← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. ومتى صح أن يكون الخروج على الخليفة سبباً للبحث عن مبادئ السياسة، فقد أريناك وسنريك آية نهوض المسلمين بعلم السياسة، وتفوقهم في إدارة شؤونها. * كلمات سياسية لبعض عظماء الإسلام: قال المؤلف في (ص ٢٤): "فما لهم وقفوا حيارى أمام ذلك العلم، وارتدوا دون مباحثه حسيرين؟ ما لهم أهملوا النظر في كتاب "الجمهورية" لأفلاطون، وكتاب "السياسة" لأرسطو، وهم الذين بلغ من إعجابهم بأرسطو أن لقبوه: المعلم الأول؟! ". عني المسلمون من علوم اليونان بالفنون التي كانت غير معروفة لهم، أو كانت بضاعتهم فيها مزجاة، وكانوا يصرفون عنايتهم إلى هذه العلوم على قدر ما يرون لها من فائدة، وعلى حسب ما تمس إليه الحاجة، فأقبلوا على العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفة والمنطق بمجامع قلوبهم، وأعطوا جانباً من عنايتهم إلى ما نقل لهم من سياسة أفلاطون وأرسطو، مع علمهم بأن أيديهم مملوءة بمبادئ السياسية الكافية في تدبير مصالح الأمة، وصيانة حقوقها على منهج الحرية السامية، والعدالة الصادقة. كانوا يرون أن فيما أضاء لهم من مشكاة الشريعة، أو جرى على ألسنة حكمائهم، ما إذَا اتَسق لذي فطرة سليمة، وألمعية مهذبة، أصبح سائساً خطيراً، أو مصلحاً كبيراً. ومن نظر في تاريخ عظماء الإسلام ببصيرة، لم تفتتن بزخرف المدنية الغربية، رأى في سيرتهم العملية، وما يلفظون به من نوابغ الكلم ما يشهد

стр. 3922

له بأنهم أدركوا في فن السياسة شأواً بعيداً، ولم يكن حظهم منها أقل من حظ دارسي كتابي "الجمهورية"، و"السياسة". ولا أسرد في هذا المقام شيئاً من الآيات والأحاديث التي تعد في مبادئ السياسة المثلى؛ فإنها مقروءة بكل لسان، ومشهود لها بالحكمة من كل ذي عقل، وإنما أسوق من أثر أولئك العظماء كلمات أضربها كالمثل؛ ليتبين القارئ ماذا نريد من تلك الكلم النوابغ، وليعرف أن رجالاً في الإسلام أحرزوا في السياسة القدح المعلى، ورموا عن قوس لم تكن من صنع أفلاطون، ولا أرسطو، فأبعدوا المرمى، وأصابوا الغاية. أريد من تلك الكلم النوابغ أمثال قول عمر بن الخطاب -لما قيل له: إنك تستعين بالرجل الفاجر-: "إني لأستعين بالرجل لقوته، ثم أكون على قفّانه" (١). وقول أبي سفيان (٢) لعثمان (٣) ﵁ حين همّ أن يردّ إليه مالاً صادره عمر بن الخطاب، ووضعه في بيت المال-: "لا تردّ على من قبلك، فيرد عليك من بعدك". وقول عمر بن عبد العزيز -حين قال له ابنه عبد الملك (٤): مالك

стр. 3923

لا تنفذ الأمور؟ -: "لا تعجل يا بنيّ؛ إني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيتركوه جملة، وتكون فتنة". وقول معاوية (١) بن أبي سفيان: "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة، ما انقطعت". وقوله: "إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم، ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا". وقوله: "والله لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يشتفي به القائل بلسانه، فقد جعلت له ذلك دبر أذني، وتحت قدمي". وقول المهلب (٢) للحجّاج (٣) -حين كتب إليه يستعجله في حرب الأزارقة-: "إن من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره". هذا نموذج من كلماتهم السياسية المقولة على البداهة، ولو أخذنا نملي عليك من أنبائها، لأخرجنا بها كتاباً قيماً، ولو تناولها ذو فكر خصب

стр. 3924

وقلم مثمر، لأنشأ من أصولها فروعاً، وأجرى من منابعها أنهاراً. وقد كان القوم يقومون على هذه الأصول، ويجمعون إليها علم التاريخ الذي هو الركن الأعظم لإجادة النظر في السياسة، ولهذا المعنى كانوا يتحرون في تقليد المناصب من له خبرة واسعة بأنباء الأمم وأيامها الخالية. أرسل عمر بن هبيرة (١) إلى إياس بن معاوية (٢)، وساله أسئلة أجاب عنها، ثم قال له: تعرف من أيام العرب شيئاً؟ قال: نعم. قال: فهل تعرف من أبناء العجم شيئاً؟ قال: أنا بها أعلم. قال: إني أريد أن أستعين بك. ثم قال له: قم قد وليتك". وصفوة القول: أن المسلمين اطلعوا على سياسة أفلاطون، وسياسة أرسطو، وألّفوا في السياسة المدنية، والسياسة الشرعية، فملكوا من السياسة النظرية كنزاً قيّماً، ولولا أنهم كانوا ينفقون من هذا الكنز القيّم، لما ارتفعت سياستهم العملية على سياسة تلاميذ أفلاطون وأرسطو درجات. * النحو العربي ومناهج السريان: قال المؤلف في (ص ٢٤): "وهم الذين ارتضوا أن ينهجوا بالمسلمين مناهج السريان في علم النحو". هذا شيء ظنه جرجي زيدان، فالتقطه المؤلف من ورائه، وجاء به على أنة قضية مسلمة.

стр. 3925

قال في "تاريخ التمدن الإسلامي "، وفي "تاريخ آداب اللغة العربية": "ويغلب على ظننا أنهم نسجوا في تبويبه -يعني: النحو- على منوال السريان؛ فإن السريان دونوا نحوهم، وألّفوا فيه الكتب في أواسط القرن الخامس للميلاد". ثم قال: "فالظاهر أن العرب لما خالطوا السريان في العراق، اطلعوا على آدابهم، وفي جملتها النحو، فأعجبهم، فلما اضطروا إلى تدوين نحوهم، نسجوا على منواله؛ لأن اللغتين شقيقتان، ويؤيد ذلك: أن العرب بدؤوا بوضع النحو وهم بالعراق، وبين السريان والكلدان، وأقسام الكلام في العربية هي نفس أقسامه في السريانية". ثم قال: "وكأنه -يعني: أبا الأسود (١) - تعلم لغة السريان، أو اطلع على نحوها، فرغب في النسج على منواله". فالمسألة لم تزل في حدود الافتراض، وليس لها من شبهة سوى أن واضعي علم النحو من العرب كانوا بالعراق بين السريان والكلدان، وأن أقسام الكلام في العربية هي أقسام الكلام في السريانية. ولكن كتاب "الإسلام وأصول الحكم، لا يبالي أن يسوق المشكوك فيه مساق المعلوم، أو يورد المعلوم في صورة المشكوك فيه. * الإسلام والفلسفة: قال المؤلف في (ص ٢٤): "بل رضوا بأن يمزجوا لهم علوم دينهم

стр. 3926

بما في فلسفة اليونان من خير وشر، وإيمان وكفر". خفقت ريح الفلسفة في بعض البلاد الشرقية؛ كمصر، والهند، وجالت في أندية اليونان أمداً بعيداً، وما برحت تتلقى من أفواه الأساتذة، وتلتقط من صحائف المؤلفين، إلى أن طلع كوكب الهدي الإسلامي، وتدفقت أشعته على البصائر النقية، فلم تلبث الفلسفة أن التقت في أوائل عهد الدولة العباسية بذلك التعليم السماوي، والتحقت بالعلوم الخادمة له في تأييد قواعد السياسة ونظام الاجتماع. لا يذهب إلى أن الإسلام يتجافى عن الفلسفة، سوى رجل التقم ثدي الفلسفة، وشبّ في أطواقها، ولم ينظر في حقائق هذا الدين ببصيرة وروية، أو مسلم لم يخض غمار المباحث الفلسفية، وحسب أن جملتها قضايا باطلة، ولا سيما حيث لا يترامى إليه من أبوابها سوى نبذة من الآراء المنكرة على البداهة. في الفلسفة قضايا تثق بها العقول الراجحة، وتنهض بجانبها الأدلة القاطعة، وهذه لا تصادم شيئاً من نصوص الدين الواردة في كتاب أو سنّة ثابتة، والذي لا يلتقي مع هذه النصوص إنما هو بعض آراء لم تقم على مشاهدة أو نظر حكيم، وقد ضاعت في شعاب هذا النوع قلوب فئة استخفهم الغرور إلى أن يلقبوا بالفلاسفة، وتخيلوا أن هذا اللقب لا يحرزه إلا من آمن بكل ما يلفظ به الغربيون، فتطوح بهم التقليد الجامد إلى القدح في نصوص الشريعة، أو التعسف في تأويلها. خرجت الفلسفة على علماء الإسلام، وقد اعتادت أنظارهم التقلب في مسالك الاجتهاد، وتمحيص ما يقع إليها من الآراء، فبسطوا إليها أيديهم،

