← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

كالقتال: محاولة الرجل قتلَ من يحاول قتله. وسبيل الله: دينه. والمقاتلة في سبيل الله: الجهاد لإعلاء كلمته؛ حتى يكون أهل دينه الحق أعزاء، لا يسومهم أعداؤه ضيماً، وأحراراً في الدعوة إليه، وإقامة شرائعه العادلة في ظل سلطان مهيب. ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾: الاعتداء: مجاوزة الحد فيما أمر الله به، أو نهى عنه. والمعنى: وقاتلوا لإعلاء كلمة الله من يناصبكم القتال من المخالفين، ولا تتجاوزوا في قتالهم إلى من ليس شأنهم قتالكم؛ كنسائهم، وصبيانهم، ورهبانهم، وشيوخهم الطاعنين في السن إلى حد الهرم، ويلحق بهؤلاء: المريض، والمقعد، والأعمى، والمجنون. وقد وردت بالنهي عن قتل هؤلاء الأحاديث النبوية، ووصايا الخلفاء الراشدين لقواد جيوشهم، فهؤلاء يتجنب قتلهم، إلا من قامت الشواهد على أن له أثراً من رأي أو عمل في الحرب يؤازر به المحاربين لينتصروا على المجاهدين. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: هذا كالتعليل للنهي عن مجاوزة ما حده الله في قتال المخالفين. ومحبة الله لعباده: صفة من صفاته تعالى، من أثرها: الرعاية، والإنعام. وإذا نفى الله محبته لطائفة، فهو كناية عن بغضه لهم، واستحقاقهم لعقوبته. ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: الضمير في قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ عائد إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، و ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: أدركتموهم، وظفرتم بهم. والمعنى: واقتلوا الذين ينا صبونكم القتال في أي مكان لقيتموهم فيه من حِلّ أو حَرَم.

стр. 387

﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾: حيث: ظرف مكان. والمكان الذي أخرجوهم منه: مكة؛ فإن المشركين من قريش اشتدوا في أذية المسلمين حتى ألجؤوهم إلى الخروج منها بالهجرة إلى الحبشة أولاً، ثم إلى المدينة ثانياً. والمعنى: أخرجوهم من مكة التي أخرجوكم منها. ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: الفتنة: الابتلاء والامتحان والعذاب، والصرف عن الشيء، وكثر استعمالها في التضليل والصد عن الدين، ثم على الكفر. وهي في هذه الجملة ظاهرة في معنى ما عرف به المشركون من الصد عن الدين، وإيذاء من يتقبله. والمعنى: لا تبالوا قتلهم حيث أدركتموهم؛ فإن فتنتهم للمؤمنين أشد ضرراً من قتلكم لهم. ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾: أذن الله للمؤمنين في قتل الذين يناجزونهم القتال؛ دفعاً لشرهم أينما وجدوا. وجاءت هذه الجملة لاستئناء المسجد الحرام من المواطن التي يجدونهم فيها؛ مراعاة لحرمته، ما لم يفاتحوا المؤمنين فيه بالقتال، فإن فاتحوهم بالقتال فيه، كان دفع شرهم بالقتل أرجح من الكف عنهم، وذلك ما يدل عليه في صراحة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾. والمعنى: فإن بدؤوكم بالقتال عند المسجد الحرام، فلا حرج عليكم في قتلهم عنده؛ فإن المنتهك لحرمة المسجد إنما هو البادئ بالقتال فيه، لا المدافع له. ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾: اسم الإشارة (ذلك) عائد إلى قتل المقاتلين أينما وجدوا. والجزاء:

стр. 388

ما يقع في مقابلة إحسان أو إساءة، فيطلق على ما يثاب به المحسن، وعلى ما يعاقب به المسيء، وهو معنى الجزاء هنا. وفي هذا تنبيه على أن قتل المقاتلين غير خاص بمن فاتحوا المؤمنين بالقتال من كفار قريش، بل هو جزاء لكل من يفعل فعلهم من المخالفين. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: مساق حديث هذه الآية: الكافرون المقاتلون للمسلمين، فيكون معنى هذه الجملة المتفرعة عن حديثهم: فإن انتهوا عن الشرك، ومقاتلتكم، فكفوا عنهم، ولا تتعرضوا لهم؛ فإن الله غفور رحيم. وكل من تاب من كفر أو معصية، فشأن الله معه أن يغفر له ويرحمه. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: الضمير (هم) عائد على الذين يقاتلوننا. والفتنة: المحنة والعذاب والاضطهاد. والمعنى: قاتلوا أولئك المحاربين حتى تكسروا شوكتهم، ولا يستطيعوا أن يفتنوا طائفة من أهل الدين الحق، بصدهم عن دينهم، ومنعهم من الدعوة إليه، وإخراجهم من ديارهم، أو التغلب على حق من حقوقهم. والآية تحذر المؤمنين من أن يستسلموا لمن يحاربونهم، ويقعدوا عن قتالهم كراهة للموت، أو جهلاً بسوء المنقلب الذي ينقلب إليه الواقعون تحت سلطان أعدائهم المستبدين. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: الدين في اللغة: العادة والطاعة، ثم استعمل فيما يتعبَّد به الله، صحيحاً كان أم باطلاً. والدين الصحيح: ما شرع الله لعباده على لسان الأنبياء؛ ليتوصلوا به إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل. ومعنى كون الدين لله: أن

стр. 389

يكون الدين الظاهر هو دين الله. وقد تم هذا بقتال المسلمين للمشركين، فلم يلتحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى حتى كان الدين الظاهر في جزيرة العرب ما كان طاعة وعبادة لئه. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: العدوان في أصل اللغة: الاعتداء والظلم الذي هو من الأفعال المحرمة، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وهو بهذا المعنى لا يجوز ارتكابه مع أحد، ولو كان ظالماً، ولكن الآية قالت: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، فظاهرها إباحة الاعتداء على الظالمين. وتزاح هذه الشبهة من طريق فهم الآية أنها جرت على ما يجري في كلام البلغاء من تسمية جزاء الظلم والاعتداء: ظلماً واعتداء؛ لاتحادهما، أو تشابههما في الصورة. ومما ورد من أقوالهم في هذا المعنى قولهم: "ظلمني فلان، فظلمته". وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فالاعتداء في قوله: ﴿فَاعْتَدُوا﴾ يراد منه: جزاء الاعتداء، فالعدوان في الآية يراد منه القتل حيث يرتكب جزاء للمقاتلين. والمعنى: فإن انتهوا عن قتالكم، فقد انتفى عنهم وصف الظلم، فكفوا عن قتلهم، فإن قتلتموهم بعد انتهائهم عن مقاتلتكم، فقد ارتكبتم معهم ما لا يرتكب إلا جزاء للظالمين.

