* السنة والخلافة:
وأما السنّة، فقد وردت أحاديث صحيحة ذُكر فيها الخليفة، والإمام، والبيعة، والأمير، وقد جاءت هذه الأحاديث في أغراض متعددة، ومعان مختلفة.
فمنها: ما جاء في بيان أن الإمام مسؤول عما يفرط في حق الرعية؛ كقوله ﵊ فيما رواه البخاري -: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس قال، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته" (١).
ومنها: ما جاء في الأمر بملازمة الإمام، وعدم الخروج عنه؛ كحديث: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" (٢).
ومنها: ما ورد في بيان حكم من حاول الخروج عليه؛ كحديث "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه" (٣)، وحديث: "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما" (٤)، وحديث: "من بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر" (٥).
ومنها: ما جاء في مساق الأخبار عن وجود الخلفاء، وقرن بذلك الأخبار
стр. 3957
الأمر بالوفاء ببيعة الأول؛ كحديث: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء، فتكثر"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فُوا بيعةَ الأول فالأول" (١).
ومنها: ما ورد مورد الإنكار والوعيد عن نكث اليد عن طاعة الإمام، وأن يموت المسلم وليس في عنقه بيعة؟ كحديث: "من خلع يداً من طاعة، لقي الله القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية" (٢). وهذا الحديث وإن لم يرد فيه ذكر الإمام ولا الخليفة، فإن الأحاديث السابقة تفسره.
ومنها: ما ورد في وصف خيار الأئمة وشرارهم؛ كحديث: "خيار أئمتكم: الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم" (٣).
ومنها: ما ذكر فيه الخليفة بجانب النبي، وأخبر فيه بما يكون له من بطانتي الخير والشر؛ كحديث: "ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشرّ، وتحضّه عليه، فالمعصوم من عصم الله" (٤).
ومنها: ما جاء لبيان منزلة الإمام العادل وفضله، كحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وصدّرها بالإمام العادل، فقال: "إمام
стр. 3958
عادل" (١)، وحديث: "إنما الإمام جُنة يُقاتل من ورائه، ويُتقى به، فإن أمر بتقوى الله ، وعدل، كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره، كان عليه منه" (٢).
فهذه الأحاديث الواردة في أغراض شتى، وأسانيد مختلفة، وكلها تدور حول الإمام، فتبين مسؤوليته، وتأمر بالوفاء ببيعته، وإطاعته، وملازمته، وقتل من يحاول الخروج عليه، وتصف الأئمة، وتفرق بين خيارهم وشرارهم، هذه الأحاديث إذا وقعت في يد مجتهد يتبصر في حكمة أمرها ونهيها ووصفها، لا يتردد في أن الإمام أمر حتم، وشرع قائم، ولا يصح أن يكون هذا الحق إلا من قبيل الواجب.
فقول المؤلف: إن السنّة أهملت الخلافة، جراءةٌ يلبسها من خرج ليقطع الطريق في وجه الحقائق، حتى تدرج عليه الآراء الفجّة، وأوضاع التي لم تزل في طور التجربة والاختبار.
* الإجماع والخلافة:
وأما الإجماع، فقد أريناك وجه حجيته فيما سبق، وبيّنا لك أنه دليل قاطع؛ لأن شواهده عدّة في دلائل الشريعة جاءت في موارد شتى من الكتاب والسنّة، وهذه الشواهد إن كان كل واحد منها يفيد ظناً راجحاً، فإن مجموعها يفيد علماً راسخاً، ونظيره التواتر في إفادة القطع، وهو مؤلف من أخبار آحاد لا يفيد كل واحد منها بانفراده شيئاً يتعدى مراتب الظنون.
وتقرير الإجماع في قضية الخلافة الذي لا يزال علماء الإسلام يلهجون
стр. 3959
به جيلاً بعد جيل، أن الصحابة ﵃ عقب انتقال صاحب الرسالة - صلوات الله عليه - إلى الرفيق الأعلى، وقبل مواراة جثته الشريفة في قبره الكريم، بادروا إلى الائتمار بتعيين إمام، ولم يجر بينهم خلاف في حكم إقامته، وإنما تنازعوا في مبدأ المفاوضة شيئاً قليلاً في اختيار الشخص الكافي لهذا المنصب، ثم تضافروا على مبايعة أبي بكر الصديق ﵁، ومن تخلف عن المبايعة لم يذهب إلى الخلاف في وجوب نصب الإمام، وإنما هي الموجدة؛ لعدم إيثاره بالإمارة، أو لإنجاز المبايعة دون حضوره، وقبل أخذ رأيه في جملة المؤتمرين، وكذلك كان شأنهم في الاهتمام بأمر الخلافة لعهد سائر الخلفاء الراشدين فمن بعدهم، ومن يتخلف عن بيعة خليفة، فلعذر يرجع إلى عدم وفاقه على بيعة الشخص المعين، ولم ينقل عن أحد أنه توقف في وجوب نصب الأمير العام، أو قال: "ليس بنا من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا، ولا لأمور دنيانا"، مع أن المحدثين والمؤرخين ينقلون ما يدور في المحاورة بين أهل الحل والعقد، وما يقع من وفاق، وما يصدر عنهم من أقوال وآراء، ليس لها أهمية إزاء القول بعدم وجوب نصب الإمام، لو خطر على قلب رجل منهم.
ومن الباطل أن يقال: إنما سكتوا عن إبداء رأيهم في وجوب الخلافة رهبة من القوة المسلحة، فإن العصر الذي صدع فيه عبد الرحمن الأصم، ونجدة بن عامر بعدم وجوب نصب الإمام، لم تكن حرية الرأي، ولا سعة صدر السياسة فيه بأحسن حالاً من العهد الذي يقوم فيه الرجل، ويجابه الخليفة بقوله: لو رأينا فيك اعوجاجاً، لقوّمناه بسيوفنا.
قال المؤلف في (ص ٣٣): "نعم، بقي لهم دليل آخر لا نعرف غيره، هو آخر ما يلجؤون إليه، وهو أهون أدلتهم وأضعفها. قالوا: إن الخلافة
стр. 3960
تتوقف عليها إقامة الشعائر الدينية، وصلاح الرعية إلخ. المعروف الذي ارتضاه علماء السياسة: أنه لا بدّ لاستقامة الأمر في أمة متمدنة، سواء كانت ذات دين، أم لا دين لها، وسواء كانت مسلمة أم مسيحية أم يهودية، أم مختلطة الأديان، لا بد لأمة منظمة، مهما كان معتقدها، ومهما كان جنسها ولونها ولسانها، من حكومة تباشر شؤونها، وتقوم بضبط الأمر فيها، وقد تختلف أشكال الحكومة وأوصافها بين دستورية واستبدادية، وبين جمهورية وبلشفية، وغير ذلك".
الدليل المشار إليه يرجع إلى قاعدة قائمة على رعاية المصالح، وهي قاعدة قطعية؛ لأنها منتزعة من أصول وأحكام مبثوثة في الكتاب والسنّة، وقد أقامه العلماء في مناظرة النفر الذين خالفوا في نصب الإمام، ذاهبين إلى أنه لا تجب إقامة حكومة. ولا شك أن هذا الدليل ينسف مذهبهم نسفاً، ولو خالف في شكل الحكومة مخالف، لأفصح عن رأيه، ولكان لأهل العلم معه موقف غير الموقف الذي نراه في علم الكلام.
فالدليل بالنظر إلى مذهب الخصم الذي كانوا يجادلونه به، حجة ساطعة، وليس بالدليل الهين، ولا الضعيف، ولكن المؤلف لا يضبط وجه البحث، ولا يحدُّ موضوعه حداً بيناً، فيقع فيما لا يقع فيه الكرام الكاتبون.
قال المؤلف في (ص ٣٤): "ولعل أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - إنما يشير إلى ذلك الرأي حينما قال في خطبته التي سبقت الإشارة إليها: لا بد لهذا الدين ممن يقوم به".
صدرت هذه المقالة من أبي بكر الصديق ﵁ في خطبته بعد وفاة النبي ﷺ ، وبويع عقبها بالإمارة العامة، وتسمّى خليفة، وسار في حكومته
стр. 3961
على منهج مطابق لمقاصد الشريعة، فالظاهر الجليّ أن مقالته إنما تفسر بمن يبايع على أن يحرس الدين، ويقيم مصالح الدنيا، ويراعي في أحكامه نصوص الشريعة وقواعدها العامة. أما الحكومة الاستبدادية أو البلشفية وما شاكلها، فما كان لأبي بكر الصديق أن يعدها فيما يقوم بدين الله. وسنبحث بعد هذا في شكل الحكومة الذي لا يخالف مقصد الشريعة من إقامة الخلافة.