стр. 3927

وفتحوا لها صدورهم، ولكنهم لم يرفعوها إلى المقام الذي يمنعهم من مناقشتها، وتقويم المعوجّ من مقالاتها. نفقت سوق الفلسفة، فمد إليها بعض القاصرين أيديهم، واتخذوا منها ظهيراً لآراء سخيفة يعتنقونها، أو شُبه على الدين يوردونها، وما كان من أولي العلم إلا أن تصدوا لنقض تلك الآراء، ومطاردة هاتيك الشبه، واضطروا في تقويمهم، وكفّ بأسهم إلى استعمال السلاح الفلسفي الذي هاجموهم به، ولم يبالوا أن يمزجوا عقائدهم الصحيحة بالفلسفة اليونانية، ما داموا يحملون في أناملهم أقلاماً تفرق بين خيرها وشرها، وإيمانها وكفرها. * بحث في مبايعة الخلفاء الراشدين، وأنها كنت اختيارية: حكى المؤلف قول ابن خلدون: إن الخلافة راجعة إلى اختيار أهل العقد والحل، وقول السيد محمد رشيد رضا: إن الإمامة عقد تحصل بالمبايعة من أهل الحل والعقد ممن اختاروه إماماً للأمّة، بعد التشاور بينهم. ثم قال في (ص ٢٥): "قد يكون معنى ذلك: أن الخلافة تقوم عند المسلمين على أساس البيعة الاختيارية، وترتكز على رغبة أهل الحل والعقد من المسلمين، ورضاهم، وقد يكون من المعقول أن توجد في الدنيا خلافة على الحد الذي ذكروا، غير أننا إذا رجعنا إلى الواقع ونفس الأمر، وجدنا أن الخلافة في الإسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة، وأن تلك القوة كانت -إلا في النادر- قوة مسلحة، فلم يكن للخليفة ما يحوط مقامه إلا الرماح والسيوف". ثم قال: "قد يسهل التردد في أن الثلاثة الأول من الخلفاء الراشدين -مثلاً- شادوا مقامهم على أساس القوة المادية، وبنوه على قواعد الغلبة والقهر، ولكن أيسهل الشك في أن علياً ومعاوية - رضي الله

стр. 3928

تعالى عنهما- لم يتبوءا عرش الخلافة إلا تحت ظلال السيوف، وعلى أسنة الرماح؟ ". يتكلم ابن خلدون، والسيد محمد رشيد رضا، عن الطريق الذي تنعقد به الخلافة شرعاً، وهو اختيار أهل الحل والعقد، ومن المعقول جداً أن توجد خلافة على هذا الحد، وكذلك كانت إمارة الخلفاء الراشدين؛ فإن مبايعتهم تقررت باختيار من أهل الحل والعقد، ولا أثر للقهر والغلبة في انعقادها. أما مبايعة أبي بكر الصديق (١)، فقد روى البخاري في كتاب: الحدود من صحيفة الخطبة التي ألقاها عمر بن الخطاب حاكياً واقعة مبايعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة (٢)، وبعد أن أتى على المناقشة التي دارت بينِ أبي بكر وبعض الأنصار، قال: "فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرِقتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار". وفي باب: مناقب أبي بكر من "صحيح البخاري" أيضاً: "أن أبا بكر الصديق قال للأنصار: بايعوا عمر بن الخطاب (٣)، أو أبا عبيدة بن الجراح (٤)،

стр. 3929

فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده، وبايعه الناس". فأنت ترى كيف بويع أبو بكر الصديق، وليس حوله قوة مال، ولا جند، ولا سلاح، ولم تصدر منه كلمة تؤذن بتهديد أو إكراه، وقصارى ما وقع في المحاورة: أن بعض الأنصار قالوا للمهاجرين: منا أمير، ومنكم أمير، وردّ عليهم أبو بكر بأن هذا الأمر لن يعرف إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً. ثم أشار عليهم بمبايعة عمر بن الخطاب، أو أبي عبيدة، ولما أكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، أوجس عمر خيفة من أن ينحدر بهم الاختلاف إلى عاقبة سيئة، فلم يتمالك أن بسط يده إلى مبايعة أبي بكر، وامتدت أيدي المهاجرين والأنصار على أثره، فانعقدت البيعة من أهل الحل والعقد عن اختيار منهم، ولو كفوا أيديهم، ولم يتابعوه على المبايعة، لم تنعقد كما نص عليه أبو المعالي في كتاب "غياث الأمم". ونحن نرى أن عمر بن الخطاب لم يبسط يده إلى المبايعة، إلا بعد أن عرف أن معظم المهاجرين والأنصار يرون رأيه في أن أبا بكر الصديق أحق الناس بالخلافة، ومن شواهد هذا: أن الحاضرين بسقيفة بني ساعدة لم يتباطؤوا عن متابعة عمر في المبايعة، ثم إن أبا بكر الصديق جلس من الغد على المنبر، وبايعه الناس البيعة العامة بعد بيعة السقيفة (١)، وهؤلاء المبايعون هم أصحاب رسول الله ﷺ الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وتعلموا عن الرسول ﵇ فضيلة الصراحة وعدم السكوت عن قول الحق،

стр. 3930

ولو كانت الفاصلة بين الرؤوس والأعناق. وقد سمّى عمر ﵁ مبايعته فلتة؛ لأنها لم تكن بعد إنهاء المشاورة. قال ابن تيمية في "منهاج السنة" (١) شارحاً هذا الأثر: "ومعناه: أن بيعة أبي بكر بودر إليها من غير تريث ولا انتظار؛ لكونه كان متعيناً لهذا الأمر كما قال عمر: ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر. وكان ظهور فضيلة أبي بكر على من سواه، وتقديم رسول الله ﷺ له على سائر الصحابة أمراً ظاهراً معلوماً، فكانت دلالة النصوص على تعيينه تغني عن مشاورة وانتظار وتريث؛ بخلاف غيره؛ فإنه لا تجوز مبايعته إلا بعد المشاورة والانتظار والتريث". ومع كونها فلتة، لا تجعل مبايعة أبي بكر مأخوذة بالقهر والغلبة، وتخلف بعض المهاجرين أو الأنصار عن البيعة حيناً الزمن، لا يخل بانعقادها، ولا يسلب عنها أن تكون مبايعة اختيارية؛ إذ المدار على رأي الأغلبية، وهي محل الاعتبار في سائر القوانين الدستورية، ولا شك أن الأكثرية الساحقة يومئذٍ بايعت أبا بكر عن رضا واختيار، ولو جرى الانتخاب بطريق الاقتراع السري على العادة المألوفة اليوم، لم يفز بالإمامة غير أبي بكر الصديق ﵁. وأما عمر بن الخطاب ﵁، فقد عهد إليه أبو بكر الصديق بالخلافة، وبايعه المسلمون بعد وفاة أبي بكر، فصار إماماً لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم" (٢).

