← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الأرواح من الأجساد. وقد يكون في الإنسان شيء من قوة الجأش، ويحشر نفسه في زمرة الأبطال، ويزحف في مقدمة الزاحفين، حتى إذا التقى الجمعان، وكشرت المنايا تحت سحاب النقع، أخذ الفزع من الموت بمجامع قلبه، وذهبت نفسه شَعاعاً، ولاذ بالفرار، أو استسلم للعدو، وفاته أن يكون من الصابرين حين البأس. وجاءت أنواع الصبر في الآية على وجه الترقي من الشديد إلى الأشد، فالصبر على المرض أصعب من الصبر على الفقر، والصبر حين البأس أصعب من الصبر على المرض. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: المشار إليهم: من تقدم ذكرهم من المحرزين لخصال البر. واسم الإشارة (ذلك) أحضرهم في أذهان المخاطبين، وهم متصفون بتلك الخصال العظيمة. وجاء الإخبار عنهم بأنهم الصادقون المتقون مبشراً لهم بأنهم بلغوا بإحراز تلك الخصال الغاية التي يطمح إليها أرباب البصائر النيرة، والنفوس الطاهرة، وهي مقام الصدق والتقوى، والصدق توصف به الأقوال المطابقة للواقع، وتوصف به الأفعال الواقعة على ما ينبغي أن تكون عليه؛ كما قالوا: صدقوهم القتال، وقالوا: فلان صادق الحملة. ومن حازوا خصال البر صادقون في القيام بما أوصى الله به من أعمال الخير. والمتقون: من الاتقاء، وهو الحذَر، واذا أطلق المتقي في كلام الشارع، فهو الحذِرُ من عقاب الله؛ بتجنب معاصيه، وامتثال أوامره. وعقبى الصادقين المتقين الفوز بطمأنينة النفس في العاجلة، والنعيم الدائم في الآخرة. ففي هذه الجملة من الآية ثناء على أولئك الأبرار، وإيحاء إلى ما يلاقونه من اطمئنان وخيرات حسان.

стр. 352

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٨ - ١٧٩]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾: أفادت الآية السابقة أن البر هو الإيمان بالله، والإخلاص في طاعته الذي يظهر في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومواساة ذوي الحاجات، والوفاء بالعهود، والصبر على البلاء، والاستهانة بالموت في مواقع الجهاد إعلاء لكلمة الحق، وأتبع ذلك بشرع بعض الأحكام العملية الجليلة، وابتدأ منها بما يرجع إلى حفظ الدماء؛ لأخذه منزلة ذات شأن في إصلاح العالم، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾. ﴿كُتِبَ﴾: من الكتابة، وهي في الأصل: الخط بما يدل على معنى، ويستعمل بمعنى: الفرض، والإيجاب، فمعنى كتب عليكم: فرض عليكم، والقصاص: العقوبة بالمثل من قتل أو جرح، والقتلى: جمع قتيل، والقصاص

стр. 353

فيهم: قتل القاتل عقوبة له على القتل، مع مراعاة المساواة التي تتقرر بتقدير الشارع الحكيم. وإنما يفرض القصاص عند القتل الواقع على وجه العمد والعدوان، وحيث يطالب به أولياء القتيل. وصدرت الآية بخطاب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقوية لداعية إنفاذ حكم القصاص، فكأنه يقول: إن معكم من الإيمان ما يمنعكم من التهاون بإقامة هذا الواجب؛ فإن المؤمن الصادق يحرص على أن يسد الأبواب في وجه كل فتنة تحل عرا الألفة والمودة بين الأفراد والجماعات، وتلقي بحبل الأمن في اضطراب واختلال. والقرآن الكريم يوجه الخطاب في عقوبات الجنايات كالقصاص إلى الأمة على أن يقيمها الرئيس الأعلى، أو من ينوب عنه. وتوجيه الخطاب إلى الأمة يُشعرها بأن عليها جانباً من التبعة إذا أهمل أولو الأمر هذه العقوبات، أو لم يقيموها على حق، ويشعرهم بأنهم مطالبون بعمل ما يساعد الحكام على وضع العقوبات في حدود العدل؛ كتسليم الجاني، وأداء الشهادة عليه في صراحة وأمانة. ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾: هذا بيان لمعنى المساواة في القتل المشار إليها بلفظ القصاص، فالجملة تتمة لمعنى الجملة السابقة، ومفادها: أن يقتل بالمقتول قاتلُه دون ما سواه؛ لأن أخذ غير الجاني ليس بقصاص، بل هو اعتداء ثان، وإنما يرتفع الفساد بالقصاص، لا بالقتل ظلماً. وفي الآية إبطال ما كان جارياً في الجاهلية؛ حيث إن القبيلة القوية إذا قتلت منها القبيلة الضعيفة شخصاً، لا ترضى إلا أن تقتل معه أشخاصاً من شيعته، وإذا قتلت منها عبداً، لا ترضى إلا أن

стр. 354

تقتل به حراً، وإذا قتلت منها أنثى، لا ترضى إلا أن تقتل بها رجلاً. وبتحرِّي قصد الشارع من القصاص يستبين أن الجماعة التي تشترك في قتل الواحد حقيقةٌ بأن تؤخذ به قصاصاً؛ حتى لا يتوسل إلى قتل أفراد كثيرة بأيدي جماعة تجمع أمرها، وتخوض بسلاحها مشتركة في سفك دماء معصومة واحداً بعد آخر. ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: وردت هذه الجملة حديثاً عن إسقاط ولي المقتول القصاصَ عن القاتل، وإعطاء القاتل لولي المقتول الديةَ بدلَ القصاص، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ عفي: من العفو، وهو الإسقاط، ومن عفي له: هو القاتل، و ﴿أَخِيهِ﴾: ولي المقتول، و ﴿شَيْءٌ﴾: القصاص، وهو مفعول به ناب عن فعل عفي، وهذا الوجه من الإعراب هو الموافق لما عرف به القرآن الكريم من حسن البيان، ومعنى هذه الجملة المصوغة في طريق الإيجاز: أن ولي المقتول أسقط القصاص راضياً بأخذ الدية، وفي هذا الحال يكون شأن ولي المقتول طلب الدية، وشأن القاتل أداؤها، فجاء قوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وصيةً لولي المقتول بأن يتبع القاتل عند طلب الدية بالمعروف؛ أي: يرفق في الطلب، وينتظره في حال عسرة إلى ميسرة، وجاء قوله: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ وصيةً منه تعالى للقاتل بأن يؤدي الدية بإحسان؛ أي: لا يمطل بها، ولا يبخس منها. ويصح حمل العفو على معنى العطاء، وهو معنى معروف في كتب اللغة، وجرى عليه بعض كبار العلماء في تفسير الآية، والمعنى: فمن أعطِي، وهو ولي المقتول، من أخيه، وهو القاتل، شيئاً، وهو الدية، فعلى ولي المقتول