قال المؤلف في (ص ٣٤): "ولعل الكتاب الكريم ينحو ذلك المذهب أحيانا".
يريد المؤلف: أن القرآن ينحو نحو ذلك الرأي، وهو أنه لا بد لكل أمة من نوع ما من أنواع الحكم، قال هذا بعد أن فصل أشكال الحكومة إلى دستورية واستبدادية، وجمهورية وبلشفية، وغير ذلك. وليس بالعجيب من المؤلف أن يزعم أن القرآن يذهب إلى إقامة حكومة ما، وسواء بعد ذلك أن تكون دستورية أو استبدادية، جمهورية أو بلشفية، وغيرها، فإنه سيجابهك في غير خجل بأن الخطط السياسية من خلافة وقضاء وغيرهما لا شأن للدين بها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم.
فعلى فرض أن يكون زمام أمرنا في يد المؤلف ومن يشاكله في التفكير، ويقع اختيارهم على شكل الحكومة البلشفية، فإن القرآن -بمقتضى زعم المؤلف- يأذن لنا بأن نمد لهم رقابنا خاضعين، ونكون لحكومتهم البلشفية أو اللادينية من الخادمين!!
قال المؤلف في (ص ٣٥): "إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة، كان صحيحاً ما يقولون من أن إقامة الشعائر الدينية، وصلاح الرعية، يتوقفان على الخلافة، بمعنى الحكومة،
стр. 3962
في أي صورة كانت الحكومة، ومن أي نوع: مطلقة، أو مقيدة، فردية، أو جمهورية، استبدادية، أو دستورية، أو شورية، ديمقراطية، أو اشتراكية، أو بلشفية".
لا يحق لعالم شرعي أن يقسم الحكومات إلى أقسام يذكر فيها المطلقة والمستبدة والبلشفية، ويجعلها من الأشكال التي يصح حمل كلام الفقهاء في الإمامة والخلافة عليها.
أما المطلقة، فكل من ينتمي للإسلام يعلم أن الحكومة الإسلامية مقيدة بقانون كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال ﷺ : "ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له، وأطيعوا (١) ".
وأما المستبدة، فينبذها وراء ظهورنا قولهُ تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، والفقهاء يتلون هذه الآية، ويقررون قاعدة الشورى، ويبحثون عن أسرارها بما فيه كفاية.
وأما البلشفية، فإنها مذهب قائم على إبطال الملكية الفردية، وجعل الزراعة والصناعة والتجارة مشاعة بين الناس، وأن يجري هذا التقسيم بمقتضى قانون عام، ثم هي ترمي إلى قلب نظم سائر الحكومات أنَّى كانت. وهذا المبدأ الذي يناقض مبادئ الإسلام، يبرأ الفقهاء إلى الله من أن يكون شكلاً للحكومة الإسلامية، ويعدون تأويل كلامهم في الإمامة والخلافة -على صحة إرادة هذا الشكل ونحوه- رمياً للكلام على غير روية، وطعناً
стр. 3963
في صحة مداركهم وأمانتهم العلمية.
* شكل حكومة الخلافة:
أرأيت المؤلف كيف أخرج الخلافة في تلك الصورة المنكرة، وأخذ يزدري بها، ويتمضمض بسبابها، ثانياً عطفَه عن النظر إلى حقيقتها التي رسمتها الشريعة، وضرب لها الخلفاء الراشدون بسيرتهم القيمة أحسن مثال.
وإليك هذه الحقيقة خالصة مطمئنة؛ لتعلم أنها قائمة على حكمة عالية، وسياسة عادلة:
يقرر جمهور أهل العلم في شروط الخليفة: أن يكون بالغاً في العلم رتبة الاجتهاد، وأن يكون ذا رأي وخبرة بتدبير الحرب والسلم، وأن يكون شجاعاً لا يرهب الموت الزؤام فما دونه، وأن يكون عادلاً لا تأخذه في الحق لومة لائم. وتُعرف مزية العدل باختبار سيرته، فيما كان يتولاه من أعمال قبل منصب الخلافة، أو بما تدل عليه التجارب والمشاهدة الطويلة من استقامته، وشرف همته، وإنكاره ما يفعل الظالمون بغيرة وحماسة.
ومن الأسس التي تقوم عليه الخلافة الشرعية: فريضة الشورى؛ بحيث لا يقدم الخليفة على أمر حتى يلقيه بين يدي أهل الحل والعقد، وتتناوله الآراء من كل جانب، ليتبين الرأي الراجح، ويذهب في سياسته على بينة وروية.
ولم يقف الإسلام عند تكليف الخليفة بإقامة فريضة الشورى، فأقبل على الأمة، ووضع في عنقها واجب مراقبة الخليفة ورجال دولتهم؛ لتقويمهم إذا انحرفوا، وإيقاظ عزمهم إذا أهملوا.
تحققت تلك الشروط من علم، وعدالة، وشجاعة، وحكمة رأي في
стр. 3964
بعض الخلفاء، وأخذوا أنفسهم بشريعة الشورى، وفتحوا باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وجه الأمة بصدق وإخلاص، وكان بين يدي الأمة أعدل قانون أساسي، وهو كتاب الله، وأصدق بيان يفصل مجمله، وهو سنّة رسول الله، فلا الخليفة يستبد فتأخذه العزّة بالإثم، ولا الأمة ترهب سطوته فتحجم عن أمره ونهيه.
قال الإمام الغزالي: الخلفاء ﵃ يحبون الردّ عليهم، ولو كانوا على المنابر، فقد قال عمر بن الخطاب ﵁ وهو يخطب: أيها الناس! من رأى منكم فيّ اعوجاجاً، فليقوّمه. فقام له رجل وقال: والله! لو رأينا فيك اعوجاجاً، لقوّمناه بسيوفنا. فقال: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه.
وليس في الشريعة ما يمنع الخليفة أن يفوّض جانباً من شؤون الأمة إلى وزير ذي علم ورأي وشجاعة وعدل، فيمنحه ما كان له من تدبير وتنفيذ.
قال الماوردي في "الأحكام السلطانية" (١) عند البحث عن وزارة التفويض: "هي أن يستوزر الإمام من يفوِّض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضائها على اجتهاده، وليس يمتنع جواز هذه الوزارة، قال الله تعالى حكاية عن نبيه موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣٢]، فإذا جاز ذلك في النبوة، كان في الإمامة أجوز، ولأن ما وكِّل إلى الإمام من تدبير الأمة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة، ونيابة الوزير المشارك له في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من تفرّده بها.
стр. 3965
ثم ذكر لهذه الوزارة شرطين:
أحدهما: يختص بالوزير، وهو مطالعة الإمام بما أمضاه من تدبير، وأنفذه من ولاية وتقليد.
والثاني: يختص بالإمام، وهو أن يتصفح أفعال الوزير، وتدبيره الأمور؛ ليقر منها ما وافق الصواب، ويستدرك ما خالفه" (١).
ولأهل الحل والعقد أن يطالبوا الخليفة بهذه الاستنابة، متى رأوا المصلحة قاضية بها. ولا فرق بين أن يكون المستناب واحداً، أو متعدداً.
فشكل بعض الحكومات القائمة على خليفة ووزراء ومجلس نيابي يجري انتخابه تحت ظلال الحرية التامة، لا يخالف الشكل الملائم للخلافة الحقيقية بحال، وقد كان السلطان سليمان ابن السلطان سليم في أوائل المئة العاشرة، رتّب قانوناً "استعان فيه بالعلماء العاملين وعقلاء رجال دولته، وجعل مداره على إناطة تدبير الملك بعهدة العلماء والوزراء، وتمكينهم من تعقب الأمراء والسلاطين إن حادوا، وذلك أن ملك الإسلام مؤسس على الشرع الذي من أصوله وجوب المشورة وتغيير المنكر، والعلماء أعرف بالنيابة ومقتضيات الأحوال، فإذا اطّلع العلماء والوزراء على شيء يخالف الشريعة والقانون الخادم لها، فعلوا ما تقتضيه الديانة من تغيير المنكر بالقول أولاً، فإن أفاد، حصل المقصود، وإلا، أخبروا أعيان الجند بأنّ وعظهم لم ينفع، وبيّن في القانون المذكور ما يؤول إليه الأمر إذا صمم السلطان على أن ينفذ مراده، وإن خالف المصلحة، وهو أن يُخلع، ويُولّى غيره من البيت الملكي، وأخذ على ذلك العهود والمواثيق من العلماء ووزراء الدولة بمقتضى هذا القانون
стр. 3966
في الاحتساب على سيرة السلاطين كمنزلة وكلاء العامة في أوروبا" (١).
