ولا يصح أن يكون ﵊ قد تعلَّم كتب اليهود والنصارى، ومذاهب بين بين في خلوة، وعلى حين غفلة من قومه، فإن تلقي بعض الكتب في خفاء قد يمكن للرجل الغريب في مدينة لا يعرفه فيها إلا بضعة أشخاص يلاقونه في الشهر، أو في الأسبوع، أو في اليوم مرة أو مرتين، أما رجل ذو عشيرة، وذو مزايا تلفت له الأنظار، وتجذب له القلوب؛ كمحمد بن عبد الله ﷺ ينشأ في بلدة لها طرق محدودة، وبيوت معدودة كمكة، فليس من المقبول أن يتمكن من التردد على مواطن يختلي فيه بيهودي أو نصراني دون أن يشعر به أحد من قومه أو عشيرته الأقربين.
وليس من المعقول أن يقال: قد وقعت إلى يده نسخة من التوراة، وأخرى من الإنجيل؛ لأنهما لم يخرجا إلى لسان العرب بعد، ولا يقرؤهما إلا من درس اللغة العبرية، ولو درس النبي ﵊ تلك اللغة، وعرف كيف يقرأ حروفها الهجائية، لما عرج القرآن على وصفه بالأمية، ولما ظل النبي - صلوات الله عليه - يتلو آياتها، والناس يشهدون ويؤمنون.
إن رجلاً له أولو قربى يجاورونه، وطائفة من غيرهم يعرفونه أو يصادقونه،
لا يمكنه أن يتعلم علماً أو لساناً دون أن يشعر له أحد منهم، ولو اجتهد في
أن يكتم أمره، ويسد في وجوههم كل سبيل.
هذا شأنه قبل البعثة، أما زعمُ تعلّمه لما في التوراة والإنجيل، ومذاهب بين بين بعد قيامه بالدعوة، فبطلانه أشد بداهة، إذ لا يلائم حكمه القائم بتلك الدعوة المؤزّرة بكل جد وحزم أن يجادل اليهود والنصارى، ويشتد بينه وبينهم الخصام، ثم يطلب لديهم علم التوراة والإنجيل، ولو طلب لديهم ذلك، لأقام في سبيل دعوته عقبة كؤوداً، فقد أصبح بعد ظهوره
стр. 3642
بالدعوة مرموقاً بكل لحظ، مشاراً إليه بكل كان، ولا سيما بعد أن استجاب له طائفة يجلسون إليه بالعشيّ والإبكار.
ومن الباطل على البداهة أن يأخذ علوم هذه الأديان عمّن أسلم من أهلها، ثم يجيء بها في القرآن على أنها وحي يوحى، ولو جرى شيء من هذا، لكان سبباً لارتداد الطائفة التي أخذ عنها، أو الطائفة التي سمعته يحاورها، ولو وقع ارتداد على هذا الوجه، لوجدنا له في الرواية أثراً.
قصّ علينا القرآن قول بعض الذين أشركوا: إنه ساحر، وقول آخرين: إنه مجنون، وقول طائفة ثالثة: إنه شاعبر، وأضاف إلى هذا قول بعضهم [إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ] [النحل: ١٠٣]، وأورد هذه المزاعم استخفافاً بأقوال يعلم العارفون بنشأة النبي ﵊ وأطوار حياته أنها إفك مفترى، كما يعلم الذين أوتوا الحكمة والروية أن صاحب هذه الآيات الباهرات، والسيرة التي تتمخض الأيام بما يشبهها، بريء من أن يقول على شيء: هو من عند الله، وما هو من عند الله. ولو كان المقام للبحث عن دلائل النبوة، لأتيناك بالحقال في تتسلل من ساحته هذه المطاعن والمغامز لواذاً.
ولو سلمنا أن ما جاء في القرآن من الأحكام والأنباء المتصلة بالتوراة والإنجيل قد يكفي فيه لقاء الصدفة، أو الاستماع إلى من يتحدث به على قارعة الطريق، لكان في دلائل النبوة ما يصدع بأن تلقّي النبي ﵊ بعْض هذا القرآن من لدن بشر، غير واقع، وغير محتمل لأن يكون.
قد يجيء القرآن على وجه التذكرة والموعظة بنبأ يعلمه الناس من قبل، ولكنه لا يقول إلا حقاً، ولا يحكي إلا واقعاً، ومن زعم أنه يعظ بالقصص
стр. 3643
الباطلة، فإنما هو الطعن بمكيدة، والله لا يهدي كيد الخائنين.
ولا بأس بأن يكون القرآن موافقاً للتوراة والإنجيل في بعض الشراع أو الأنباء، بل تكون هذه الموافقة حجّة على صدق الدعوة، وعلى أن هذه الأحكام أو القصص من بقايا الوحي الذي نزل على موسى وعيسى ﵉، وإنما يخل بصحة الكتاب أن يشرع أحكاماً وسنناً لا ترضى العقول الراجحة عن حكمتها، أو يأتي بقصة تردها الطرق العلمية من حس أو عقل، أو رواية قاطعة، والقرآن بريء من مخالفة الطرق العلمية، ومن كل وجه يخلّ بالحكمة، إلا في نظر من يرى أن السعادة في الخلاعة، وأن راحة الضمائر في الجحود بمبدع الخليقة.
* قصة النهي عن رواية شعر أمية بن أبي الصلت:
ذكر المؤلف: أنه يقف من شعر أمية وقفته من شعر الجاهليين جميعاً، وأنه يشك في صحة شعره؛ كما شك في صحة شعر امرئ القيس، والأعشى، وزهير، ولم يكن لهم من النبي موقف أمية.
ثم قال في (صحيفة ٨٤): "ثم إن هذا الموقف يحفلني على أن أرتاب في شعر أمية بن أبي الصلت؛ فقد وقف أمية من النبي موقف الخصومة، هجا أصحابه، وأيد مخالفيه، ورثى أهل بدر من المشركين. وإن كان هذا وحده يكفي لينهى عن رواية شعره، وليضيع هذا الشعر كما ضاعت الكثرة المطلقة من الشعر الوثني الذي هُجي فيه النبي وأصحابه".
لا يكتفي المؤلف بالبحث عن الروايات الشاذة والموضوعة، فيحشرها في هذا الكتاب، حتى يضيف إليها استنباطات لا تجيء من ناحية التعقل، ولا يكتفي بهذه الاستنباطات حتى يضع بجانبها روايات لم تشتمل عليها
стр. 3644
صحيفة، وقد رأيتم كيف قال لكم في الحديث عن واقعة الحرّة: إنه قتل فيها ثمانون من أهل بدر. وآخرُ من مات من أهل بدر سعد بن أبي وقاص (١)، وقد توفي قبل وقعة الحرّة لإجماع، لم يكتف المؤلف بهذه الجنايات العلمية، فحاول أن يستنبط شيئاً في النهي عن رواية شعر أمية؛ ليثبت أن هذا الشعر المعزّو إلى أمية ليس منه في شيء، يقول هذا، وفي "الجامع الصحيح" للإمام مسلم: عن عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: ردفت رسول الله ﷺ يوماً، فقال: "هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ " قلت: نعم. قال: "هيه". فأنشدته بيتاً. فقال: "هيه"، حتى أنشدته مئة بيت.
فهذا الحديث الصحيح يدل على أن النبي - صلوات الله عليه - سمع شعر أمية، واستحسنه، واستزاد المنشد منه حتى بلغ مئة بيت، ولم يرد أثر في النهي عن رواية شعره إلا ما يوجد في مثل كتاب "الأغاني" من أنه ﵊ نهى عن رواية القصيدة التي رثى بها أمية قتلى قريش في وقعة بدر. ولو صحّ هذا الأثر، لكان النهي مقصوراً على هذه القصيدة، أو يأخذ معها ما فيه هجاء النبي ﷺ وأصحابه، أما أن يكون النبي ﷺ أو غيره قد نهى عن رواية شعر أمية بإطلاق، فمن أحاديث المؤلف التي لا يشهد بها واقع، ولا يقتضيها معقول. على أنا نجد هذه القصيدة -التي يقولون: إن النبي ﷺ نهى عن روايتها- واردة في بعض كتب السير والمغازي، وقد رواها ابن هشام في نحو ثلاثين بيتاً، وقال: "تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله ﷺ " (٢).
стр. 3645
* انتحال شعر أمية بن أبي الصلت:
قال المؤلف في (ص ٨٦): "ونحن نعتقد أن هذا الشعر الذي يضاف إلى أمية بن أبي الصلت وإلى غيره من المتحنفين الذين عاصروا النبي، أو جاؤوا قبله إنما انتحل انتحالاً. انتحله المسلمون ليثبتوا -كما قلنا- أن للإسلام قدمة وسابقة في البلاد العربية".
جاءت الرواية الصحيحة بأن أمية كان يصوغ شعره في شيء من التوحيد، وفي رواية الإِمام مسلم لحديث عمرو بن السَّبِّريد المسوقة آنفاً: أن النبي ﷺ قال حين سمع شعر أمية: "كاد ابن أبي الصلت أن يسلم"، فما يروى من شعر يعزى إلى أمية، وفيه تحنف، محتمل لأن يكون ثابتاً عنه، وليس من أدب البحث التسرع إلى الحكم بانتحاله لمجرد ما فيه من التحنف، وإنما ينظر فيه كشعر خال من هذا المعنى، فإن لم نصل إلى الطعن في نسبته إلى أمية من طريق اللفظ أو المعنى أو الرواية, جاز لنا أن نكتبه في ديوان أمية، ونقول عند إنشاده: هذا الشعر لأمية.