стр. 390

تَفْسِيرُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ

стр. 391

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: ذكر الله تعالى في صدر هذه السورة فِرَقَ من بلغتهم دعوة النبي ﷺ ، وهم: المؤمنون المخلصون، المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢ - ٣]، والكافرون المجاهرون بالكفر، المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، والمنافقون، وهم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]. وبعد أن وصف الله تعالى هذه الفرق، ودل على عاقبة كل فريق منهم،

стр. 392

أقبل عليهم مخاطباً لهم بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فخطاب الأمر بالعبادة متوجه إلى الفرق الثلاث، أما الكافرون والمنافقون، فعلى معنى أمرهم بأداء العبادة، والمنافقون -وإن أدوا بعض العبادات- فإنهم يؤدونها خالية من شرط صحتها الذي هو قصد امتثال أمر الله تعالى، وأما المؤمنون، فأمرهم بالعبادة على معنى طلب ازديادهم منها، ومداومتهم عليها. والخطاب يتناول الموجودين في هذه الفرق وقت نزول الآية، ومن سيوجد منهم إلى قيام الساعة، وخطاب الشارع -على هذا الوجه من العموم- معلوم من الدين بالضرورة. ويصح جعل الخطاب في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ موجهاً إلى الكافرين خاصة، ويؤيده أن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وقولى تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ إنما يليق بالمنكرين، ولكن إيراد الخطاب شاملاً لأقوام، ثم الانتقال بعد إلى خطاب فريق منهم، أسلوب مألوف في أساليب بلاغة اللغة العربية. والعبادة الصحيحة ما تحقق فيها شرطان: قصد امتثال أمر الله تعالى، وموافقتها للهيئة المأخوذة عن الشارع، فالعبادة التي لا يقصد بها امتثال أمر الله، أو تفعل على وجه مبتدع، عبادة مردودة على وجه صاحبها. وأورد الأمر بالعبادة في صيغة الخطاب المقرون بالنداء؛ اهتماماً بأمر العبادة، وتفخيماً لشأنها؛ ذلك أن صيغة الخطاب المصدر بالنداء، يهز داعية المخاطبين إلى استماع الكلام أكثر مما يهزها صيغة الغيبة، أو صيغة الخطاب من غير نداء.

стр. 393

والعبادة جديرة بالاهتمام وتفخيم الشأن؛ إذ للعبادة خلق الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وفي قوله تعالى: ﴿رَبَّكُمُ﴾ تقوية لداعية امتثال الأمر، وتنبيه على أظهر شيء يدعوهم إلى أن يتوجهوا إليه بالعبادة، ويخصوه بها، وهو نعمة الربوبية. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أمر الله تعال بعبادته، وأتبع الأمر بما يدل على وجوده، وهو خَلق المخاطَبين، وخلق من قبلهم، والخلق: إيجاد الجواهر، وهو بهذا المعنى لا يوصف به إلا الله تعالى، ولا يصح إطلاقه على غيره بحال، ويقال بمعنى: التقدير والتسوية، وهذا المعنى يجوز نسبته إلى غير الله تعالى؛ كما وصف عيسى ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]. وقدم وصفه بخلق المخاطبين على وصفه بخلق من قبلهم، وكان مقتضى الترتيب الزمني أن يقال: "الذين من قبلكم، وخلقكم" ذلك أن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهرُ من علمه بأحوال غيره. وللقرآن المجيد في الاستدلال على وجود الخالق تعالى طريقان: طريق الاختراع، وهو الاستدلال بما أبدعه - جل شأنه - من المخلوقات؛ مثل: إيجاد الحياة في الجماد، وطريق العناية بالإنسان، ويرجع هذا الطريق إلى موافقة وجود المخلوقات لوجود الإنسان؛ أي: إن خلقها كان لمنفعته؛ كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: ترد (لعل) في كلام العرب لرجاء المتكلم، وهو ارتقابه الشيء المحبوب،

стр. 394

أو إشفاقه؛ وهو ارتقابه الأمر المكروه، وكلا المعنيين مستحيل في حق علام الغيوب؛ فإن كلاً من الرجاء والإشفاق يكون عند تردد الشيء بين الوقوع وعدم الوقوع، إلا أن وقوعه هو الراجح في رأي المتكلم، ومن هنا قال بعض المفسرين: إن (لعل) في كلام الله تعالى لتحقيق ما يجيء بعدها، وهذا المعنى لا يجري في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]؛ فإن فرعون لم يتذكر، ولم يخش من دعوة موسى ﵇ , والأقرب أن يقال: إن الترجي في الآية التي نحن بصدد تفسيرها مصروف إلى المخاطبين؛ كآية: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾، والمعنى: اعبدوا ربكم راجين أن تكونوا أتقياء، والتقوى: بلوغ أقصى درجات العبادة. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾: الفراش في الأصل: مصدر فرش؛ أي: بسط، واستعمل هنا بمعنى اسم المفعول؛ أي: المفروش. والمعنى: بسط لكم الأرض، وذللها لكم حتى صارت صالحة للاستقرار عليها، والتقلب في مناكبها، والتصرف فيها بنحو الزراعة التي هي أصل المعاش. وهذا من قبيل الاستدلال بطريق العناية؛ فقد دل على أنه خلق الأرض على حال توافق مصلحة الإنسان، يشير إلى هذا قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾. وكون الأرض فراشاً؛ أي: مبسوطة، لا ينافي كونها على شكل كرة؛ لأن الكرة التي يعظم حجمها، تكون كل قطعة منها كالسطح، يتيسر الاستقرار عليه، والارتفاق به. ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾: البناء في الأصل: مصدر بنى، ويستعمل بمعنى: المبني؛ كما ورد

стр. 395

في هذه الآية، والمعنى: جعل السماء مبنية كالقبة المضروبة فوقكم، وفي هذا تنبيه لما يرونه عند النظر إلى السماء من بديع الكواكب السيارة والثابتة، ثم ينتقلون منها إلى ما يتصل بهذه الأجرام من منافع أنوارها، والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، وفوائد اختلاف الليل والنهار، ونحو ذلك. وهذا وجه إلحاقها بطريق الاستدلال بالعناية. وقدَّم الأرض على السماء؛ لأنها أقرب إلى الإنسان من السماء، ولأن الإنسان بحال الأرض أعرف منه بحال السماء؛ لأن أول ما يحتاج إليه بعد الخلق المستقرُّ، وهو الأرض. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: يصح حمل السماء في الآية على معنى: السحاب؛ فقد قال علماء اللغة: كل ما علاك فهو سماء، فليست الآية منافية لما عرف من أن المطر يتولد من السحاب على الوجه المشار إليه بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣]. ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾: ﴿الثَّمَرَاتِ﴾: جمع ثمرة، وهي ما يتطعم من أحمال الشجر والنجم، وهو ما لا ساق له من النبات، والباء في قوله: ﴿بِهِ﴾ للسببية. و ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ للتبعيض، والمعنى: فأخرج بالماء بعض الثمرات رزقاً لكم. وقد أودع الله سبحانه في الماء خاصية كان بها سبباً لتغذية النبات ونموه، ومتى شاء -جل شأنه- نزَعْ هذه الخاصية من الماء، انتفت عنه سببية التغذية والتنمية.

