بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٦].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾:
وصف المخاطبين بالإيمان، وأورد الخطاب في صيغة النداء، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ ليقوي داعيتهم إلى امتثال ما أمرهم به بعد، فإنَّ وصفهم بالإيمان إيذان بأن فيهم ما يبعث على حسن الطاعة، وهو الإيمان الذين يستدعي إجلال الأمر، وخوف مقامه، أو رجاء أنعامه، وصيغة النداء تجعلهم كأنهم في حضرة رب العالمين، وهو يسمعهم شهادته لهم بالإيمان، ويدلهم على ما فيه حياة العزة والكرامة.
وقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أمر من الاستجابة، وهي الإجابة والامتثال، وطاعة الرسول هي طاعة الله؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
стр. 422
اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ولكنه أمر بها بعد الأمر بطاعة الله؛ للدلالة على وجوب طاعة الرسول فيما جاء به مما ليس في القرآن المجيد، وأكد هذا الأمر بإعادة حرف الجر مع حرف العطف، فقال: ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾، مع صحة أن يقال: "والرسول".
والأمر بالاستجابة لله وللرسول يقتضي أن يقال: (إذا دعواكم) مسنداً إلى ضمير الاثنين، وإنما أفرد الضمير، فقال: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾؛ تنبيهاً على أن دعوة الرسول هي دعوة الله، فإسناد الدعوة إلى الرسول يغني عن إسنادها إلى الله، وإنما قلنا: إن الضمير في قوله: ﴿دَعَاكُمْ﴾ عائد إلى الرسول؛ لأن الرسول هو المباشر للدعوة، ولأنه أقرب مذكور في نظم الآية.
وهذه الآية إحدى الشواهد الناطقة بأن حديث النبي ﷺ أحد طرق التشريع، وأنه كالكتاب في العمل بما يتضمنه من الأوامر والنواهي. وقد ضل قوم السبيل، فزعموا أن التشريع مقصور على القرآن الكريم، واطرحوا الأحاديث، وأملت عليهم الزندقة حديث: "ما أتاكم عني، فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله، فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله، لم أقله". قال يحيى بن معين: هذا الحديث وضعته الزنادقة، وقد عارض بعض أهل العلم هذا الحديث المصنوع بيد الزندقة، فقالوا: نحن عرضنا هذا الحديث على كتاب الله، فوجدناه مخالفاً لكتاب الله؛ إذ وجدنا كتاب الله يأمر بطاعة الرسول، ويحذر من المخالفة عن أمره في كل حال.
وقوله تعالى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ يتعلق بقوله: ﴿دَعَاكُمْ﴾، والمعنى: أجيبوا الله والرسول إذا دعاكم الرسول لما يحييكم الحياة الطيبة في دنياكم وآخرتكم، وهي الطاعات، ولا ريب أن امتثال أوامر الدين واجتناب نواهيه،
стр. 423
يورثان الحياة الطيبة في الأولى والآخرة، ومما يحيى المؤمنين الحياة الطيبة: جهاد العدو المحارب، ذلك أن العدو إذا استولى على الأمة، قبض على زمام أمرها بيد غاشمة، وأقام بينها وبين القوة والعزة حواجز، فلا تعيش إلا في ضعف وذلة ونكد من العيش، وقتال العدو يدفع عنها هذه الكارثة، ويمكنها من أن تفوز بسلامة أعراضها وأموالها، وتتمتع بالحرية في إدارة شؤونها، وابتغاء وسائل رفعتها، وإقامة شعائر دينها، والتقاضي إلى أحكام شريعتها، وذلك عين الحياة الطيبة في الدنيا، ووسيلة الحياة الطيبة في الأخرى.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾:
يحول: يحجز، والمعنى: أن الله يحول بين المرء ومقاصده؛ أي: إنه قد يفعل ذلك، وقال: ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ مكان بين المرء ومقاصده؛ لأن القدرة على الحيلولة بين المرء وقلبه تستلزم القدرة على الحيلولة بين المرء وكل مقصد يحضر قلبه، ويعقد عليه عزمه، وكذلك نرى المرء قد يريد خيراً أو شراً، ثم ينصرف عنه، نراه قد أراد خيراً، فيغضب، ويدفعه الغضب إلى أن يريد شراً، ونراه قد عزم على شر، فيرى حجة، أو يسمع موعظة، فيعود إلى إرادة الخير.
فالآية تشعر المخاطبين بأنهم لا يملكون تنفيذ ما عزموا عليه إلا أن يأذن به الله، فإذا استجابوا لله وللرسول، فليس من حقهم أن ينسبوا الطاعة إلى أنفسهم كأنهم استقلوا بها من بدايتها إلى نهايتها، بل واجبهم أن يذكروا عند القيام بالطاعة فضل الله عليهم؛ إذ وفقهم لها، ولم يحل بينهم وبينها. أمرهم أن يعلموا أنه يملك قلوبهم التي هي مواطن إرادتهم، ثم أمرهم أن يعلموا أن مصيرهم إليه، فقال تعالى:
стр. 424
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾:
أي: تبعثون، وفي هذا إعلام بأن أمرهم في كلتا الحياتين بيده، فلا يعملون في الدنيا عملاً إلا بإذنه، ولا يجزيهم على أعمالهم في الآخرة إلا هو.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾:
الفتنة في أصل وضعها: الامتحان والاختبار، ووردت بمعنى: الكفر، والضلال، والمعصية، والعذاب، ويصح أن تفسر الفتنة في الآية بالمعصية. وإصابتها للظالمين وغيرهم، بمعنى: إصابة أثرها لهم، وهو ما تجره في الدنيا من شقاء وعذاب.
والفتنة التي يعم وبالها مرتكبيها وغيرهم: ما كان من نحو إقرار المنكر، وتفرق الكلمة وإهمال التعليم الديني والقعود عن دفاع العدو، فإن شؤم عاقبة هذه المعاصي لا يخص الذين ظلموا، وهم المقرّون للمنكر، والعاملون لا نفصام عرا الاتحاد، والمهملون للتربية الدينية، والقاعدون عن الجهاد تكاسلاً، بل يتعداهم إلى غيرهم من نحو الأطفال والمستضعفين من الرجال والنساء، وهذه المعاصي تُسقط الأمم من عليائها، بل هي الطعنات النافذة في مقاتلها، فإقرار المنكر سبب كثرة الفسوق وانتشاره في البلاد، وانتشارُ الفسوق يفسد الأخلاق، ويذهب بالرجولة والغيرة على الكرامة، وإذا فسدت أخلاق القوم، وذهبت الرجولة من نفوسهم، انحدروا في خزي ودمار.
وتفرق الكلمة سبب التخاذل، وعدم التعاون على فعل الخير ودفع السوء، وذلك ما يلقي بالأمة في بؤس وهوان، وترك تربية النشء تربية دينية يأتي بعواقب مشؤومة، وأي عاقبة أشأم من أن يتولى أمور الأمة ملاحدة
стр. 425
يسوسونها على ما توحيه إليهم أهواؤهم، ويعطلون ما استطاعوا أحكام شريعتها، والقعودُ عن الدفاع سبب وقوع الأمة بأجمعها تحت سلطان عدو يذيقها من عذاب الهون ما تؤثر من أجله الموت على الحياة.
