُ
ترتاح النفوس للشعر على حسب موافقته لأهوائها، أو طبائعها، أو جهات سيرها في الحياة، فالكاتب - مثلاً - يرتاح لقول الشاعر:
ولي قلمٌ في أنملي إن هززته ... فما ضرني أن لا أهز المهنَّدا
أكثرمما يرتاح له البطل الذي لا يعرف الكتابة، وإنما يعرف كيف يضرب بالمهند في ميادين الحروب.
والبطل الهمام يهتز لمثل قول ابن عمار:
السيفُ أصدقُ من زيادٍ خُطبةً ... في الحرب إن كانت يمينك منبرا
بأشد مما يهتز له الخطيب الذي لم تقع يده على رمح أو حسام.
ويغلب في الظن: أن عبدالله بن عبد العزيز العمري لم يكن حريصاً على رفاهية العيش حرصَ من يتقطع قلبه لفواتها، ذلك لأنه أعجب بشعر يمجد القناعة، ويجعل الرفاهية في جانبها أمراً لا يؤسف لفقده، حيث قال: أشعر الناس أبو العتاهية يقول:
ما ضرّ من جعل الترابَ مهادَه ... أن لا ينامَ على الحريرِ إذا قنع
ولو أنشد منشد قول دعبل:
стр. 3026
ولست بذي وجهين فيمن عرفته ... ولا البخلُ فاعلم من سمائي ولا أرضي
لم يطرب له أشد الطرب إلا شخص لا يمسك يده عن الإنفاق في سبيل الخير، ولا يعرف للنفاق عيناً ولا أثراً.
قد يبتهج الرجل للشعر من جهة أنه يحمل مدحاً وإطراء له أو لبعض من يحبهم ويحبونه، وأوضح ما يدلك على أن ارتياح الرجل للشعر إنما نشأ من براعة الشعر نفسه: أن ترى الرجل معجباً بشعر مُدح به بعض خصومه، أو معجباً بشعر تضمن إنكار عمل صدر منه.
تقرأ في كتب الأدب: أن عضد الدولة قتل أبا طاهر محمد بن بقية صلباً، فرثاه أبو الحسن الأبياري بقصيدته التي يقول في أولها:
علوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ ... لحقٌّ تلك إحدى المعجزات
وكتبها، ورماها في شوارع بغداد، ولما وصلت إلى عضد الدولة، أعجب بها، وتمنى أن يكون هو المصلوب والمرثي بهذه القصيدة.
ومن دلائل ارتياح الرجل للشعر من حيث إنه جيد الصنعة: أن يسمع شعراً يمدح به غيره ممن لا يربطه به صلة قرابة أو صداقة، فيجيز الشاعر عن شعره هذا بمال كثير.
أنشد ابن حفصة في مجلس جعفر البرمكي قصيدته التي رثى بها معن ابن زائدة، فرقَّ جعفر لسماعها، وأمر له بجائزة سنية، ومما يقول ابن أبي حفصة في هذه القصيدة:
مضى لسبيله معنٌ وأبقى ... مكارمَ لن تبيدَ ولن تنالا
كأن الشمسَ يومَ أصيب معنٌ ... من الإظلام ملبسَةٌ جلالا
стр. 3027
فإن يعلُ البلادَ له خشوعٌ ... فقد كانت تطول به اختيالا
ومن هذا القبيل: أن يشهد الشاعر ببراعة شعر بعض معاصريه؛ فان التنافس الذي يقع بين الشعراء يبلغ أن يصد الشاعر عن أن يشهد لشاعر يعاصره بالإبداع؛ إلا أن يكون الشعر قد أخذ بمجامع قلبه، وكان فيه شيء من خلق الإنصاف.
أنشد أبو العتاهية بين يدي المهدي قصيدته التي هنأه فيها بالخلافة، وكان بشار حاضراً، فلما وصل أبو العتاهية إلى قوله:
أتته الخلافةُ منقادةً ... إليه تجرّر أذيالها
فلم تكُ تصلُح إلاله ... ولم يك يصلح إلالها
وإن الخليفة من يغض لا ... إليه ليبغض من قالها
تملك بشاراً الطرب، وقال لمن بجانبه: أترى الخليفة لم يطر من فراشه طرباً لما يأتي به هذا الكوفي!.
وأعجب الشاعر أبو العميثل ببيتين لأبي تمام من قصيدة يمدح بها عبدالله ابن طاهر، وهما:
يقول في قومس قومي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت: كلا ولكن مطلع الجود
حتى إن أبا العميثل لما أراد استعطاف عبدالله بن طاهر على أبي تمام، ذكر له البيتين، فبالغ عبدالله في إكرام أبي تمام.
وسمع الفرزدق أبياتاً لعمر بن أبي ربيعة في النسيب، فصاح قائلاً: هذا - والله - الذي أرادته الشعراء، فأخطأته، وبكت الديار.
стр. 3028
تُسيغ النفس الشعر، فتأخذها هزة الارتياح، ولا تتمالك أن تعبر بقول، أو تفعل ما يدل على إعجابها به؛ أنشد أبو تمام أبا دلف قصيدته التي رثى بها محمد بن حميد، فقال أبو دلف: لم يمت من رُثي بمثل هذا الشعر، ومن عيون هذه القصيدة:
كأن بني نبهانَ يوم مُصابه ... نجومُ سماء خرَّ من بينها البدرُ
وأنشد ابن الأعرابي أبيات أبي العتاهية التي يقول فيها:
واصبر على غِيَرِ الزمان فإنما ... فرجُ الشدائد مثلُ حَلِّ عِقال
ثم قال لجليسه: هل تعرف أحداً يحسن أن يقول مثل هذا الشعر؟
وسمع الأصمعي أبيات نصيب التي يقول فيها:
ولا خير في ودِّ امرئ متكارهٍ ... عليك ولا في صاحبٍ لا توافقُهْ
إذا المرءُلم يبذل من الود مثلما ... بذلتُ له فاعلم بأني مفارقُهْ
فقال: قاتل الله نصيباً ما أشعره!.