* الإِسلام والسيف والجزية:
تحدث المؤلف عن حال اليهود، واستعمارهم جزءاً من البلاد العربية، ثم تحدث عن النصارى، وكيف انتشرت ديانتهم في بعض بلاد العرب.
ثم قال في (ص ٨٧): "ويظهر أن قبائل من العرب البادين تنصرت قبل الإِسلام بأزمان تختلف طولاً وقصراً. فنحن نعلم -مثلاً-: أن تغلب كانت نصرانية، وأنها أثارت مسألة من مسائل الفقه. فالقاعدة أنه لا يقبل من العربي إلا الإِسلام أو السيف، فأما الجزية، فتقبل من غير العرب. ولكن تغلب
стр. 3646
قبلت منها الجزية، قبلها عمر فيما يقول الفقهاء".
يتحدث المؤلف في مسائل دينية؛ ليظهر للقراء أنه درس الشريعة؛ حتى يطمئنوا لما يقوله عن الإِسلام في غير إخلاص. يقول المؤلف: القاعدة أنه لا يقبل من العربي إلا الإِسلام أو السيف. يقف القارئ في هذه الفقرة وقفة متردد، ولا يدري هل هذا المؤلف يتكلم في الدين مجتهداً لنفسه، أو مقلداً لذوي الاجتهاد، أو كاجنبي يحكي قاعدة في الإِسلام، وليس له به صلة اجتهاد أو تقليد؟.
نحن نعلم أن ليس للمؤلف من صلة اجتهاد أو تقليد بالإِسلام؛ لأن كلاً من الاجتهاد والتقليد لا يقوم إلا على الإيمان بالقرآن، وشرط هذا الإِيمان أن يدخل من ناحية العقل، لا أن يذهب من اليد أو الأذن إلى القلب رأساً، وقد رأيتم المؤلف كيف يعبث حول القرآن، والقرآن قول فصل وما هو بالهزل، إذاً ليس هو بذي اجتهاد، ولا ذي تقليد.
وإذا كان يتكلم في الدين بلسان أجنبي عن الدين، فالأجنبي لا يقرر قاعدة يعزوها إلى الإِسلام إلا أن يكون مجمَعاً عليها، أو تكون من المواضيع التي تواردت عليها كلمة الجمهور. وأنت إذا نظرت إلى قاعدة المؤلف، وهو أن العربي لا يقبل منه إلا الإِسلام أو السيف، لم تجدها فيما أجمعوا عليه، ولا فيما تواردت عليه كلمة الجمهور. فالشافعية يقولون: تقبل من أهل الكتاب عرباً كانوا أو عجمًا (١)، والحنفية يقولون: لا يقبل من مشركي العرب إلا الإِسلام أو السيف، وتقبل من أهل الكتاب من العرب ومن سائر كفار
стр. 3647
العرب الجزية (١)، والحنابلة يقولون: تقبل من أهل الكتاب والمجوس، عرباً كانوا أم عجماً (٢). والمروي عن مالك: أن الجزية تقبل من جميع المخالفين إلا من مشركي العرب، وقال ابن القاسم: إذا رضيت الأمم كلهم بالجزية، قبلت منهم (٣). وكذلك يقول الأوزاعي، وفقهاء الشام (٤). فهؤلاء معظم الأئمة يذهبون إلى أن العرب من أهل الكتاب تقبل منهم الجزية، والقول بأن العربي لا تقبل منه الجزية ولو كان كتابيأ إنما هو رأي أحد الفقهاء، ويعزى إلى أبي يوسف (٥)، فلا يصح لأجنبي يتحدث عن الإِسلام أن يعبر عنه بالقاعدة.
ومتى كان بنو تغلب نصارى، فقبول الجزية منهم وارد على القاعدة، وهي قبولها من أهل الكتاب، عرباً كانوا أم عجماً.
* الإِسلام إصلاح لكل مزاج منحرف:
قال المؤلف في (ص ٨٧): "تغلغلت النصرانية إذن كما تغلغلت اليهودية في بلاد العرب، وكبر الظن أن الإِسلام لو لم يظهر، لانتهى الأمر بالعرب إلى اعتناق إحدى هاتين الديانتين، ولكن الأمة العربية كان لها مزاجها الخاص الذي لم يستقم لهذين الدينين، والذي استتبع ديناً جديداً أقل ما يوسف به أنه ملائم ملاءمة تامة لطبيعة الأمة العربية".
стр. 3648
سبر المؤلف مزاج الأمة العربية، فوجده لا يستقيم ليهودية ولا لنصرانية، وظنّ ظناً أكبر أن هذه الأمة ذات المزاج الخاص، لولا الإِسلام، لانتهى بها الأمر إلى إحدى هاتين الديانتين، فمزاج الأمة العربية لم يستقم لليهودية ولا للنصرانية، ولو لم يظهر الإِسلام، لصار مزاجها مستقيماً لإحداهما!.
لا يكتفي المؤلف بأن يضع فلسفته في الواقعات، ويذهب في تأويلها إلى غير ممكن، فجعل يفرض انتفاء الواقع، ويخبرك ماذا يكون عند انتفائه! لندعه يتخيل أن الإِسلام لم يظهر، ويتلهى بالحديث عن مستقبل الأمة العربية، ثم يهبها إلى أي دين شاء، فالإِسلام ظهر، والأمة العربية اعتنقته، وسواء عليها أيرضى المؤلف عنها، أم لا يرضى.
يزعم المؤلف أن الدين الجديد "يعني: الإِسلام" استتبعه مزاج الأمة العربية، وإنما الإِسلام إصلاح لكل مزاج منحرف، وحقائق يألفها كل ذي بصيرة، وقد اعتنقته أمم غير العرب، ولم يكن تقويمه لأمزجتها بأقل من تقويم مزل الأمة العربية، وما كانت ملاءمته لمداركها السامية بأضعف من ملاعصته لمدارك الأمة العربية، ولم يكن انتشاره بينها بأدنى سرعة من انتشاره بين الأمة العربية، ولم يكن هذا الانتشار معزوّاً إلى كلمة السيف؛ لأن سيف الإِسلام لا يكره الناس على الإِيمان، وإنما يُشهر لحماية الدعوة، وبسط العزّة، ولا عزة إلا بسلطان، أما الدين، فإنما كان يلج في القلوب من طريق القرآن، والدعوة بالحكمة، ومن سيرة الذين يمثلون هدايته تمثيلاً صحيحاً.
* تقسيم الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (٨٨): "فالأمر كذلك في اليهود والنصارى، تعصبوا
стр. 3649
لأسلافهم من الجاهليين، وأبوا إلا أن يكون لهم شعر كشعر غيرهم من الوثنيين، وأبوا إلا أن يكون لهم مسجد وسؤدد كما كان لغيرهم مسجد وسؤدد أيضاً، فانتحلوا كما انتحل غيرهم، ونظموا شعراً أضافوه إلى السموأل بن عادياء، وإلى عدي بن زيد، ولغيرهم من شعراء اليهود والنصارى".
قسم المؤلف الشعر الجاهلي كما يشاء، فالشعر المعزوّ إلى الوثنيين انتحله المسلمون، والشعر المعزوّ إلى من كانوا على دين اليهودية انتحله اليهود، والشعر المعزوّ إلى من كانوا يتقلدون النصرانية انتحله النصارى! يقول هذا في هيئة من كان حاضراً مع اليهود، أو مع النصارى حين انتحلوا لشعرائهم، وجاءك توًا يحدثك بما صنعوا! ومن العجب: أن داعية مذهب الشك يتيقن حيث لا يجد الناس إلى اليقين منفذاً!.
هل ذكر المؤلف الطريقال في عرف به أن اليهود هم الذين وضعوا الشعر المعزوّ إلى السموأل وغيره من اليهود، وأن النصارى هم الذين وضعوا الشعر المعزوّ إلى عديّ بن زيد وغيره من النصارى؟ وهل لديه من دليل على ما يقول سوى أن أولئك وهؤلاء يشتركون في اليهودية أو النصرانية؟.
وإذا كان المسلمون نحلوا الشعر للوثنيين عصبية للقبيلة، فلماذا لم يكن الناحل لمن كان يهودياً أو نصرانياً أحد ذريته، أو أبناء قبيلته من المسلمين؟ ولعل المؤلف ألقى شعر السموأل على اليهود، وشعر عديّ على النصارى؛ مخافة أن يغضبوا إذا هو لم يضرب لهم في هذا الانتحال بسهم.
* شعر عديّ بن زيد:
قال المؤلف في (ص ٨٨): "ورواه القدماء أنفسهم يحسون شيئاً من هذا، فهم يجدون فيما ينسب إلى عديّ بن زيد من الشعر سهولة وليناً لا يلائمان
стр. 3650
العصر الجاهلي، فيحاولون تعليل ذلك بالإقليم، والاتصال بالفرس، واصطناع الحياة الحضرية التي كان يصطنعها أهل الحيرة".