ولا يصح أن تكون الخلافة في هيئة تؤلف لأجل مسمّى، ثم تنفرط؛ فإن نصوص العلماء متضافرة على أن يكون الخليفة فرداً يستمر في رياسته ما دام حائزاً على رضا الأمة، بعيداً عن الاستبداد في الحكم.
قال الأستاذ الشيخ محمد عبده (٢) في كتاب: "الإسلام والنصرانية" (٣):
"فلا تكمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا إذا وجدت قوة لإقامة الحدود، وتنفيذ حكم القاضي بالحق، وصون نظام الجماعة. وتلك القوة لا يجوز أن تكون فوضى في عدد كثير، فلا بد أن تكون في واحد، وهو السلطان أو الخليفة".
ومن أدلة وضع الخلافة في فرد: أن الأحاديث الصحيحة تسمّي صاحب هذه الرياسة: إماماً، وخليفة، وأميراً، وهذه الألفاظ لا يستقيم حملها على جماعة إلا أن تذهب في فهمها على غير الطريق المعروف من لسان العرب، وأوضح من هذا دلالة حديث: (٤) "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه".
وقد يبلغ العدل والحرية أشدهما لعهد الحكومة التي يرأسها فرد ثابت إذا لم تكن بيدها السلطة التشريعية، وتكون مقيدة في تنفيذها بنظام الشورى،
стр. 3967
ولا تتصرف إلا تحت مراقبة الأمة.
فالخليفة كملك دستوري، ولكنه يعين باختيار أهل الحل والعقد، ويحمل على عاتقه تبعة ما تزلّ به السياسة من اهتضام حق، أو إضاعة مصلحة.
وسنزيد البحث في شكل الخلافة بسطة، حتى يعرف القارئ أن المؤلف لم يتفقه في كتب العلماء الذين ينظرون في الشريعة من وجهتها الاجتماعية والسياسية.
* وجه الحاجة إلى الخلافة:
قال المؤلف في (ص ٣٥): "الواقع المحسوس الذي يؤيده العقل، ويشهد به التاريخ قديماً وحديثاً: أن شعائر الله تعالى، ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء: خلافة، ولا على أولئك الذي يلقبهم الناس خلفاء، والواقع أيضاً: أن صلاح المسلمين في دنياهم لا يتوقف على شيء من ذلك، فليس بنا من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا، ولا لأمور دنيانا، ولو شئنا لقلنا كثير من ذلك، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام، وعلى المسلمين، وينبوع شر وفساد".
لا يرقب المؤلف في الحقائق الشرعية إلاًّ ولا ذمة، يصوّرها بقلمه كيف يشاء، ثم يقع في عَرْضها بأشد من هجاء الحطيئة.
يصور الخلافة بعرش يجلس عليه مستبد غشوم، حواليه وحوش ضارية، ورماح مسنونة، وسيوف مصلتة، وهو إنما أعد هذه القوة المسلحة لسفك الدماء الطاهرة، والفتك بالنفوس البريئة، وليست الرعية تحت سلطته القاهرة إلا عبيداً يعتقدون أنه يستمد سلطانه من سلطان الله، ويسخّرهم في شهواته كما تسخر الأنعام.
стр. 3968
يخترع المؤلف هذه الصورة المكروهة، ويجعلها النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء خلافة. ثم يقول متبرئاً منها: فليس بنا من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا، ولا لأمور دنيانا، وإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة وينبوع شر وفساد.
الخلافة حقيقة شرعية، وأمر لا غنى للمسلمين عنه، ما داموا يطمحون إلى عزّ مكين، وحياة مستقلة، وقد تسنى فيما سلف أن تكون الشعوب الإسلامية كلها تحت راية واحدة كحالها لعهد الدولة الأموية، ثم انقسمت إلى دولتين مستقلتين أيام ذهب عبد الرحمن الداخل (١) إلى الأندلس، وأقام دولة أموية أخذت لقب الخلافة إزاء الخلافة العباسية بالمشرق، فكان لدولة الإسلام في العهد الأول، ولدولتيه في العهد الثاني من القوة والسطوة، ما قطع مطامع الدول القوية أن تبسط يدها على قيد شبر من بلاد الشرق، ولما تقطعت أوصال الخلافة بالأندلس كما قال شاعرهم:
قام بكلِّ بقعةٍ مَليكُ ... وصاحَ فوق كلِّ غصنٍ ديكُ
اغتنم العدو ذلك التقاطع فرصة، وأخذ ينقص البلاد من أطرافها، حتى استنجد ملوك الطوائف بسلطان مراكش يوسف بن تاشفين (٢)، وباتفاقهم معه تحقق شيء من المعنى الذي يراد من الخلافة، فهاجم العدو، وردّه
стр. 3969
على عقبه خاسراً.
ولما تضعضعت دولة المرابطين بمراكش، وشغلوا بحروبهم مع الموحدين، اضطربت عليهم الأندلس، ورجعت دولتها إلى افتراق، فبسط العدو إليها يده انتهازاً لفرصة التفرق، حتى أصبح صاحب دولة مراكش عبد المؤمن بن علي الذي يقول فيه الشاعر:
ماهزَّ عطفيه بين البِيض والأَسَلِ ... مثلُ الخليفة عبدِ المؤمن بنِ علي
فأجاز إلى الأندلس، وأخذ يحارب العدو، وجرى على أثره ابنه يوسف، ثم ابنه يعقوب، حتى حفظوا من عزّ الإسلام ما أضاعه تفرق البلاد تحت رايات شتى، ولم تسقط الأندلس إلا حين فقدت الوحدة السياسية، ولم يكن بالقرب منها دولة ذات قوة وعزم تنقذها من ذلك الخطر المحيط.
ولو أن المتأخرين من سلاطين آل عثمان أعطوا للخلافة شيئاً من حقوقها، وراعوا ما أمر الله به من وسائل استقامتها، لما انفرط عقد هذه الممالك الإسلامية، وأصبح كل قطعة منها تحت سلطة أجنبية، تستبد عليها في حكمها، وتتصرف في رقاب شعوبها وأموالهم كيف تشاء. فالخلافة لا تريد على ما يسمّى دولة، إلا أنها رابطة سياسية تجعل شعوباً مختلفي العناصر والقومية يولّون وجوههم شطر رايتها بعاطفة من أنفسهم واختيار. ومن هذه الجهة ينظر إليها بغاة الاستعمار بعين عابسة، ويحاول الغِرُّ الذي ينخدع ببهرج آرائهم أن يطوي رايتها، ويمحو آثرها.
وأما قوله: "وإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين، وينبوع شر وفساد"، فكلمة هو قائلها، والتاريخ من ورائه محيط.
стр. 3970
* آثارها الصالحة:
الخلافة قامت بدعوة إلى دين القيّمة، ومدت إلى ظل الإسلام في أقاليم بعيدة ما بين المناكب، فأصبحت كلمته العليا، وأصبح المسلمون في عزّ شامخ، وحياة راضية.
فتحت الخلافة أوطاناً كثيرة، فأذاقتها حلاوة العدل بعد أن كانت تتجرع غصص الجور والاستعباد، وضربت فيها بأشعة التوحيد الخالص بعد أن كانت تتخبط في ظلمات الحيرة والضلال، وألبستها حلل الآداب الراقية بعد أن كانت منغمسة في عادات وتقاليد تشمئز منها النفوس، وتمجها الأذواق السليمة، ونسقتها بفضل الإسلام في تآلف واتحاد بعد أن كانت في تخاذل وشقاق.
أفلم يكن قسم عظيم من آسيا دافريقية يصلى نار الوثنية بكرة وعشياً، ويتبرج في مظاهر الهمجية تبرج الجاهلية الأولى؟! فكان من أثر الخلافة، وما قامت به من الدعوة، أن قلبت تلك النار إلى إيمان صادق، ووضعت مكان الخلاعة والهمجية حياء ونظاماً.
أينكر المؤلف أن استقامة رجال الخلافة، وسمعة سيرتهم العادلة كانت كالدعاية تتقدمهم إلى تلك الممالك، فلم يجدوا في فتحها ما تجده الفئة القليلة عند لقاء الفئة الكثيرة من طول المصابرة والثبات.؟!