ويصح أن تفسر الفتنة في الآية بما تأتي به تلك المعاصي من وبال؛ كولاية الفجار التي يأتي بها إهمال التربية الدينية، وكقهر العدو للأمة الذي يأتي به ترك إعداد القوة، أو القعود عن الدفاع، واتقاءُ الفتنة على هذا الوجه يحصل باتقاء أسبابها.
ولا يشكل علينا عموم الفتنة، وإصابتها للظالمين وغيرهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]؛ فإن مورد هاتين الآيتين عقاب الآخرة، ويلحق به عقوبات الجنايات في الدنيا، فهذان العقابان لا يتجاوزان المسيء إلى البريء، وأما الآية التي نحن بصدد تفسيرها ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾، فموردها البلاء الدنيوي الذي جرت سنة الله بحلوله عقب تلك المعاصي ذات الآثار المشؤومة. روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أنزل الله بقوم عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم".
أمر باتقاء الفتن التي يمتد لهبها إلى الأبرياء، وكد التحذير منها بوعيد شديد، فقال تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
ففي قوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إيذان بأن واضع يده في مثال هذه الفتن يجازيه الله عليها بالعقاب الشديد في الآخرة، وإن أدركه شؤم عاقبتها في الدنيا. قال تعالى:
стр. 426
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾:
الخطاب للمهاجرين، وقد كانوا بأرض مكة في قلة، وكفار قريش يستضعفونهم؛ أي: يجدونهم ضعافاً، فيصيبونهم بالأذى. والتخطف: الأخذ بسرعة، وفيه إيماء إلى شدة ضعفهم، وسهولة أخذهم؛ حيث أخبر أنهم يخافون أن يأخذهم الناس بسرعة، وإنما يؤخذ بسرعة من لم يكن له شيء من القوة يدافع به، ولو إلى حين، والمعنى: اذكروا وقت قلتكم وهوانكم على الناس، وخوفكم من اختطافهم لكم، والتذكير بوقت مضاف إلى شؤون إنما هو تذكير بتلك الشؤون نفسها.
وبعد أن ذكرهم بما كانوا فيه من قلة العدد، واستضعاف كفار قريش لهم، وخوفهم من تخطف الناس لهم، ذكرهم بنعمة إنقاذهم من ذلك الاستضعاف، وتأييدهم بالنصر على عدوهم، فقال تعالى:
﴿فَآوَاكُمْ﴾:
أي: جعل لكم مأوى تتحصنون فيه من عدوكم، وهي المدينة المنورة.
﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾:
أي: قوى شوكتكم، وهيأ لكم وسائل النصر؛ من نحو: مظاهرة الأوس والخزرج، وإمدادكم بالملائكة في يوم بدر، وإلقاء الرعب في قلوب محاربيكم. وذكر في الآية النعمة التي أنقذهم بها من الاستضعاف والخوف، وهي: الإيواء، والتأييد بالنصر، ولم يذكر ما يقابل قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾؛ كأن يقال: "فكثر عددكم"؛ لأن تأييدهم بالنصر يشير إلى تكثير عددهم بمن انضم إليهم من الأنصار، أو لأن قلة العدد ليست مكروهة لذاتها، وإنما تكون
стр. 427
مكروهة من أجل ما يسام به ذوو العدد القليل من الاستضعاف، وما يساور قلوبهم من الخوف.
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
ولما كان الشأن فيمن قلَّ عددهم، وابتلوا باستضعاف عدوهم لهم، ولم يكونوا في أمن على حياتهم، أن يكونوا في عسر من العيش، ذكر تعالى في جملة ما أنعم به على المهاجرين: أنه رزقهم من الطيبات، وإن لم يذكر قبل أنهم كانوا في ضيق من العيش، فقال تعالى:
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾:
وكذلك كان المسلمون بعد الهجرة في عيش أوسع مما كانوا فيه قبل الهجرة، فقد انفتحت أمامهم طرق الاكتساب من نحو التجارة، وأحل الله لهم التمتع بمغانم الجهاد.
لننظر في حال أولئك الرجال الذين كانوا قليلاً مستضعفين، غير آمنين على حياتهم، فآواهم الله، وأيدهم بنصره، ورزقهم من الطيبات، لعلنا نقف على سنة من سنن الله في ما يكون فيه القوم من ضعف وخوف، وبؤس وهوان على الناس، وإمتاعهم بالقوة والأمن وطيب العيش، والانتصار على العدو.
نرى أولئك الرجال يؤمنون بالله إيماناً صادقاً، ويصبرون للبلاء يصيبهم في سبيل الحق، ولو اشتدت مرارته، وطال أمده، ويأبون أن يلقوا إلى الضالين أو الفاسقين بالمودة، ويحملون في صدورهم الرحمة والسخاء، وكانوا ينظرون إلى عدوهم بعين الحذر، ويأخذون بأسباب النجاة ما استطاعوا، إلى نحو هذا من الخصال التي هداهم إليها الكتاب الحكيم.
فنقتبس من هذا أن سنة الله في القوم الذين يحتفظون بهذه الخصال أن
стр. 428
يجعلهم في أمن ومنعة وعزة، وعيشة راضية، ولا عجب أن نرى المسلمين اليوم في كثرة، وهم فيما نرى ونسمع من استضعاف، فقد أضاعوا جانباً عظيماً من الخصال التي تقوم عليها سنة الله في تخليص القوم من عدو يضع يده فوق أيديهم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
كلمة (لعل) تُحمل في هذه الآية وأمثالها على معنى التعليل؛ أي: أسبغ عليكم تلك النعم لتشكروا، ومن مظاهر الشكر: استجابتهم لله والرسول إذا دعاهم، واتقاؤهم الفتن التي تصيب المجرم والبريء.
стр. 429
تَفْسِيرُ أَرْبَعِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ يُونسَ
стр. 430
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٥].
افتتحت الآية بحرف ﴿أَلَا﴾؛ لتنبيه السامع، وإحضار ذهنه؛ حتى يجيئه الكلام بعدها، وهو متهيئ لتلقيه، فيقع في نفسه أمكنَ وقع. والأولياء جمع وليّ، والوليُّ وصفٌ مأخوذ من الوَلْي، وهو القرب، وإطلاقه على المؤمن الصادق؛ لأنه قريب من الله قرباً روحانياً، وهو القرب الذي ينال بطهارة القلب، وخلوص النية، واستقامة الأعمال.
﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾:
الخوف: غمٌّ يلحق النفس لتوقع مكروه. والمراد من نفي الخوف: نفي ما يوجب الخوف؛ أي: إن أولياء الله يكونون في نجاة وسلامة من المكاره، ومن خاف على وليّ من الوقوع في مكروه، فخوفه آتٍ من غير طريق، وواقع في غير موضع.
