← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

تبع وحمير، ثم قال: "وأكثره مبالغ فيه، وبعضه أقرب إلى الخرافات منه إلى الحقائق" (١). هذا كلام القدماء والمحدثين في تبع وحمير، وقد فضلهم المؤلف بصوغ العبارة في قالب الكلية؛ كأنه كان على مسمع ومرأى من تلك العصور القديمة، ثم بعث اليوم من مرقده، وعرف أن كل ما يروى عن تبع وحمير لا يوافق شيئاً مما كان يَسمع وَيرى!. وأما سيل العرم، فقد ذكره الله تعالى في القرآن، وقد شاهد الهمداني في أوائل القرن الرابع للهجرة أنقاض سد العرم، "وكان يقرأ المسند ويفهمه، فوصف تلك الأنقاض مع تطبيقها على قول القرآن، وهذان القولان أصدق ما جاء عن خبر هذا السد، وأكثر مطابقة لما وجده النقابون الذين اكتشفوا آثار ذلك الخزان في القرن الماضي" (٢). ولو اعتاد المؤلف البحث عن الحقائق بإخلاص، لتحامى أن يحكم عن تاريخ أمة بأن جميعه موضوع لا أصل له، وأنت إذا نثلت كنانته، لم تجد عنده من شبهة سوى ظهور الوضع في بعضه، أو في كثير منه. * * *

стр. 3677

الشعوبية وانتحال الشعر يرجع حديث المؤلف في هذا الفصل إلى نتيجتين: الأولى: أن الشعوبية انتحلوا من الشعر ما فيه عيب للعرب، وغضّ منهم. والثانية: أن الذين كانوا يعتنون بالرد على الشعوبية قد أجابوهم بلون من الانتحال. أما النتيجة الأولى، فإنك لا تجد لها في حديثه سوى مقدمتين: أولاهما: أنه وجد على ظهر الأرض طائفة تبغض العرب يقال لها: الشعوبية. والثانية: أن في الشعوبية شعراء، منهم: أبو العباس الأعمى، وإسماعيل ابن يسار، فيكون تأليف القياس هكذا: بعض الناس شعوبية، وبعض الشعوبية شعراء، وكل شاعر شعوبي ينتحل شعراً جاهلياً، النتيجة: الشعوبية من أسباب انتحال الشعر الجاهلي. إذاً عنوان "الشعويية وانتحال الشعر" عنوان مستقيم، ولكن القائم على قانون المنطق يرى أن انتحال الشعر الجاهلي غير لازم للشعوبية، لا عقلاً، ولا عادة، ولم يقم المؤلف دليلاً على التلازم بينهما، بل لم يأت برواية تدل على أن بعض الشعوبية انتحل شعراً جاهلياً.

стр. 3678

وأما النتيجة الثانية، فليس لها من مقدمات، سوى أن طائفة كالجاحظ انتصروا للعرب، وردوا على الشعوبية، وأوردوا في هذا الصدد شعراً جاهلياً، وقد قلنا لكم: إن علماء العربية يعدون الجاحظ ممن لا يوثق بروايتهم، فإذا انفرد لإنشاد شعر جاهلي، نقلوه على وجه الأدب، دون أن يعولوا عليه في لغة أو تاريخ. ولا حق لنا مع هذا أن نسمي ما يرويه مصنوعاً ومنتحلاً لمجرد وقوعه في سبيل الرد على الشعوبية، بل لا بد من النظر فيه كشعر لم يقع في سياق الرد على هذه الطائفة، إذ من المحتمل أن يقوم الشعر الثابت وحده بالرد عليهم، ولا يحتاج إلى أن يضم إليه اختلاق وانتحال. * قصة إسماعيل بن يسار: ذكر المؤلف: أن إسماعيل بن يسار من الطائفة التي تزدري العرب، وتستغلّ ما بينهم من الخصومات السياسية لحاجاتها وأهوائها، ووقف يتلو على القراء قصة تشهد بأنه أصيل في بغض بني أمية. فقال في (ص ١٠٨): "فاستأذن يوماً على الوليد بن عبد الملك، فأخره ساعة، حتى إذا أذن له، دخل عليه يبكي". وساق القصة الواردة في الجزء الرابع (١) من كتاب "الأغاني" حتى أتى على آخرها. كنا نحسب أن من يؤلف كتاباً يملؤه بازدراء أهل العلم، ولا يفتأ يرميهم بعدم التثّبت في الرواية، يأخذ نفسه بالتحفظ من الوقوع في مثل ما يشهِّرهم به. ولكن المؤلف بلي بقلم أينما يوجهه لا يأتي بخير، فالقصة

стр. 3679

مأخوذة من "الأغاني"، وصاحب الأغاني يقول: "استأذن إسماعيل على الغمر بن يزيد بن عبد الملك يوماً، فحجبه ... إلخ"، وإذا كان الوليد بن عبد الملك لا يسمّى "الغمر"، والغمر بن يزيد لا يسمّى: "الوليد"، كان المؤلف مخطئاً في زعمه: أن واقعة إسماعيل كانت مع رجل يسمّى: "الوليد ابن عبد الملك". * شعر الأعشى، وعدي بن زيد: قال المؤلف عن الشعوبية ما شاء أن يقول، واغترف من كتاب "الأغاني" قصصًا عن أبي العباس الأعمى، وإسماعيل بن يسار، وقصارى ما تدل عليه هذه القصص: أن الأول كان يهجو آل الزبير، وأن الثاني كان يبغض آل مروان، وله شعر يفخر فيه بالأعاجم، وزعم أنه وصل بهذا إلى ما كان يريده من تأثير الشعوبية في انتحال الشعر، ولكنه لم يستطع أن يضرب لك مثلاً يريك كيف انتحلت الشعوبية شعراً جاهلياً، فضاق بمنهج (ديكارت) ذرعاً، وجهل على هذه القوانين التي ترسم للباحث حدوداً، وأخذ يحدثك عن الموالي. ويقول لك في (ص ١١١): "فهم أنطقوا العرب بكثير من نثر الكلام وشعره، فيه مدح للفرس، وثناء عليهم، وتقرب منهم. وهم زعموا لنا: أن الأعشى زار كسرى، ومدحه، وظفر بجوائزه، وهم أضافوا إلى عديّ بن زيد، ولقيط بن يعمر، وغيرهما من إياد والعباد كثيراً من الشعر فيه الإشادة بملوك الفرس وسلطانهم وجيوشهم". انظروا إلى أنصار الجديد كيف لا يحترمون ما تسمونه صدقاً، ولا يتألمون من أن يتحدثوا عما يتخيلونه، ويسوقوه إليكم في صورة ما لا يشكون في

стр. 3680

وقوعه! قولوا للمؤلف: بأي أذن سمعت، أم بأيّ ذوق أدركت أن الموالي هم الذين اصطنعوا هذا النثر الذي فيه مدح لكسرى، أو ثناء على الفرس؟. إذا كان الأعشى شاعراً، وجاءت كتب التاريخ والأدب بأنه كان يتردد على ملوك الفرس، أفلا يكفي هذا أمارة على أنه كان يلقي بين أيديهم شعراً، وأن هذا الشعر يشتمل على مديح وثناء؟!. وإذا كان عديّ بن زيد شاعراً، وحدثنا التاريخ بأنه كان يتردد على كسرى، ويتولى الكتابة العربية في ديوانه، أفنستبعد مع هذا أن يأتي في شعره شيء من الثناء على كسرى أو سلطانه؟!. لقد سُلِّطَ هذا المؤلف على شعر الأعشى، فأعطى قسطاً منه إلى اليهود، وقسطاً إلى الموالي، وسُلِّط على شعر عدّي بن زيد، فجعله مقسّماً على النصارى والموالي، ذهب أولئك بشطر منه، وذهب هؤلاء بالشطر الآخر!. إن الذي يريد أن ينفي هذا الشعر عن الأعشى، وعدّي بن زيد، يحتاج إلى أن يدَّعي أنهما اسمان خياليان، أو أنهما لم يكونا شاعرين، أو أنهما لم يتصلا بكسرى، فلا الأعشى تمكّن من زيارته، ولا عدّي بن زيد عمل في دولته. وقد أدرك الأعشى عهد البعثة، ولم يكن عديّ بن زيد منها ببعيد، وقد تواردت كتب التاريخ والأدب على أنهما كانا يفدان على كسرى، فهل للمؤلف أن يناقش في هذا على طريقة النظر الصحيح؟!. * أبيات أبي الصلت بن ربيعة: قال المؤلف في (ص ١١): "وهم أنطقوا شاعراً من شعراء الطائف بأبيات رواها الثقات من الرواة على أنها صحيحة لا شك فيها، وهي أبيات