ولا أحسبه يعدّ ثوب الإسلام الذي لبسته تلك الأمم من يد الخلافة نكبة، ولا دخولها تحت راية التوحيد شراً وفساداً. وليعمدْ إن شاء إلى حكومة عمر بن الخطاب، أو عمر بن عبد العزيز، ثم إلى أحدث الحكومات نظاماً، وأخفها على قلبه راية، ويعقد بينهما موازنة في الوجوه التي تتفاضل بها الدول؛
стр. 3971
من عدل، وحرية، ومساواة، ثم ليتحدث معنا بضمير لا يحابي الشهوات، وكلمة لا تبخس رجال الإسلام حقهم، فلا جرم أن يعود وقتئذٍ عن حكمه القاسي على الخلافة، ويمحوه بالماء الذي يتقطر من جبينه خجلاً.
يقول المؤلف: كانت الخلافة ولم تزل نكبة، وينبوع شر وفساد، وجعل يلتقط من أيام خمول بعض الخلفاء، أو سوء سيرتهم ما يضعه سنداً لهذه المقالة المطلقة، اختار أن يكون كاتب سيئات الخلافة؛ ليقضي حاجة في نفسه، ولكن بعض من لا ينتمي إلى الإسلام من علماء الغرب، كانوا يكتبون حسناتها بقلم منصف خبير.
ومن كلماتهم الحافظة لشيء من محاسن الخلافة: قول (أدُلف فريدريك فون شاك) في كتاب: "الشعر والفنون الجميلة عند العرب في إسبانيا وصقلية": بينما أوروبا كادت تكون خالية من المدارس، إذ لم يكن يعرف القراءة والكتابة فيها إلا الكهنة، كان العلم منتشراً في الأندلس انتشاراً عاماً، غير أن الحَكَم (١) -الخليفة الأموي- رأى أن الحاجة داعية إلى نشر العلم بطريق أوسع، فأنشأ في عاصمة ملكه سبعاً وعشرين مدرسة لتعليم أبناء الفقراء مجاناً، ولقد كانت سيول الشبان تنهمر على مجامع العلوم: قرطبة، وإشبيلية، وطليطلة، ويلنسية، والمرية، ومالقة؛ حيث يتلقون العلوم، ويتسابقون في مضمارها، وكان العلماء والمتعلمون من جميع أنحاء العالم الإسلامي يتقاطرون على هذه المدارس التي ذاعت شهرتها حتى في بلاد آسية".
стр. 3972
لماذا خلع المؤلف من قلمه لجام الإنصاف، وجحد ما للخلافة من مآثر حميدة، وحاول أن يحثو عليها من كلمات هجائه ما يخفيها على أعين أبنائنا النجباء؟
ذلك ما ندع جوابه لقارئ كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، بعد أن يسير غوره، ويشهد الروح الذي يموج في جسم ذلك الكتاب من رأسه إلى عقبه.
قال المؤلف في (ص ٣٦): "منذ منتصف القرن الثالث الهجري، أخذت الخلافة الإسلامية تنقص من أطرافها، حتى لم تعد تتجاوز ما بين لابتي دائرة ضيقة حول بغداد". ومن بعد أن حكى كيف صار أكثر ممالكها إلى ملوك الطوائف، قال: "حصل ذلك، فما كان الدين أيامئذٍ في بغداد مقر الخلافة خيراً منه في غيرها من البلاد التي انسلخت عن الخلافة، ولا كانت شعائرها أظهر، ولا كان شأنه أكبر، ولا كانت الدنيا في بغداد أحسن، ولا شأن الرعية أصلح".
ما كان للمؤلف أن يتنازل إلى هذا الدرك الأسفل من المغالطة؛ إذ لم يدَّع أحد قط صلاح شأن الرعية، وصيانةَ شعائر الدين مربوطان باسم الخلافة، وأن لقب الخليفة كالرقية النافعة يذهب به كل بأس، أو الدعوة المستجابة ينزل عندها كل خير، والذي نعلمه، ويعلمه أشباه العامة من المسلمين: أن الخلافة لا تريك آثارها، وتمنحك ثمارها من منعة وعزّة وعدالة، إلا إذا سارت على سنّة العزم في الأمور، والحكمة في السياسة.
стр. 3973
الكتاب الثاني
الحكومة والإسلام
стр. 3974
الكتاب الثاني
الحكومة والإسلام
البَابُ الأَوَّلُ
نظام الحكم في عصر النبوة
* ملخصه:
زعم المؤلف أنه بحث عن تاريخ القضاء زمن النبي ﷺ ، فلاحظ أن حاله لا يخلو من غموض وإبهام، واعترف بأن في التاريخ الصحيح شيئاً من قضائه ﵇، ولكنه يقول: إن ذلك المقدار لا يبلغ أن يعطي صورة بيّنة لذلك القضاء، ولا لما كان له من نظام إن كان له نظام، ونقل ما روي في ولاية عمر، وعلي، ومعاذ القضاءَ زمن الرسالة، فذهب إلى أن ما روي في ولاية عمر إنما هو استنتاج، وأن في روايات ولاية علي ومعاذ اختلافاً يسوّغ له أن يستنتج ما قاله من أنه لا تتيسر الإحاطة بشيء كثير من أحوال القضاء في زمن النبي ﷺ .
ثم انفلتَ وكاءُ عقيدته، وصرح بأنه وجد عند البحث في نظام القضاء في عصر النبوة: أن غير القضاء أيضاً من أعمال الحكومات ووظائفها الأساسية لم يكن في أيام الرسالة موجوداً على وجه واضح لا لبس فيه، وتصامم عن صوت التاريخ الصحيح وهو يزجره أن يقول على رسول الله زوراً، فقال: إن الباحث المنصف يستطيع أن يذهب إلى أن النبي ﷺ لم يعين في البلاد
стр. 3975
التي فتحها الله له ولاة لإدارة شؤونها وتدبير أحوالها.
وتعدى إلى ما بعد القضاء والولاية من العمالات التي تتصل بالأموال ومصارفها، وحراسة الأنفس والأموال، وغير ذلك مما لا يكمل معنى الدولة إلا به، ومسح عليه من صبغة اللبس والإبهام ما اتخذه ذريعة إلى مخادعة السذّج من قراء كتابه، وجرّهم إلى الاعتقاد بأن الحكم في زمن النبوة كان جارياً على غير نظام، وختم الباب بدعوى أن تفكيره في حال القضاء وغيره من أعمال الحكم والولايات قد انتهى به إلى مجال مشتبه حائر، فإذا هو إزاء عويصة أخرى، ومعضلة كبرى، وهي أن النبي ﷺ كان صاحب دولة سياسية، ورئيس حكومة؛ كما كان رسول دعوة دينية، وزعيم وحدة دينية أم لا؟
* النقض - بحث القضاء في عهد النبوة:
قال المؤلف في (ص ٣٩): "لاحظنا إذْ كنا نبحث عن تاريخ القضاء زمن النبي ﷺ : أن حال القضاء في ذلك الوقت لا يخلو من غموض وإبهام يصعب معهما البحث، ولا يكاد يتيسر معهما الوصول إلى رأي ناضج، يقرّه العلم، وتطيب به نفس الباحث".
عرف الذين أوتوا العلم أن القضاء حقيقة شرعية، فرجعوا في تقرير أحكامه ورسم خطته إلى أصول الشريعة بأجمعها، فأحكموا صنعه، وأقرّوا عين العدالة بما فصّلوه من أحكام وآداب ونظام، ولكن المؤلف يريد اصطياد السذج من قراء كتابه، واستهواءهم "إلى غاية ذلك المجال المشتبه الحائر"، فلفت قلوبهم عن تلك الأصول القائمة، وأخذهم إلى تعرُّف حال القضاء مما بحث عنه في هذا الباب، وجنح إلى إنكاره، وهو توليته - عليه
стр. 3976
الصلاة والسلام - لأشخاص يفصلون بين الناس فيما شجر بينهم، ولهذا فاتحهم بقوله: لاحظنا إذ كنا نبحث عن تاريخ القضاء زمن النبي ﷺ ... إلخ.
وإذا شئت كلمة حق تنفض من حولك غبار هذا التشكيك الخاسر، فاربأ بنفسك عن الإذعان لغير الحجة، وألق سمعك وأنت شهيد.
* العرب والسياسة الشرعية:
من ذهب في التاريخ إلى الوقوف على حالة العرب النفسية، قبل أن تطلع عليهم شمس الإسلام، أو حين ابتدأت ترمي بأشعتها في قلوبهم، وجد طباعهم كانت تأبى لهم أن يخضعوا لسلطان، أو يدخلوا تحت نظام، كما قال النعمان (١) يصفهم لكسرى (٢): "وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون إليهم بأزمَّتهم، وأما العرب، فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكاً أجمعين".