стр. 355

اتباعه بالمعروف، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان. وسمي القاتل أخاً لولي المقتول؛ تذكيراً بالأخوة البشرية والدينية حتى يهز عطف كل واحد منهما إلى الآخر، فيقع بينهم العفو، والاتباع بالمعروف، والأداء بإحسان. ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: المشار إليه: الحكم المفهوم من تيسير أمر القصاص بشرع الدية، فشرعها من آثار رحمته تعالى، وعدم إرادته الحرج فيما شرع من الدين، ففي الدية تخفيف على القاتل، ونفع لأولياء القتيل، وقد جمع الإسلام في عقوبة القتل بين العدل والرحمة، فجعل القصاص حقاً لأولياء المقتول إذا طالبوا به، وذلك عدل، وشرع الدية إذا أسقطوا القصاص عن القاتل، وذلك رحمة. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: المشار إليه: قبول الدية، والاعتداء: قتل القاتل، والمعنى: فمن اعتدى على القاتل بعد قبول الدية، فله عذاب شديد الألم في الآخرة. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾: لما كان القصاص أشد عقوبة يؤخذ بها الجناة، عني القرآن ببيان حكمته توطيناً للنفوس على الانقياد إليه، وتقوية لعزم أولي الأمر على إقامته، فقال تعالى مبيناً حكمة شرعه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. في القصاص حياة من وجهين: أولهما: أن الشخص إذا هم بقتل شخص، وعلم أنه إذا قتله اقتص منه، امتنع من قتله، فيكون القصاص سبباً للردع عن قتل أنفس كثيرة. ثانيهما: أن القبائل القوية إذا قتلت منها القبيلة الضعيفة أحداً، لا تكتفي بقتل القاتل حتى تلحق به آخرين من عشيرته، والقصاص لا يتجاوز القاتل

стр. 356

إلى غيره، فيكون سبباً لحماية نفوس كثيرة من غائلة الإسراف في الانتقام؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. ونقل عن العرب ما يدل على أنهم تحدثوا عن حكمة القصاص من قبل، وأبلغ كلمة عبروا بها عن هذا المعنى قولهم: "القتل أنفى للقتل"، ولكن لورود الحكمة في القرآن فضل من ناحية حسن البيان الذي يسارع بها إلى أقصى القلوب، ويجعلها مثلاً سائراً يجري على الألسنة، ويتقلب في الأندية؛ حتى يعظم أثرها في حياة المؤمنين، وإذا شئت أن تزداد خبرة بفضل بلاغة القرآن، وسمو مرتبته في حسن البيان على مرتبة ما نطق به بلغاء البشر، فانظر إلى هذه الجملة: ﴿فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، وإلى قولهم: "القتل أنفى للقتل"، وأقم بينهما وزناً بالقسط، فإنك تجد من نفحات الإعجاز ما ينبهك لأن تشهد الفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوق. ومن فضل بيان الآية: أنها جعلت سبب الحياة القصاص، وهو القتل عقوبة على وجه التماثل، أما العبارة العربية، فقد جعلت سبب الحياة القتل، ومن القتل ما يكون ظلماً، فيكون سبباً للفناء لا للحياة. وتصحيح هذه العبارة أن يقال: القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً. والآية جاءت خالية من التكرار اللفظي، فعبرت عن القتل الذي هو سبب الحياة بالقصاص، والعبارة العربية كرر فيها لفظ القتل، فمسها بهذا التكرار من الثقل ما سلمت منه الآية. ومن الفروق الدقيقة بينهما: أن الآية جعلت القصاص سبباً للحياة التي تتوجه إليها الرغبة مباشرة، والعبارة العربية جعلت القتل سبباً لنفي القتل

стр. 357

الذي تترتب عليه الحياة. ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: ﴿الْأَلْبَابِ﴾: جمع لُبّ، وهو العقل الخالص من شوائب الأوهام، أو العقل الذكي، وهو ما لا يبطئ في استبانة الحقائق، واستخراج لطائف المعاني من مكامنها. وخص النداء بأولي الألباب، مع أن الخطاب بحكمة القصاص شامل لهم ولغيرهم؛ لأنهم الذين يتدبرون عواقب الأمور، ويعرفون قيمة الحياة، ويقدرون حِكَم التشريع قدرَها. وفي هذا النداء تنبيه على أن من ينكرون مصلحة القصاص، وأثره النافع في تثبيت دعائم الأمن، يعيشون بين الناس بعقول غير سليمة. ولا يزال الناس يشاهدون في كل عصر ما يثيره القتل في صدور أولياء القتلى من أحقاد طاغية، لولا أن القصاص يخفف من سطوتها، لتمادت بهم في تقاطع وسفك دماء دون الوقوف عند حد. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: ترد (لعل) في كلام الله مورد التعليل، وهي هنا تعليل لمعنى فهم من قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. وإيضاح هذا: أن بيان حكمة القصاص ينساق منه الذهن إلى معنى شأنه أن يذكر في مجاري الاستعمال، ولكن طريقة القرآن في الإيجاز جرت على حذف ما تغني القرائن الواضحة عن ذكره، ولا يزيد التصريح به في نظم الكلام حسناً، وهذا المعنى الذي يقع في الذهن، وشأنه أن يذكر بعد بيان الحكمة، وقبل قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يعبر عنه بلفظ: فكتبناه عليكم، أو شرعناه لكم، والمعنى: ولكم في القصاص حياة، فكتبناه عليكم؛ لتتقوا القتل حذراً من القصاص.

стр. 358

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨٢]. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾: استفاض في عرف الشارع بمعنى: وجب عليكم. وحضور الموت يقع عند معاينة الإنسان للموت، ولعجزه في هذا الوقت عن الإيصاء، فسر بحضور أسبابه، وظهور أماراته؛ من نحو: العلل المخوفة، والهرم البالغ. والخير؛ المال، ومقام الأمر بالوصية فيه يشعر بأن المراد: المال الكثير، وبهذا فسر الجمهور الخير في الآية. ولم يرد نص من الشارع في تقدير ما يسمى: مالاً كئيراً، وإنما وردت آثار عن بعض الصحابة والتابعين في تقديره بحسب اجتهادهم، وبالنظر إلى ما يسمى في العرف مالاً كثيراً؛ كما قال ابن عباس ﵁: من ألف درهم إلى ثمان مئة درهم. وقال إبراهيم

стр. 359

النخعي: من ألف درهم إلى خمس مئة درهم. وتسمية المال الموصى فيه خيراً يشعر بأن الوصية إنما تكون من المال الحلال، وأما المال الحرام، فيجب إعادته إلى أربابه، ومن أوصى فيه، فقد ارتكب إثماً، وحقت عليه عقوبة المعتدين. والوصية اسم من أوصى يوصي، فهي بمعنى الإيصاء، وقد تستعمل بمعنى الموصى به. ومعنى الجملة: إذا حضر أحدكم الموت، وقد ترك مالاً كثيراً، وجب عليه الإيصاء بجانب منه لوالديه: أبيه وأمه، وأقاربه. وبدأ بالوالدين؛ لعظم حقهما. وجاءت الجملة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ غير معطوفة على ما قبلها بالواو؛ تنبيهاً على أهمية ما تضمنته من حكم الإيصاء؛ إذ لم تجعل تابعة لما قبلها بحرف العطف. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: هذا يتعلق بالوصية. والمعروف: العدل الذي يتعارفه الناس، وهو في الوصية: أن لا يتجاوز بها ثلث المال، وأن لا يوصي للأغنياء ويترك الفقراء، أو يوصي للقريب ويترك الأقرب. ومن حكمة الإرشاد إلى الإيصاء إلى الأقربين، وإيثارهم بهذا الإحسان على غيرهم: أن العرب في الجاهلية كانوا يوصون للأبعد طلباً للفخر، ويتركون الأقرب، وهو أشد منه فقراً ومسكنة. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾: الحق: الواجب. والمتقون: المؤمنون، أو الذين اتخذوا التقوى سيرة لهم.