نظر القدماء في شعر عديّ بن زيد، ووجدوا فيه سهولة، وعللوا هذه السهولة بوجه معقول، ونقدوه من حيث نسبته إلى عديّ، فعرفوا أن فيه مصنوعاً كثيراً، ونبهوا في كتبهم على هذا كله، قال ابن سلام في "طبقات الشعراء": "وعديّ بن زيد كان يسكن الحيرة ومراكز الريف، فلان لسانه، وسهل منطقه، فحمل عليه بشيء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف، وخلط فيه المفضل فأكثر، وله أربع قصائد روائع، وله بعدهن شعر حسن". وذكروا في مميزات شعره أن فيه ألفاظاً ليست بنجدية، قال المرزباني في "كتاب الموشح": "إن الذي قعد بعديّ بن زيد عن شأو الشعراء ألفاظه الحيرية، وأنها ليست بنجدية. وعن المفضل؛ قال: كانت الوفود تفد على الملوك بالحيرة فكان عدفي بن زيد يسمع لغاتهم، فيدخلها في شعره". وروى صاحب "الموشح" عن الأصمعي: أنه قال: "عديّ بن زيد، وأبو دؤاد الإيادي لا تروي العرب أشعارهما؛ لأن ألفاظهما ليست بنجدية". وقال صاحب "الأغاني": لا تروي الرواة شعرهما؛ لمخالفتهما مذاهب الشعراء.
فالقدماء نقدوا شعر عديّ بن زيد من هذه الوجوه التي رأيتم، وإنما انفرد عنهم المؤلف بشيء لم يصلوا إليه، على الرغم من كونهم أقرب إلى عهد الانتحال منه، وهو أنه نسب ما حمل على عديّ من الشعر إلى النصارى، وليس له من شاهد سوى الرغبة في أن يضرب للشعر المنحول تحت تأثير عاطفة الدين مثلاً.
стр. 3651
* انتحال ولد السموأل للشعر:
قال المؤلف في (ص ٨٩): "ويحدثنا صاحب "الأغاني" بأن ولد السموأل انتحلوا قصيدة قافية أضافوها إلى امرئ القيس، وزعموا أنه مدح بها السموأل حين أودعه سلاحه في طريقه إلى قسطنطينية. ونرجح نحن أن ولد السموأل هم الذين انتحلوا هذه القصيدة التي تضاف للأعشى، والتي يقال: إنه مدح بها شرحبيل بن السموأل في قصته المشهورة مع الكلبي".
هذا أبو الفرج الأصبهاني ينقد القصيدة القافية المضافة إلى امرئ القيس، وهذا المؤلف ينقد القصيدة الرائية المضافة إلى الأعشى، وقد أمكنتك الفرصة من أن توازن بين نقد القدماء، ونقد عباد منهج (ديكارت). يقول أبو الفرج في كتاب "الأغاني": "فقال امرؤ القيس:
طرقتك هندٌ بعد طول تجنّب ... وهناً ولم تك قبل ذلك تطرقُ
وهي قصيدة طويلة، وأظنها منحولة؛ لأنها لا تشاكل كلام امرى القيس، والتوليد فيها بيّن، وما دوّنها في ديوانه أحد من الثقات، وأحسبها مما صنعه دارم لأنه من ولد السموأل، ومما صنعه من روي عنه من ذلك، فلم تكتب هنا".
فأبو الفرج يقول: "أظن"، و"أحسب"، ثم يذكر لك مستندات ظنه أن القصيدة منتحلة، وهي عدم مشاكلتها لكلام امرئ القيس، وظهور التوليد فيها، وأنه لم يدونها أحد من الثقات في ديوانه.
والمؤلف يقول لك: ونرجح نحن أن ولد السموأل هم الذين انتحلوا هذه القصيدة الرائية التي تضاف للأعشى. يخبرك بما ترجح عنده من انتحال
стр. 3652
دون أن يكلف نفسه ذكر الوجه الذي يستند له في هذا الترجيح؛ كأن قلوب القراء طوع بنانه، يرجح الشيء، فتعتقده راجحاً، وينكره، فتعده منكراً.
ولعلك تزداد خبرة بقيمة حديثه عن القدماء، وقوله: "ولكن مناهجهم في البحث أضعف من مناهجنا".
стр. 3653
القصص وانتحال الشعر
شغل المؤلف هذا الفصل بالحديث عن القصص، فذكر أنه وجدت طائفة تقوم بالقصص، وتعرّض للفرق بين القصص الإِسلامي والقصص اليوناني، وتكلم عن مصادر القصص، ثم انتقل إلى أن القصص لا يزدان إلا بالشعر، وأن القصّاص وضعوا شعراً كثيراً، وأنهم كانوا يستعينون بأفراد ينظمون لهم القصائد، وينسقونها، ثم خرج إلى زعم: أن الناس يعتقدون أن كل عربي شاعر بفطرته، ورجع يعيد حديث ابن إسحاق، وعاد وثمود وحمير وتبع. وذكر أن العلماء الذين فطنوا لأثر القصص في انتحال الشعر قد خدعوا أيضاً، وأورد أبياتاً وأمثالاً وأخباراً على أنها مصنوعة، وختم الفصل بكليات تكاد تأتي على كل ما روي عن العرب قبل الإِسلام. عقد الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتاب "تاريخ آداب العرب" فصلاً بحث فيه عن القصص وأطواره بحثاً شيقاً، ولأمر ما عرّج المؤلف في أوائل هذا الفصل على ما كتب الأستاذ الرافعي، فذكر في (ص ٩٠): أن الذين درسوا تاريخ الأدب لم يقدروا القصص قدره، وقال: "لا أكاد أستثني منهم إلا الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، فهو قد فطن لما يمكن أن يكون من تأثير القصص في انتحال الشعر، داضافته إلى القدماء، كما فطن لأشياء أخرى قيمة، وأحاط بها إحاطة حسنة في الجزء الأول من كتابه "تاريخ آداب
стр. 3654
العرب". ولكن الأستاذ الرافعي أبى إلا أن ينقد كتاب "في الشعر الجاهلي"، ويكف بأسه، ومن لا يدري ما الإيمان ولا الإخلاص، قد يجيء على باله أن يشتري سكوت المؤمنين المخلصين بكلمة مديح وإطراء.
والمؤلف كان ينظر في فصله هذا إلى فصل الأستاذ الرافعي، وإلى ما كتبه جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية"، وفي كتاب "العرب قبل الإِسلام"، وسنريكم بعض ما مد إليه عينه؛ كما أريناكم مواقع نظره من كتب أخرى.
* العناية بدرس فن القصص:
قال المؤلف في (ص ٩١): "نقول: إن هذا الفن قد تناول الحياة العربية الإِسلامية من ناحية خيالية خالصة. ونعتقد أن الذين يدرسون تاريخ الأدب العربي لو أنهم عنوا بدرس هذا الفن عناية علمية صحيحة، لوصلوا إلى نتائج قيمة، ولغيروا رأيهم في تاريخ الأدب".
ما يدخل في دائرة الأدب من منثور أو منظوم، قد يورده منشئه أو راويه على أنه قصص خيالي؛ كالمقامات، والحكايات المصنوعة على لسان حيوان أو جماد، وقد يورده على أنه أمر واقع، وهذا ما كان علماء الأدب يبحثونه؛ ليميزوا صحيحه من مصنوعه، ولهم بعد البحث ثلاثة أحوال: فإما أن يطمئنوا إلى صحته، ويضعوه بمكان العلم، وإما أن يصلوا إلى أنه مصنوع، ويطرحوه إلى جانب الخيال، وقد يتوعر أمامهم الطريق لمعرفة أن هذا المنثور أو المنظوم حقيقة أو مصطنع، وإذا لم يتضح لهم وجه الحكم عليه بالانتحال، يروونه نظراً إلى ما يحتويه من عبرة أو أدب، وإن لم يكونوا على ثقة من صحته. وهذا النوع هو الذي يمكن تغيره من احتمال الصحة إلى اعتقاد أنه
стр. 3655
منتحل، وبالنظر إلى هذا النوع يمكن تغيير الرأي في تاريخ الأدب.
من الجائز أن تكون العناية بدرس فن القصص تساعد على العلم باصطناع الأخبار التي كانت محتملة للصحة في نظر القدماء، ولكن المؤلف ممن يتظاهر بمعرفة فن القصص، ونراه حين يحكم بانتحال شعر شاعر أو عصر، أو بأخبار شخص أو جيل، لا يزيد على الإنكار المجرد، وإذا تجاوزه، فإلى شُبه قد تخطر على بال من لم يعن بدرس فن القصص عناية علمية صحيحة. فسلوك المؤلف في نقد الأشعار والقصص هذه الطريقة الساذجة، يجعلنا في ريبة من أن العناية بدرس فن القصص تغير الرأي في تاريخ الأدب إلى أصوب مما كان عليه.
* القرآن يهدي للتي هي أقوم:
جعل المؤلف يفرق بين القصص الإِسلامي، والقصص اليوناني. حتى قال في (ص ٩١): "وإن الأول لم يجد من عناية المسلمين مثلما وجد الثاني من عناية اليونان، فبينما كان اليونان يقدسون "الإلياذة"، و"الأوديسا"، ويعنون بجمعهما وترتيبهما، وإذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن، كان المسلمون مشغولين بالقرآن وعلومه عن قصصهم هذا".
