الدين وانتحال الشعر
أتى المؤلف في صدر الفصل على أن العواطف والمنافع الدينية، ليست أقل من العواطف والمنافع السياسية أثراً في تكلف الشعر وانتحاله، وإضافته إلى الجاهليين، وزعم أن هذا الانتحال المتأثر بالدين ربما ارتقى إلى أيام الخلفاء الراشدين.
ثم قاد في (ص ٦٩): "ولو أن لدينا من سعة الوقت وفراغ البال ما يحتاج إليه هذا الموضوع، للهونا وألهينا القارئ بنوع من البحث لا يخلو من فائدة علمية أدبية قيمة، وهو أن نضع تاريخًا لهذا الانتحال المتأثر بالدين".
رأيتم المؤلف كيف عقد فصلاً تحت عنوان: "السياسة وانتحال الشعر"، ولم يستطع أن يسوق في ذلك الفصل الطويل شعرًاا نتحل لدل سياسي، وأضيف إلى الجاهليين، وها هو ذا يعقد فصلاً آخر تحت عنوان: "الدين وانتحال الشعر"، ثم لا تجدونه يضرب لكم مثلاً صحيحاً فوق ما عرفتموه من ضروب الشعر التي تحدث عنها الأقدمون.
يقول المؤلف: ربما ارتقى عصر الانتحال المتأثر بالدين إلى أيام الخلفاء الراشدين. ولعل القراء يتيقنون حرص المؤلف على تشويه سمعة العرب لعهد أولئك الخلفاء بوجه خاص، فلا يفوتهم أنه لو لمست يده شعراً انتحل لذلك العهد، لطار به فرحًا، وكتبه كما كتب عنوان الفصل بأحرف ممتازة.
стр. 3607
وحشوُه هذا الفصلَ بما تقرؤونه من لهوالحديث، دليل على أنه لو ملك من سعة الوقت وفراغ البال أكثر من هذا الذي يملك، لم يزد على أن يلهو أو يلهي القراء بنوع من البحث لا يخرج عن هذه الدعاية المتصلة بالمعمل الذي خرج منه "ذيل مقالة في الإسلام دا، ثم لا يخلو من تحريف حقائق تاريخية، أو أدبية قيمة.
أنكر المؤلف في (ص ٦٩) كل ما يروى من الشعر الذي قيل في الجاهلية ممهدًا للبعثة النبوية، وكل ما يتصل به من الأخبار، وزعم أنها "تروى لتقنع العامة بأن علماء العرب وكهانهم، وأحبار اليهود ورهبان النصارى كانوا ينتظرون بعثة نبي عربي يخرج من قريش أو من مكة".
كان لحماة حقائق الإسلام في المناظرة موقفان: موقف مع المخالفين، وهؤلاء إنما كانوا يناضلونهم في أصول العقائد، ويحاكمونهم إلى النظر والحجج العقلية البحتة. وموقف مع موافقيهم في الأصول، ومناظرة هؤلاء إنما تكون في ظل تلك الأصول، فتجري المناظرة في نظام، وتنتهي في الغالب بسلام.
وقد خرج في هذا العصر طائفة يقولون بأفواههم: إنهم مسلمون بقلوبهم، جاحدون بعقولهم، فإذا أنكروا رواية، أو فرعًا يتصل بالدين، لا تدري أتحاصرهم تحت ظل الأصول المقررة، أم ترجع بهم إلى النظر الصرف، وتعود بهم إلى البحث في الإيمان بالله وكتبه ورسله؟.
ينكر المؤلف كل ما يروى من الشعر والأخبار الممهدة للبعثة النبوية، وإنكارها على هذا الوجه إنما تسمعه ممن ربط قلبه على نفي النبوة، إذ ليس من المحتمل عنده أن يقال فيها شعر، أو يرد عنها خبر قبل أن يدعيها صاحبها.
стр. 3608
أما الذين يعتقدون بأن نبوة أفضل الخليقة حق، فمن الجائز عندهم أن يسبقها شعر، أو خبر يتصل بها، وشأنهم أن يفحصوا ما يرد في هذا الصدد، ويضعونه بمنزلته من الوضع أو الضعف أو الصحة، وكذلك فعل علماء الإسلام، فحكموا على جانب مما كان من هذا القبيل بالوضع؛ كالأخبار والأشعار المعزوّة إلى قس بن ساعدة.
* شياطين الشعراء:
قال المؤلف في (ص ٧٠): "فقد يظهر أن الأمة العربية لم تكن أمة من الناس الذين ينتسبون إلى آدم ليس غير، وإنما كان لإزاء هذه الأمة الإنسية أمة أخرى من الجن كانت تحيا حياة الأمة الإِنسية، وتخضع لما تخضع له من المؤثرات، وتحس مثلما تحس، وتتوقع مثلما تتوقع، وكانت تقول الشعر، وكان شعرها أجود من شعر الانس، فأنت تعرف قصة عبيد وهبيد، وأنت تعرف أن الأعراب والرواة قد لهوا بعد الإِسلام بتسمية الشياطين الذين كانوا يلهمون الشعراء قبل النبوة وبعدها".
ينقل الرواة ومن يكتبون في الأدب العربي أن الشعراء في الجاهلية يقولون، أو يقال عليهم: إن لهم قرناء من الجن يلهمونهم الشعر. وممن روى هذا: الجاحظ، وسمّاه زعماً، فقال في "كتاب الحيوان" (١): "يزعمون أن مع كل فحل من الشعراء شيطاناً يقول ذلك الفحل على لسانه الشعر، ويقولون: اسم شيطان المخبل عمرو، واسم شيطان الأعشى مسحَل (٢) "،
стр. 3609
ونقل عن أبي إسحاق النظام كلاماً في أصل هذا الزعم ومنشئه، حتى قال: "ومما زادهم في هذا الباب، وأغراهم به، ومدّ لهم فيه: أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابياً مثلهم، صالا غبيًا لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يوجب التكذيب أو التصديق أو الشك، ولم يسلك سبيل التوقف والتثبت في هذه الأجناس قط، وأما أن يلقوا راوية شعر، أو صاحب خبر، فالرواة عندهم كلما كان الأعرابي أكذب في شعره، كان أظرف عندهم، وصارت روايته أغلب، ومضاحيك حديثه أكثر".
وممن تعرض لهذا من الكتاب المتقدمين على المؤلف: جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية"، فقال: "كان العرب يعتقدون أن لكل شاعر شيطاناً يوحي إليه المعاني، حتى لقد يتوهم الشاعر منهم أنه رأى شيطانه، وخاطبه، وأوحى إليه". وقال: "ومن غريب اعتقادهم في شياطين الشعراء: أن للشعر شيطانين، يدعى أحدهما: الهوبر، والآخر: الهوجل، فمن انفرد به الهوبر، جاد شعره، وصحّ كلامه. ومن انفرد به الهوجل، فسد شعره. وزاد ادعاؤهم ذلك حتى سموا شيطان كل شاعر باسم خاص به، فكان شيطان الأعشى يسمّى مسحل".
وتعرض لهذا أيضاً الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتاب "آداب لغة العرب"؛ إذ عقد فصلاً في شعر الجن، فقال: "والقصاصون إنما قلدوا في ذلك الأعراب أيضاً، وذهبوا مذاهبهم، فللأعراب شعر كثير يزعمونه للجن، ويعقدون له الأخبار، وقد تناقله عنهم الرواة، وتظرفوا به في الأحاديث، وأمثلته كثيرة".
فمزاعم بعض الناس لرؤية الجن، وتلقيهم الأشعار عنهم، مما كتب
стр. 3610
فيه القدماء والمحدثون، وهذا عبد القادر البغدادي صاحب "خزانة الأدب" تكلم عن قصيدة:
أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ ... فقالوا: الجن، قلت: عموا ظلاما
وقصيدة:
أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ ... فقالوا: الجن، قلت: عموا صباحا
وقال: الأولى نسبت إلى سمير بن الحارث الضبي، والثانية منسوبة إلى جذع بن سنان الغساني، ثم قال: "وكلا الشعرين كذوبة من أكاذيب العرب".
فلم يكن المؤلف هو الذي عقل بطلان ما يزعم من أن للشعراء شياطين يلهمونهم الشعر، بل نبه عليه أناس من قبل أن يخلق (ديكارت)، ويوضع منهج (ديكارت). إذاً، لا تعد هذه النظرية في حساب ما وصل المؤلف إلى استطلاعه على منهج (ديكارت).
* وجود الجن حقيقة:
قال المؤلف في (ص ٧٠): "وفي القرآن سورة تسمى: "سورة الجن"، أنبأت بأن الجن استمعوا للنبي وهو يتلو القرآن، فلانت قلوبهم، وًامنوا بالله ورسوله، وعادوا فأنذروا قومهم، ودعوهم إلى الدين الجديد، وهذه السورة تنبئ أيضاً بأن الجن كانوا يصعدون في السماء يسترقون السمع، ثم يهبطون وقد ألموا إلمامًا يختلف قوة وضعفاً بأسرار الغيب، فلما قارب زمن النبوة، حيل بينهم ويين استراق السمع، فرجموا بهذه الشهب، وانقطعت أخبار السماء عن أهل الأرض".
стр. 3611
وجود الجن حقيقة دلت عليها الآيات المحكمات، وليس في استطاعة من لا يؤمن بهذه الآيات أن يقيم دليلأ على نفيهم، ولو أصبحت عقليته غربية بحتة! وبُعث (ديكارت)، فابتدع له منهجًا أقرب من هذا المنهج وأجلى.