стр. 360

وعدل عن الخطاب، فلم يقل: عليكم، ووضع للمتقين موضع ضمير الخطاب؛ تأكيداً للأمر بالوصية؛ إذ يشعر أن القيام بالوصية، والمحافظة عليها من شعائر المتقين، فمن أهملها، فقد رضي لنفسه الحرمان من الدخول في صفوفهم، وفاته أن يحشر يوم القيامة في وفدهم. وردت هذه الآية في الوصية للوالدين والأقربين، والمعروف عند الأمة منذ عهد السلف أن الوصية لا تصح لوارث، والوالدان لهما نصيب مفروض في المواريث، ومقتضاه: عدم صحة الوصية لهما؟. ويزيح هذا الإشكال من طريق التفسير: أن فريقاً من أهل العلم -وهم جمهور المفسرين- ذهبوا إلى أن آية الوصية قد نسخ منها حكم الوصية للوارث. وإيضاح وجه النسخ: أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية. فقامت مقامها في الوصية للوارث، ودل على هذا المعنى صراحة: الحديث الشريف، وهو قوله ﷺ : "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث". وهذا الحديث -وإن لم يبلغ مبلغ الحديث المتواتر الذي يصح نسخه للقرآن بنفسه- قد امتاز عن بقية أخبار الآحاد بأن الأمة تلقته بالقبول، وأخذوا في العمل به من غير مخالف، فأخذ بهذا قوة الحديث المتواتر في الرواية، واعتمدوا عليه في بيان أن آية المواريث قامت بتقدير الأنصباء في الميراث مقام آية: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ في الوصية للوارث. وروى البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس ﵁: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع".

стр. 361

ومن أهل العلم من لم يستطيعوا أن يهملوا حديث: "لا وصية لوارث"؛ لاستفاضته بين الأمة، وتلقيهم له بالقبول، فقرروا العمل به، وأبطلوا الوصية لوارث، ولكنهم ذهبوا -مع هذا- إلى أن آية الوصية للوالدين محكمة غير منسوخة، وتأولوها على وجوه، منها: أن المراد من قوله: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾: الوالدان اللذان لا يرثان لمانع من الإرث؛ كالكفر، والاسترقاق، وقد كانوا حديثي عهد بالإسلام، يسلم الرجل، ولا يسلم أبواه، وقد أوصى الله بالإحسان إليهما. ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾: ﴿بَدَّلَهُ﴾: غيره، وتغيير الإيصاء: بالزيادة في الموصى به، أو النقص منه، أو تغيير صفته، أو كتمان الوصية من أصلها. ومن يتوقع منهم تبديل الوصية: هم الأوصياء والشهود. وسمعه: علمه وتحققه. والضمير المنصوب في قوله: ﴿بَدَّلَهُ﴾ عائد على الإيصاء المفهوم من الوصية، وهو الإيصاء الواقع على الوجه المشروع، ولهذا جاء مذكراً. وإيضاح هذا: أن من الأصول التي قررها الباحثون في مزايا اللغة العربية وأسرار بلاغتها: أن اعتناء العرب بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم، ويرون أن الألفاظ إنما هي وسيلة إلى تحصيل المعنى، فلا مانع عندهم من أن يخرجوا على القانون المطرد ما دام المعنى المراد مستفاداً على الوجه الاكمل، ويصير هذا الوجه المخالف لما هو الظاهر داخلاً في أساليب البلغاء منهم. والقرآن يجري في مثل هذا على ما يجري عليه البلغاء، فهم يراعون ما تقتضيه الألفاظ في أكثر كلامهم، وقد يراعون ما يقتضيه المعنى؛ كأن

стр. 362

يكون للمعنى غير الحقيقي التأنيث اسمان: اسم مقرون بهاء التأنيث؛ كالوصية، واسم مجرد منها؛ كالإيصاء، فيذكرون المعنى باسمه المؤنث، ويعيدون عليه الضمير باعتبار اللفظ المذكر، وكل من الوجهين عربي فصيح. ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾: الإثم: الذنب، وجمعه آثام. والأَثام؛ كسحاب: جزاؤه، يقولون: كانوا يفزعون من الآثام أشد ما يفزعون من الأثام. أي: إنهم يفزعون من الذنوب أشد مما يفزعون من عقوباتها. والضمير في قوله: ﴿إِثْمُهُ﴾ يعود على الإيصاء المبدل، أو على التبديل المفهوم من قوله: ﴿بَدَّلَهُ﴾. ومقتضى تقدم ذكر من يبدلون الإيصاء: أن يعبر بالضمير، فيقال: فإنما إثمه عليهم، ولكنه وضع الموصول ﴿الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ موضع الضمير؛ ليؤكد أن علة وقوع الإثم عليهم هو ذلك التبديل. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: هذه الجملة وعيد للمبدل للوصية. والمعنى: إن الله سميع للوصية، عليم بما يقع فيها من تبديل وتحريف. ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: ﴿خَافَ﴾: من الخوف، وهو في الأصل: حالة تعتري النفس عند الانقباض من شر يتوقع حصوله، ووقوع ذلك الشر قد يكون مظنوناً، وهو الأكثر، وقد يكون معلوماً، فاستعمل الخوف في الظن، والعلم بالمحذور، ثم اتسع فيه، واستعمل في مطلق الظن والعلم. فمعنى ﴿خَافَ﴾ في الآية: علم، أو ظن ظناً غالباً. والجنف: العدول عن الحق على وجه الخطأ. والإثم: العدول عنه على وجه التعمد. والآية واردة في الوصي يرى أن الموصي حاد

стр. 363

في وصيته عن وجه المعروف، فأذن له أن يصلح ما ظهر له فيها من خطأ أو حيف. والضمير في قوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ عائد إلى الموصى لهم. والإصلاح بينهم: بإجرائهم على الوجه المعروف في الوصية. والمعنى: أن الوصي إذا رأى في الوصية انحرافاً عن الحق خطأ أو عمداً، وأصلح بين الموصى لهم بردِّهم إلى الوجه المشروع، فليس عليه من إثم. وهذه الجملة بمنزلة الاستثناء من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾، فكأنه يقول: إن ذلك الوعيد الوارد في التبديل إنما هو لمن غير حقاً بباطل، وأما من غير الوصية بالإصلاح، فليس عليه من إثم؛ لأنه غير الباطل بحق. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: تضمنت الجملة السابقة رفع الإثم عمن بدل الوصية باجرائها على الوجه المعروف، وجاءت هذه الجملة المشتملة على وصفه تعالى بأنه واسع المغفرة والرحمة مؤكدة لرفع الإثم عمن يقصد بعمله الإصلاح، ومقررة لاستحقاقه الإحسان منه تعالى؛ فإن من يغفر الذنوب، ويرحم المذنبين، تكون مغفرنه ورحمته أقرب إلى من يقصد بعمله الإصلاح، ولو اعتمد على ظن غالب، أو أخطأ وجه الصواب منه.