واقترح الملك العادل على الشاعر ابن ظافر نظم قصيدة في المجلس، يرسلها جواباً عن قصيدة بعث بها الملك المعظم بالشام، فارتجل ابن ظافر قصيدة قال صاحب "نفح الطيب": صفقت لها أيدي الحاضرين إعجاباً ببلاغتها، ومما يقول في هذه القصيدة:
يكفي الأعادي حَرُّ بأسك فيهم ... أضعاف ما يكفي الوليّ نداكا
ويقول على لسان الملك العادل:
مكثي جهادٌ للعدو لأنني ... أغزوه بالرأي السديد دراكا
وأعجب الرشيد بقول الشاعر في مدح القائد يزيد بن مزيد:
стр. 3029
تراه في الأمن في درع مضاعفةٍ ... لا يأمن الدهرَ أن يُدعى على عجل
فروى الرشيد البيت، ووصل قائله بجائزة، ويزيد بن مزيد لا يشعر بما فعل الرشيد.
ووفد جعفر بن محمد بن شرف على المعتصم بن صُمادح، وأنشده قصيدة شكا فيها اعتداء بعض العمال على مزرعة له باحدى القرى، فلما وصل في إنشاد القصيدة إلى قوله:
لم يبق للجور في أيامهم أثر ... إلا الذي في عيون الغيد من حور
قال له المعتصم: كم في القرية التي تزرع فيها من بيت؟ قال: خمسون بيتأ، قال: أنا أسوغك جميعها لهذا البيت الواحد.
والواقع أن هذا البيت من أبرع ما تصنعه قرائح الشعراء، والخمسون بيتاً قروياً قيمة له غير مبال في تقديرها، ولو وصلنا إلى مافي نفولس الشعراء لذلك الحين، لوجدنا الذين اغتبطوا الشاعر على هذا البيت المصنوع من درر الألفاظ أكثر ممن اغتبطوه على تلك البيوت المصنوعة من الطين والحجارة. وسمع ابن جني قول المتنبي:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
فقال: لو لم يقل المتنبي غير هذا البيت، لتقدم به أكثر المحدثين.
وأنشد محمد بن كناسة إسحاق بن إبراهيم بيتين من الشعر، فقال إسحاق: وددت - والله - لو أن هذين البيتين لي بنصف ما أملك. والبيتان هما:
فيّ انقباض وحشمة فإذا ... صادفت أهل الوفا والكرم
أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غيرَ محتشم
стр. 3030
ودخل جماعة من الشعراء على المنصور، فأنشدوه قصائدهم من وراء حجاب، ودخل الشاعر المعروف بابن هرمة في آخرهم، وأنشده قصيدته التي يقول فيها:
له لحظات في خفايا سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل
فقال: يا غلام! ارفع الحجاب، وفضله عليهم في الجائزة.
كنت لقيت المرحوم محمد فريد في "برلين"، فقال لي: إني اشتقت إلى قراءة كتاب عربي، فهل عندك من كتاب تعيرني إياه؟ فبعثت إليه بكتاب "الوساطة بين المتنيي وخصومه" للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، ولقيته بعد حين، فقال لي: لم أعجب من الكتاب إلا بأبيات للمؤلف وردت في صدر الكتاب، ومن شدة إعجابي بها نقلتها في مذكرة. يريد: الأبيات التي يقول فيها صاحب "الوساطة":
ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته لي سُلَّما
أأغرسه عزاً وأجنيه ذلة ... إذن فاتباعُ الجهل قد كان أحزما
ومن مظاهر الإعجاب بالشعر: أن يأخذ الرجل عقب سماعه في ترديد البيت أو الشطر الذي كان إعجابه به أشد، سمع دعبل قول أبي تمام:
وأنجدتم من بعد إتهام أرضكم ... فيا دمعُ أنجدني على ساكني نجد
فقال: أحسن والله، وأخذ يردد قوله: "فيا دمع أنجدني على ساكني نجد".
ومن الطرق التي يدلون بها على إعجابهم بالشعر: أن يذكر لك الأديب شاعراً، ويقول لك: وهو الذي يقول كذا.
стр. 3031
ذكر الجاحظ عتبان بن أصيلة الشيباني في كتاب "البيان"، وقال: وهو الذي يقول:
ولا صلحَ ما دامت منابرُ أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيبُ
وقد يحتاج الشاعر إلى أن يدل على سمو مكانته في الشعر قوماً يجهلونها، فيقصد إلى أحسن ما يحضره من شعره، ويقول: أنا القائل كذا.
دخل أبو محمد جعفر المعروف بعنق الفضة مجلساً فيه ابن خفاجة، فقال له ابن خفاجة: ليت شعري من تكون؟ قال: أنا القائل:
كلما هبَّت شمالٌ منهم ... لعبت بي عن يمين وشمال
فارقت فكرتي أرواحها ... فأتت منهن بالسحر الحلال
فقال ابن خفاجة: من يكون هذا قوله لا ينبغي أن يجهل.
وقد يبلغ الطرب للشعر أن يخرج صاحبه عن عادة أمثاله، فيقول أو يفعل ما لا يلائم الرويَّة والوقار. سمع العباس بن الأحنف قصيدة ابن الدمينة التي يقول في أولها:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجدِ ... فقد زادني مسراكَ وجداً على وجدِ
فحفظها، وجاء بها إلى إبراهيم الموصلي، وبعد أن أنشدها، ترنح وقال: أنطح العمود برأسي من حسن هذا الشعر؟!.
