← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

هؤلاء وهؤلاء في أعمالهم". فرواية أن معاذاً كان قاضياً باليمن من الروايات التي مُحصت، ووضعها المحدثون موضع القبول، وليس في الروايات الأخرى ما ينافيها حتى نحتاج إلى عرضها على ميزان الترجيح، فضلاً عن أن نعاملها معاملة الأحاديث الموضوعة، ونضرب عنها جملة؛ كما فعل المؤلف؛ حرصاً على أن ينتهي به النظر "إلى غاية ذلك المجال المشتبه الحائر". وما نقله عن صاحب "السيرة النبوية" من الخلاف بين ابن عبد البر، والغساني؛ من أن معاذاً كان والياً أو قاضياً، لا يمس الرواية بوهن، ولنا عليه ملاحظة من وجوه: أولاً: يظهر أن صاحب "السيرة" نقل هذا الخلاف من "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني، ونص عبارة "الفتح": "واختلف هل كان معاذ والياً، أو قاضياً، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني بالأول". والدليل على أن صاحب "السيرة" استمد الخلاف من كلام ابن حجر: أن لفظ "الغساني" إنما جاء في نسخ "فتح الباري". ونقل القسطلاني في "شرحه لصحيح البخاري" هذا الخلاف عن ابن حجر، وذكر المقابل لابن عبد البر باسم: "العسكري"، وكذلك ذكر الخلاف الإمام العيني (١) في "شرحه للبخاري"، وذكر المخالف لابن عبد البر باسم: "العسكري". والمعروف بالتأليف في تراجم الصحابة هو العسكري، وهو "أبو محمد ابن عبد الله بن أحمد بن موسى العسكري المعروف بعبدان"، وقد ذكره ابن

стр. 3992

حجر في مقدمة "الإصابة" باسمه: "عبدان" حين أخذ يسرد أسماء من ألّفوا في الصحابة ﵁. ثانياً: قول صاحب "السيرة"، وحديث ابن ميمون يرجح أنه كان والياً، إنما هو استنتاج منه، ولا يصح إلا إذا أراد بالوالي: من له سلطة أعمّ مما يفهم المؤلف، وهو العامل على المال، الناظر في شؤون البلاد. ثالثاً: إن ابن عبد البر صرح في "الاستيعاب" بأن معاذاً كان قاضياً ووالياً على المال حسبما نقلناه آنفاً، فلا يصح أن يفهم من هذا الخلاف أن ابن عبد البر يقول: أرسل قاضياً فقط، فهو لو قال: "بعث معاذاً قاضياً"، وسكت، لم نفهم منه مخالفة لمن يقول: "بعث والياً"، فما باله إذا صرح بالولاية علاوة على القضاء؟. رابعاً: إذا كان العسكري قال: إن معاذاً أرسل والياً، ولم يتعرض لنفي القضاء، لم يعد هذا مخالفة لابن عبد البر، وكذلك رأينا الشيخ العيني لم يزد على أن قال: "وفي كتاب الصحابة للعسكري: بعثه النبي ﷺ والياً على اليمن، وفي الاستيعاب: بعثه قاضياً، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن". فإذا كان الخلاف إنما أخذ من اقتصار العسكري على ذكر الولاية من غير تعرض للقضاء، كان الخلاف بين العسكري وابن عبد البر لا يزيد على أن يكون اختلافاً في العبارة. خامساً: يترجح أن يكون العسكري عندما تحدث عن معاذ اقتصر على ذكر الولاية، ولم يتعرض لنفي القضاء، فإن ابن حجر، ومن نقل كلامه؛ كالقسطلاني، ثم من نقل عن كتاب العسكري مباشرة؛ كالعيني، لم يذكروا أن العسكري نفى القضاء صراحة، ولو نفاه، لذكر الوجه في نفيه، وعدم قبول

стр. 3993

روايته، ولو ذكر هذا الوجه، لنقلوه، وتلقوه إما بمناقشة، وإما بتسليم. سادساً: على فرض أن العسكري أو الغساني نفى ولاية معاذ القضاء بصراحة، فإن الرواية التي تشهد بهذه الولاية حجة على المنكر، إلا أن يأتي بدليل مسموع أو معقول يطعن في شهادتها. ومما لا نزاع فيه بيننا وبين المؤلف: أن ولاية معاذ كانت مساوية لولاية أبي موسى الأشعري، فيصح لنا الاستشهاد بأن ولايتهما كانت تتناول الحكم بحديث البخاري المتضمن: أن معاذاً زار أبا موسى الأشعري، ووجد عنده رجلاً موثقاً، فسأله عنه، فقال له: إنه كان مسلماً، ثم ارتد، فقال معاذ: لأضربنّ عنقه. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "إن أبا موسى الأشعري مفوض إليه الحكم، ولو كان فوض الحكم لغيره، لم يحتج -يعني: النبي ﷺ إلى توصيته بما وصاه به". قال المصنف في (ص ٤٥): "ذلك بأننا وجدنا عند البحث في نظام القضاء في عصر النبوة: أن غير القضاء أيضاً من أعمال الحكومات، ووظائفها الأساسية لم يكن في أيام الرسالة موجوداً على وجه واضح لا لبس فيه، حتى يستطيع باحث منصف أن يذهب إلى أن النبي ﷺ لم يعين في البلاد التي فتحها الله له ولاة مثلاً لإدارة شؤونها، وتدبير أحوالها، وضبط الأمر فيها. وما يروى من ذلك، فكله عبارة عن توليته أميراً على الجيش، أو عاملاً على المال، أو إماماً للصلاة، أو معلماً للقرآن، أو داعياً إلى كلمة الإسلام. ولم يكن شيء من ذلك مطرداً، وإنما كان يحصل لوقت محدود، كما ترى فيمن كان يستعملهم ﷺ على البعوث والسرايا، أو يستخلفهم على المدينة إذا خرج للغزو".

стр. 3994

دعوى أن النبي ﷺ لم يولّ قضاة يفصلون الخصومات، ولم ينصب ولاة لتدبير أحوال البلاد، من بنات فكر المؤلف وحده، فهو الذي اخترعها، دون أن يسبقه إليها ألمعي خبير، أو بحاثة بصير، وإذا كان كل رأي جديد -حقاً كان أو باطلاً- يخف بصاحبه إلى منزلة يشار إليها بالبنان، ويطير صيته في الآفاق إلى أمد بعيد، فليتبوأ المؤلف مقعده بمكان تومئ إليه الأصابع من كل ناحية، وليهنأ بسمعة تطير مع الشمس كل مطار، ولكن ما دام القرآن يتلى، وكتب السنّة تدرّس، وفي القلوب إيمان، وفي الأدمغة عقول، فإن هذا الرأي الجديد لا يبقى على وجه الأرض إلا أن يحتمل ما تخلعه عليه النفوس الفاضلة من برود التهكم والتفنيد، ويرضى بما تناديه به ألسنة الصادقين من ألقاب الباطل والبهتان. ولا يلاقي هذا الرأي تفنيداً من إخوان الإسلام فقط، بل يرمي في وجهه بالتزييف كل من درس تاريخ عهد النبوة، ووقف ساعة من نهار على روح التشريع، وإن كان من المخالفين الذين لا ينتمون للإسلام. يزعم المؤلف: أن النبي ﷺ لم يرسل أميراً للحكم وضبط الأمر في البلاد، وإنما كان يرسل غزاة، أو عمالاً، أو أئمة ودعاة للإسلام، ولا ندري ماذا دفعه إلى إنكار حقيقة تضافر عليها المحدّثون والمؤرخون، وإذا كان المدار في تحقيق المسألة على الرواية، فلا سبيل للمنكر عليها إلا أن يردها بطعن في سندها، أو يبين أن العقل السليم لا يقبلها، وهل مشى المؤلف في هذا السبيل المعقول، فتعرض لسند الروايات التي تثبت أن للنبي ﷺ أمراء ينظرون في شؤون البلاد، ويحكمون فيما شجر بين الناس، ونقَدها ببينة وعقل، أو أقام برهاناً على أن وجود ولاة يفصلون القضايا، ويدبرون

стр. 3995

أحوال البلاد في عهد الرسالة مما يأبى العقل سماعه؟ كل ذلك لم يكن، ولكنه يبتغي مرضاة قوم لا يؤمنون، وتخيل أنه بلغ في البيان أن ينكر الحق، فيذهب هباء، أو يشير إلى باطل، فيستقبله الناس باحتفال وتكريم. قد أريناك أن انتصاب معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب للقضاء، ثابت بأدلة ناطحها قلم المؤلف، فأوهى قرنه قبل أن يوهنها، وإن شئت زيادة تحقيق في الموضوع، فلدينا مزيد: * القضاء في عهد النبوة موكول إلى الأمراء: عني الإسلام بوسائل العمران، وأركان الدولة، وبالأحرى: مقام الفصل فيما شجر بين الناس، ولهذا كان ﷺ لا يترك قوماً دخلوا في الإسلام إلا أمَّر عليهم من يسوسهم بأحكام شريعته. وقد عرفنا في تاريخ عهد النبوة: أن النبي ﷺ قد يقلّد شخصاً الإمارة، ويكون له النظر في الحكم بين الناس، وتعليمهم شرائع الإسلام، وقبض صدقاتهم، وغير ذلك مما يتولاه رسول الله ﷺ لو كان حاضراً. قال الحافظ ابن تيمية في "منهاج السنة" (١): "كان النبي ﷺ يستخلف في حياته على كل ما غاب عنه، فيولي الأمراء على السرايا، يصلّون بهم، ويجاهدون بهم، ويسوسونهم، ويؤمّر أمراء على الأمصار؛ كما أمّر عتاب ابن أسيد على مكة ... وكما كان يستعمل عمالاً على الصدقة، فيقبضونها ممن تجب عليه، ويعطونها لمن تحل له". فانظر في قوله: "الأمراء على

