دعاهما إلى الإيمان به، والدخول تحت سلطانه، وقد شاء ربك أن يكون انقراض دولتهما، ودخولُ مملكتهما تحت راية الإسلام على يد أحد خلفائه الراشدين.
لم يرض محمد بن عبد الله ﵇ أن يقيم تحت سلطان غير سلطان الله، ولم يرض لمعتنقي دينه الحنيف أن يستكينوا لسلطة غير إسلامية، وفرضُ الهجرة والجهاد على ما نقول شهيد. وما ينبغي للمؤلف أن يحشر في غضون كتابه مثل هذه الكلمة التي تقضي حاجة في نفس المخالف المتغلب، وتبقي في النفوس أثر الاستكانة إلى أي يد تقبض على زمامها.
ولقد قلنا فيما سلف: إن هذه المقالة التي يعزوها إلى المسيح ﵇ لا تجد في المناظرة أذناً صاغية؛ إذ لم نعلم السند الذي ينتهي بها إلى المسيح ﵇، علاوة على أن الإسلام شرع الهجرة والجهاد، وأبى لأتباعه إلا أن يلوذوا بالمنعة والعزّة التي ليس بعدها مرتقى.
قال المؤلف في (ص ٥٠): "فهل كان محمد ﷺ ممن جمع الله له بين الرسالة والملك، أم كان رسولاً غير ملك؟ لا نعرف لأحد من العلماء رأياً صريحاً في ذلك البحث، ولا نجد من تعرض للكلام فيه بحسب ما أتيح لنا، ولكنا قد نستطيع بطريق الاستنتاج أن نقول: إن المسلم العامي يجنح غالباً إلى اعتقاد أن النبي ﷺ كان ملكاً رسولاً، وأنه أسس بالإسلام دولة سياسة مدنية كان هو ملكها وسيدها".
إن كانت لكتاب المؤلف مزية، فهي أنه يعلّم الناس كيف يتنكرون لما عرفوا، وكيف يتخذون من الصفاقة برقعاً كثيفاً، رأى أهلَ العلم يتحامون
стр. 4027
أن يلقبوا الرسول ﵇ بالملك، أو يسمّوا رياسته ملكاً، فاتخذ ذلك ذريعة لما يخادع به قراء كتابه من أن المسألة صالحة لأن تدخل تحت طائلة البحث، وأنه ما وجد فيها للعلماء رأياً صريحاً، ولا وجد من تعرض للكلام فيها.
لم يخطر على بال أولئك العلماء أن الأيام سيجيئها المخاض، فتضع في بيوت المسلمين وليداً يقال له: "كتاب الإسلام وأصول الحكم" حتى يُعِدّوا له ما استطاعوا من التصريح بأن الرسول ﵇ كان ملكاً، وأن بجانب نبوته سياسة يقال لها: ملك.
ولا أدري لماذا لم تخطر على بالهم هذه النادرة، وهم كثيراً ما يفصلون أحكاماً لصور لم تجر العادة بوقوعها، ولعلهم لم يذهلوا عن مثلها، ولكنهم حسبوا أن القرآن والسنّة النبوية المتواترة، وبحثهم في الخلافة صريحة في أن للنبي رياسة سياسية، وأن هذه الصراحة تمنع من ينتمي للإسلام -وهو يحمل قلباً يفقه- أن يقول: لا نعرف لأحد من العلماء رأياً صريحاً في ذلك البحث، ولا نجد من تعرض للكلام فيه.
على أن العلماء يتعرضون لهذه الرياسة السياسية في بحث الخلافة، وفي غير بحث الخلافة، ولم يفتهم إلا أن يسمّوها: ملكاً، واختاروا أن يسموها: القضاء والإمامة؛ كما صنع الإمام شهاب الدين القرافي في: الفرق السادس والثلاثين (١). بين قاعدة تصرفه ﷺ بالقضاء، وبين قاعدة تصرفه بالفتوى، وبين قاعدة تصرفه بالإمامة.
стр. 4028
ومن حذقِ المؤلف في الخلابة (١) أن جعل كون النبي ﵇ ذا رياسة سياسية، مما يعتقده المسلم العامي، قال هذا، وهو إنما يقصد تنفير قارئ كتابه من أن يكون بمنزلة العامة حيث يشاركهم في هذه العقيدة.
قال المؤلف في (ص ٥٠): "ولعله أيضاً هو رأي جمهور العلماء من المسلمين، فإنك تراهم إذا عرض لهم الكلام في شيء يتصل بذلك الموضوع، يميلون إلى اعتبار الإسلام وحدة سياسية، ودولة أسسها النبي ﷺ ، وكلام ابن خلدون ينحو ذلك المنحى؛ فقد جعل الخلافة التي هي نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا شاملةً للملك، والملك مندرج تحتها".
يزعم المؤلف: أن العلماء لم يصرحوا بدخول الرياسة السياسية في وظيفة رسول الله ﷺ ، وإنما هو رأي العامة من المسلمين، وبعد أن فرغ من طريقته الشعرية، قال -كأنه لا يزال في تردد من كونه رأي أهل العلم -: ولعله أيضاً هو رأي جمهور أهل العلم ... إلخ.
يؤكّد لك أن المؤلف اتخذ من اسم "ملك" نافقاء (٢) يخرج منها إلى حيث يشاء: أنه قرأ ما يقوله العلماء في الخلافة من أنها نيابة عن الرسول ﵇ في إقامة الدين وسياسة الدنيا، ولم يأخذ نفسه إلى الاعتراف بأن هذا صريح فيما يعتقدونه لمقام الرسالة من الرياسة السياسية، ونأى بجانبه عن هذا كله؛ حيث لم ينطقوا بكلمة: مُلْك، أو مَلِك، وإنما تعرض
стр. 4029
لكلام ابن خلدون على وجه خاص؛ لأنه ذكر اسم ملك، وقال؛ إن الملك مندرج في الخلافة.