إن العقل وحده لا يستطيع أن يثبت كائناً يقال له الجن، كما أنه لا يستطيع نفيه بحجة، فوجود هذا الكائن خارج في نفسه عن حد الواجب والممتنع، وماذا بعد الواجب والممتنع إلا الإمكان؟ وما كان من قبيل الممكن في نفسه قد يدل على تحققه ما قام البرهان على صدقه، وهل بعد نبوة محمد ﵊ من برهان؟! وإن شئت مزيد غَوص في هذه النظرية، فإليك السبيل:
إن للعلم الذي يعبر عنه باليقين معنيين:
أحدهما: ما ثبت على وجه لا يجيز العقل خلافه، ولو في صورة الاحتمال المجرد؛ كالاعتقاد بأن الكل أكبر من الجزء، وأن لهذا العالم صانعاً حكيماً. فكل ما يتهافت من الاحتمالات المخالفة لهذا الاعتقاد يجد من الدلائل النظرية ما يطرده، ولا يبقي له في ساحة التعقل باقية.
ثانيهما: اعتقاد بأمر لا يقوم في جانب خلافه احتمال يستند إلى مأخذ دليل أو أمارة، ولكن الاحتمالات المجردة عن المقتضيات ليس للعقل قوة على دفعها. وتجرد الاحتمال المقابل للمعلوم من الدلائل والأمارات لا يكفي في امتناع وقوعه، وجعل هذا المعلوم أمراً لا يتحول أو يطرأ عليها تغيير، بل لا بد من إقامة دليل خاص على أن هذا الأمر المعلوم أمر حتم، وأن خلافه ضرب من المحال الذي لا تتصور العقول وقوعه بوجه. واليقين بالنظريات
стр. 3612
التجريبية لا يخرج عن هذا النوع الذي لا يرتفع عنه إمكان التغيير، بل قد تغيره يد الإبداع عند ما تريد إقامة المعجزة على سنّة غير مألوفة.
أتى على الإنسان حين من الدهر، وهو يعتقد أن الضياء الساطع في ظلام الليل لا يكون إلا من طلعة القمر، أو من لهب النار، فإذا آنس تحت جناح الليل نوراً يتألق بمكان بعيد، لم يرتب في أنه بهرة قمر، أو شعلة نار، وهذا الاعتقاد لا يبلغ في اليقين درجة اعتقاده بأن العرض؛ كالحمرة والبياض لا يستقل بنفسه، فإن هذا الاعتقاد الأخير مبني على أن ماهية العرض تقتضي بطبيعتها ألّا تبرز إلى الخارج إلا في محل وهو الجرم، فيدرك العقل بالضرورة أن البياض أو السواد لا ينفرد عن المادة، ويقضي بذلك قضاء لا يحوم حوله احتمال، وأما يقينه بأن ذلك الضياء نار أو قمر، فقائم على التجربة فقط، فلا يخلو من احتمال أن يكون الضوء غير قمر أو نار، إلا أنه احتمال لم يكن له في العهد المتقدم وجه من النظر حتى يحل من اليقين الذي عقدته التجربة، وقد أصبح ذلك الاحتمال اليوم متحققاً في العيان حيث انضم إلى القمر والنار عنصر من عناصر الإنارة، وهي الكهرباء.
فلو لم يخترع الفيلسوف التنوير بالنار، وكان فيما نقل من معجزات الرسل إنارة بعض الأجرام من غير أن تمسه النار، لقال الذين في قلوبهم مرض: إن الإنارة إنما تنشأ عن لهب النار، ولا سبيل إلى تحقق الأثر متى فقد سببه.
زعم بعض المرتابين في المعجزات: أن قطع المسافة البعيدة كما بين المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة أمر لا يحتمله الإمكان، ولا يتقبله العقل، ولو ناظرتهم في وجه الامتناع عقلاً، لم يكن منهم سوى
стр. 3613
أن يحيلوك على المشاهدة، ويقولوا: إنا نرى أن أسرع الأجسام تنقلاً يقضي في قطع تلك المسافة ليالي وأيامًا. وهذا الأمر الذي كانوا يذكرونه بوصف المحال قد كشف العلم الصحيح عن إمكانه، وأخرجه للناس في جملة الكائنات المبصرة. وإذا تمكن المخلوق باختراع الطيارة أن يجعلك تقطع المسافة البعيدة في مدة وجيزة، فماذا يكون شأن قدرة الخالق التي هي أبدع تقديراً، وأحكم صنعاً؟!.
وكان أشباه الفلاسفة يعتقدون أن الوزن من خصائص ما يوصف بالخفة والثقل من الأجسام، وقالوا: لا نفهم لوزن الأعراض معنى؛ إذ ليس من المعقول تناولها من معروضاتها، ووضعها في كفة ترتفع تارة، وتنخفض مرة أخرى، وما راعهم إلا أن صنع الفيلسوف ميزان الحرارة والبرودة، وأراهم أن وزن الأعراض من قبيل الممكنات، وأن للوزن طرقاً غير ما تعرفه الباعة في الأسواق.
يهون علينا أن يقف عبّاد الطبيعة موقف المطالب ببرهان على وجود الخالق، أو إثبات الرسالة، ولكن الذي يثير العجب في نفوسنا، ويحشرهم في زمرة المستضعفين من الرجال والولدان، أن يخرجوا في زي الفلاسفة، ويمسحوا ألسنتهم بطلاء من المنطق، ثم لا يلبثوا أن يصفوا كل ما لا تناله حواسهم بكونه محالًا، ويزعموا أن صدر الفلسفة يضيق عن احتماله، كأن دائرة الإمكان والفلسفة لا تسع إلا ما يرد إليها من طريق الحس والتجربة.
كشف فيلسوف هذا العصر الغطاء عن كعير من الحقائق التي كانت أذناب الفلاسفة تعجل إلى إنكارها، ولا تبالي أن تلقبه باسم ما لا يكون.
ولو قال النبي ﵊: إن في هذا الماء الذي
стр. 3614
تشربون حيواناً يذهب ويجيء، وولد هذا المؤلف قبل اختيل المرآة المكبرة "مكرسكوب"، لقال في كتابه هذا: فقد يظهر أن الماء العربي لم يكن من المياه التي تشرب في البلاد الأخرى ليس غير، وإنما كان بإزاء هذا الماء النقي من كل شيء ماء يحمل حيواناً يذهب ويجيء، ويطفو ويرسب، تفتح فيه الأبصار ولا تراه، وتلمسه اليد ولا تحس به، وتصغي إليه الأذن فلا تسمع له حسيساً!.
يعتقد كل مسلم بحقيقة الجن، وينادي كثير من أهل العلم بانكار رؤيتهم، إلا أن تكون معجزة لرسول، قال ابن حزم في كتاب "الفصل" (١): "فمن ادعى أنه يراهم أو رآهم، فهو كاذب، إلا أن يكون من الأنبياء- ﵈، فذلك معجزة لهم".
* حديث القرآن عن الجن:
قال المؤلف في (ص ٧٠): "فلم يكد القصّاص والرواة يقرؤون هذه السورة وما يشبهها من الآيات التي فيها حديث عن الجن، حتى ذهبوا في تأويلها كل مذهب، واستغلوها استغلالًا لا حد له، وأنطقوا الجن بضروب من الشعر، وفنون من السجع".
كتب الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في هذا المعنى حين قال: "والغرائب من هذا النمط كثيرة، وما نراها استفاضت في الإسلام إلا بعد ما ذكره جهلة المفسرين وأهل القصص ممن تكلموا في تفسير ما ورد في القرآن الكريم من الإشارة إلى الجن، أو ما جاء من ذلك في الحديث الشريف" (٢).
стр. 3615
* أشعار الجن ؟
قال المؤلف في (ص ٧١): "وكذلك قالت الجن شعراً رثت فيه عمر ابن الخطاب:
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاه بأسوق
إلخ الأبيات الخمسة ...
والعجب أن أصحاب الروالِات مقتنعون بأن هذا الكلام من شعر الجن، وهم يتحدثون في شيء من الإنكار والسخرية بأن الناس قد أضافوا هذا الشعر إلى الشمّاخ بن ضرار".
هذا الشعر نسبه ابن سلام إلى جزء بن ضرار، فقال فىِ "الطبقات" (١): "وجزء هو الذي يقول يرثي عمر بن الخطاب:
"جزى الله خيراً من أمير وباركت".
ويقول ابن قتيبة في كتاب "الشعر والشعراء" (٢): "وجزء الذي يقول في عمر بن الخطاب:
عليك سلام من أمير وباركتْ ... يد الله في ذاك الأديم الممزقّ
وقال ابن دريد في كتاب "الاشتقاق" (٣): "وجزء هو الذي رثى عمر بن الخطاب بالأبيات التي يقول فيها: "عليك سلام من أمير وباركت ... إلخ".
وقال صاحب "ديوان الحماسة": "وقال الشمّاخ يرثىِ سيدنا عمر بن
стр. 3616
الخطاب"، وأورد هذا الشعر، قال شارحه التبريزي: "وقال أبو رياش: الذي عندي أنه لمزرد أخيه، وقال أبو محمد الأعرابي: هو لجزء بن ضرار".