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، يهدي إلى الحرية الصادقة، إلى العدالة الناصعة، إلى المساواة الخالصة، فيه آداب نفسية، وسنن اجتماعية، وقوانين قضائية، ونظم سياسية، وقد نهض بالمسلمين يوم كانوا يقرؤونه بتدبر، حتى بلغ بهم من العزّة ما رفعهم فوق من يقدّسون "الإلياذة"، و"الأوديسا"، وغيرهم من الأمم درجات.
إن القرآن لا يمنع أحداً من أن يتمتع في هذه الحياة بلذائذ لا تأخذ
стр. 3656
من شهامته، ولا يعتدي بها على حق، ولا يحجر على أحد أن يرسل نفسه في أنس طاهر، أو يلهو في غير باطل، وإنما يريد الصعود بهذه الأمم إلى أجلى مظاهر السعادة، وأرقى طور في هذه الحياة.
جاء القرآن في هذه الحكمة، وفي هذه الهداية، وقام المؤلف يعمل على شاكلة رجل تستوي في نظره فحمة الليل وغزة الصباح، فلا يكاد يأخذ في حديث، إلا خرج منه إلى العبث حول القرآن.
* نظرة علماء العربية إلى الأدب:
قال المؤلف في (ص ٩٢): "وفي الحق أن الأدب العربي لم يدرس في العصور الإِسلامية الأولى لنفسه، وإنما درس من حيث هو وسيلة إلى تفسير القرآن وتأويله، واستنباط الأحكام منه".
قال المؤلف هذا، وعينه تنظر إلى قول الأستاذ الرافعي في "تاريخ آداب العرب" (١): "وكانوا جميعاً إنما يطلبون رواية الأدب للقيام به على تصير ما يشتبه من غريب القرآن والحديث". ولكن المؤلف يجعل درسهم للأدب من حيث إنه وسيلة لفهم القرآن هو الذي صرف أصحاب الجد من المسلمين عن القصص الذي "يتقرب من نفس الشعب، ويمثل له أهواعه وشهواته ومثله العليا".
والحق أن علماء العربية -وإن نظروا إلى الأدب كوسيلة من وسائل فهم القرآن والحديث- كانوا يبحثون فيه على طريقة أوسع مما يستدعيه غرض التوسل به إلى فهم الكتاب والسنّة، ويكاد الناظر في العلوم الأدبية
стр. 3657
يحسب أن القائمين عليها إنما يرمون إلى غاية أوسع، وهي الاحتفاظ بأصول هذه اللغة الراقية وآدابها.
فعلماء العربية كانوا يرون أن الاحتفاظ بمعاني التنزيل ومقاصد الشريعة في الاحتفاظ بعلوم اللغة وآدابها، وكانوا -مع هذا- يطلقون أعنتهم في البحث إلى ما يسعه الإمكان، وكان درسهم لآداب اللغة ناظرين إلى أنها وسيلة من وسائل فهم الكتاب الحكيم، لا يقل فائدة عن درسهم لها من حيث إنها آداب لغة راقية.
أما عدم احتفال أصحاب الجد من المسلمين بالقصص، فلعلهم كانوا يرون أن في القرآن والحديث، وآثارِ الذين أتوا الحكمة الصادقة ما لو تناوله خطيب، أو محاضر يعرف مزل من يخاطب، ويدري أين يضع بيانه، لرأى الناس أمة يمكنها أن تزن بالواحد منها مدّة من هؤلاء الذين يقرؤون القصص صباحاً، ويشهدون مجامعها عشياً.
* وضع الأحاديث:
ذكر المؤلف أن للقصص أربعة مصادر:
أولها: القرآن، وما يتصل به من الأحاديث والروايات. ثانيها: ما كان يأخذه القصاص عن أهل الكتاب. ثالثها: ما كانوا يستقونه من الفرس. رابعها: ما يمثل نفسية الأنباط والسريان ومن إليهم من الأخلاط. ولا يستطيع المؤلف أن ينسج على منوال الباحث الذي يسوق حديثه إلى غاية واحدة، فانصرف من ذكر المصدر الثاني.
إلى أن قال في (ص ٩٤): "وليس ينبغي أن ننسى هنا تأثير أولئك اليهود والنصارى الذين أسلموا، وأخذوا يضعون الأحاديث، ويدسونها مخلصين
стр. 3658
أو غير مخلصين".
مزية علماء الإِسلام في نقد رواة الحديث أوضح من نار على يفاع، ولم يكتفوا في قبول الحديث بتحقق عدالة الراوي، وذهب بهم الاحتياط إلى قواعد أحكموها؛ ليزنوا بها الحديث نفسه، ويستضيئوا بها في تمييز الصحيح من المصنوع.
وضع بعض الزنادقة أحاديث ليذهبوا ببهاء حكمة الإِسلام، ووضع بعض الأغبياء أحاديث ليزيدوه خيراً وشاهدَ كمالٍ فيما يزعمون، وبفضل ما عني به العلماء من نقد الرواة، والاحتياط لقبول الأحاديث، بقيت الشريعة محفوظة مما يصنع الماكرون، ومفصولة مما يضيفه إليها أصدقاؤها الجاهلون.
وإذا بقي من تلك الأحاديث ما يخطر على ألسنة العامة، وأشباه العامة من الخطباء، فذلك خلل التعليم، وعيب السكوت في موضع النهي عن المنكر، وما إصلاح ذلك الخلل، وعلاج هذا العيب من حماة العلم وأنصار الحق ببعيد.
* الشركة القصصية:
أعاد المؤلف ما تحدث به ابن سلام عن ابن إسحاق:
ثم قال في (ص ٩٥): "أليس من الحق لنا أن نتصور أن هؤلاء القصاص لم يكونوا يتحدثون إلى الناس فحسب، وإنما كان كل واحد منهم يشرف على طائفة غير قليلة من الرواة والملفقين، ومن النظام والمنسقين، حتى إذا استقام لهم مقدار من تلفيق أولئك، وتنسيق هؤلاء، طبعوه بطابعهم، ونفخوا فيه من روحهم، وأذاعوه بين الناس".
انساب المؤلف يتحدث عن القصص، حتى سرت إليه العدوى من
стр. 3659
القصّاص، ومسه طائف من الخيال، فجعل يفرض أن هناك شركة مؤلفة باسم القصّاص، ولهذه الشركة مصانع لعمل الأخبار والأشعار، وكل واحد من أعضائها يقوم على مصنع من هذه المصانع، حتى إذا تهيأ مقدار في مصنع التلفيق، بعث به إلى مصنع التنسيق، وبعد أن ينسق في هيئة قصة أو شعر، يأتي أعضاء الشركة القصصية، ويطبعونه بطابعهم، وينفخون فيه من روحهم، ثم يأذنون بإصداره، فيحمل كل عضو ما استطاع، أو ما طاب له، ويذيعه بين الناس.
يسمّي المؤلف هذا الحديث الملفق المنسق فرضا، ويزعم أن لديه نصا يجيز له هذا الافتراض، وهو قول ابن إسحاق: "لا علم لي بالشعر، إنما أوتى به، فأحمله".
توجد هذه الشركة، ويبقى أمرها سراً مكتوماً إلى أن يجيء المؤلف بعد ألف سنة، فيجد رمزها في قول ابن إسحاق: "وإنما أوتى به، فأحمله".
عبارة ابن إسحاق خاصة بالشعر، وقد جاءت الرواية بأنه هو الذي كان يقترح على بعض الشعراء أن يضعوا له أشعاراً تناسب بعض أخبار السيرة.
روى الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال": أن أبا عمرو الشيباني يقول: رأيت أبا إسحاق يعطي الشعراء الأحاديث يقولون عليها الشعر، ونقل عن أبي بكر الخطيب: أن أبا إسحاق كان يرفع إلى شعراء وقته أخبار المغازي، ويسألهم أن يقولوا فيها الأشعار؛ ليلحقها بها.
ذلك شأن ابن إسحاق، وقد عرف به بين علماء عصره، ودعوى أن هناك شركة ذات أعضاء وطابع، ولها مصانع للتلفيق، وأخرى للتنسيق،
стр. 3660
تحتاج إلى أمارة أوضح دلالة من كلمة قالها ابن إسحاق؛ ليبعد عن نفسه تبعة اصطناع الشعر.
فالمؤلف يتخيل أشياء، ويطمئن لها، ويشغلك بالحديث عنها, ولا عجيب أن يطمئن لما يتخيل، فقد حكى أبو عثمان الجاحظ: أنه رأى حجّاماً بالكوفة يحجم بنسيئة إلى الرجعة؛ لشدة إيمانه بها.
وإذا كان المؤلف يستخرج من كلمة ابن إسحاق أن هناك شركة قصصية، ويتحدث عنها بما سمعتم، فماذا يكون حالنا حين نرى هذه الكتب التي تؤلف، والمقالات التي تنشر، والمحاضرات التي تلقى، والمجالس التي تعقد، وكلها تنطق بلسان المتهالك في الحقد على الإِسلام؟! "أفليس من الحق لنا أن نتصور أن هؤلاء" الملحدين المائقين "لم يكونوا يتحدثون إلى الناس فحسب، وإنما كان كل واحد منهم يشرف على طائفة غير قليلة من الرواة والملفقين، والنظام والمنسقين، حتى إذا استقام لهم مقدار من تلفيق أولئك، وتنسيق هؤلاء، طبعوه بطابعهم، ونفخوا فيه من روحهم، وأذاعوه بين الناس"؟!.