стр. 3996

السرايا"، وقوله: "أمراء على الأمصار"، وقوله: "عمالاً على الصدقة"؛ فإنه يطعن في قول المؤلف: إن الأمراء إنما كانوا غزاة، أو عمالاً على المال. وقال ابن حزم في "كتاب الفصل في الملل والنحل" (١): "وقد وجدنا رسول الله ﷺ قد قلّد النواحي، وصرف تنفيذ جميع الأحكام التي تنفذها الأئمة إلى قوم كان غيرهم أفضل منهم (٢)، فاستعمل على أعمال اليمن معاذ ابن جبل، وأبا موسى، وخالد بن الوليد ... ". وقد نقلنا لكم آنفاً قول الحافظ ابن حجر: "والأخبار طافحة بأن أهل كل بلد كانوا يتحاكمون إلى الذي أمِّر عليهم". وإذا كان المؤلف لا يلقي قلبه إلا بين يدي "أرنولد"، فإن أرنولد ومن معه يقولون في "دائرة المعارف الإسلامة" (٣): "يجب أن يكون القاضي مسلماً عادلاً، عالماً بجميع أحكام الشرع". ثم قالوا: "فالنبي ﷺ والراشدون كثيراً ما فصلوا في خصومات بصفتهم قضاة، كما جرى على ذلك الأمراء والحكام الموفدون من قبلهم إلى المقاطعات الإسلامية". ولا يعدّ قيام الأمير بفصل القضاء، وتنفيذ الأحكام، وغير ذلك من شؤون الولاية أمراً شاقاً؛ فإن وسائل العمران من مثل: الفلاحة، والصناعة، والتجارة لم تكن ظاهرة في البلاد التي فتحت زمن النبوة بهذا المظهر الواسع، حتى تكثر الخصومات والمنازعات لحد أن يعين لها قضاة شرعيون زيادة

стр. 3997

على الأمراء السياسيين. يقول المؤلف: "ولم يكن شيء من ذلك مفرداً، وإنما كان يحصل لوقت محدود"، وهذا مسلّم في أمراء السرايا، وأما أمراء البلاد، فإن ولايتهم كانت دائمة. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "فأما أمراء السرايا والبعوث، فكانت إمرتهم تنتهي بانتهاك تلك الغزوة، وأما أمراء القرى، فإنهم استمروا فيها". قال المؤلف في (ص ٤٥): "إذا نحن تجاوزنا عمل القضاء والولاية إلى غيرهما من الأعمال التي لا يكمل معنى الدولة إلا بها؛ كالعمالات التي تتصل بالأموال، ومصارفها "المالية"، وحراسة الأنفس والأموال "البوليس"، وغير ذلك مما لا يقوم بدونه أقل الحكومات وأعرقها في البساطة، فمن المؤكد أننا لا نجد -فيما وصل إلينا من ذلك عن زمن الرسالة- شيئاً واضحاً، يمكننا ونحن مقتنعون ومطمئنون أن نقول: إنه كان نظام الحكومة النبوية". بُعث النبي ﷺ بمكة، فأقام بها عشر سنين، أو ثلاث عشرة سنة، وهو يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولما أذن الله بأن يقيم لهذا الدين دولة تحمي دعوته، وتحرس شعائره، وتدبر سياستها على محور تعاليمه، كان أول لبنة وضعها ﷺ في أساس هذا الغرض الأسمى: ما أخذه على الأوس والخزرج من عهد البيعة على أن يكونوا أنصاره إلى الله، ثم هاجر إلى المدينة، وواصل العمل بما أوحى الله إليه، حتى اتسقت للإسلام شريعة ذات مبادئ عالية، ونظم حكيمة. كانت المدة منذ شرع الإسلام في بناء دولة تحرس دعوته وشعائره،

стр. 3998

وتعمل لإسعاد أهله إلى أن انتهى عهد الرسالة، نحو عشر سنين. ماذا فعل محمد بن عبد الله - صلوات الله عليه - في عشر سنين، تلك المدة التي قضى المؤلف مثلها بالتفكير في منطق، يميت شريعة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء؟ رأينا وسمعنا أن الحكومات إذا دخلت في عهد حرب، أفرغت مهجتها في تدبر وسائل الدفاع من جند وسلاح ونصب مكايد، وتذهل عن الشؤون المدنية والعلمية، فلا تكاد ترى لهما أثراً من نظم العلم والسياسة إلا ما كان قائماً قبل دخولها في مواقع الحروب، ولا سيما حيث يكون عددها أوسع بلاداً، وأكثر قبيلاً. هذا شأن الدول العريقة في الحكم والقوة التي تكون سلطتها وسياستها موزعة على نفوس كثيرة من قائمين بالسلطة التشريعية، إلى قائمين بالسلطة التنفيذية، ومن وزارة داخلية إلى خارجية إلى حربية إلى مالية، فكيف يكون حال جماعة قليلة ظهروا بعقيدة وشريعة خالفوا بهما القبائل والأمم التي تكتنفهم من كل جهة؟ كان ذلك الرسول الأعظم مظهر السلطة التشريعية، ومصدر السلطة التنفيذية. فالحكمة تجري على لسانه، ودم النفوس الخبيثة يجري على سنانه، يرسل الموعظة الحسنة تحت مثار النقع، ويسنّ القانون العادل وهو يقاتل وحوشاً غابُها الرماح، ولقد كان في تشريعه الحكيم، أو عزمه النافذ عبرة لأولي الألباب. دولة بنتُ عشر سنين فتحت بلاداً واسعة، ونشرت تعاليم نافعة، وشرعت قوانين جامعة، إن في قصر المدة التي استحكم فيها أمر هذه الدولة لآية كبرى، ولكن المواربين بآيات الله يجحدون.

стр. 3999

أنكر المؤلف أن يكون في عهد الرسالة ولاة يحكمون بين الناس بقانون الشريعة، فأقمنا من الرواية بينات تشهد بأن النبي ﷺ كان يبعث إلى البلاد المفتوحة أمراء يدخل في إمرتهم فصل الخصومات بين الناس، ومنهم من يصرح له بالسلطة القضائية؛ كما جاء في حديث معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، وتوسع في الإنكار حتى زعم أن النبي ﷺ لم يرسل والياً لتدبير أحوال البلاد، وإنما كان يرسل غازياً أو عاملاً على المال، فكافحناه بشهادة التاريخ على أن النبي ﷺ كان يبعث أمراء من غير أمراء السرايا والعمال على المال، ولا شأن لأولئك الأمراء إلا تدبير أحوال البلاد، والحكم بينهم على سنّة القضاء في الإسلام، وتطوّح به نزق التمرّد إلى أن يقوِّض سائر أركان الدولة الإسلامية، فلوّح بإنكار ما وراء القضاء والولاية السياسية من أعمال "لا يكمل معنى الدولة إلا بها؛ كالعمالات التي تتصل بالأموال ومصارفها (المالية)، وحراسة الأنفس والأموال (البوليس)، وغير ذلك مما لا يقوم بدونه أقل الحكومات وأعرقها في البساطة". لنبحث مع المؤلف في القضاء والمالية والبوليس مع رعاية ما يقتضيه المقام من إيجاز، ونرجئ البحث فيما عدا هذه الأصول الثلاثة إلى مقام أليق بها من هذا المقام. * نبذة من مبادئ القضاء في الإسلام وآدابه: ذكرنا فيما سلف: أن للقضاء مبادئ لا يستوفي الحكم نصيبه من العدل إلا برعايتها، ولا يمتري ذو أثارة من علم أن الإسلام قد أدار سياسته على محورها. وهناك نظم مطوية في أصول عامة هي موكولة إلى اجتهاد الحاكم، ومقتضى حال البيئة، ومن هذه النظم ما نعلم حق اليقين أن حال الأمة في