قال المؤلف في (ص ٥٢): "ولا شك في أن الحكومة النبوية كان فيها بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة، وآثار السلطنة. وأول ما يخطر بالبال مثالاً من أمثلة الشؤون الملكية التي ظهرت أيام النبي ﷺ : مسألة الجهاد".
ليس المؤلف بالغبي لحد أن تظهر عنه هذه الكلمات دون أن ينتبه لما تنطوي عليه من مغامز، ولعله عدل عن التعبير الذي يألفه ذوق المسلم إلى هذا الأسلوب الغريب؛ ليكون في لحنه خطاب لقوم آخرين، حتى إذا خلا بعضهم إلى بعض، تناولوه بشرح تشمئز منه قلوب "الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة".
استكثر المؤلف على الحكومة النبوية أن يكون لها ولو بعض مظاهر الحكومة السياسية، ولم يسمح قلمه الهمّاز إلا أن يجعل لها بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة السياسية. وساق الجهاد مثلاً لهذا البعض الشبيه بمظاهر السياسة، واختار هذه الصيغة: "ظهرت أيام النبي ﷺ مسألة الجهاد"، كأنه يتجنب الكلمة التي يشتم منها رائحة التشريع؛ محافظة على ذلك "المجال المشتبه الحائر"، وليبعد بذهن القارئ عن الاعتقاد بأن الجهاد تنزيل من حكيم حميد.
* الجهاد النبوي:
قال المؤلف في (ص ٥٢): "وظاهر أول وهلة أن الجهاد لا يكون لمجرد الدعوة إلى الدين، ولا لحمل الناس على الإيمان بالله ورسوله، وإنما يكون
стр. 4030
الجهاد لتثبيت السلطان، وتوسيع الملك".
قام النبي ﵊ بمكة يجاهد في سبيل ربه بالحجّة والموعظة الحسنة، ولاقى هو وأصحابه من أذية المشركين ما لا يحتمله إلا ذو عزم نافذ كفلق الصبح، وكانت الآيات تنزل لتسليتهم، ومطاردة ما عساه يعلق بنفوسهم من جزع أو أسى.
وبعد أن امتحن الله قلويهم للتقوى، وتألّف حول مقام النبوة حزب لا يخنع للبأساء، ولا تستخفه السرّاء، طلعت بهم الهجرة الخالصة بين لابتي المدينة المنورة، وأصبحوا بين أقوام ينالونهم بالأذى، وآخرين يناصبونهم العداء، ومن هؤلاء من يتربص بهم الدائرة، ومنهم من يجمع أمره ليأخذهم على غرّة، ولكن الله سلَّم، إنه عليم بذات الصدور.
هذا البلاء الذي كان يسطو حول الجماعة المسلمة، أو يتحفز للوثوب عليها، كان حكمة تناسب الإذن للرسول ﵊ بسلّ السيف في وجه عدوه الكاشح؛ ليدفع شره، ولتسير دعوة الحق في سبيل لا تعترضها عقبات المفسدين.
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراقَ على جوانبه الدمُ
لذلك نزل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ﴿البقرة: ١٩٠]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿البقرة: ٢١٦].
فنهض النبي ﷺ يجاهد في سبيل حماية الدعوة كل خائن كفّار، وكان
стр. 4031
مع هذا العمل المطهِّر لوجه الأرض من نجس الشرك والعادات القاتلة للفضيلة، يعقد المعاهدات والمخالفات بينه ويين الأقوام المخالفين؛ حيث جنحوا إلى السلم، وأخذوا على أنفسهم أن لا يظاهروا عليه عدواً، وكان يفي بشرطهم، ويحترم عهدهم حتى تبدو منهم الخيانة، ويمدوا أيديهم إلى مساعدة أعدائه المحاريين. قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، وقال: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].
* الجزية:
وما برح ﷺ يقاتل محاربيه على مقتضى العدل والحزم إلى السنة الثامنة أو التاسعة من الهجرة (١)، فشرعت وقتئذٍ الجزية، ونزلت آية: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فكان ﵊ يقبل من أهل الكتاب الجزية، ويقرّهم في أمن على نفوسهم وأموالهم، وحرية من إقامة شعائر دينهم، وقبل الجزية من المجوس أيضاً، وقال: "سُنّوا بهم سنّة أهل الكتاب" (٢).
ومن أهل العلم من وقف في قبول الجزية عند حد ما ورد في الكتاب والسنّة، ومنهم من ذهب إلى أنها تقبل من كل مخالف، أياً كانت نحلته.
قال القاضي أَبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي": "قال ابن القاسم
стр. 4032
- صاحب الإمام مالك-: إذا رضيت الأمم كلهم بالجزية، قبلت منهم".
وقال ابن حجر في "الفتح" (١): "وقال مالك: تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد، وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشام".
* المخالفون أنواع ثلاثة:
وصار المخالفون بعد تقرير الجزية إلى أنواع ثلاثة: أهل عهد، وأهل ذمة، ومحاربين.