فأولئك علماء الأدب يعزون الأبيات إلى جزء، أو مزرد، أو الشمّاخ، ولا يتعرضون لعزوها إلى الجن، فضلاً عن أن يتهكموا بمن يعزوها إلى الشمّاخ، وصاحب "الأغاني" عزاها إلى جزء بن ضرار، ثم ذكر الرواية التي تقول: إنها من نوح الجن على ابن الخطاب، ولم يتحدث في شيء من السخرية بأن الناس أضافوها إلى الشمّاخ.
فلو لم يكن للمؤلف مأرب غير البحث في العلم، لما رأيته يقبض على الروايات الواهية، وينسبها إلى أصحاب الروايات كأنها الأمر الذي انتهى إليه بحثهم، وتواردت عليه كلمتهم.
* النبي ﷺ مكتوب في التوراة والإنجيل:
ذكر المؤلف: أن القصّاص والمنتحلين اعتمدوا على القرآن فيما رووا وانتحلوا من الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلى الأحبار والرهبان. ثم قال في (ص ٧٢): "فالقرآن يحدثنا بأن اليهود والنصارى يجدون النبي مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وإذن، فيجب أن تخترع القصص والأساطير، وما يتصل بها من الشعر؛ ليثبت أن المخلصين من الأحبار والرهبان كانوا يتوقعون بعثة النبي، ويدعون الناس إلى الإيمان به، حتى قبل أن يظل الناس زمانه".
نبَّأ الكتاب المنزّل أن النبي ﵊ مكتوب في التوراة والإنجيل، ويصدق بهذا النبأ من ألقى نظره في دلائل النبوة حتى امتلأت نفسه يقينًا بأن هذا القرآن بلاع للناس، وقد درست طائفة مستنيرة التوراة والإنجيل،
стр. 3617
وأتوا منهما بنصوص لا تأويل لها إلا هذا النبي الذي قلب ليل الجهالة والغواية نهار حكمة وهداية. ومن أقرب هؤلاء الباحثين عهداً: الدكتور محمد توفيق صدقي فقد تناول هذا البحث في كتاب "دين الله في كتب أنبيائه" (١)، وكتاب "نظرة في كتب العهد الجديد" (٢).
أما ما زاد على القرآن من الآثار الواردة في هذا الصدد، فمنها ما هو أسطورة، ومنها ما هو قصص واهية، ومنها ما جاءت به رواية قائمة، وإن استطاع المؤلف أن يسلك إلى الطعن في أمثال هذه الرواية سيرة علمية، فدونه وإياها، فإن للنبوة آيات أخرى لا تنالها أيدي الطاعنين.
* محمد ﷺ صفوة الإنسانية:
قال المؤلف في (ص ٧٢): "فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي، وأن تكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية".
يرسل المؤلف قلمه على الحقائق، فيخمش وجوهها، ويضريه على أعاظم الرجال، فينال من أعراضها، وقد اشتد به هذا الخلق حتى أصبح الناس يعدون إنحاءه على مقام بالعيب أمارة على رفعته، وكادوا يجعلون ثناءه على الشخص داعياً إلى الريبة في سيرته.
стр. 3618
ألا ترون إلى ذلك القلم كيف تطوح به الغرور إلى أن يحوم على مقام أكمل الخليقة، فيقذف نحوه بما تملي عليه تلك الروح النازعة إلى غير هدى؟!.
قنع الناس بأن محمداً - صلوات الله عليه - صفوة بني هاشم، بل صفوة الإنسانية؛ لأن صحيفة حياته أباع صحيفة طويت بوفاة صاحبها، ولأن ما جرى على يده ولسانه من حكمة وإصلاح، لم يأت بمثله إنسان تقدمه، أو إنسان جاء من بعده.
ويرى الناس أن بني هاشم صفوة قريش، وأن قريشاً صفوة كنانة، وأن كنانة صفوة ولد إسماعيل، وقنعوا بهذا؛ للحديث المروي في "صحيح الإمام مسلم"، والمسموع من أصدق الناس لهجة، وهو: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
فلو وجه المؤلف غمزه إلى المفاضلة بين بني هاشم ومن بعدهم، لقلنا: أنكر حديثاً، ولم نؤاخذه إلا على مهاجمة الحديث بالإنكار المجرد من البحث العلمي مثلما يهاجمه الصم الذين لا يعقلون، ولكنه لم يقنع بأن ينكر حديثاً في "صحيح مسلم"، ولم يشف ظمأه أن يرمي ساحة القرآن بالكذب، فجعل يضع غمزه في عقيدة أن النبي ﵊ صفوة بني هاشم. وحرصُه على بثّ هذه المغامز في كتابه -دون أن تكون لها صلة بالبحث العلمي- شاهد على أنه يكتب تحت تأثير عاطفة، تريد الانتقام من الإسلام الذي قضى على العقيدة الخاسرة، والشهوة الباغية، وجعل مكان الغي رشداً، وبدل السفه أدباً.
стр. 3619
* انتحال البطون القرشية للأخبار والأشعار:
تحدث المؤلف بأن القصّاص يضيفون إلى أسرة النبي- ﵊ ما يرفع شأنهم، ويثبت تفوقهم على قومهم، وعلى العرب. وأن هذا القصص يستتبع الشعر، وأتى على أن التنافس كان يشتد بين بني أمية وبني هاشم، وأن الخصومة بين قصاص هذين الحزبين كانت تشتد، وأن الروايات والأخبار والأشعار كان تكثر، وذكر أن هذا الأمر لا يقتصر على بني أمية وبني هاشم، بل تشاركهم فيه الارستقراطية القرشية كلها.
ثم قال في (ص ٧٣): "وإذن، فالبطون القرشية على اختلافها تنتحل الأخبار والأشعار، وتغري القصاص وغير القصاص بانتحالها".
يمرّ القاريء الملمّ بصناعة المنطق على هذه الجملة، فيقع في ظنه أن المؤلف استخلصها كالنتيجة من مقدمات سابقة، فيرجع البصر فيما تقدمها من حديث، فلا يظفر- ولو بشاهد- على أن البطون القرشية على اختلافها انتحلت الأخبار والأشعار، وأغرت القصاص وغير القصاص بانتحالها.
هل عدّ المؤلف بطون قريش بطناً فبطناً، وضرب لكل بطن مثلاً يرينا كيف انتحل خبراً، أو شعراً، أو أغرى القصّاص وغير القضاص بانتحاله؟ هل جاء المؤلف برواية تثبت أن بطون قريش على اختلافها تنتحل الأخبار والأشعار، وتغري القصّاص وغير القصّاص بانتحالها؟.
لم يفعل المؤلف هذا ولا ذاك، إذن، هذه العبارة الواسعة إنما هي دعوى أخرجها في صورة نتيجة، وما هي بنتيجة.
* قصة أبي بكر بن عبد الرحمن:
قال المؤلف في (ص ٧٤): "ولست في حاجة إلى أن أضرب لك
стр. 3620
الأمثال، فأنت تستطيع أن تنظر في "سيرة ابن هشام" وغيرها من كتب السير والتاريخ، لترى من هذا كله الشيء الكثير. وأن أضرب لك مثلاً واحداً يوضح ما ذهبت إليه من أن بطون قريش كانت تحث على انتحال الشعر منافسة للأسرة المالكة، أموية كانت أو هاشمية". وذكر هذا المثل، فقال: "تحدث صاحب "الأغاني" بإسناد له عن عبد العزيز بن أبي نهشل، قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - وجئته أطلب منه مغرماً-: يا خال! هذه أربعة آلاف درهم، وأنشد هذه الأبيات الأربعة، وقل: سمعت حساناً ينشدها رسول الله ﷺ ".
وساق المؤلف القصة المعروفة في "الأغاني" (١)، وهي تنتهي بأن أبا بكر قال لعبد العزيز بن أبي نهشل: قل أبياتاً تمدح بها هشاماً -يعني: ابن المغيرة-، وبني أمية، فقال الأبيات العشرة المبدوءة ببيت:
ألا لله قوم و ... لدت أخت بني سهم
ولما جاءه بها، قال له أبو بكر: قل: قالها ابن الزبعرى، قال: فهي الآن منسوبة في كتب الناس إلى ابن الزبعرى.
سرد المؤلف القصة، وقال: "فانظر إلى (أبي بكر بن) (٢) عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، كيف أراد صاحبه على أن يكذب، وينتحل الشعر على حسان، ثم لا يكفيه هذا الانتحال حتى يذيع صاحبه: أنه سمع حساناً ينشد هذا الشعر بين يدي النبي، كل ذلك بأربعة آلاف درهم". ثم قال: "فيتفقان آخر الأمر على أن ينحل الشعر عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش.
стр. 3621
ومثل هذا كثير".
إذا عثر المؤلف على قصة مصوغة في مثال رغبته، نسي (ديكارت)، ولعن منهج (ديكارت)، وًاخذ يحدثك بها حديث من شهدها بأذن تسمع، وقلب يفقه، ويد تلمس، وانطلق يبني عليها، وشمتنبط منها حتى يرضى.
القصيدة منسوبة في كتب الناس إلى عبد الله بن الزبعرى، ونقل صاحب "الأغاني" بسنده إلى محمد بن طلحة: أن عمر بن أبي ربيعة قائلها (١)، ونقل بسنده أيضاً عن (عبد العزيز بن أبي نهشل) أنه هو الذي قالها، وعزا إلى أبي بكر بن عبد الرحمن ما عزا.
ما وقف المؤلف على قصة أبي بكر هذا ومن يسميه (عبد العزيز بن أبي نهشل) حتى اعتنقها باليمين والشمال، وضمها إلى أشباهها مطوية على تحريفها الذي وقعت فيه نسخة "الأغاني"، وكذلك يفعل من يحاول التطاول على أمة جعل الله منزلتها فوق السماكين.