стр. 431
وإذا حصل لبعض المتقين خوف من عقاب الله، فإنما هو الخوف من أن يقعوا فيما يسلبهم الولاية، وما عدا هذا، فهو خشوع القلب أمام جلال الله وعظمته.
وقد يبدو لك أن الآية نفت الخوف على أولياء الله، ومن أولياء الله من تلحقه المكاره في الدنيا، فقد يصاب في بدنه أو ماله، وقد يناله بعض المجرمين بأذى؛ من نحو: السب، أو السجن، أو الضرب، أو القتل.
وجواب هذا: أن الآية نفت الخوف على أولياء الله من مكاره يوم القيامة، تلك المكاره التي تنتفض قلوب الموقنين عند توقعها فزعاً، وأما مكاره الدنيا، فإنهم يسألون الله تعالى أن يكفيهم شرها، وإذا مسهم شيء منها، تلقوه بصبر جميل، ومتى نظروا إلى ما يترتب على صبرهم عليها من رضا الخالق، خف أمرها، وحمدوا عاقبتها.
فأولياء الله لا تلحقهم مكاره الآخرة لإطلاق، وقد تلحقهم في الدنيا مكاره يعقبها ما هو خير منها، ومن لا يناله مكروه إلا أن يعقب ذلك المكروه خير أكبر منه، صح أن ينظر إلى ذلك المكروه الذي يصيبه بعين الاستصغار. ويقال: إن أولياء الله هم تحت رعاية الله في كل حال، فلا يدركهم في الدنيا ما يوجب الخوف عليهم.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
الحزن: غمٌّ يلحق النفس من فوات نافع، أو حصول ضار. والمراد من نفي الحزن ما يوجب الحزن؛ أي: إن أولياء الله لا يمسهم ضرر، ولا يفوتهم خير، فلا يدركهم حزن في الحياة الآخرة البتَّة، وأما في الدنيا، فقد يلحقهم ما يثير شيئاً من الحزن؛ كحزن يثيره الإحساس بشدة وجع، أو تثيره عاطفة رحمة أو محبة؛ كأن يرى ولده يعالج سكرات الموت، أو يرى أخاً أو صديقاً
стр. 432
قد أزمع على رحلة طويلة، وحزنه في كل حال يصاحبه الرضا بقضاء الله، والحزن المصاحب للرضا بالقضاء في الدنيا يكسب صاحبه خيراً، ويعود عليه بأجر، فلا يراد نفيه عن أولياء الله.
فأولياء الله لا يغتمون لفوات نافع، أو حصول ضرر في الآخرة بإطلاق، وإذا ضاقت صدورهم في الدنيا للوقوع في أذى، أو عدم الظفر ببغية، فإنما هو حزن تثيره طبيعة من نحو المحبة، والشفقة، ولا يلبث أو يزول.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾:
هذه جملة مستأنفة لبيان المزية التي رفعتهم إلى منزلة الولاية، وهي جمعهم بين الإيمان وحسن الطاعة؛ فإن الاتقاء يصدق بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والجملة واقعة موقع جواب يتشوف إليه السامع عندما يسمع أن أولياء الله في نجاة من كل مكروه، فكأنه قيل: من هم الأولياء؟ وبماذا أدركوا ذلك الفضل العظيم؟ فقيل: هم الذين آمنوا، وكانوا يتقون.
وذكر الإيمان الذي هو التصديق بصيغة الماضي؛ لأنه يقع عقب الحجة دفعة، ثم يستقر في النفس، وذكر الاتقاء بصيغة المضارع؛ لأن فعل المأمور به، وترك المنهي عنه يتجدد، ويقع مرة بعد أخرى.
بعد أن أخبر تعالى بسلامة أوليائه من المكاره التي توجب الخوف أو الحزن،، أشار إلى ما ينالونه بعد هذه السلامة من خير وكرامة، فقال تعالى:
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾:
و ﴿الْبُشْرَى﴾: الخبر السار، والمعنى: أنهم يبشرون في الدنيا وفي الآخرة بما يسرهم، ولم يذكر المبشر به؛ لتعم البشارة كل ما يوعدون به من فضل ونعيم، أما البشرى في الدنيا، فقد رويت أحاديث تنبئ بأنها الرؤيا الصالحة
стр. 433
يراها المؤمن، أو تُرى له، ومن لم يروا أن هذه الأحاديث بالغة مبلغ الصحة ذهبوا في تفسيرها مذاهب، أظهرها: أن البشرى في الدنيا: ما جاء في الكتاب أو السنَّة من وعد الله المتقين بالفضل، ورفعة المنزلة؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] , وقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ [التوبة: ٢١]. والرؤيا الصالحة من قبيل الإلهام الصادق، فهي داخلة في البشارة في الدنيا.
وأما البشرى في الآخرة، فنحو تلقي الملائكة بالسلام، وإخبارهم إياهم بما أعد الله لهم في دار الكرامة، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
وتطلق البشرى على ما يبشر به الإنسان من خير، ويصح حمل الآية على هذا الوجه، والمعنى: أن لأولياء الله خيرات في الدنيا والآخرة يستبشرون بها، أما خيرات الآخرة، فكل ما تشتهيه الأنفس، وتلذه الأعين، ومن خيرات الدنيا التي تعد من عواقب الإيمان والتقوى: النصر على الأعداء؛ ذلك أن من الواجبات التي لا تتحقق التقوى إلا بها: الدعوة إلى سبيل الله، والذود عن الحق بما يستطاع من يد أو لسان، ومن قام بهذا الواجب، كف الله عنه أيدي أعدائه، وأظهره عليهم، ولو كانوا أكثر منه مالاً، أو أوسع جاهاً، أو أنفذ كلمة. هذا ما يشاهد من سنة الله في الأفراد، وذلك ما يدعو المؤمن أن يمضي في سبيل دعوته إلى الحق، ولا يثبطه عنها أن يكون لخصم الحق سطوة؛ فإنهم إن استطاعوا أن يلحقوا به أذى، قد يجعل الله في ذلك الأذى خيراً كثيراً.
стр. 434
وكذلك الجماعة تستضيء بنور الإيمان، وتسير على الصراط السويّ؛ فإن أيسر شيء عليها أن تنجو من سيادة عدو لا يرحمها، بل تملأ عينه بمهابتها، وتظهر عليه متى تصدى لمناوأتها.
﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾:
كلمات الله: أقواله، ومن جملتها: مواعيده، فتتناول الآية ما وعد به المؤمنين الصادقين من خير في الدنيا أو الآخرة، ويدخل في هذا: الرؤيا الصالحة؛ فإنها من قبيل الوعد، وعدم تبديلها في تحقق ما تدل عليه من حصول خير لمن رؤيت له.
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:
﴿الْفَوْزُ﴾: النجاة والظفر بالخير، والمشار إليه: ما ذكر قبل من أن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأي فوز أعظم من أن يظفر الإنسان بسعادة الدارين؟!.