وأنشد أبو تمام في مجلس الحسن بن رجاء قصيدته اللامية المعروفة، ولما وصل إلى قوله:
لا تنكري عَطَلَ الكريمِ من الغنى ... فالسيلُ حربٌ للمكانِ العالي
وتنظري حيث الركاب ينصها ... محيي القريض إلى مميت المال
стр. 3032
قام الحسن على رجليه، وقال لأبي تمام: والله! لا أتممتها إلا وأنا قائم.
ونقرأ في كتب الأدب: أن مروان بن حفصة دخل على الخليفة المهدي، وأنشده قصيدته التي يقول في أولها:
"طرقتك زائرة فحي خيالها"
فأنصت لها المهدي، ولم يزل يزحف كلما سمع شيئاً حتى صار على البساط؛ إعجاباً بما سمع.
وسمع أبو السائب المخزومي بيتي جرير:
إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وَشَلاً بعينك لا يزال مَعينا
غَيَّضْنَ من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا
فاشتد لهما طربه، وحلف أن لا يرد على أحد سلاماً، ولا يكلمنه إلا بهذين البيتين، حتى يرجع إلى منزله.
وقد يبلغ الرجل من ابتهاجه للشعر أن يمتنع من سماع شعر بعده في تلك الساعة، أو في ذلك اليوم.
دخل محمد بن العباس بن التيفاشي على عبد المؤمن بن علي، وابتدأ في إنشاد قصيدته اللامية المعروفة، فلما أنشد البيت الأول منها، وهو قوله:
ما هزَّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثلُ الخليفة عبد المؤمن بن علي
أشار عبد المؤمن إلى الشاعر أن يقتصر على هذا البيت، وأمر له بألف دينار.
ودخل جماعة من الشعراء على المعتضد بن عباد ليلقوا بين يديه قصائدهم، وكان من بينهم الشاعر المدعو بابن جناح البطليوسي، فتقدم
стр. 3033
وأنشد قصيدته التي يقول في أولها:
قطَّعت يا يومَ النوى أكبادي ... ونفيتَ عن عيني لذيذ رقادي
فلما انتهى من إنشادها، قال المعتضد: اجلس؛ فقد وليتك رياسة الشعراء، ولم يأذن في الكلام لأحد بعده.
ومن شدة إعجاب الرجل بالبيت: اتخاذه له كمثل يضربه عند كل مناسبة؛ كما كان سيف الدولة يكثر من إنشاد قول أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روضَ الأماني لم يزل مهزولا
وأذكر بهذا: أن الأبيات التي أعجبت بها أشد الإعجاب، أجدني أذكرها - ولو في نفسي - عند كل مناسبة، ومن هذا الطرز قول أبي تمام:
من لم يسسْ ويطير في خيشومه ... رهجُ الخميس فلن يقودَ خميسا
إن الشعر البارع يبهج النفوس بجودة تصوير معانيه، وحسن صياغة ألفاظه، من غير نظر إلى قيمة الغرض الذي يرمي إليه، ومن هنا نرى بعض أهل الجد والورع قد يرتاحون لسماع شعر يعدون معانيه من قبيل اللهو، وهذا عمر بن أبي العلا، قد سئل عن أبدع الناس شعراً، فقال: الذي يقول:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيفٌ ألمْ
روّحي عني قليلاً واعلمي ... أنني يا عبل من لحم ودم
يعني: بشار بن برد.
وكان عمر بن عبد العزيز يستجيد - وهو أمير المدينة - قصيدة نصيب التي يقول في أولها:
قفا أخويّ إن الدار ليست ... كما كانت بعهد كما تكون
стр. 3034
ولما لقي نصيباً، قال له: أنشدني قولك: "قفا أخوي"؛ فإن شيطانك كان لك فيها ناصحًا حين لقنك إياها.
وإذا كانت النفوس تبتهج لحسن صناعة الشعر، فإن ابتهاجها يجعلها تقبل على ما يعرضه عليها من حكمة، أو يسديه إليها من نصيحة، والشعر إما أن يعطي الحكمة في صراحة؛ كالبيت الذي قال فيه الأصمعي: إنه أبرع بيت قالته العرب، وهو قول أبي ذؤيب الهذلي:
والنفسُ راغبةٌ إذا رَغَّبتها ... وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تقنعُ
والبيت الذي قالوا: إن العرب لم تقل بيتاً أصدق منه، وهو قول الحطيئة:
من يفعل الخيرَ لم يعدمْ جوازيه ... لا يذهبُ العرفُ بينَ اللهِ والناسِ
والبيت الذي قيل: إنه أحكم بيت قالته العرب، وهو قول الآخر:
ولربما ابتسم الكريمُ من الأذى ... وفؤادُه من حرّه يتأوه
وإما أن تستفيد منه الحكمة من طريق غير صريح؛ كبعض الشعر الذي يقال في نحو المديح أو الحماسة، فمن الشعر الذي يسمو بالنفس إلى فضيلة الشجاعة وحماية المستجير، وإن ورد في سياق المديح: قول الشاعر:
حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهم ... ولووا عمائمهم على الأقمار
إن خوّفوك لقيت كل كريهة ... أو أمّنوك حللت دار قرار
ومن الشعر الذي يطبع النفوس على التعفف والتجمل، وإن جاء في معنى الفخر، أو التحدث بالنعمة: قول مهيار الديلمي:
وأُري العدوَّ على الخصاصة شارةً ... تصف الغنى فيخالُني متمِّولا
стр. 3035
وإذا امرؤ أفنى الليالي حسرةً ... وأمانياً أفنيتهن توكّلا
للشعر العربي أثر في تهذيب الأخلاق؛ بما يعطيه من الحكمة صراحة أو تلويحًا، وهو -بعد هذا- يثير العواطف الشريفة، فيبعث على نحو العفو والسماحة، وإخلاص الود، والثبات في المواقف المحفوفة بالأخطار.