стр. 4000

عصر النبوة لا يزال في غنى عنها. تحدثك في هذا المقال عن بعض مبادئ القضاء ونظمِه المنبَّه عليها في الكتاب والسنّة؛ لتعلم أن القضاء في عهد النبوة لم يكن في نظر علماء الإسلام غامضاً. ملاك القضاء العادل: عِلْمُ القاضي، واستقامته، واستيفاؤه النظر في وسائل الحكم، واستناده إلى البينة، وقوة العزم في الفصل، وبسط مجال الحرية للخصوم؛ حتى يدافعوا عن حقوقهم باطمئنان جأش، وطلاقة لسان. أما العلم، فقد كان الحكام في عهد النبوة على علم بما يلقى على عاتقهم من أعمال القضاء وغيره، ودليل هذا من جهة النظر: أن النبي ﵇ يقول: "لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلّمها" (١). وقال: "إن القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، واللذان في النار: رجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل قضى في الناس على جهل" (٢). فالذي يجعل القضاء قائماً على الحكمة، ويقول: إن القضاء بجهل يلقي صاحبه في حفرة من النار، لا يضع السلطة القضائية إلا في يد عالم بالأحكام، بصير بمذاهب الحقوق، ويضاف إلى هذا: أن الذين "حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ مئة ونيف

стр. 4001

وثلاثون نفساً، ما بين رجل وامرأة"، (١) ومما لا يحتمله العقل: أن يصرف الرسول ﵇ نظره عن هؤلاء الذين بلغوا رتبة الفتوى، ويضع الحكم في أيدي قوم لا يعلمون. وقال شيخ الإسلام في "منهاج السنّة" (٢): "وكان الواحد من خلفائه إذا أشكل عليه الشيء، أرسل إليه يسأله عنه، فكان رسول الله ﷺ في حياته يعلم خلفاءه إذا جهلوا، ويقوّمهم إذا زاغوا، ويعزلهم إذا لم يستقيموا". وعلى هذه السيرة اقتدى علماء الإسلام، فاشترطوا في القاضي: أن يكون بالغاً في العلم مبلغ الاجتهاد؛ حتى يتناول الأحكام من أصولها مباشرة، وكذلك كانوا يفعلون. ويترتب على هذا الشرط: أن لا يقلّد أحد القضاء إلا بعد معرفة مكانته في العلم. وقد اختبر النبي ﷺ معاذ بن جبل حين توليته القضاء؛ ليزداد خبرة بمبلغ علمه بالقضاء، فقال له: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ إلخ". وأما الاستقامة، فالكتاب والسنّة طافحان بالأمر بالعدل، وتشديد الوعيد على التهاون بواجبه، فلا بد أن يكون قضاة رسول الله ﷺ أتقى الناس قلوباً، وأعدلهم في الحكومة ميزاناً، وهذا أحدهم، وهو عمر بن الخطاب، يقول في رسالته إلى أبي موسى الأشعري: "وآس بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حَيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك".

стр. 4002

وأما استيفاء البحث في وسائل الحكم، فترشد إليه آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. وكان النبي ﷺ يستفصل في النوازل التي تُرفع إليه، كما استفصل المقرّ بالزنا: هل وجد منه مقدماته، أو حقيقته؟ فلما أجابه عن الحقيقة، استفصله: لعلّ به جنوناً، فيكون إقراره غير معتبر، أم هو عاقل؟ فلما وثق من عقله، استفصله بأن أمر باستنكاهه؛ ليعلم هل هو سكران، أم صاحٍ؟ فلما علم أنه صاحٍ، استفصله: هل أحصن، أم لا؟ فلما علم أنه قد أحصن، أقام عليه الحد (١). والاستفصال موكول إلى اجتهاد الحاكم وذكائه: "فإذا ارتاب بالشهود، فرقهم، وسألهم كيف تحمّلوا الشهادة؟ وأين تحمّلوها؟ وذلك واجب عليه، متى عدل عنه، أثم، أو جار في الحكم. وكذلك إذا ارتاب بالدعوى، سأل المدعي عن سبب الحق، وأين كان؟ ونظر في الحال هل تقتضي صحة ذلك؟ وكذلك إذا ارتاب بمن القول قوله، والمدعى عليه، وجب عليه أن يستكشف الحال، ويسأل عن القرائن التي تدل على صورة الحال" (٢). وحيث كان قلق الفكر مما يعوق عن استيفاء النظر في وسائل الحكم، نهى النبي ﵊ عن القضاء في حال يضطرب معه الفكر، وألمَّ بهذا في حديث: "لا يقضي حكم بين اثنين وهو غضبان" (٣). وأما البينة، فقد وفّاها الكتاب والسنّة حقها، ولم يبخسها منه شيئاً،

стр. 4003

تجدها في آية: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وآية: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وهذا إرشاد إلى الاحتياط في حفظ الحق؛ لتكون الشهادة سنداً عند التناكر في مجلس القضاء. وتجدها في حديث: "ألك بيّنة؟ "، وحديث: "شاهداك، أو يمينه" وحديث:؛ البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أَنكر". وقد تفقه أهل العلم في معنى البيّنة كل على حسب اجتهاده، وفسرها ابن قيم الجوزية في "إعلام الموقعين" (١) بأنها: اسم لكل ما يبين الحق؛ من شهود، أو دلالة، وقال: "إن الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه، وشواهد به". ثم قال: "إن الطرق التي يحكم بها الحاكم أوسع من الطرق التي أرشد الله صاحبَ الحق إلى أن يحفظ حقه بها (٢) ". وللحاكم النظر في قبول الشاهد وردّه، منحه هذا الحق قولُه تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. شهد عند إياس بن معاوية رجل من أصحاب الحسن، فرد شهادته، فبلغ الحسن، وقال: قوموا بنا إليه، فجاء إلى إياس، وقال: يا لكع! ترد شهادة رجل مسلم؟! فقال: نعم، قال الله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، وليس هو ممن أرضى، فسكت الحسن وقال: خصم الشيخ" (٣).

стр. 4004

ومما يتصل ببحث الاعتماد على البيّنة: أن القاضي لا يستند إلى ما يعلم في القضية، ومن شواهده حديث: "فأقضي له على نحو ما أسمع"، ولهذه الحكمة نصّ الفقهاء على أن القاضي الذي تقدم إليه بيّنة بخلاف ما يعلم من حال القضية، ولم يجد طريقاً واضحاً للقدح في شهادتها، تخلى عن الحكم فيها؛ كما يتخلى عن الحكم في قضية يكون هو نفسه أحد الخصمين مدعياً أو مدعى عليه، ويصبح بين يدي من يكلَّف للقضاء فيها كشاهد بما يعلم دون أن يكون لمنصبه القضائي في النازلة أثر كثير أو قليل. وأما قوة العزم في الفصل والتنفيذ، فمن شواهدها حديث: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها"، وحديث: كان ليهودي على ابن أبي الحدرد أربعة دراهم، فاستعدى عليه رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد! إن لي على هذا أربعة دراهم، وقد غلبني عليها. فقال: "أعطه حقه"، فقال: والذي بعثك بالحق! ما أقدر عليها، قال: "أعطه حقه"، قال: والذي بعثك بالحق! ما أقدر عليها، قال: "أعطه حقه". وكان النبي ﷺ إذا قال ثلاثاً، لم يراجع، فخرج ابن أبي الحدود، فباع بردة له، وقضاه حقه (١). وأما إطلاق الحرية للخصوم، فشاهده حديث البخاري: أن رجلاً أتى النبي ﷺ يتقاضاه، فأغلظ له، فهمَّ به أصحابه، فقال: "دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالاً". ولتجدن في الكتاب والسنّة بعد هذا: إرشاداً إلى سنن أخرى لا يستقيم حال القضاء إلا بها، فتجد التنبيه على أن القاضي لا يفصل في القضية حتى

стр. 4005

يسمع من الخصمين، في حديث: "لا تقض بين الخصمين حتى تسمع من الآخر" (١). ومن الفقهاء من حمل الحديث على إطلاقه، ومنهم من حمله على حالة إمكان حضور الخصمين، وأجاز الحكم على من كان في غيبة بعيدة. وتجد: الدليل على اكتفاء الحاكم بترجمة واحد أمين، في حديث زيد بن ثابت إذ أمره النبي ﷺ أن يتعلم كتاب اليهود، قال: "حتى كتبت للنبي ﷺ كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه" (٢). وتجد: الحبس للتهمة وارداً فيما "رواه أَبو داود، وأحمد، وغيرهما: أن النبي ﷺ حَبس في تهمة"، فمن "أطلق كل متهم ... وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل، فقوله مخالف للسياسة الشرعية" (٣). وتجد: الإرشاد إلى ما ينبغي للحاكم من بيان موجبات الحكم -حيثياته-؛ ليطمئن نفس المحكوم عليه، ويسلّم تسليماً، تجده في سيرة النبي ﷺ ؛ فإن قضاءه في نفسه حجة، ومع هذا كان يذكر علل بعض الأحكام القضائية؛ لطرد الشبهة، وإزاحة الحرج من قلب المقضي عليه؛ كحكمه على من عضَّ يد آخر بإهدار ثنيته لما سقطت بانتزاغ المعضوض يدَه من فيه، وقال للمحكوم عليه: "أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضمها الفحل" (٤). وتجد في حديث: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو رد" ما يرشد إلى أن الحكم الذي يظهر على خلاف الأصول القاطعة يتحتم نقضه، ثم