هل وجد أستاذ الآداب بالجامعة في غير هذه النسخة من الأغاني أن في الشعراء من يسمى (عبد العزيز بن أبي نهشل)؟ هو لا يعرف شيئاً عن هذا الذي يسميه (عبد العزيز بن أبي نهشل) سوى أن في نسخة "الأغاني" التي وقعت بين يديه أن صاحب هذا الاسم حكى قصة تحط من شأن أبي بكر بن عبد الرحمن، وتشتمل على انتحال شعر، وعزوه إلى ابن الزبعرى.
ورد في سند هذه القصة من كتاب "الأغاني" ما نصه: "عن عبد العزيز ابن أبي ثابت، عن محمد بن عبد العزيز بن أبي نهشل، عن أبيه ... إلخ"،
стр. 3622
ففهم المؤلف أن محمد بن عبد العزيز روى عن أبيه عبد العزيز بن أبي نهشل: أنه قال له أبو بكر بن عبد الرحمن: يا خال! هذه أربعة آلاف ... إلخ.
ولو كانت القصة ثابتة على هذا المساق، لكان في الشعراء من يسمى: عبد العزيز بن أبي نهشل؛ وفي الصحابة من يسمى بهذا الاسم أيضاً، ولكنك تبحث دواوين الشعر وكتب الأدب، فلا تجد شاعراً يسمى (عبد العزيز بن أبي نهشل)، وتفحص الكتب المبسوطة في إحصاء أسماء الصحابة واستقصاء آثارهم، فلا تجد صحابياً يسمّى: عبد العزيز بن أبي نهشل. وأصل العبارة في نسخ مخطوطة (١): "عن محمد بن عبد العزيز، عن ابن أبي نهشل، عن أبيه"، وكذلك جاءت في نسخة "الأغاني" التي نقل منها المؤلف، حين أعاد صاحب "الأغاني" الحديث عن القصة في (ص ٣١) بسند آخر ينتهي أيضاً إلى محمد بن عبد العزيز، عن ابن أبي نهشل.
وإذا وضعنا هذه القصة وسندها على محكّ النقد، اعترضنا في قبولها أمران:
أولهما: أن السند يدور على عبد العزيز بن عمران، وهو ابن أبي ثابت، وقد توارد أهل العلم على الطعن في روايته. قال يحيى بن معين في شأنه: "ليس بثقة، إنما كان صاحب شعر، ورأيته ببغداد، كان يشتم الناس، ويطعن في أحسابهم، ليس حديثه بشيء". وقال الحافظ أبو يحيى الذهلي: "عليّ بدنة (٢) إن حدثت عنه حديثاً"، وضغفه جداً. وقال البخاري: "منكر الحديث،
стр. 3623
لا يكتب حديثه". وقال ابن أبي حاتم: "امتنع أبو زرعة من قراءة حديثه، وترك الرواية عنه". وقال ابن حبان: "يروي المناكير على المشاهير".
فشهادة هؤلاء الأعلام بعدم الثقة بما يرويه عبد العزيز بن أبي ثابت من الحديث، تجعلنا في ريبة من هذه القصة التي تخالف ما في كتب الناس.
ثانيهما: أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث كان من سادات التابعين، وأحد الفقهاء السبعة المشار إليهم بالعلم والتقوى، وقد تضافرت كلمة أهل الحديث والمؤرخين على وصفه باستقامة السيرة، ولم يمسه قلم أحد بسوء، وكان لكثرة صيامه وصلاته يسمّى: راهب قريش، وكان عبد الملك ابن مروان يكرمه، ويقول: إني لأهم بالسوء أفعله باهل المدينة، فأذكر أبا بكر، فاستحيي منه.
فشهرة أبي بكر بالعلم والاستقامة إلى هذه المنزلة، تبعدنا من قبول قصة ترميه بمحاولة شاعر على أن يحدِّث عن رسول الله ﷺ كذباً. بل المظنون في رجل كأبي بكر بن عبد الرحمن أن يترفع عن هذه السخافة البادية في القصة، ويستغني عن فخر الجاهلية بما آتاه الله من علم وتقوى، وحسب وجاه.
وإذا جاءت رواية على خلاف ما في كتب الناس، وكان الراوي غير ثقة، وكانت سيرة هذا الذي تحدث عنه الراوي المتهم بعيدة عن وصمة ما ينسب إليه، لم يبق لهذه الرواية الشاذة إلا أن تسقط غير مأسوف عليها.
* الشعر المنسوب لآدم ﵇ -:
ذكر المؤلف: أن من تأثير الدين في انتحال الشعر: ما يضيفه الرواة إلى أخبار الأمم القديمة؛ كعاد وثمود، وقال: إن ابن سلام قد كفاه نقده
стр. 3624
حين أثبت أن هذا وما يشبهه مما يضاف إلى تبع وحمير موضوع منتحل.
ثم قال في (عى ٧٦): "وابن إسحاق، ومن إليه من أصحاب القصص لا يكتفون بالشعر يضيفونه إلى عاد وثمود وتبع وحمير، وإنما هم يضيفون الشعر إلى آدم نفسه، فهم يزعمون أنه رثى هابيل حين قتله أخوه قابيل. ونظن من الإطالة والإِملال أن نقف عند هذا النحو من السخف".
هذا الشعر الذي ينسب إلى آدم ﵇ قد أنكره كثير من أهل العلم. فهذا صاحب الكشاف يقول في شأنه: "هو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون". وقال الرازي: "ولقد صدق صاحب "الكشاف" فيما قاله؛ فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة، لا يليق إلا بالحمقى". وأورد هذا الشعر سبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان"، وقال: "هذا ما ذكره الثعلبي، وهو شعر ركيك مزحوف، وقد أنكر ابن عباس هذا الشعر، وقال: من قال: إن آدم قال شعراً، فقد كذب على الله ورسوله". وإذا كان علماء الأدب والتفسير قد نبهوا على أن الشعر المضاف إلى آدم وعاد وثمود وتبع وحمير منحول مصطنع، فلا مزية للمؤلف في حديثه هذا إلا أنه ساق الكلام في صورة تضع في نفس القارئ أن شعرآدم لم يتعرض لإنكاره أحد من قبله.
* الاستشهاد على القرآن بالشعر:
عاد المؤلف إلى الحديث عن الشعر الذي يستشهد به الرواة والمفسرون على ألفاظ القرآن ومعانيه.
حتى قال: "فحرصوا على أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب، يثبت أن هذه الكلمة القرآنية عربية، لا سبيل إلى الشك في عربيتها".
стр. 3625
وقال في (ص ٧٧): "وإنما نعيد شيئاً واحداً، وهو أننا نعتقد أنه إذا كان هناك نص عربي لا تقبل لغته شكاً ولا ريبًا، وهو لذلك أوثق مصدر للغة العربية، فهو القرآن. وبنصوص القرآن وألفاظه يجب أن يستشهد على صحة ما يسمونه الشعر الجاهلي، بدل أن نستشهد بهذا الشعر على نصوص القرآن. ولست أفهم كيف يتسرب الشك إلى عالم جاد في عربية القرآن واستقامة ألفاظه وأساليبه ونظمه على ما عرف العرب أيام النبي من لفظ ونظم وأسلوب".
لم يستشهد العلماء على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب؛ فإن أغلب كلامه ظاهر لا يحتاج في تقرير معناه أو وجه إعرابه إلى شاهد، وقد سبقت لنا كلمة في هذا الصدد، ونقلنا لكم ما قال الرازي وابن حزم فيما أنكراه على بعض النحاة من الاستشهاد على القرآن بالشعر، أو توقفهم في الاستشهاد بالقرآن، وإنما نعيد شيئاً واحداً، وهو أن إنكار الاحتجاج بالشعر على القرآن رأي قديم، وزعم المؤلف أنه الصانع له تغييرٌ في تاريخ أدب اللغة العربية، وما كان لأستاذ الآداب أن يغير تاريخها إلى حد أن يأخذ الرأي الذي نشأ في المئة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، ويجعله ابن المئة الرابعة عشرة. وليس التصرف في تاريخ الآراء بأقل جناية من أن يدَّعي لطلابه: أن الرازي، أوابن حزم، أو أبا بكر بن الأنباري من علماء هذا العصر، وأنهم لا زالوا أحياء يرزقون.
يقول أبو بكر الأنباري (١): "قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيراً الاحتجاجُ
стр. 3626
على غريب القرآن ومشكله بالشعر، وأنكر جماعة لا علم لهم على النحويين ذلك، وقالوا: إذا فعلتم ذلك، جعلتم الشعر أصلاً للقرًان. قالوا: وكيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث؟ ". ثم قال؛ "وليس الأمر كما زعموه من أنا جعلنا الشعر أصلاً للقرآن، بل أردنا تبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣].
وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].
وإن شئت حديثاً يزيدك ثقة بما قال أبو بكر بن الأنباري في جواب جماعة لا علم لهم، فإليك الحديث:
في القرآن كلمات ذات معان مفردة يعرفها الجمهور من الناس، وهذه الكلمات لا يحتاج مفسر الآية إلى الاستشهاد عليها بشيء من الشعر أو النثر.