стр. 396

وهذا أيضاً من قبيل الاستدلال بالعناية؛ إذ دل على أنه أنزل من السماء ماء؛ ليخرج به ثمرات تكون رزقاً للإنسان. ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: الأنداد: جمع ند، والند: المماثل المكافئ، وفسر في الآية بمعنى: الشريك، فكل من عظَّم مخلوقاً التعظيمَ الذي لا يليق إلا بالله تعالى، فقد اتخذ ذلك المخلوق نِدّاً لله، وتتناول الآية مشركي العرب؛ لعبادتهم الأصنام، والصابئين؛ لعبادتهم الكواكب، والمجوس؛ لعبادتهم النار، والنصارى؛ لتعظيمهم المسيح ﵇ تعظيماً لا يحق إلا لله. وممن يجعلون لله أنداداً: أولئك الفرق الضالة الذين يعتقدون إلهية زعمائهم؛ كطائفة البهائية الذين يعتقدون إلهية زعيم مذهبهم. ومن واجب دعاة الإصلاح: أن يراقبوا أحوال من يزورون قبور الصالحين، حتى إذا أحسوا من زائرٍ المبالغةَ في تعظيم صاحب القبر؛ كالانحناء أمامه في هيئة الراكع أو الساجد، نبهوه برفق، وأنقذوه من الوقوع في اعتقاد أن الولي يملك لنفسه أو لغيره نفعاً أو ضراً، وأعادوه إلى ما يوافق التوحيد الخالص؛ من أن النفع والضر من طريق غيبي إنما هو بيد الله الذي بيده ملكوت كل شيء. والواو في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ للحال، والمعنى: فلا تجعلوا لله شركاء في حال أنكم من أهل العلم، ونسب العلم إلى أولئك المشركين؛ لأنهم كانوا يعرفون جانباً من دقائق أمور الدنيا، وغوامض أحوالها. وفطنة العرب ودهاؤهم مما تشهد به أشعارهم وخطبهم وبعض محاوراتهم.

стр. 397

ويصح أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون أنه لا ند له؛ فإن من المشركين مَنْ كانوا يعتقدون بوجود الإله الحق، ويعبدون مع ذلك الأصنام بزعم أنها تقربهم إليه زلفى، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]. وعلى كلا الوجهين يكون قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تأكيداً للتوبيخ على اتخاذ الأنداد لله؛ فإن من يأتي الباطل، ومعه من العلم ما شأنه أن يمنعه من إتيانه، أو يأتي الباطل وهو يعلم بطلانه، يكون أسخف عقلاً، وأحط منزلة ممن يأتيه وهو معدود فيمن شأنهم الجهل بدقائق الأمور، أو الجهل بأن ما أتاه باطل، ومن هنا كانت زلة العالم أقبح من زلة الجاهل، وتناول الألسنة له بالإنكار على مخالفة أمر الله أشدّ من إنكارها على من يخالف أمر الله، وشأنه الجهل بالمخالفة، أو بالعواقب التي يصير إليها المخالفون عن أمر الله.

стр. 398

تَفْسِيْرُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ

стр. 399

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١١٩ - ١٢٠]. كان رسول الله ﷺ -لما أودع في قلبه من الرحمة- شديدَ الحرص على قبول الناس لدعوته، دايمانهم بالحق الذي بعث به، حتى إذا لقي من المدعوين قلوباً نافرة، وأسماعاً غير واعية، ضاق صدره، واشتد حزنه، فكان فيما ينزل عليه من القرآن المجيد آيات لتسليته، والترويح عن نفسه، ومن هذه الآيات: آيات يذكره الله فيها بأنه هو رسول، وما على الرسول إلا البلاغ؛ أي: إنه غير مسؤول عن الناس إذا لم يؤمنوا برسالته، وشأن ذلك الحزن البالغ أن يعتري من كلف بأمر، فلم يقض ما أمر به، وعلى هذا الوجه من التذكير ورد قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾: (الحق) في الأصل: الحكم الصادق: ويطلق على الدين؛ لاشتماله على الأحكام الصادقة، فيفسر الحق في هذه الآية بالدين الذي هو الإسلام.

стр. 400

و ﴿بَشِيرًا﴾: من البشارة، وهي الخبر السار الصادق الذي لا علم للمخبر به من قبل. و ﴿وَنَذِيرًا﴾: من النذارة، وهي الإعلام بالشيء، والتحذير منه، والمعنى: إنا أرسلناك بالدين الحق؛ لتبشر من أطاع بالنعيم المقيم، وتنذر من عصى بالعذاب المهين. وقدم وصف التبشير على وصف الإنذار؛ لأن التبشير أقرب إلى طبيعة الدعوة المحمدية من الإنذار؛ ذلك أن مع الرسول - صلوات الله عليه - حججاً قاطعة، شأنها أن تأخذ بالقلوب، فلا تحتاج إلى الإنذار، وإنما تحتاج إلى التبشير؛ لزيادة اطمئنانها، وإذا لم يُجب أقوام دعوته، فقد جاؤوا على خلاف ما تقتضيه حال الدعوة المحمدية من الإنذار؛ ذلك أن مع الرسول - صلوات الله عليه - حججاً، وأخذت من النفوس المأخذ الذي يناسب قوة دلائلها، أما الإنذار، فإنما يحتاج إليه في حال يقف فيه دون الدعوة جهل غليظ، أو عناد شديد. ثم إن التبشير أقرب إلى القصد من الرسالة؛ لأنه يتعلق بما هو رحمة، والنبي ﷺ إنما أرسل رحمة للعالمين، وأما الإنذار، فيتعلق بما هو عذاب، والعذاب غير مقصود من الرسالة، إنما يقع جزاء لمن استكبر عنها، ولم تبلغ منه قصدها. واقتصار الآية على وصف النبي ﷺ بالبشارة والنذارة لا ينفي أن يكون من مقاصد رسالته التي يسأل عنها أحكام المعاملات والجنايات التي قررتها شريعته الغراء؛ لأن شدة حزنه على أولئك الطوائف المصرين على كفرهم، هو حال من يعتقد أنه مسؤول عن عدم إيمانهم، فاقتضى هذا الحال أن يذكر بأن واجبه إنما هو القيام بالوسائل الموصلة إلى الإيمان، والباعثة على