قال معاوية بن أبي سفيان: "اجعلوا الشعر أكبر همكم، وأكثر دأبكم؛ فلقد رأيتني بصفين أريد الهرب لشدة البلوى، فما حملني على الإقامة إلا أبيات عمرو بن الإطنابة"؛ يعني: التي يقول فيها:
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانَكِ تُحمي أو تستريحي
وإذا كان الشعر العربي معدوداً من وسائل الإصلاح، فمن حق أبنائنا علينا أن نلقنهم أشعار بلغائنا، وأن نسلك بطائفة منهم طريقة التمرين على النبوغ في الشعر، ثم نحتفي بهؤلاء النوابغ ما رفعوا شأن الأدب العربي، وأدنوا للناس قطوف الحكمة.
стр. 3036
نموذج من نقد الشعر (١)
لحسن البيان أثر كبير في تهذيب النفوس، وتقويم العقول، وتربية العواطف الشريفة. ومن أنفس فنون البيان: فن الشعر، ولجودة الشعر ورقيَّة في معارج البلاغة أسباب معدودة؛ ومن هذه الأسباب: أخذه بالنقد، ووزنه عندما يعرضه صاحبه بميزان العلوم الأدبية، والذوق السليم. وإذا نظرت إلى العصور أو البلاد التي أدرك فيها الشعر منزلة سامية، رأيت أدباءها كيف كانوا ينقدون ما تصنعه قرائح الشعراء نقد الصيارفة للدرهم أو الدينار، فيجزون كل شعر بما يستحق من قبول وإطراء، أو إنكار وازدراء؛ وأذكر على وجه المثل: العهدَ الذي ظهر فيه أبو تمام والبحتري وأضرابهما؛ فإن وطيس النقد كان يومئذ حاميًا، ومن شواهد هذا: أن عبد الله بن طاهر والي خراسان الذي ألّف له أبو تمام "ديوان الحماسة"، كان لا يجيز شاعرًا إلا أن ينظر في قصيدته أبو العميثل، وأبو سعيد الضرير، ويشهدان لها بالإجادة، بل كنّا نرى كثيراً من الأمراء والخلفاء في أزمنة رقي الشعر ينقدون ما ينشد بحضرتهم من الشعر، فيميزون رديئه من جيده، وستسمعون في هذا النموذج أمثلة من انتقادهم الدال على سلامة الذوق، والإلمام بفنون البيان.
стр. 3037
فنقدُ الشعر من أسباب إبداع الشعر، وإبداعه من وسائل تثقيف الأخلاق، وإيقاظ الهمم، وعرض الحكمة في ثوب فاخر أنيق. وإذا كانت جمعية الهداية الإسلامية قد أنشئت لنصرة الفضيلة، وإعلاء شأن اللغة العربية، فجدير بها أن تعنى بالوسائل التي يبلغ بها الشعر مكانته العليا، وهذا ما بعثني على أن ألقي كلمة أعرض فيها نموذجًا من النواحي التي يلحظها الأدباء عند نقد الشعر، وإذا فاتني شيء منها، فلتفلُّته عن الذاكرة، أو لأنه بقي فيما لا أعلم، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
* تمهيد:
نقد الشعر فن من فنون الأدب قديم، تجد له في عهد في الجاهلية وصدر الإِسلام اَثارًا وشواهد كثيرة؛ أما تخصيصه بالتأليف، فإننا نعلم أن عبد الله بن المعتّز المتوفى سنة ٢٩٦ هـ قد ألّف في نقد شعر أبي تمام، ومحمد ابن طباطبا العلوي المتوفى سنة ٣٢٢ هـ ألّف كتاب "عيار الشعر"، وقدامة بن جعفر المتوفى حوالي سنة ٣٣٠ هـ ألف كتاب "نقد الشعر"، وكتابًا ناقش فيه ابن المعتز في نقد شعر أبي تمام؛ وجاء على أثر هؤلاء: محمد بن عمران المرزباني، وألّف في مآخذ العلماء على الشعراء كتابه المسمّى "بالموشح"، فأخرجه للناس كتاباً حافلاً.
وقد أسرف فريق في النقد، حتى عابوا ما ليس في الحقيقة بمعيب؛ ومن هؤلاء: الأصمعي؛ فإنه كان مغرّى بالأخذ على الشعراء، وعاب عليهم أشياء وجهُ الجواب عنها واضح مقبول. ووقف تجاه هؤلاء آخرون يحرصون على أن يكون ما قيل من الشعر بريئًا من العيب، ويتعسفون في دفع ما يرمى به بعض الشعر من خلل في اللفظ أو المعنى؛ وعلى هذين الفريقين يصدق قول أبي العباس
стр. 3038
المبرد: "من طلب عيباً، وجده، ومن طلب مخرجاً، لم يفته".
وممن عني بالدفاع عن الأشعار المعيبة: أبو عبد الله محمد بن جعفر القيرواني التميمي النحوي المتوفى سنة ٤١٢ هـ، ومن مؤلفاته كتاب "ضرائر الشعر" (١) تكلم فيه عما يجوز للشاعر دون الناثر، وأوشك أن يأتي لكل ما عيب به الشعر من ناحية مخالفة قوانين اللغة، ويجعله من الرخص الشعرية.
والواقع أن في الشعر مآخذ ينظر فيها إلى ما هو أحسن في النظم، وأظهر في الغرض.
ومن هذا: عيب بلال بن بردة لقول ذي الرمة من قصيدة أنشدها بين يديه:
رأيتُ الناسَ ينتجعون غيثاً ... فقلتُ لصيدح انتجعي بلالاً
يقال: إن ذا الرمة لما أنشد بلال بن بردة هذا البيت، قال بلال: يا غلام! مر لصيدح بقتَّ وعلف؛ فإنما هي انتجعتنا؛ ومن الظاهر أن ذا الرمة إنما أراد من انتجاع صيدح -التي هي ناقته- انتجاع نفسه، ومثاله في القرآن قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]، وإنما المراد: أهل القرية، وأهل العير؛ وإذا ذكر العريى انتجاع الناقة للممدوح، وعنى به انتجاع نفسه، فلأن الراحلة لا تنتجع مكاناً إلا حيث ينتجعه صاحبها، ومثل هذا المجاز لا يخفى على بلال بن بردة، ولكن الأوفق بمقام الاستعطاف وإظهار الحاجة أن ينسب الشاعر الانتجاع لنفسه.