стр. 3681

تضاف إلى أبي الصلت بن ربيعة، وهو أبو أمية ابن أبي الصلت المعروف. وقد يكون من الخير أن نروي هذه الأبيات وهي: "لله درهم من عصبة خرجوا" وسرد منها سبعة أبيات تنتهي بقوله: "شيبا بماء فعادا بعد أبوالا" ثم قال: "وقد زاد ابن قتيبة في أوله هذه الأبيات، وهي أبلغ في الدلالة على ما نريد أن ندل عليه، وهي: لن يطلب الوتر أمثالُ ابن ذي يزنٍ ... لجج في البحر للأعداء أحوالا أتى هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده القول الذي قالا ثم انتحى نحو كسرى بعد تاسعة ... من السنين لقد أبعدت إيغالا حتى أتى ببني الأحرار يحملهم ... أنك عمري لقد أسرعت قلقالا ثم قال المؤلف: "فانظر إليه كيف قدم الفرس على الروم في أول الشعر، وعلى العرب في سائره". إن كان في أول الشعر تقديم للفرس على الروم، فليس في سائره تقديمهم على العرب. أما قوله: "ما إن ترى لهم في الناس أمثالا" فإنما هي مبالغة الشاعر الذي لا يحبس نفسه في حدود الحقيقة، وقد تكون هذه الكلمة تستعمل لذلك العهد -مثلما نستعملها اليوم- للمبالغة في مدح المتحدث عنه من غير قصد إلى تفضيله على كل من سواه، أنستبعد من أبي الصلت -وهو شاعر- أن يقدم هذه الكلمة البالغة في المديح إلى

стр. 3682

أمة ساعدت ابن ذي يزن على طرد طائفة كانت تسعى في قسم من بلاد العرب فساداً؟! وهذا المؤلف -وهو غير شاعر- قد فضل العقلية الغربية على عقلية قومه، ومن فضلت عقليته على آخر، فقد فضلته، أو كدت تفضله عليه في كل شيء، إذن، ينتظر من الجيل القابل أن يذهب إلى أن كتاب "في الشعر الجاهلي" ليس من الدكتور طه حسين في شيء، وإنما أنطقه به بعض المستشرقين. والبيت الأول من الأبيات المأخوذة من كتاب "الشعر والشعراء" وقع في ذلك الكتاب محرّفاً، ونقله أستاذ آداب العرب في الجامعة على تحريفه هكذا: "لن يطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن" وصوابه: "ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن" كما ورد في "تاريخ ابن جرير"، و "سيرة ابن هشام"، و"كتاب الأغاني"، وهو المناسب لمقام التهنئة والمديح، وورد في كتاب الأغاني (١) برواية أخرى لا تناقض هذا المعنى، وهي: "لا يطلب الثأر إلا كابن ذي يزن" * أبيات إسماعيل بن يسار: قال المؤلف في (ص ١١٢): "ومن الخير أن نروي أبياتاً قالها إسماعيل ابن يسار في الفخر بالفرس، فسترى بينها وبين الشعر الذي يضاف إلى أبي الصلت ما يحمل على شيء من الشك والريبة. قال:

стр. 3683

إني وجدّك ما عودي بذي خور ... عند الحفاظ ولاحوضي بمهدوم وسرد الأبيات الثمانية الواردة في الجزء الرابع (١) من كتاب "الأغاني". تقرأ الأبيات المعزّوة إلى أبي الصلت، وأبيات إسماعيل بن يسار، فتجد الشبه بينهما في شطرين: أحدهما: قول أبي الصلت: "من مثل كسرى وسابور الجنود له" وقول ابن يسار: "من مثل كسرى وسابور الجنود معا" والمشابهة على هذا النحو قد تقع بين الشعرين اللذين يختلف قائلهما، ويسمونه: سرقة، أو استعانة، أو يجعلونه من قبيل توارد الخواطر، متى علم أن أحد الشاعرين لم يطلع على ما نظم الآخر، وليس من اللائق أن يجعل مثل هذا سبباً لإعطاء الشعر المتقدم إلى صاحب الشعر المتأخر. وشطر أبي الصلت جاء كذلك في رواية المؤلف، أما رواية ابن قتيبة في "الشعر والشعراء"، فهي: "من مثل كسرى وباذان (٢) الجنود له". ورواية ابن جرير في "تاريخه": "من مثل كسرى شاهنشاه الملوك له". وقد سرد ابن هشام في "السيرة" أبيات أبي الصلت، ولم يأت فيها بهذا البيت جملة، وقال: هذا ما صح له مما روى ابن إسحاق منها. ولم يجئ هذا البيت أيضاً في رواية "الأغاني"، وهو على تسليم ثبوته لا يملك من القوة أن يخرج القصيدة من شعر أبي الصلت، ويدخلها في حساب إسماعيل بن يسار.

стр. 3684

أما (ثاني الشطرين)، فهو قول أبي الصلت: "بيضاً جحاجحة غرّاً مرازبة" وقول ابن يسار: "جحاجحٌ سادة بلج مرازبة" وقد عرفت أن تشابه القصيدتين في شطر أو شطرين أو أكثر لا يدل على أنهما بنتا قريحة واحدة، وإنما هو الاختلاس، أو الاسترفاد، أو توافق الخواطر، ولو كان اتفاق الشعرين في شطر أو بيت يجيز إضافة السابق إلى ناظم الشعر التالي، لكانت إضافة أبيات أبي الصلت إلى النابغة أولى؛ فإن آخر بيت فيها وهو: تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماءٍ فعادت بعد أبوالا مروي في شعر يُعزى إلى النابغة، وقد أراد ابن هشام نفيه من شعر أمية، وإلحاقه بالنابغة، فقال: إلا آخرها بيتاً، فإنه للنابغة في قصيدة له. وقضى به صاحب "الأغاني" (١) لأبي الصلت، وقال: إنما أدخله النابغة في قصيدة له على جهة التضمين. ولم يكن بعد هذين الشطرين وجه شبه بين أبيات أبي الصلت وأبيات ابن يسار سوى أن كلا الشعرين مصنوع في بحر الطويل، ومشتمل على شيء من مدح الفرس، ومراعى فيه مقاييس اللغة، وهذه أحوال عامة لا ييلغ التماثل فيها أن ترد به الرواية, وينقل به الشعر من أبي الصلت إلى إسماعيل ابن يسار.

стр. 3685

* واقعة ذي قار: قال المؤلف في (ص ١١٣): "ثم من هنا هذه الأيام والوقائع التي كانت للعرب على الفرس، والتي تحدث النبي عن بعضها، وهو يوم ذي قار". ينظر القارئ بدقة أو بسذاجة، فلا يجد من مناسبة لهذه الفقرة التي يتهجم بها المؤلف على حضرة صاحب الرسالة، إلا أن ينبت في نفوس طلابه أو قراء كتابه نباتاً سيئاً. ألا يسعه إنكار يوم ذي قار دون أن يقول بعبارته الصريحة: إن النبي تحدث عنه؟! ألا يكون القارئ على حق إذا فهم أن المؤلف اتخذ اسم البحث في العلم برقعاً يغمز ويطعن من ورائه حتى يرضى، وأن هذا البرقع قد ينزاح، فلا يبقى شيء سوى طعن القدم الذي يلذ فتنة القلوب المطمئنة بالإيمان؟. ربما يكون المؤلف قد رأى هذا الأثر في كتب الأدب أو التاريخ, فأضافه إلى الحضرة النبوية كالواثق بصحة روايته، ثم جعل واقعة اليوم كذباً، فالمؤلف يؤمن بهذه الكتب إذا روت حديثاً أو خبراً يبدو له أن يتوكأ عليه في طعن أو غمز، ويرميها بالزور والبهتان إذا نقلت أثراً صالحاً للعرب أو الإِسلام. تشعبت أهواء المؤلف، فتركت أقواله في تخاذل بعيد، فيوم ذي قار من هذه الأيام الموضوعة لإجابة الشعوبية بلون من الانتحال، ويوم ذي قار تحدث عنه النبي! فيوم ذي قار اختلق لعهد الشعوبية، وتحدث عنه النبي قبل اختلاقه. هذا معنى كلامه إن كان يتحدث في تاريخ آداب العرب بلغتهم، وعلى ما تقتضيه قواعد نحوهم وبيانهم، فإن زعم أنه ينطق على الناس بما لا ينطق

стр. 3686

به ذو الجدّ منهم، قلنا له: لا تتعرض لمقام رسول الله ﷺ حين تنطق في هزل أو غير يقظة، فما نحن بتأويل منطق الهزل أو الهذر بعالمين. وقعت واقعة ذي قار بعد ظهور الإِسلام، ومن المؤرخين من يذكر لها وقتاً مسمّى، وهو السنة الثالثة للبعثة (١). وإذا احتمل بعض الأخبار المتصلة بها أن يكون مصطنعاً، فإن مجموع الأخبار والأشعار الواردة في طرق شتى، تفيد أن أصل الواقعة، وانتصار العرب على العجم مما لا شك فيه، ونسبة حديث هذا اليوم إلى العرب المضطرين إلى أن يجيبوا الشعوبيين بلون من الانتحال، مدفوعة بن كثيراً من أخباره مروية في "تاريخ ابن جرير"، و"العقد الفريد" عن شعوبي، وهو أبو عبيدة معمر بن المثنّى، فلولا أن خبر ذلك اليوم ثابت على وجه لا يتمكن الشعوبي من إنكاره، لما كان من رواته أبو عبيدة الذي سيعده المؤلف في طبقة صنّاع الأخبار المزرية بشأن الأمة العربية. * علماء اللغة والأدب والكلام والفلسفة: قال المؤلف في (ص ١١٤): "ولعلك تلاحظ أن الكئرة المطلقة من العلماء الذين انصرفوا إلى الأدب واللغة والكلام والفلسفة، كانوا من العجم الموالي، وكانوا يستظلون بسلطان الوزراء والمشيرين من الفرس أيضاً". وبعد أن زعم أن غاية هؤلاء العلماء استحالت من إثبات سابقة الفرس في السلطان إلى ترويج السلطان الذي كسبوه أيام بني العباس، قال: "ومن هنا كان هؤلاء العلماء والمناظرون أصحاب ازدراء للعرب، ونعي عليهم، وغض من أقدارهم".