стр. 364

تَفْسِيرُ آيَاتِ الصَّوْمِ

стр. 365

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥]. تضمنت الآيات السابقة إيجاب القصاص، ثم إيجاب الوصية، وجاءت هذه الآيات عقبها بإيجاب عبادة هي من أعظم أركان الإسلام، وهي الصيام، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾: وردت هذه الآيات في صيغة الخطاب مفتتحة بالنداء، ووصف المخاطبين بأكمل خصلة تقوم عليها السعادة في الدارين، وهي الإيمان؛

стр. 366

ليقبل الناس على ما يلقى إليهم من أمر هذه العبادة، ويضعوه موضع العناية بقدر ما يقتضيه إيمانهم وتقديرهم الشرف الذي اكتسبوه من خطاب رب العالمين. قال الحسن: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فارع لها سمعك؛ فإنها لأمر تؤمر به، أو نهي تُنهى عنه. والصيام في أصل اللغة كالصوم: الإمساك عن الفعل؛ من نحو: الأكل، والمشي، والكلام، وخصه بعض المفسرين بالإمساك عما تنازع إليه النفس. وحقيقته شرعاً: الإمساك بنية عن الأكل والشرب ومباشرة النساء من طلوع الفجر إلى مغرب الشمس. ومعنى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾: فرض عليكم. وقد دل القرآن على بعض أحكامه، ودلت السنة على سائرها. ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: معنى الجملة: أن الصيام كتب على من قبلنا من الأنبياء وأممهم، والتشبيه في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ يرجع إلى الوجوب؛ أي: إن الله فرض عليكم الصيام مثلما فرضه على من تقدمكم من الأمم. وحكمة التذكير بأن الصيام قد فرض على الأمم السابقة: تخفيف وقعه على النفوس؛ حيث إن الصائم يكف نفسه عن كثير من الشهوات التي اعتاد التمتع بها، فإذا قيل له: إن هذه العبادة قد فرضت على أمم من قبلنا، وأفهم السياق أنهم لم يهملوها، خف عليه أمرها، وأقبل على أدائها بنفس مطمئنة.

стр. 367

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: هذه الجملة واقعة موقع التعليل لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. والمعنى: فرض عليكم الصيام؛ لتدخلوا في زمرة أهل التقوى، ذلك أن الصيام يكف النفوس عن كثير مما تنزع إليه النفس من خواطر السوء، ويربي فيها ملكة الصبر، ومغالبة طغيان الشهوات، ويروضها إلى عمل الخير مقبلة عليه راغبة فيه، وبهذه السيرة يبلغ العاملون أسمى منازل البر والتقوى. ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾: وصف الأيام المفروض صيامها بكونها معدودات، يكنى بذلك عن قلتها؛ ليخفف أمر صيامها متتابعات على المكلف، فيقبل عليه محتملاً مشقته التي لا تزيد على مشاق اعتاد الناس احتمالها للحصول على مآرب من متاع هذه الحياة وزينتها. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾: العدة: من العد بمعنى: معدود. ولم تقدر الآية المرض الذي يؤذن لصاحبه بالفطر، ولكن المحققين في فهم مقاصد الشريعة حملوه على المرض الذي يلحق صاحبه بالصوم مشقة فوق ما يجده وهو سليم البنية؛ كمن يخشى تزيُّد المرض، أو تأخر برئه. وظاهر الآية أيضاً: أن كل ما ينطلق عليه اسم سفر، يبيح الفطر. والذين ينظرون عند تقرير الأحكام إلى حكمة التشريع يرون أن الفطر إنما أبيح للمسافر نظراً إلى ما يلحقه من المشقة. ولما كانت لا توجد في كل مسافة يتنقل بها الشخص من موضع إقامته إلى مكان آخر، كان مناط الرخصة هو السفر

стр. 368

الذي شأنه أن توجد فيه مشقة. وقد اختلف الفقهاء في تقديره، فقدره طائفة من الأئمة بمسير ثلاثة أيام، وقدره آخرون بمسير يومٍ السيرَ الوسط، فمن أخذ في سفر يقدر بمسير يوم على الدواب السيرَ المعتاد، يباح له الفطر، وإن قطع تلك المسافة في زمن أقل من يوم؛ كراكب سيارة أو طائرة. ومعنى الآية: فمن كان منكم مريضاً، أو مسافراً، فأفطر، فالواجب عليه متى برئ من مرضه، أو انقطع سفره، صيام أيام بعدد ما أفطر فيه من أيام رمضان. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الآية نزلت عند ابتداء فرض الصيام على وجه الرخصة، فكان الناس مخيَّرِين بين الصيام والفدية، ثم نسخ التخيير بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ورويت آثار صحيحة عن السلف في هذا المعنى. ولعل وجه القول بنسخ هذه الآية: هو أن الشارع لم يرد إرغام العباد على الصوم وهم يستكبرون مشقته، ويستصعبون القيام به، فخيرهم بينه وبين الفدية، ولما استبان لهم أن مشقته على المؤمن بحق غير فادحة، وتتابعوا على الصيام مؤثرين له على الفدية، نسخ التخيير الذي تضمنته الآية، وبقيت الآية تتلى ليعرف منها أن الشريعة تأخذ في تشريعها مأخذ الحكمة، وتسلك مسلك التدريج في تقرير الأحكام التي يحتاج المكلف في احتمال مشقتها إلى عزيمة نافذة. وأنكر آخرون من أهل العلم أن تكون الآية منسوخة، وقالوا: الإطاقة في قوله تعالى: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ بمعنى: القدرة على الصيام بتكلف شديد، وحملوا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ على أصحاء يستطيعون الصوم،