ومن المآخذ: ما يورده صاحبه على غير تثبت، فلا يقع موقع السداد،
стр. 3039
قال ابن عبد ريه: "وأكثر ما أدرك على الشعراء له مجاز وتوجيه حسن، ولكن أصحاب اللغة لا ينصفونهم، وربما غلطوا عليهم، وتأولوا غير معانيهم التي ذهبوا إليها، ومن هذا ما أخذ على الحسن بن هانئ في قوله:
وما لبكر بن وائل عصم ... إلا لحمقائها وكاذبها
وقال الناقد: أراد بحمقائها هبنَّقة القيسي، ولا يقال للرجل حمقاء، وإنما أراد ابن هانئ دغة العجلية، وعجل في بكر، وبدغة هذه يضرب المثل في الحمق".
وفي الشعر مواضع هجنة لا يغني التكلف للجواب عنها شيئاً، ومن هذه المواضع ما لا يكاد يخفي على أحد، ككثير من سقطات أبي تمام، وأبي الطيب المتنبي، ومنها ما لا يدركه إلا الذوق السليم والألمعية الشافعية، ومن شواهد هذا قول المتنبي:
عجباً له حفظ العنان بأنملٍ ... ما حِفْظُها الأشياء من عاداتها
ووجه العيب فيه: أنه يريد أن ينفي عن أنامل الممدوح الحفظ جملة، ويدعي أنه لا يكون منها حفظ البتة، وإضافة الحفظ إلى ضميرها في قوله: "ما حفظها الأشياء" يقتضي إثبات حفظ لها، ووجوده منها؛ وقد ساق عبد القاهر في "دلائل الاعجاز" هذا البيت، وقال: مضى دهر ونحن نقرؤه، فلا ننكر منه شيئاً، ولا يقع لنا فيه أنه أخطأ، ثم بأن بآخره أنه قد أخطأ، وبيّن الخطأ بالوجه المقرر آنفاً.
* وجوه النقد:
يتوجه النقد إلى ناحية اللفظ تارة، وإلى ناحية المعنى تارة أخرى؛ ولكل واحدة من الناحيتين فنون هي ما نقصد إلى الحديث عن شيء من تفاصيلها،
стр. 3040
وعرض نموذج من أمثلتها:
* النقد اللفظي:
الألفاظ بمنزلة الظروف تنقل المعاني من نفس إلى أخرى، فيحسن أن تكون على قدر المعنى الذي قصد إلى نقله، فإن كانت أقل منه، وصل المعنى إلى ذهن المخاطب ناقصاً، وإن كانت أكثر منه، حملت لسانك ما لا حاجة إلى حمله، وألقيت في سمع مخاطبك ما لا طعم له ولا رائحة.
والألفاظ للمعاني بمنزلة الثوب للبدن، ومن الأثواب ما يقي من الحر والبرد، ولكن العين تمجُّه؛ لرداءة مادته، أو ضعف نسجه، أو قبح منظره؛ وكذلك الألفاظ قد تفصّل على قدر المعنى، ولكن الذوق يمجها؛ لتنافر حروفها، أو تجافي كلماتها، أو تخاذل نظمها، أو انحرافها عن هيئة وضعها. ونقدُ اللفظ إما أن يعود إلى المفرد، وإما أن يعود إلى التركيب.
ومما يعود إلى المفرد: استعماله في غير معنى صحيح؛ كما عابوا قول المتنبي:
ومِنْ نكدِ الدنيا على الحرِّ أن يرى ... عدواً له ما من صداقته بُدُّ
فإن الصداقة المحالة وهي إصفاء المودة، والإنسان لا يضطر إلى أن يصادق عدوه، أو يمحض له المودة، وإنما يضطره الحال إلى مداراته، وذلك ما يعنيه الشاعر، ومقتضى هذا المعنى أن يقول: "ما من مداراته بدّ".
ومن عيوب المفرد: مخالفته لقانون الصرف، كما قال أبو عبد الله الحجاج:
خرقت صفوفَهم بأَقَبَّ (١) نهدٍ ... مراح الصوت متعوبِ العنانِ
стр. 3041
فإنه يقال: تَعِب ومُتْعَبٌ، ولا يقال: متعوب؛ لأن تعب فعل لازم، فلا يجيء منه متعوب بمعنى متعب.
ويعاب بعض مفردات البيت؛ لمخالفته للهيئة التي بناها عليه الواضع؛ ومن أمثلته قول ابن زمرك في بعض قصائده:
يابن الخلائفِ من بني نصرٍ ومن ... حاطوا ذمارَ الملةِ السمحاءِ (١)
وقوله: سمتهم الملة السمحاء تكرمة.
إذ لم يرد في السماحة صيغة فعلاء، فلا يقال: سمحاء؛ وإنما يقال: ملة سمحة؛ أي: ليس فيها حرج ولا ضيق؛ وقد عاب بعضهم قول أبي نواس:
وإذا نزعت عن الغوايةِ فليكنْ ... للهِ ذاك النزعُ لا للناسِ
وقال: إن نزع بمعنى انتهى إنما جاء مصدره على فعول، فيقال: نزع عن الأمر نزوعاً: إذا انتهى عنه، ولكنا نجد في كتب اللغة: أن النزع يأتي مصدراً لنزع بمعنى انتهى (٢).