стр. 3931

وأما عثمان ﵁، فقصة مبايعته: أن عمر بن ﵁ لما حضرته الوفاة، وقيل له: استخلف، قال: ما أجد أحق لهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمّى علياً (١)، وعثمان، والزبير (٢)، وطلحة (٣)، وسعداً (٤)، وعبد الرحمن (٥)، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر (٦)، وليس له من الأمر شيء، ثم "إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم، وبقي علي وعبد الرحمن بن عوف، واتفق الثلاثة على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى، ويولي أحد الرجلين، وأقام عبد الرحمن ثلاثاً حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم، يشاور السابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمراء الأنصار، فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان، وذكر أنهم

стр. 3932

كلهم قدموا عثمان، فبايعه لا عن رغبة أعطاهم إياها، ولا عن رهبة أخافهم بها". وقال ابن تيمية: "لم يصر عثمان باختيار بعضهم، بل لمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان، لم يتخلف عن بيعته أحد" (١). وقال الإمام أحمد: "ما كان من القوم من بيعة عثمان كانت بإجماعهم" (٢). وأما علي بن أبي طالب ﵁، فمبايعته لم تكن تحت رهبة قط، ولا قامت تحت ظلال السيوف كما يزعم المؤلف، بل "إن المهاجرين والأنصار اجتمعوا بعد مقتل عثمان ﵁، وأتوا علياً، وقالوا: يا أبا حسن! هلمَّ نبايعك، فقال: لا حاجة لي في أمركم، أنا معكم، فمن اخترتم، فقد رضيت به، فاختاروا، فقالوا: والله! ما نختار غيرك. ثم اختلفوا إليه مراراً، ثم أتوه في آخر ذلك فقالوا له: إنه لا يصلح الناس إلا بإمرة، وقد طال الأمر (٣) ". وفي رواية أخرى: "أنه قال لهم: لا تفعلوا؛ فإني كون وزيراً خير من أن أكون أميراً. فقالوا: لا والله! ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفياً، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين، وقال عبد الله بن عباس (٤): فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافةَ أن يشغب

стр. 3933

عليه، وأبى هو إلا المسجد. فلما دخل، دخل المهاجرون والأنصار، فبايعوه، ثم بايعه الناس" (١). فمقصد الشارع من إقامة الخلافة على رضا أهل الحل والعقد قد تحقق في ولاية الخلفاء الراشدين ﵃، وسواء بعد ذلك أن تبايع الخليفة الخاصة، ثم تبايعه العامة؛ كما وقع في ولاية الصديق، وعثمان بن عفان، أو يعهد له الخليفة، ويقع عهده موقع القبول، ويعزز بمبايعة أهل الحل والعقد بعد؛ كما وقع في ولاية الفاروق، أو يبايع مبايعة عامة في آن واحد؛ كما وقع في ولاية علي بن أبي طالب ﵁. * بحث في قوة الإرادة: ولماذا لا يكون من المعقول أن توجد خلافة قائمة على اختيار أهل الحل والعقد، وهو أمر يرجع إلى قوة إرادة الأمة، ولقوة الإرادة في حياة الأمم وتمتعها بحقوقها تأثير بالغ وسلطان غالب؟. مما يشهد به النظر وتؤيده التجربة: أن الأمة متى كانت على بصيرة من حق، وعرفت الطريق الهادي إليه، لم تنشب أن ينقلب تفكيرها فيه عزماً صارماً، وتقتحم كل عقبة تعترض في سبيلها، وإذا سمعت أمة تذكر غاية من العز، وهي لا تتقدم إليها بخطوات سريعة، أو سمعتها تبدي الأسف لحق انفلت من يدها، وهي لا تنشده بسعي متواصل، فاعلم أنها لا تزال في طور الأماني والآمال، ولم يبلغ إحساسها بتلك الغاية الشريفة أو ذلك الحق الضائع مبلغ الإرادة.

стр. 3934

تعرف كلُّ قوة -وإن كانت مسلحة-: أن إرادة الأمة قلاع لا تفتح، وجيش لا ينهزم، فلا يكون منها إلا أن تخضع أمام سلطانها، وتعصي داعي الأهواء في مرضاتها، ولا يضطهد المستبد حقوق القوم إلا أن يفهم أن إحساسهم بها لا يزال معدوماً، أو أن شمل إرادتهم ما برح في تخاذل وشتات. وما مثل الأمم في أعمالها وقوة إرادتها، إلا مثل السهم يخترق الهواء، ويرسم خطاً يمتد على قدر قوة الوتر الذي يدفعه، ومتانة القوس التي ينفذ منها. فالأفراد الذي جلسوا على خلافة عرش الخلافة بقوة مسلحة، وعاثوا فيها فساداً، لم يلاقوا من الأمة قوة إرادة، ولم تكن للأمة قوة إرادة؛ لأن شعورها بحقوقها لم يكن عاماً، ولا يكون الشعور بالحق عاماً لتقلص نور التربية والتعليم، أو لاختلاف طرقهما اختلافاً يجعل الأذواق وطرق التفكير تتفاوت تفاوتاً بعيداً. * بحث في الخلافة والملك والقوة والعصبية: قال المؤلف في (ص هـ ٢): "وما كان لأمير المؤمنين محمد الخامس سلطان تركيا أن يسكن اليوم يلدز لولا تلك الجيوش التي تحرس قصره". وكتب معلقاً على هذا في أسفل الصحيفة ما نصه: "كتبنا ذلك يوم كانت الخلافة في تركيا، وكان الخليفة محمد الخامس". لعل المؤلف كتب هذا الباب الثالث الذي هو في الخلافة من الوجهة الاجتماعية، قبل أن يؤلف الباب الأول الذي هو في تعريف الخلافة، والباب الثاني الذي هو في حكم الخلافة، فإنه ذكر في (ص ١١) من الباب الأول رسالة الخلافة التي نشرتها حكومة المجلس الكبير الوطني بأنقرة، وهي بالطبيعة متأخرة عن وفاة محمد الخامس، ونقل في (ص ١٦) عن كتاب "الخلافة"

стр. 3935

أو الأمامة للأستاذ السيد محمد رشيد رضا، وهذا الكتاب أيضاً لم يظهر، بل لم يؤلف إلا بعد حركة أنقرة التي ابتدأت بعد وفاة محمد الخامس، وأعجب من هذا: أن المؤلف ذكر في أول سطر من هذه الصحيفة التي تحدث فيها عن محمد الخامس كتاب الخلافة أو الإمامة للسيد رشيد، فلعله أيضاً ألّف شطر الصحيفة الأسفل قبل أن يؤلف شطرها الأعلى (١). أراد المؤلف أن يتحدث عن جهل المسلمين بمبادئ السياسة وأنواع الحكومات، ويعلله بضغط الخلفاء والملوك، فأملى على قلمه معنى هو: أن الخلافة والملك لا يرتكزان إلا على القوة القاهرة، والسيوف المصلتة، واستمر يلوكه في جمل يَركب بعضها بعضاً، وعزّ عليه أن يفارقها حتى امتلأت بها خاصرتا كتابه، وأوشك القارئ أن لا يفهم منها إلا أن المؤلف يبرق ويرعد على القوة الحاكمة، من حيث إنها ذات شوكة، وأعدت ما استطاعت من قوة الجند والسلاح. قال ابن خلدون في "مقدمته" (٢): "إن المغالبة والممانعة إنما تكون بالعصبية". وقال (٣): "إن الملك إنما يحصل بالتغلب، "وإن التغلب إنما يكون بالعصبية".

стр. 3936

وقال: "إن الدول العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلب ... فإذا استقرت الرياسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة، وتوارثوه واحد بعد آخر في أعقاب كثيرين، ودول متعاقبة، نسيت النفوس شأن الأولية". أخذ المؤلف ما قرره ابن خلدون في سنّة قيام الملك، وأجراه على مشروع الخلافة. فقال في (ص ٢٥): "لا نشك مطلقاً في أن الغلبة كانت دائماً عماد الخلافة، ولا يذكر لنا التاريخ خليفة إلا اقترن في أذهاننا بتلك الرهبة المسلحة التي تحوطه، والقوة القاهرة التي تظله، والسيوف المصلتة التي تذود عنه، ولولا أن نرتكب شططاً في القول، لعرضنا على القارئ سلسلة الخلافة إلى وقتنا هذا؛ ليرى على كل حلقة من حلقاتها طابع القهر والغلبة". تناول المؤلف ما قرره ابن خلدون، وشمط القول في تعليله من أن الملك لا يحصل إلا بالتغلب، وأخذ يضرب به قوله: إن الخلافة راجعة إلى اختيار أهل الحل والعقد. لا شك أن الفيلسوف ابن خلدون لا يرى تعارضاً بين مقالتيه؛ لأنه يفرق بين الخلافة والملك، وإن شئت تحقيق هذا البحث على وجه شرعي اجتماعي، فإليك التحقيق: عرف الإسلام أن في الناس طبيعة التعصب للقومية، وأن هذه الطبيعة كثيراً ما تطغى، فتحمل صاحبها على التحيز لأخيه في القومية، والوقوف في صف أنصاره، وإن كان مبطلاً. عرف الإسلام ذلك، فقرر مبادئ الأخوة والمساواة، وأتى بما يهذب