стр. 369

ولكنهم يلاقون فيه مشقة شديدة، وهم الشيوخ والعجائز. وأضاف بعض الأئمة. إلى هؤلاء: الحامل، والمرضع إذا خافتا أن يلحق ولديهما ضرر من الصيام. وقد بينت الآية الفدية بطعام مسكين. ويكفي في تحقيق طعام المسكين المقدار الذي يشبعه في اليوم الواحد. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾: التطوُّع: فعل الشيء على وجه التبرع. والمعنى: فمن تطوع فاعلاً خيراً بأن زاد على القدر المقرر للفدية، فأعطى لمسكين واحد ما يكفيه الجوع أكثر من يوم، أو أطعم مسكينين فأكثر، فما تطوع به معدود عند الله في أعمال الخير التي يجازى صاحبها الجزاء الأوفى. ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: هذا خطاب لمطيقي الصيام من الذين خُيروا بين الصوم والفدية، فهي من متممات قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. والمعنى: أن الصوم أفضل من الفدية، ذلك أن الفوائد الروحية والاجتماعية التي تحصل بالصوم أرجحُ من الفوائد التي تحصل بالفدية. ويصح أن تكون هذه الجملة موصولة بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، فيكون المراد منها: فرض عليكم الصيام. . . إلخ، ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: إن الصوم من الأعمال التي تورثكم خيراً عظيماً. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: هذا أسلوب معروف في بلاغة اللغة العربية، يقصد منه: التحريض على فعل ما هو خير؛ كما ورد في هذه الآية، أو الزجر عما فيه شر؛ كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]، فقوله تعالى:

стр. 370

﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بمعنى: إن كنتم من أهل العلم. والمعنى: وصومكم خير لكم، فصوموا إن كنتم من أهل العلم؛ لأن شأن أهل العلم المبادرةُ إلى الفعل متى عرفوا وجه الخير منه. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾: هذا بيان للأيام المعدودات المفروض على الناس صيامها، ومعنى إنزال القرآن في شهر رمضان: ابتداء نزوله فيه، فقد أنزل في ليلة القدر، وكانت وفتئذ في رمضان، وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣ - ٤]. وفي قوله: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ تنبيه لمزية في هذا الشهر اقتضت تخصيصه بأن يكون مظهراً لركن من أهم أركان الإسلام، وهو الصيام، تلك المزية هي: جعله مبدأ لإنزال الكتاب الذي استضاء الناس بما فيه من هدى وبينات من الهدى والفرقان. ومعنى كون القرآن هدى للناس: أنه يرشدهم إلى سبيل الحق، ويدعوهم إلى مراقي الفلاح في الدنيا، ومعارج السعادة في الأخرى. وقوله: (بينات) وصف لآيات المقدَّرة في نظم الآية. ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾: ما يفرق بين الحق والباطل؛ أي: يفصل بينهما. والمعنى: أن القرآن أنزل هدى وآيات بينات؛ أي: واضحات، من جملة ما أنزل الله به كتبه، وبعث به أنبياءه من الهدى والفرقان. ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: أمر بصيام شهر رمضان بعد أن وصف الشهر بكونه مطلع هداية القرآن؛

стр. 371

ليجد الأمر بالصوم من نفوس السامعين إقبالاً زائداً وعناية. وشهد: من الشهود بمعنى: الحضور، فمعنى شهد الشهر: حضر فيه؛ أي: كان مقيماً وقت دخوله. ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾: أعيد في هذه الجملة ذكر الرخصة للمريض والمسافر؛ تأكيداً لمشروعيتها، وتنبيهأ على أنها صادرة عن عناية من شارعها، حتى لا يقع في نفوس المتقين أدنى حرج من الأخذ بها. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾: هذه جملة مستأنفة لبيان حكمة الإذن للمريض والمسافر في الفطر، وهي أن الله تعالى بنى تشريعه على اليسر والرفق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ومن مثل هاتين الآيتين تقررت في الشريعة قاعدة من القواعد التي تشهد بسماحتها، وهي: المشقة تجلب التيسير. وارادة الله في التشريع تنبئ بعدم إرادته للعسر، فقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ تصريح بما فهم من الجملة قبلها لتوكيد معناها، وتقوية يقين المكلفين بأنهم لا يلاقون فيما شرع الله عسراً في حال. ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾: روعي في هذا التعليل قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، والمعنى: أوجب عليكم إذا أفطرتم لمرض أو سفر عدة أيام أخر؛ لتكملوا عدة الأيام المفروض عليكم صيامها، فلا يفوتكم الأجر العظيم الذي يعده الله لصائمي الشهر كله.

стр. 372

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾: تكبير الله: تعظيمه. وهذا التعليل مراعى فيه الإذن للمريض والمسافر في الفطر على وجه الرخصة، ثم بيان كيفية قضائهما للأيام التي أفطرا فيها، والمعنى: أرشدكم إلى التخلص من مشقة الصيام في حال مرض أو سفر، وإلى كيفية القضاء، فجمع لكم على التيسير والحصول على أجر الصيام كاملاً؛ لتعظموه على هذه الهداية. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: هذه الجملة واردة مورد التعليل للترخيص والتيسير بالإذن في الفطر والقضاء من بعد. والشكر في الأصل: تصور النعمة وإظهارها. ويطلق بمعنى: الثناء على المحسن بذكر إحسانه، فشكر العبد لله: أن يثني عليه بذكر النعمة التي أنعم بها عليه. ومعنى الجملة: يسر لكم أمر الصوم، فرخص لكم في الفطر عند توقع مشقة زائدة على العادة، وجعل القضاء عندما ينقطع المرض أو السفر محصلاً للثواب الذي وعد به الصائمون، الذين لم يعرض لهم عذر يبيح لهم الفطر، شرع ذلك؛ لتتلقوه بالشكر الذي هو معدود في أفضل ما تتقربون به إليه.

стр. 373

تَفْسِير آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ

стр. 374

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦ - ١٨٨]. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾: ظاهر نظم الجملة أنهم سألوا عن الله، والسؤال لا يكون عن الذوات، وإنما يكون عن شأن من شؤونها، ولكن الجواب -أعني: قوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ - يدل على أنهم سألوا عنه تعالى من جهة القرب والبعد، ويؤيده الأثر المروي عن أُبَيٍّ، وهو أن المسلمين قالوا: يا رسول الله! أقريب ربنا فنناجيه "ندعوه سراً"، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي. . .﴾.

стр. 375

ولم يصدر الجواب بقُل، أو فقل؛ كما وقع في أجوبة مسائلهم الواردة في آيات أخرى، نحو: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥]، بل تولى جوابهم بنفسه؛ إشعاراً بفرط قربه منهم، وحضوره مع كل سائل؛ بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوي الحاجات. ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾: يجيب الله دعوة الداعي إذا صدرت عن إيمان وخشوع قلب، وورد تقييد إجابة الدعاء بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، وورد في الصحيح ما يدل على أن المؤمن إذا دعا بما فيه خير، لم يخب عند الله دعاؤه، ولكن لا يلزم أن يعطيه نفس ما طلبه. روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل إليه دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها". ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾: وعد الله العباد في الجملة السابقة بأنه يجيب دعاءهم إذا دعوه، وأمرهم في هذه الجملة بإجابة ما يدعوهم الله إليه من الطاعات. والاستجابة: الإجابة. والرشد: حسن التصرف في الأمر من دين أو دنيا، وكأنه تعالى يقول: إني أجيب دعاءكم، وأنا ربكم الغني عنكم، فاستجيبوا أنتم لدعوتي، واذا استجبتم لها، فإنما تستجيبون ما فيه رشدكم الذي هو وسيلة سعادتكم في الحياتين العاجلة والآجلة، وأمرهم بالإيمان بعد الأمر بالاستجابة؛ لأنه أول مراتب الدعوة، وأولى الطاعات بالاستجابة.