стр. 4006

يُستأنف النظر في القضية على طريق الاجتهاد الصحيح. وتجد: الإرشاد إلى أن الحاكم لا يقبل الشفاعة في إسقاط الحدود بعد أن ترفع إليه. لأن قبول الشفاعة فيها يخفف الرهبة من سطوتها، ويفتح طريقاً لسهولة ارتكاب الفواحش والموبقات؛ حيث يعتمد المجرمون على شفاعة تنقذهم من عقوبتها، تجد هذا في قصة أسامة بن زيد حين تقدم إلى رسول الله ﷺ شافعاً في امرأة مخزومية وقعت في سرقة، فقال له: "أتشفع في حد من حدود الله؟! " (١)، وخطب خطبته التي قال فيها: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها". يقصد الشارع إلى تنقية القلوب من دنس التقاطع والبغضاء، وفصلُ الخصومات فريضة محكمة، وصولة يخرّ لها الباطل صعقاً، ولكنه لا ينزع الأضغان الواغرة في الصدور، فدخل في سنّة القضاء: دعوة الخصوم إلى الصلح، حتى إذا طابت نفوسهم لذلك، تبلج وجه الحق، وانقلبت العداوة إلى تآلف وصفاء، ومن الدليل على أن الإصلاح بين الخصوم من أدب القضاء: حديث كعب بن مالك، (٢) وهو: "أنه تقاضى ابن حدرد ديناً كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سَجْف حجرته، فنادى: يا كعب! قال: لبيك يا رسول الله، فأومأ إليه؛ أي: الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: قم فاقضه" (٣).

стр. 4007

ولذلك يقول عمر بن الخطاب ﵁: "رددوا الخصوم حتى يصطلحوا؛ فإن فصل القضاء يحدث يين القوم الضغائن" (١). والمراد من ترديد الخصوم: التمهل قليلاً حيث يرجى فصل الواقعة، وطي بساطها على يد صلح وسلام. وتجد: الإرشاد إلى أن المرأة لا يليق بها أن تنتصب للقضاء بين الخصوم؛ لأن القضاء يستدعي في أغلب أوقاته عزماً وإقداماً وجلادة، وللمرأة لين في القلب، ورقة في المزاج، وإحجام عن المواقف الخطرة، تجد ذلك في حديث: "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة". ونقل عن محمد بن جرير الطبري: "أنه يجيز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله -كما نقل عن أبي حنيفة- أنها تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم، أو الاستنابة في القضية الواحدة" (٢). وكان في حديث معاذ، وأبي موسى الأشعري مستند لأهل العلم في وضع السلطة القضائية في يد شخصين أو أشخاص، قال القاضي أَبو بكر بن العييي في كتاب "العارضة": "إرسال معاذ إلى اليمن مع أبي موسى الأشعري، واليمن قريتان أشركهما النبي فيهما، وأمرهما بأن ييسّرا ولا يعسّرا، ويبشّرا ولا ينفّرا، ويتطاوعا ولا يختلفا، فكان ذلك أصلاً في تولية أميرين وقاضيين مشتركين في الإمارة والأقضية، فإذا وقعت النازلة، نظرا فيها، فإن اتفقا على الحكم، وإلا تراجعا لقولٍ حتى يتفقا على الصواب، فإن اختلفا، رجع الأمر

стр. 4008

إلى من فوقهما، فينظر فيه، وينفذان ما اتفقا عليه، ولولا اشتراكهما، لما قال: "تطاوعا ولا تختلفا". واقتفى أثر هذا المنهج أمير تونس زيادة الله بن الأغلب (١)، فقلّد أسد ابن الفرات (٢)، وأبا محرز محمد بن عبد الله الكناني القضاء على أن يكونا شريكين في فصل النوازل، ولم يعلم قبلهما بالبلاد التونسية قاضيان في مصر (٣). هذه أمثلة اقتبسناها من تعاليم الإسلام؛ ليطلع القارئ الكريم على أن مبادئه القضائية واقعة من العدل موقع الروح من الجسد، وأن القضاء في عهد رسول الله ﷺ كان على سنّة مُحكمة، وإذا زعم منتمٍ للإسلام: أن نظماً يتطلبها العدل، أو يتوقف عليها حفظ الحق كانت مهملة في عهد النبوة، فإنه يقف له من التاريخ، ثم من مقام الرسالة مِدْرهٌ يطعن في زعمه، ويقيم الحجة على ريائه. * المالية في عهد النبوة: أموال الدولة بحكم الكتاب والسنّة: الصدقات، والجزية، والفيء، وخمس الغنيمة، وهي موارد بيت المال لعهد النبوة. أما الصدقات، فقد كان النبي ﷺ يستعمل عليها عمالاً بأحكامها؛ "إذ

стр. 4009

لا يستعمل رسول الله ﷺ إلا عالماً بما يستعمله عليه (١) "، ومن "المحال الباطل أن يستعمل النبي ﷺ من لا علم له" (٢). ولعلك تفقه بهذا: أن أخذها كان جارياً على حساب ونظام، ومما يعد في نظمها: ما فصلته الأحاديث من أحكامها؛ كبيان مقادير ما يؤخذ من كل صنف، وأن يأخذ من وسط المال، لا خياره، ولا رديه. أما مصرفها، فالأصناف الثمانية المنصوص عليها في آية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. وإنما اختلف الفقهاء في وجه صرفها، فقال الإمام الشافعي: (٣) لا بدَّ من قسمها على الأصناف الثمانية، وقال الإمامان مالك وأبو حنيفة: يجوز للإمام أن يصرفها في صنف واحد، أو أكثر من صنف، إذا رأى المصلحة قاضية بذلك، وعلى كل حال، فإن مصرفها لا يخرج عن الأصناف الثمانية، وهو مضبوط إما بتلك الأصناف المعدودة، أو بما تقتضيه المصلحة منها. وأما الجزية، وهي ما يؤخذ من المخالفين المقيمين تحت راية الإسلام، فالقرآن ذكرها بلفظ مجمل، فقال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ أي: يأتون بها طائعين لحكم الإسلام، وقد اختلف

стр. 4010

الفقهاء في تقديرها، وكثير منهم يذهب إلى أن تقديرها مفوّض إلى نظر الإمام، قال أَبو الوليد ابن رشد (١) في "بداية المجتهد" (٢): وهو الأظهر. ويؤيده: أن عمر بن الخطاب ﵁ وضع على أهل الشام من الجزية أكثر مما وضع على أهل اليمن، وعلل مجاهد هذا التفاوت بيسار أهل الشام (٣). وأما مصرفها، فإنها كسائر الفيء، وخمس الغنيمة، توضع في بيت المال، وتصرف إلى ذوي الحاجة، وفي وجوه المصالح العامة. كان النبي ﷺ يولّي على قبض المال عمالاً، وإذا قدموا به، حاسبهم على ما قبضوا، وما صرفوا، تجد هذا في حديث العامل الذي استعمله رسول الله ﷺ على صدقات بني سليم، وفي الحديث: "فلما جاء إلى النبي ﷺ ، وحاسبه" رواه الإمام البخاري في باب: محاسبة الإمام عمّاله، وقال الحافظ ابن حجر عند قوله: "وحاسبه": أي: على ما قبض وصرف (٤). فإذا كان المال المفروض على الأمة في عهد النبوة مقدراً، والعامل عليه عالماً، ومتى جاء به، يناقش الحساب على القبض والصرف، ثم يُنفق في وجوه المصالح بتدبير، فهل يصح بعد هذا أن يقال: إن المالية لذلك العهد لم يكن لها نظام؟!. فإن أراد المؤلف من النظام: أن يؤلف لها ديوان، قلنا: كان للنبي

стр. 4011

- ﵇ كتّاب معروفون، وهبهم لم يتقيدوا بمكان يختص بهم، ووقت يحدد لهم، فإن هذا وحده لا يسم المالية بوصمة الخلو من النظام. ورب تقييد يعد في بعض الأزمنة نظاماً، وهو في عصر آخر حيث لا تدعو إليه الحاجة عدمُ نظام. وموجز القول: أن نظام المالية لعهد الرسالة موافق لما تقتضيه حال ذلك العهد، ولقد كان المال يقبض بحق، ويصرف على وجه لا يدخله خلل، ولا يحوم عليه شطط، قال ابن خلدون في "مقدمته": "واعلم أن هذه الوظيفة -يعني: ديوان الأعمال والجبايات- إنما تحدث في الدولة عند تمكن الغلب والاستيلاء، والنظر في أعطاف الملك وفنون التمهيد، وأول من وضع الديوان عمر ﵁، يقال: لسبب مال أتى به أَبو هريرة ﵁ من البحرين، فاستكثروه، وتعبوا في قسمه، فسعوا إلى إحصاء الأموال، وضبط العطاء والحقوق، فأشار خالد بن الوليد بالديوان، وقال: رأيت ملوك الشام يدوّنون". فأنت ترى أن الحاجة إلى الديوان لم تعرض إلا في عهد الخليفة الثاني، وعندما حدثت الحاجة، وجد الخليفة من قاعدة رعاية المصالح ما يحثه على المبادرة إلى أن ينشئ الديوان، ويعين له من الكتّاب بمقدار ما تدعو إليه المصلحة. فإن كان المؤلف يذهب إلى أن المالية التي لم تتسع حتى تلجئ إلى إنشاء ديوان يحق له أن يصفها بعدم النظام، قلنا له: إن المقدار الذي تسمح به حالة الأمة لعهد النبوة كان يُستخلص بالقسطاط المستقيم، وينفق في سد الحاجات، وإعداد القوة ووسائل المنعة، وقد خاض رجال هذه المالية حروباً، فكانوا هم الغالبين، ولم يكونوا يوماً في حاجة إلى قرض داخلي أو خارجي، ولم يضعوا على رقاب الأمة ضرائب فادحة مثلما تصنع