وفي القرآن كلمات ذات معان متعددة، ومن هذه المعاني ما هو معروف متداول في الاستعمال، ومنها ما ليس كذلك، فإذا اقتضت البلاغة في نظر المفسر أن يحمل مثل هذه الكلمات على معنى غير المعنى المعروف لدى الجمهور، احتاج إلى الاستشهاد بمنظوم أو منثور تكون دلالته على هذا المعنى واضحة، حتى لا يتردد في قبول التفسير من لم يقف على أن هذه الكلمة قد تستعمل عربية في غير ما هو مألوف لدى الجمهور.
وفي القرآن كلمات غريبة يحتاج المفسر عند بيان معناها إلى الاستشهاد بشيء من كلام العرب، حتى يعلم طالب العلم أن التفسير لم يخرج عن حدود اللسان العربي، فيطمئن إلى صحة التفسير، لا إلى أن القرآن عربي، فإن هذا لا يشك فيه أحد مطلق الرجلين يطوف أنى شاء، ويلتقي بمن شاء.
стр. 3627
وفي القرآن آيات تحتمل أوجهاً من الإعراب، ومن الواضح أن معنى الآية يختلف باختلاف وجه إعرابها، فقد يختار المفسر من الإعراب وجهاً يراه أليق بالبلاغة، أو أثبت بحكمة المعنى، ويكون هذا الوجه من الإعراب يستند إلى حكم عربي غير معهود لبعض أهل العلم، فيخشى إنكارهم لأن يكون هذا الوجه صحيحاً عربية، فيعمد إلى دفع هذا الإنكار بإقامة شاهد من لسان العرب على صحة ما ذهب إليه من الإعراب.
فالاستشهاد بالشعر على القرآن قائم على دصل معقولة، أما أن المستشهد يخطئ أو يصيب، يأتي بالمثل الصادق أو ينتحله، فذلك بحث آخر سنفصله لك في مقالة أخرى.
* من يحق له أن يفسر القرآن ؟
قال المؤلف في (ص ٧٧): "وإنما هناك مسألة أخرى، وهي أن العلماء وأصحاب التأويل من الموالي بنوع خاص لم يتفقدا في كثير من الأحيان على فهم القرآن، وتأويل نصوصه، فكانت بينهم خصومات في التأويل والتفسير. وعن هذه الخصومات نشأت خصومات أخرى بين الفقهاء وأصحاب التشريع".
من يحق له أن يفسر القرآن طائفتان: طائفة لم تبلغ درجة الإجتهاد في الأحكام الشرعية؛ كشيبويه، والزجاج، والزمخشري، وطائفة بلغت درجة الاجتهاد؛ كالأئمة الأربعة، ومن المأخوذ في شروط المجتهد: أن يكون بمكانة راسخة في علوم اللسان؛ بحيث يتفقه في معنى الآية بنفسه، ويفصل الحكم على مقتضى علمه، ومتى وجد اختلافاً في حكم لغوي، جرد نظره لاستطلاع الحقيقة، ولا يقف وقفة الحائر، أو يستند إلى أحد الآراء على غير بينة.
стр. 3628
وإدراك الفقيه منزلة الاجتهاد في علم اللسان العربي لا يستدعي زماناً واسعا جداً، حتى يقال: إن اشتراطه إقامةٌ لعقبة كؤود في سبيل الاجتهاد في الأحكام، فإن الذي يقتضي بحثاً متواصلاً، وزمانًا قد يأتي على معظم العمر، هو التوغل في هذه العلوم، وتقصي آثارها، ثم التوسع في بسط أدلتها، وتفصيل أحكامها، وهذا أمر زائد على إحراز ملكة قوية، وبصيرة نافذة، يرجع إليها عند الحاجة إلى تحقيق بحث، أو تفصيل خلاف.
فلا يصح أن تكون خصومات المجتهدين الذين سماهم المؤلف: أصحاب التشريع، ناشئة عن خصومات أصحاب التأويل من الموالي أو غير الموالي؛ فإن المجتهد لا يشق بتأويل غيره، وإنما يبني الحكم على ما يفهمه من الآية بنظر مستقل.
* المعتزلة والشعر الجاهلي:
انساب المؤلف يتحدث عن كثرة ما ينتحل العلماء من الشعر الجاهلي. وق الذي (ص ٧٨): "فالمعتزلة يثبتون مذاهبهم بشعر العرب الجاهليين، وغير المعتزلة من أصحاب المقالات ينقضون آراء المعتزلة معتمدين على شعر الجاهليين، وما أرى إلا أنك ضاحك مثلي أمام هذا الشطر الذي رواه بعض المعتزلة؛ ليثبت أن كرسي الله الذي وسع السماوات والأرض هو علمه، وهذا الشطر هو قول الشاعر "المجهول طبعاً": "ولا بكرسيّ (١) علم الله مخلوق".
стр. 3629
يقول ابن قتيبة في التأويل: "وفسروا القرآن بأعجب تفسير، يريدون أن يردوه إلى مذاهبهم، ويحملوا التأويل على نحلهم، فقال فريق منهم في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ أي: علمه، وجاؤوا على ذلك بشاهد لا يعرف، وهو قول الشاعر: "ولا يكرسئ علم الله مخلوق".
وقال الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتاب "تاريخ آداب اللغة العربية": "وهنا ضرب ثالث من الشواهد نشأ في القرن الثالث، وهو ما يولده بعض المعتزلة والمتكلمين للاستشهاد به على مذاهبهم، وكانت رواية الشعر فيهم يومئذ عامة"، وساق على هذا كلام ابن قتيبة الملقى إليك آنفاً، وأضاف إليه مثالاً آخر من كتاب الحيوان للجاحظ.
لا نريد أن نقول: إن هذا مما نقده أهل العلم قبل المؤلف، ولا نريد أن نبحث في أن المؤلف يعرف لهذا الغرض مثالاً غير هذا الذي ذكره الأستاذ الرافعي، أم لا يعرف، وإنما أريد أن أقول: إن المؤلف يدعي أن المعتزلة يعتمدون على آراء الجاهليين، ثم يسوق الشاهد، ويصف قائله بأنه "المجهول طبعًا" كما قال ابن قتيبة: "بشاهد لا يعرف". وإذا لم يذكروا القائل باسمه، وكانت عادتهم الاستشهاد بالشعر العربي، جاهليًا كان أو إسلاميًا، فمن أين علم المؤلف أنهم نسبوا هذا الشاهد إلى الجاهليين؟.
* رواية الجاحظ للشعر:
تحدث المؤلف بأن كذب أصحاب العلم على الجاهليين كثير.
ثم قال في (ص ٧٩): "لأمر ما كان البدع في العصر العباسي عند فريق
стр. 3630
من الناس أن يرد كل شيء إلى العرب، حتى الأشياء التي استحدثت، أو جاء بها المغلوبون من الفرس والروم وغيرهم. وإذا كان الأمر كذلك، فليس لانتحال الشعر على الجاهليين حد. وأنت إذا نظرت في "كتاب الحيوان" للجاحظ، رأيت من هذا الانتحال ما يقنعك ويرضيك".
لم يكن أهل العلم يأخذون الشعر على أنه جاهلي من كل من يكتبه في كتاب، أو ينشده في مجلس، بل كانوا يفرقون بين هذا الذي يرويه الثقات، أو تتعدد مآخذه؛ كالمفضّليات والمعلّقات، وبين ما يرويه أناس نقدوهم، فلم يجدوهم على ثقة، ومن هذا النوع ما ينفرد بروايته الجاحظ؛ فإنهم كانوا يعدون أحاديثه وأدبه مما يستعان به على السمر، قال أبو منصور الأزهري في مقدمة "تهذيبه" يصف الجاحظ: "وكان أوتي بسطة في لسانه، وبيانًا عذبًا في خطابه، ومجالًا واسعاً في فنونه، غير أن أهل المعرفة بلغات العرب ذمّوه، وعن الصدق دفعوه، وأخبر أبو عمرو الزاهد: أنه جرى ذكره في مجلس أحمد بن يحمى، فقال: "اعزبوا عن ذكر الجاحظ؛ فإنه غير ثقة، ولا مأمون"، وينبئك بن من هذه الأشعار العربية ما لا يثقون بروايته، ويعدونه فيما يسمر به عند الملوك ونحوهم: قول ابن سلام -بعد أن ساق بيتين ينسبان إلى لبيد-: "ولا اختلاف في هذا أنه مصنوع، تكثر به الأحاديث، ويستعان بها على السمر عند الملوك، والملوك لا تستقصي".
فيما يرويه الجاحظ في نحو "كتاب الحيوان" من الشعر، وينفرد بروايته، لا يثق به أهل العلم، ولا يبنون عليه تاريخاً، ولا يعولون عليه في تقرير حكم، أو قاعدة لغوية، وإنما يقرؤونه من حيث إنه أدب، وهو من أدب اللسان، وإن كان معزوّاً إلى غير قائله.
стр. 3631
* دين الإسلام هو ملة إبراهيم ﵇ -:.
ذكر المؤلف أن لتأثير العواطف الدينية في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين فنوناً، وأن ما تحدث به من قبل فنونها الهينة، ويريد الآن أن يتحدث عن أعظم هذه الفنون كلها، وهو هذا النوع الذي ظهر عندما استؤنف الجدال في الدين بين المسلمين وأصحاب الملل الأخرى، ولا سيما اليهود والنصارى.
ثم قال في (ص ٨٠): "وذهب المجادلون في هذا النوع من الخصومة مذاهب لا تخلو من غرابة، نحب أن نشير إلى بعضها في شيء من الإيجاز. أما المسلمون، فقد أرادوا أن يثبتوا أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي، وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحقال في أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل. فليس غريباً أن نجد قبل الإسلام قوماً يدينون بالإِسلام، أخذوه من هذه الكتب السماوبة التي أوحيت قبل القرآن".