стр. 401

العمل الصالح من بيان الحق والبشارة والنذارة، أما نفس إيمان المدعوين، أوطاعتهم، فغير داخل في واجبات رسالته. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾: قرئ (تسأل) بصيغة المبني للمجهول، وحرف (لا) للنفي، والمعنى: أنك لست مسؤولاً عمن بلغتهم الرسالة، وأقمت عليهم الحجة إذا لم يؤمنوا، وقرئ بصيغة المبني للفاعل، وحرف (لا) للنهي، وفي الآيات على هذه القراءة تهويل لعقوبة الكافرين، والنهي عن السؤال عن شخص أو أشخاص، أسلوب معروف في كلام العرب يشيرون به إلى أن حال المنهي عن السؤال عنه بالغة في الفظاعة حيث لا يستطيع السامع أن يسمع حديثها، أو لا يستطيع المخبر أن يجريه على لسانه. و ﴿الْجَحِيمِ﴾: النار إذا شب وقودها، وقال: ﴿أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾، ولم يقل: الكافرين؛ ليدل على جزاء كفرهم، وهو عذاب الجحيم يتقلبون فيه المرة بعد المرة على ما يقتضيه معنى الصحبة. ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾: كان ﷺ يلاطف طوائف من اليهود والنصارى؛ حرصاً على دخولهم في الإسلام، فأخبره الله، وهو علام الغيوب: أنهم مصرون على كفرهم، ولا يرجى منهم الرضا عنه في حال، وجاء الإخبار عن إصرارهم في أقوى وجه من وجوه المبالغة؛ إذ سد كل طريق من طرق رضاهم عن النبىِ ﷺ ، إلا طريقاً واحداً هو اتباعه لملتهم، وهذا الطريق نفسه يستحيل من النبي ﷺ أن يأتيهم منه، فالآية أفادت أنهم مصرون على الكفر إصراراً لا يرجى لهم الرجوع عنه، حتى لا يجهد النبي - صلوات الله عليه - نفسه في دعوتهم، أو

стр. 402

يقضي وقتاً في ملاطفتهم. وإذا كانت الآية واردة في فريق من اليهود والنصارى أصروا على كفرهم عناداً، ولم تفد الحجة والملاطفة في دعوتهم، لم يرد على الآية أن فريقاً من اليهود والنصارى قد دخلوا في الإسلام، ورضوا عن النبي ﷺ دون أن يتبع ملتهم، ومن الخطأ أن يقوم رجل بدعوة طوائف من اليهود أو النصارى إلى الدين الحنيف، فيقول له قائل يريد تثبيطه عن الدعوة: إنما تجد نفسك في عبث، ويتلو عليه هذه الآية. وتقديم اليهود على النصارى في هذه الآية؛ لتقدم اليهودية على النصرانية في الظهور، ولأن اليهود كانوا أشد عداوة للمؤمنين، وأبعد قلوباً من الإيمان بالنبي ﷺ ، وأحرص على إيذائه وإيذاء من آمن برسالته. وأضاف الملة إلى اليهود والنصارى مفردة، مع أن لكل فريق ملة؛ تنزيلاً للملتين منزلة واحدة؛ لاشتراكهما في الوجه الذي نهى الله عن اتباعهما من أجله، وهو الاشتمال على ما لا يسمى هداية، ولا يدني المتعلق به إلى سعادة. وهذا الذي أخبر به القرآن الكريم عن اليهود والنصارى، إما أنهم كانوا يضمرونه في نفوسهم، وإما أنهم كانوا يقولونه بألسنتهم، وعلى أي حال كان، يستدعي جواباً، وقد أرشد الله نبيه الكريم إلى الجواب بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾: هدى الله: هو الإسلام، وقد دلت الآية على أن الإسلام هدى، وأن غيره من الملل ليس بهدى، دلت على هذين المعنيين بإيراد المسند الذي هو كلمة ﴿الْهُدَى﴾ معرفة، ثم بوضع ضمير الفصل بينه وبين المسند إليه الذي

стр. 403

هو ﴿هُدَى اللَّهِ﴾؛ فإن هذا الأسلوب يفيد قصر المسند الذي هو ﴿الْهُدَى﴾ على المسند إليه الذي فسرناه بالإسلام. والمعنى: أن الهدى مختص بالإسلام، لا يتعداه إلى غيره من الملل. أما أن الإسلام هدى، فإنه يدعو إلى الخير دعوة حكيمة جامعة؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]؛ أي: تبياناً لكل ما تكمل به النفوس البشرية، وتصل به إلى سعادتها في الدنيا والآخرة، وأما أن غيره من الملل ليس بهدى، فلما دخلها من التحريف، وما أضيف إليها من الاراء الصادرة عن الهوى. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: الأهواء: جمع هوى، وهو في الأصل: ميل النفس إلى ما تلذه من خير وشر، ومن استعماله في الخير قول عائشة ﵂ للنبي ﷺ : "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك"؛ أي: رضاك، وكثرة استعمال الهوى في ميل النفس المذموم، ويدخل في هذا القبيل: كل هوى ينشأ عنه رأي أو قول لا يوافق العلم الصحيح، وأهواء أهل الكتاب التي نهى النبي ﷺ عن اتباعها: آراؤهم، وأقوالهم الصادرة عن الهوى، والعلم الذي يمنع من اتباع أهواء المخالفين: ما أخذ من طريق الوحي مباشرة، أو أخذ من طريق النظر في الأدلة التي نصبها الشارع للعقول. وقوله: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ نفي لأن يكون الله ولياً له أو ناصراً على تقدير أن يتبع هذه الأهواء، وولاية الله للرسول أو غيره من المؤمنين: رعايته له، وتوفيقه إياه لما فيه الخير، ونصره إياه: تأييد جانبه،

стр. 404

وكف أيدي المعتدين عنه؛ حتى يفوز بالسلامة منهم، والظهور عليهم. واستعملت (إن) للشرط في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾؛ لأنها تستعمل كـ (لو) لفرض وقوع فعل الشرط، ولو مع القطع بعدم وقوعه، وكذلك اتباع النبي ﷺ لأهواء اليهود والنصارى غير محتمل الوقوع، وإنما ذكر على وجه الفرض، وبني عليه ذلك الوعيد البالغ؛ ليزداد ﵊ في الاحتراس من آرائهم قوة؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. وفي توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ إشعاراً بأنه -وهو صاحب تلك المكانة العليا، والأعمال الصالحة التي تملأ ليله ونهاره- لو اتبع أهواء اليهود والنصارى، لفقد الولاية والنصر من الله، فغيره من الناس أحرى بأن يجازى بالحرمان من تلك النعمتين العظيمتين إذا تعلق بآراء المخالفين دون ما قضى به الله، ومن فاتته ولاية الله وتأييده، عاش في الدنيا مضطرب القلب، منكود الحياة، واذا قضى نحبه، فإلى هون وعذاب. ويفهم من الآية بعد هذا أن من عمل على مقتضى العلم المستند إلى هداية الله، ونبذ آراء المخالفين التي لا توافق هذا العلم، فإنه يظفر بولايه الله الضافية، ونصره العزيز، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].

стр. 405

تَفْسِيْرُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

стр. 406

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢ - ٥٥]. ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾: الضمير في قوله: ﴿مِنْهُمُ﴾ هو عائد إلى بني إسرائيل المشار إليهم في الآية السابقة بقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩]. والإحساس في الأصل: الإدراك بإحدى الحواس الخمس، واستعمل هنا في العلم على وجه المجاز؛ إذ العلم لازم للإدراك بإحدى الحواس. والذي أحسه عيسى ﵇ بعد دعوتهم: إصرارهم على الكفر، وعتوهم فيه، ومن المظاهر التي علم منها هذا الإصرار والعتو: إيذاؤهم له بنحو الاستهزاء.