وعابوا على المتنبي قوله:
ليس التعلُّل بالآمال من أدبي ... ولا القنوعُ بضنك العيش من شيمي
وقالوا: إن القنوع مصدر قنع بمعنى سأل، أما الرضا بالقسم الذي هو مراد الشاعر، إنما يقال فيه: قنع قناعة، ويقال: إن أبا الطيب غيَّر البيت إلى قوله: "ولا القناعة بالإقلال من شيمي"؛ والواقع أن من أهل اللغة من روى أن العرب قد يستعملون القنوع في الرضا، قال ابن السكيت: ومن العرب من
стр. 3042
يستعمل القنوع في معنى الرضا، وهو لغة قليلة حكاها ابن جني، وأنشد:
في الخد نارٌ وفي أَجفانها شَرَكٌ ... لوقعةِ القلبِ كلٌّ منهما صالي
فاستعمل كلمة صالي بمعنى صابر مترقب، وهي لغة العامة من أهل الشام وحماة، قال بعض الأدباء: لم أفهم ما أراد ابن حجة حتى سألت عنه بعض عوام حماة، ففسَّره لي.
وقد تعاب الكلمة في الشعر من جهة تجافي الذوق عنها، وثقل وقعها على اللسان؛ كلفظ: ابتشاك في قول المتنبي:
وما أرضى لمقلته بحلمٍ ... إذا انتبهت توهَّمه ابتشاكا
والابتشاك: الكذب، ومن ذا يسمع هذه الكلمة، ولا يتبرأ منها ذوقه كما يتبرأ من معناها قلبه ولبّه؟!
وقد يأتي الشاعر في البيت بكلمة لها معنيان: أحدهما لائق بالمقام، وهو المراد، وثانيهما يصير به معنى الكلام منبوذًا مستقبحًا، وليس بمقصود للشاعر؛ فيعاب الشعر من جهة هذه الكلمة المحتملة لمعنى مستهجن، وقد وقع أبو تمام في هذا العيب حين قال:
أعطيت لي دية القتيل وليس لي ... عقلٌ ولاحقٌّ عليك قديمُ
فقوله: "وليس لي عقل" يوهم أنه ينفي عن نفسه العقل الذي هو القوة المدركة، وإنما أراد الشاعر: الدية، ولو قال: وليس لي عليك عقل، لارتفع اللبس، وزال القبح.
* النقد العائد إلى التركيب:
من النقد العائد إلى التركيب: وروده على خلاف ما يقتضيه علم النحو،
стр. 3043
وضربوا المثل لهذا يقول الفرزدق:
وعضَّ زمان يابن مروان لم يَدَعْ ... من المالِ إلا مُسحَتاً أو مُجلفُ
المُسحَت: المُهلَك، والمجلف: الذي بقيت منه بقية، فالنظم يقتضي نصب مجلف عطفًا على المنصوب قبله وهو"مسحتاً"، ولكن الشاعر أتى به مرفوعاً، وليس لرفعه وجه ظاهر، وأراد بعض النحاة أن يخلصه من وصمة الخطأ في الإعراب فجعله خبراً لمبتدأ محذوف، والمعنى: "أو هو مجلف"؛ وإذا نفع هذا الوجه الشعر، وخلّصه من عيب اللحن، فإنه لا يمنع الناقد من أن يجعله دون منزلة الشعر الذي يستقر معناه في الأذهان لأول ما يقع لفظه على الأسماع.
ومن مآخذ المركَّب: خروجه عن قانون علم البلاغة، فيجيء غير مطابق لمقتضى المقام؛ ومن أمثلة هذا العيب: أن عبد الرحمن بن حسّان سأل بعض الولاة حاجة، فلم يقضها، ثم بعث إليه شفيعاً، فقضاها له، فقال:
ذُممت فلم تُحمد وأدركت حاجة ... تولّى سواكم أَجْرَها واصطناعَها
أبي لك كَسْبَ الحمدِ رأيٌ مقصِّرٌ ... ونفسٌ أضاق اللهُ بالخيرِ باعَها
إذا هي حَثَّتْهُ على الخيرِ مرةً ... عصاها وإن همَّت بشرٍ أطاعها
وموضع العيب في رأي علماء البلاغة هذا البيت الثالث، فقد جاء على خلاف ما يقررونه من أنّ (إذا) تستعمل فيما يكثر وقوعه، (وإنْ) تستعمل فيما لا يقع إلا نادرًا، ومقام الهجاء يقتضي أن نفس ذلك الوالي تحثه على الخير قليلاً، وأنها تهمُّ بالشر كثيراً، وهذا يقتضي أن يأتي في جانب الحث على الخير بـ (إنْ)، وفي جانب الشر بـ (إذا)، ولكن الشاعر جرى
стр. 3044
على عكس القاعدة، فقال:
إذا هي حثّته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعها
قال الزمخشري: وللجهل بمواقع (إن) و (إذا) يزيغ كثير من الخاصة عن الصواب، فيغلطون، ألا يرى إلى عبد الرحمن بن حسّان كيف أخطأ بهما الموقع، ثم أورد الأبيات، وقال: "لو عكس، لأصاب".
ومن مآخذ التركيب: عدم اتساق كلماته، فلا تقع كل كلمة منه موقعها اللائق بها، وينتج عن هذا: أن الذهن يقف في فهم البيت، فلا يصل إلى المراد منه إلا بعد ترديد النظر وإمعانه، ومن أمثلته هذا قول البحتري:
فتى لم يَملْ بالنفس منه عن العلا ... إلى غيرها شيءٌ سواه مميلها
وإذا استطاع بعض أنصار البحتري أن يخلص البيت من اللحن بوسيلة التأويل، فإنه لا يستطيع أن يحميه مما يعيبه بالتعسف والتعقيد.
ومن معايب التركيب: أن ينبو عنه الذوق السليم، ويكون وقعه على اللسان ثقيلاً، ووقع في هذا العيب قول كشاجم:
حدائقُ كفِّ كلِّ ريحٍ ... حلَّ بها خيطُ كلِّ قطرِ
قال ابن الأثير: هذا البيت يحتاج الناطق به إلى بركان يضعه في شدقه حتى يديره له.