стр. 3687

في علماء اللغة والأدب للعهد الذي يتحدث عنه المؤلف كثير من العرب، مثل: الخليل بن أحمد، وأبي عمرو بن العلاء، والمفضل الضبي، والأصمعي، ومحمد بن سلام الجمحي، والمبرّد، وابن دريد، وفيهم كثير من بلاد العجم، وليسوا بموال؛ كالزجاجي، وأبي عمرو الهروي، وابن درستويه، وأبي حنيفة الدينوري. وفيهم كثير من الموالي، مثل: سيبويه، والكسائي، والفرّاء، وابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني. وأنت إذا تقصيت آثار هؤلاء وأمثالهم ممن خدموا اللغة العربية وآدابها بالرواية والتأليف، لا تجد بها سوى روح علمية سامية، ومن قلة الإنصاف في البحث أن يقال عنهم: إنهم كانوا يزدرون العرب، ويغضون من أقدارهم، ولو تبينت هذا الذي جاء به المؤلف لم تجد له من شبهة سوى أن يقول: إن أصلهم عجم، وفي العجم شعوبية، أو يمد يده إلى رجال "حديث الأربعاء"، ويضم طائفة منهم إلى أبي عبيدة، ثم يقول لك: هؤلاء يمثلون الكرة المطلقة من العلماء الذين انصرفوا إلى الأدب واللغة. لا يدري القارئ" ما وجه هذا الحديث عن علماء الكلام والفلسفة في هذا الفصل المعقود للشعوبية وانتحال الشعر، ولا أحسب أحداً يمشي في البحث على هذه الهيئة إلا حيث ينسى الغاية التي يرسمها عنوان الفصل، وينحرف عنها أذرعاً ليقضي حاجة أخرى. قد يوجد في علماء الكلام والفلسفة مثل أبي عبيدة في علماء الأدب واللغة، أما دعوى أن الكثرة المطلقة من الموالي، وأن هذه الكثرة تبغض العرب، أو تستحل الافتراء عليها، فليس للمؤلف بها من سلطان إلا محاولته لأن يصنع لذلك العهد تاريخاً يحمل مساوي لا ترى بينها سريرة طيبة، أو سيرة حسنة.

стр. 3688

* أبو عبيدة معمر بن المثنى: قال المؤلف في (ص ١١٤): "فأما أبو عبيدة معمر بن المثنى الذي يرجع العرب إليه فيما يروون من لغة وأدب، فقد كان أشد الناس بغضًا للعرب، وازدراء لهم، وهو الذي وضع كتاباً لا نعرف الآن إلا اسمه وهو: (مثالب العرب) ". كأنَّ المؤلف لا يؤمن بأن أحداً يبغض شخصاً أو حزباً أو شعباً دون أن يفتري عليه كذباً، ونحن نعرف في الشرق والغرب أناساً انعقدت بيننا وبينهم صلة الصداقة والصحبة، وربما كانوا يبغضون أشخاصاً أو جماعات بغضَ المؤلف للعرب بعد الإِسلام، ولكنهم يقدرون فضيلة الصدق، ويحتفظون بلباس المروءة، فلم نلمح في سيرتهم ما يقرب من أمثال هذه المبالغات أو المبتدعات التي يصوغها كتاب "في الشعر الجاهلي"، ويدسها في التاريخ, وهي لا تقبل أن تلجَ في التاريخ حتى يلجَ الجمل في سمِّ الخياط. أنستبعد أن يكون أبو عبيدة من قَبيل هؤلاء الذين يبغضون ولا يفترون، ونذكر اسمه في أسباب انتحال الشعر، دون أن نبحث في سيرته بأناة؟!. قد نقد أبا عبيدة أناس يزنون الرجال بالقسطاس المستقيم، وأذاعوا نتيجة نقدهم له، فقالوا: "كان الغالب عليه الشعر والغريب وأخبار العرب. وكان مخلّاً بالنحو، كثير الخطأ، وكان -مع ذلك- مغرًى بنشر مثالب العرب، جامعاً لكل غثّ وسمين، وهو مذموم من هذه الجهة، وموثوق به فيما يروي عن العرب من الغريب" (١).

стр. 3689

فقد حدثوك عن أبي عبيدة بأنه شعوبي يبغض العرب، وينشر مثالبهم، وأروك أنه يجمع في أخبار العرب غثاً وسميناً؛ حتى لا تتلقى كل ما يرويه في هذا الشأن على أنه واقع حقاً، وقالوا لك: إنه ثقة فيما يرويه عن العرب من الغريب، حتى لا ترتاب فيما يجيئك على طريقه من كلم يعزوها إليهم، فقد بلوه وألفوه لا يقول في اللغة كذباً. قالوا: إن أبا عبيدة أوسع علماء عصره رواية لأيام العرب وأخبارها، وأنه كان يجمع الغثّ والسمين، ولم يقولوا كما قال المؤلف: إنه الذي يرجع إليه العرب فيما يروون من لغة وأدب؛ فإن هذا التعبير ظاهر في أن سند اللغة والأدب إنما يتصل به، والواقع أن علماء اللغة والأدب الذين تقدموا أبا عبيدة، أو عاصروه في الطلب، وتلقت عنهم طبقة من بعدهم، ليسوا بقليل، ومن هؤلاء: الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، وأبو عمرو بن العلاء، والمفضل الضبّي، وأبو زيد الأنصاري والأصمعي، وسيبويه، والكسائي، وأبو عمرو الشيباني، وابن الأعرابي، وأمثالهم. وأخبار أيام العرب كانت تروى من قبل أبي عبيدة، فقد وصفوا قتادة ابن دعامة السدوسي بأنه كان عالماً بأنساب العرب وأيامها، وقالوا: لم يأتنا عن أحد من علم العرب أصح من شيء أتانا عن قتادة (١). وقتادة هذا من الرجال الذين أخذ عنهم شيوخ أبي عبيدة. * علماء الموالي والإِسلام: قال المؤلف في (ص ١١٤): "وأما غير أبي عبيدة من علماء الموالي

стр. 3690

ومتكلميهم وفلاسفتهم، فقد كانوا يمضون في ازدراء العرب إلى غير حد، ينالونهم في حروبهم، ينالونهم في شعرهم، ينالونهم في خطابتهم، وينالونهم في دينهم أيضاً. فليست الزندقة إلا مظهراً من مظاهر الشعوبية". من يقف على الحالة العلمية للعهد الأول، ويلم بحياة الرجال القائمين بها من عرب وعجم، يعرف صحة قول ابن خلدون في مقدمته: "إن حملة العلم في الإِسلام أكثرهم العجم"، ويدري بعد هذا: أن الكثرة المطلقة من أولئك العجم كانوا برآء من هذا الذي يدسه المؤلف في صدور طلاب العلم بالجامعة. يقول المؤلف: إن الكثرة المطلقة من العلماء الذين انصرفوا إلى الأدب واللغة والكلام والفلسفة كانوا من العجم الموالي. ويقول: كان هؤلاء العلماء والمناظرون أصحاب ازدراء للعرب، ونعي عليهم، وغضّ منهم، ثم يصف هذه الكثرة المطلقة المؤلَّفة من العجم الموالي بأنهم كانوا يمضون في ازدراء العرب إلى غير حد، وأنهم كانوا ينالون العرب في حروبهم وشعرهم، وخطابتهم ودينهم. قد سردنا عليك أسماء طائفة من هذه الكثرة المطلقة التي يرميها المؤلف بوصمة عدم الإخلاص للعرب أو الإِسلام، ويذهب به الافتيات على التاريخ إلى أن يقول لك: ينالونهم في دينهم. ومن ذا يصدق بن أمثال سيبويه، وأبي عبيد القاسم بن سلام، والكسائي، والفرّاء، وابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني تنال ألسنتهم أو أقلامهم من دين الإِسلام؟!. ولم تكن الكثرة في علماء الكلام والفلسفة للموالي، وإنما الكثرة المطلقة للعجم، وليس كل العجم موالي، ومن العجم أو الموالي من لا يفضِّل