стр. 407

﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾: والخطاب في قوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ موجه إلى من آمنوا به، والمراد من الاستفهام: الطلب، والأنصار: جمع نصير، ونظيره: أشراف جمع شريف، وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ واقع موقع الحال من قوله: ﴿أَنْصَارِي﴾، والمعنى: من ينصرونني منهين نصرتهم إلى الله، ومعنى إنهاء نصرتهم إلى الله: قيامهم بها يريدون وجه الله دون قصد غاية أخرى، فنصرة عيسى ﵇ من جهة أنه رسول، ونصرة رسول الله نصرة لله؛ أي: تأييد لدينه، فهي من الأعمال الصالحة المقدمة إلى الله، ومن هنا كان قول الحواريين: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أحسن وقعاً من أن يقولوا: نحن أنصارك. ونصرتهم لعيسى ﵇: بحمايته من أولئك الكافرين، ودفع أذاهم عنه، أو بدعوتهم إلى الدين الذي جاء به، وتأييده بالحجة، ولا تحمل على الجهاد؛ إذ لم يثبت أن عيسى ﵇ قد أمر به. ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: وقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ واقع موقع التعليل لقولهم: نحن أنصار الله؛ إذ لا دافع إلى نصرة دين الله غير الإيمان به إيماناً صادقاً، ثم قالوا: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، فأكدوا إسلامهم إذ جعلوه مما يصح أن يشهد به الرسول، وهو لا يشهد بإسلام إلا أن يكون على علمٍ من صدقِ صاحبه وإخلاصه ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾: ثم انتقلوا من خطاب عيسى ﵇ إلى مناجاة الله تعالى، فقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾، وهذا عرض لحالهم على الله

стр. 408

تعالى، فقولهم: ﴿آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ إخبار عما انطوت عليه نفوسهم من الإيمان الصادق، وقولهم: ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ تصريح يقتضيه الإيمان الصحيح من امتثال المأمورات، واجتناب المحظورات؛ إذ لا يتم اتباع الرسول إلا بامتثال ما يأمر به، واجتناب ما ينهى عنه، وإن لم يوجد له ماخذ من الكتاب الذي أنزل عليه، والله يعلم إيمانهم وصالح أعمالهم، وإنما قصدوا تقديم وسيلة إلى استجابة دعائهم بقولهم: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: والشاهدون: الذين يشهدون بالتوحيد، وما لا يتم الإيمان إلا به، أو الأنبياء ﵈؛ فإنهم شهداء أممهم يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. وبعد أن قص حال المؤمنين بعيسى ﵇ , عاد إلى الحديث عن أولئك الكافرين، وأشار إلى ما كانوا يأتمرون به من قتله، مقروناً بوعيد بالغ، فقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾: والمكر: إيصال المكروه إلى الشخص على وجه يخفى، فيصح إسناده إلى الله تعالى من غير حاجة إلى دعوى المشاكلة، وقد أسند إليه تعالى ابتداء في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]. وفي إسناد المكر بهم إلى الله إيذان بأن المكر الواقع بهم أعظم من المكر الذي بيتوه لعيسى ﵇، وجاء هذا المعنى مصرحاً به في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، وكان مكر الله خيراً من مكرهم؛ لأنه نافذ

стр. 409

لا محالة، ولا يقع إلا حيث يقتضيه العدل. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: و (إذ) في قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى﴾ ظرف يتعلق بقوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾. والتوفي في أصل اللغة: أخذ الشيء وتسلمه، تقول: توفيت ديني من فلان؛ أي: قبضته منه، ثم استعمل في الموت على وجه المجاز؛ لأن من أماته الله، فقد توفاه، فيكون هذا الاستعمال من قبيل إطلاق اسم اللازم على الملزوم. فإذا ورد التوفي في كلام عربي، حُمل على الأخذ والتسلم حتى تقوم قرينة على أن المراد منه: الموت الذي هو مفارقة الروح للجسد. وورد التوفي في آيات يتعين صرفه فيها إلى معنى الأخذ والقبض، ولا يصح حمله على الموت؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فمعنى التوفي هنا: الأخذ والقبض، ولا يصح تفسيره بالموت؛ لأنه جعل من الأنفس المتوفاة ما لم تمت، فقال: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾، وقال: ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، فجعل التوفي هنا مقابلاً للبعث في النهار، ولم يجعله مقابلاً للموت. ويدلكم على أن التوفي إنما يستعمل في الموت على وجه المجاز المصحوب بقرينة: أن القرآن لا يأتي به في مقابلة الحياة، وإنما يقابل

стр. 410

الحياة بلفظ الإماتة؛ كما قال تعالى: ﴿يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الجاثية: ٢٦]، وقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام: ٩٥]. ونبني على هذا صحة تفسير ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ بمعنى: آخذك وقابضك؛ فإنه تفسير تتقبله اللغة، وله نظائر في آيات الذكر الحكيم، وانظر في قول عيسى ﵇ فيما قصه الله عنه في آية أخرى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]؛ حيث قابل التوفي بحال كونه فيهم، ولم يقابله بالحياة؛ كأن يقول: ما دمت حياً، وهذا ظاهر في أنه لم يرد من التوفي: الإماتة. هذا ما نختاره في فهم قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، وحملت طائفة التوفي على معنى: الإماتة، مع إيمانهم بأن عيسى ﵇ رفع إلى السماء، وأنه سيموت من بعد، وأبدوا لتقديم قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ على قوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وجهاً غير بعيد، هو أن اليهود قرروا قتله، فاقتضى الحال المبادرة إلى بشارته بأن أيديهم لا تصل إليه بالقتل، وأنه يموت على فراشه الموت المعتاد. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾: هذا ظاهر في رفعه بجسده، ومستبعد جداً أن يراد منه: رفع مكانته؛ لأن الخطاب لعيسى ﵇ وهو روح وجسد، فيحمل على أنه قد تعلق بهما حتى يقوم دليل على أنه تعلق بواحد منهما فقط. ومما يبعد تفسير الرفع برفع مكانته: أنه قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]، وهذا رد على اليهود، وتكذيب لهم في دعوى أنهم قتلوه، ولا يكون رداً عليهم وتكذيباً إلا إذا