стр. 3937

تلك الطبيعة، ويقيم أودها؛ حتى لا تخف بالقبيلة إلى معاضدة أخيها إذا نهض لإرغام حق، أو إقامة منكر. قد يأذن الإسلام للرجل أن يؤثر بمعروفه أو مساعدته ابن عشيرته، أما عند تدبير مصلحة عامة، أو تقرير حقوق مشتركة، فيقطع النظر عن كل صلة، ولا يقيم لأي عاطفة وزنا، إلا ما تقتضيه المصلحة، وتشير به القوانين العادلة، والآراء الراجحة، ولمثل هذا وكَّل تعيين الخلافة إلى اختيار أهل الحل والعقد، وجعل المسلمين في هذا الحق عصبة واحدة. ليس من المتعذر على المسلمين أن يسيروا على هذه الخطة، إذا لم يكن في ذي العصبية القوية من الكفاية ما يتحقق في غيره من ذوي العصبيات الواهنة، ومن المحتوم عليهم أن يختاروا ما فيه المقدرة الكافية، ويكونوا حوله قوة تنهزم أمامها كل عصبية قومية. فإن كان ذو العصبية التي هي أشد وأقوى، كافياً لهذا المنصب، فللمسلمين أن يعدوا ما يحوزه من هذه القوة الطبيعية ميزة يرجح بها على غيره المماثل له في سائر شروط الخلافة، وهذا ما بنى عليه ابن خلدون فهمه لحديث: "الأئمة من قريش"، ورأى أن نسب القرشية في الحديث إنما يرمي إلى ما يحقق شرط الكفاية والقدرة على القيام بأعباء الخلافة، وهو قوة الحامية، وقد اختصت قريش لذلك العهد من بين سائر القبائل بقوة العصبية، وشدة المراس، وذكر أن من القائلين بنفي اشتراط القرشي في الخلافة القاضي أبا بكر الباقلاني (١)؛ حيث أدرك ما آلت إليه عصبية قريش من التلاشي

стр. 3938

والاضمحلال، واستبداد ملوك العجم على الخلفاء (١). فالحق أن ما قرره ابن خلدون من أن الملك لا يحصل إلا بالقهر والغلبة، لا يجري في الخلافة؛ فإنها قامت في عهد الخلفاء الراشدين على البيعة الاختيارية، والمؤلف نفسه تعاصت عليه الأدلة، وخانته الشبه، فلم يستطع أن يأتي بدليل أو شبهة على أن الخلافة في سائر أطوارها لم تقم إلا على القهر والغلبة. * نظام الملكية لا ينافي الحرية والعدل: قال المؤلف في (ص ٢٧): "وطبيعي في الأمم المسلمة بنوع خاص: أن لا يقوم فيهم ملك إلا بحكم الغلب والقهر أيضاً". يذهب المؤلف إلى أن نظام الملكية لا يقوم بين المسلمين عن اختيار منهم، وزعم أن مبادى" الحرية والإخاء والمساواة التي جاء بها الدين، تقتضي أن لا يقوم فيهم ملك إلا بالقهر والغلبة. والحكومة -في تقسيم أرسطو (٢) - إما ملكية، أو أرستقراطية، أو شعبية. وكل واحد من هذه النظم إما طبيعي، وهو ما يعمل لخير الأمة، أو جائر، وهو ما يتصرف في شؤونها بغير حكمة. فالملكية عند أرسطو قد تسير على منهج من العدل والنصح للرعية. وقسم (منتسكيو) (٣) الحكومة إلى: جمهورية، وملكية، واستبدادية،

стр. 3939

والفرق بين الملكية والاستبدادية: أن الأولى تكون السلطة فيها بيد فرد يحكم بمقتضى قوانين مقررة، والأخرى لا يرتبط الحاكم فيها بقانون ولا عُرف، بل يدير زمامها على ما يشاء ويهوى. فالملكية عند (منتسكيو) تخالف الاستبدادية. فالواجب إذاً على المؤلف أن يبين ماذا يريد من الملك؛ فإن الحكومة التي يرأسها فرد إذا كانت تعمل على طريق الحزم والشريعة العادلة، لم نجد في مبادئ الإسلام ما يمنع من الإذعان لها، والنصح في مؤازرتها. قال المؤلف في (ص ٢٧): "من الطبيعي في أولئك المسلمين الذين يدينون بالحرية رأياً، وشملكون مذاهبها عملاً، ويأنفون الخضوع إلا لله رب العالمين، ويناجون ربهم بذلك الاعتقاد في كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل، في خمسة أوقاتهم للصلاة، من الطبيعي في أولئك الأباة الأحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل منهم أو من غيرهم، ذلك الخضوع الذي يطالب به الملوك رعيتهم، إلا خضوعاً للقوة، ونزولاً على حكم السيف القاهر". يقول الكواكبي في "طبائع الاستبداد" (١): "بني الإسلام، بل كافة الأديان على: لا إله إلا الله، ومعنى ذلك: أنه لا يعبد حقا سواه؛ أي: سوى الصانع الأعظم، ومعنى العبادة: التذلل والخضوع، فيكون معنى لا إله إلا الله: لا يستحق التذلل والخضوع شيء غير الله، فهل -والحالة هذه- يناسب المستبدين أن يعلم عبيدهم ذلك، ويعملوا بمقتضاه؟ كلا ثم كلا ... ولهذا ما انتشر نور التوحيد في أمة قط إلا وتكسرت بها قيود الأسر".

стр. 3940

حق ما يقول الكواكبي، ثم ما يقول المؤلف من أن الإسلام يرفع همم أتباعه، ويزكي نفوسهم من الخضوع إلى رجل منهم، أو من غيرهم، متى حاول اضطهادهم أو العبث بحقوقهم. أما إذا عرفوا من الرئيس المسلم عدلاً واستقامةً، فإنهم يبذلون له حسن الطاعة، ويمحضون له النصيحة، ويكون صعوده على عرش الخلافة برضا واختيار منهم، وليس في هذا غضاضة على ما أُشربوه في قلوبهم من مبادئ الحرية والمساواة، وإخلاص العبودية لله، فإن الذي لقنهم الحرية والمساواة، وأمرهم بالإخلاص في توحيده، هو الذي قال لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. ثم إن الرعية التي كان يسوسها عمر بن الخطاب، أو عمر بن عبد العزيز كانت تمد رقابها إلى أميرها طائعة، ولم تفقد شيئاً من حريتها، ولا إخلاص العبادة لخالقها. قال المؤلف في (ص ٢٨): "إنما الذي يعنينا في هذا المقام: هو أن نقرر لك: أن ارتكاز الخلافة على القوة حقيقة واقعة، لا ريب فيها. وسيان بعد ذلك أن يكون هذا الواقع المحسوس جارياً على نواميس العقل، أم لا، وموافقاً لأحكام الدين، أم لا". ملأ المؤلف آذاننا بكلام يدور على أن الخلافة والملك لم يرتكزا إلا على القوة والرهبة، ثم انقلب إلى حرفة التشكيك، الذي آلى على نفسه أن لا يخرج بنا من بحث حتى يحاول أن يفتننا به مرة أو مرتين. ونحن نلفت النظر عن الرأي المطوي في صدر المؤلف، ونلقي الكلمة الفاصلة فنقول: إن ارتكاز البيعة على القوة والسلطان، دون أن يكون لأهل