стр. 3691

أعجمياً على عربي إلا بالتقوى. وهذا ابن قتيبة -وهو فارسي- قد كان من أشد أنصار العرب، وأوسعهم بياناً في الرد على الشعوبية، وذلك الجاحظ -وهو من الموالي- قد أنفق "ما يملك من قوة ليثبت أن العرب يستطيعون أن ينهضوا لكل هذه المفاخر الأعجمية، وأن يأتوا بخير منها" (١). وليس الإِسلام دين العرب وحدهم، وإنما هو أدب الإنسانية، ونظام الحياة الراقية، وفي العجم والموالي من نصحوا له نصحَ العرب، فجاهدوا في إعلاء كلمته، وأنفقوا ما أوتوا من قوة في بيان حكمته، ولا يغضّ منه إلا من نشأ على غير روية، وأصبح الشر من طرف لسانه قريباً. ليست المسألة نظرية محضة حتى يسهل على المؤلف أن يتحدث فيها باجتهاده المطلق، وإنما هي مسألة تاريخية، والمسائل التاريخية لا يترك فيها المنقول إلى غير منقول. يحكي التاريخ: أن طائفة قامت تنادي بالمساواة بين الشعوب، فسمّوا: "أهل التسوية"، وسمّوا: "الشعوبية"، وربما يغلو بعض أفراد من هذه الطائفة، فيذهب إلى ازدراء العرب، والغضّ من شأنهم، ولا يبلغ ازدراء العرب إلى أن يكون زندقة، وما هو إلا كازدراء التميمي أو الأنصاري لقريش، لا يتجاوز أن يكون هوى غالباً، أو عصبية عمياء، وقد يصف التاريخ بهذه النزعة بعض أشخاص؛ كأبي عبيدة، وإسماعيل بن يسار، وسهل بن هارون. ولا تتعدى هذه الطائفة أن تنال العرب في بعض عوائدهم وشؤونهم القومية، وأكثر ما تمشي في ذمهم إلى أيام جاهليتهم، ولا تجدها تضرب إلى

стр. 3692

ساحة الدين ولو خطوة؛ لأن العجمي والعربي أصبحا فيه على سواء. وحدثنا التاريخ في مقام منفصل عن المقام الذي حدثنا فيه عن الشعوبية: أن هناك طائفة كانت تتظاهر بأنها "تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"، وهي منطوية على زندقة، وقد حمل التاريخ أسماء أفراد كانوا يتهمون بهذه النحلة، والزنادقة في كل عصر مظهر الفسوق والمجون، وأول رذيلة يركبون غاربها رذيلة الاختلاق وسوء التأويل، هم يعرفون أن في الإِسلام حكمة وحجة، وأنه أنشأ رجالاً يمثلون الاستقامة والعبقرية في أسمى مظاهرهما، فيصرفون همهم إلى إراءة حقائقه في غير صبغتها، صالى الحديث عن تاريخ رجاله بمبالغات أو مبتدعات هم برآء منها. يضطرب المؤلف فيما يكتب؛ لأنه يحب أن يغير حقائق التاريخ، والحقائق لا تتغير بالأقوال المنسوجة على نظام يقول فيما سلف: إن الأدب العربي لم يدرس في العصور الإِسلامية الأولى لنفسه، وإنما درس من حيث هو وسيلة إلى تصير القرآن وتأويله، واستنباط الأحكام منه ومن الحديث. ويضاهي هذا قولهُ يصف الأمة العربية في رواية "حديث الأربعاء": "كانت تنجذب إلى الوراء بحكم الدين، وبحكم اللغة التي لم تكن كغيرها من اللغات، وإنما كانت لغة دينية، فالاحتفاظ بأصولها وقواعدها، والاحتياط في صيانتها من التطور وآثاره السيئة واجب ديني، لا سبيل إلى جحوده" (١). يقول هذا وذاك، ثم لا يجد مانعاً من أن يقول لك: إن الكثرة المطلقة

стр. 3693

من علماء الأدب واللغة من الموالي، وإن هؤلاء الموالي كانوا ينالون العرب في دينهم. فعلماء الأدب كانوا يدرسون الأدب لفهم الكتاب، والسنّة، والكثرة المطلقة من علماء الأدب واللغة كانون يطعنون في ذلك الكتاب، وتلك السنّة! ولعلهم كانوا يجعلون الأدب وسيلة إلى فهمهما؛ لأنهم مسلمون بقلوبهم، وينالون منهما نكاية بالعرب؛ لأنهم غير مسلمين بعقولهم، ومتى استقامت للمؤلف نظرية توزيع الآراء والعقائد على العقول والقلوب، تمكن من أن يجمع الإيمان والكفر في نفس، أو يريك البياض والسواد في نقطة!. * الشعوبية والزندقة: قال المؤلف في (ص ١٤٤): "وليس تفضيل النار على الطين، وإبليس على آدم، إلا مظهراً من مظاهر الشعوبية الفارسية التي كانت تفضل المجوسية على الإِسلام". الشعوبية طائفة تنفي فضل العرب على غيرهم، أو تبغض العرب، وتفضل العجم، وقد يتحقق هذا المعنى في نفولص قوم مسلمين. والزندقة خلل في العقل، ومرض في القلب، وقد يختل عقل العربي، ويعتل قلبه، فترى عربياً زنديقاً، كما ترى شعوبياً مسلماً. وقد يجمع الرجل بين إنكار الدين وبغض العرب، فيكون زنديقاً شعوبياً، ولكل واحدة من هاتين النزعتين آثار خاصة، فآثار الشعوبية: جحود فضل العرب، أو تتبع مثالبهم، وآثار الزندقة: التهكم بالشرائع، والطعن في حكمتها. وتفضيل النار على الطين وإبليس على آدم ينسبونه إلى بشار بن برد. إذا صحت نسبته إليه، فهو أثر من آثار الزندقة، والزندقة غير الشعوبية.

стр. 3694

* خير العلم ما حمل عن أهله: قال المؤلف في (ص ١١٦): "ونحن نعلم حق العلم أن الخصومة حين تشتد بين الفرق والأحزاب، فأيسر وسائلها الكذب. كانت الشعوبية تنتحل من الشعر ما فيه عيب للعرب، وغضّ منهم". لا نفتح باب البحث مع المؤلف في قوله: إن الخصومة إذا اشتدت بين الأحزاب فأيسر وسائلها الكذب، فقد كان قلم المؤلف مستعملاً في هذا السبيل، وليس الذي يحدثك عن شيء أجهدَ فيه خياله كمن ينظر إليه بمكان بعيد، "وخير العلم ما حمل عن أهله". وإنما نشك في أن الشعوبية انتحلت من الشعر ما فيه عيب للعرب، وغضّ منهم، ويزداد شكّنا حينما نقرأ هذا الفصل المعد لهذا الغرض، ولا نجد لانتحال الشعوبية مثلاً قائماً، ولو كان تحت يد المؤلف أمثال قريبة، لما تجاسر على أبيات أبي الصلت، أو أمية بن أبي الصلت، وحاول إلحاقها بإسماعيل بن يسار. * انفراد الجاحظ بالرواية: قال المؤلف في (ص ١١٦): "إن الخصومة بين العرب والعجم دعت العرب وأنصارهم إلى أن يزعموا أن الأدب العربي القديم لا يخلو، أو لا يكاد يخلو من شيء تشتمل عليه العلوم المحدثة، فإذا عرضوا لشيء مما في هذه العلوم الأجنبية، فلا بد من أن يثبتوا أن العرب قد عرفوه، أو ألموا به، أو كادوا يعرفونه ويلمون به. ومن هنا لا تكاد تجد شيئاً من هذه الأنواع الحيوانية التي عرض لها الجاحظ في كتاب "الحيوان" إلا وقد قالت العرب فيه شيئاً قليلاً أو كثيراً، طويلاً أو قصيراً، واضحاً أو غامضاً، يجب أن يكون للعرب قول في كل شيء، وسابقة في كل شيء".