* الشعر في "سيرة ابن هشام ":
قال المؤلف في (ص ٩٦): "وأنت تدهش إذا رأيت هذه الكثرة الشعرية التي تنبثّ فيما بقي لنا من آثار القصّاص. فلديك في "سيرة ابن هشام" وحدها دواوين من الشعر".
للمؤلف أن يسمّي ما احتوته سيرة ابن هشام من الشعر: دواوين، ولنا أن نسميها: نصف ديوان؛ فإن كل ما في السيرة من شعر لا يتجاوز نصف ديوان ابن الرومي، أو نصف ديوان مهيار.
стр. 3661
* الأمة العربية ليست كلها شاعرة:
قال المؤلف في (ص ٩٦): "وكثرة هذا الشعر الذي صدر عن المصانع الشعرية في الأمصار المختلفة أيام بني أمية وبني العباس كانت سبباً في نشأة رأي يظهر أن القدماء كانوا مقتنعين به، وأن الكثرة المطلقة من المحدثين ليست أقل به اقتناعاً، وهو أن الأمة العربية كلها شاعرة، وأن كل عربي شاعر بطبعه وسليقته، يكفي أن يصرف همه إلى القول، فإذا هو ينساق إليه انسياقاً".
لا أرى أحداً يعتقد أن كل عربي شاعر بطبعه وسليقته، وإنما هي أسباب نظم الشعر تهيأت لهم، وسيّرته بألسنتهم، حتى صاغوه في كثير من المعاني المبذولة، والمخاطبات المعتادة.
ومن هذه الأسباب ما يرجع إلى سعة اللغة؛ من كثرة المترادفات، وأضراب المجاز والكنايات، ومنها ما يرجع إلى سعة الخيال، وحرية الفكر المكتسبتين من حياتهم في أوطان لا تعلوها سلطة قاهرة، أو قوانين مرهقة.
ويضاف إلى هذا: ما ثبت بطرق لا تحوم عليها ريبة، من أن العرب يكبرون الشعر، ويرفعون الشاعر إلى أسمى منزلة، وإحراز الشعر لهذه الحظوة مما يدفع الأذكياء منهم إلى التنافس في إجادة صنعه، ويدعو العامة إلى الاقتداء بهؤلاء، ولو على وجه التشبه بهم في إلقاء الكلام مقيداً بالوزن والقافية.
فليس كل العرب، ولا أكثرهم يقول الشعر الذي يغوص على حكمة، أو يأخذ في الخيال مذهباً، وليس ببعيد أن يكون كثرهم على استعداد لإيراد الكلام في صور النظم المنتهي بقافية، ولا سيما حيث تكون معرفة الطبقات بمفردات اللغة وأصول تأليفها متقاربة.
стр. 3662
وكيف يقتنع القدماء وأكثر المحدثين بن الأمة العربية كلها شاعرة، وهذا ابن سلام يقول عن إسحاق: "فكتب في السير من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط"؟.
وما كانوا يرون أن كل عربي يصرف همه إلى القول، فإذا هو ينساق إليه انسياقاً، فهذا ابن جني يقول في كتاب "الخصائص": (١) "وليس جميع الشعر في القديم مرتجلاً، بل قد يعرض لهم فيه الصبر عليه، والملاطفة له، والتلوم على رياضته وإحكام صنعته نحو ما يعرض لكثير من المولدين".
وروى الأصمعي في شرح ديوانه: أن ذا الرمة يقول: "من شعري ما ساعدني فيه القول، ومنه ما أجهدت فيه نفسي (٢) ". وروى أن زهيرًا كان ينظم القصيدة في شهر، وينقحها في سنة، وكانت تسمى قصائده: حوليات زهير (٣). ويروون عن العجاج أنه قال: لقد قلت أرجوزتي التي أولها:
"بكيت والمحتزن البكي"
وأنا بالرمل، فانثالت عليَّ قوافيها انثيالاً، وإني لأريد اليوم دونها في الأيام الكثيرة، فما أقدر عليه. وقال الفرزدق: أنا عند الناس أشعر الناس، وربما مرت علي ساعة ونزعُ ضرسي أهون علي من أن أقول شعراً.
إذا كان القدماء هم الذين رووا لنا هذه الآثار الدالة على أن من العرب من لم يقل الشعر قط، وأن منهم من ينظم القصيدة في شهر، أفيسوغ اتهامهم
стр. 3663
بأنهم يعتقدون أن الأمة العربية كلها شاعرة؟!.
ولعل المؤلف استند فيما اتهم به القدماء إلى مقال أنشاه الجاحظ في بيان مزايا العرب، داليك بعض هذا المقال (١): "وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكرة، ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف همه إلى الكلام، وإلى رجز يوم الخصام، أو حين يمتح على رأس بئر، أو يحدو لبعير، أو عند المقارعة والمناقلة، أو عند صراع، أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف همه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتاتيه المعاني إرسالاً، وتنثال عليه الألفاظ انثيالاً".
ونحن ندفع هذا بأنه كلام الجاحظ، وليس الجاحظ إلا واحداً من القدماء، وإن سلمنا أن الجاحظ هو كل القدماء، فهو إنما يرد على الشعوبية، فكان مقاله بمنزلة خطبة، أو قصيدة أنشئت للمديح والفخر، وهم يجيزون في فن المديح من المبالغة ما لا يجيزون مثله للكاتب الذي يبحث في التاريخ.
ثم إن الجاحظ لم يقل: كل عربي شاعر، وإنما قال: كل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، ويكفي لصدق هذا أن يكون شاعرهم ينظم ارتجالاً، ومن يخطب ولا يشعر يلقي الخطبة ارتجالاً، ويشهد بما نصف قوله في كتاب "البيان والتبيين" (٢): "وفي الشعراء من يخطب، وفيهم من لا يستطيع
стр. 3664
الخطابة، وكذلك حال الخطباء في قرض الشعر". وقال: يندر في العرب من لا يستطيع الشعر (١). ولا يبقى في كلام الجاحظ بعد هذا إلا المبالغة في قوله: كل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال. حيث أضاف الحالة الغالبة على العرب، وهي البديهة والارتجال إلى كل ما لهم من قول منظوم أو منثور.
* شعر الإمام علي:
قال المؤلف في (ص ٩٧): "ولدينا نصوص قديمة تدلنا على أن العرب لم يكونوا جميعاً شعراء، فكثيراً ما حاول العربي قول الشعر فلم يوفق إلى شيء. وقد طُلب إلى النبي في بعض المواقف التي احتاج المسلمون فيها إلى الشعر أن يأذن لعليّ في أن يقول شعراً يرد به على شعراء قريش، فأبى النبي أن يأذن له؛ لأنه لم يكن من ذلك في شيء، وأذن لحسّان".
يحكم المؤلف بخطأ القدماء -علمائهم وعامتهم- في رأي، ويستشهد على تخطئتهم بنصوص قديمة لا يمكن تناولها إلا من أيديهم!.
وما استشهد به من قصة علي ﵁ لا يجديه في الموضوع نقيراً؛ إذ متى وجد الاعتقاد بأن كل عربي شاعر، فمعناه أن كل عربي يستطيع الإتيان بالكلام منظوماً، وهذا لا يستلزم القدرة على التصرف في المعاني، وقوة الخيال في مناظرة الشعراء البارعين ومفاخرتهم، ثم إن الشعراء الممتازين يتفاوتون في قوة العارضة، وحكمة الأسلوب، والتلاعب بالمعاني. فمن
الجائز أن يكون عدول النبي ﷺ عن علي بن أبي طالب إلى حسّان بن ثابت؛
стр. 3665
لأن علياً لم تكن منزلته في الشعر بالتي تؤهله لأن يقف أمام الشعراء الذين هاموا في كل واد، وذهبوا في صناعة الشعر كل مذهب. وهذا ما نفهمه من مساق القصة نفسها، فإن طلب الناس إلى النبي ﷺ أن يأذن لعلي في أن يقول شعراً، يومئ بطرف غير خفي إلى أن له في نظم الشعر سابقة.
واتفق الرواة على أن للإمام علي شعراً، وإنما يختلفون في مقدار ما ينسب له، فمنهم من يبلغ به إلى ديوإن (١)، ومنهم من يرجع به إلى بيتين، قال المازني: لم يصح أنه تكلم بشيء من الشعر غير هذين البيتين وهما:
تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربّك ما بروا ولا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر
وقال المبرد في "الكامل": ومن شعر علي الذي لا اختلاف فيه:
يا شاهد الله عليَّ فاشهد ... إني على دين النبي أحمد
من شك في الله فإني مهتد
وهذا النظم وإن كان من الرجز قريب المأخذ، يدل على أن صوغه الكلام في غير الرجز من الأوزان ليس ببعيد.
* الشعر المنسوب إلى قائل غير معروف:
قال المصنف في (ص ٩٧): "فهذا أضفت إلى ما قدمنا: أنك تجد كثيراً من الشعر يضاف إلى قائل غير معروف، بل غير مسمّى، فتراهم يقولون مرة: قال الشاعر، وأخرى: قال الأول، وثالثة: قال الآخر، ورابعة: قال رجل
стр. 3666
من بني فلان، وخامسة: قال أعرابي، وهلم جرّا- نقول: إذا لاحظت هذا كله، عذرت القدماء والمحدثين إذا اعتقدوا أن العرب كلهم شعراء". ثم قال: "وإن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى غير قائل، أو إلى قائل مجهول، إنما هو شعر مصنوع موضوع انتحل انتحالاً لسبب من هذه الأسباب التي نحن بإزائها، ومنها القصص".