стр. 3941

الحل والعقد فيها اختيار، غير جار على نواميس العقل، ولا موافق لما أرشد إليه الدين، وكذلك الدين والعقل السليم لا يختلفان في حكم. أما استناد الخلافة بقوة الجند والسلاح بعد قيامها على قاعدة اختيار الأمة، فأمر ينطبق على قوانين العقل بغير تردد، وحق تهدي إليه الشريعة بحثّ وتأكيد؛ فإن القصد من إقامة السلطان كفّ الأيدي العادية على الحقوق، فوجب إعداد القوة من جند وسلاح لمكافحة الأعداء والبغاة، وحماية حرم الشريعة من أن تعبث بها يد آثمة، أو نفس ماردة. وعلى الأمة اليقظة أن تتخذ من التدابير ما يمكنها من مشاركة الخليفة في تصريف هذه القوة المسلحة، حتى إذا خاب ظنها فيه، وأخذه الاستبداد بالإثم، وجدت الطريق إلى اتقاء بأسه وكف يده أمراً ميسوراً. قال المؤلف في (ص ٢٨): "لا معنى لقيام الخلافة على القوة والقهر، إلا إرصادهما لمن يخرج على مقام الخلافة، أو يعتدي عليه، وإعداد السيف لمن يمس بسوء ذلك العرش، ويعمل على زلزلة قوائمه". لا بد للخلافة من أن تتقلد سيفاً وترتدي بإرهاب؛ "لتتقي خطر عدو هاجم أو متحفز، وتقمع شر من يثير فتنة يضطرب لها نظام الأمن والسلام، وقد أتى عليها حين من الدهر وهي لا تنتضي حسامها، ولا تلمع بإنذارها ووعيدها إلا في وجه عدو يتربص بالمؤمنين الدوائر، أو ثائر عصفت به ريح الأهواء، وما له في أولي الألباب من ولي ولا عاذر، وأدركها زمن بعدت فيه عن حقيقتها، فخلطت عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وربما كان إثمها في بعض الأحيان أكبر من نفعها، وليس إصلاح شأنها وإعادتها إلى سيرتها المثلى ممن يغارون على مصلحة الشرق واتحاد شعوبه ببعيد.

стр. 3942

قال المؤلف في (ص ٢٩): "وإذا كان في هذه الحياة الدنيا شيء يدفع المرء إلى الاستبداد والظلم، ويسهل عليه العدوان والبغي، فذلك هو مقام الخلافة، وقد رأيت أنه أشهى ما تتعلق به النفوس، وأهم ما تغار عليه. وإذا اجتمع الحب البالغ، والغيرة الشديدة، وأمدتهما القوة الغالبة، فلا شيء إلا العسف، ولا حكم إلا السيف". الظلم والاستبداد ينشآن عن علتين: أولاهما: أن يحمل الحاكم بين جنبيه أهواء غالبة، ونفساً غير زاكية. وثانيتهما: جهل الأمة وتخاذلها؛ بحيث لا يتحد زعماؤها على تقويمه بالتي هي أحكم وأقطع لدابر الاستبداد. وقد بنيت الخلافة بحق على ما يُتوقى به من هاتين العلتين الفاقرتين، فجاء في شروط الخليفة: أن يكون عالماً عادلاً، وجاء في واجبات الأمة: أن تشاركه في الرأي، وتقوم على مراقبته وحمله على طريق العدل بالوسائل الكافية. فإن وقع من الخليفة استبداد أو عدوان، فالتبعة ملقاة على عنق الأمة، لا على مشروع الخلافة. ولو كان مقام الخلافة يحمل بطبيعته على الاستبداد والبغي، لم ترفع العدالة رأسها، ولم تنشط الحرية من عقالها يوم جلس عليه الخلفاء الراشدون ومن حذا حذوهم؛ كعمر بن عبد العزيز ﵁. * إبطال دعوى المؤلف: أن ملوك الإسلام يضغطون على حرية العلم: قال المؤلف في (ص ٣٠): "ومن هنا نشأ الضغط الملوكي على حرية العلم، واستبداد الملوك بمعاهد التعليم".

стр. 3943

بخس المؤلف حظ المسلمين في السياسة، فكففنا شيئاً من غلوائه، وما راعنا منه الآن إلا أن يلصق بملوك الإسلام وصمة الضغط على حرية العلم، ويطلق العبارة بكل صراحة كأنه لا يشعر بأن في الدنيا شيئاً يقال له: التاريخ. أيريد منا أن نطارحه الحديث في النهضة العلمية الإسلامية، فنقف به على مبدأ نشأتها، أو نمر به على سائر أطوارها، ونريه كيف كان الملوك والأمراء يسعدونها بالترجمة، وإنشاء المدارس، وتأسيس المكاتب، وإجلال العلماء، وإسباغ النعم على المؤلفين؟ إنا عن تفصيل الحديث في هذا السبيل لفي شغل، ولا طاقة لنا إلا بأن نلقي على الحكومات الإسلامية نظرة إجمالية، ونقول فيها كلمة يطلّ منها القارئ على الحقيقة؛ ليشهد على بينة بأن المؤلف يباهت المسلمين وملوكهم على مسمع من التاريخ، ومرأى من مآثرهم الباقية. قامت دولة بني أمية، وكلانت هممهم مصروفة إلى فتح البلاد، وتوسيع نطاق الدولة الإسلامية، فلم تتوجه عنايتهم إلى الزيادة على ما بين أيديهم من علوم إسلامية أو عربية، سوى ما جاء في التاريخ من أن معاوية ابن أبي سفيان ﵁ كان "يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها، وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة (١). وأما ما قام به خالد ابن يزيد بن معاوية (٢) من نفسه، فاستقدم راهباً رومياً من إسكندرية، وأخذ عنه صناعة الكيمياء، ثم أمر بنقلها إلى العربية، وكذلك عرّب (ماسرجويه)

стр. 3944

أحد الأطباء المعاصرين لعبد الملك بن مروان كتاباً في الطب، وبقي في خزائن الكتب بالشام، ولما تولى عمر بن عبد العزيز، أخرجه منها، وأصبح متداولاً في أيدي الناس، وجاء في "الفهرست" لابن النديم: (١) أن أبا العلاء سالماً كاتب هشام بن عبد الملك (٢) نقل من رسائل أرسطو إلى الاسكندر. انقرضت دولة بني أمية في المشرق، ولم ينهضوا بما عند الأمم الأخرى من علوم حكمية وفلسفية؛ للعذر الذي أومأنا إليه، ولكنهم لم يضطهدوا عالماً لعلمه، ولم يقطعوا سبيل علم دون مبتغيه. ثم خلفهم بنو العباس، وقد اتسع نطاق الممالك الإسلامية، واستحكمت عرى الدولة، فما استقرت مقاليد الخلافة بأيديهم حتى نهضوا بالعلوم على اختلاف فنونها، فعني المنصور بنقل علوم الهندسة والطب والنجوم، وتتابعُ الخلفاء على هذه الخطة المحمودة، والنهضة العبقرية للخليفة المأمون أشهرُ من أن يشار إليها بالبنان، وظلت هذه النهضة قائمة يشد أزرها الخليفة عقب الخليفة، حتى أصبحت علوم اليونان والفرس وغيرهما تدرس بلسان عربي مبين. وهن عظمُ الخلافة العباسية، وهيض جناحها، فظهر حولها دول في الشام ومصر وفارس وخراسان وغيرها؛ كدولة بني بويه، وبني حمدان، وبني زيار، وبني سامان، والدولة الغزنوية، والسلجوقية، وملوك هذه الدول

стр. 3945

القائمة على أطلال الخلافة العباسية "اقتدوا بخلفاء النهضة في ترغيب أهل العلم، واستقدامهم إلى عواصمهم في القاهرة وغزنة ودمشق ونيسابور وإصطخر وغيرها" (١). ومن أشهر رجال هذه الدول، وأعظمها أثراً في إحياء العلم ورفع لوائه: منصور بن نوح الساماني (٢)، ومحمود بن سُبكتكين الغزنوي (٣)، وسيف الدولة بن حمدان، (٤) وسابور بن أردشير (٥) وزير بهاء الدولة بن بويه (٦)، ونظام الملك (٧) وزير السلطان السلجوقي، وقابوس بن وشكمير الزياري (٨)،