ومن تتبع سير الجهاد النبوي ينتزع منه أن النبي ﷺ كان يحمل المحاربين من مشركي العرب على الإسلام، أو السيف؛ إذ كان الفساد الذي ينشأ عن الوثنية والمزاعم المتفرقة عنها وباء يفتك بالعقول والأخلاق، ويفتح على الإنسانية ينبوع شر ليس له من آخر، وكان -مع هذا- ينهى عن قتل الشيوخ والأطفال والنساء، ويطلق سراح الأسرى، إما منّاً، وإما فداء. وبعد أن استقر الأمر على حكم قبول الجزية، أصبح الجهاد النبوي بعيداً عما يشبه أن يكون من مظاهر الإكراه في الدين، كما أنه لا يخطر على بال مسلم أن الجهاد النبوي إنما يكون لتثبيت السلطان وتوسيع الملك.
* سر الجهاد في الإسلام:
إذاً ما هي الغاية من الجهاد؟
الإسلام عقيدة وشريعة ونظام اجتماعي، فهو بالنظر إلى أصول العقائد التي هي باب الإيمان به إنما يدعى إليه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ إذ لا يمكن لبشر أن يُدخل في قلب بشر عقيدة إلا أن يقرنها بما يثبتها في النفس
стр. 4033
من برهان أو إقناع.
وأما الشرائع والنظم الاجتماعية، فإن التجربة في القديم والحديث دلت على أنها لا تقوم في أمة، ولا يطّرد نفاذها، إلا أن تكون شدة البأس بجانبها، والسيوف من ورائها، فلا بد للإسلام من دولة ذات شوكة؛ لتقوم على إجراء هذه الشرائع والنظم، وتحول بينها وبين قوم لا يبصرون.
ثم إن ظهور الحق بمظهر العزة والمنعة مما يجذب إليه النفوس، ويحبب إليها التقرب منه، وربما انقلبت إلى تأييده بعد أن كانت من خصومه الألداء، فلا بد أيضاً من بسط ظلّ الإسلام وإعلاء رايته على دائرة واسعة من البسيطة، حتى لا تكون فتنة، وحتى يدرك المخالفون الذين يقيمون تحت سلطانه أنه دين التوحيد الخالص، والشريعة القيمة، والآداب السامية، فيعتنقونه عن عقيدة صادقة، ونفس راضية، وكذلك كان أثر الجهاد في البلاد التي انقلبت إسلامية في عقائدها وآدابها وسائر شؤونها الاجتماعية.
* خطأ المؤلف في الاستدلال بآيات على أن الجهاد خارج عن وظيفة الرسالة:
قال المؤلف في (ص ٥٣): "وما عرفنا في تاريخ الرسل رجلاً حمل الناس على الإيمان بالله بحد السيف، ولا غزا قوماً في سبيل الإقناع بدينه، وذلك هو نفس المبدأ الذي يقرره النبي ﷺ فيما كان يبلغ من كتاب الله. قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢]، وقال: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ
стр. 4034
تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. تلك مبادئ صريحة في أن رسالة النبي ﷺ كرسالة إخوانه من قبل إنما تعتمد على الإقناع والوعظ".
من الجلي الواضح: أن الرسول لا يغزو قوماً في سبيل الإقناع بدينه؛ فإن للحجَّة عملاً لا يقوم به السيف، كما أن للسيف عملاً لا تنهض به الحجّة، فالحجّة تلج بالعقيدة إلى أعماق القلوب، وهذا عمل لا تنهض به السيوف وإن كانت مشرفية، ولا الرماح وإن كانت سمهرية، والسيف يحمل الناس على الشرائع واحترام النظم الاجتماعية، وهو عمل قد تذهب الحجّة دونه ضائعة، وإن لبست بردة الفصاحة من منطق سَحبان، أو قلم الفتح بن خاقان.
فالجهاد لا يقصد به نقل القلوب من الضلال إلى الهدى، وإشرابها الإيمان في الحال، وعدمُ إمكان هذا المعنى لا يمنع من أن يراد من الجهاد النبوي قبل شرع الجزية: كفُّ أذى القبائل المشركة العاثية في الأرض فساداً، وإلباسها ثوب الإسلام -ولو في الظاهر- لتدخل في نظام وشريعة، ويرجى منها بعد مشاهدة أنوار النبوة مرة بعد أخرى أن تدرك الحق حقاً، فينقلب جهلها علماً، ونفاقها إيماناً، وتستنير صدورها كما صلحت ظواهرها.
والجهاد لهذا القصد يلتئم مع قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فإن الجهاد الذي يساق به الوثنيون إلى الإسلام يقصد به: إصلاح ظواهرهم، والحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، يقصد به: إخراج القلوب من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان.
стр. 4035
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] إنما يفهم منه: إنكار أن يكون في استطاعة البشر إدخال الإيمان في القلوب بوسائل القسر والإكراه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠]، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] هما من الآيات التي كانت تنزل قبل مشروعية الجهاد؛ لتسلية النبي ﷺ حين يشتد به الحزن من إعراض المشركين عن سبيل الهدى، وتكاد نفسه الشريفة تذهب عليهم حسرات.
وقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦﴾ تتمشى مع شرع الجهاد أيضاً؛ إذ يجوز أن يكون المراد من الآية نفي أن يكون، في الدين إكراه من الله وقسر، بل مبنى الأمر على التمكين والاختيار، ولولا ذلك، لما حصل الابتلاء، ولبطل الامتحان، وإلى ذلك ذهب القفّال" (١). وإذا نظرنا إلى أن الآية نزلت بعد تقرير حكم الجزية، كان معنى الآية: "إنما هو لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية، ورضاه بحكم الإسلام" (٢).
فرسالة النبي ﷺ تعتمد على الحجة والإقناع والموعظة، وكانت تتخذ الجهاد دفعاً لأذى المشركين، وعوناً على بث الدعوة إلى رب العالمين.