يصرح القرآن بأن إبراهيم ﵇ بنى البيت الحرام، وأن العرب النازلين حول مكة من ذريته، وأن لهذا الرسول شريعة، وأن شريعته وشريعة الإسلام تتحدان في التوحيد الخالص، وبعض الأحكام والآداب، ولاتحاد الملتين في العقائد والآداب نطقت الآيات بأن دين الإسلام هو ملة إبراهيم ﵇، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥].
وقال: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١].
стр. 3632
فمعنى أن للإسلام أولية في بلاد العرب ثابت بنص القرآن، لا أن المسلمين يريدون إثباته. والقرآن أيضاً يقول: إن الدين الإِسلامي هو الدين الحقال في أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل، فقد رأيتموه كيف يسمّي دين الإِسلام: ملة إبراهيم ﵇، ورأيتموه يقول لمحمد - صلوات الله عليه -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩].
ثم هو يسوق قصص الأنبياء من قبل، ويأتي في بيان ما يدعون إليه على ما يدعو إليه الإِسلام من التوحيد الخالص، واختصاص الخالق بالعبادة، واعتقاد أن غير الله لا يملك ضراً ولا نفعاً، إلى ما يشاكل هذا من آداب رفيعة وأخلاق فاضلة.
فهذا الذي يعزوه المؤلف لإرادة المسلمين إنما يقوله القرآن، والمؤلف يريد نفيه، وليس له على هذا النفي من حجة غير ما تعلّمه من قدماء الجاحدين من نحو التهكم والإنكار الذي يأتيك عارياً من كل حجة وشبهة تشبه أن تكون حجة.
* معنى الحنيفية:
قال المؤلف في (ص.٨): "القرآن يحدثنا عن هذه الكتب، فهو يذكر التوراة والإنجيل، ويجادل فيهما اليهود والنصارى، وهو يذكر غير التوراة والإنجيل شيئاً آخر هو صحف إبراهيم، هو هذه الحنيفية التي لم نستطع إلى الآن أن نتبين معناها الصحيح".
اتفقت الأديان الثلاثة على نبوة إبراهيم ﵇، ودل القرآن؛
стр. 3633
بما يحكيه من محاجته لقومه، وما يأتي عليه من آداب شريعته: أنه كان يدعو إلى التوحيد، ومكارم الأخلاق، ولهذا المعنى سمّي حنيفاً؛ أي: مستقيماً، وكذلك سميت ملته: الحنيفية، نسبة إلى الحنيف، وهو المستقيم، وكل نبي حنيف، وكل شريعة سماوية حنيفية، وإنما سمي إبراهيم ﵇ حنيفاً، وملته حنيفية؛ تنبيهاً على خطأ من يدعون أنهم على ملة إبراهيم، وهم يعملون على شاكلة غير مستقيمة، ولذلك ترى القرآن يصفه بقوله: [حَنِيفًا] [آل عمران: ٩٥]، ويتبع هذا الوصف بقوله: [وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] [آل عمران: ٩٥].
فإن أراد المؤلف أنه لم يستطع أن يتبين معنى الحنيفية من القرآن، فالقرآن ينادي على هذا المعنى، ويعبر عنه بأفصح بيان، وإن أراد أنه لم يستطع أن يتبينه من ناحية غير ناحية القرآن، فليدعه إلى ما لا يستطع أن يتبينه؛ كالعلوم الرياضية والطبيعة.
* توحيد الله وإفراده بالعبادة:
قال المؤلف في (ص ٨٠): "فقد أخذ المسلمون يردون الإِسلام في خلاصته إلى دين إبراهيم، هذا الذي هو أقدم وأنقى من دين اليهود والنصارى".
القرآن هو الذي يرد الإِسلام في خلاصته إلى دين إبراهيم ﵇، والأديان السماوية تشترك في الدعوة إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة، وهي من هذه الجهة متماثلة، لا يفضل فيها دين على آخر، ولا يقال: إن ديناً أنقى من دين، إلا حيث ينظر إلى خلوصه من تحريف يطمس الطريق إلى معرفة حقائقه، وإنما تتفاضل الأديان بكثرة ما فيها من حكمة وموعظة، وبسعة
стр. 3634
ما ينطوي تحت أصولها الاجتماعية من مصالح الأمم، وتتفاوت بما يدل على صدق المبعوث بها من آيات خالدة.
* الإِسلام لم يجدد دين إبراهيم ﵇ -:
قال المؤلف في (ص ٨١): "وشاعت في العرب أثناء ظهور الإِسلام ويعده فكرة أن الإِسلام يجدد دين إبراهيم. ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور، ثم أعرضت عنه لما أضلّها به المضلّون، وانصرفت إلى عبادة الأوثان".
القرآن هو الذي ينبئنا بأن الإِسلام يهدي إلى الدين الحقال في كان عليه إبراهيم وغيره من الأنبياء، وإذا ذكر إبراهيم ﵇ فلأنه أقدم الرسل الذين لم يزل في الأمم من ينتمي إلى شريعتهم، أو لأن نبوته يعترف بها اليهود والنصارى والوثنيون من العرب جميعاً، أو لأن الإِسلام يوافق آداب شريعته أكثر مما يوافق التوراة والإنجيل.
فدعوى المؤلف أن تجديد الإِسلام لدين إبراهيم ﵇ فكرة شاعت في العرب أثناء ظهور الإِسلام، إنما هي نزعة من لا يرعى للتاريخ حقاً، ولا يرى للدين حرمة، وكذلك يفعل من يحيى أن خلفه أو بين يديه طائفة تلذ هذه النغمة، وإن كانوا من قوم لا يعلمون.
ذكر المؤلف ما جاءت به الرواية من أن أفراداً من العرب قبل البعثة تحدثوا بما يشبه الإِسلام.
وقال في (ص ٨١): "وتأويل ذلك يسير، فهم أتباع إبراهيم، ودين إبراهيم هو الإِسلام. وتفسير هذا من الوجهة العلمية يسير أيضاً، فأحاديث هؤلاء الناس قد وضعت لهم، وحملت عليهم حملاً بعد الإِسلام، لا لشيء،
стр. 3635
إلا ليثبت أن للإسلام في بلاد العرب قدمة وسابقة".
شأن الباحث بجد ألا يكتفي في إنكار رواية أو روايات بدعوى أنها وضعت وضعاً، وحملت حملاً، ثم يسمّي هذه الدعوى تفسيراً لها من الوجهة العلمية. والمؤلف يفعل هذا؛ لأن العلم في نظر هذه الطائفة القليلة التي تدق له الهواء بالتصدية إنما هو أن يقول فيتهكم، والتهكم في نظر هؤلاء السذج خير من العلم؛ وأشد وقعًا على أذواقهم من سبعين برهاناً.
إنكار المؤلف لأن يبقى أثر لدين إبراهيم ﵇ في بلاد العرب، مبني على إنكار وجود إبراهيم، أو هجرته وهجرة إسماعيل إلى مكة، وقد عرفت أن هذا الإنكار لم يقم على بحث واستدلال، وإنما هو وليد نزعة لست أعلم بنشأتها وصابغ قلب المؤلف بعصفرها من هؤلاء القراء.
أما الذين يريدون أن يكونوا في البحث على بينة، فإنهم يضعون هذه الأشعار وما يتصل بها من الأخبار موضع النقد، فما وجدوا في رواته، أو في ألفاظه، أو في معانيه ما يدل على وضعه، أو يجر إلى ريبة، اطّرحوه، أو ارتابوا في أمره، وما وجدوه سليماً من كل جانب، قبلوه، وتناقلوه.
* المعاني الدينية في الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص ٨٠): "وعلى هذا النحو تستطيع أن تحمل كل ما تجد من هذه الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلى الجاهليين، والتي يظهر بينها وبين ما في القرآن من الحديث شبه قوي أو ضعيف".
من شاء أن ينظر إلى قاعدة تمتد إلى غير نهاية، ولا تتصل بما يمسكها أن تزول إلا إرادة هذا المؤلف، فلينظر إلى هذه الفقرة التي تمثل قلماً يشتهي أن يكتب، فينتكس، ويرمي بالحديث في غير قياس.
стр. 3636
كل شعر أو خبر أو حديث يضاف إلى الجاهليين، ويكون بينه وبين آية من القرآن شبه قوي أو ضعيف، فهو مصنوع!.
أليس من الجائز أن ينطق العرب بحكمة، فيأتي القرآن بهذه الحكمة على وجه أبلغ وأرقى؟!.
أمن الحق أن ننكر أن العرب قالوا مثلاً: "القتل أنفى للقتل" لمجرد شبهه بقول القرآن: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]؟!. أو من الحق أن ننكر أن زهيراً قال:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلَّم
لأن له شبهاً قوياً أو ضعيفاً بقول القرآن: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]؟!.
فإن أراد المؤلف من الشبه: المعاني الدينية، قلنا: هو إذاً يحدثنا برأي (مرغليوث) كأنه يأبى أن يبقي له في ذلك المقال باقية.
أورد (مرغليوث) شبهة خلو الأشعار المعزوّة إلى الجاهليين من الصبغة الدينية، وقد سقناها إليكم مع ما يدفعها، ثم قال: نعم، نجد شعراء الجاهليين يقسمون كثيراً في أشعارهم، ولكن كل أيمانهم الواردة في دواوينهم هي بالله، وذكر أن كثيراً من هذه الأشعار تشتمل على عقيدة التوحيد التي تنسب التصرف إلى الله، وعلى أشياء إنما يذكرها القرآن، وأورد شواهد شتى.