стр. 4012

الدول ذات الدواوين الطويلة العريضة، فنحن نسميها مالية تؤخذ وتصرف بنظام، وللمؤلف الذي أشلى قلمه ليلغ في عرض الحكومة النبوية أن يسميها بما شاء. * لماذا لم يكن في عهد النبوة إدارة بوليس ؟ للحكومة مقومات: قانون يخضع له الجمهور، ورجال يقومون على تنفيذ هذا القانون، وأموال تقبض وتصرف في المصالح المشتركة، وقوة من الرجال والسلاح لدفاع العدو وكبح الثورة، وما عد هذا من المشروعات والنظم، فإنما يأتي على حسب تطور الزمان، وما يعرض من الحاجات. فإذا رأينا جماعة يمسكون بأيديهم قانوناً يحفظ الحقوق، ويوجد بينهم من ذوي الكفاية للقيام على تطبيق هذا القانون وتنفيذه عددٌ غير قليل، ويجبي إلى خزانتها العامة من الأموال ما يقوم بمرافق حياتها الاجتماعية، وتنهض لحمايتها أو حماية قانونها جنود تخوض مواقع الحروب بما استطاعت من قوة، صحّ لنا أن نقول: إن هذه الجماعة ذات حكومة، وربما كانت الحقوق فيها محفوظة، والأمن سائداً، وإن لم تكن بها إدارة بوليس، وكذلك كان حال جماعة المسلمين لعهد النبوة؛ بحيث لو وضعت في تلك المناطق الإسلامية دوائر بوليس، لم يصر الأمن فيها أمكن، ولا الحقوق أكثر صيانة، وإليك الحجّة والبيان: كانت حالة الأمة لعهد النبوة بالغة من الاستقامة إلى حيث تجدها في غنى عن دائرة محافظة أو "بوليس". وقد يقول الناشئ فى مدينة يجوس الشرطي خلالها، ويسيطر على كل شارع من شوارعها: كيف يحفظ النظام في جماعة لا يقوم على رؤوسها

стр. 4013

رجال يلبسون في الشتاء سواداً، وفي الصيف بياضاً (١)، ويعد كلمتنا مثلاً من أساطير الأولين، أو شهادة خطرت في موقف الدفاع عن أحكام سيد المرسلين، كلا، إن هي إلا حقيقة تسعدها الأدلة البينة، والتاريخ من ورائها شهيد. بقيت راية الإسلام مرفوعة على المدينة المنورة وما حولها نحو سبع سنين؛ إذ كان من المحتم على كل من يعتنق الإسلام من القبائل أن يهاجر إلى المدينة المنورة، ولا يقيم بين قوم لا يؤمنون، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]. والحكمة من تلك الهجرة: أن يتقوى بهم جانب الدين، وليخلصوا من البيئة المتعفنة؛ فإنها تذهب بالغيرة على الحق، وتلبس الوجوه رقعة الصفاقة، وربما سرى وباؤها إلى النفوس الضعيفة، فزلزل عقائدها، وأطفأ نور إيمانها. وفي السنة الثامنة من الهجرة فتحت مكة المكرمة، وأصبح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وقبائلَ، فقال النبي ﷺ عندئذٍ: "لا هجرة بعد الفتح". وولّى على جميع البلاد والقبائل أمراء، وبثّ فيهم معلمين للقرآن وأحكام الشريعة. وتوفي في السنة العاشرة للهجرة بعد أن فتحت مكة، وتجاوز حكم الإسلام المدينة المنورة إلى مكة والطائف واليمن وما داناها من البلاد. إذاً ننظر إلى حال المدينة المنورة مدة عشر سنين، وإلى حال غيرها من البلاد المدة التي أصبحت تحت حكم الاسلام لعهد النبوة، وهي السنتان. هاجر النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، وهاجر لهجرته أصحابه الأكرمون،

стр. 4014

فانعقد بين المهاجرين والأنصار إخاء صادق، واتحاد متين، وكانت قلوبهم تفيض بتعاطف وتراحم بلغا حد الإيثار عن النفس، حتى قال الله تعالى في حق الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. إيمان راسخ، وأدب متين، هما أثر ما كانوا يشهدونه من دلائل النبوة، ويتلقونه من حكمة بالغة، وموعظة حسنة، وشأن الذين بلغوا في التعاطف إلى حد الإيثار على النفس أن تكون الحقوق بينهم محترمة، وشأن القوم الذين يبصرون نور النبوة صباحاً ومساءً، أن لا ترى لهم عيناً تطمح إلى هتك عرض، ولا يداً تمتد إلى الاعتداء على مال، ولا فماً ينطق بكلمة قذع أو فحشاء. وكان الذين يتقلدون الإسلام ديناً، يضعون أيديهم في يد رسول الله ﵇، ويبايعونه "على أن لا يشركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوا في معروف" (١). وقال عبادة بن الصامت: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنّا، ولا نخاف في الله لومة لائم (٢) ". ومن حديث جابر: "بايعت رسول الله ﷺ ، فاشترط عليَّ النصحَ لكل مسلم" (٣). ومن عرف أن هذه المبايعة من قبيل تأكيد العهد، ودرى كيف كان

стр. 4015

العرب يحترمون ما يؤخذ عليهم من ميثاق، أدرك ما لها من أثر في اتقاء المحارم، والكفّ عن كثير من المخالفات التي لا يتحاماها بعض أسارى الشهوات إلا إذا كانوا بمرأى من شرطي لا يمالئ على باطل، ولا يلوث يده بارتشاء. يُحتاج إلى الشرطي في قرية تفتح فيها حانات لتجرّع المسكرات، وبيوت يتجر فيها بنات الهوى بأعراضهن، ونواد يستباح بها لعب الميسر، ولكن المدينة المنورة، وكل بلاد فتحت لعهد النبوة، كانت طاهرة من حانات الخمور، نقية من بيوت الدعارة، سالمة من نوادي الميسر، خالصة من كل ما يثير العداوة والبغضاء. وللإيمان الصادق زاجر لا يعصى، وسلطان لا يرشى، وهو الذي يجعل الرجل خصيماً للمنكر، حليفاً للحق، وكذلك كان الناس في عهد النبوة، فكل مسلم بمنزلة شرطي أمين، يحاسب نفسه، ويغير المنكر بيده أو لسانه، ويجيب إلى التقاضي بين يدي رسول الله، أو أحد خلفائه، ويقيم الشهادة بالقسط، ولو على أبيه أو زوجه أو بنيه. كان في خلال الأمة المسلمة نفر من المنافقين، ولكنهم كانوا يصوغون مظاهرهم في أسلوب المؤمنين، ولمهارتهم في صناعة النفاق، قال الله تعالى يصفهم لنبيه الكريم ﵇: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]. ثم إن النبي ﷺ وخلفاعه كانوا يقيمون الحدود والزواجر بعزم تبيت له النفوس الكريمة مطمئنة، وترتعد له القلوب القاسية رهبة، ومتى علم المنافق أنه ملاحظ بأعين شُرَط لا يغيبون عن مشهد، وتيقن أنه مُساق إلى محكمة لا تأخذها في