* من مقاصد الإسلام: أن تكون لأهله دولة:
قال المؤلف في (ص ٥٣): "وإذا كان ﷺ قد لجأ إلى القوة والرهبة،
стр. 4036
فذلك لا يكون في سبيل الدعوة إلى الدين، وإبلاغ رسالته إلى العالمين، وما يكون لنا أن نفهم إلا أنه يكون في سبيل الملك، ولتكوين الحكومة الإسلامية، ولا تقوم حكومة إلا على السيف، وبحكم القهر والغلبة، فذلك عندهم هو سر الجهاد النبوي ومعناه".
من مقاصد الإسلام الأساسية: أن تكون لأهله دولة ليس لمخالف عليها من سبيل، ولم يكن المقتضى لإقامة هذه الدولة ما يخطر على طلاب الملك من التباهي بالرياسة، والتمتع بملاذ هذه الحياة، وإنما يقصد الإسلام من تأسيس الدولة الإسلامية أمرين:
أحدهما: إجراء أحكامه العادلة، ونظمِه الكافلة بسعادة الحياة؛ إذ لا يقوم عليها بحق إلا من آمن بحكمتها، وأشرب قلبه الغيرة على تنفيذها.
ثانيهما: الاحتفاظ بكرامة أوليائه، وإعزاز جانبهم؛ حتى لا يعيشوا تحت سلطة مخالف يدوس حقوقهم، ويرفع أبناء قومه أو ملته عليهم درجات.
فالنبي ﷺ إنما أقام الحكومة الإسلامية لهذين المقصدين اللذين يتجليان في كثير من الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨].
ولقد أقام النبي ﷺ حكومة رفعها المسلمون على رؤوسهم، وتلقوا تشريعها وتنفيذها بقلوبهم، والقوة والرهبة إنما كان يعدّها لمن يبدؤونه بالقتال، أو يبيتون المكيدة لأخذه على غرّة، أو يقفون في سبيل دعوته، ولم يجاهد في سبيل الملك قط، وإنما كان يجاهد لإذن الله في سبيل الله.
وقول المؤلف: "فذلك عندهم هو سر الجهاد النبوي ومعناه" إنما هو
стр. 4037
النافقاء يبنيها اليربوع، (١) حتى إذا حوصر من باب، خرج من آخر، وذهب بسلام، ولا ندري ماذا يريد بقوله: "عندهم"، والظاهر أنه لم يرد بذلك علماء الإسلام، فإنه قال في صدر الباب: إنه لا يعرف لأحد من العلماء رأياً صريحاً في بحث أن النبي ﷺ كان ملكاً أم لا. ولو قالوا: إن الجهاد النبوي كان في سبيل الملك، لكان هذا القول صريحاً في ذهابهم إلى أن النبي ﷺ كان ملكاً.
على أننا لا نعلم، ولا يمكن أن نعلم أن أحداً من علماء الإسلام يذهب إلى أن الجهاد النبوي كان في سبيل الملك، وكيف تصدق أن يذهب أحد إلى هذا السفساف، وأنت لا تتلو قرآناً أو حديثاً في الجهاد إلا وجدته يُصرح وُيرشد إلى أن يكون "في سبيل الله".
ثم أتى المؤلف بمثل آخر من أمثلة الشؤون الملكية، وهو ما كان في زمن النبي ﷺ من العمل المتعلق بالشؤون المالية من حيث جمع المال، وتوزيعه بين مصارفه.
ثم قال في (ص ٥٤): "ولا شك أن تدبير المال عمل ملكي، بل هو أهم مقومات الحكومات. على أنه خارج عن وظيفة الرسالة من حيث هي، وبعيد عن عمل الرسل باعتبارهم رسلاً فحسب".
الذي يعرفه رجال العلم: أن تحديد وظيفة الرسول يرجع إلى إرادة المرسل، فهو الذي يحد له العمل الذي يقوم به، ويبلغه عنه، ومعرفة أن هذا العمل داخل في وظيفة الرسول، إنما تتلقى من الأدلة السمعية التي
стр. 4038
يصدق بها المؤمنون برسالته.
إذاً، كل عمل يقوم الدليل على أن الرسول ﵇ فعله عن وحي، فهو داخل في وظيفته. ولا ريب في أن التدبير المالي الذي ذكره المؤلف كان النبي ﷺ يقوم به بأوامر إلهية؛ مثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ...﴾ [التوبة: ٦٠]. وهل -بعد هذا- ينشرح صدر مسلم لأن يقول: إن تدبير النبي ﵇ لأموال الزكاة والجزية وخمس الغنيمة بعيد عن عمل الرسل من حيث إنهم رسل؟!.
قال المؤلف في (ص ٥٥): "إذا ترجح عند بعض الناظرين اعتبار تلك الأمثلة، واطمأن إلى الحكم بأنه ﷺ كان رسولاً وملكاً، فسوف يعترضه بحث آخر جدير بالتفكير. فهل كان تأسيسه ﷺ للمملكة الإسلامية، وتصرفه في ذلك الجانب شيئاً خارجاً عن حدود رسالته ﷺ ، أم كان جزءاً مما بعثه الله له، وأوحى به إليه؟!.
نفث المؤلف كلمة الارتياب في أن للنبي ﵊ رياسة سياسية، وأفتى بأن إنكار ذلك لا يمس جوهر الدين، فصادمته أعمال من السيرة النبوية لا تصدر إلا ممن قبض على زمام السياسة، فأخذ يقلل من شأنها، ويسميها: "بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة".