* النقد المعنوي:
مَثَلُ الشاعر في صنع المعاني مَثَلُ صانع الصور المحسوسة، وإذا كنت لا تشهد لصانع الصور بالإصابة إلا أن يعرض عليك الصورة مطابقة لحالتها الواقعة، فكذلك الشاعر لا تعده مصيباً في تصوير المعنى إلا أن يعرضه عليك
стр. 3045
سالماً من النقص، غير مثقل بزيادة ما لا فائدة منه، حسن الوضع، متلائم الأجزاء واقعاً من المقام الذي أورده فيه موقع المناسب المقبول، ومن هنا كان لنقد معاني الشعر وجوه مختلفة.
يدخل العيب على المعنى من جهة: الجمع بين أشياء غير متناسبة، وكثيراً ما يقع في هذا العيب من يقصد إلى النوع المسمّى بالمطابقة، ومما ذهب بعض النقاد إلى أنّ الشاعر جمع فيه بين شيئين غير متناسبين: بيت المتنبي:
أزورُهُمْ وسوادُ الليلِ يشفعُ لي ... وأنثني وبياضُ الصبحِ يُغري بي
فقد روي أن المعتمد بن عباد تباحث مرة مع جلسائه في هذا البيت، وقال: ما قصر في مقابلة كل لفظة بضدها، إلا أن فيه نقداً خفيًا، وهو أن الليل إنما يطائق بالنهار، ولا يطابق بالصبح الذي هو جزء من النهار، ومراد المعتمد: القدح في المطابقة بين الليل والصبح، وإن كان لذكر الصبح وجه هو أن المحبَّ ينصرف من الزيارة عند المحبوب انفجار الصبح خيفة الرقباء.
ويعاب بوقوعه في عكس الغرض؛ يقول أبي تمام:
إنَّ البشاشةَ والندى خيرٌ لهم ... من عفةٍ جمست عليك جموسا
لو أنَّ أسبابَ العفافِ بلا تقى ... نفعت لقد نفعت إذاً إبليسا
ساق الجرجاني هذين البيتين، وقال: ليت شعري لو أراد هجوه وقصد الغض منه، هل كان يزيد على أن يذم عفته ويصفها بالجموس والجمود، وهما من صفات البُرَّد والثقال، ثم يختم الأمر بأن يضرب له إبليس مثلاً، ويقيمه بإزائه كفؤاً!.
стр. 3046
ويعاب الشعر بقصوره عن بلوغ الغرض؛ حيث يقصد الشاعر إلى ضرب من المدح - مثلاً -, ويصوغ له معنى يظنه وافيًا بالغرض، فلا يبلغ أن يكون مدحاً، وقد وقع في هذا العيب كثير عزّة حين قال:
فما روضةٌ بالحزنِ طاهرة الثرى ... يمجُّ الندى جَثجاثها (١) وعرارَها
بأطيبَ من أردانِ عزَّة موهِناً (٢) ... وقد أوقدت بالمجمر (٣) اللدن نارها
أراد مدح عزّة بطيب الرائحة، فلم يبلغ ما أراد، فإن كل من يتجمر بالمجمر اللدن تطيب رائحته، وقد أشار إلى هذا القصور بعض من سمعه ينشد البيت، فقال له: لو فعل هذا بأمة زنجية، لطاب ريحها، ألا قلت كما قال امرؤ القيس:
أم تر أني كلما جئت طارقاً ... وجدتُ بها طيباً ولم تتطيبِ
ومن هذا الضرب قول الفرزدق - في رأي بعض الناقدين -:
فمن يأمنِ الحَجّاجَ والطيرُ تتقي ... عقوبَتَه إلا ضعيف العزائم
قال ناقدو البيت: إن الطير يخشى كل أحد، حتى أقصر الناس يداً؛ كالصبيان ونحوهم، فليس في اتقاء الطير للحجّاج كبير مدح للحجّاج، ويقال: إن الحجاج قال للفرزدق: ما عملتَ شيئاً، إن الطير تنفر من الصبي والخشبة.
ومن الظاهر أن الفرزدق قصد إلى مدح الحجّاج بقوة السلطان وطول اليد؛ بحيث لا ينجو من سطوته مجرم، ولو كان الحيوان الذي شأنه أن يكون
стр. 3047
في منعة، كالطير يذهب في الجو صاعداً، فلا تناله يد حتى ينزل في مأمن من كل ذي قوة، فاتقاء الطير للحجاج كناية عن سعة سلطانه، وأنه لا يخلص منه مجرم، ولو شقّ عنان السماء هرباً.
ويدخل في هذا الباب قول الجعدي:
فتى كملت أخلاقُه غيرَ أنه ... جوادٌ فلا يبقي من المال باقيا
أشمُّ طويلُ الساعدين شمردلٌ (١) ... إذا لم يرح في المجد أصبح غاديا
أنشد هذا الشعر في مجلس هارون الرشيد، فأنكر منه قوله: "إذا لم يرح للمجد"، وقال: لِمَ لمْ يروحه في المجد كما أغداه؟ ألا قال:
"إذا راح للمعروف أصبح غاديا"
ومن معايب الشعر: بُعده عن الواقع إلى حد أن يدفعه العقل لأول نظرة، دون أن يعرض على السامع صورة بديعة من صنع الخيال؛ قال أبو بردة الثقفي: أدركت الناس وهم يزعمون أن أكذب بيت قالته العرب قول أعشى ميمون:
لو أسْنَدَتْ ميتاً إلى نحْرِها ... عاش ولم يُنقل إلى قابرِ
وقال محمد بن يزيد النحوي: أحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبَّه، وعدل فيه عن الإفراط. كما قال القائل:
ويمنعها من أن تطير زمامها
أما إذا جاء الإفراط في صورة بديعة الصنعة، فليس به من بأس، ذلك
стр. 3048
لأن براعة التخييل تشفع في تجاوزه حد المعقول؛ ومثل هذا قول المتنبي يصف الجياد:
عقدت سنابكها (١) عليها عِثْيَراً ... لو تبتغي عنقاً عليه لأمكنا
ومنها: سوء تصرف الخيال، فيصوغ صورة ينقصها شيء من التناسب، ويظهر هذا في نحو التشبيه والاستعارة؛ ومن أمثلة هذا العيب قول الشاعر:
وخالٌ على خديك يبدو كأنه ... سنى البدر في دعجاء بادٍ دجونها
فإن مقتضى هذا التشبيه أن يكون الخال - وهو أسود - قد وقع مشبَّهاً بسنى البدر، وأن يكون الخد -وهو أبيض- قد وقع في مقابلة الظلماء، فهذه المحاكاة لا يحصل منها ما يريده الشاعر من إظهار الموصوف في صورة رائعة الجمال.