стр. 4016

الحق لومة لائم، انصرف عن أهوائه خشية، وانكف عن الشر رياء وتصنعاً. فغلبة التقوى والتراحم بين الأمة، واعتقادُ كل واحد منها أنه مسؤول عما يشهد من إثم أو عدوان، واجراء الحدود والزواجر بعزم لا يعرف هوادة، كل ذلك مما امتاز به عهد النبوة، وجعل الناظر في التاريخ بقلب سليم يشعر بأن الناس لذلك العهد ليسوا في حاجة إلى أن يقوم على رؤوسهم رجال يقال لهم: الزبانية، أو البوليس. وقد أوجسنا خيفة بعد هذا أن ينظر المؤلف إلى كل ما يتصل بالحكومات الغربية أو الشرقية من نظام أو إدارة، ويتخذ عدم وجوده في عهد النبوة حجة على أن ليس هناك حكومة ونظام، حتى خشينا أن يسوق على هذا الغرض آيات بينات، وهي أنه لم يكن في عهد النبوة مجالس مختلطة، ولا صندوق دين عمومي، ولا أقلام تشفي غليل الإباحية بما تأذن به من تعاطي ما يدنس الأعراض، أو يفتك بالألباب. قال المؤلف في (ص ٤٥): "ومما يستأنس به في الموضوع: أننا لاحظنا أن عامة المؤلفين من رواة الأخبار يعنون -في الغالب- إذا ترجموا لخليفة من الخلفاء، أو ملك من الملوك، بذكر عماله من ولاة وقواد وقضاة إلخ، ويفردون له بحثاً خاصاً، يدل على أنهم عرفوا تماماً قيمة ذلك البحث من الجهة العلمية، فصرفوا من الجهد فيه والعناية به ما يناسبه، ولكنهم في تاريخ النبي ﷺ إن عالجوا ذلك البحث، رأيتهم يزجون الحديث فيه مبعثراً غير متسق، ويخوضون غمار ذلك البحث على نسق لا يماثل طريقتهم في بحث بقية العصور". أنكر المؤلف أن يكون لعهد النبوة حكومة ذات نظام، واستأنس لهذا؛

стр. 4017

بأن رواة الأخبار إذا ترجموا لملك أو خليفة، يفردون لولايته وقضاته بحثاً خاصاً، وإذا عالجوا مثل هذا البحث في تاريخ النبي ﷺ ، زَجُّوا الحديث مبعثراً غير متسق، ولا ندري كيف يتم له هذا الاستئناس، وما يدعيه من أنهم يزجّون الحديث مبعثراً، فقصارى ما يؤخذ منه: أنهم لم يجيدوا صنع التأليف في السيرة النبوية؛ إذ لم ينسجوا على المنوال الذي نسج عليه المؤرخون في تراجم الخلفاء والملوك، فإن قصد إلى أن عدم تنسيقها على الوجه المذكور يدل على عدم صحتها، قلنا: هذه دلالة خفيت على المناطقة حين قسموا الدلالة إلى: مطابقة، وتضمن، والتزام. المؤلفون في سنّة الرسول ﵇ وأحواله: محدّثون، وأصحاب سير، ومؤرخون. أما المحدّثون، فعنايتهم مصروفة إلى البحث عن أقوال الرسول ﵇، وأفعاله، وتقريره، وغايتهم الأولى: رواية الأحاديث التي يمكن أن يستمد منها أحكام شرعية، أو آداب نفسية، وهؤلاء إنما يذكرون اسم قائد، أو وال، أو قاض إذا جاء في رواية تتعلق بشيء من أقوال النبي ﷺ ، أو أفعاله، أو تقريره. وأما أصحاب السير، فإنهم يبحثون عن أحوال رسول الله ﷺ من يوم ولادته إلى يوم انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ويرتبون مؤلفاتهم ترتيباً طبيعياً، فيبتدئون بالحديث عن ولادته ﵇، ويتابعون البحث بمقدار ما وصل إليه علمهم، حتى أتوا على أيام قيامه بدعوة الرسالة، ثم هجرته إلى المدينة المنورة، ثم غزواته وسراياه، والوفود التي قدمت عليه، والرسل الذين وجههم إلى الملوك، ذلك كله مرتباً على حسب الأيام والسنين، ويذكرون

стр. 4018

لكل سرية قائدها، وإذا تحدثوا عن قوم اعتنقوا الإسلام، ذكروا من أمّر عليهم، أو عيّن عاملاً لقبض صدقاتهم. وجرى على طريقة أصحاب السير بعض المؤرخين؛ كابن جرير الطبري، وابن خلدون. وهل بعد أن يذكر رواة الأخبار عند كل سرية قائدها، حتى إنهم يضيفونها إليه، ويقولون: سرية فلان، يسوغ لأحد أن يدعي بأنهم يأتون بالكلام على القواد مبعثراً، ولذلك تجد منهم من يذكر الأمراء في نسق؛ كما صنع ابن خلدون في فصل عنوانه: "العمال على النواحي" (١). وأما القضاة، فقد عرفت أن الإمارة لذلك العهد يدخل فيها القضاء، والنظر في غيره من شؤون البلاد. * احتمال الأذى في سبيل الذود عن الحق: عرف المؤلف أنه سيتناول في الباب الثاني وما بعده بحثاً لا يمشي فيه على سبيل، ولا يتشبث فيه بأصل، وعرف أنه سيلقي من الشبه خيالات لا تسحر إلا أعين المتستضعفين علماً وعقيدة، وتيقن بالطبيعة أن العلماء الذين درسوا الشريعة بحق، ووقفوا على مقاصدها خبرة، سينكرون عليه بدعته، وينذرون الناس لكي يتقوا فتنته. عرف هذا وذاك، فأخذ يستعمل السلاح الذي أعده للدفاع عن رأيه المحال، وهو رمي المنكرين بالجمود. فقال في (ص ٤٧): "وأما ثانياً، فلأن المغامرة في بحث هذا الموضوع قد تكون مثاراً لغارة يشبّ نارها أولئك الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة، ليس للعقل أن يحوم حولها، ولا للرأي أن يتناولها".

стр. 4019

يريد المؤلف بهذه القذيفة إرهاب أهل العلم؛ ليحجموا عن نقض اَرائه حذراً من وصمة الجمود، وينوي مع هذا استدراج ضعفاء الأحلام إلى اعتناق مذهبه؛ إذ يريهم أنه مذهب الباحث بقريحة مرنة، ونظر مستقل. ألا إن أهل العلم لا يرهبون، وذوي الفطرة السليمة لا يفتنون، وإن سرّه أن يخبّ في أثره قوم لا يبصرون، فإن الفرق التي لا تتقلد الإسلام ديناً ليسوا بقليل. إن في العالم الإسلامي علماء شبّوا على حرية الفكر، وإطلاق العقل من وثاق التقليد الأصم، فهم لا يكرهون لذوي الألباب أن يبحثوا حتى في أصل العقائدإ وجود الخالق"، وهم لا يستطيعون أن يحولوا بين المرء وما يعتقد من باطل، وليس في أيديهم سوى مقابلة الآراء بما تستحقه من تسليم أو تفنيد. وهل يرجو المؤلف من أمثال هؤلاء أن تقع أبصارهم على كتاب ينطوي على آراء تضع مكان الإيمان حيرة، ومكان التقوى فسوقاً، ومكان إباية الضيم ذلة، ثم يمرون عليه مرور الجاهل بسوء عاقبتها؟ فلا وربّك لا يدَعون وباءها يتفشى في النفوس الزكية، والقلوب السليمة، وإن امتلأت الدنيا ألسنة تصفهم بالجمود، وتلقبهم بالحجارة، أو بما هو أشد قسوة. ...

стр. 4020

البَابُ الثَّاني الرسالة والحكم * ملخصه: افتتح الباب بتهوين البحث في أن الرسول ﷺ كان ملكا أم لا، وأخذ يستدرج القارئ إلى رأيه الصريح من بعد، ويخيل له أن الاعتقاد بأحد الطرفين- كونه رسولاً وملكاً، أو ملكاً فقط - ليس بدعاً في الدين، ولا شذوذاً عن مذهب المسلمين، ثم ذكر أن الرسالة غير الملك، وأن من الرسل من لم يكن ملكاً، وقال بعد هذا في صورة سائل: هل كان محمد ﷺ ممن جمع الله له بين الرسالة والملك، أم كان رسولاً غير ملك؟ وادعى أنه لا يعرف لأحد من العلماء رأياً صريحاً في هذا البحث، واستنتج أن المسلم العامي يجنح غالباً إلى اعتقاد أن النبي ﷺ كان ملكاً ورسولاً، وأنه أسس بالإسلام دولة سياسية. ثم قال: ولعله رأي جمهور العلماء، وساق عليه كلام ابن خلدون، وما نقله رفاعة بك من كتاب "تخريج الدلالات السمعية عن الوظائف والعمالات التي كانت قائمة في عهد النبوة". ثم أخذ يمر بالقارئ على شعاب من التشكيك، فذكر أن في الحكومة النبوية بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكم السياسية، وتعرض لمسألة الجهاد، ورأى أن من الظاهر لأول وهلة أن الجهاد إنما يكون لتثبيت السلطان، وتوسيع الملك. وعلّل هذا بأن دعوة الدين لا قوام لها إلا البيان، وتحريك