стр. 3946

ويعقوب بن كلس (١) وزير العزيز بالله (٢) ثاني ملوك الدولة الفاطمية، والصاحب ابن عباد (٣) وزير مؤيد الدولة بن بويه، إلى غير هؤلاء من ملوك ووزاء عرفوا قيمة العلم، وخلوا سبيل الأفكار تتمتع بملاذه، وتنفق من طيباته كيف تشاء. وإذا سرحنا الطرف في دولة الأندلس والمغرب، رأينا كثيراً من ملوكها شادوا صروح العلم، وأوسعوا ميدان المنافسة في فنونه؛ مثل: الحكم المستنصر بالله (٤) الخليفة بقرطبة، ويوسف بن عبد المؤمن (٥) سلطان مراكش، وغيرهما من ملوك الطوائف، وبعض ملوك الدولة الحفصية، والدولة الحسينية في تونس. ولعل المؤلف قرأ في بعض الكتب: أن من طبائع الاستبداد الضغط على العلم، فضم إلى هذه النظرية ما يعتقده من أن خلفاء الإسلام وملوكه

стр. 3947

مستبدون، فانتظم له قياس منطقي من الشكل الأول، وهو: ملوك الإسلام مستبدون، وكل مستبد يضغط على العلم، فالنتيجة: ملوك الإسلام يضغطون على العلم. ولكن ماذا ينفع هذا القياس، والتاريخ الصحيح يشهد بأن خلفاء الإسلام وملوكه رفعوا لواءَ العلم، ومنهم انبعثت أشعته إلى الشرق والغرب، قال (رويودان) الإنجليزي في كتاب "تاريخ الموسيقا": "بعد فتح بلاد الفرس، أصبحت ينابيع العرفان تنهمر إلى العرب على طريق دمشق وحلب وإسكندرية، وتجري على سواحل أفريقية الشمالية إلى بلاد إسبانيا، حتى انتهت إلى قرطبة التي أنشاها الأمويون، فأصبحت مركز العلوم والمعارف إلى أنحاء أوروبا". وقال: "إن العرب في القرون الوسطى كانوا حملة العلم والعرفان إلى بقية أنحاء العالم، وبينما كانت أوروبا غارقة في أشد دياجير الجهل ظلاماً، كان الخلفاء في بغداد عاصمة ملكهم، وقد بلغوا أعلى شأوٍ في المدنية والعرفان؛ لأنهم كانوا ملوكاً لممالك عظيمة، تمتد من نهر الغنج شرقاً، إلى المحيط الأطلنتيكي غرباً؛ حيث توجد طنجة". وقال: "وبفضل سهرهم -يعني: خلفاء قرطبة- على العلوم، أصبح أطباء العرب وفلاسفة قرطبة حملة راية العلم في العالم". وإذا حكى التاريخ أن المتوكل العباسي (١) في الشرق، والمنصور بن أبي عامر في الغرب اضطهدا الفلسفة، فذلك شيء لا يذكر إزاء النهضة التي

стр. 3948

قام بها غيرهم من ملوك وأمراء، يخرجنا عدّهم وعدّ مآثرهم العلمية إلى إسهاب لا يسعه المقام. قال المؤلف في (ص ٣٠): "ذلك تأويل ما يلاحظ من قصور النهضة الإسلامية في فروع السياسة، وخلو حركة المسلمين العلمية من مباحثها". قد أريناك أن ملوك الإسلام كانوا يساعدون على توسيع دائرة المعارف، ويقبلون ما تنتجه العقول السليمة باحتفاء وترحاب، وقد كانت الكتب السياسية تؤلف بمرأى منهم ومسمع، وكثير منها يؤلف من أجل صاحب الدولة، أو وزيره؛ مثل كتاب: "سياسة المالك في تدبير الممالك" ألّفه ابن الربيع للمعتصم (١) العباسي، وكتاب: "نهج السلوك في سياسة الملوك" ألّفه الشيخ عبد الرحمن ابن عبد الله (٢) لصلاح الدين الأيوبي (٣)، وكتاب: "لطائف الأفكار وكاشف الأسرار" في علم السياسة، ألّفه القاضي حسين السمرقندي للوزير إبراهيم باشا، وبعض هذه الكتب يقدمه مؤلفه بنفسه إلى الملك؛ كما قدم ابن خلدون نسخة من "مقدمة تاريخه" إلى صاحب تونس أبي العباس الحفصي (٤)،

стр. 3949

ثم إلى السلطان برقوق (١) صاحب مصر. بل كان من رجال الدولة من يؤلف في السياسة؛ كما ألف القاسم أَبو دلف أحد قواد المأمون ثم المعتصم كتاب: "سياسة الملوك" (٢)، وألّف عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ولي الشرطة ببغداد "رسالة في السياسة الملكية" (٣). قال المؤلف في (ص ٣١): "لو وضعنا هذا الكتاب كله في بيان الضغط الملوكي الإسلامي على كل علم سياسي، وكل حركة سياسية، أو نزعة سياسية، لضاق هذا الكتاب وأضعافه عن استيعاب القول في ذلك، ثم لعجزنا عن بيانه على وجه كامل". اقتحم المؤلف في هذه العبارة شططاً لا يقع فيه خبير بالتاريخ، عارف بقيمة الأمانة في العلم. طالعْ -أيها القارئ- كتب التاريخ كتاباً كتاباً، وقلّبها إن شئت صحيفة صحيفة، فلا أحسبك تعثر على مثال يشهد بأن ملكاً من ملوك الإسلام غضب لكتاب ألّف في السياسة، أو كره للناس أن يترجموا كتباً في السياسة، أو عنّف شخصاً ألّف في السياسة، أو أصدر إنذاراً على التأليف في السياسة. ضغط بعض ملوك الإسلام على الفلسفة؛ كما قصصناه عن المتوكل

стр. 3950

العباسي، والمنصور بن أبي عامر؛ لاعتقاد ضررها، أو تقرباً من قلوب العامة، ولا تكاد تعلم أن أحداً منهم اضطهد علم السياسة، إلا ما كان من السلطان عبد الحميد الذي انتهى به الاستبداد والضغط على حرية الفكر إلى غاية لم يسبق لها نظير، ومن ذلك المتناهي تعلَّم عبدُ الرحمن الكواكبي كيف يؤلف كتابي: "طبائع الاستبداد"، و"جمعية أم القرى". * عدم تمييز المؤلف بين الإجماع على وجوب الإمامة، والإجماع على نصب خليفة بعينه: قال المؤلف في (ص ٣١): "لو ثبت عندنا أن الأمة في كل عصر سكتت على بيعة الإمامة، فكان ذلك إجماعاً سكوتياً، بل لو ثبت أن الأمة بجملتها وتفصيلها قد اشتركت بالفعل في كل عصر في بيعة الإمامة، واعترفت بها، فكان ذلك إجماعاً صريحاً، ولو نقل إلينا ذلك، لأنكرنا أن يكون إجماعاً حقيقياً، ولرفضنا أن نستخلص منه حكماً شرعياً، وأن نتخذه حجة في الدين، وقد عرفت من قصة يزيد كيف كانت تؤخذ البيعة، ويغتصب الإقرار". اندفع المؤلف يخوض في الإجماع على غير بينة منه، ويورد على الطعن في انعقاده في مسألة الإمامة قصة يزيد بن معاوية. علماء الإسلام في ناحية، وصاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم" في ناحية أخرى. يظهر جلياً أن المؤلف اشتبه عليه الإجماع على وجوب نصب إمام بالإجماع على مبايعة إمام بعينه، والذي يتحدث عنه أهل العلم إنما هو وجوب نصب الإمام، وهذا الوجوب لم يحدث فيه خلاف بين أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان، وأما مبايعة إمام خاص، فيكفي في