стр. 376

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: رويت آثار في أن الناس كانوا عندما فرض صوم شهر رمضان إذا أفطروا يأكلون ويشربون، ويقربون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا، امتنعوا، واتفق أن باشر بعضهم امرأته بعد أن نام، وشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ. . . إلخ﴾ و. وليلة الصيام: الليلة التي يصبح منها الإنسان صائماً. والرفث: الفحش من القول، ويكنى به عن مباشرة النساء، وهو المراد من الآية. ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾: هذه الجملة واردة مورد المقتضى لإباحة مباشرة النساء ليلة الصيام، ذلك أن كلاً من الزوجين يسكن إلى صاحبه، ويكون من شدة القرب منه كالثوب الملابس له، وقد كانت العرب تسمي المرأة: لباساً، وهذا حال يقوى معه الداعي إلى المباشرة، فمن رِفقه تعالى أن أحلها لهم ليلة الصيام. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾: هذا مظهر من مظاهر رفق الله بمن كانوا يباشرون أزواجهم قبل أن يحل الله لهم ذلك. و ﴿تَخْتَانُونَ﴾: تظلمون وتنقصون، والمعنى: كنتم تظلمون أنفسكم، وتنقصون نصيبها من الخير بمباشرة أزواجكم قبل أن يحلها الله لكم، فقبل توبتكم، وعفا عنكم؛ أي: محا أثر ما فعلتموه بغير إذنه. ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾: هذا مرتب على قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾. و (الآن): ظرف

стр. 377

لما يقع في الزمن الحاضر وما يقرب منه. و ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾: من المباشرة، وأصلها: اتصال البشرة بالبشرة، وكنى بها عن الجماع كالملامسة، والأمر للإباحة. ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: ابتغوا: اطلبوا. و ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾: ما قضى به وقسمه، وأقرب ما يفسر به: الولد. وهذا مشعر بأن النكاح شرع ليُبْتغى به النسل؛ حتى يتحقق ما يريده الله من بقاء النوع الإنساني. وإذا أضيف إلى النسل قضاء الشهوة، فلأن قضاءها قد يُبتغى للتعفّف عن الحرام، فيصح أن يدخل في معنى: ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾: ﴿الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره، و ﴿الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة الليل. وجاء في الروايات الصحيحة: أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ تأخر نزوله عن الجمل السابقة له، في "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد، قال: "أُنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل: "من الفجر"، فكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه يعني: الليل والنهار". وورد في الصحيح عن عدي بن حاتم، قال: لما نزلت هذه الآية، عمدت إلى عقالين لي أسود وأبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت

стр. 378

أنظر في الليل إليهما، فلا يتبين لي، فعمدت إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك، فقال: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار"، ونزل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. ولما جعلت الآية طلوع الفجر غاية لإباحة المفطرات التي من جملتها المباشرة، دلت على أن الإنسان إذا مضى عليه وقت من النهار وهو جنب، كان صومه صحيحاً. ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: الأمر بإتمام الصيام إلى الليل ينبئ بأن الصوم ينتهي عند غروب الشمس، وأن الليل ليس بوقت الصيام، فمن واصل الإمساك عن المفطرات في الليل، فلا ثواب له على هذا الإمساك؛ لأنه لم يقع في الوقت الذي رسمه الشارع لعبادة الصوم، بل يعدُّ هذا المواصل فاعلاً لمحظور، فلا بد للصائم من تناول شيء من المفطرات بعد الغروب، ولو شيئاً قليلاً من الماء. وصح عن النبي ﷺ أنه نهى عن الوصال -وهو أن يصوم الشخص اليوم وما بعده من غير أن يتناول مفطراً في الليل الفاصل بينهما-، فقيل: يا رسول الله! إنك تواصل، فقال: "إني لست مثلكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني". ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: الاعتكاف في اللغة: اللبث واللزوم. وفي عرف الشارع: لبث الرجل في المسجد مدة يقصرها على العبادة، ولا يخرج منه إلا لما تدعو إليه حاجة الإنسان مما يوجب إعادة الطهارة. ومن شروطه: الصوم، أو من سننه. ولما أطلق في الجملة السابقة الإذن في مباشرة النساء ليلة الصيام،

стр. 379

كان ذلك الإطلاق مظنة لأن يراد منه إباحة المباشرة للصائم في جميع الأحوال والأماكن، فخُصَّ من سائر الأحوال: الاعتكافُ، ومن الأماكن: المساجد، فقال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾: المشار إليه: الأحكام المقررة فيما سبق؛ من إيجاب وتحريم. والحد في اللغة: الحاجز بين الشيئين المتقابلين؛ ليمنع من دخول أحدهما في الآخر. وسميت الأحكام حدوداً؛ لأنها تحجز بين الحق والباطل. والآيهَ واردة مورد النهي عن مخالفة تلك الأحكام. ومعنى: لا تقربوها: لا تأتوها بالمخالفة. ودل على النهي عن مخالفتها بالنهي عن قربها؛ مبالغة في التحذير من مخالفتها؛ لأن النهي عن القرب من الشيء نهي عن إتيانه نفسه بالأحرى. والآية تنبه بقولها: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾؛ لاجتناب ما فيه شبهة، وترشد إلى ترك الأشياء التي تفضي في غالب أمرها إلى الوقوع في حرام. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: المعنى: مثل ذلك البيان الذي بَيَّن الله به الحدود المنهيَّ عن قربها بالمخالفة، يبين آياته؛ أي: أدلته للناس وحججه؛ لكي يتقوا حدوده فيما أمر به، أو نهى عنه، أو أباحه. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾: لا تأكلوا: لا تأخذوا. والمعنى: لا يأخذ بعضكم مال بعض، ويستولي عليه بغير حق. وعبر عن الأخذ بالأكل؛ لأن الأكل أهم وسائل الحياة، وفيه تصرف الأموال غالباً. وهذه الآية أصل من الأصول التي يقوم عليه إصلاح المعاملات، وقد دلت على حرمة أكل أموال الناس بالباطل على وجه الإجمال،

стр. 380

وفصلت نصوص أخرى وأدلة وجوهَ أكل الأموال بالباطل؛ مثل: الغصب، والسرقة، والقمار، والربا، إلى ما هو مفصل في كتب الأحكام من المعاملات التي لا تختلف أنظار المجتهدين الراسخين في تحريمها. ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَتُدْلُوا﴾: معطوف على: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾، والإدلاء في الأصل: إرسال الدلو في البئر، ويستعمل في معنى الدفع والإلقاء. وعلى هذا المعنى يفهم قوله تعالى في الآية: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا﴾. و ﴿الْحُكَّامِ﴾: جمع حاكم، وهو الذي يفصل بين الخصمين. والفريق: القطعة المعزولة من جملة الشيء. والإثم: الفعل الذي يستحق صاحبه الذم والعقاب. ومعنى الإدلاء بالأموال إلى الحكام: إلقاء أمرها، أي: حكومتها وخصومتها إلى القضاة؛ لتأخذوا من طريق الحكم قطعة من أموال غيركم -أعني: خصومكم- بما يوجب إثماً؛ كشهادة الزور، واليمين الفاجرة، أو تأخذوها متلبسين بالإثم في حال كونكم تعلمون أنكم على باطل. وإتيان الباطل مع العلم بأنه باطل أدعى إلى التوبيخ من إتيانه على جهالة به. وحُكْم الحاكم على ما يقتضيه الظاهر من أمر القضية لا يُحل في الواقع حراماً، ولا يُحرم حلالاً. ومن المحتمل القريب أن يفهم من نظم الآية: تحريم إعطاء مال للحاكم على وجه الرشوة. والمعنى: ولا تدلوا بأموالكم -أي: بعضها- إلى الحكام؛ لتتوصلوا بأحكامكم الجائرة إلى أكل فريق من أموال الناس بغير حق.