ثم خشي أن لا يجد الارتياب إلى قلوب بعض القارئين منفذاً، فيخرجوا بضمائر طاهرة، فسولت له نفسه أن يهمس في آذان الذين اطمأنوا إلى الحكم بأنه ﷺ كان رسولاً ملكاً، ويفتنهم من ناحية أخرى، وهي: أن تأسيس النبي ﷺ للمملكة الإسلامية، وتصرفه في ذلك الجانب، هل كان خارجاً
стр. 4039
عن حدود الرسالة، أو كان جزءاً مما أوحي به إليه؟
قال المؤلف في (ص ٥٥): "فأما أن المملكة النبوية عمل منفصل عن دعوة الإسلام، وخارج عن حدود الرسالة، فذلك رأي لا نعرف في مذاهب المسلمين ما يشكله، ولا نذكر في كلامهم ما يدل عليه، وهو على ذلك رأي صالح لأن يذهب إليه، ولا نرى القول به يكون كفراً ولا إلحاداً".
كان المؤلف يرجو أن يجد في مذاهب المسلمين القول بأن المملكة النبوية عمل منفصل عن دعوة الإسلام، وخارج عن حدود الرسالة، ولكنه لم يعرف ما يشاكل ذلك، ولا يذكر في كلامهم ما يدل عليه، وأراد أن يجعل لهذا الرأي المنشق عن الآراء الإسلامية مكاناً في النظر، فشهد له بالصلاح لأن يكون مذهباً، وأذن للإيمان بأن يلتقي معه في نفس واحدة.
سبق للمؤلف آنفاً أن ذكر في الشؤون الملكية: الجهاد، والزكاة، والجزية، والغنائم، وساق الكلام فيها على أسلوب يخيل إلى القارئ أنها لم تجئ عن طريق الوحي، وإذ صرف قلمه عن آيات الجهاد، وآيات الزكاة والغنائم، بدا له أن المجال فسيح، وطفق يشهد للآراء المطوية على الكيد للإسلام باللياقة لأن تكون مذهباً.
تصرُّف النبي ﷺ في مثل الجهاد والزكاة والجزية والغنائم يستند إلى صريح القرآن، فلا مفر لمنكره من الوقوع في حمأ الإلحاد. ولا أراني في حاجة إلى نقل شيء من نصوص الراسخين في علم الشريعة وفتواهم؛ بأن من أنكر حقيقة معلومة من الدين بالضرورة، فقد انقلب على عقبه مدبراً عن الإسلام، ولا يحق له بعد ذلك الإنكار أن يتأثّم من المسلمين إذا طرحوه من حساب أولياء دينهم الحنيف.
стр. 4040
* تفنيد قول المؤلف: الاعتقاد بأن الملك الذي شيده النبي ﵇ لا علاقة له بالرسالة، ولا تأباه قواعد الإسلام:
قال المؤلف في (ص ٥٥): "لا يهولنك أن تسمع للنبي ﷺ عملاً كهذا خارجا عن وظيفة الرسالة، وأن ملكه الذي شيده من قبيل العمل الدنيوي الذي لا علاقة له بالرسالة، فذلك قول إن أنكرته الأذن , لأن التشدق به غير مألوف في لغة المسلمين، فقواعد الإسلام، ومعنى الرسالة، وروح التشريع، وتاريخ النبي ﷺ كل ذلك لا يصادم رأياً كهذا، ولا يستفظعه، بل ربما وجد ما يصلح له دعامة وسنداً، ولكنه -على كل حال- رأي نراه بعيداً".
قد عرفت -فيما سلف-: أن المؤلف يعني بالداخل في حدود الرسالة: ما تقرر بوحي، وبالخارج عنها: ما لم يكن كذلك. ومما هو صريح في هذا المعنى: قوله فيما نقلناه آنفاً: "وتصرفه في ذلك الجانب شيئاً خارجاً عن حدود رسالته، أم كان جزءاً مما بعثه الله به، وأوحى به إليه".
وبعد أن يريد بالخارج عن وظيفة الرسالة: ما لم يكن مستنداً إلى وحي، ويذكر من شؤون الملك: الجهاد والزكاة والجزية والغنائم، يقول: إن الاعتقاد بأن المملكة النبوية عمل منفصل عن دعوة الإسلام، وخارج عن وظيفة الرسالة، ليس بكفر ولا إلحاد، وأن معنى الرسالة وروح التشريع وتاريخ النبي ﷺ كل ذلك لا يصادمه، ولا يستفظعه، وتطاول بعد هذا إلى دعوى أنه يوجد ما يصلح له دعامة وسنداً.
لا يهول المسلم أن يسمع من مخالف أن عملاً كالجهاد والتصرف في شؤون الزكاة والجزية والغنيمة، كان النبي ﷺ يتولاه من نفسه دون أن يهبط عليه وحي بذلك؛ فإن المخالف لا يصدق بالقرآن، ولا يطمئن لإجماع،
стр. 4041
وإنما يهول المسلم أن يسمع رجلاً نبت في بيت إسلامي، وشبّ في معهد ديني، وهو يتشدق بهذا الرأي، رافعاً به عقيرته، شأن من لم يطرق أذنه أمثال قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وإذا كانت الشؤون الحربية والمالية والقضائية مما جاء به صريح القرآن، فأيّ شبهة تبقى بيد من يزعم من أن قواعد الإسلام، ومعنى الرسالة، وروح التشريع، وتاريخ النبي ﷺ ، لا تصادم القول بأن تأسيس المملكة خارج عن وظيفة الرسالة؟
ولا ندري ما هذا الأمر الذي يصلح أن يكون دعامة وسنداً لرأي لو علق طلاؤه بأذهان المسلمين، لنبذوا شطر كتاب ربهم، وسنّة رسولهم، وكانوا من القوم الذين خسروا أنفسهم وهم لا يشعرون!.