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾:
هذا تسلية لرسول الله ﷺ عما كان المشركون يؤذونه به من أقوال جافية، ولم يبين في هذه الآية ماذا قالوا، لعله مما قصه الله عنهم قبل هذه الآيات بقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [يونس: ٣٨]، أو أطلق القول ليتناول كل ما يتفوهون به في حقه من المقالات الخاطئة. وموضع العبرة من هذا: أن يقف الداعي إلى الحق موقف العزم والثبات، فلا يقيم لما يقوله الذامون أو المتهكمون به وزناً، ويضرب به وراء أذنه، ونرى ضعيف الإيمان بما يدعو إليه هو الذي يحزن لأقوال المبطلين حزناً يثبطه عن الدعوة، أو يصرفه عنها، متكئاً على أن ما يلاقيه من الأذى عذر يبيح له أن يسكت مع الساكتين.
стр. 435
﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾:
هذا استئناف واقع موقع التعليل لنهيه ﵊ عن الحزن، والعزة: الغلبة والقهر، فكأنه قيل: لا تحزن لما يقوله المشركون، فإن الغلبة والقهر في ملكة الله وحده، ولا يملك سواه شيئاً منها، وإذا كانت العزة لله وحده، فإنه سيعصمك منهم، وينصرك عليهم.
وموضع العبرة من هذا: أن سنة الله قد جرت بأن يجعل العزة في جانب الذين آمنوا وكانوا يتقون، فإذا ابتلي المؤمنون المتقون بعدو ينالهم بأذى، وتلقوا ذلك الأذى بصبر، وجاهدوا في دفاعه عن أنفسهم بكل وسيلة ممكنة، فإن عاقبتهم الخلاص من تلك اليد الباغية، ولا يلبثون أن يدركوا عزتهم، وتكون يدهم فوق يد عدوهم.
﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
لا يغرب عن سمعه ما يقولونه في حقك من سوء، ولا يغيب عن علمه ما يتعرضون لك من أذى، فهو الذي يجازيهم بما يقولون، وما يفعلون.
стр. 436
تَفْسِيرُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الحَجِّ
стр. 437
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨].
تضمنت الآية الكريمة السابقة نهي إبراهيم ﵇ عن الشرك، وأمره بتطهير البيت للطائفين والعاكفين، والركع السجود، وجاءت هذه الآية عطفاً على ما تقدم في أمره بدعوة الناس إلى الحج، فقال تعالى:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾:
الخطاب لإبراهيم ﵇. والتأذين: الإعلام. والمعنى: أعلم الناس بأن الله أمر بالحج. هذا ما يدل عليه لفظ الآية. أما كيفية هذا الإعلام، فمن أهل العلم من ذهب إلى أنه دعا الناس إلى الحج في جملة ما دعا إليه من شرائع الدين؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، وذهب آخرون -تعلقاً ببعض الآثار- إلى أنه "صعد جبل أبي قبيس، فقال: يا أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج، فحجوا، فلم تبق نفس إلا أبلغها الله نداء إبراهيم، فمن لبى حينئذ، حج، ومن سكت، لم يكن له فيه نصيب".
стр. 438
وهذا الأثر من قبيل الإخبار بغيب: فنقول كما قال الحافظ أبو بكر ابن العربي في كتاب "أحكام القرآن": "وربنا على ذلك مقتدر، فإن صح به الأثر، استمر عقيدة واستقر، وإلا، فالتفسير الأول يكفي في بيان معنى الآية" - يعني: تفسير التأذين بالحج بالإعلام به في جملة الشرائع-.
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾:
قال: ﴿يَأْتُوكَ﴾، وإنما يأتون البيت الذي بناه، وهي الكعبة؛ أخذاً بطريقة الإيجاز من حذف بعض الألفاظ المفهومة من مساق الكلام. والمعنى: يأتوا بيتك؛ أي: البيت الذي توليت بناءه بأمر من الله. والرجال: جمع راجل، وهو الماشي على قدميه. والضامر من الإبل والخيل: ما انضم جنباه هزالاً من طول السير، ويطلق على المذكر والمؤنث.
ولفظ ﴿كُلِّ﴾ في قوله: ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾ مستعملة في معنى التكثير؛ أي: يأتوك مشاة، وركوباً على ضُمَّر كثيرة، والعرب قد يستعملون كلمة (كل) للدلالة على كثرة ما تضاف إليه.
والآية ذكرت أغلب الأحوال التي يأتي عليها الحجّاج إلى البيت الحرام، وهي أن يجيئوا مشاة، أو ركوباً على الإبل والخيل، وهذا لا ينافي أن يجيء عهد يكثر فيه السير إلى مكة على السيارات أو الطائرات.
واستدل بعض الفقهاء على أن المشي على الأقدام أفضل من الركوب بتقديم الرجال في الآية على راكبي الضمَّر. ويروى عن ابن عباس أنه قال: ما ندمت على شيء فاتني في شيبتي إلا أني لم أحج راجلاً. ويروى: أن الحسن بن علي حج ماشياً من المدينة إلى مكة، وإن النجائب لتقاد معه.
стр. 439
وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الركوب أفضل، واستندوا في هذه الأفضلية إلى أن النبي ﷺ حجّ راكباً.
﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾:
الفج: الطريق، والعميق: البعيد، والجملة وصف لكل ضامر. وجاء الضمير العائد على ﴿كُلِّ﴾ ضمير الجمع المؤنث إذ قيل: ﴿يَأْتِينَ﴾؛ مراعاة للمعنى؛ لأن كل ضامر في معنى جماعة، أو جماعات من الضمر، ومراعاة لفظ (كل) يقتضي إفراد الضمير بأن يقال: كل ضامر يأتي من كل فج عميق، وكل من الطريقتين: مراعاة المعنى، ومراعاة اللفظ، يرد في الكلام البليغ، وتعدد الطرق في أداء المعنى الواحد من سماحة اللغة، واتساع مجالها أمام أرباب الفصاحة والبلاغة.
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾:
هذا تلبية للغرض المقصود من إتيانه البيت الحرام رجالاً وركباناً، فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ يتعلق بقوله: ﴿يَأْتُوكَ﴾، ويشهد: من الشهود بمعنى: الحضور، والمنافع: جمع منفعة، وهي ما يحصل للإنسان من خير. ودل على أن هذه المنافع عائدة إلى الحجاج خاصة بقوله: ﴿لَهُمْ﴾، والمعنى: يأتوك ليحضروا؛: يدركوا منافع مختصة بهم. ووردت المنافع في الآية مطلقة، فتشمل المنافع الدينية والدنيوية.
أما الدينية، فمغفرة الله ورحمته ورضوانه التي يظفر الحاج بها عند أداء مناسك الحج؛ من نحو: الإحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، ولا يريد بذلك إلا إجابة دعوة الحق.
وأما المنافع الدنيوية، فالتجارة، والقصد إليها - بعد القصد إلى أداء
стр. 440
فريضة الحج - لا يخل بالإخلاص الكافي لاستحقاق المثوبة من الله. وضابط ذلك: أن يعزم على أداء فرض الحج، ويشعر في نفسه أن التجارة إنما جاءت عرضاً؛ بحيث لو عرض له مانع من تعاطي التجارة، لم ينثن عزمه عن الحج، أو يصبه وهن، واستمر على قصد الحج، والإقبال عليه بصدر منشرح وقلب سليم.