وقد تعرض المستشرق (إدور براونلش) في مقاله الصادر في "مجلة الأدبيات الشرقية" (١) للبحث في هذه الشبهة، فقال: "إن لغة الشعر كانت
стр. 3637
معينة ومحصورة، ولهذا قال (كاسكل) في كتابه المسمّى: "البحث في الشعر العربي الجاهلي" (١): إن الشعر لم يذكر اسم معبود لقبيلة، بل اكتفى بذكر الحظ والطالع والتمائم؛ لأنها كانت معتقدهم جميعاً".
واسم الله، وإن لم يكن بمعنى التوحيد الوارد في الإِسلام، كان فوق أرباب جميع القبائل، ولا يختلفون في الاعتقاد به، راجع كتاب (ولهوزن) المسمّى: "بقايا الوثنية العربية" (٢)، وعليه: فليس من المستغرب أن نرى اسم الله كثيراً ما يذكر في لغة الشعر الجاهلي، وليس لنا أن نعد البيت مزوراً لمجرد اشتماله على ذكر الله، أو الإله. أما الأبيات التي ذكرت فيها عبارات قرآنية، والتي ذكر لنا منها (مرغليوث) بعض الأمثال، فيصح لنا أن نأخذ فيها بملاحظة (الورد) في كتابه "حقيقة الشعر الجاهلي" (٣)، و (ليال) في ملاحظته على شعر عمرو بن قميئة، وهي: "يجب علينا أن نفحص موضع البيت من القصيدة؛ لنعلم صلتها بأقوال الشاعر المنسوبة إليه". ثم قال: "ليس من الممكن أن أذكر كل المواضع التي ذكرها (مرغليوث)، وقال: إنها إسلامية، فللإنسان أن يدققها ويفندها".
ولعلك تزداد خبرة بن المؤلف يملأ حوصلته من كتب المستشرقين، ويرفع بها رأسه متطاولاً على الشرقيين تطاول من لا يبالي عاقبه الافتضاح. وسنتعرض لهذا البحث تارة أخرى؛ فإن المؤلف أعاده فيما تحدث به عن شعر عبيد.
стр. 3638
* شعر أمية بن أبي الصلت:
طعن المؤلف في القرآن بملء فمه، وعلى قدر ما يرضي شركاءه، وتذكر -والشيء بالشيء يذكر-: أن المستشرق (كليمان هوار) كان قد زعم في فصل نشرته له "المجلة الآسيوية": أنه استكشف مصدراً جديداً للقرآن وهو شعر أمية بن أبي الصلت.
أسهب المؤلف في حديث ذلك المقال، ونفخ فيه من روح تلك الدعاية المبيتة، وإنما خالفه في وثوقه بصحة هذا الشعر المنسوب إلى أمية بن أبي الصلت. ومن رغبت إليه نفسه في أن يريها باطلين يتباريان في الهجوم على حق، فلينظر إلى حديث (هوار)، والمؤلف عن شعر أمية بن أبي الصلت.
يشق (هوار) بصحة ما يعزى إلى أمية بن أبي الصلت من الشعر، ويزعم أنه من المصادر التي امشمد منها النبي ﵊ القرآن. ورأى المؤلف أن الاعتراف بصحة الشعر المعزؤ إلى أمية يضر بنظرية إنكار الشعر الجاهلي، وهو له في تقرير هذه النظرية مآرب ترجح على مارب القول بأن من مصادر القرآن شعر أمية بن أبي الصلت، ولا سيما بعد أن حدّثك بلسان المستشرقين: "أن القرآن تأثر باليهودية والنصرانية، ومذاهب أخرى بين بين كانت شائعة في البلاد العربية وما جاورها".
فالمؤلف لم يخالف (هوار) في زعم أن شعر أمية من مصادر القرآن، إلا بعد أن أراك أنه في غنى عن شعر أمية، بما قصه عليك من تأثر القرآن باليهودية والنصرانية، ومذاهب أخرى بين بين.
ولا ندري كيف غاب عن المؤلف أن يوافق (هوار) في صحة شعر أمية حتى يستفيد شبهة على القرآن، ثم ينكره؛ جمعاً لشمل نظرية الشك في الشعر
стр. 3639
الجاهلي، وما عليه إلا أن يقول لتلك الطائفة القليلة المستنيرة: اعتقدوا أن هذا شعر أمية بقلوبكم حتى تتنكر للقرآن، وأنكروه بعقولكم حتى ينتظم شمل نظرية الشك في الشعر الجاهلي! وإذا وجد في أبناء الأربعين من تقبّل منه مثل هذا الهذيان، وتحدث به في مجلس ينبغي ألّا تسمع فيه لاغية، أفلا يقبله الأطفال الذين يخرج لهم المنكر من طريق الحق، فيضربون أيمانهم على شمائلهم، ويرجّون له الهواء بالتصدية رجّا؟!.
* شبهة أن للقرآن مصادر من اليهودية والنصرانية:
ما يقوله المستشرقون، ويحكيه عنهم المؤلف؛ من أن للقرآن مصادر، هي: اليهودية، والنصرانية، ومذاهب بين بين، ليس بشبهة جديدة، ولا هو "من النتائج العلمية القيمة" التي انتهوا إليها على مناهج النظر الصحيح.
لا نزدري الغربيين وعلومهم الغزيرة، وإجادتهم النظر في الماديات، وما تنتظم به مرافق الحياة ووسائل العمران الذي نشهده بأبصارنا، ونلمسه بأيدينا، ولكنهم لم يبلغوا أن يمتازوا بالثقافة في كل علم حتى المباحث التي لا يتوقف إدراك حقائقها إلا على ذكاء الباحث، وصفاء بصيرته.
فإن كان المؤلف يضع قلبه بين أصابع المستشرقين، ويملأ جرابه من حقائب المستشرقين، ويستهوي تلك الطائفة باسم المستشرقين، فإن للناس بصائر تأبى لهُم أن يُقلدوهم في الفرق بين الحق والباطل، والفصل في أسباب السعادة والشقاء، ولا سيما بعد أن رأوا فيهم صفواً وكدراً، ونظاماً وخللاً، وأدباً وسفهاً، وذكاءً وبلهًا، وسلاسة وتعسفاً.
من درس حال الثقات من علماء الحديث والآثار، لا يمتري في أنهم يروون الأحاديث والآثار بأمانة، ولا يخطر على بالهم أن يكتموا من السيرة
стр. 3640
النبوية صغيراً أو كبيراً. دخل في الرواية الوضع لأسباب بسطناها في مقدمة "المغني عن الحفظ"، أما أن يعمد الرواة إلى أن يحذفوا من السيرة النبوية ما وقع إلى أسماعهم، فذلك ما لا يتصوره العارف بحقيقة الرواية.
فمن توجه قصده إلى شيء يتصل بالسيرة النبوية، فليبحث عنه في كتب الآثار، وتاريخ عهد النبوة، فإنه يجد فيها الموثوق بروايته ما أمكن للجاهلين والمنافقين إلصاقه بأكمل الخليقة، ويرى قواعد أهل الحديث كيف تعمل في الروايات، فتدفع هذه الرواية إلى اليمين، والأخرى إلى الشمال.
ليس في الروايات صحيحها وأساطيرها أثر يدل على أن النبي ﵊ بارح مكة قبل البعثة، وغاب عن قومه، إلا ما روي من خروجه مع عمه أبي طالب إلى الشام خطرة، وسفره في تجارة لخديجة بنت خويلد خطرة أخرى. فلا يستقيم لأحد ادعاء أنه تعفم القراءة، ودرس التوراة والإنجيل مدة مغيبه عن مكة وقومُه لا يشعرون، فإن لسفر التجارة أياماً معدودة لا تكفي لدرس ديانة أو ديانتين، لا سيما بعد أن تطّرح منها أوقات الاشتغال بشأن التجارة، وما حال المسافرين للتجارة منا ببعيد.
ولا يصح لأحد أن يدعي أنه ﵊ تعلم كتب اليهود والنصارى، ومذاهب بين بين في مكة، وعلى مرأى من قومه، إذ لو وقع شيء من هذا، لم يجيء في القرآن آيات تصفه بعدم القراءة والتلقي من البشر، ولو جاءت هذه الآيات، وكان قد تعلم من يهودي أو نصراني، لم يجد من قومه وعشيرته الذين رأوه يقرأ ويتعلم أنصاراً إلى الله يؤمنون به، ويجلسون بين يديه كأنما على رؤوسهم الطير.
стр. 3641
ولا يصح أن يكون ﵊ قد تعلَّم كتب اليهود والنصارى، ومذاهب بين بين في خلوة، وعلى حين غفلة من قومه، فإن تلقي بعض الكتب في خفاء قد يمكن للرجل الغريب في مدينة لا يعرفه فيها إلا بضعة أشخاص يلاقونه في الشهر، أو في الأسبوع، أو في اليوم مرة أو مرتين، أما رجل ذو عشيرة، وذو مزايا تلفت له الأنظار، وتجذب له القلوب؛ كمحمد بن عبد الله ﷺ ينشأ في بلدة لها طرق محدودة، وبيوت معدودة كمكة، فليس من المقبول أن يتمكن من التردد على مواطن يختلي فيه بيهودي أو نصراني دون أن يشعر به أحد من قومه أو عشيرته الأقربين.