قد يضاف الشعر المصنوع إلى قائل غير معروف، أو غير مسمّى، وقد يظن الذي يقرأ شيئاً من كتب الأدب ترويحاً للخاطر، وتسلية للنفس: أن هذا الشعر غير مصنوع. أما أهل العلم، فإنهم لا يثقون بما يمر على أسماعهم من شعر ينسب إلى قائل غير معروف، أو غير مسمّى، وإنك لتجدهم يأخذون في شرط الاحتجاج بالشعر أن يكون قائله معروفاً بأنه عربي فصيح، فهذا ابن الأنباري يقول في كتاب "الإنصاف": "لا يجوز الاحتجاج بشعر أو نثر لا يعرف قائله؛ مخافة أن يكون ذلك الكلام مصنوعاً، أو لمولَّد، أو لمن لا يوثق بكلامه". وأورد ابن النحاس في "التعليقة" بيتاً استشهد به الكوفيون على جواز إظهار "أن" بعد "كي"، وقال في ردّه: إن هذا البيت لا يعرف قائله. وأورد شطر بيت استشهد به الكوفيون أيضاً على جواز دخول اللام في خبر "لكن"، وقال في ردّه عن هذا البيت: لا يعرف قائله، ولا أوله، ولم يذكر منه إلا هذا، ولم ينشده أحد ممن وثّق في اللغة، ولا عُزي إلى مشهور بالضبط والإتقان. وأورد الفراء شاهداً على خفض ياء المتكلم في نحو كاتبيَّ، فردّه الزجّاج، وقال: ليس يعرف قائل هذا الشعر من العرب، ولا هو مما يحتج به في كتاب الله تعالى. وكثيراً ما يهمل المؤلفون اسم قائل البيت المستشهد به، إما لشهرته، أو لأنه مروي لشاعرين، أو لنسيانه وقت التأليف، مع الوثوق بأنه مسموع من العرب، وكتاب سيبويه مملوء
стр. 3667
بالشواهد التي لم تضف إلى قائل باسمه، وكان أكثرها معروفاً لعلماء العربية في عصره.
قال الجرمي: "نظرت كتاب سيبويه، فهذا فيه ألف وخمسون بيتاً، فأما الألف، فقد عرفت أسماء قائليها، فأثبتها، وأما الخمسون فلم أعرف أسماء قائليها".
والتحقيق: أن الشعر الذي يعرف قائله يحتجون به في اللغة، ويعتدّون به في التاريخ، وما لا يعرف قائله، ويسمع من عربي مطبوع يحتجون به في اللغة، ولا شأن له في التاريخ إلا حيث ينظر فيه من وجهة أدبية عامة، وما لا يعرف قائله، ويرويه غير الفصيح بفطرته يطرحونه جانباً، ولا يعولون عليه في لغة ولا تاريخ، إلا أن ينشد في سمر، أو مجلس أنس؛ لأنه أدب، وكذلك كانوا يفعلون.
فقول المؤلف: إن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى غير قائل، أو إلى قائل مجهول، مصنوع موضوع انتحل انتحالاً، إن أراد الشعر المسوق في الكتب على أنه من أدب اللسان، فما يدعيه محتمل، والناس يقرؤون هذا النوع من الشعر، ولا يأخذون أنفسهم بشرط الثقة من صحته. وإن أراد ما تحتويه كتب اللغة أو النحو من الشواهد، فهذا كثره معزوّ في الواقع إلى قائله، وبعض ما لم يسمّ قائله قد سمعه الثقات من العرب الذين يحتج بمنطوقهم، فلا يضره ألّا يعرف قائله، بل لا يقدح في الاستشهاد به أن لو كان هذا العربي الناطق به انتحله انتحالاً.
* الشعر الصادر عن العرب:
قال المؤلف في (ص ٩٨): "كرة هذا الشعر الذي احتاج إليه القصّاص
стр. 3668
لتزدان به قصصهم من ناحية، وليسيغها القراء والسامعون من ناحية أخرى، خدعت فريقاً من العلماء، فقبلوها على أنها صدرت عن العرب حقاً".
هذا ينظر إلى قول الأستاذ الرافعي في "تاريخ آداب العرب" (١): "فلما كثر القصّاصون وأهل الأخبار، اضطروا من أجل ذلك أن يضعوا الشعر لما يلفقونه من الأساطير، حتى يلائموا بين رقعتي الكلام، وليحدروا تلك الأساطير من أقرب الطرق إلى أفئدة العوام"، ولكن الأستاذ الرافعي لم يقل: خدعت فريقاً من العلماء، أو قبلوها على أنها عربية حقاً؛ فإن شأن أهل العلم ألا يقبلوها شعراً على أنه صادر عن العرب حقاً، إلا أن يأمنوا لروايته، ويملؤوا أيديهم من الوثوق بصحته، ولكنهم قد يقبلون شعراً، ويتناقلونه على أنه أضيف إلى العرب حقاً، لا على أنه صادر عنهم حقاً، وقد كان المؤلف يستشهد بقصص وشعر لم يرهما إلا في كتاب "الأغاني"، فهل قبل تلك القصص على أنها وقعت حقاً، وأن تلك الأشعار صدرت عن أربابها حقاً؟ لئن كان ذلك شأنه، فأقلّ ما يصفه به القراء: أنه من هذا الفريقال في ينخدع، ويقبل الشعر على أنه صادر من العرب حقاً.
* إنكار رواية ابن إسحاق للشعر:
ذكر المؤلف أن بعض العلماء فطنوا لما في هذا الشعر من تكلف، أو سخف وإسفاف، وفطنوا إلى أن بعضه يستحيل أن يكون قد صدر عمن ينسب إليهم، وعدّ في سلك هؤلاء العلماء: محمد بن سلام.
وقال في (ص ٩٨): "وآخرون غير ابن سلام أنكروا ما روى ابن إسحاق
стр. 3669
وأصحابه القصّاصون، نذكر منهم: ابن هشام الذي يروي لنا في "السيرة" ما كان يرويه ابن إسحاق، حتى إذا فرغ من رواية القصيدة، قال: وأكثر أهل العلم بالشعراء، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة، أو ينكرها لمن تضاف إليه".
هذا الشعر الذي رواه ابن إسحاق قد أفرغ العلماء فيه أنظارهم، فنقدوا ابن إسحاق نفسه، وقد سقنا إليكم آنفاً شيئاً من أقوال علماء الأدب في شأنه، وتناوله النقاد من علماء الحديث، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ومنهم من طعن في صدقه وأمانته، وكادوا يتفقدن على عدم الثقة بما يرويه من الشعر. قال ابن معين: "ما له عندي ذنب إلا ما قد حشا في السيرة من الأشياء المنكرة المنقطعة، والأشعار المكذوبة" (١).
إذاً، ما يرويه ابن إسحاق من الشعر مرتاب في صحته، وقد نفى ابن هشام وغيره قسماً عظيماً منه، ودخل في حساب المنتحل المصنوع، والباقي لا يبرح مكان الريبة إلى أن ينقده المؤلف أو غيره بنظر هادئ، ويرينا كيف اهتدى إلى أنه مصنوع انتحل انتحالاً. ومن الشعر الذي رواه ابن إسحاق، ولم يتعرض لنقده ابن هشام قصيدة: "يا راكباً إن الأثيل مظنة" المنسوبة لقتيلة ابنة النضر، فقد قال الزبير بن بكّار في "النسب": "إن بعض أهل العلم ذكر أنها مصنوعة" (٢).
* مقدرة القدماء على النقد:
قال المؤلف في (ص ٩٩): "ولكن هؤلاء العلماء الذين فطنوا لأثر
стр. 3670
القصص في انتحال الشعر خدعوا أيضاً؛ فلم يكن صناع الشعر جميعاً ضعافاً، ولا محمقين، بل كان منهم ذو البصيرة النافذة، والفؤاد الذكي، والطبع اللطيف، فكان يجيد الشعر، ويحسن انتحاله وتكلفه، وكان فطناً يجتهد في إخفاء صنعته، ويوفّق من ذلك إلى الشيء الكثير".
يعرف الناس أن في العلوم قطعيات، وفيها ظنيات تتفاوت. ومن الظن ما يقوى حتى يقرب من اليقين، ومنه ما يضعف، فيكاد يتصل بالشك. ويعلمون أن من أصول العلم ما لا يعتد به إلا إذا قام على يقين، ومنها ما يكفي فيه الظن القريب من العلم، ومنها ما يكفي فيه احتمال الثبوت، ولو لم يرجح على الشك إلا بمثقال ذرة، والعلوم الأدبية لا تأبى أن يكون في مسائلها شيء من هذا القبيل.
فإذا قبل بعض أهل العلم شعراً يضاف إلى العرب، فليس معنى هذا القبول أنهم تيقنوا أو ظنوا ظناً قريباً من العلم أن هذه الإضافة صحيحة، بل لأنهم نقدوه، فلم يتراء لهم دليل على وضعه، وأصبح احتمال الوضع إزاء احتمال الصحة أخف وزناً. وإذا خطر على بالهم أن يكون الراوي ماهراً في التظاهر بالاستقامة، وبارعاً في تقليد الشعر العربي إلى حيث يخفى على الناقد النحرير، أعرضوا عن هذا الخاطر؛ لأنه يفضي إلى رفض كل أثر أدبي لم يجيء من طرق متعددة.