стр. 4021

القلوب بوسائل التأثير والإقناع. وضرب مثلاً آخر لمظاهر الدولة، وهو جمع المال من مثل: الزكاة، والجزية، والغنائم، وقال: لا شك أن تدبير المال عمل ملكي، وأنه خارج عن وظيفة الرسالة من حيث هي، وعزّز مسألتي الجهاد وجمع المال بثالث، وهو ما روي من أن النبي ﷺ وجّه إمارة اليمن، وفرّقها بين رجاله، وقال: من نظر إلى ذلك من هذه الجهة، ساغ له القول بأن النبي ﷺ كان رسول الله تعالى، وكان ملكاً سياسياً. وتخلص من هنا إلى أن تأسيسه ﷺ للمملكة الإسلامية خارج عن حدود رسالته، أم جزء مما بعثه الله به وأوحى به إليه؟. وزعم أن القول بأن المملكة النبوية عمل منفصل عن الرسالة، وأنها من قبيل العمل الدنيوي الذي لا علاقة له بها، ليس بكفر، ولا إلحاد، وصرح بأن الرأي الذي تتلقاه نفوس المسلمين بالقبول، هو أن المملكة النبوية جزء من عمل الرسالة، وقال: إن هذا الرأي لا يمكن تعقله إلا إذا ثبت أن الرسول مبلِّغ ومنفذ معاً، وبعد أن نقل كلام ابن خلدون المتضمن: أن الإسلام يجمع بين الدعوة والتنفيذ، ادعى أنه لم ير لهذا القول دعامة، وأنه لا يلتئم مع ما تقضي به طبيعة الدعوة الدينية. وخرج من هذا إلى مشكل آخر -فيما يزعم-, وهو: خلو الدولة السياسية النبوية من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم، ثم افترض جواباً، بل عذراً يقدمه إليه القائلون بأن من مقاصد الإسلام إقامة دولة، وهو أن للحكومة النبوية نظاماً بالغاً، وإحكاما سابغاً، ولكننا لم نصل إلى علم التفاصيل الحقيقية. ورده: بأن احتمال الجهل ببعض الحقائق لا يمنعه من الوثوق بما علم، واعتباره حقائق يبني عليها الأحكام، ويستخلص منها النتائج. ثم

стр. 4022

التمس لعلماء الإسلام جواباً آخر، وهو أن ما نسميه اليوم: أركان الحكومة، وأنظمة الدولة، إنما هي أوضاع مصنوعة، والحكومة النبوية حكومة الفطرة التي ترفض كل تكلف، ورده: بأن كثيراً مما استحدث في أنظمة الحكم ما ليس متكلفاً ولا مصنوعاً، وهو مع ذلك ضروري ونافع، ثم أغلق الباب بوعد أنه سيلتمس وجهاً آخر لحل ذلك الإشكال، وهو ما عرج عليه في الباب الثالث. * النقض: رفع المؤلف الحرج على الباحث في أن النبي ﷺ هل كان ملكاً أم لا؟ ونفى أن يكون هذا البحث ذا خطر في الدين يخشى شره على إيمان الباحث، وأفتى بأنه لا يمس شيئاً من جوهر الدين، ولا أركان الإسلام. ثم قال في (ص ٤٩): "وربما كان ذلك البحث جديداً في الإسلام، لم يتناوله المسلمون من قبل على وجه صريح، ولم يستقر للعلماء فيه رأي واضح، وإذا، فليس بدعاً في الدين، ولا شذوذاً عن مذاهب المسلمين، أن يذهب الباحث إلى أن النبي ﷺ كان رسولاً وملكاً، وليس بدعاً ولا شذوذاً أن يخالف في ذلك مخالف، فذلك بحث خارج عن دائرة العقائد الدينية التي تعارف العلماء بحثها، واستقر لهم فيها مذهب، وهو أدخل في باب البحث العلمي منه في باب الدين". لو كان المؤلف يبحث بحكمة وإخلاص، لافتتح البحث ببيان ماذا يريد من الملك؟ وأخذ يفتح عين القارى" فيما تقتضيه الأدلة من ثبوت حقيقته في تصرف النبي ﵇ أو عدم ثبوتها، ولكنه علم أن دخوله في الموضوع من طريق الصراحة يرفع الستار عن طويته، فيأخذ المسلمون منه حذرهم،

стр. 4023

ويسهل على أهل العلم تحديد آرائه وطعنها بالحجّة في نحورها، لذلك اختار لفظ: ملك، وهو اسم لم يألف المسلمون إطلاقه على رسول الله ﷺ ؛ ليمكنه أن ينفي تحت اسمه ما شاء من حقائق شرعية، دون أن يحس السذج بما يقصده من إنكار مزايا الإسلام، وهدم كثير من أصوله. ونحن لا نتقدم إلى الخوض في هذا البحث، إلا بعد رسم حقيقة الملك ؛ حتى يمتاز المعنى الذي يلتئم بالرسالة من المعنى الذي لا يليق بمقامها الرفيع. * الملك: المُلْكُ رياسة يتصرف بها صاحبها في أمور الجمهور أمراً ونهياً وتنفيذاً، فإن كان التصرف قائماً على سنن العدل، ومقتضى المصلحة، كان الملك مقاماً محموداً، ومرتقى شريفاً، وهذا هو الذي يهبه الله لعباده المصطفين؛ كما قال الله تعالى مخبراً عن نبيه سليمان ﵇: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]. وقال تعالى مخبراً عن يوسف الصديق ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١]. وإن كان التصرف جارياً مع الأهواء، جامحاً عن سنن الهوى، كان الملك مظهراً ممقوتاً، ومهبط خسر وشقاء، وهذا الصنف من الملك هو الذي يتنزه عنه أنبياء الله، ولا يصح أن يجتمع مع الرسالة بحال. وإذا كان المراد من الملك: سياسة الرعية، وتدبير شؤونها، كانت السياسة نوعين: عادلة، وجائرة؛ فكان السياسة العادلة هي التي يجيء بها الرسل ﵈، وهي التي يعنيها المسلم إذا قال: إن الرسول كان

стр. 4024

ماسكاً بزمام السياسة، وإنما تحامى الناس أن يطلقوا على رسل الله لقب ملك؛ لأن لقب الرسول أرفع اسماً، وأدل على العدل من لقب ملك الذي ينادي به كل سائس، وإن كان مستبداً مترفاً. ونحن نجاري المؤلف في هذا الصدد، ولا نريد من اسم الملك -متى وصفنا به مقام الرسالة- إلا الرياسة السياسية التي يحاولها بالرغم من حجج تصيح به أنّى التفت، وهو متصامم عنها تصامم المفتون بأحدث "ما أنتجت العقول البشرية". * الرسول ﵇ ذو رياسة سياسية: يقول المؤلف: "إن البحث في أن الرسول ﵇ كان ملكاً، أم لا؟ بحث جديد في الإسلام". وهذا لا يصح إلا إذا عنى بالبحث: نفي أن يكون للرسول ﵇ رياسة سياسية؛ فإن البحث في ذلك على وجه الإنكار بحث مختلق في الإسلام، وأما كون الرسول ذا رياسة سياسية، فأمر تقرر بالكتاب والسنّة المتواترة، وتناوله المسلمون من قبل على وجه صريح، واستقر للعلماء فيه رأي واضح. أما الكتاب، فمن آياته الكثيرة في هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وأما السنّة، فمن شواهدها: أقضيته ﷺ ، وإقامته الحدود على مثل: الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وإرساله الأمراء في طول البلاد المفتوحة وعرضها. وأما اعتقاد العلماء قاطبة بأنه ﵇ كان رسولاً نبياً، ومشرّعاً سياسياً، فدليله: إجماعهم على الاستدلال بأقضيته وأحكامه وسائر تصرفاته

стр. 4025

العائدة إلى شؤون الدولة، إلا ما كان منوطاً بعلّة، فزالت، وخلفتها فيه علة أخرى، على ما سنبينه في غير هذا المقام بياناً شافياً. فاستخفاف المؤلف بذهاب الباحث إلى أن النبي ﷺ لم يكن رسولاً ملكاً، وقوله: إن ذلك ليس بدعاً في الدين، ولا شذوذاً عن مذاهب المسلمين، ما هو إلا افتيات على الإسلام، ومن ذهب إلى أن الرسول لم يكن مدبراً لشؤون السياسة، فقد نبذ كتاب الله وراء ظهره، وشاقق الرسول، واتبع غير سبيل المؤمنين. * بحث في (أعطوا ما لقيصر لقيصر): ذكر المؤلف أن الرسالة غير الملك. ثم قال في (ص ٤٩): "ولقد كان عيسى بن مريم ﵇ رسول الدعوة المسيحية، وزعيم المسيحيين، وكان مع هذا يدعو إلى الإذعان لقيصر، ويؤمن بسلطانه، وهو الذي أرسل بين أتباعه تلك الكلمة البالغة: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" وكان يوسف بن يعقوب ﵇ عاملاً من العمال في دولة الريان بن الوليد، فرعونِ موسى، ومن بعده كان عاملاً لقابوس ابن مصعب". أتى المؤلف بهذه المقدمة ليضع في ذهن القارئ تمثيل رسول الإسلام بعيسى ويوسف ﵉ في أن كلاً منهم لم يكن صاحب دولة، ولا رئيساً أعلى في السياسة. والذي يبطل هذا التمثيل: أن رسول الإسلام لم يدعُ إلى الإذعان لقيصر، ولا كان عاملاً للمقوقس (١) صاحب مصر، بل