ومما ينبهك على ما ملأ نفوسهم من الغلوّ في العظمة والتنافس في السيادة: كثرةُ ما كان ينعقد بينهم من المفاخرات والمنافرات، ثم ما تراه في أشعارهم من الفخر والحماسة، ولشدة ما يصف به الرجل نفسه من الحول والقوة وعزّة القبيلة، يخيل إليك أنه مَلِكُ يجر وراءه جيشاً عرمرماً.
تجد هذه الروح سارية في نفس كل من له مكانة في قومه، حتى إن
стр. 3977
الرجل لا ينال شيئاً من الرياسة في قومه، إلا بالإحسان والكرم، ولين الجانب، ومناصرتهم، ولو في الباطل، ولا يكاد يبسط يده لكفهم عن الظلم، وعقابهم على عمل منكر، مخافة أن ينفضُّوا من حوله، ويضربوا برياسته في وجهه.
قضت حكمة مبدع الكون أن يطلع هلال الإسلام بين هؤلاء الأقوام الذين حاولوا أن يكونوا ملوكاً أجمعين، وقضت سنّته أن لا تنسلخ الأمم من طبائعها دفعة، فكان من مقتضى حكمته أن يأخذهم الدين الحق إلى هدايته، ويبيِّن لهم قوانينه على طريق المطاولة والتدريج: فاتحهم بالدعوة إلى التوحيد ومكارم الأخلاق وبعض العبادات، ولما أنسوا بشيء من الأوامر والنظم الدينية، طفق ينتقل بهم في أحكام المعاملات والجنايات والسياسات، ويشرّع لهم في خلال ذلك أصولاً تضم بين جوانحها أحكام جزئيات لا يحيط بها حساب، حتى نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
ومن الحقائق التي أكمل بها الدين، وتمت بها النعمة: رَسْمُ خطة القضاء، والإرشاد إلى مبادئه السامية.
القضاء: تطبيق الأحكام على الوقائع الجزئية، وأحكام الوقائع قد قررتها الشريعة، إما بتفصيل؛ كحدي السرقة والزنا، وإما بعرضها في ضمن أصول كلية؛ ككثير من الأحكام القائمة على رعاية العرف، أو المصالح المرسلة، على ما سنلقي عليكم بيانه في أمد قريب.
وأما تطبيق الأحكام، فيرجع النظر فيه إلى مبادئ يتوقف عليها حفظ الحقوق، ولا يخرج الحكم في قالب العدل إلا برعايتها؛ كالاستناد إلى البينات، وضرب الآجال لإقامتها، ووراء هذه المبادئ نظُم ترجع إلى تسهيل وسائل
стр. 3978
النظر، والاحتياط في ضبطها، أو إصدار الحكم على وجه أدل على إنصاف القاضي، وأدعى لرضا المحكوم عليه؛ كتسجيل أقوال المتداعيين أو الشهود في محاضر، وتقرير الحكم ببيان مستنداته الشرعية، وإخراج نسخة منه لمن يستحقها.
أما المبادئ التي هي كالأركان للعدل في القضية، فلتجدنها قائمة في دلائل الشريعة، دون أن تشذ منها كبيرة أو صغيرة، فتفقهوا فيها لعلكم تعقلون، أو اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
وأما النظم الزائدة على ما يعد ركناً للعدالة، فذلك يجيء على حسب ما يقتضيه حال الزمان والمكان، ولهذا وكّله الشارع الحكيم إلى اجتهاد القائم على منصب القضاء، فيتصرف فيه على ما يوافق المصلحة، وعلى هذا المنهج سار العلماء الذين أسلموا قلوبهم للحق، فاستنبطوا للقضاء بعض نظم اقتضاها حال عصرهم؛ كضمّ بعض أهل العلم إلى مجالس القضاء بحيث لا ينفرد القاضي بحكم دونهم؛ كما فعل أمير المؤمنين علي بن يوسف بن تاشفين (١)؛ فإنه "كان إذا ولّى أحد قضاته، كان فيما يعهد إليه: ألا يقطع أمراً، ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء" (٢).
قال المؤلف في (ص ٣٩): "لا شكّ أن القضاء بمعنى الحكم في المنازعات وفضّها، كان موجوداً في زمن النبي ﷺ ، كما كان موجوداً عند
стр. 3979
العرب وغيرهم قبل أن يجيء الإسلام".
لا يرتاب مسلم في أن الرسول ﵊ لم يتولّ فصل القضايا بين الناس من تلقاء نفسه، وإنما هو مَنْصِبٌ استمده بوحي سماوي، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، فناط بعهدته فصل القضايا، ثم وضع في أعناق الأمة فريضة التسليم لقضائه، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فيمتاز قضاء رسول الله ﷺ عن القضاء الذي وجد عند العرب قبل الإسلام، بأن ولايته قامت على وحي يوحى، وأن التسليم له والاعتقاد بحكمته من شرائط الإيمان بالله.
فما ينبغي للمؤلف أن يقيس محكمة إلهية جاهلية، ويوحي إلى من يشاكله في ذوقه أن كليهما جارٍ على غير نظام؛ فإن وصفه لحال القضاء النبوي بالغموض والإبهام، ثم قوله: "إن كان له نظام" لا معنى له سوى إنكار أن يكون لتلك المحكمة العادلة نظام، ولقد كان هذا الإنكار أقرب إلى الصراحة من معانٍ أخرى لا تكشف قناعها إلا حين تلتقي بمن مارس لغة المرتابين، وتفقّه في لحن خطابها.
* القضايا التي ترفع إلى الحكام نوعان:
قال المؤلف في (ص ٤٠): "وفي التاريخ الصحيح شيء من قضائه ﵇ فيما كان يرفع إليه، ولكننا إذا أردنا أن نستنبط شيئاً من نظامه ﷺ في القضاء، نجد أن استنباط شيء من ذلك غير يسير، بل غير ممكن؛
стр. 3980
لأن الذي نُقل إلينا من أحاديث القضاء النبوي لا يبلغ أن يعطيك صورة بيّنة لذلك القضاء، ولا لما كان له من نظام، إن كان له نظام".
الأدلة السمعية وما يتفرع عنها من نحو: القياس، والقواعد، بالغة حد الكفاية في إقامة محاكم تسير على قانون العدل، وتزن الحقوق بالقسطاس المستقيم. فإن تراءى لأحد أن الأخبار التي تقص شيئاً من القضايا التي رفعت إلى النبي ﷺ ، هي من القلة بحيث لا تعطي صورة بيّنة للقضاء في عهده، قلنا: التشريع كامل، وسيّان بعد هذا أن تكثر الخصومات لعهد الرسالة، أو تقل، تُنقل إلينا وقائعها، أو لا تنقل، على أن طبيعة ذلك العصر وروحه الاجتماعية يقتضي أن تكون الخصومات بين القوم ذات عدد يسير، وإليك كلمة تنبئك بسبب قلة ما يرفع إلى مقام الرسالة من قضايا المتخاصمين، وتؤكد لك صحة ما نبهنا عليه من أن القضاء العملي ليس وحده المرجع لتعرف حال القضاء النبوي، ومعرفة ما "له من نظام إن كان له نظام".
القضايا التي ترفع إلى الحكام على نوعين:
أحدهما: قضايا تنشأ عن تجاحد الخصمين، فيدّعي أحدهما ما ينكره الآخر، وهذه هي التي يحتاج فيها إلى إقامة البينات، ويمتاز فيها منصب القضاء عن منصب الفتوى.
ثانيهما: قضايا يقرر فيها الخصمان الواقع، ولكنهما يجهلان وجه الحق، ولا يعلمان المحق من المبطل في نظر الشارع، والقاضي في هذا النوع بمنزلة المفتي؛ لأن الخصمين يكتفيان ببيان وجه الحق، وينصرفان عن تراض، والخصومات التي تنشب بين الجماعات المطبوعة على فضيلة الإخاء والتقوى، إنما تكون من هذا النوع القائم على عدم معرفة الحق،
стр. 3981
وكذلك قضايا المسلمين لعهد النبوة؛ فإن أغلبها من قبيل الاستفتاء، أما المشاجرات الناشئة عن التجاحد، فنادرة جداً.
قال الحافظ ابن تيمية: "ولو عدّ مجموع ما قضى به النبي ﷺ من هذا النوع -يعني: ما قام عن تجاحد- لم يبلغ عشر حكومات".