وللحج فوائد كثيرة العدد، عظيمة الخطر، من أهمها: التعارف، ثم التوادد، ثم الاتحاد، ثم التعاون على إقامة المصالح العامة، ودفع الأخطار الفادحة. ولو اتجهت أنظار الشعوب الإسلامية إلى هذه الغاية الخطيرة بعناية، وعملوا لها بحكمة وحزم، لوجدوا كبر مساعد على أن تتوافق اَراؤهم، وتتقارب مشاريهم، وتتماثل مراميهم، فيستعيدوا سيادتهم، ويعيشوا في عزة وطمأنينة.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾:
ذكر اسم الله: حمده وتقديسه. والأيام المعلومات: أيام العشر عند جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: ابن عباس، والحسن البصري، وبه قال أبو حنيفة.
وذهب جماعة، منهم: مالك بن أنس وأصحابه إلى أن الأيام المعلومات: يوم النحر، ويومان بعده. والبهيمة: كل ذات أريع في البر أو البحر. والأنعام: جمع نَعَم، وهي: البقر والإبل والمعز والضأن. والمعنى: ويقدسوا الله ويحمدوه شكراً على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.
وذهب بعض أهل التفسير إلى أن ذكر الله في الآية كناية عن النحر
стр. 441
والذبح؛ لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر الله إذا ذبحوا أو نحروا. وفي التعبير بذكر اسم الله عن الذبح والنحر تلبية على أن الذبح أو النحر لا يكون قرباناً إلا إذا ذكر عليه اسم الله. فالمعنى على هذا الوجه من التفسير: ليشهدوا منافع لهم، ويذبحوا أو ينحروا ما رزقوا من بهيمة الأنعام ذاكرين الله عليهما.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾:
هذا إذن لأصحاب الهدايا والأضاحي في الأكل منها، والأمر محمول على الندب؛ لما في كلهم منها من المخالفة لأهل الجاهلية؛ إذ كانوا لا يأكلون من هداياهم، ولما فيه من مواساة الفقراء ومساواتهم في الأكل أخذاً بفضيلة التواضع.
وإنما يندب الأكل من الهدي الذي يتطوع به الإنسان من نفسه، أما الهدي الواجب؛ كنذر المساكين، وما يجبر به نقص يقع في بعض واجبات الحج، فلا يجوز الأكل منه؛ قياساً على سائر الكفارات. والمسألة مبينة في كتب الأحكام.
وإذا جاز لصاحب الهدي أن يأكل منه، جاز له أن يطعم منه بعض الأغنياء منى شاء.
﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾:
﴿الْبَائِسَ﴾: من أصابه بؤس؛ أي: شدة. والفقير: الذي لا شيء له، أو الذي له بُلغة من العيش، كقوت اليوم ونحوه، والجمع بين وصفي البؤس والفقر للتذكير بأنه في شدة؛ أي: ضر، وبأنه في حاجة إلى الإطعام.
والآية أذنت لصاحب الهدي في الأكل منها، وأمرته بأن يطعم منها البائس والفقير، فيبقى انتفاعه منها بالبيع على حكم المنع؛ نظراً إلى أنه
стр. 442
إنما قصد بها القربة إلى الله، وهذا بالنسبة لصاحب الهدي، ويجوز لمن يتصدق عليه بجلدها أن ينتفع به من طريق البيع، كما تفعل جمعيات الإسعاف. وقد كان القاضي أبو بكر بن العربي عندما تهدم سور إشبيلية جبر الناس على تسليم لجود ضحاياهم؛ ليستعان بأثمانها على إصلاح السور.
стр. 443
تَفْسِيْرُ خَمْسِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ ص
стр. 444
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢١ - ٢٥].
مناسبة هذه الآيات لما سبقها من الآيات: أن الآيات السابقة وردت في شأن داود ﵇، وآخرها قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠].
ومن فصل الخطاب: الفرق بين الحق والباطل، والحكم بين الخصوم بالعدل، وذلك ما تضمنته هذه الآيات التي نريد تفسيرها.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾:
النبأ: الخبر، والخصم: المخاصم، ويطلق على الواحد والاثنين
стр. 445
والجمع؛ مثل: طير، وضيف. وقوله تعالى بعد: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ ينبئ أن المراد من الخصم هنا: اثنان، فيكون إيراد ضمير الجمع في قوله تعالى: ﴿تَسَوَّرُوا﴾، و ﴿دَخَلُوا﴾، و ﴿مِنْهُمْ﴾ من باب إجراء المثنى مجرى الجمع، وهو معروف في الكلام العربي الفصيح. والاستفهام في قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ ليس بالاستفهام الذي يستدعي جواباً، وإنما هو أسلوب عربي يراد منه التشويق إلى القصة؛ لما تضمنته من الموعظة الحسنة، والآداب السامية.
﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾:
التسور: صعود السور، وهو الحائط المرتفع، والمحراب: الغرفة، والمعنى: أتوا من أعلى سور الغرفة، ويطلق المحراب على صدر البيت، ومنه: محراب المسجد.
و ﴿إِذْ﴾: بدل اشتمال من ﴿الْخَصْمِ﴾، والمعنى: هل أتاك نبأ الخصم نباُ وقتِ تسورهم للمحراب.
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾:
﴿إِذْ﴾ هنا يدل من ﴿إِذْ﴾ في الجملة السابقة، والفزع: انقباض يعتري الإنسان من رؤية شيء مخيف، وفزع منهم؛ لظنه أنهم يريدون اغتياله، وهو منفرد للعبادة.
والأنبياء ﵈ وإن كانوا في أعلى درجات الشجاعة، قد يأخذهم الخوف من أشياء شأنها أن تأتي بعواقب مكروهة، وفضلُهم في أن خوفهم لا يكون له أثر فيما ينبغي أن يكونوا عليه أمام الأشياء المخيفة؛ من نحو: الصبر والثبات، والدفع بالتي هي أحسن.
стр. 446
قال هشام لمسلمة: يا أبا سعيد! هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدو؟ قال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبه على حيلة، ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأيي. قال هشام: هذه البسالة!.
ولما رأى الخصمان منه أثر الفزع، افتتحا خطابهما بما يزيل عنه الفزع، وذلك قوله تعالى:
﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾:
وظاهر الآية: أن هذا القول صادر من الخصمين؛ إذ جاء مسنداً إلى ضمير الجماعة، ولعله صدر من المدعي، ولما كان المدعى عليه موافقاً على ذلك، نسب إليهما، ونسبة الفعل إلى جماعة يكون الفعل قد صدر من بعضهم، والآخرون راضون به، كثير في الكلام العربي.
﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾:
البغي: الظلم، وخصمان: خبر لمبتدأ محذوف هو ضمير المتكلم، التقدير: نحن خصمان ظلم بعضنا بعضاً، وما جرى في الآية من التعبير بضمير المتكلم في قوله: ﴿بَعْضُنَا﴾ أحد أسلوبين في العربية، ثانيهما: أن يعبر في مثل هذا المقام بضمير الغائب. فيقال: نحن خصمان بغى بعضهما على بعض؛ كما تقول: نحن رجال نكرم الجار، أو يكرمون الجار.
وفي قولى: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ إشعار بأن قضيتهما وقع فيها بغي لا محالة، وذلك مما يقيم لهما العذر في المسارعة إلى رفعها إليه، ولو بتسور المحراب، ومن دواعي المسارعة إلى رفع القضية: خشية ما قد يعرض من نحو غَيبة الشاهد، أو المدعى عليه.
стр. 447
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾:
الحق: ما يريه الله الرسول من طريق الوحي، أو من طريق النظر بنور الله، إذا قلنا: إن من الأحكام ما يقرره الرسول من طريق الاجتهاد، أو ما يريه الذين أوتوا العلم على طريق الاجتهاد الصحيح، وما عدا هذا، فهو الباطل، والحكم به كفر إن كان على اعتقاد أنه أصلح وأحكم مما قررته الشريعة، وظلم وفسوق إن كان جرياً مع الهوى، وإيثاراً لمتاع الحياة الدنيا على رضا الله.
﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾:
الشطط في الأصل: البعد، ومعناه هنا: الجور؛ لما في الجور من البعد عن حدود العدل، وحذَّره من الجور بقوله: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ بعد أن طلب منه الحكم بالحق؛ ليحضر في ذهنه صورة الجور، فيذكر ما يترتب عليه من شرور؛ كما أحضر في ذهنه صورة الحق؛ ليذكر ما يترتب على إقامته من خيرات.
وفي الآية دليل على أن للخصوم أن يذكّروا القاضي بفضل العدل، ولو على وجه الأمر به، ويحذروه من الجور، ولو على وجه النهي عنه، وقد نص الفقهاء على أن قول بعض الخصوم للقاضي: اتق الله، لا يعد جفاء يستحق عليه التأديب.
﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾:
الهداية: إراءة الطريق، وسواء الشيء: وسطه، والصراط: الطريق الواضح، والمعنى: أرشدنا إلى وسط طريق الحق، وهو قصد السبيل، والماشي في وسط الطريق أبعدُ عن الانحراف عنه من الماشي في طرفه.
وفي هذه الجملة تأكيد لما دل عليه قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾
стр. 448
من أنهما رفعا قضيتهما إليه بقصد الوصول إلى الحق، لا كما يفعل كثير من المخاصمين إذ يقصدون من رفع القضايا أكل مال بالباطل، أو إعنات الخصم، وقهره في مجلس القضاء.
﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾:
الأخوة تكون في النسب والدين والصحبة، والآية محتملة لكل واحدة منها، وفي ذكر خصمه بوصف الأخوة زيادة تشنيع عليه بالظلم؛ فإن الأخوة شأنها المنع من الظلم، فلا يعمد الأخ إلى ظلم أخيه إلا أن يكون ظلمه بالغاً.
﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾:
النعجة: الأنثى من الضان، و ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾: اجعلني أكفلها، أو أجعلها كفلي؛ أي: نصيبي، والمعنى: مَلِّكنيها.
﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾:
عزني: غلبني، والغلبة في الخطاب تظهر عندما يكون الصادر منه الخطاب ذا سلطان يخشاه المخاطب، ولولا هذا السلطان، لكان في إمكان صاحب النعجة الواحدة ألا يجيب سؤاله، ولا يحتاج إلى أن يشكوه إلى داود ﵇.
قال ابن العربي: كان ببلدنا أمير يقال له: سيري بن أبي بكر، فكلمته أن يسأل لي رجلاً حاجة، فقال لي: أما علمت أن طلب السلطان للحاجة غصب لها؟! فقلت: أما إذا كان "أي: السلطان" عدلاً، فلا.
ووجه ما قاله ابن العربي: أن السلطان العادل يستطيع الناس أن يردوا طلبه لبعض الحاجات، ولا يخشون بأسه، والرئيس الجائر هو الذي يطلب
стр. 449
الحاجة من أحد مرؤوسيه، فلا يسعه إلا أن يجيب طلبه؛ خشية من أن يحرمه من حق، أو يجور عليه في قضية.
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾:
عدى السؤال بـ (إلى) فقال: ﴿إِلَى نِعَاجِهِ﴾؛ لتضمينه معنى فعل آخر هو الضم، والمعنى: ظلمك بسؤال نعجتك ضاماً لها إلى نعاجه، وأكد الجواب بالقسم الدال عليه اللام في قوله: ﴿لَقَدْ﴾؛ اهتماماً بما تضمنه من الحكم على المدعى عليه بالظلم، أو أكده؛ لأن الخطاب -وإن كان موجهاً في الظاهر إلى المدعي، وهو يعلم أنه مظلوم- قد روعي فيه حال من هو المقصود بالخطاب، وهو المدعى عليه، وحاله يقتضي تأكيد الحكم عليه بالظلم؛ لأن سؤاله -وهو ذو قوة- لنعجة أخيه؛ ليضمها إلى نعاجه، شأن من ينكر أن يكون هذا ظلماً.
والظاهر أن المدعى عليه قد أقر بما قاله المدعي، ولم يذكر في الآية هذا الإقرار؛ إذ لم يكن فيه من عبرة يراد التنبيه لها في هذا المقام.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾:
الخلطاء: جمع خليط، وهو الصاحب، والمعنى: أن كثيراً من الأصحاب يعتدي بعضهم على بعض، وهذا تسلية للمظلوم بأن ما جرى عليه قد جرى ويجري على كثير من الناس.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾:
(ما) في قوله: ﴿مَا هُمْ﴾ وردت لتأكيد القلة المفهوم من قوله: ﴿وَقَلِيلٌ﴾؛ أي: هم قليل جداً، وفي الآية زجر للمدعى عليه عن البغي؛ إذ أشارت إلى أن بغيه قد حرمه أن يكون في قبيل المؤمنين الصالحين.
стр. 450
﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾:
الفتنة: الابتلاء؛ أي: ظن عندما تسور الخصمان المحراب أنهما يريدان اغتياله، وأن الله قد أراد ابتلاءه بذلك، ثم تبين له بعدُ: أن هذا الظن غير مصيب، وأنه وقع في ظن الأَولى لمثله ألا يقع فيه، فبادر إلى طلب المغفرة من ذلك الظن، ولم يكتف داود ﵇ بالاستغفار كما يفعل كثير ممن يدركون أنهم وقعوا في سيئة، ولا يصرون على الإقلاع عنها في المستقبل، بل رجع إلى الله رجوعاً حقاً، وقدم بين يدي توبته عملاً صالحاً، ذلك ما دل عليه قوله تعالى:
﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾
خرّ: وقع وانحط، والركوع: الانحناء، والمعروف أن (خر) تستعمل للسجود، يقال: خر ساجداً، فيصح حمل الركوع على معنى السجود، ومن المحتمل القريب فهم الآية على معنى أنه ركع وسجد، فأشير إلى السجود بلفظ: خر، ودل على الركوع بقوله: ﴿رَاكِعًا﴾، والمعنى: أنه سجد، والحال أنه قد ركع.