стр. 4026

دعاهما إلى الإيمان به، والدخول تحت سلطانه، وقد شاء ربك أن يكون انقراض دولتهما، ودخولُ مملكتهما تحت راية الإسلام على يد أحد خلفائه الراشدين. لم يرض محمد بن عبد الله ﵇ أن يقيم تحت سلطان غير سلطان الله، ولم يرض لمعتنقي دينه الحنيف أن يستكينوا لسلطة غير إسلامية، وفرضُ الهجرة والجهاد على ما نقول شهيد. وما ينبغي للمؤلف أن يحشر في غضون كتابه مثل هذه الكلمة التي تقضي حاجة في نفس المخالف المتغلب، وتبقي في النفوس أثر الاستكانة إلى أي يد تقبض على زمامها. ولقد قلنا فيما سلف: إن هذه المقالة التي يعزوها إلى المسيح ﵇ لا تجد في المناظرة أذناً صاغية؛ إذ لم نعلم السند الذي ينتهي بها إلى المسيح ﵇، علاوة على أن الإسلام شرع الهجرة والجهاد، وأبى لأتباعه إلا أن يلوذوا بالمنعة والعزّة التي ليس بعدها مرتقى. قال المؤلف في (ص ٥٠): "فهل كان محمد ﷺ ممن جمع الله له بين الرسالة والملك، أم كان رسولاً غير ملك؟ لا نعرف لأحد من العلماء رأياً صريحاً في ذلك البحث، ولا نجد من تعرض للكلام فيه بحسب ما أتيح لنا، ولكنا قد نستطيع بطريق الاستنتاج أن نقول: إن المسلم العامي يجنح غالباً إلى اعتقاد أن النبي ﷺ كان ملكاً رسولاً، وأنه أسس بالإسلام دولة سياسة مدنية كان هو ملكها وسيدها". إن كانت لكتاب المؤلف مزية، فهي أنه يعلّم الناس كيف يتنكرون لما عرفوا، وكيف يتخذون من الصفاقة برقعاً كثيفاً، رأى أهلَ العلم يتحامون

стр. 4027

أن يلقبوا الرسول ﵇ بالملك، أو يسمّوا رياسته ملكاً، فاتخذ ذلك ذريعة لما يخادع به قراء كتابه من أن المسألة صالحة لأن تدخل تحت طائلة البحث، وأنه ما وجد فيها للعلماء رأياً صريحاً، ولا وجد من تعرض للكلام فيها. لم يخطر على بال أولئك العلماء أن الأيام سيجيئها المخاض، فتضع في بيوت المسلمين وليداً يقال له: "كتاب الإسلام وأصول الحكم" حتى يُعِدّوا له ما استطاعوا من التصريح بأن الرسول ﵇ كان ملكاً، وأن بجانب نبوته سياسة يقال لها: ملك. ولا أدري لماذا لم تخطر على بالهم هذه النادرة، وهم كثيراً ما يفصلون أحكاماً لصور لم تجر العادة بوقوعها، ولعلهم لم يذهلوا عن مثلها، ولكنهم حسبوا أن القرآن والسنّة النبوية المتواترة، وبحثهم في الخلافة صريحة في أن للنبي رياسة سياسية، وأن هذه الصراحة تمنع من ينتمي للإسلام -وهو يحمل قلباً يفقه- أن يقول: لا نعرف لأحد من العلماء رأياً صريحاً في ذلك البحث، ولا نجد من تعرض للكلام فيه. على أن العلماء يتعرضون لهذه الرياسة السياسية في بحث الخلافة، وفي غير بحث الخلافة، ولم يفتهم إلا أن يسمّوها: ملكاً، واختاروا أن يسموها: القضاء والإمامة؛ كما صنع الإمام شهاب الدين القرافي في: الفرق السادس والثلاثين (١). بين قاعدة تصرفه ﷺ بالقضاء، وبين قاعدة تصرفه بالفتوى، وبين قاعدة تصرفه بالإمامة.

стр. 4028

ومن حذقِ المؤلف في الخلابة (١) أن جعل كون النبي ﵇ ذا رياسة سياسية، مما يعتقده المسلم العامي، قال هذا، وهو إنما يقصد تنفير قارئ كتابه من أن يكون بمنزلة العامة حيث يشاركهم في هذه العقيدة. قال المؤلف في (ص ٥٠): "ولعله أيضاً هو رأي جمهور العلماء من المسلمين، فإنك تراهم إذا عرض لهم الكلام في شيء يتصل بذلك الموضوع، يميلون إلى اعتبار الإسلام وحدة سياسية، ودولة أسسها النبي ﷺ ، وكلام ابن خلدون ينحو ذلك المنحى؛ فقد جعل الخلافة التي هي نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا شاملةً للملك، والملك مندرج تحتها". يزعم المؤلف: أن العلماء لم يصرحوا بدخول الرياسة السياسية في وظيفة رسول الله ﷺ ، وإنما هو رأي العامة من المسلمين، وبعد أن فرغ من طريقته الشعرية، قال -كأنه لا يزال في تردد من كونه رأي أهل العلم -: ولعله أيضاً هو رأي جمهور أهل العلم ... إلخ. يؤكّد لك أن المؤلف اتخذ من اسم "ملك" نافقاء (٢) يخرج منها إلى حيث يشاء: أنه قرأ ما يقوله العلماء في الخلافة من أنها نيابة عن الرسول ﵇ في إقامة الدين وسياسة الدنيا، ولم يأخذ نفسه إلى الاعتراف بأن هذا صريح فيما يعتقدونه لمقام الرسالة من الرياسة السياسية، ونأى بجانبه عن هذا كله؛ حيث لم ينطقوا بكلمة: مُلْك، أو مَلِك، وإنما تعرض

стр. 4029

لكلام ابن خلدون على وجه خاص؛ لأنه ذكر اسم ملك، وقال؛ إن الملك مندرج في الخلافة. قال المؤلف في (ص ٥٢): "ولا شك في أن الحكومة النبوية كان فيها بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة، وآثار السلطنة. وأول ما يخطر بالبال مثالاً من أمثلة الشؤون الملكية التي ظهرت أيام النبي ﷺ : مسألة الجهاد". ليس المؤلف بالغبي لحد أن تظهر عنه هذه الكلمات دون أن ينتبه لما تنطوي عليه من مغامز، ولعله عدل عن التعبير الذي يألفه ذوق المسلم إلى هذا الأسلوب الغريب؛ ليكون في لحنه خطاب لقوم آخرين، حتى إذا خلا بعضهم إلى بعض، تناولوه بشرح تشمئز منه قلوب "الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة". استكثر المؤلف على الحكومة النبوية أن يكون لها ولو بعض مظاهر الحكومة السياسية، ولم يسمح قلمه الهمّاز إلا أن يجعل لها بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة السياسية. وساق الجهاد مثلاً لهذا البعض الشبيه بمظاهر السياسة، واختار هذه الصيغة: "ظهرت أيام النبي ﷺ مسألة الجهاد"، كأنه يتجنب الكلمة التي يشتم منها رائحة التشريع؛ محافظة على ذلك "المجال المشتبه الحائر"، وليبعد بذهن القارئ عن الاعتقاد بأن الجهاد تنزيل من حكيم حميد. * الجهاد النبوي: قال المؤلف في (ص ٥٢): "وظاهر أول وهلة أن الجهاد لا يكون لمجرد الدعوة إلى الدين، ولا لحمل الناس على الإيمان بالله ورسوله، وإنما يكون

стр. 4030

الجهاد لتثبيت السلطان، وتوسيع الملك". قام النبي ﵊ بمكة يجاهد في سبيل ربه بالحجّة والموعظة الحسنة، ولاقى هو وأصحابه من أذية المشركين ما لا يحتمله إلا ذو عزم نافذ كفلق الصبح، وكانت الآيات تنزل لتسليتهم، ومطاردة ما عساه يعلق بنفوسهم من جزع أو أسى. وبعد أن امتحن الله قلويهم للتقوى، وتألّف حول مقام النبوة حزب لا يخنع للبأساء، ولا تستخفه السرّاء، طلعت بهم الهجرة الخالصة بين لابتي المدينة المنورة، وأصبحوا بين أقوام ينالونهم بالأذى، وآخرين يناصبونهم العداء، ومن هؤلاء من يتربص بهم الدائرة، ومنهم من يجمع أمره ليأخذهم على غرّة، ولكن الله سلَّم، إنه عليم بذات الصدور. هذا البلاء الذي كان يسطو حول الجماعة المسلمة، أو يتحفز للوثوب عليها، كان حكمة تناسب الإذن للرسول ﵊ بسلّ السيف في وجه عدوه الكاشح؛ ليدفع شره، ولتسير دعوة الحق في سبيل لا تعترضها عقبات المفسدين. لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراقَ على جوانبه الدمُ لذلك نزل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ﴿البقرة: ١٩٠]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿البقرة: ٢١٦]. فنهض النبي ﷺ يجاهد في سبيل حماية الدعوة كل خائن كفّار، وكان
следующие страницы →