وقول المؤلف: "ولكنه -على كل حال- رأي نراه بعيداً" إنما هو النافقاء يبنيها عقب آراء يثيرها في وجه الحقيقة، ويقنع من أثرها بالتشكيك، ولو جاءت هذه الكلمة كما تجيء الكلمات التي تقتضيها طبيعة البحث، لنبه على وجه بُعده؛ كما أجمع أمرَه على تقريبه وتأييده.
* التنفيذ جزء من الرسالة:
تعرض المؤلف للقول بأن المملكة النبوية جزء من عمل الرسالة، متمم لها، وداخل فيها، وقال: ذلك الرأي الذي تتلقاه نفوس المسلمين
стр. 4042
فيما يظهر بالرضا.
ثم قال في (ص ٥٦): "ومن البين أن ذلك الرأي لا يمكن تعقله، إلا إذا ثبت أن من عمل الرسالة أن يقوم الرسول -بعد تبليغ الدعوة- بتنفيذها على وجه عملي؛ أي: أن الرسول يكون مبلّغاً ومنفذاً. غير أن الذين بحثوا في معنى الرسالة، ووقفنا على مباحثهم، أغفلوا دائماً أن يعتبروا التنفيذ جزءاً من حقيقة الرسالة، إلا ابن خلدون، فقد جاء في كلامه ما يشير إلى أن الإسلام دون غيره من الملل الأخرى قد اختص بأنه جمع بين الدعوة الدينية، وتنفيذها بالفعل".
يدع المؤلف دلائل الشريعة، ونصوص العلماء القائمة على أن التنفيذ جزء من وظيفة النبي ﷺ ، ويلقي قلمه في مهابِّ الشبه تخفق به من أمام إلى وراء، ومن اليمين إلى الشمال، يريد أن يتخذ من بحث أهل العلم في معنى الرسالة دليلاً على أن التنفيذ غير داخل في وظيفة سيدنا محمد ﵊، وقد حام على غير هدى، وتشبث بأوهى من عهد دولة استعمارية!
إن الذين يبحثون عن الحقائق العامة، إنما يشرحونها بالمعنى الذي تشترك فيه جميع أفرادها، وليس عليهم أن يتعرضوا لما يتصل بها من مقتضيات، أو ينضم إلى بعض أفرادها من مميزات، فإذا قالوا: "الرسول إنسان بعثه الله إلى الخلق لتبليغ الأحكام" (١)، فإنما أرادوا تحديد المعنى الذي يتحقق به مفهوم الرسالة، وهذا لا يمنع أن يكون في الرسل ﵈ من أوحي إليه بتنفيذ ما أمر بتبليغه، فيكون التنفيذ داخلاً في وظيفته،
стр. 4043
وكذلك كان التنفيذ للأحكام الشرعية داخلاً في وظيفة النبي ﷺ ، وملقى عليه عبئه الثقيل من طريق الوحي، فيصح أن يكون مميزاً من مميزات رسالته، وإن لم يكن جزءاً من المعنى الذي يحدون به الحقيقة العامة للرسالة.
بعد أن حكى المؤلف ما كتبه ابن خلدون في الفصل الذي تكلم فيه عن اسم البابا، والبطرك، والكوهن.
قال في (ص ٥٧): "فهو -كما ترى- يقول: إن الإسلام شرع تبليغي وتطبيقي، وإن السلطة الدينية اجتمعت فيه والسلطة السياسية، دون سائر الأديان". ثم قال: "لا نرى لذلك القول دعامة، ولا نجد له سنداً، وهو على ذلك ينافي معنى الرسالة، ولا يتلاءم مع ما تقضي به طبيعة الدعوة الدينية كما عرفت".
ادّعى المؤلف أنه لا يرى للقول بأن الإسلام شرع تبليغي وتطبيقي دعامة، ولا يجد له سنداً، وعزّز هذه الدعوى بكلمة لا يحتمل تبعتها المنطقية، إلا من شعر بأنه في بيئة تلذّ صرير الأقلام المحاربة لدين الحق، وأن دمرت منطق أرسطو، وطمست معالم الحكمة، وهي زعمه: أن ذلك القول ينافي معنى الرسالة، ولا يلتئم مع ما تقتضيه طبيعة الدعوة الدينية.
يقول المؤلف: لا نرى لذلك القول دعامة، وهذه كتب السنّة مملوءة بالأحاديث الصريحة في أنه ﵊ كان يأمر بالقاتل فيقتص منه، وبالسارق فتقطع يده، وبالزاني فيجلد أو يرجم، وبشارب الخمر فيضرب بالجريد أو النعال، وفي"صحيح البخاري": أنه قام ﵇ فخطب، فقال: "يا أيها الناس! إنما ضلّ من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف، تركوه، وإذا سرق الضعيف، أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن
стр. 4044
فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها"
زعم المؤلف أن ذلك القول ينافي معنى الرسالة، ولا يتلاءم مع مقتضى طبيعة الدعوة، وهذا الزعم ينافي الواقع، ولا يتلاءم مع ما تقضي به طبيعة البحث المنطقي.
أما منافاته للواقع، فإن الله تعالى أمر رسوله بإبلاغ الناس قوله تعالى: ﴿وَءَاتَوُاْ اَلزَّكوةَ﴾ [التوبة: ١١]، وقال له: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وأما عدم ملاءمته لمقتضى البحث المنطقي، فإن التنافي يرادف التناقض، والمعنى: أن القول بأن الإسلام تبليغي وتطبيقي يقتضي نفي معنى الرسالة، ومعنى الرسالة يقتضي نفيه، وهذا الحكم غير صحيح؛ إذ لا يصح إلا إذا كان في معنى التبليغ والتنفيذ ما يجعلهما متنافيين، والمعقول أنهما ليسا بمتنافيين، ولا أن الجمع بينهما يعود بخلل عليهما، أو على أحدهما، وهل من عقل يشعر بتناقض في قولك لشخص: بلغ بني تميم أن يتعلموا المنطق حتماً، ومن رأيته يخرج في كلامه عن قانون المنطق، فقوّمه بالتي هي أحكم، حتى تحمله على طريقة التفكير الصحيح.