стр. 411

كان الرفع لجسده، إذ لا يحسن أن يرد على من قالوا: قتلنا المسيح بأن الله رفع درجته، وإنما يكون قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ رداً على ما قاله اليهود لو قالوا: إن عيسى قلاه ربه، وأبعده، أو حط مكانته. ويؤيد فهم الآية على معنى رفعه بجسده: أن النصارى يعتقدون أن عيسى ﵇ رفع بجسده، فلو لم يكن عيسى قد رفع بجسده، لما جاءت الآية على هذا الوجه الذي يوافق معتقدهم، بل يؤتى بعبارة أخرى تبطل هذا الاعتقاد؛ كما أبطل زعمهم أنه قتل وصلب، أو يأتي بعبارة لا تجاري على الأقل مذهبهم. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: تطهيره ﵇ منهم بإبعاده عنهم، وهذا في نفسه محتمل لأن يطهره منهم بالهجرة من أوطانهم، ولأن يطهره برفعه إليه من أرضهم، والهجرة من أوطانهم لم يشر إليها القرآن كما أشار إلى هجرة إبراهيم وموسى ونبينا محمد -صلوات الله عليهم-، ولم تثبت بها رواية، أما رفعه، فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧]، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، فيكون قوله: وَمُطَهِرُكَ تأكيداً لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، ومشيراً إلى أن من كفروا به نجس، لا ينبغي للطيب الذي يئس من هدايتهم أن يبقى متصلاً بهم، وفال: ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولم يقل: ﴿مِنْهُمْ﴾ إيماء إلى علة نجاستهم التي هي الكفر. ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: هذه بشارة ثالثة لعيسى ﵇، هي أن المتبعين له يكونون أعلى ممن كفروا به، وكان المتبعون له قبل الإسلام النصارى الذين آمنوا

стр. 412

به إيماناً صحيحاً، والمتبعون له بعد الإسلام هم المسلمون؛ لأنهم اتبعوه في أصول الدين، واتبعوا النبي الذي بشر به، ودعا إلى الاقتداء به. ولا شك أن المؤمنين بعيسى ﵇ إيماناً صادقاً يعلون الكافرين بالحجة والقلب عند المجادلة في الحق، ويعلونهم بالسلطان متى أخذوا بوسائل القوة كما يقتضيه معنى الاتباع، فلو أن قوماً يصدقون برسالة عيسى ﵇، ولكنهم اتبعوا الشهوات، ولم يعدوا للكافرين به ما استطاعوا من قوة، لما تناولهم هذا الوعد الصادق، ولما كان علو الكافرين عليهم بالسلطان -لو وقع- موضع اشتباه، ومثار استشكال في تحقق ما وعدت به الآية. ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: ثم وجه الخطاب إلى عيسى ﵇ ومن اتبعوه، ومن كفروا به، فقال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: مصيركم ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمور الدين، وإذا رفع المهتدين إلى جنات النعيم، وأحاط الغاوين بعذاب مهين، فقد حكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون.

стр. 413

تَفْسِيرُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

стр. 414

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وردت الآيات السابقة لهذه الآية في حال من انهزموا يوم التقى المؤمنون والمشركون في يوم أحد، وتضمنت تلك الآيات الكريمة استحقاقهم للملامة والتعنيف؛ حيث تولوا منهزمين، وتركوا رسول الله ﷺ تجاه العدو، ولو جرى معهم رسول الله - صلوات الله عليه -، على ما يستحقون، لقابلهم بالعتاب والتوبيخ، ولكنه لاقاهم في رفق، ولم يواجههم باللوم، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾: فالفاء في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ للترتيب؛ لأنهم فروا من مواطن الجهاد، واستحقوا اللوم والتأنيب، فقابلهم ﵊ باللين، و (ما) في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا﴾ مزيدة للتأكيد؛ أي: تأكيد الاختصاص الذي دل عليه تقديم الجار والمجرور؛ أعني قوله: (بما رحمة) على الفعل؛ أعني: قوله:

стр. 415

﴿لِنْتَ﴾، والمعنى: ما لنت لهم إلا برحمة من الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]؛ أي: ما لعناهم إلا بنقضهم ميثاقهم. والرحمة يوصف بها الإنسان، فتكون بمعنى العطف والحنو، وهذا المعنى الذي هو رقة القلب لا يصح أن تفسر به الرحمة الواردة وصفاً للباري ﷻ , بل نقول: إن رحمة الله صفة ثابتة له تعالى، لا نعلم حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذي هو إيصال الخير، كما أننا لا نعلم حقيقة علمه تعالى، وإنما نعرف أنه صفة تحيط بالأشياء على ما هي عليه. دلت الآية على أن لينه ﵊ لمن خالفوا أمره، وتولوا عن موقع القتال، إنما كان برحمة من الله. فالله حقيق بحمد النبي ﷺ ؛ إذ وفقه لفضيلة الرفق بأولئك المؤمنين، وحقيق بحمد أولئك المؤمنين؛ إذ كان لين رسول الله إنما هو أثر من أثر رحمة الله. ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ﴾: الفظاظة: الخشونة. وغلظ القلب: قسوته. والانفضاض: الانصراف، والمعنى: لو كنت خشناً في قولك أو فعلك، قاسي القلب، لانصرفوا من مجلسك، ولما استضاؤوا بنور هديك، والفعل الواقع بعد (لو) الشرطية في حكم المنفي، فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ ينفي عنه ﵊ الفظاظة التي تظهر في قول أو فعل، وقوله: ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ ينفي عنه سبب الفظاظة الذي هو جفاء الطبع، وبهذا يثبت له ﵊ لين الجانب، وسماحة الخلق، وكأن الآية تقول: هو لين في قوله وفعله، وإن لينه هذا لم يصدر عن أمر عارض من نحو رغبة أو رهبة، بل كان عن طبيعة كريمة في النفس.

стр. 416

وليعتبر في هذه الآية من يتولى أمراً يستدعي أن يكون بجانبه أصحاب يظاهرونه عليه، حتى يعلم يقيناً أن قوة الذكاء وغزارة العلم وسعة الحياة وعظم الثروة، لا تكسبه أنصاراً مخلصين، ولا تجمع عليه من فضلاء الناس من يثق بصحبتهم إلا أن يكون صاحب خلق كريم من اللين والصفح والاحتمال. وطبيعة اللين وسماحة الخلق، لا تنافي مزية الحزم، والأخذ بالتي هي أشد عندما يقتضي الحال ذلك: إذا قيل رفقاً قال للحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل وتمييز موضع اللين من موضع الشدة يرجع إلى ذكاء الإنسان، وإدراكه لطبائع الأشخاص الذين ينالونه بمكروه. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾: العفو: عدم المؤاخذة على الإساءة مع القدرة على المؤاخذة عليها، والحلم: ضبط النفس في هيجان الغضب، وإذا قيل: إن العفو والحلم متقاربا المعنى، فلأن عدم المؤاخذة على الإساءة المسمى عفواً إنما يعد في مكارم الأخلاق متى صار طبيعة للنفس، وإذا صار طبيعة لها، سهل ضبطها عن هيجان الغضب، وكذلك ضبط النفس عن هيجان الغضب يعد في مكارم الأخلاق بالنظر لما يتبعه من عدم المؤاخذة على الإساءة، فأمر الرجل بأحد الوصفين: العفو والحلم، أو مدحه به، يغني في نظر علماء الأخلاق عن أمره أو مدحه بالآخر. والعفو الخالص: أن لا يؤاخذ الرجل بالإساءة، ولا يبقى له في نفسه أثر من غيظ، حتى يكون حاله في معاملة المسيء، وحبه له الخير، كحاله