يعلم كثير الملاحظة لما يؤثر عنهم في نقد الشعر: أنهم كانوا يرددون أنظارهم في الأشعار القديمة والحديثة، حتى يتربى لطائفة منهم أذواق تفرق بين شعر هذا العصر وذاك العصر، وتميز بين نسج النابغة -مثلاً-، ونسج حسّان بن ثابت، وتدرك أن هذا أرسلته القريحة بفطرتها، وهذا عمدت إلى
стр. 3671
أن تحاكي به طريقة شاعر بعينه.
وهذا الطريق من النقد لا يسهل على كل من حفظ الأشعار، أو بحث في غريبها وإعرابها، وإنما يستطيعه في كل عصر طائفة درست منشآت البلغاء، وتقلبت في فنون البيان أطواراً، وألقت على منظوم كل شاعر نظرات خاصة، حتى تعرف نزعته، وتدري كيف يأخذ في تأليف الألفاظ، وفي أيّ صورة يركبها، فيستطيع المضي في هذا الطريق من النقد أمثال: الأصمعي، والجاحظ، وأبي الفرج الأصبهاني، وإذا قالوا في وصف أحد أهل العلم كما قالوا في أبي الخطاب الأخفش: "وكان أعلم الناس بالشعر، وأنقدهم له" (١)، فإنما يقصدون -فيما أحسب- هذا الفن من النقد بوجه خاص.
وإذا كان القدماء في هذه المقدرة على صناعة النقد، وأضفنا إليها عنايتهم بالنظر في حال الراوي، ذهبنا في ظننا أن هذا الشعر الذي يعزوه الرواة الثقات إلى الجاهلية، ولم ينقدوه بنظر خاص أو بوجه عام، هو من الجاهلية في شيء، وأريد من الوجوه العامة للنقد أمثال طعنهم في أمانة بعض الرواة، وتنبيههم على عدم الثقة بنسبة شعر إلى من قدم عهده في الجاهلية، فكل ما ينسب لقديم العهد في الجاهلية يعد في نظرهم مرتاباً فيه، بل قد يسميه بعضهم: منحولاً، وشاهد هذا: أنهم قالوا: إن سيبويه قد يمتنع من تسمية الشاعر؛ لأن بعض الشعر يروى لشاعرين، وبعضه منحول لا يعرف قائله؛ لقدَم العهد به (٢)، وقد عرفتم أن سيبويه وغيره يستشهدون بهذا النوع من
стр. 3672
الشعر حيث يسمع من العرب الخلّص، وما يسمع من العربي القحّ لا يتوقف الاستشهاد به على معرفة اسم قائله في الواقع.
* قصة الزبّاء:
قال المؤلف في (ص ١٠١): "وقلْ مثل هذا في هذا الشعر الذي يضاف إلى جذيمة الأبرش، وفي كل ما يتصل بجذيمة وصاحبته الزبّاء، وابن أخته عمرو بن عديّ، ووزيره قصير. فليس لهذا كله إلا أصل واحد، وهو تفسير طائفة من الأمثال ذكرت فيها أسماء هؤلاء الناس كلهم أو بعضهم".
قال المؤلف هذا، ثم ساق الأمثال الواردة في القصة، متجاهلاً أن الناس نقدوها من قبله، وقد طرحها بعضهم إلى القصص الملفقة أو المشوهة. اقرأ العدد العاشر من السنة الأولى لمجلة "المشرق"، تجد به رسالة في تاريخ سلطانة تدمر: زينوبيا، أو الزباء، لأحد اليسوعيين، وتجده يقول في الحديث عنها: "غير أن أخبارها المتداولة بين العامة ليست إلا أقاصيص من حديث خرافة، لا تكاد تطابق ما ينبئنا عنه التاريخ الصحيح، وقد اعتنى بجمع تلك الحكايات (كوسين دي برسفال) في كتاب "تاريخ عرب الجاهلية"، فذكر فيه كل ما أورده مؤرخو العرب في شأن ملكة تدمر، واختلقوه في سيرتها من ضروب الخرافات وأنواع الترهات". وتعرض في تعليق بأسفل الصحيفة إلى الأمثال التي استخرجها العرب من قصة الزباء. وقال جرجي زيدان في كتاب "العرب قبل الإِسلام" (١): وللباحثين مناقشات في الزبّاء هذه: هي زينوبيا ملكة تدمر، أم هي غيرها؟ وممن يرى أنها غيرها المستشرق
стр. 3673
الإنكليزي (ردهوس)، وله في ذلك رسالة ضافية.
فالقصة تناولها كتاب الغرب والشرق، والمؤلف يحدثك بها في هيئة نحو من البحث جديد.
* أخبار العرب وآدابهم:
قال المؤلف في (ص ١٠٣): "والرواة أشد انخداعاً حين يتصل الأمر بالبادية اتصالاً شديداً، وذلك في هذه الأخبار التي يسمونها: أيام العرب، أو أيام الناس، فهم سمعوا بعض هذه الأخبار من الأعراب، ثم رأوها تقص مفصلة مطولة، فقبلوا ما كان يروى منها على أنه جد من الأمر".
كذلك قال جرجي زيدان في كتاب "تاريخ آداب اللغة العربية": "إذا أمعنا النظر فيما خلفه العرب من أخبارهم وآدابهم، وجدناه لا يخلو من التمثيل بأعم معانيه .... وقد وصل إلينا في قالب القصص والحقائق التاريخية، لكن كثره في نظرنا موضوع، أو كان له أصل، فوسعوه وطولوه ونمقوه؛ ليكون عبرة أو قدوة في الموقف المطلوب".
لا أحسب أولئك الذين كانوا يتوهمون أن المؤلف باحث جديد إلا قوماً يستمعون إليه، وهم عن كتب الأدب القديم والحديث غافلون.
* حرب البسوس:
قال المؤلف في (ص ١٠٤): "فحرب البسوس، وحرب داحس والغبراء، وحرب الفساد (١) وهذه "الأيام" الكثيرة التي وضعت فيها الكتب
стр. 3674
ونظم فيها الشعر ليست في حقيقة الأمر -إن استقامت نظريتنا- إلا توسيعاً وتنمية لأساطير وذكريات كان العرب يتحدثون بها بعد الإِسلام".
ذكر جرجي زيدان في كتاب "تاريخ آداب اللغة العربية" مجموعة عمر ابن شبة التي سماها: الجمهرة، وقال: "هي تشتمل على حوادث عديدة، أكثرها وقع بين ربيعة وغيرهم، لكن المطالع يتبين من مواقف كثيرة: أن هذه الأخبار متوسطة بين التاريخ والقصة"، ثم ذكر أن من تلك المجموعة: حرب البسوس، وقال: "وهي قصة قائمة بنفسها، استغرقت مئة صفحة كبيرة، يتخللها حوادث عنترية، وحماسات ومبارات ومناشدات، وغير ذلك"، ثم قال: "ومن هذا القبيل: كتاب بكر وتغلب ابني وائل، وفيه خبر كليب وجسّاس، والقصة أقرب إلى التاريخ منها إلى الرواية؛ لأنها تشتمل على وقاع لها ذكر في التاريخ، وقد زاد فيها المؤلف قصائد وتفاصيل نظنها خيالية".
وهل يبقى بعد هذا لقول المؤلف: "إن استقامت نظريتنا" من قيمة!.
* عاد وثمود:
كتب المؤلف في القصص، ولم يأت بجديد، وإنما مدّ يده إلى ما تحدَّث به الكتّاب من قبله، وسماه نظرية له، ثم انهال علينا بكليات عرضُها ما بين اليمامة وحضر موت.
فقال في (ص ١٠٤): "كل ما يروى عن عاد وثمود، وطسم وجديس، وجرهم والعماليق موضوع لا أصل له".
المقدار الذي قصه القرآن في هذا السبيل؛ كخبر عاد وثمود، قد جاء محمولاً على سواعد الحجج الناطقة بنبوة محمد ﵊،
стр. 3675
وما يقبل من ناحية هذه الحجج إنما يأخذ من النفوس مأخذ المقطوع بصحته، ولا يستطيع العلم والمنطق لمخالفته طلباً. أما ما جاء من طريق الرواية، فذلك منتهى ما وصلت إليه أيدي الرواة، فما لاحت فيه أمارة الوضع، طرحوه، وما لم يروا في نقده وجهاً يقتضي إنكاره، دوّنوه وتناقلوه. وللمؤلف أن يبحث فيما سكتوا عنه، وينقده بطريق علمي غير هذه الآراء التي جمع شملها بعد شتات، وغير هذه الكليات المرمية عن غير بحث واستقراء.
وقد تحدث قبله جرجي زيدان عن مثل عاد وثمود، فقال في كتاب "العرب قبل الإِسلام" (١): "وأكثر مبالغات العرب في القبائل البائدة، حتى سبق إلى أذهان المحققين من غير المسلمين أنها موضوعة، ولولا ورود بعضها في القرآن والحديث، لقال المسلمون ذلك أيضاً. على أن ورود أسمائها وبعض أخبارها في كتب اليونان وغيرهم أثبت وجودها، وجاءت الاكتشافات الأثرية بما يؤيد ذلك، مع إظهار المبالغة في روايات العرب".