هذا سبب قلة ما تحمله الرواية من القضايا التي رفعت إلى رسول الله ﷺ ، وتجاوزت حدّ الاستفتاء، ويضاف إلى هذا: أن أحكام الشريعة كانت تطبق بعزم وإخلاص، وهذا يقتضي بوجه خاص أن تقل القضايا المتعلقة بالجنايات، وقلة القضايا لعهد النبوة لا تجعل حال القضاء مبهمة؛ فإن الأدلة بجملتها تعطينا صورة بيّنة لسنّة القضاء الكافلة بإقامة العدل وصيانة الحقوق.
قال المؤلف في (ص ٤٠): "لاحظنا أن حال القضاء زمن النبي ﷺ غامضة ومبهمة من كل جانب، حتى لم يكن من السهل على الباحث أن يعرف هل ولّى ﷺ أحداً غيره القضاء، أم لا؟ ".
لم تكن حال القضاء في عهد النبوة غامضة ولا مبهمة، فقد أريناك أن ما بين أيدينا من الكتاب والسنّة الصحيحة يجعلنا على بصيرة من سنّته المتبعة لذلك العهد، وليست الشواهد على هذه السنن بالشيء القليل، حتى تسعه هذه الورقات المقصود منها تنبيه سليم الفطرة كي لا يفتتن ببهرج ذلك الكتاب وزخرف قوله غروراً. وسيمرّ نظرك على أمثلة من سنن القضاء الإسلامي في غير هذا المقام.
ومن السهل على الباحث الذي يذهب إلى الحقائق من طرقها المعقولة، أن يعلم أن النبي ﷺ كان يولّي على كل قوم مسلمين من يدبر أمرهم، ويقضي فيما شجر بينهم، ولو لم يرد في التاريخ إلا أسماء الأشخاص الذين قلدهم
стр. 3982
الإمارة على البلاد المفتوحة، لكان في نبئه عبرة لأولي الأبصار، وبينة قائمة على أنه لا يترك القوم في جاهلية عمياء دون أن يأخذهم كما يأخذ أهل المدينة بأحكام شريعته السمحة، ونظمها القيمة.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "والأخبار طافحة بأن أهل كل بلد يتحاكمون إلى الذي أمّر عليهم، ويقبلون خبره، ويعتمدون عليه".
* البحث في تولية معاذ، وعلي، وعمر ﵃ القضاء:
قال المؤلف في (ص ٤٠): "هناك ثلاثة من الصحابة يعدّهم جمهور العلماء ممن ولي القضاء في زمن رسول الله ﷺ ".
ونقل بعد هذا ما حكاه رفاعة بك (١) في "نهاية الإيجاز"؛ من أنّ رسول الله ﷺ قلّد القضاء لعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ومعاذ ابن جبل.
ثم قال المؤلف: "وينبغي أن يضاف إليهم: أَبو موسى الأشعري ﵁؛ فقد كان في عمله على ما يظهر نظيراً لمعاذ بن جبل سواء بسواء". وقال المؤلف بعد هذا: "أما أن عمر ﵁ تقلد القضاء في زمن النبي ﷺ ، فرواية غريبة من الوجهة التاريخية، ويظهر أنها إنما أخذت بطريق الاستنتاج".
ثم أورد الأثر الذي استند إليه صاحب "تخريج الدلالات"، ونقله عنه صاحب "نهاية الإيجاز"، وهو ما رواه الترمذي من أن عثمان قال لعبد الله بن عمر: "اذهب فاقضِ بين الناس. قال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين، قال: وما تكره من ذلك، وقد كان أبوك يقضي؟ قال: إن أبي كان يقضي، فإن
стр. 3983
أشكل عليه شيء، سأل رسول الله ﷺ ، فإن أشكل على رسول الله، سأل جبريل، وإني لا أجد من أسأله".
فالخبر صريح في أن عمر بن الخطاب كان يتصدى للقضاء في زمن النبوة، ولا يحق بعد قوله: "فإن أشكل عليه شيء، سأل رسول الله ﷺ " أن يذهب إلى أن تولّي عمر للقضاء كان مفهوماً بطريق الاستنتاج. ثم لا ندري ما وجه الغرابة في تولي عمر بن الخطاب القضاء لعهد رسول الله ﷺ ؛ إذ ليس في يد المؤلف دليل تاريخي أو نظري يمنع من قبول ما رواه الترمذي في "سننه"، وقد تلقى أهل العلم هذا الخبر بالقبول، قال القاضي أَبو بكر ابن العربي في "عارضة (١) الأحوذي": "قول عثمان لعبد الله بن عمر: إن أباك كان قاضياً، يعني: لرسول الله ﷺ ، وهذا يدل على أن ذلك كان في حياته؛ ولو أراد بذلك الخلافة، لقال له: إن أبي كان خليفة ليس فوقه متعقب عليه، فكيف يحتج به في قضاء متعقب مترقب؟ ".
وليس في التاريخ ما يقف في سبيل هذه الرواية، بل رأينا فيه ما يشد في عضدها، وهو أن عمر بن الخطاب كان يفتي في عهد رسول الله ﷺ ، روى ابن سعد في "طبقاته" (٢) عن ابن عمر: "أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله ﷺ ؟ فقال: أبو بكر، وعمر، وما أعلم غيرهما".
وروي عن القاسم بن محمد (٣) أنه قال: "كان أَبو بكر، وعمر، وعثمان،
стр. 3984
وعلي يفتون على عهد رسول الله ﷺ ". وقال: "كان الذين يفتون على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة نفر من المهاجرين، وثلاثة من الأنصار: عمر وعثمان وعلي، وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت". (١) وقال: "كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ : عمر، وعلي، وابن مسعود (٢)، وزيد، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري (٣) ".
فقول التاريخ: إن عمر بن الخطاب كان مفتياً، يؤيد ما رواه الترمذي من أنه كان قاضياً؛ فإن القضايا التي يقصد برفعها معرفة المحق من غيره يسمّى فصلها: قضاء؛ كما يصحّ أن يسمّى: فتوى، ولم يبق سوى القضايا الناشئة عن التجاحد، وقد عرفت أنها نادرة الوقوع، فالذي يدل على أن لعمر بن الخطاب فصلَ ما كان من هذا النوع في غير حضرة الرسول ﵇ حديث الترمذي، فيتوافق التاريخ والرواية في تسميته قاضياً ومفتياً.
ومما يستأنس به في هذا المقام: أنهم كانوا يعدون عمر من ذوي المكانة في القضاء، وقالوا: "قضاة هذه الأمة: عمر، وعلي، وزيد، وأبو موسى" (٤).
стр. 3985
وإن أبا بكر الصديق قلّده القضاء، ومكث سنة لم يتحاكم إليه اثنان (١).
ثم حكى المؤلف ما نقله صاحب "نهاية الإيجاز" عن تخريج الأدلة السمعية؛ من أن رسول الله ﷺ بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن، وهو شاب؛ ليقضي بينهم، مستدلاً على ذلك برواية أبي داود (٢)، ونقل المؤلف بعد هذا ما جاء في "صحيح البخاري" من أن رسول الله ﷺ بعث علياً مكان خالد (٣) إلى اليمن ليقبض الخمس، وقدم بسعايته إلى مكة، والنبي ﷺ بها. ثم نقل عن برهان الدين الحلبي (٤): أن رسول الله ﷺ بعث علياً -كرم الله وجهه- في سرية إلى اليمن، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وهي السرية الأولى، والسرية الثانية بعث فيها رسول الله ﷺ علياً - كرم الله وجهه - إلى بلاد مذحج من أرض اليمن، فغزاهم، وجمع الغنائم، ثم رجع فوافى النبي ﷺ بمكة قدمها لحجة الوداع.
ثم انتقل إلى الحديث عن معاذ بن جبل، فحكى ما نقله صاحب "نهاية
стр. 3986
الإيجاز" أيضاً عن كتاب "تخريج الأدلة السمعية"، من أن رسول الله ﷺ أرسله قاضياً إلى الجند من اليمن، يعلّم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل له قبض الصدقات من العمال الذين باليمن. ثم نقل ما رواه البخاري؛ من أن رسول الله ﷺ بعث أبا موسى، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وقال لهما: "يسرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا". ونقل بعد هذا حديث البخاري الذي يتضمن: أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: " إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئت، فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله محمداً رسول الله ... إلخ". ثم نقل ما أورده زيني دحلان (١) في "السيرة النبوية"؛ من أن النبي ﷺ بعث أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وروى ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم من حديث معاذ، الذي يتضمن: أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن، قال له: "كيف تقضي إذا عرض عليك قضاء؟ "، قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ "، قال؛ فبسنّة رسول الله، قال: "فإن لم تجد في سنّة رسول الله، ولا في كتاب الله؟ "، قال: أجتهد رأيي، ولا آلو.