стр. 417

لو لم يسئ إليه. أُمر ﵊ بالعفو، وإنما يعفو فيما يختص به من الحقوق؛ كأن يؤذيه شخص في مال، أو يسيء إليه بكلمة جافية لا تبلغ حد الكفر، وأما الإساءة فيما هو حق الله؛ كترك الصلاة أو الصيام، أو شرب الخمر، فلا يملك عنه إلا الله، قالت عائشة ﵂ فيما روي في الصحيح: "ما رأيت رسول الله ﷺ منتصراً من مظلمة ظلمها قط، ما لم تكن حرمة من محارم الله". وكان ﷺ المثال الأكمل في هذا الخلق العظيم، وشواهد هذا ثابتة في كتب السيرة والحديث. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾: اطلب لهم من الله المغفرة للذنوب المتعلقة بحقوقه تعالى، وأما الجنايات المتعلقة بحقوق العباد؛ من نحو: الجناية على مال شخص، أو بدنه، أو تناوله بغيبة، أو لمز، فأمر العفو عنها قد جعله الله في أيدي المجني عليهم، ووكله إلى رضاهم. فعفوه ﵊ عمن يسيء إليه، ودعاؤه لمن يقع في مخالفة أمر الله بالمغفرة، أوضحُ شاهد على أنه كان يحمل لأصحابه العطف الخالص، والشفقة التامة، وإذا رأينا في سيرته أنه كان يقيم الحدود، ويعاقب المعتدين على حق من حقوق الله، أو حقوق العباد، من غير لين، فلحفظ الدين، أو لإقامة العدل، أو لتقرير الأمن. ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: المشاورة في الأمر: المراجعة فيه لاستطلاع الرأي الصالح؛ أي:

стр. 418

راجعهم في الأمر لترى رأيهم فيه. والمراد من الأمر: ما يعرض من أمور الدنيا؛ من نحو: تدبير الحروب، وأما أمور الدين، فقد أغناه الله عن الشورى فيها بما ينزل عليه من الوحي، أو بالاجتهاد الذي ينظر فيه بنور الله إن قلنا: إنه كان ﵊ يجتهد في بعض الأحكام العملية. وهذه الآية قررت أصلاً عظيماً من أصول السياسة الرشيدة، وهو: أن لا يستبد ولي الأمر في تصريف الأمور دون أن يأخذ رأي أولي العلم، وقد قررت هذا الأصل بأبلغ وجه؛ إذ وجهت الأمر فيه إلى أكبر الناس عقلاً، وأعرفهم بطرق المصالح، وأقلهم حاجة إلى الاستعانة برأي غيره، وهو أكمل الخليقة - صلوات الله عليه -، فليس لأحد بعد هذا أن يتخيل أنه في غنى عن المشاورة بما أوتي من كمال العقل وسداد الرأي. وفي الشورى: استبانة الرأي الحق من بين آراء متعددة، وفيها: تطييب خواطر من يهمهم أن يدبر الأمر على بصيرة، وفيها: تأليف قلوبهم؛ بما في مراجعة ولي الأمر لهم من التنبيه على رفعة أقدارهم في نظره. وقد يتوهم الرجل: أن الاستشارة تنبئ عن الاحتياج إلى رأي غيره، فهي من علامات اعتقاده بضعف رأيه، والحقيقة أن الإنسان -وإن بلغ عقله الغاية- لا يستغني عن الاستعانة في مشكلات الأمور بآراء الرجال؛ إذ العقول قد تكون نافذة في ناحية من الأمر، واقفة عند الظاهر في ناحية أخرى منه، ولعلك لا تجد عقلاَّ فَي الناس ينفذ في كل ناحية وجهته إليها، ومن أدرك هذه الحقيقة، عرف يقيناً أن احتياج الإنسان إلى الاستشارة من مقتضيات الفطرة البشرية، ومن يجري على مقتضى الفطرة البشرية التي ليس في طاقته الخروج عنها إلا بعصمة من الله، لا يحق لأحد أن ينسبه إلى نقص. وإن

стр. 419

قلنا على وجه الفرض: إن احتياج الرجل إلى رأي غيره في بعض الأمور نقص، فإنا إذا وضعنا هذا النقص في كفة، ووضعنا الفوائد التي تحصل من الاستشارة في كفة، رجحت هذه الفوائد، وغطت على ذلك النقص، حتى كأنه ذهب، ولم يبق له عين ولا أثر. ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: العزم على الشيء: عقد الضمير على فعله، والتوكل على الله: الاعتماد عليه، والثقة به، والآية ظاهرة في أن التوكل يكون عند تعاطي الأسباب، فقد أمرت بالتوكل عند العزم على العمل، فهنالك عزم وعمل يقارنهما التوكل، وفي هذا رد على من يتوهم أن التوكل نفض اليد من الأسباب جملة، ومن أثر هذا التوهم: أن وجد في الأمة أشخاص يرضون بأن يكونوا عالة على الناس، وهم قادرون على أن يقوموا بمطالب حياتهم، ويعيشوا في عزة وكرامة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾: المحبة من الإنسان: ميل الطبع إلى الشيء، وهذا المعنى ممتنع في حق البارئ ﷻ , فإذا أضيفت المحبة إليه تعالى، فهي صفة ثابتة له تعالى لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف من آثارها: إيصال الخير إلى المحبوب، وحفظه في الدنيا، وإعلاء منزلته في الدار الباقية.

стр. 420

تَفْسِيرُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الأَنْفَالِ

стр. 421

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٦]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: وصف المخاطبين بالإيمان، وأورد الخطاب في صيغة النداء، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ ليقوي داعيتهم إلى امتثال ما أمرهم به بعد، فإنَّ وصفهم بالإيمان إيذان بأن فيهم ما يبعث على حسن الطاعة، وهو الإيمان الذين يستدعي إجلال الأمر، وخوف مقامه، أو رجاء أنعامه، وصيغة النداء تجعلهم كأنهم في حضرة رب العالمين، وهو يسمعهم شهادته لهم بالإيمان، ويدلهم على ما فيه حياة العزة والكرامة. وقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أمر من الاستجابة، وهي الإجابة والامتثال، وطاعة الرسول هي طاعة الله؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ

стр. 422

اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ولكنه أمر بها بعد الأمر بطاعة الله؛ للدلالة على وجوب طاعة الرسول فيما جاء به مما ليس في القرآن المجيد، وأكد هذا الأمر بإعادة حرف الجر مع حرف العطف، فقال: ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾، مع صحة أن يقال: "والرسول". والأمر بالاستجابة لله وللرسول يقتضي أن يقال: (إذا دعواكم) مسنداً إلى ضمير الاثنين، وإنما أفرد الضمير، فقال: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾؛ تنبيهاً على أن دعوة الرسول هي دعوة الله، فإسناد الدعوة إلى الرسول يغني عن إسنادها إلى الله، وإنما قلنا: إن الضمير في قوله: ﴿دَعَاكُمْ﴾ عائد إلى الرسول؛ لأن الرسول هو المباشر للدعوة، ولأنه أقرب مذكور في نظم الآية. وهذه الآية إحدى الشواهد الناطقة بأن حديث النبي ﷺ أحد طرق التشريع، وأنه كالكتاب في العمل بما يتضمنه من الأوامر والنواهي. وقد ضل قوم السبيل، فزعموا أن التشريع مقصور على القرآن الكريم، واطرحوا الأحاديث، وأملت عليهم الزندقة حديث: "ما أتاكم عني، فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله، فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله، لم أقله". قال يحيى بن معين: هذا الحديث وضعته الزنادقة، وقد عارض بعض أهل العلم هذا الحديث المصنوع بيد الزندقة، فقالوا: نحن عرضنا هذا الحديث على كتاب الله، فوجدناه مخالفاً لكتاب الله؛ إذ وجدنا كتاب الله يأمر بطاعة الرسول، ويحذر من المخالفة عن أمره في كل حال. وقوله تعالى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ يتعلق بقوله: ﴿دَعَاكُمْ﴾، والمعنى: أجيبوا الله والرسول إذا دعاكم الرسول لما يحييكم الحياة الطيبة في دنياكم وآخرتكم، وهي الطاعات، ولا ريب أن امتثال أوامر الدين واجتناب نواهيه،

стр. 423

يورثان الحياة الطيبة في الأولى والآخرة، ومما يحيى المؤمنين الحياة الطيبة: جهاد العدو المحارب، ذلك أن العدو إذا استولى على الأمة، قبض على زمام أمرها بيد غاشمة، وأقام بينها وبين القوة والعزة حواجز، فلا تعيش إلا في ضعف وذلة ونكد من العيش، وقتال العدو يدفع عنها هذه الكارثة، ويمكنها من أن تفوز بسلامة أعراضها وأموالها، وتتمتع بالحرية في إدارة شؤونها، وابتغاء وسائل رفعتها، وإقامة شعائر دينها، والتقاضي إلى أحكام شريعتها، وذلك عين الحياة الطيبة في الدنيا، ووسيلة الحياة الطيبة في الأخرى. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾: يحول: يحجز، والمعنى: أن الله يحول بين المرء ومقاصده؛ أي: إنه قد يفعل ذلك، وقال: ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ مكان بين المرء ومقاصده؛ لأن القدرة على الحيلولة بين المرء وقلبه تستلزم القدرة على الحيلولة بين المرء وكل مقصد يحضر قلبه، ويعقد عليه عزمه، وكذلك نرى المرء قد يريد خيراً أو شراً، ثم ينصرف عنه، نراه قد أراد خيراً، فيغضب، ويدفعه الغضب إلى أن يريد شراً، ونراه قد عزم على شر، فيرى حجة، أو يسمع موعظة، فيعود إلى إرادة الخير. فالآية تشعر المخاطبين بأنهم لا يملكون تنفيذ ما عزموا عليه إلا أن يأذن به الله، فإذا استجابوا لله وللرسول، فليس من حقهم أن ينسبوا الطاعة إلى أنفسهم كأنهم استقلوا بها من بدايتها إلى نهايتها، بل واجبهم أن يذكروا عند القيام بالطاعة فضل الله عليهم؛ إذ وفقهم لها، ولم يحل بينهم وبينها. أمرهم أن يعلموا أنه يملك قلوبهم التي هي مواطن إرادتهم، ثم أمرهم أن يعلموا أن مصيرهم إليه، فقال تعالى:

стр. 424

﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: أي: تبعثون، وفي هذا إعلام بأن أمرهم في كلتا الحياتين بيده، فلا يعملون في الدنيا عملاً إلا بإذنه، ولا يجزيهم على أعمالهم في الآخرة إلا هو. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾: الفتنة في أصل وضعها: الامتحان والاختبار، ووردت بمعنى: الكفر، والضلال، والمعصية، والعذاب، ويصح أن تفسر الفتنة في الآية بالمعصية. وإصابتها للظالمين وغيرهم، بمعنى: إصابة أثرها لهم، وهو ما تجره في الدنيا من شقاء وعذاب. والفتنة التي يعم وبالها مرتكبيها وغيرهم: ما كان من نحو إقرار المنكر، وتفرق الكلمة وإهمال التعليم الديني والقعود عن دفاع العدو، فإن شؤم عاقبة هذه المعاصي لا يخص الذين ظلموا، وهم المقرّون للمنكر، والعاملون لا نفصام عرا الاتحاد، والمهملون للتربية الدينية، والقاعدون عن الجهاد تكاسلاً، بل يتعداهم إلى غيرهم من نحو الأطفال والمستضعفين من الرجال والنساء، وهذه المعاصي تُسقط الأمم من عليائها، بل هي الطعنات النافذة في مقاتلها، فإقرار المنكر سبب كثرة الفسوق وانتشاره في البلاد، وانتشارُ الفسوق يفسد الأخلاق، ويذهب بالرجولة والغيرة على الكرامة، وإذا فسدت أخلاق القوم، وذهبت الرجولة من نفوسهم، انحدروا في خزي ودمار. وتفرق الكلمة سبب التخاذل، وعدم التعاون على فعل الخير ودفع السوء، وذلك ما يلقي بالأمة في بؤس وهوان، وترك تربية النشء تربية دينية يأتي بعواقب مشؤومة، وأي عاقبة أشأم من أن يتولى أمور الأمة ملاحدة

стр. 425

يسوسونها على ما توحيه إليهم أهواؤهم، ويعطلون ما استطاعوا أحكام شريعتها، والقعودُ عن الدفاع سبب وقوع الأمة بأجمعها تحت سلطان عدو يذيقها من عذاب الهون ما تؤثر من أجله الموت على الحياة. ويصح أن تفسر الفتنة في الآية بما تأتي به تلك المعاصي من وبال؛ كولاية الفجار التي يأتي بها إهمال التربية الدينية، وكقهر العدو للأمة الذي يأتي به ترك إعداد القوة، أو القعود عن الدفاع، واتقاءُ الفتنة على هذا الوجه يحصل باتقاء أسبابها. ولا يشكل علينا عموم الفتنة، وإصابتها للظالمين وغيرهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]؛ فإن مورد هاتين الآيتين عقاب الآخرة، ويلحق به عقوبات الجنايات في الدنيا، فهذان العقابان لا يتجاوزان المسيء إلى البريء، وأما الآية التي نحن بصدد تفسيرها ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾، فموردها البلاء الدنيوي الذي جرت سنة الله بحلوله عقب تلك المعاصي ذات الآثار المشؤومة. روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أنزل الله بقوم عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم". أمر باتقاء الفتن التي يمتد لهبها إلى الأبرياء، وكد التحذير منها بوعيد شديد، فقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: ففي قوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إيذان بأن واضع يده في مثال هذه الفتن يجازيه الله عليها بالعقاب الشديد في الآخرة، وإن أدركه شؤم عاقبتها في الدنيا. قال تعالى:
следующие страницы →