ومما لحقها العيب من ناحية التخييل: قول أبي القاسم بن فرناس يمدح أحد أمراء الأندلس:
رأيتُ أمير المؤمنين محمداً ... وفي وجهه بذْرُ المحبة يثمرُ
فإنه جعل وجه الممدوح موضوعاً للبذر، ووصف ما يبذر بعد بالإثمار، وهذا ما لا يسيغه الذوق السليم؛ ويقال: إن الشاعر لما أنشد هذا البيت، قال له مؤمن بن سعيد: قبحًا لما ارتكبته، جعلت وجه الخليفة محرثًا يثمر فيه البذر! فخجل الشاعر، وما كان جوابه إلا أن شتم الناقد.
وقد يقصد الشاعر في التخييل إلى المدح، فتجيء الصورة الخيالية وهي إلى الهجاء أقرب منها إلى المديح، ويمثل هذا العيب قول الشاعر
стр. 3049
يمدح أحد الأمراء بالشجاعة:
يهتزُّ من تحتِ السلاحِ كأنه ... ريحانةٌ لعبت بها ريحُ الصَّبا
ولو قيل هذا البيت في جبان فرَّ من وجه أعدائه، فأدركوه حتى وقع تحت سيوفهم، لكان وصفاً مطابقاً؛ ويقال: إن الممدوح لما سمع هذا البيت، ثار غضبه، وهمَّ بعقوبة الشاعر لولا أنه أنشد بعده:
في كلِّ منبتِ شعرةٍ من جسمه ... أسدٌ يمدّ إلى الفريسةِ مخلْبا
وقد ينظر في الصور الخيالية من لم يصفُ ذوقه، فينحو في نقدها نحو المعاني العلمية؛ ووقع مثل هذا لأحد الكاتبين في البيان إذ ناقش الشاعر في قوله:
كالطيفِ يأبى دخولَ الجفنِ منفتحاً ... وليس يدخلُ إلا إذا انطبقا
وقال: إن الطيف لا يدخل الجفن، وإنما هو شيء يخيل إلى النفس، وهذا مدفوع بأن الصور الخيالية ليست بموضع لمثل هذه المناقشة الفلسفية، والشاعر يعلم أن الطيف لا يدخل الجفن، ولا يخرج منه، ولكن يخيل إلى النفس على وجه يشبه المرئي رأي البصيرة، فكان بمنزلة ما يدركه البصر من الصور المحسوسة في صحة التعبير فيه بدخول الجفن، كما صح أن يعبر عن امتناع تخييله حال انفتاح الجفن بإباية الدخول فيه.
وقد يجيء العيب من ناحية الخلل الذي ينشأ من حذف بعض الكلمات، كما جاء في قول الشاعر:
وإني لظلّام لأشعثَ بائسٍ ... عرانا ومقرورٍ بَرَى مالَه الدهرُ
وجارٍ قريبِ الدار أو ذي جناية ... بعيدِ محلِّ الدار ليس له وفرُ
стр. 3050
فالشاعر يريد: أنه ظلّام للناقة بنحر فصيلها للأشعث البائس، أو المقرور الذي برى الدهر ماله، ولكنّ ألفاظه لا تدل على ما أراد، قال الجرجاني بعد أن أورد البيتين: هل يشك من أنشدهما أن الشاعر وصف نفسه بأقبح الصفة، وأضاف إليها أشنع الظلم؛ وإنما أراد: أني أظلم الناقة فأنحر فصيلها لأجل هذا الأشعث أو الجار، ولو قال: "وإني لنحّار"، لاتضح المعنى، وإنما يتضح المعنى نظراً إلى أن النحر الذي هو إصابة النحر معروف في تذكية الإبل، فهو مصروف إلى هذا المعنى.
ومما يؤخذ على الشاعر في الرثاء والتعزية: أن يتوسل بالحط من شأن الميت إلى تخفيف مصابه على من يعز عليه فقده، كما قال البحتري يعزّي أبا نهشل الطوسي على وفاة ابنته:
أتبكي من لا ينازلُ بالسيـ ... ـف مُشيحاً (١) ولا يهزُّ اللواءَ
والفتى من رأى القبورَ لما طا ... ف به من بناته أكفاءَ
قد ولدن الأعداء قدماً وورثـ ... ـن التلاد الأقاصيَ البعداءَ
ثم قال:
ولعمري ما العجزُ عندي إلا ... أن تبيتَ الرجالُ تبكي النساءَ
فقد خرج البحتري من مقام تعزية أبي نهشل بوفاة ابنته إلى هجوها، والحط من شأنها, وليس هذا طريق تسلية الآباء عن بناتهم، وتخفيف حزنهم عليهن، والتحدث بنقائص الميت، أو بسلب خصال الكمال عنه، مما لا ترتاح له نفس قريب أو صديق يأسف لفراقه.