* تبع وحمير وسيل العرم:
قال المؤلف في (ص ١٠٤): "وكل ما يروى عن تبع وحمير، وشعراء اليمن في العصور القديمة، وأخبار الكهان، وما يتصل بسيل العرم، وتفرق العرب بعده، موضوع لا أصل له".
أما تبع، فقد قال ابن خلدون: "وفي أنساب التبابعة تخليط واختلاف، لا يصح منها ومن أخبارها إلا القليل" (٢). وتكلم جرجي زيدان في تاريخ
стр. 3676
تبع وحمير، ثم قال: "وأكثره مبالغ فيه، وبعضه أقرب إلى الخرافات منه إلى الحقائق" (١).
هذا كلام القدماء والمحدثين في تبع وحمير، وقد فضلهم المؤلف بصوغ العبارة في قالب الكلية؛ كأنه كان على مسمع ومرأى من تلك العصور القديمة، ثم بعث اليوم من مرقده، وعرف أن كل ما يروى عن تبع وحمير لا يوافق شيئاً مما كان يَسمع وَيرى!.
وأما سيل العرم، فقد ذكره الله تعالى في القرآن، وقد شاهد الهمداني في أوائل القرن الرابع للهجرة أنقاض سد العرم، "وكان يقرأ المسند ويفهمه، فوصف تلك الأنقاض مع تطبيقها على قول القرآن، وهذان القولان أصدق ما جاء عن خبر هذا السد، وأكثر مطابقة لما وجده النقابون الذين اكتشفوا آثار ذلك الخزان في القرن الماضي" (٢).
ولو اعتاد المؤلف البحث عن الحقائق بإخلاص، لتحامى أن يحكم عن تاريخ أمة بأن جميعه موضوع لا أصل له، وأنت إذا نثلت كنانته، لم تجد عنده من شبهة سوى ظهور الوضع في بعضه، أو في كثير منه.
* * *
стр. 3677
الشعوبية وانتحال الشعر
يرجع حديث المؤلف في هذا الفصل إلى نتيجتين:
الأولى: أن الشعوبية انتحلوا من الشعر ما فيه عيب للعرب، وغضّ منهم.
والثانية: أن الذين كانوا يعتنون بالرد على الشعوبية قد أجابوهم بلون من الانتحال.
أما النتيجة الأولى، فإنك لا تجد لها في حديثه سوى مقدمتين:
أولاهما: أنه وجد على ظهر الأرض طائفة تبغض العرب يقال لها: الشعوبية.
والثانية: أن في الشعوبية شعراء، منهم: أبو العباس الأعمى، وإسماعيل ابن يسار، فيكون تأليف القياس هكذا: بعض الناس شعوبية، وبعض الشعوبية شعراء، وكل شاعر شعوبي ينتحل شعراً جاهلياً، النتيجة:
الشعوبية من أسباب انتحال الشعر الجاهلي. إذاً عنوان "الشعويية وانتحال الشعر" عنوان مستقيم، ولكن القائم على قانون المنطق يرى أن انتحال الشعر الجاهلي غير لازم للشعوبية، لا عقلاً، ولا عادة، ولم يقم المؤلف دليلاً على التلازم بينهما، بل لم يأت برواية تدل على أن بعض الشعوبية انتحل شعراً جاهلياً.
стр. 3678
وأما النتيجة الثانية، فليس لها من مقدمات، سوى أن طائفة كالجاحظ انتصروا للعرب، وردوا على الشعوبية، وأوردوا في هذا الصدد شعراً جاهلياً، وقد قلنا لكم: إن علماء العربية يعدون الجاحظ ممن لا يوثق بروايتهم، فإذا انفرد لإنشاد شعر جاهلي، نقلوه على وجه الأدب، دون أن يعولوا عليه في لغة أو تاريخ. ولا حق لنا مع هذا أن نسمي ما يرويه مصنوعاً ومنتحلاً لمجرد وقوعه في سبيل الرد على الشعوبية، بل لا بد من النظر فيه كشعر لم يقع في سياق الرد على هذه الطائفة، إذ من المحتمل أن يقوم الشعر الثابت وحده بالرد عليهم، ولا يحتاج إلى أن يضم إليه اختلاق وانتحال.
* قصة إسماعيل بن يسار:
ذكر المؤلف: أن إسماعيل بن يسار من الطائفة التي تزدري العرب، وتستغلّ ما بينهم من الخصومات السياسية لحاجاتها وأهوائها، ووقف يتلو على القراء قصة تشهد بأنه أصيل في بغض بني أمية.
فقال في (ص ١٠٨): "فاستأذن يوماً على الوليد بن عبد الملك، فأخره ساعة، حتى إذا أذن له، دخل عليه يبكي".
وساق القصة الواردة في الجزء الرابع (١) من كتاب "الأغاني" حتى أتى على آخرها.
كنا نحسب أن من يؤلف كتاباً يملؤه بازدراء أهل العلم، ولا يفتأ يرميهم بعدم التثّبت في الرواية، يأخذ نفسه بالتحفظ من الوقوع في مثل ما يشهِّرهم به. ولكن المؤلف بلي بقلم أينما يوجهه لا يأتي بخير، فالقصة
стр. 3679
مأخوذة من "الأغاني"، وصاحب الأغاني يقول: "استأذن إسماعيل على الغمر بن يزيد بن عبد الملك يوماً، فحجبه ... إلخ"، وإذا كان الوليد بن عبد الملك لا يسمّى "الغمر"، والغمر بن يزيد لا يسمّى: "الوليد"، كان المؤلف مخطئاً في زعمه: أن واقعة إسماعيل كانت مع رجل يسمّى: "الوليد ابن عبد الملك".
* شعر الأعشى، وعدي بن زيد:
قال المؤلف عن الشعوبية ما شاء أن يقول، واغترف من كتاب "الأغاني" قصصًا عن أبي العباس الأعمى، وإسماعيل بن يسار، وقصارى ما تدل عليه هذه القصص: أن الأول كان يهجو آل الزبير، وأن الثاني كان يبغض آل مروان، وله شعر يفخر فيه بالأعاجم، وزعم أنه وصل بهذا إلى ما كان يريده من تأثير الشعوبية في انتحال الشعر، ولكنه لم يستطع أن يضرب لك مثلاً يريك كيف انتحلت الشعوبية شعراً جاهلياً، فضاق بمنهج (ديكارت) ذرعاً، وجهل على هذه القوانين التي ترسم للباحث حدوداً، وأخذ يحدثك عن الموالي.
ويقول لك في (ص ١١١): "فهم أنطقوا العرب بكثير من نثر الكلام وشعره، فيه مدح للفرس، وثناء عليهم، وتقرب منهم. وهم زعموا لنا: أن الأعشى زار كسرى، ومدحه، وظفر بجوائزه، وهم أضافوا إلى عديّ بن زيد، ولقيط بن يعمر، وغيرهما من إياد والعباد كثيراً من الشعر فيه الإشادة بملوك الفرس وسلطانهم وجيوشهم".
انظروا إلى أنصار الجديد كيف لا يحترمون ما تسمونه صدقاً، ولا يتألمون من أن يتحدثوا عما يتخيلونه، ويسوقوه إليكم في صورة ما لا يشكون في
стр. 3680
وقوعه! قولوا للمؤلف: بأي أذن سمعت، أم بأيّ ذوق أدركت أن الموالي هم الذين اصطنعوا هذا النثر الذي فيه مدح لكسرى، أو ثناء على الفرس؟.
إذا كان الأعشى شاعراً، وجاءت كتب التاريخ والأدب بأنه كان يتردد على ملوك الفرس، أفلا يكفي هذا أمارة على أنه كان يلقي بين أيديهم شعراً، وأن هذا الشعر يشتمل على مديح وثناء؟!.
وإذا كان عديّ بن زيد شاعراً، وحدثنا التاريخ بأنه كان يتردد على كسرى، ويتولى الكتابة العربية في ديوانه، أفنستبعد مع هذا أن يأتي في شعره شيء من الثناء على كسرى أو سلطانه؟!.
لقد سُلِّطَ هذا المؤلف على شعر الأعشى، فأعطى قسطاً منه إلى اليهود، وقسطاً إلى الموالي، وسُلِّط على شعر عدّي بن زيد، فجعله مقسّماً على النصارى والموالي، ذهب أولئك بشطر منه، وذهب هؤلاء بالشطر الآخر!.
إن الذي يريد أن ينفي هذا الشعر عن الأعشى، وعدّي بن زيد، يحتاج إلى أن يدَّعي أنهما اسمان خياليان، أو أنهما لم يكونا شاعرين، أو أنهما لم يتصلا بكسرى، فلا الأعشى تمكّن من زيارته، ولا عدّي بن زيد عمل في دولته.
وقد أدرك الأعشى عهد البعثة، ولم يكن عديّ بن زيد منها ببعيد، وقد تواردت كتب التاريخ والأدب على أنهما كانا يفدان على كسرى، فهل للمؤلف أن يناقش في هذا على طريقة النظر الصحيح؟!.
* أبيات أبي الصلت بن ربيعة:
قال المؤلف في (ص ١١): "وهم أنطقوا شاعراً من شعراء الطائف بأبيات رواها الثقات من الرواة على أنها صحيحة لا شك فيها، وهي أبيات