* وجه قيام التشريع على أصول عامة:
قال المؤلف في (ص ٥٧): "إذا كان رسول الله ﷺ قد أسس دولة سياسية، أو شرع في تأسيسها، فلماذا خلت دولته إذن من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم؟ ولماذا لم نعرف نظامه في تعيين القضاة والولاة؟ ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى؟ ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه؟ ولماذا ولماذا؟! نريد أن نعرف منشأ ذلك الذي يبدو للناظر كأنه إبهام، أو اضطراب،
стр. 4045
أو نقص، أو ما شئت فسمّه، في بناء الحكومة أيام النبي ﷺ ، وكيف كان ذلك؟ وما سرّه؟ ".
ألقى المؤلف هذا الشبه، وهو يحسبها قذائف تهدم حصون الدولة الإسلامية، ولا إخالها تنشب بذهن مسلم وقف على شيء من حكمة التشريع، ووزن أقدار الصحابة ﵃ كل بالقسطاس المستقيم، وإن شئت جواباً قريب المأخذ، وجيزَ القول، فإليك الجواب:
عنيت الشريعة -في الأكثر- بتفصيل ما لا تختلف فيه مصالح الأمم، ولا يتغير حكمه بتغير الزمان والمكان، وذلك ما يرجع إلى العقائد والأخلاق ورسوم العبادات، ثم جاءت إلى قسم المعاملات والسياسات، فأتت على شيء قليل من تفاصيله، وطوت سائره في أصول عامة لحكم ثلاث:
إحداها: أن أحكام هذا القسم تختلف بحسب ما يقتضيه حال الزمان وتطور الشعوب، فإذا وقعت الواقعة، أو عرضت الحاجة، نظر العالم في منشئها، وما يترتب عليها من أثر، واستنبط لها حكماً بقدر ما تسعه مقاصد الشريعة ومبادئها العليا.
ثانيتها: أن وقائع المعاملات والسياسات تتجدد في كل حين، والنص على كل جزئية غير متيسر، علاوة على أن تدوينها يستدير أسفاراً لا فائدة للناس في كلفة حملها.
ثالثتها: أن الشريعة لا تريد أسر العقول وحرمانها من التمتع بلذة النظر والتسابق في مجال الاجتهاد.
فإذا كانت الأحكام والنظم تُفصل على ما يقتضيه حال الشعوب، وكانت وقائع المعاملات والسياسات لا تنقضي، وكان شارع الإسلام يراعي حق
стр. 4046
العقل، ولا يريد حصره في دائرة ضيقة، فهل من العقل أو من الصواب أن يقول قائل: لماذا لم يتحدث النبي ﷺ إلى رعيته في نظام الملك، وفي قواعد الشورى؟
إن هذا السؤال لا يصدر من سليم الطوية، إلا إذا فاته أن يدنو من روح التشريع، ولم يكن من أصول الدين على بينة، فإن الشريعة ترشد إلى المصالح، وتأمر بالقيام بها، ثم تترك وسائل إقامتها على الوجه المطلوب إلى اجتهادات العقول.
قال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات": "كل دليل شرعي ثبت في الكتاب مطلقاً غير مقيد، ولم يجعل له قانون ولا ضابط مخصوص، فهو راجع إلى معنى معقول وُكِل إلى نظر المكلف، وهذا القسم أكثر ما تجده في الأمور العادية التي هي معقولة المعنى ... وكل دليل ثبت فيه مقيداً غير مطلق، وجعل له قانون وضابط، فهو راجع إلى معنى تعبدي، لا يهتدي إليه نظر المكلف لو وُكِل إلى نظره؛ إذ العبادات لا مجال للعقول في أصلها، فضلاً عن كيفياتها".
ولنضرب المثل لهذه السنّة الشرعية بقاعدة الشورى نفسها: فالإسلام أرشد إلى الشورى بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وقصد إلى إقامتها على وجه ينفي الاستبداد، ويجعل الحكام لا يقطعون أمراً حتى تتناوله آراء أهل الحل والعقد، وأبقى النظر في وسائل استطلاع الآراء إلى اجتهاد أولي الأمر، وإلى ألمعيتهم، فهم الذين يدبرون النظم التي يرونها أقرب وأكمل، فيستطلعون الآراء باقتراع سري أو علني، بالكتابة أو برفع الأيدي أو بالقيام، ولهم النظر في تعيين من يستفاد من آرائهم وكيفية انتخابهم.
стр. 4047
فالشريعة تحدثت عن نظام السياسة، وفي قواعد الشورى، ولكن بلسان أوتي جوامع الكلم، وخطاب يفهمه الذين يحملون في صدورهم قلوباً باصرة، وسرائر خالصة.