стр. 381

ولا غرابة في أن يعنى القرآن الكريم في سياسته الرشيدة بالتحذير من جريمة الرشوة؛ فإنها المعول الذي يهدم صرح العدل من أساسه، وبها تفقد مجالس القضاء حرمتها، ولا يبقى للجالسين على كراسيها كرامة. وللرشوة شَبَه بالسرقة؛ لأنها تؤخذ من يد مالكها خفية. وشبه بالغصب؛ لأنها تؤخذ منه تحت سلطان القضاء.

стр. 382

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٨٩ - ١٩٣]. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾: بيّن تعالى في الآيات السابقة أحكاماً عملية، منها: صيام شهر رمضان، وهو -أي: الصيام- يتضمن النهي عن كل الطعام في أيام ذلك الشهر، ولو كان المأكول حلالاً، ومن راض نفسه عن الامتناع من أكل الحلال في نحو ثلاثين يوماً نهاراً من السنة، صار مستعداً لأن يمتثل النهي عن أكل الحرام في جميع حياته، فكان المقام بعد ذكر شرع الصيام مناسباً للنهي عن كل المال بغير حق في جميع أيام الحياة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.

стр. 383

ثم إن حديث الصيام اتصل بشرط رؤية الهلال، وهذا ما يحرك في النفوس خاطر السؤال عن الأهلة، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾. ﴿الْأَهِلَّةِ﴾: جمع هلال، وهو الكوكب الذي يطلع في أوائل كل شهر، ويسمى: هلالاً ثلاث ليال، أو سبع ليال؛ حيث يغلب ضوءه على ظلام الليل، ثم يسمى: قمراً إلى أن يعود من الشهر الثاني. ودلت الجملة على أن طائفة من الناس سألوا عن حال من أحوال الأهلة، وورد في بعض الروايات أن السائلين هم اليهود، وأنهم سألوا عن الحكمة من خلقها، وهذا ما يطابقه الجواب عن سؤالهم حيث وقع ببيان الحكمة فقال تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾: المواقيت: جمع ميقات، وهو وقت يقدر لعمل من الأعمال، فالأهلة معالم يوقِّت بها الناس صومهم، وزكاتهم، وحجهم، وعِدد نسائهم، ومُدد حملهن، ومدة الرضاع، وغير ذلك من آجالهم في تصرفاتهم المالية. وخص الحج بالذكر، مع أن الأهلة مواقيت لعبادات أخرى؛ كالصوم والزكاة، إيماء إلى أن الحج مقصور على الميقات الذي عينه الله تعالى له، وأنه لا يجوز نقله إلى شهر آخر كما كانت العرب تفعل؛ إذ كانوا ينقلون ما شاؤوا من الأشهر الحرم الأربعة -التي من جملتها ذو الحجة- إلى شهر آخر غير حرام، وهو النسيء المشار إليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]. وخص الشارع المواقيت بالأهلة وأشهُرِها، دون الشمس وأشهُرِها؛ لأن الأشهر الهلالية تعرف برؤية الهلال ومحاقه، وذلك ما لا يخفى على أحد من الخاصة والعامة أينما كانوا؛ بخلاف الأشهر الشمسية، فإن معرفتها تنبني

стр. 384

على النظر في حركات الفلك، وهي لا تتيسر إلا للعارفين بدقائق علم الهيئة. وورد في سبب نزول الآية رواية أخرى ضعيفة تتضمن أن بعض الصحابة سألوا عن سبب تزايد الهلال في أول الشهر، وتناقصه في آخره، فأجيبوا ببيان حكمة خلقها: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، ومقتضى هذه الرواية وورود الجواب ببيان حكمة خلق الأهلة، لا ببيان المسؤول عنه، وهو سبب اختلافها بالتزايد والتناقص: أن تكون الآية من قبيل ما يسميه علماء البلاغة: "الأسلوب الحكيم"، فكأن المسؤول يقول للسائل: كان الأولى بك أن تسأل عن هذا الحال الذي أجبتك به، وهو في الآية حكمة خلق الأهلة، لا عن الحال الذي سألت عنه، وهو سبب تزايدها في أول الشهر، وتناقصها في آخره. ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾: لما ذكر في الآية السابقة أن الأهلة مواقيت للحج، صح أن يوصل ذلك بإنكار عادة جرى عليها الأنصار في حجهم، فقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾، هذه العادة، كما روي في سبب نزول الآية: أن الأنصار كانوا إذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية، لم يدخل بيتاً من بابه، بل كان يدخل من نقب في ظهره، أو يتخذ سلماً يصعد فيه، فقيل لهم: ليس البر بتحرجكم من إتيان المنازل من أبوابها. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾: تقدم أن البر اسم لخصال من الخير فُصلت في قوله تعالى ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية. ولما كان معنى التقوى حاملاً لتلك الخصال السنية، اكتفى بذكرها هنا في بيان معنى

стр. 385

البر، فقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾، فالبر نفس التقوى. وأخبر عنه بمن يوصف بالتقوى، فقال: ﴿مَنِ اتَّقَى﴾، وقد تقدم أنه أسلوب معروف في كلام البلغاء؛ إذ يحذفون المضاف -الذي هو الخبر في المعنى- متى قام عليه دليل، وهو هنا الوصف الذي يحمله قوله: ﴿مَنِ اتَّقَى﴾، والمعنى: ولكن البر تقوى من اتقى. ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾: تضمنت الجملة السابقة أن إتيان البيوت من ظهورها ليس من البر، وبقي محتملاً لأن يكون من المباح الذي لا حرج فيه، فقال تعالى آمراً بالكف عنه، ومرشداً إلى أنه ليس بجائز: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. والأمر بإتيان البيوت من أبوابها يقتضي أن إتيانها من ظهورها باسم الدين غير مأذون فيه، وكل ما يفعل باسم الدين، وليس له في الدين من شاهد، فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: هذا أمر بالتقوى التي تتضمن القيام بجميع الواجبات، واجتناب البدع والمنكرات، فالمعنى: افعلوا ما أمركم الله به، واجتنبوا ما نهاكم عنه؛ لتكونوا من المفلحين، وهم الفائزون بالحياة المطمئنة في الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة. ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: أمر بالتقوى، ثم عطف على ذلك الأمر بعمل من أجلِّ مظاهرها، وأعزِّ ما تبذل النفوس في التقرب به إليه تعالى، وهو الجهاد، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة. والمقاتلة