قال الحسن بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر عن قول الله : ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ هل يقال للراكع: خر؟ قلت: لا، قال: فما معنى الآية؟ قلت: فخر؛ أي: سجد بعد أن كان راكعاً.
والإنابة: الرجوع إلى الله بالتوبة، والتوبة: الندم على إتيان السيئة، والإقلاع عنها، والعزم على عدم العود إليها.
﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾:
المشار إليه بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ هو الظن المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ
стр. 451
دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾، وقد عرفت أن هذا الظن ليس بذنب، أو ليس فيه فعل محظور، ولا ترك واجب، وإنما هو مقام النبوة والرسالة يستدعي الأخذ بالأكمل في كل حال، فإذا لم يأخذ الرسول بالأكمل، رأى نفسه بمنزلة من لم يأخذ بالواجب من سائر المكلفين، واستغفر لما أتى من غير الأكمل، وصح أن يسمى عدم مقابلته بالعتاب: مغفرة وعفواً.
﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾:
الزلفى: القربة والمنزلة، والمآب: المرجع، وجاءت الزلفى بمكانها مقدمة على حسن المآب؛ لأن القربة والمنزلة عند الله أفضل وأهم من المآب الذي يراد به: المرجع في دار النعيم.
قص الله تعالى عن داود ﵇ أنه استغفر، فغفر له، وأنه خر راكعاً متقرباً إليه، فكان له عنده الزلفى، وأنه أناب إليه؛ أي: رجع تائباً، فكان له عنده حسن المآب.
هذا ما يصح أن تفسر به هذه القصة متى نظر إلى الآيات مجردة عن النظر إلى الآثار، أما الآثار المعزوة إلى بعض السلف في تفسيرها، فمنها ما لا يليق بمقام النبوة والرسالة، فيجب طرحه، وعدم الالتفات إليه، ومنها ما هو محتمل غير بعيد. وأقرب تأويل يستند إلى الآثار: أنه كان في عهد داود ﵇ رجل له امرأة حسنة، فطلب منه داود أن يتنازل له عنها بطلاق ليتزوجها، فساق الله إليه ذينك الخصمين، وهما إما رجلان من البشر، أو ملكان في صورة رجلين؛ ليأخذ من قصتهما عبرة، وينتبه إلى أن سؤال الرجل أن يتنازل عن زوجته قد جرى خلاف ما يقتضيه الزهد المناسب لمقام النبوة، وليس هذا الطلب بمحظور في شرع، وقد يخفف أمره أن
стр. 452
داود ﵇ إنما سأل الرجل التنازل عن زوجته بعد أن فهم أنه لم يكن شديد التعلق بها، وقد يكون مثل هذا الطلب مما يسيغه العرف في ذلك العهد.
وملخص القول: أن داود ﵇ لم يأت على حسب هذا الوجه من التفسير سيئة قطعاً، ولم يزد على أن التفت إلى أمر دنيوي، وطلبه من طريق غيرُه أولى منه.
стр. 453
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(٢)
«بَلاغَةُ القُرْآنِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 454
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 455
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
القرآن الكريم كتاب الله العظيم، والمعجزة الخالدة إلى يوم الدين، والنور المبين، أنزله ﷻ على خاتم النبيين؛ ليكون هادياً ومرشداً للأمة الإسلامية، يرتقي بها إلى مراقي الفلاح، ويفتح لها باب السعادة في الدارين. كتاب يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين، أنزله الله- على نبيه الكريم؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وفيه بيان كل شيء، وقد فصلت آياته تفصيلاً، وأحاط بكل شيء علماً، فهو لايغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨].
وبحوث الإمام محمد الخضر حسين -رضوان الله عليه- في القرآن الكريم - هي عمل كاتب صادق، خاض في كل ميادين العلم، وصال فيها وجال، وفي بحوثه القرآنية -شأنه في كل ميدان ومقام-, كان المحقّقَ المدققَ، والبليغ المحلّق، في كل مقال له آية، وكل بحث يغوص فيه راية، وأية راية؟!
وله في كتاب الله العزيز فرائد قيمة، فيها من العلم الغزير بقدر ما فيها من حسن البيان، وفصاحة الكلم. أنار بها العقول التي حاول الزيغ أن ينقلها إلى تهلكة، وأزاح عن سبيل الإسلام ظلماتٍ بعضُها فوق بعض. فجاء الحق بقلمه بيّناً، وزهق الباطل من قلمه زهقاً، إن الباطل كان زهوقاً.
стр. 456
وبأسلوبه البليغ حين يكتب في "بلاغة القرآن"، وبعلمه الصادق وقلبه المؤمن إذ يتحدث عن "نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية"، وبتقواه وورعه حين يهدي إلى "رأي في تفسير القرآن"، وبفضل الموجه العليم حين يحاضر طلابه في الأزهر حول "المحكم والمتشابه في القرآن الكريم"، إلى آخر تلك البحوث النورانية.
وإذا ما واصلت السير معه في درب الهدى إلى النقد، نجده الإمام الذي لا يخشى في الحق أحداً، ولايسكت عن رأي جاهل أو مضلّ يدس على الإسلام، بل سرعان ما يجرد قلمه المؤمن؛ ليحطم به أفكار أعداء الحق، ويدلي بالحجة بعد الحجة، والبينة إثر البينة، فيفحم الحائدين عن جادة الصواب، ويردهم على أعقابهم خاسئين خاسرين.
جمعت تلك البحوث والردود ومقالات النقد في كتاب خصصت به ما كتبه الإمام عن القرآن العظيم، والدفاع عن آياته ومعانيه، وجعلت لها عنوانا: "بلاغة القرآن"، وهو البحث الأول في الكتاب.
رحم الله الإمام محمد الخضر حسين الذي كان مثالاً عزّ مثيلُه في الكفاح والجهاد والدفاع عن الحق دون خوف أو سأم.
وأذكر بيتاً من الشعر للعم الإمام يردده، وهو قائله:
ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى ... لفتشت عن واد أعيش به وحدي
ذكرت في الهامش عند مطلع كل بحث: المصدرَ الذي نقلت عنه.
والله نسأل الهداية والتوفيق في خدمة رسالة الإسلام، والحمد لله رب العالمين.
علي الرّضا الحسيني
стр. 457
بلاغة القرآن (١)
لدعوة الإسلام براهين ناطقة بأنها دعوةُ حقٍّ، ولسانُ صدقٍ، وأقوى هذه البراهين دلالةً، وأملؤها للقلوب يقيناً: ذلك الكتابُ الذي نزل به الروح الأمين على خاتَم النبيّين. ولو لم تقترن الدعوة الإسلامية إلا به، لكان كافياً في إقامة الحجّة على أنها الرسالة الشاملة الخالدة.