стр. 3951

انعقادها اتفاق جماعة من أهل الحل والعقد؛ بحيث تكون كلمتهم العليا على من خالفهم. قال إمام الحرمين في كتاب "غياث الأمم": "اتفق المنتمون إلى الإسلام على تفرق المذاهب وتباين المطالب على ثبوت الإمامة". ثم قال: "الإجماع ليس شرطاً في عقد الإمامة بإجماع". فاستدلال المؤلف على إبطال الإجماع في حكم الخلافة بعدم الإجماع على ولاية يزيد، منطق يترفع عنه أصحاب الأقيسة الشعرية، ولا يأتيه المولعون بالمغالطات إلا أن يصوغوه في أسلوب أبرع من أسلوب المؤلف وأخفى. قال المؤلف في (ص ٣٢): "وقد زعم الإنكليز: أن أهل الحل والعقد من أمة العراق انتخبوا فيصلاً ليكون ملكاً عليهم بالإجماع، اللهم إلا أن يكون قد خالف في ذلك نفر قليل لا يعتد بهم؛ كأولئك الذين دعاهم ابن خلدون من قبل: شواذ". وما كان للمؤلف أن يتهجم على علم راسخ القواعد محكم المباني، فيخلطه بالمجون، ويضرب له أمثالاً لا تلتقي معه في نسق، وإن كان الحديث ذا شجون. الإجماع الذي يستند إليه في تقرير الأحكام، هو اتفاق مجتهدي الأمة، بل المدار في انعقادها على جماعة من أهل الحل والعقد وإن لم يكن من بينهم مجتهد أصلاً. فإيراد المؤلف قصة يزيد طعناً في الإجماع المستدل به على حكم الخلافة تخبطٌ في ليل دامس، والانتقال منها إلى قصة فيصل، وتمثيل من خالفوا في انتخابه بمن دعاهم ابن خلدون: شواذ، خيالٌ لا تقبله أذواق أهل العلم،

стр. 3952

وشاهد يوضح أن المؤلف لا يفرق بين الإجماع على وجوب الخلافة، والاتفاق على مبايعة شخص بعينه. * وجه عدم الاعتداد برأي من خالفوا في وجوب الإمامة: قال المؤلف في (ص ٣٢): "لو ثبت الإجماع الذي زعموا، لما كان إجماعاً يعتد به، فكيف وقد قالت الخوارج: لا يجب نصب الإمام أصلاً، وكذلك قال الأصم من المعتزلة، وقاله غيرهم أيضاً؛ كما سبقت الإشارة إليه. وحسبنا في هذا المقام نقضاً لدعوى الإجماع أن يثبت عندنا خلاف الأصم، والخوارج، وغيرهم، وإن قال ابن خلدون: إنهم شواذ". لم يخالف في وجوب الإمامة جميع الخوارج، وإنما المخالفون طائفة منهم، وهم النجدات، وقد نقلنا لكم آنفاً قول ابن حزم (١) في كتاب "الفصل": اتفق جميع أهل السنّة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة يجب عليها الانقياد لإمام عادل ... حاشا النجدات من الخوارج. أما الأصم، فقد قال إمام الحرمين في تفنيد رأيه: "نصبُ الإمام عند الإمكان واجب، وذهب عبد الرحمن بن كيسان -هو الأصم- إلى أنه لا يجب، ويجوز ترك الناس أخيافاً يلتطمون ائتلافاً واختلافاً، لا يجمعهم ضابط، ولا يربط شتات رأيهم رابط. وهذا الرجل هجوم على شق العصا، ومقابلة الحقوق بالعقوق، لا يهاب حجاب الإنصاف، ولا يستوعر أصواب الاعتساف، ولا يسمى إلا عند الانسلال عن ربقة الإجماع؛ والحيد عن سنن الاتباع. وهو مسبوق بإجماع من أشرفت عليه الشمس شارقة وغاربة،

стр. 3953

واتفاق مذاهب العلماء قاطبة". فالتحقيق: أن مخالفة هذه الطائفة في قضية الخلافة لا يعتد بها، وليس لها في الطعن على الإجماع من أثر، ولا نجعل أقوالهم لاغية لكونهم من الطوائف التي يراها أهل السنّة على غير حق؛ فإن خلاف أمثالهم في الأحكام الشرعية يمنع من انعقاد الإجماع؛ كما هو المختار عند الغزالي (١)، والآمدي، وغيرهما، وإنما نصرف النظر عن مخالفتهم هذه لوجهين: أحدهما: أن خلافهم طرأ بعد انعقاد الإجماع ممن تقدمهم على وجوب نصب الإمام، وحدوثُ قول بعد انقراض العصر الذي انعقد فيه الإجماع على حكم شرعي مردودٌ على وجه صاحبه. ثانيهما: أنهم قيدوا مخالفتهم بحال، وعلقوها على أمر لم تجر به السنن الكونية في هذه الحياة، وهو تواطؤ الأمة على العدل، وتنفيذ أحكام الله فيما بينهم، وهذا التواطؤ مما دلت التجارب والمشاهدات الطويلة على أنه خارج عن طبيعة البشر، إلا أن ينقلب الناس ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. والأشبه أن يكون خارق الإجماع في مثل هذا الحكم الواضح مدفوعاً بهوى يعمى عليه الدليل الساطع، وكذلك نقل أَبو منصور البغدادي ما يؤيد أن الأصم كان يخرق الإجماع استسلاماً لأهوائه، فقال في كتاب "الفَرْق بين الفِرَقْ ": "قال -يعني: الأصم -: لا تنعقد-أي: الإمامة -إلا بإجماع

стр. 3954

عليها. وإنما قصد بذلك الطعن في إمامة علي ﵁؛ لأن الأمة لم تجتمع عليه؛ لثبوت أهل الشام على خلافه إلى أن مات، فأنكر إمامة علي، مع قوله بإمامة معاوية؛ لاجتماع الناس عليه بعد قتل علي ﵁ ". * القرآن والخلافة: قال المؤلف في (ص ٣٣): "عرفت أن الكتاب الكريم قد تنزه عن ذكر الخلافة، والإشارة إليها، وكذلك السنّة النبوية قد أهملتها، وأن الإجماع لم ينعقد عليها، أفهل بقي لهم من دليل في الدين غير الكتاب، أو السنّة، أو الإجماع؟ ". قبل أن نأخذ في مناقشة هذه المزاعم، نذكر القارئ بأمر تناولنا البحث فيه آنفاً، وهو أن بحث الخلافة يرجع إلى النظر في حكم عملي، لا في عقيدة من عقائد الدين، ومما يترتب على الفرق بين الأحكام العملية والعقائد: أن الأحكام العملية يُكتفى فيها بالأدلة المفيدة ظناً راجحاً، وأما العقائد، فإنها لا تقوم إلا على براهين قاطعة. ونضع بين يدي القارئ أيضاً: أن العدول عن ظواهر الألفاظ، وتأويلها إلى غير ما يفهمه أسلوبها العربي من المعاني الجلية، غير مسموع في مقام المناظرة؛ فإن الألفاظ في سائر اللغات تحتمل الصرف إلى معان غير مقصودة، وذلك بما يدعى فيها من نحو الحذف والمجاز، من غير دليل ثابت، أو قرينة قائمة. ونتخلص من هذا إلى أن سنن الشريعة في إرشادها أن تعنى بالأحكام أو الحقائق التي شأنها الغموض، فتدل عليها بتصريح وتأكيد، حسب أهمية الحكم، وبعدِه من متناول العقول، ولهذا لم ترد فيها أوامر بما تدعو إليه

стр. 3955

الطبائع، وإن كانت مفروضة لحفظ النفس أو النسل؛ مثل: الأكل والشرب والنكاح، إلا في سياق الإرشاد إلى معنى زائد على أصل الفعل؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ ﴿الأعراف: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. فلا غضاضة على حكم الخلافة إذا لم يرد به قرآن يتلى؛ إذ ليست الخلافة شيئاً زائداً على إمارة عامة، تحرس شعائر الدين، وتسوس الناس على طريق العدل، ولم يكن وجه المصلحة من إقامة هذه الإمارة بالخفي الذي يحتاج إلى أن يأتي به قرآن صريح. ولكن وراء ذلك أشياء أخرى قد تنازع فيها الأهواء أو تختلف فيها الاَراء؛ كإطاعة السلطان العادل، أو اشتراط أن يكون زمام الحكم في يد مسلم، فأرشد القرآن إلى الأولى منطوقاً، وإلى الثاني مفهوماً بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وقد نبهنا -فيما سلف- على أن النظر في وجه الأمر بإطاعة أولي الأمر يقتضي وجوب إقامتهم. فالقرآن لم يصرح بحكم الإمارة العامة؛ اكتفاء بما بثه في تعاليمه من الأصول التي تبينها السنّة، ويرجع إليها الراسخون في العلم عند الحاجة إلى الاستنباط، ولأن في الأمر بإطاعة أولي الأمر عبرة لأولي الألباب. فقول المؤلف: إن القرآن قد تنزه عن ذكر الخلافة والإشارة إليها، كلمة لا تليق بأدب عالم شرعي، ولكن الهوى كالزجاجة الملونة بسواد، تضعها على بصرك، فتريك الأشياء بعد أن تجري عليها صبغة من لونها البهيم، "وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل، لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى" (١).