بعد أن حكى المؤلف هذه الأخبار والأحاديث.
قال في (ص ٤٤): "تلك الروايات المختلفة التي قصصنا عليك نموذجاً منها، تريك كيف يسوغ لنا أن نستنتج ما قلناه من أنه لا تتيسر الإحاطة بشيء كثير من أحوال القضاء في زمن النبي ﷺ ، وها أنت ذا قد رأيت كيف اختلفت الرواية عن حادثة واحدة بعينها، فَبَعْث علي إلى اليمن يرويه أحدهم أنه
стр. 3987
تولية للقضاء، ويرويه الآخر أنه كان لقبض الخمس من الزكاة".
خير بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى اليمن، وتعليم النبي ﷺ له أن لا يقضي لخصم حتى يسمع من الآخر، أخرجه الإمام أحمد بن حنبل، وأبو داود، والترمذي، ورواه ابن سعد في "طبقاته" (١) بثلاثة أسانيد مختلفة، وحكاه ابن عبد البر في كتاب "الاستيعاب"، (٢) وأبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام"، (٣) والحافظ المزي في كتاب "التهذيب" (٤)، والحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٥)، وكذلك يقول المحقق الشوكاني (٦) في حديث: "يا علي! إذا جلس إليك الخصمان ... إلخ"، أخرجه ابن حبان، (٧) وصححه، وحسّنه الترمذي.
روى أولئك الأعلام هذا الخبر، ولم يروا به وجهاً للريبة، مع أنهم أسبق الناس إلى نقد الأخبار، ولا سيما ما يمس بأمر ديني، أو يحتوي على حديث نبوي.
стр. 3988
وإذا رمت تحرير الغاية التي بعث لها علي بن أبي طالب ﵁، فإليك التحرير:
اتفق المحدثون والمؤرخون على: أن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن مكان خالد بن الوليد.
ففي "صحيح الإمام البخاري" عن البراء بن عازب (١): "بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث علياً بعد ذلك مكانه. فقال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك، فليعقب، ومن شاء، فليقبل. فكنت فيمن عقب معه".
وفي "تاريخ ابن جرير الطبري"، عن البراء بن عازب: "فبعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب، وأمره أن يقفل خالد ومن معه، فإن أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يعقب معه، تركه".
وإذا كان علي بن أبي طالب بُعث ليقوم مقام خالد بن الوليد، فقد بُعث أميراً، والإمارة لعهد رسول الله ﷺ تتناول القضاء ونحوه، ولكن بعض الرواة يقول: إنه أرسل مكان خالد، وبعضهم يقتصر في الرواية على الأمر الذي يناسب غرض الحديث، فهذا يقول: بُعث قاضياً؛ ليناسب خبر: "وأنا حديث السنّ، ولا علم لي بالقضاء ... إلخ".
والآخر يقول بُعث ليقبض الخمس؛ ليناسب ما يذكره بعد ذلك من إنكاره عليه بعض تصرفاته في الخمس، وقول النبي ﷺ ! للمنكر: "لا تبغضه؛
стр. 3989
فإن له في الخمس أكثرَ من ذلك".
فقول بعض الرواة: بُعث قاضياً، أو قول الإمام: "بعثت قاضياً" لا يعارض قول بعضهم: بعث ليقبض الخمس، متى كان النبي ﷺ صرح له بالقضاء، وقبض الخمس بوجه خاص، زيادة على أن بعثه مكان خالد يقتضي النظر في القضايا، وفصل الخصومات.
ترك المؤلف ما رواه البخاري أولاً من أن علي بن أبي طالب بعث مكان خالد بن الوليد، ونقل الحديث الثاني الذي يقول فيه الراوي: بعثه إلى خالد ليقبض الخمس، وحاول أن يضرب بهذه الرواية رواية ولايته القضاء؛ ليخلص من أثر يشهد بأن للقضاء في عهد الرسول ﵊ حديثاً ينقل، أو اسماً يدور على الألسنة، والعلماء الذين درسوا باب التناقض من علم المنطق، وباب التعارض والترجيح من علم الأصول، تفهموا هذه الروايات على وجه جامع، ولم يروا بينهما اختلافاً يدعو إلى حيرة، أو إلغاء الروايتين، أو ترجيح إحداهما على الأخرى.
يقول الإمام البخاري: بعث علياً بعد ذلك ليقبض الخمس. ومن الجليّ لدى المبتدئين من طلاب العلم أن المراد: خمس الغنيمة، ولكن المؤلف الذي لم يقنع برتبة مجتهد، وحاول أن يكون مشرّعاً، يقول: "ويروي الآخر: أنه كان لقبض الخمس من الزكاة" وليس في الزكاة شيء يقال له: الخمس، ولكن الله ضرب هذا المثل لنشهد به حظ المؤلف من فهم كتب الشريعة، وليعلم الذين يريدون أن يتبعوا خطواته أنهم ركبوا غارب عشواء، وفتحوا أعينهم في ليلة ظلماء.
قال المؤلف في (ص ٤٤): "ومعاذ بن جبل كذلك، ذهب إلى اليمن
стр. 3990
قاضياً في رأي، وغازياً في رأي، ومعلماً في رأي، ونقل "صاحب السيرة النبوية" خلافاً في أن معاذاً كان والياً وقاضياً، فقال ابن عبد البر (١): إنه كان قاضياً، وقال الغساني: إنه كان أميراً على المال. وحديث ابن ميمون التصريح بأنه كان أميراً على الصلاة، وهذا يرجح أنه كان والياً".
الرواية قائمة على أن معاذ بن جبل ﵁ بعثه النبي ﷺ إلى اليمن والياً وقاضياً، ومعلماً للقرآن وشرائع الإسلام، وقابضاً للصدقات من العمال، قال ابن عبد البر في كتاب "الاستيعاب": "بعثه -يعني: معاذاً- رسول الله ﷺ قاضياً إلى الجند من اليمن، يعلّم الناس القرآن وشعائر الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وكان رسول الله ﷺ قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالد بن سعيد على صنعاء، ومعاذ بن جبل على الجند، وقال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين وجهه إلى اليمن: "بم تقضي ... إلخ".
فمعاذ كان والياً وقاضياً ومعلماً، وقابضاً للصدقات، ومن المحدّثين من ذكر له أعمالاً متعددة؛ كالحافظ ابن عبد البر، ومنهم من يتعرض لوظيفة القضاء؛ كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي داود، والترمذي، وغيرهم، ومنهم من يذكر وظيفة الإمارة؛ كالإمام البخاري، ومنهم من يعرف له وظيفة التعليم، ويصرح بأنه كان يقوم بهذه الوظيفة في أعمال كثيرة؛ كقول ابن خلدون في "تاريخ": "وكان معاذ بن جبل يعلّم القرآن باليمن، ينتقل على
стр. 3991
هؤلاء وهؤلاء في أعمالهم".
فرواية أن معاذاً كان قاضياً باليمن من الروايات التي مُحصت، ووضعها المحدثون موضع القبول، وليس في الروايات الأخرى ما ينافيها حتى نحتاج إلى عرضها على ميزان الترجيح، فضلاً عن أن نعاملها معاملة الأحاديث الموضوعة، ونضرب عنها جملة؛ كما فعل المؤلف؛ حرصاً على أن ينتهي به النظر "إلى غاية ذلك المجال المشتبه الحائر".
وما نقله عن صاحب "السيرة النبوية" من الخلاف بين ابن عبد البر، والغساني؛ من أن معاذاً كان والياً أو قاضياً، لا يمس الرواية بوهن، ولنا عليه ملاحظة من وجوه:
أولاً: يظهر أن صاحب "السيرة" نقل هذا الخلاف من "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني، ونص عبارة "الفتح": "واختلف هل كان معاذ والياً، أو قاضياً، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني بالأول". والدليل على أن صاحب "السيرة" استمد الخلاف من كلام ابن حجر: أن لفظ "الغساني" إنما جاء في نسخ "فتح الباري". ونقل القسطلاني في "شرحه لصحيح البخاري" هذا الخلاف عن ابن حجر، وذكر المقابل لابن عبد البر باسم: "العسكري"، وكذلك ذكر الخلاف الإمام العيني (١) في "شرحه للبخاري"، وذكر المخالف لابن عبد البر باسم: "العسكري".