وللبحث في إعجاز القرآن نوَاحٍ كثيرة، اتجه إليها المفسرون وعلماءُ البيان بتفصيل، فكشفوا الغطاء عن كثير من أسرارها، ووضعوا أيديهم على جانب عظيم من حقائقها، والناحية التي سنحدِّثك عنها في هذا المقال هي: ناحية بلاغته، وحسن بيانه.
بلاغةُ القول: أن تكون ألفاظه فصيحة، ونظمه محكماً، ودلالته على المعنى منتظمة وافية.
أما فصاحة ألفاظه، فبأن يسهلَ جريانها على اللسان، ويخفَّ وقعها على السمع، ويألفها الذوق غيرَ نابٍ عنها، وهي مع ذلك جاريةٌ على ما ينطق به العرب، أو يجري على قياس لغتهم.
стр. 458
وأما إحكام نظمه، فبأن تقع كل كلمة منه موقعها اللائق بها؛ بحيث تكون كلماته متناسبة، يأخذ بعضها برقاب بعض، فلا يمكنك أن تضع يدك على كلمة وتقول: ليت هذه الكلمة تقدمت عن تلك الكلمة، أو تأخرت عنها.
وأما انتظام دلالته، فبأن يطرق اللفظُ سمعك، فيخطر معناه في قلبك، وحصولُ المعنى في القلب بسرعة، أو بعدَ مهلة يرجع إلى حال السامع من الذكاء، أو بطء الفهم، وحال المعنى من جهة ظهوره، وقرب مأخذه، أو دقته وغرابته.
ويتحقق انتظام دلالة الكلام بإخراج المعاني في طرق تُريكَها في أقوم صورة، وأعلقها بالنفس؛ كالتشابيه، وضرب الأمثال، والاستعارات، والكنايات المصحوبة بقرائن تجعل قصد المتكلم قريباً من فهم السامعين.
وأما كون الدلالة على المعنى وافية، فبأن يؤدي اللفظ صورَ المعاني التي يقصد المتكلم البليغ إفادتها للمخاطبين على وجه أكمل؛ بحيث تكون العبارة بمفرداتها وأسلوبها كالمرآة الصافية، تعرض عليك ما أودعت من المعاني، لايفوت ذهنك منها شيء. ونريد من المعاني التي يؤديها الكلام غير منقوصة: ما يشمل المعاني التي يراعيها البليغ زائدة على المعنى الأصلي الذي يقصد كل متكلم إلى إفادته، وهي المعاني التي يبحث عنها في علم البيان، وتسمى: "مستتبعات التراكيب"، وكثيراً ما ننبه لهما فيما نكتب من التفسير.
هذه الوجوه التي يرجع إليها حسنُ البيان يتنافس فيها البلغاء من الكتاب والشعراء ويتفاضلون فيها، درجات، فترى كلاماً في أدنى درجة، وآخر فيما
стр. 459
هي أرفع منها، ولا تزال تصعِّد نظرك في هذه الدرجات المتفاوتة إلى أن تصل إلى كلام يبهرك بفصاحة مفرداته، ومتانة تأليفه، وانتظام دلالته، وبهجة معانيه المالئة ما بين جوانبه.
فإذا أردنا أن نتحدث عن بلاغة القرآن، أتينا إلى البحث عنها من هذه الوجوه التي وضعناها بين يديك، فننظر في ألفاظه من جهة فصاحتها، وفي نظمه من جهة أخذ كل كلمة الموضعَ اللائق بها، وفي دلالتها من جهة تصوير المعاني، وإيصالها إلى الأذهان من غير تعسف، ولا التواء، ثم في جمله من جهة ما تحمل من المعاني التي يستدعي المقام مراعاتها.
أما فصاحة مفرداته، فلا تمرُّ بك كلمة منه إلا وجدتَها محكمة الوضع، خفيفة الوقع على السمع.
وأما متانة نظمه، فقد بلغت الغاية التي ليس وراءها مطلع، فلا يمكنك -وأنت العارف بقوانين البيان، الناظرُ في منشآت البلغاء لإمعان- أن تشير إلى جملة من جمله، وتقول: ليتها جاءت على غير هذا الوضع، أو تشير إلى كلمة من كلمها، وتقول: لو استبدل بها كلمة أخرى، لكانت الجملة أشدَّ انسجاماً، وأصفى ديباجة.
يصل الكلمة بما يلائمها، ويعطف الجملة على ما يناسبها، ويضع الجملة معترضة بين الكلمتين المتلائمتين، أو الجملتين المتناسبتين، فترى الكلمتين أو الجملتين مع الجملة المعترضة بينهما كالبناء المحكم المتلائم الأجزاء، فلا يكاد الفكر يشعر بأنه انقطع بالجملة المعترضة عن الكلمة الأولى، أو الجملة، ثم عاد إلى كلمة أو جملة مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً.
وأما انتظام دلالته على ما يقصد إفادته وإحضاره في الأذهان، فإنك
стр. 460
ترى فيه التشابيه الرائعة، والأمثال البارعة، والاستعارات الطريفة، والمجازات اللطيفة، والكنايات المنقطعة النظير، والتعريض الذي يقتضيه المقام، فيكون أقربَ إلى حسن البيان من القول الصريح.
وقد يخطر على بالك أن في القرآن آياتٍ مشكلة، أو متشابهة، والحق الذي لا مرية فيه: أن لا إشكالَ في القرآن عند من يتدبره برويَّة، ويأتي إلى التفقه فيه، وقد تزود بقوانين لغة العرب، واستضاء بمعرفة فنون بيانها.
وليس في القرآن متشابه على معنى أن في الآيات ما لا يظهر تأويله للناس؛ بحيث يتلُونه، أو يستمعون إليه، ولا يعودون بفائدة علمية أو أدبية.
وأما استيفاؤه للمعاني التي يستدعي الحال الإفصاحَ عنها، أو الإيماء إليها، فإنك تنظر في الآية، وتتدبر المعنى الذي سيقت من أجله، فتعود منها ويدك مملوءة من الفوائد التي تقع إليها؛ من حيث تقرر شريعة، أو تقيم حجّة، أو تلقي موعظة، أو ترسل حكمة، إلى نحو هذا مما تستبين به سبيل الرشد، وتنتظم به شؤون الحياة، وترتفع به النفوس إلى أعلى درجات الفلاح في دنياها وآخرتها.
بلغ القرآن الطرف الأعلى من حسن البيان، على الرغم من أشياء اجتمعت له، ولو عرضت لكلام مخلوق، لنزلت به عن المكانة العالية إلى ما هو أدنى.
ترى البليغ من البشر يحسن البيان، ويأخذ لبَّكَ بالمنشآت الرائقة، حتى إذا طال به مجال القول، وقطع فيه أشواطاً واسعة، رأيت في جمله أو أبياته تفاوتاً في البراعة، وأمكنك أن تبصر فيها ضعفاً، وتستخرج بنقدك الصحيح من أواخر كلامه مآخذ أكثر مما تستخرج من أوائلها.
ولكن القرآن الكريم على طول أمده، وكثرة سوره، نزل متناسباً في