стр. 3695

نعْرض هذه الجمل على أنظار القراء؛ ليزدادوا خبرة بأن قلم المؤلف يقع في مبالغات يغبطه عليها الشعراء. للعرب في الجاهلية نصيب من العلم، ومبلغ من الحكمة، ولا نرى في هذا الشعر الذي يعزى إليهم شيئاً فوق ما يسعه علمهم، أو تبلغه حكمتهم، ولا تحسبوا المؤلف وقف على أشعار تضاف إلى الجاهلية، وهي تشتمل على معان من هذه العلوم المحدثة، ولعلكم تنثلون كنانته، فلا تجدون فيها سوى أن الجاحظ يقول في كتاب "الحيوان" (١): "وكل معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من الفلاسفة، وقرأناه في كتب الأطباء والمتكلمين، إلا ونحن قد وجدنا قريباً منه في أشعار العرب والأعراب، ومن أهل لغتنا وملتنا, ولولا أن يطول الكتاب، لذكرت لك الجميع". فهذا هو الذي يحوم عليه المؤلف -فيما أحسب- وقد رأيتم أن كلام الجاحظ يختص بباب معرفة الحيوان، ويتناول الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها، وقلنا فيما سلف: إن أهل العلم لا يعدون الجاحظ فيمن يوثق بما انفردوا بروايته. ذهب المؤلف في أوائل كتابه إلى أن هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين يمثلهم في جهل وغباوة، وغلظة وخشونة، ويقول: إنهم كانوا أصحاب علم وذكاء، وأصحاب عواطف رقيقة، وعيش فيه لين ونعمة. وقال: إنهم كانوا أمة متحضرة راقية، لا أمة جاهلة همجية. وإذا كانوا أصحاب

стр. 3696

علم وذكاء، وكانوا أمة متحضرة راقية، فلماذا ينكر شعراً يضيفه إليهم بعض الرواة، ويرده بعلّة أنه ينبئ عن علم وذكاء، وحضارة راقية؟ وما الذي يعوقهم عن أن يعرفوا من أحوال الحيوان قريباً مما سمعه الجاحظ من الفلاسفة أو قرأه في كتب الأطباء؟!.

стр. 3697

الرواة وانتحال الشعر تحدث المؤلف في هذا الفصل عن حال الرواة من جهة قلة الثقة بهم، وما كانوا يضعونه من الشعر، وينحلونه لبعض القدماء، وأورد في هذا أشياء تذكر في كتب الأدب، وقد بحث في رواة الشعر من هذه الناحية الأستاذ الرافعي في "تاريخ آداب العرب" (١)، وجرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية" (٢) و (مرغليوث) في مقاله المنشور في "مجلة الجمعية الآسيوية". وإنما امتاز المؤلف عن هؤلاء الباحثين بمبالغات ومغالطات لا بأس بمرور القلم عليها. * رواة الأدب: ذكر المؤلف: أنه مضطر إلى أن يقف عند الأسباب التي تتصل بأشخاص أولئك الذين نقلوا أدب العرب، ودوّنوه. وقال في (ص ١١٨): "وهؤلاء الأشخاص هم الرواة. وهم بين اثنتين: إما أن يكونوا من العرب، فهم متأثرون بما كان يتأثر به العرب. وإما أن يكونوا من الموالي، فهم متأثرون بما كان يتأثر به الموالي من تلك الأسياب

стр. 3698

العامة. وهم على تأثرهم بهذه الأسباب العامة متأثرون بأشياء أخرى هي التي أريد أن أقف عندها وقفات قصيرة". عرف القراء الأسباب التي يومئ إليها المؤلف، وهي ما كان بصدد الحديث عنه من دواع سياسية ودينية، وقصصية وشعوبية، وقد زعم هنا أن أمر الرواة دائر على هذه الأسباب، فما من راو إلا وهو متأثر بشيء منها؛ لأنه يقول: هم بين اثنتين: إما أن يتأثروا بما تتأثر به العرب، وإما أن يتأثروا بما تتأثر به الموالي، ويريد من التأثر -بطبيعة السياق-: الوجه الذي يحمل على صنع الشعر، وعزْوِه إلى الجاهلية، ومعنى هذا: نفي أن يكون لطائفة من الرواة خطة ثالثة، وهي ألا يتأثروا بشيء من هذه الأسباب تأثراً يستهينون معه بموبقة الافتراء على الناس كذباً، وهذه مبالغة لا تأويل لها إلا أن المؤلف يحب أن يكون هذا الشعر الجاهلي منحولاً، ويحاول أن يسد عليك كل طريق تخرق بها هذه النظرية، وتظن أن يكون هذا الشعر من الجاهلية في شيء. نحن نعلم أن قسماً عظيماً من أهل العلم لم يتأثروا بالدين هذا التأثر الذي يجعل وزر الكذب أمراً هينا، ومن هذا القبيل أولىك الرواة الذين ينقدون ما يضاف إلى مقام النبوة، وقد ينفونه من الحديث، ولو اشتمل على شيء من الحكمة أو الموعظة أو المعجزة، ونعلم أن قسماً عظيماً يطلبون العلم لفضيلته، ولا تلين قناتهم لأن يتصرفوا في الحقيقة، ولو جلبت عليهم السياسة بخيلها ورجلها، أو وضعت في أيمانهم الصفراء، وفي شمائلهم البيضاء. ونعلم أن في الموالي من ينشأ على آداب راقية، فلا يجد في صدره حاجة مما أوتي العرب من مجد أو سعادة، فضلاً عن أن يستخف وزر الكذب،

стр. 3699

ويقول على ألسنتهم ما لا يعلمون. فمن الجائز القريب أن يوجد في رواة الأدب من يعاقب هذا الذي يقال له: الكذب، ويأبى أن يضع شيئاً منه على طرف لسانه، ولعلنا نريك أن هذا الجائز القريب كان أمراً واقعاً. * حديث الأربعاء: قال المؤلف في (ص ١١٨): "ولعل أهم هذه المؤثرات التي عبثت بالأدب العربي، وجعلت حظه من الهزل عظيماً: مجون الرواة، وإسرافهم في اللهو والعبث، وانصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق إلى ما يأباه الدين، وتنكره الأخلاق، ولعلي لا أحتاج بعد الذي كتبته مفصلاً في الجزء الأول من "حديث الأربعاء" إلى أن أطيل في وصف ما كان فيه هؤلاء الناس من اللهو والمجون". ينزع المؤلف في يوم الأربعاء، وفي غير يوم الأربعاء إلى أن يتحدث عن المتهتكين، ويكثر سوادهم، فإذا كان في أمة من الناس نفر خاضوا في فجور، أحبّ أن يريك الأمة كلها فاسقة ماجنة. نعلم أن المبالغة فن من فنون البلاغة، ونعلم أنها لا تكون مقبولة إلا أن يشعرك صاحبها بأنها مبالغة، أما إذا ألقاها عليك في صورة الحقيقة المحضة، فإنها تسمى باسم ما لا يلتقي مع الصدق على لسان. يحدثك المؤلف عن الرواة في هيئة الباحث الذي لا يطوي صدره على شيء، فيقسمهم شطرين: شطر يندفع للكذب بما تتأثر به العرب، وشطر يندفع له بما تتأثر به الموالي، ثم يأتي بعبارة تتناول الفريقين، ويصفهم بالمجون والانصراف عن الدين وقواعد الأخلاق.

стр. 3700

يحيلنا المؤلف على كتابه "حديث الأربعاء"، فإذا هو يلعن منهج (ديكارت)، ويمثل بالأدب والتاريخ تمثيل من يعتقد أن الأسماع في صمم، وأن العيون في سبات، وأن الأقلام والأنامل لا يلتقيان. ولولا أن في نشئنا الطيب من يقرؤه قبل أن يدرس التاريخ الصحيح، لقلنا للكتّاب: اضربوا عن نقده صفحاً؛ فإن انكشاف أمره في قراءته. ندع حديث الأربعاء إلى أجل قريب، ولكل أجل كتاب، ونكتفي بأن نقول لك: إن في الرواة أصحاب لهو ومجون، وفي الرواة أصحاب جد ومروءة، وفي الكتاب باحث بأناة، وفي الكتاب باحث بداعية هوى، والهوى يستولي على فؤاد الرجل، كالزجاجة الفاحمة يضعها على بصره، فيرى الأشياء كلها في لون قاتم. * حمّاد الراوية، وخلف الأحمر: قال المؤلف في (ص ١١٩): "فلست أذكر هنا إلا اثنين، إذا ذكرتهما، فقد ذكرت الرواية كلها، والرواة جميعاً: فاما أحدهما، فحمّاد الراوية. وأما الآخر، فخلف الأحمر". لم يكن حمّاد وخلف مرجع الرواية كلها، ولا أن الطعن فيهما طعن في الرواية جميعاً، فقد كان في عهدهما من رواة الشعر من لم يأخذ عنهما؛ كأبي عمرو بن العلاء، والمفضل بن محمد الضبي، وكلاهما ممن أخذ عنه الكوفيون والبصريون. قال أبو منصور الأزهري في مقدمة "تهذيبه" يصف أبا عمرو بن العلاء: "أخذ عنه البصريون والكوفيون من الأئمة الذين صنفوا الكتب في اللغات، وعلم القرآن، والقراءات، وكان أعلم الناس بألفاظ العرب، ونوادر كلامهم، وفصيح أشعارهم".