وليس من المعقول أن يقال: قد وقعت إلى يده نسخة من التوراة، وأخرى من الإنجيل؛ لأنهما لم يخرجا إلى لسان العرب بعد، ولا يقرؤهما إلا من درس اللغة العبرية، ولو درس النبي ﵊ تلك اللغة، وعرف كيف يقرأ حروفها الهجائية، لما عرج القرآن على وصفه بالأمية، ولما ظل النبي - صلوات الله عليه - يتلو آياتها، والناس يشهدون ويؤمنون.
إن رجلاً له أولو قربى يجاورونه، وطائفة من غيرهم يعرفونه أو يصادقونه،
لا يمكنه أن يتعلم علماً أو لساناً دون أن يشعر له أحد منهم، ولو اجتهد في
أن يكتم أمره، ويسد في وجوههم كل سبيل.
هذا شأنه قبل البعثة، أما زعمُ تعلّمه لما في التوراة والإنجيل، ومذاهب بين بين بعد قيامه بالدعوة، فبطلانه أشد بداهة، إذ لا يلائم حكمه القائم بتلك الدعوة المؤزّرة بكل جد وحزم أن يجادل اليهود والنصارى، ويشتد بينه وبينهم الخصام، ثم يطلب لديهم علم التوراة والإنجيل، ولو طلب لديهم ذلك، لأقام في سبيل دعوته عقبة كؤوداً، فقد أصبح بعد ظهوره
стр. 3642
بالدعوة مرموقاً بكل لحظ، مشاراً إليه بكل كان، ولا سيما بعد أن استجاب له طائفة يجلسون إليه بالعشيّ والإبكار.
ومن الباطل على البداهة أن يأخذ علوم هذه الأديان عمّن أسلم من أهلها، ثم يجيء بها في القرآن على أنها وحي يوحى، ولو جرى شيء من هذا، لكان سبباً لارتداد الطائفة التي أخذ عنها، أو الطائفة التي سمعته يحاورها، ولو وقع ارتداد على هذا الوجه، لوجدنا له في الرواية أثراً.
قصّ علينا القرآن قول بعض الذين أشركوا: إنه ساحر، وقول آخرين: إنه مجنون، وقول طائفة ثالثة: إنه شاعبر، وأضاف إلى هذا قول بعضهم [إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ] [النحل: ١٠٣]، وأورد هذه المزاعم استخفافاً بأقوال يعلم العارفون بنشأة النبي ﵊ وأطوار حياته أنها إفك مفترى، كما يعلم الذين أوتوا الحكمة والروية أن صاحب هذه الآيات الباهرات، والسيرة التي تتمخض الأيام بما يشبهها، بريء من أن يقول على شيء: هو من عند الله، وما هو من عند الله. ولو كان المقام للبحث عن دلائل النبوة، لأتيناك بالحقال في تتسلل من ساحته هذه المطاعن والمغامز لواذاً.
ولو سلمنا أن ما جاء في القرآن من الأحكام والأنباء المتصلة بالتوراة والإنجيل قد يكفي فيه لقاء الصدفة، أو الاستماع إلى من يتحدث به على قارعة الطريق، لكان في دلائل النبوة ما يصدع بأن تلقّي النبي ﵊ بعْض هذا القرآن من لدن بشر، غير واقع، وغير محتمل لأن يكون.
قد يجيء القرآن على وجه التذكرة والموعظة بنبأ يعلمه الناس من قبل، ولكنه لا يقول إلا حقاً، ولا يحكي إلا واقعاً، ومن زعم أنه يعظ بالقصص
стр. 3643
الباطلة، فإنما هو الطعن بمكيدة، والله لا يهدي كيد الخائنين.
ولا بأس بأن يكون القرآن موافقاً للتوراة والإنجيل في بعض الشراع أو الأنباء، بل تكون هذه الموافقة حجّة على صدق الدعوة، وعلى أن هذه الأحكام أو القصص من بقايا الوحي الذي نزل على موسى وعيسى ﵉، وإنما يخل بصحة الكتاب أن يشرع أحكاماً وسنناً لا ترضى العقول الراجحة عن حكمتها، أو يأتي بقصة تردها الطرق العلمية من حس أو عقل، أو رواية قاطعة، والقرآن بريء من مخالفة الطرق العلمية، ومن كل وجه يخلّ بالحكمة، إلا في نظر من يرى أن السعادة في الخلاعة، وأن راحة الضمائر في الجحود بمبدع الخليقة.
* قصة النهي عن رواية شعر أمية بن أبي الصلت:
ذكر المؤلف: أنه يقف من شعر أمية وقفته من شعر الجاهليين جميعاً، وأنه يشك في صحة شعره؛ كما شك في صحة شعر امرئ القيس، والأعشى، وزهير، ولم يكن لهم من النبي موقف أمية.
ثم قال في (صحيفة ٨٤): "ثم إن هذا الموقف يحفلني على أن أرتاب في شعر أمية بن أبي الصلت؛ فقد وقف أمية من النبي موقف الخصومة، هجا أصحابه، وأيد مخالفيه، ورثى أهل بدر من المشركين. وإن كان هذا وحده يكفي لينهى عن رواية شعره، وليضيع هذا الشعر كما ضاعت الكثرة المطلقة من الشعر الوثني الذي هُجي فيه النبي وأصحابه".
لا يكتفي المؤلف بالبحث عن الروايات الشاذة والموضوعة، فيحشرها في هذا الكتاب، حتى يضيف إليها استنباطات لا تجيء من ناحية التعقل، ولا يكتفي بهذه الاستنباطات حتى يضع بجانبها روايات لم تشتمل عليها
стр. 3644
صحيفة، وقد رأيتم كيف قال لكم في الحديث عن واقعة الحرّة: إنه قتل فيها ثمانون من أهل بدر. وآخرُ من مات من أهل بدر سعد بن أبي وقاص (١)، وقد توفي قبل وقعة الحرّة لإجماع، لم يكتف المؤلف بهذه الجنايات العلمية، فحاول أن يستنبط شيئاً في النهي عن رواية شعر أمية؛ ليثبت أن هذا الشعر المعزّو إلى أمية ليس منه في شيء، يقول هذا، وفي "الجامع الصحيح" للإمام مسلم: عن عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: ردفت رسول الله ﷺ يوماً، فقال: "هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ " قلت: نعم. قال: "هيه". فأنشدته بيتاً. فقال: "هيه"، حتى أنشدته مئة بيت.
فهذا الحديث الصحيح يدل على أن النبي - صلوات الله عليه - سمع شعر أمية، واستحسنه، واستزاد المنشد منه حتى بلغ مئة بيت، ولم يرد أثر في النهي عن رواية شعره إلا ما يوجد في مثل كتاب "الأغاني" من أنه ﵊ نهى عن رواية القصيدة التي رثى بها أمية قتلى قريش في وقعة بدر. ولو صحّ هذا الأثر، لكان النهي مقصوراً على هذه القصيدة، أو يأخذ معها ما فيه هجاء النبي ﷺ وأصحابه، أما أن يكون النبي ﷺ أو غيره قد نهى عن رواية شعر أمية بإطلاق، فمن أحاديث المؤلف التي لا يشهد بها واقع، ولا يقتضيها معقول. على أنا نجد هذه القصيدة -التي يقولون: إن النبي ﷺ نهى عن روايتها- واردة في بعض كتب السير والمغازي، وقد رواها ابن هشام في نحو ثلاثين بيتاً، وقال: "تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله ﷺ " (٢).
стр. 3645
* انتحال شعر أمية بن أبي الصلت:
قال المؤلف في (ص ٨٦): "ونحن نعتقد أن هذا الشعر الذي يضاف إلى أمية بن أبي الصلت وإلى غيره من المتحنفين الذين عاصروا النبي، أو جاؤوا قبله إنما انتحل انتحالاً. انتحله المسلمون ليثبتوا -كما قلنا- أن للإسلام قدمة وسابقة في البلاد العربية".
جاءت الرواية الصحيحة بأن أمية كان يصوغ شعره في شيء من التوحيد، وفي رواية الإِمام مسلم لحديث عمرو بن السَّبِّريد المسوقة آنفاً: أن النبي ﷺ قال حين سمع شعر أمية: "كاد ابن أبي الصلت أن يسلم"، فما يروى من شعر يعزى إلى أمية، وفيه تحنف، محتمل لأن يكون ثابتاً عنه، وليس من أدب البحث التسرع إلى الحكم بانتحاله لمجرد ما فيه من التحنف، وإنما ينظر فيه كشعر خال من هذا المعنى، فإن لم نصل إلى الطعن في نسبته إلى أمية من طريق اللفظ أو المعنى أو الرواية, جاز لنا أن نكتبه في ديوان أمية، ونقول عند إنشاده: هذا الشعر لأمية.
* الإِسلام والسيف والجزية:
تحدث المؤلف عن حال اليهود، واستعمارهم جزءاً من البلاد العربية، ثم تحدث عن النصارى، وكيف انتشرت ديانتهم في بعض بلاد العرب.
ثم قال في (ص ٨٧): "ويظهر أن قبائل من العرب البادين تنصرت قبل الإِسلام بأزمان تختلف طولاً وقصراً. فنحن نعلم -مثلاً-: أن تغلب كانت نصرانية، وأنها أثارت مسألة من مسائل الفقه. فالقاعدة أنه لا يقبل من العربي إلا الإِسلام أو السيف، فأما الجزية، فتقبل من غير العرب. ولكن تغلب