والمعروف بالتأليف في تراجم الصحابة هو العسكري، وهو "أبو محمد ابن عبد الله بن أحمد بن موسى العسكري المعروف بعبدان"، وقد ذكره ابن
стр. 3992
حجر في مقدمة "الإصابة" باسمه: "عبدان" حين أخذ يسرد أسماء من ألّفوا في الصحابة ﵁.
ثانياً: قول صاحب "السيرة"، وحديث ابن ميمون يرجح أنه كان والياً، إنما هو استنتاج منه، ولا يصح إلا إذا أراد بالوالي: من له سلطة أعمّ مما يفهم المؤلف، وهو العامل على المال، الناظر في شؤون البلاد.
ثالثاً: إن ابن عبد البر صرح في "الاستيعاب" بأن معاذاً كان قاضياً ووالياً على المال حسبما نقلناه آنفاً، فلا يصح أن يفهم من هذا الخلاف أن ابن عبد البر يقول: أرسل قاضياً فقط، فهو لو قال: "بعث معاذاً قاضياً"، وسكت، لم نفهم منه مخالفة لمن يقول: "بعث والياً"، فما باله إذا صرح بالولاية علاوة على القضاء؟.
رابعاً: إذا كان العسكري قال: إن معاذاً أرسل والياً، ولم يتعرض لنفي القضاء، لم يعد هذا مخالفة لابن عبد البر، وكذلك رأينا الشيخ العيني لم يزد على أن قال: "وفي كتاب الصحابة للعسكري: بعثه النبي ﷺ والياً على اليمن، وفي الاستيعاب: بعثه قاضياً، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن". فإذا كان الخلاف إنما أخذ من اقتصار العسكري على ذكر الولاية من غير تعرض للقضاء، كان الخلاف بين العسكري وابن عبد البر لا يزيد على أن يكون اختلافاً في العبارة.
خامساً: يترجح أن يكون العسكري عندما تحدث عن معاذ اقتصر على ذكر الولاية، ولم يتعرض لنفي القضاء، فإن ابن حجر، ومن نقل كلامه؛ كالقسطلاني، ثم من نقل عن كتاب العسكري مباشرة؛ كالعيني، لم يذكروا أن العسكري نفى القضاء صراحة، ولو نفاه، لذكر الوجه في نفيه، وعدم قبول
стр. 3993
روايته، ولو ذكر هذا الوجه، لنقلوه، وتلقوه إما بمناقشة، وإما بتسليم.
سادساً: على فرض أن العسكري أو الغساني نفى ولاية معاذ القضاء بصراحة، فإن الرواية التي تشهد بهذه الولاية حجة على المنكر، إلا أن يأتي بدليل مسموع أو معقول يطعن في شهادتها.
ومما لا نزاع فيه بيننا وبين المؤلف: أن ولاية معاذ كانت مساوية لولاية أبي موسى الأشعري، فيصح لنا الاستشهاد بأن ولايتهما كانت تتناول الحكم بحديث البخاري المتضمن: أن معاذاً زار أبا موسى الأشعري، ووجد عنده رجلاً موثقاً، فسأله عنه، فقال له: إنه كان مسلماً، ثم ارتد، فقال معاذ: لأضربنّ عنقه. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "إن أبا موسى الأشعري مفوض إليه الحكم، ولو كان فوض الحكم لغيره، لم يحتج -يعني: النبي ﷺ إلى توصيته بما وصاه به".
قال المصنف في (ص ٤٥): "ذلك بأننا وجدنا عند البحث في نظام القضاء في عصر النبوة: أن غير القضاء أيضاً من أعمال الحكومات، ووظائفها الأساسية لم يكن في أيام الرسالة موجوداً على وجه واضح لا لبس فيه، حتى يستطيع باحث منصف أن يذهب إلى أن النبي ﷺ لم يعين في البلاد التي فتحها الله له ولاة مثلاً لإدارة شؤونها، وتدبير أحوالها، وضبط الأمر فيها. وما يروى من ذلك، فكله عبارة عن توليته أميراً على الجيش، أو عاملاً على المال، أو إماماً للصلاة، أو معلماً للقرآن، أو داعياً إلى كلمة الإسلام. ولم يكن شيء من ذلك مطرداً، وإنما كان يحصل لوقت محدود، كما ترى فيمن كان يستعملهم ﷺ على البعوث والسرايا، أو يستخلفهم على المدينة إذا خرج للغزو".
стр. 3994
دعوى أن النبي ﷺ لم يولّ قضاة يفصلون الخصومات، ولم ينصب ولاة لتدبير أحوال البلاد، من بنات فكر المؤلف وحده، فهو الذي اخترعها، دون أن يسبقه إليها ألمعي خبير، أو بحاثة بصير، وإذا كان كل رأي جديد -حقاً كان أو باطلاً- يخف بصاحبه إلى منزلة يشار إليها بالبنان، ويطير صيته في الآفاق إلى أمد بعيد، فليتبوأ المؤلف مقعده بمكان تومئ إليه الأصابع من كل ناحية، وليهنأ بسمعة تطير مع الشمس كل مطار، ولكن ما دام القرآن يتلى، وكتب السنّة تدرّس، وفي القلوب إيمان، وفي الأدمغة عقول، فإن هذا الرأي الجديد لا يبقى على وجه الأرض إلا أن يحتمل ما تخلعه عليه النفوس الفاضلة من برود التهكم والتفنيد، ويرضى بما تناديه به ألسنة الصادقين من ألقاب الباطل والبهتان.
ولا يلاقي هذا الرأي تفنيداً من إخوان الإسلام فقط، بل يرمي في وجهه بالتزييف كل من درس تاريخ عهد النبوة، ووقف ساعة من نهار على روح التشريع، وإن كان من المخالفين الذين لا ينتمون للإسلام.
يزعم المؤلف: أن النبي ﷺ لم يرسل أميراً للحكم وضبط الأمر في البلاد، وإنما كان يرسل غزاة، أو عمالاً، أو أئمة ودعاة للإسلام، ولا ندري ماذا دفعه إلى إنكار حقيقة تضافر عليها المحدّثون والمؤرخون، وإذا كان المدار في تحقيق المسألة على الرواية، فلا سبيل للمنكر عليها إلا أن يردها بطعن في سندها، أو يبين أن العقل السليم لا يقبلها، وهل مشى المؤلف في هذا السبيل المعقول، فتعرض لسند الروايات التي تثبت أن للنبي ﷺ أمراء ينظرون في شؤون البلاد، ويحكمون فيما شجر بين الناس، ونقَدها ببينة وعقل، أو أقام برهاناً على أن وجود ولاة يفصلون القضايا، ويدبرون
стр. 3995
أحوال البلاد في عهد الرسالة مما يأبى العقل سماعه؟
كل ذلك لم يكن، ولكنه يبتغي مرضاة قوم لا يؤمنون، وتخيل أنه بلغ في البيان أن ينكر الحق، فيذهب هباء، أو يشير إلى باطل، فيستقبله الناس باحتفال وتكريم.
قد أريناك أن انتصاب معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب للقضاء، ثابت بأدلة ناطحها قلم المؤلف، فأوهى قرنه قبل أن يوهنها، وإن شئت زيادة تحقيق في الموضوع، فلدينا مزيد:
* القضاء في عهد النبوة موكول إلى الأمراء:
عني الإسلام بوسائل العمران، وأركان الدولة، وبالأحرى: مقام الفصل فيما شجر بين الناس، ولهذا كان ﷺ لا يترك قوماً دخلوا في الإسلام إلا أمَّر عليهم من يسوسهم بأحكام شريعته.
وقد عرفنا في تاريخ عهد النبوة: أن النبي ﷺ قد يقلّد شخصاً الإمارة، ويكون له النظر في الحكم بين الناس، وتعليمهم شرائع الإسلام، وقبض صدقاتهم، وغير ذلك مما يتولاه رسول الله ﷺ لو كان حاضراً.
قال الحافظ ابن تيمية في "منهاج السنة" (١): "كان النبي ﷺ يستخلف في حياته على كل ما غاب عنه، فيولي الأمراء على السرايا، يصلّون بهم، ويجاهدون بهم، ويسوسونهم، ويؤمّر أمراء على الأمصار؛ كما أمّر عتاب ابن أسيد على مكة ... وكما كان يستعمل عمالاً على الصدقة، فيقبضونها ممن تجب عليه، ويعطونها لمن تحل له". فانظر في قوله: "الأمراء على