стр. 3701

وكذلك المفضل الضبي ثقة: "كان أوثق من روى الشعر من الكوفيين، وكان يختص بالشعر، وقد روى عنه أبو زيد شعراً كثيراً" (١)، وهذه "المفضليات"، وهي نحو مئة وعشرين قصيدة، قد جاءت من طريق المفضل الذي روي عنه أنه قال: قد سلّط على الشعر حمّاد الراوية، فأفسده. ثم إن الطبقة التي خلفت من بعد هؤلاء ث كأبي زيد الأنصاري، وسيبويه، والكسائي، كانوا يروون عن فصحاء الأعراب، من أفواههم إلى أسماعهم، ولا يكون هناك خلف، ولا حمّاد. والمؤلف انخدع في هذه الكلمات بأمثالها من مقال (مرغليوث)، وقد قال المستشرق (تشارلس لايل) في ردها: "نرى الفرق بين حمّاد والمفضل في نظر الرواة عظيماً، وأن ما جمعه المفضل بعيد عن الشك وتزوير حمّاد، ولا يوجد سبب معقول يجعل حمّاداً مثال المنابع الأخرى التي مر بها الشعر العربي حتى وصل إلى التدوين". * القدماء من الزنادقة وإخوانهم في هذا العصر: ذكر المؤلف صداقة حمّاد الراوية لحمّاد عجرد، وحمّاد الزبرقان، ومطيع بن إياس، وصداقة خلف لوالبة بن الحباب، وأستاذيته لأبي نوّاس. وقال في (ص ١١٩): "وكان هؤلاء الناس جميعاً في أمصار العراق الثلاثة مظهر الدعابة والخلاعة، ليس منهم إلا من اتُّهم في دينه، ورمي بالزندقة، يتفق على ذلك الناس جميعاً. لا يصفهم أحد بخير، ولا يزعم لهم أحد صلاحاً في في دين أو دنيا".

стр. 3702

تطالع تاريخ القدماء من الزنادقة، فتجده مطابقاً من أكثر الوجوه لحال إخوانهم في هذا العصر، يقول الجاحظ وغيره في تلك الطائفة: كانوا يجتمعون على الشراب، ويأتون المنكر، ويدعون إلى غير العفاف، وإذا رأيت طائفتهم الجديدة على هذا المثال من الهزل والفسوق، وتزيين التهتك في أعين الشباب، قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة!. تقرأ فيما يتحدث به عن أولىك القدماء: أن يونس بن فروة: "كان كتب كتاباً لملك الروم في مثالب العرب وعيوب الإِسلام بزعمه" (١). وقد أصبحنا نرى من أوليائهم في هذا العصر من يصرف همه بعد الطعن في الإِسلام إلى التنكر لمجد العرب، والاحتيال على إراءة رجال هذه الأمة في صورة مشوهة!. والقرامطة "طائفة من المجوس راموا عند شوكة الإِسلام تأويل الشرائع على وجوه تعود إلى قواعد أسلافهم، ولهم في الدعوة مراتب: الذوق، وهو تفرس حال المدعو: هل هو قابل للدعوة، أم لا؟ ثم التأنيس باستمالة كل واحد بما يميل إليه من زهد وخلاعة، ثم التشكيك في أركان الشريعة" (٢). ويحاكيهم في هذا أولياؤهم من ملاحدة هذا العصر؛ فإنهم يختبرون حال المدعو، فإن أنسوا منه جهالة أو غباوة، عرضوه على شيء من هذه الكتب التي تلبس حق الإِسلام بالباطل، والتي اغترف منها المؤلف في هذا

стр. 3703

الكتاب غرفات، ثم يأخذونه بالتأنيس، ويستميلونه بما تهوى نفسه من متاع هذه الحياة. وتلجأ هذه الفئة أيضاً إلى التشكيك في أركان الشريعة، وتحاول بكل صفاقة أن تحرف الكلم عن مواضعه. وإن كان فرق بين هؤلاء وأولئك، فهو أن القدماء لم يجدوا في الإلحاد منافع مادية تحملهم على التضامن والصدق في الزندقة، وقد نبهنا المؤلف لهذا الفارق في "حديث الأربعاء" (١) حين قال في شيء من الأسف: "وليس أدل من هذا على أن هؤلاء الزنادقة لم يكونوا صادقين في زندقتهم، فلو أن هناك صلة دينية متينة تجمع بينهم حقاً، وتكون منهم أقلية ممتازة متضامنة، لما أساء بعضهم إلى بعض، ولما سعى بعضهم في بعض، ولما استعدى بعضهم على بعض السلطان". وفي هذه الجمل مغزى لو قدر حماة الأدب وعشاق الفضيلة عاقبته، لم تبلغ هذه الأقلية الممتازة حالاً يجعلنا نشعر بالفرق بينها وبين أولئك القدماء. * رواية المفضل الضبّي: ساق المؤلف شيئاً مما قاله الرواة في حمّاد، وخلفٍ، ومصادقتهما لطائفة من الزنادقة، وأتى على ما أتى عليه (مرغليوث) من صنعهما الأشعار، وإضافتها إلى العرب. ثم قال في (ص ١٢٠): "فأما حمّاد، فيحدثنا عنه راوية من خيرة رواة الكوفة هو المفضّل الضبي: أنه قد أفسد الشعر إفساداً لا يصلح بعده أبداً"، إلى قول المفضّل: "فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب الرجل، ويدخله

стр. 3704

في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟! ". تعرض لبحث هذه الرواية المستشرق (تشارلس لايل) في مقدمة "المفضليات"، فقال: "ربما دخل في هذه الرواية شيء من التحريف، وإذا فرضنا صحتها، كان من واجبنا ألا ننسى أن حمّاداً كان معاصراً للمفضّل، وربما كان أصغر سناً منه، وكان المفضل -بلا شك- عالماً واسع الاطلاع، وكان أكثر كفاية لإظهار أي شعر مصنوع، ثم إن الرواة من العرب الذين يقال: إن حمّاداً قد زوّر فيما رواه عنهم، لا يفوت المفضّل أن يكون قد تلقى منهم هذه المحفوظات. وقصارى ما تدل عليه تلك الرواية: أن حمّاداً زاد في الأشعار العربية ما يماثلها في اللغة والعواطف. وإذا كان الحال هكذا، فكيف نستطيع الحكم على هذا الشعر بالانتحال؟ هذا الحكم لا يتيسر إلا لرجل عرف الأصل، وأدرك المنحول، ومن ذا يكون أدرى بذلك من المفضل؟! ". * قصيدة الحطيئة في مدح أبي موسى: ذكر المؤلف قصة حمّاد في دخوله على بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وإنشاده إياه قصيدة للحطيئة في مدح أبي موسى، وقول بلال له: ويحك! يمدح الحطيئة أبا موسى، ولا أعرف ذلك، وأنا أروي شعر الحطيئة! ولكن دعها تذهب في الناس. وقال في (ص ١٢١): "وقد تركها حمّاد، فذهبت في الناس، وهي في ديوان الحطيئة. والرواة أنفسهم يختلفون، فمنهم من يزعم أن الحطيئة قالها حقاً".

стр. 3705

القصة رواها صاحب "الأغاني" (١)، وساقها (مرغليوث) في الغرض الذي ساقها إليه المؤلف، والقصيدة مروية في ديوان الحطيئة، وقد شرحها في جملة الديوان أبو سعيد السكري، وتعرض لسبب إنشاد الحطيئة لها. وصاحب "الأغاني" بعد أن ذكر قصة بلال وحمّاد، قال: وذكر المدائني: أن الحطيئة قال هذه القصيدة في أبي موسى، وأنها صحيحة، قالها فيه، وقد جمع جيشاً للغزو، فوصله أبو موسى، فكتب إليه -عمر ﷺ يلومه على ذلك، فكتب له: إني اشتريت عرضي منه بها. ولما ولي بلال بن أبي بردة، أنشده إياها حمّاد الراوية، فوصله أيضاً. والمدائني هو أبو الحسن علي بن محمد الذي قال عنه أبو العباس ثعلب: من أراد أخبار الإِسلام، فعليه بكتب المدائني (٢). فالجمحي والمدائني كانا في عصر، وقد اختلفت روايتهما في قصيدة الحطيئة، فهل كان ترجيح المؤلف لرواية الجمحي قائماً على موازنة وروية؟ أم هو تقليد (مرغليوث)، والحرص على تكثير وقائع الانتحال؟!. * قصة حمّاد مع المهدي: قال المؤلف في (ص ١٢١): "وكان يونس بن حبيب يقول: العجب لمن يروي عن حمّاد، كان يكسر، ويلحن، ويكذب. وثبت كذب حمّاد في الرواية للمهدي، فأمر حاجبه، فأعلن في الناس أنه يبطل رواية حمّاد". أورد (مرغليوث) قصة حمّاد مع المهدي في هذا السياق، وقدح في صحة هذه القصة المستشرق (تشارلس لايل)؛ بأن حمّاداً توفي سنة ١٥٥،