стр. 386

كالقتال: محاولة الرجل قتلَ من يحاول قتله. وسبيل الله: دينه. والمقاتلة في سبيل الله: الجهاد لإعلاء كلمته؛ حتى يكون أهل دينه الحق أعزاء، لا يسومهم أعداؤه ضيماً، وأحراراً في الدعوة إليه، وإقامة شرائعه العادلة في ظل سلطان مهيب. ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾: الاعتداء: مجاوزة الحد فيما أمر الله به، أو نهى عنه. والمعنى: وقاتلوا لإعلاء كلمة الله من يناصبكم القتال من المخالفين، ولا تتجاوزوا في قتالهم إلى من ليس شأنهم قتالكم؛ كنسائهم، وصبيانهم، ورهبانهم، وشيوخهم الطاعنين في السن إلى حد الهرم، ويلحق بهؤلاء: المريض، والمقعد، والأعمى، والمجنون. وقد وردت بالنهي عن قتل هؤلاء الأحاديث النبوية، ووصايا الخلفاء الراشدين لقواد جيوشهم، فهؤلاء يتجنب قتلهم، إلا من قامت الشواهد على أن له أثراً من رأي أو عمل في الحرب يؤازر به المحاربين لينتصروا على المجاهدين. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: هذا كالتعليل للنهي عن مجاوزة ما حده الله في قتال المخالفين. ومحبة الله لعباده: صفة من صفاته تعالى، من أثرها: الرعاية، والإنعام. وإذا نفى الله محبته لطائفة، فهو كناية عن بغضه لهم، واستحقاقهم لعقوبته. ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: الضمير في قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ عائد إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، و ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: أدركتموهم، وظفرتم بهم. والمعنى: واقتلوا الذين ينا صبونكم القتال في أي مكان لقيتموهم فيه من حِلّ أو حَرَم.

стр. 387

﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾: حيث: ظرف مكان. والمكان الذي أخرجوهم منه: مكة؛ فإن المشركين من قريش اشتدوا في أذية المسلمين حتى ألجؤوهم إلى الخروج منها بالهجرة إلى الحبشة أولاً، ثم إلى المدينة ثانياً. والمعنى: أخرجوهم من مكة التي أخرجوكم منها. ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: الفتنة: الابتلاء والامتحان والعذاب، والصرف عن الشيء، وكثر استعمالها في التضليل والصد عن الدين، ثم على الكفر. وهي في هذه الجملة ظاهرة في معنى ما عرف به المشركون من الصد عن الدين، وإيذاء من يتقبله. والمعنى: لا تبالوا قتلهم حيث أدركتموهم؛ فإن فتنتهم للمؤمنين أشد ضرراً من قتلكم لهم. ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾: أذن الله للمؤمنين في قتل الذين يناجزونهم القتال؛ دفعاً لشرهم أينما وجدوا. وجاءت هذه الجملة لاستئناء المسجد الحرام من المواطن التي يجدونهم فيها؛ مراعاة لحرمته، ما لم يفاتحوا المؤمنين فيه بالقتال، فإن فاتحوهم بالقتال فيه، كان دفع شرهم بالقتل أرجح من الكف عنهم، وذلك ما يدل عليه في صراحة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾. والمعنى: فإن بدؤوكم بالقتال عند المسجد الحرام، فلا حرج عليكم في قتلهم عنده؛ فإن المنتهك لحرمة المسجد إنما هو البادئ بالقتال فيه، لا المدافع له. ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾: اسم الإشارة (ذلك) عائد إلى قتل المقاتلين أينما وجدوا. والجزاء:

стр. 388

ما يقع في مقابلة إحسان أو إساءة، فيطلق على ما يثاب به المحسن، وعلى ما يعاقب به المسيء، وهو معنى الجزاء هنا. وفي هذا تنبيه على أن قتل المقاتلين غير خاص بمن فاتحوا المؤمنين بالقتال من كفار قريش، بل هو جزاء لكل من يفعل فعلهم من المخالفين. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: مساق حديث هذه الآية: الكافرون المقاتلون للمسلمين، فيكون معنى هذه الجملة المتفرعة عن حديثهم: فإن انتهوا عن الشرك، ومقاتلتكم، فكفوا عنهم، ولا تتعرضوا لهم؛ فإن الله غفور رحيم. وكل من تاب من كفر أو معصية، فشأن الله معه أن يغفر له ويرحمه. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: الضمير (هم) عائد على الذين يقاتلوننا. والفتنة: المحنة والعذاب والاضطهاد. والمعنى: قاتلوا أولئك المحاربين حتى تكسروا شوكتهم، ولا يستطيعوا أن يفتنوا طائفة من أهل الدين الحق، بصدهم عن دينهم، ومنعهم من الدعوة إليه، وإخراجهم من ديارهم، أو التغلب على حق من حقوقهم. والآية تحذر المؤمنين من أن يستسلموا لمن يحاربونهم، ويقعدوا عن قتالهم كراهة للموت، أو جهلاً بسوء المنقلب الذي ينقلب إليه الواقعون تحت سلطان أعدائهم المستبدين. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: الدين في اللغة: العادة والطاعة، ثم استعمل فيما يتعبَّد به الله، صحيحاً كان أم باطلاً. والدين الصحيح: ما شرع الله لعباده على لسان الأنبياء؛ ليتوصلوا به إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل. ومعنى كون الدين لله: أن

стр. 389

يكون الدين الظاهر هو دين الله. وقد تم هذا بقتال المسلمين للمشركين، فلم يلتحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى حتى كان الدين الظاهر في جزيرة العرب ما كان طاعة وعبادة لئه. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: العدوان في أصل اللغة: الاعتداء والظلم الذي هو من الأفعال المحرمة، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وهو بهذا المعنى لا يجوز ارتكابه مع أحد، ولو كان ظالماً، ولكن الآية قالت: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، فظاهرها إباحة الاعتداء على الظالمين. وتزاح هذه الشبهة من طريق فهم الآية أنها جرت على ما يجري في كلام البلغاء من تسمية جزاء الظلم والاعتداء: ظلماً واعتداء؛ لاتحادهما، أو تشابههما في الصورة. ومما ورد من أقوالهم في هذا المعنى قولهم: "ظلمني فلان، فظلمته". وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فالاعتداء في قوله: ﴿فَاعْتَدُوا﴾ يراد منه: جزاء الاعتداء، فالعدوان في الآية يراد منه القتل حيث يرتكب جزاء للمقاتلين. والمعنى: فإن انتهوا عن قتالكم، فقد انتفى عنهم وصف الظلم، فكفوا عن قتلهم، فإن قتلتموهم بعد انتهائهم عن مقاتلتكم، فقد ارتكبتم معهم ما لا يرتكب إلا جزاء للظالمين.

стр. 390

تَفْسِيرُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ
следующие страницы →