стр. 3956

* السنة والخلافة: وأما السنّة، فقد وردت أحاديث صحيحة ذُكر فيها الخليفة، والإمام، والبيعة، والأمير، وقد جاءت هذه الأحاديث في أغراض متعددة، ومعان مختلفة. فمنها: ما جاء في بيان أن الإمام مسؤول عما يفرط في حق الرعية؛ كقوله ﵊ فيما رواه البخاري -: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس قال، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته" (١). ومنها: ما جاء في الأمر بملازمة الإمام، وعدم الخروج عنه؛ كحديث: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" (٢). ومنها: ما ورد في بيان حكم من حاول الخروج عليه؛ كحديث "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه" (٣)، وحديث: "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما" (٤)، وحديث: "من بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر" (٥). ومنها: ما جاء في مساق الأخبار عن وجود الخلفاء، وقرن بذلك الأخبار

стр. 3957

الأمر بالوفاء ببيعة الأول؛ كحديث: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء، فتكثر"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فُوا بيعةَ الأول فالأول" (١). ومنها: ما ورد مورد الإنكار والوعيد عن نكث اليد عن طاعة الإمام، وأن يموت المسلم وليس في عنقه بيعة؟ كحديث: "من خلع يداً من طاعة، لقي الله القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية" (٢). وهذا الحديث وإن لم يرد فيه ذكر الإمام ولا الخليفة، فإن الأحاديث السابقة تفسره. ومنها: ما ورد في وصف خيار الأئمة وشرارهم؛ كحديث: "خيار أئمتكم: الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم" (٣). ومنها: ما ذكر فيه الخليفة بجانب النبي، وأخبر فيه بما يكون له من بطانتي الخير والشر؛ كحديث: "ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشرّ، وتحضّه عليه، فالمعصوم من عصم الله" (٤). ومنها: ما جاء لبيان منزلة الإمام العادل وفضله، كحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وصدّرها بالإمام العادل، فقال: "إمام

стр. 3958

عادل" (١)، وحديث: "إنما الإمام جُنة يُقاتل من ورائه، ويُتقى به، فإن أمر بتقوى الله ، وعدل، كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره، كان عليه منه" (٢). فهذه الأحاديث الواردة في أغراض شتى، وأسانيد مختلفة، وكلها تدور حول الإمام، فتبين مسؤوليته، وتأمر بالوفاء ببيعته، وإطاعته، وملازمته، وقتل من يحاول الخروج عليه، وتصف الأئمة، وتفرق بين خيارهم وشرارهم، هذه الأحاديث إذا وقعت في يد مجتهد يتبصر في حكمة أمرها ونهيها ووصفها، لا يتردد في أن الإمام أمر حتم، وشرع قائم، ولا يصح أن يكون هذا الحق إلا من قبيل الواجب. فقول المؤلف: إن السنّة أهملت الخلافة، جراءةٌ يلبسها من خرج ليقطع الطريق في وجه الحقائق، حتى تدرج عليه الآراء الفجّة، وأوضاع التي لم تزل في طور التجربة والاختبار. * الإجماع والخلافة: وأما الإجماع، فقد أريناك وجه حجيته فيما سبق، وبيّنا لك أنه دليل قاطع؛ لأن شواهده عدّة في دلائل الشريعة جاءت في موارد شتى من الكتاب والسنّة، وهذه الشواهد إن كان كل واحد منها يفيد ظناً راجحاً، فإن مجموعها يفيد علماً راسخاً، ونظيره التواتر في إفادة القطع، وهو مؤلف من أخبار آحاد لا يفيد كل واحد منها بانفراده شيئاً يتعدى مراتب الظنون. وتقرير الإجماع في قضية الخلافة الذي لا يزال علماء الإسلام يلهجون

стр. 3959

به جيلاً بعد جيل، أن الصحابة ﵃ عقب انتقال صاحب الرسالة - صلوات الله عليه - إلى الرفيق الأعلى، وقبل مواراة جثته الشريفة في قبره الكريم، بادروا إلى الائتمار بتعيين إمام، ولم يجر بينهم خلاف في حكم إقامته، وإنما تنازعوا في مبدأ المفاوضة شيئاً قليلاً في اختيار الشخص الكافي لهذا المنصب، ثم تضافروا على مبايعة أبي بكر الصديق ﵁، ومن تخلف عن المبايعة لم يذهب إلى الخلاف في وجوب نصب الإمام، وإنما هي الموجدة؛ لعدم إيثاره بالإمارة، أو لإنجاز المبايعة دون حضوره، وقبل أخذ رأيه في جملة المؤتمرين، وكذلك كان شأنهم في الاهتمام بأمر الخلافة لعهد سائر الخلفاء الراشدين فمن بعدهم، ومن يتخلف عن بيعة خليفة، فلعذر يرجع إلى عدم وفاقه على بيعة الشخص المعين، ولم ينقل عن أحد أنه توقف في وجوب نصب الأمير العام، أو قال: "ليس بنا من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا، ولا لأمور دنيانا"، مع أن المحدثين والمؤرخين ينقلون ما يدور في المحاورة بين أهل الحل والعقد، وما يقع من وفاق، وما يصدر عنهم من أقوال وآراء، ليس لها أهمية إزاء القول بعدم وجوب نصب الإمام، لو خطر على قلب رجل منهم. ومن الباطل أن يقال: إنما سكتوا عن إبداء رأيهم في وجوب الخلافة رهبة من القوة المسلحة، فإن العصر الذي صدع فيه عبد الرحمن الأصم، ونجدة بن عامر بعدم وجوب نصب الإمام، لم تكن حرية الرأي، ولا سعة صدر السياسة فيه بأحسن حالاً من العهد الذي يقوم فيه الرجل، ويجابه الخليفة بقوله: لو رأينا فيك اعوجاجاً، لقوّمناه بسيوفنا. قال المؤلف في (ص ٣٣): "نعم، بقي لهم دليل آخر لا نعرف غيره، هو آخر ما يلجؤون إليه، وهو أهون أدلتهم وأضعفها. قالوا: إن الخلافة

стр. 3960

تتوقف عليها إقامة الشعائر الدينية، وصلاح الرعية إلخ. المعروف الذي ارتضاه علماء السياسة: أنه لا بدّ لاستقامة الأمر في أمة متمدنة، سواء كانت ذات دين، أم لا دين لها، وسواء كانت مسلمة أم مسيحية أم يهودية، أم مختلطة الأديان، لا بد لأمة منظمة، مهما كان معتقدها، ومهما كان جنسها ولونها ولسانها، من حكومة تباشر شؤونها، وتقوم بضبط الأمر فيها، وقد تختلف أشكال الحكومة وأوصافها بين دستورية واستبدادية، وبين جمهورية وبلشفية، وغير ذلك". الدليل المشار إليه يرجع إلى قاعدة قائمة على رعاية المصالح، وهي قاعدة قطعية؛ لأنها منتزعة من أصول وأحكام مبثوثة في الكتاب والسنّة، وقد أقامه العلماء في مناظرة النفر الذين خالفوا في نصب الإمام، ذاهبين إلى أنه لا تجب إقامة حكومة. ولا شك أن هذا الدليل ينسف مذهبهم نسفاً، ولو خالف في شكل الحكومة مخالف، لأفصح عن رأيه، ولكان لأهل العلم معه موقف غير الموقف الذي نراه في علم الكلام. فالدليل بالنظر إلى مذهب الخصم الذي كانوا يجادلونه به، حجة ساطعة، وليس بالدليل الهين، ولا الضعيف، ولكن المؤلف لا يضبط وجه البحث، ولا يحدُّ موضوعه حداً بيناً، فيقع فيما لا يقع فيه الكرام الكاتبون. قال المؤلف في (ص ٣٤): "ولعل أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - إنما يشير إلى ذلك الرأي حينما قال في خطبته التي سبقت الإشارة إليها: لا بد لهذا الدين ممن يقوم به". صدرت هذه المقالة من أبي بكر الصديق ﵁ في خطبته بعد وفاة النبي ﷺ ، وبويع عقبها بالإمارة العامة، وتسمّى خليفة، وسار في حكومته
следующие страницы →