стр. 3706

وكما في تاريخ ابن خلكان، أو في سنة ١٥٦ وكما في "الفهرست" لابن النديم، والقصة يلقب فيها المهدي أمير المؤمنين، والقصر المذكور في هذه القصة إنما بناه المهدي بعد تقلده للخلافة، وهو لم يجلس على عرش الخلافة إلا في سنة ١٥٨ هـ. ولهذا النقد قسط من الوجاهة؛ فإنك تجد في القصة أن الخادم خرج، وقال: يا معشر من حضر من أهل العلم! إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمّاداً بعشرين ألف درهم؛ لجودة شعره، وأبطل روايته؛ لزيادته. وتجد فيها أن حمّاداً والمفضّل دخلا على المهدي في داره بعيساباذ. وفي "تاريخ ابن جرير الطبري": أن المهدي بني في سنة ١٦٤ بعيساباذ الكبرى قصراً من لبن إلى أن بني قصره الذي بالآجر، وسماه: قصر السلامة. * خلف ووالبة بن الحباب: قال المؤلف في (ص ١٢١): "فأما خَلَف، فكلام الناس في كذبه كثير. وابن سلام ينبئنا بأنه كان أفرس الناس ببيت شعر، ويتحدثون أنه وضع لأهل الكوفة ما شاء الله أن يضع لهم، ثم نسك في آخر أيامه، فأنبأ أهل الكوفة بما كان قد وضع لهم من الشعر؛ فأبوا تصديقه". يقول المؤلف: كلام الناس في كذب خَلَف كثير، ويورد شاهداً على هذا جملة يختطفها من حديث ابن سلام، ويقطعها عن قرينتها الشاهدة بصحة ما يرويه خلف، ونص عبارة ابن سلام في "الطبقات": "أجمع أصحابنا: أنه كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقه لساناً، كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبراً، أو أنشدنا شعراً، ألا نسمعه من صاحبه"، ومحمد بن سلام أخذ عن خلف، وكان ثقة جليلاً. إذن هو يعني بقوله: أفرس الناس ببيت شعر: جودة

стр. 3707

نظره في معاني الأبيات، وحسن بيانه لما يقصد الشعراء، وفي "أساس البلاغة": "فرس: صار ذا رأي وعلم بالأمور"، وفي "اللسان": "رجل فارس بالأمر؛ أي: عالم به بصير". والرواية التي تصف خلفاً بانتحال الشعر تقول: إنه اعترف بما كان ينتحله، وبينّه للناس، وقد جاءت الرواية بن له شعراً حمله عنه أبو نواس، وأقرب الظن أن يكون هذا الشعر المنتحل قد أضافه إلى شعره الذي أخذ عنه في حياته، ولا شك أن هذا الذي رواه عنه الكوفيون، وأبوا تصديقه في انتحاله، قد عرفه البصريون، وتحاموا أن يرووه لمن عزاه إليهم. وشأن الرواة الثقات من الكوفيين أن يرتابوا في هذا الشعر الذي قال لهم راويه: إنه منحول، ولم يجدوا له في رواية غيره أثراً. أما صداقة خلف لوالبة بن الحباب التي لوَّح بها المؤلف إلى الطعن في روايته، فقد يكون والبة يكتم زندقته عن خلف، ولا يكاشفه بها؛ فقد كان الزنادقة -بطبيعة الحال- يتظاهرون بالإِسلام، بل تجد في الكتب التي تسوق شيئاً من أخبارهم أن بعضهم كانوا يخفضون رؤوسهم بالركوع والسجود، ويراؤون بالإمساك عن شهوات بطونهم حين يشهدون شهر رمضان، حكى صاحب "الأغاني" عن علي بن القاسم: أنه قال: كنت آلف إياس بن مطيع، فعنفني في عشرته جماعة، وقالوا لي: إنه زنديق، فأخبرته بذلك، فقال: وهل سمعت مني، أو رأيت شيئاً يدل على ذلك؟ أو هل وجدتني أخلّ بالفرائض في صلاة أو صوم؟ فقلت له: والله! ما اتهمتك، ولكن خبرتك بما قالوا. فقد يكون خلف ألِف والبة؛ لأنه لم يسمع منه، ولم ير شيئاً يدل

стр. 3708

على زندقته، ولم يجده يخل بالفرائض في صلاة أو صوم، وقد يشعر خلف بزندقة والبة، ولا يقطع صلته به ما دام والبة يكتم زندقته، ويدع مجونها وغمزها إلى أن يخلو إلى مطيع بن الناس، ويونس بن أبي فروة، وحمّاد بن الزبرقان. وأما الطعن في خلف بأستاذيته لأبي نواس، فلا ندري ماذا نقول فيه؟! وشأن أهل العلم أن يتصدوا للإنفاق مما عندهم، فيتعرض للأخذ عنهم البر والفاجر، ولا تزر وازرة وزر أخرى. * الراوية أبو عمرو الشيباني: قال المؤلف في (ص ١٢١): "وهناك راوية كوفي لم يكن أقل حظاً من صاحبيه هذين في الكذب والانتحال، كان يجمع شعر القبائل، حتى إذا جمع شعر قبيلة، كتب مصحفاً بخطه، ووضعه في مسجد الكوفة. ويقول خصومه: إنه كان ثقة لولا إسرافه في شرب الخمر، وهو أبو عمرو الشيباني. ويقولون: إنه جمع شعر سبعين قبيلة". يرمي المؤلف أبا عمرو الشيباني بالكذب والانتحال، ويقول لك: إن خصومه يقولون: إنه كان ثقة، خصوم الرجل الذين كانوا على مرأى منه ومسمع أبت ضمائرهم أن تصفه بغير الثقة، وهذا المؤلف الذي لم يلق من أثر أبي عمرو إلا ما نقله خصومه أو مريدوه، يأبى لسانه إلا أن يصفه بالكذب والانتحال! سلوا المؤلف عما استند إليه من قذف هذا الراوية، الذي يقول عنه خصومه: إنه ثقة، سلوه، فلا جواب له إلا أن أبا عمرو روى شعراً جاهلياً، والشعر الجاهلي كعنقاء مغرب، لا يحوم إلا في خيال بعيد. سلوه عما استند إليه في شهادته على أبي عمرو بأنه كان يشرب الخمر،

стр. 3709

فإنه سيحيلكم على كتب تقول لبهم: إنه كان يشرب النبيذ، والفرق بين النبيذ والخمر معروف بين الفقهاء، والأدباء. ولعل المؤلف يدري هذا الفرق، واستبدل في عبارته النبيذ بالخمر؛ لأنه يعمل ليغير التاريخ، والعامل على تغيير التاريخ يسوغ له في منهج (ديكارت) أن يضع الكلمة بدل أخرى إذا كانت أوفى وأنهض بالغرض الذي يغير من أجله التاريخ!. الخمر معروفة، وهي محرمة بالكتاب والسنّة والإجماع، والنبيذ ما يتخذ من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، ولا يسكر إلا الكثير منه، وقد اختلف العلماء في المقدار الذي لا يسكر من النبيذ، وفتاوى أهل العراق فيه مشهورة، وفي القائلين بحرمته من لا يوجب فيه حداً، ولا يرى للمحتسب أن يؤدب على المجاهرة به. ولسنا بصدد البحث عن النبيذ من وجهة نظر الشارع، فإن مسألته الخلافية مبسوطة بأدلتها وأقيستها في كتب الأصول والفروع، وإنما أريناكم أن المؤلف لا يبالي أن يخلع من عنقه طوق الأمانة، ويضع الخمر موضع النبيذ. * إيجار الراوية نفسه للقبائل: قال المؤلف في (ص ١٢٢): " و"أكبر الظن أنه كان يأجر نفسه للقبائل، يجمع لكل واحدة منها شعراً يضيفه إلى شعرائها. وليس هذا غريباً في تاريخ الأدب، فقد كان مثله كثيراً في تاريخ الأدب اليوناني والروماني". يريد المؤلف أن نستبدل بتاريخ رجال الأدب أقيسة يركِّبها لنا على تاريخ اليونان والرومان! أبو عمرو الشيباني "يقول خصومه: إنه كان ثقة" (١).

стр. 3710

وشهادة خصومه مطابقة لشهادة مريديه، ويقول الرواة: إنه قرأ دواوين الشعر على المفضّل الضبي (١)، وكان المفضّل مختصاً بعلم الشعر، وأوثق من رواه من الكوفيين. إيْجار عالم كأبي عمرو نفسه للقبائل في عمل يستدعي الاتصال بطائفة من الشعراء، ليس بالأمر الذي يقع دون أن يشعر به أحد من خصومه أو منافسيه، وهل يمكن أحداً اليوم مناجاة بعض الشعراء على أن يضعوا له قصائد يضيفها إلى قوم آخرين، فينفقوا أوقاتا طويلة في إنشاء هذه الدواوين، ويبقى أمرها مطوياً عن سائر الناس، ولا تلقط نبأه أذن واعية؟. ليس من السهل علينا أن نصدق أن عملاً أدبياً تشترك فيه طائفة من أولي الأدب، وتدفع عنه القبائل أجوراً، وبذهب خبره تحت أطباق الثرى. * الراوية أبو عمرو بن العلاء: قال المؤلف في (ص ١٢٢): "والعجب أن رواةً لم تفسد مروءتهم، ولم يعرفوا بفسق ولا مجون ولا شعوبية، قد كذبوا أيضاً، فأبو عمرو بن العلاء يعترف بأنه وضع على الأعشى بيتاً: وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا" وقال (مرغليوث): من المعاصرين لخلف أبو عمرو بن العلاء، وقد اعترف أنه زاد بيتاً في شعر الأعشى، والعجب له إذ لم يزد فيه أكثر من بيت!. القصة رواها ابن جنّي في "الخصائص"، فقال: حدثنا بعض أصحابنا

стр. 3711

يرفعه: أن أبا عمرو بن العلاء قال: ما زدت في شعر العرب إلا بيتاً واحداً، يعني: ما يروى للأعشى من قوله: "وأنكرتني ... إلخ البيت". وهذه الرواية -على فرض صحتها- لا تدل إلا على أمانة أبي عمرو الثابتة بإجماع الرواة. قال ابن جنّي بعد حكايته ما سلف: أفلا ترى إلى هذا البدر الباهر، والبحر الزاخر، كيف تخلّصه من تبعات هذا العلم، وتحرّجه، حتى إنه لما زاد -فيه على سعته وانتشاره- بيتاً واحداً، وفّقه الله تعالى للاعتراف به؟!. وجاءت القصة في "مراتب النحويين" لأبي الطيب اللغوي على وجه لا يصرح بأنه هو الذي زاده في شعر الأعشى، ولفظه: "ومما كتب به إليّ أبو روق الهمذاني البصري، قال: أخبرني الرياشي عن ابن مناذر، قال: قال أبو عمرو: أنا قلت: وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا فألحقه الناس في شعر الأعشى، وكان سيد الناس، وأعلمهم بالعربية والشعر ومذاهب العرب". وقد يمس قلبك بالريبة في أصل القصة أمران: أحدهما: أن الأصمعي يقول في الحديث عنه: "وكان نقش خاتمه: إن امرأً دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور وهذا البيت له، وكان رجلاً صالحاً، ولا نعرف له شعراً إلا هذا البيت" (١). والأصمعي من أشهر الرواة الذين أخذوا عن أبي عمرو، فيخطر على البال أن بيت: "وأنكرتني ... إلخ" لو كان أبو عمرو هو الذي زاده

стр. 3712

في بيت الأعشى، واعترف به، لكان من شأن الأصمعي أن يطلع عليه، ولا يقول: ولا نعرف له شعراً غير هذا البيت. ثانيهما: أن بعض أهل الأدب يعزو وضع البيت إلى حمّاد، قال ابن عبد ربه في "العقد الفريد": إن حمّاد الراوية يقول: ما من شاعر إلا قد حققت في شعره أبياتاً، فجازت عنه، إلا الأعشى -أعشى بكر-، فإني لم أزد في شعره قط غير بيت: فأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا * الأصمعي واصطناع الشعر: قال المؤلف في (ص ١٢٢): "ويعترف الأصمعي بشيء يشبه هذا". تواردت كلمة الرواة على أن الأصمعي كان ثقة فيما يروي، صدوقاً فيما يقول. وبلغ به الورع حيث يتحامى أن يفسر كلمة في القرآن؛ حذراً من أن يخطئ المعنى، ويسيء التأويل. قال أبو الطيب اللغوي في "مراتب النحويين": لم ير الناس أحضر جواباً ولا أتقن لما يحفظ من الأصمعي، ولا أصدق لهجة منه. وقال ابن جني في "الخصائص": فأما إسفاف من لا علم له، وقول من لا مسكة به: إن الأصمعي كان يزيد في كلام العرب، فكلام غير معبوء به. وكان أبو زيد، وأبو عبيدة يخالفان الأصمعي، ويناوئانه كما يناوئهما، فكلهم كان يطعن علي صاحبيه بأنه قليل الرواية, ولا يذكره بالتزيد (١). وُيبعد الأصمعيَّ من تهمة اصطناع الشعر، وإضافته إلى الجاهليين: أنه

стр. 3713

لم يكن معدوداً في قبيل الشعراء، قال ابن عبد ريه في "العقد الفريد": وكان الخليل بن أحمد أدرى الناس بالشعر، ولا يقول بيتاً، وكذلك كان الأصمعي، وقيل للأصمعي: ما يمنعك من قول الشعر؟ قال: نظري لجيده. * معانقة الكذب للزندقة: قال المؤلف في (ص ١٢٢): "ويقول اللاحقي: إن سيبويه سأله عن إعمال العرب فَعِلاً، فوضع له هذا البيت: حَذِرً أموراً لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار" قال سيبويه في "الكتاب" (١): ومما جاء على فَعِل: قول الشاعر: "حذر أموراً ... إلخ"، وقد طعن بعض أهل العلم في الاستشهاد بهذا البيت، فأضافه بعضهم إلى اللاحقي، وأضافه آخر إلى ابن المقفع (٢). واختلاف هذه الرواية قد هيأ السبيل لطائفة من النحاة أن يقولوا: إن سيبويه رواه عن بعض العرب، وهو ثقة لا سبيل إلى رد ما رواه (٣)، وكان لهم فيما يتهم به اللاحقي وابن المقفع من الزندقة وجه لرد ما يدعيه على سيبويه، والكذب إذا رأى الزندقة، هام بها صبابة، ولم يرض إلا بمعانقتها. * فصحاء الأعراب: تحدث المؤلف عن الأعراب الذين يرحل إليهم رواة الأمصار ليسألوهم عن الشعر والغريب، وزعم: أن هؤلاء الأعراب لما أحسوا ازدياد حرص

стр. 3714

الأمصار على هذه البضاعة، انحدروا إلى الأمصار في العراق خاصة، فنفقت بضاعتهم. ثم قال في (ص ١٢٣): "فأخذ هؤلاء الأعراب يكذبون، وأسرفوا في الكذب". ذكر بعض المؤلفين -كابن النديم في "الفهرست"- أسماء طائفة من فصحاء الأعراب الذين نزلوا من البادية إلى الحضر، ولم يرموهم بالكذب، فضلاً عن الإسراف فيه، فما كان أولئك الأعراب إلا كسائر الطوائف يكون فيها الألمعي، والغبي، والثقة، وغير الثقة، وقد رأينا في الباحثين الذين هم أعرف بأحوال هؤلاء الأعراب من المؤلف من يصف بعضهم بالثقة والعلم، قال أبو الطيب اللغوي في الحديث عمن روى عنهم أبو زيد، وأبو عبيدة، والأصمعي: "وعن جماعة من ثقات الأعراب وعلمائهم، مثل: أبي مهدية، وأبي طفيلة، وأبي البيداء، وأبي خيرة واسمه إياد بن لقيط، وأبي مالك عمرو بن كركرة صاحب النوادر من بني نمير، وأبي الدقيش الأعرابي، وكان أفصح الناس، وليس الذين ذكرنا دونه، وقد أخذ الخليل عن هؤلاء، واختلف إليهم" (١). وقال في الحديث عن أبي عمرو الشيباني: "ومن أعلمهم باللغة، وأحفظهم، وأكثرهم أخذاً عن ثقات الأعراب: أبو عمرو إسحاق ابن مرار الشيباني" يقول الرواة عن طائفة: إنهم ثقات، ويقول المؤلف عنهم: إنهم مسرفون في الكذب، ومن لم يتابعه على هذه الشهادة، أخرجه من حساب "هذه الطائفة القليلة من المستنيرين"!.

стр. 3715

* قصة داود وأبي عبيدة: قال المؤلف في (ص ١٢٤): "ويحدثنا ابن سلام عن أبي عبيدة: أن داود بن متمم بن نويرة ورد البصرة فيما يقدم له الأعراب، فأخذ أبو عبيدة يسأله عن شعر أبيه، وكفاه حاجته، فلما فرغ داود من رواية شعر أبيه، وكره أن تنقطع عناية أبي عبيدة به، أخذ يضع على أبيه ما لم يقل، وعرف ذلك أبو عبيدة". نصُّ ابن سلام في "الطبقات" حاكياً قول أبي عبيدة: "فلما نفد شعر أبيه، جعل يزيد في الأشعار، ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علينا، علمنا أنه يفتعله". لو كنا نرضى بطريقة المؤلف إذ يذكر الواقعة، ويلحق بها ألفاً، ويذكر بضعة أشخاص فسّاق، ويجعلهم مثال أمة كاملة، لسبقناه إلى إيراد هذه القصة، وقلنا: إن الرواة كانوا يميزون كل شعر منحول؛ فإن أبا عبيدة عرف الشعر الذي نحله داود بن متمم أباه. ولكنا لا نرغب في هذا الضرب من الاستدلال، ولا نحمّل الأشياء فوق ما تطيق، ولا نقول سوى أن القصة تدل على أن في الناس من يفتعل الشعر، ويضيفه إلى أبيه، وتدل -مع هذا- على أن في الرواة من ينقد الشعر، ويفرق بين الصحيح والمصنوع. ونذكّر المؤلف بقصة أخرى تشبه قصة داود وأبي عبيدة: وهي أن الأغلب العجلي كان له ولد ينحله شعراً، قال خلف في الحديث عن الأغلب: "وكان من ولده إنسان يصدق في الحديث والروايات، ويكذب عليه في شعره" (١). ولو
следующие страницы →