* مكانة الصحابة في العلم والفهم:
يقول المؤلف: لماذا لم نعرف نظامه في تعيين القضاة والولاة؟
جواب هذا السؤال: هو ما كنا بصدد بيانه؛ من أن الشريعة يهمها أن يقوم القضاء على القانون العادل، ورعاية الحقوق، وقد سنت القوانين العادلة، وأرشدت إلى بعض النظم القضائية بتفصيل، ولوّحت بسائرها إلى اجتهاد القاضي وذكائه، فيتبع ما يلائم طبيعة الحال ومقتضى المصلحة. وقد كان قضاة رسول الله ﷺ من العلم والكفاية لهذا المنصب بالمكانة العليا، ولم يكن الصحابة ﵁ كل بمنزلة الأميين الذي يعيشون في دائرة محدودة من التعقل، بل كانوا يتفقهون في مقتضيات الاجتماع، ويغوصون على فهم السنن الكونية، ويعرفون كيف ينتزعون الأحكام من مآخذها، يشهد بهذا كله التاريخ الصحيح، وآثارهم في قلب العالم من هيئة متخاذلة بالية، إلى هيئةٍ نظر إليها أساتذة السياسة بإعجاب، وخرّ لها عشاق العدالة سجداً.
إن المسلم الذي يصدّق بما بين دفتي كتاب الله يجد في آياته: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]، فما كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرؤون الكتاب بألستنهم، وأفئدتُهم هواء، وإنما كانوا يتدبرونه بفطر سليمة، وينظرون ماذا في السموات وما في الأرض ببصائر نيّرة، وما يتشابه عليهم من أمر يعرضونه على الرسول ﷺ فيكشف ما غُمّ عنهم، ويهديهم إلى
стр. 4048
الذي هو أصلح وأبقى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنّة" (١): "وكان الواحد من خلفائه إذا أشكل عليه الشيء أرسل إليه، سأله عنه، فكان رسول الله ﷺ في حياته يعلم خلفاءه ما جهلوا، ويقوّمهم إذا زاغوا، ويعزلهم إذا لم يستقيموا".
نشأت تلك العقول في أحضان الشرع الإسلامي، وارتضعت أفاويق الحكمة من ثدي النبوة، فكان لها شأن لا يعرف عظمته إلا ذو عقل رشيد.
كان الأمراء والقضاة لعهد النبوة من هذا الفريق السليم الفطرة، الواسع النظر، القائم على أصول الشريعة، المستضيء بنور التقوى. ومتى تحققت هذه المزايا في حاكم، باتت الحقائق في أمن، وجرت الأمور على نظام، وما زاد على ذلك، فإما أن يكون ضرورياً ونافعاً في حال دون حال، وإما أن يكون من قبيل "ما لا يدعو إليه طبع سليم، ولا ترضاه فطرة صحيحة".
* الشريعة محفوظة:
قال المصنف في (ص ٥٨): "قد يقول قائل يريد أن يؤيد ذلك المذهب بنوع من التأييد على طريقة أخرى: إنه لا شيء يمنعنا من أن نعتقد أن نظام الدولة زمن النبي ﷺ كان متيناً محكماً، وكان مشتملاً على جميع أوجه الكمال التي تلزم لدولة يدبرها رسول من الله يؤيده الوحي، وتؤازره ملائكة الله، غير أننا لم نصل إلى علم التفاصيل الحقيقية، ودقائق ما كانت عليه الحكومة النبوية من نظام بالغ، وإحكام سابغ؛ لأن الرواة قد تركوا نقل ذلك إلينا، أو نقلوه، ولكن غاب علمه عنا، أو لسبب آخر".
стр. 4049
هذا الجواب باطل؛ فإن الشريعة كاملة بكلياتها وجزئياتها، ولا يصح أن يضيع شيء من حقائقها: قرآناً أو سنة.
قال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات" (١): "إن هذه الشريعة معصومة، كما أن صاحبها ﷺ معصوم، وكما كانت أمته فيما اجتمعت عليه معصومة، ويتبين ذلك بوجهين:
أحدهما: الأدلة على ذلك تصريحاً وتلويحاً؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقولى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] فأخبر أنه يحفظ آياته، ويحكمها حتى لا يخالطها غيرها، ولا يداخلها التغيير ولا التبديل، والسنّة وإن لم تذكر، فإنها مبينة له، ودائرة حوله، فهي منه، وإليه ترجع في معانيها ...
والثاني: الاعتبار الوجودي الواقع من زمن رسول الله ﷺ إلى الآن، وذلك أن الله وفَّر دواعي الأمة للذبِّ عن الشريعة والمناضلة عنها بحسب الجملة والتفضيل، أما القرآن الكريم، فقد قيض الله له حفظة؛ بحيث لو زيد فيه حرف واحد، لأخرجه آلاف من الأطفال الأصاغر، فضلاً عن القراء الأكابر ... ثم قيض الحق رجالاً يبحثون عن الصحيح من حديث رسول الله ﷺ ، وعن أهل الثقة والعدالة من النقلة، حتى ميزوا بين الصحيح والسقيم، وتعرفوا التواريخ، وصحة الدعاوى في الأخذ لفلان عن فلان، حتى استقر الثابت المعمول به من أحاديث رسول الله ﷺ ، وكذلك جعل الله العظيمُ لبيان السنّة عن البدعة ناساً من عبيده، بحثوا عن أغراض
стр. 4050
الشريعة كتاباً وسنّة، وعمّا كان عليه السلف الصالحون، وداوم عليه الصحابة والتابعون، وردوا على أهل البدع والأهواء حتى تميز أتباع الحق عن أتباع الهوى".
هذا أحد نصوص علماء الإسلام المتعاقدة على أن الشريعة محفوظة، لم يترك الرواة شيئاً من أصولها، ولم يغب عن الباحثين بحق علمُها.
* معنى كون الدين سهلاً بسيطاً:
ثم بدا للمؤلف أن يلتمس جواباً آخر عن "ذلك الذي يبدو للناظر كأنه إبهام، أو اضطراب، أو نقص، أو ما شئت فسمّه"، فأملى عليه خياله أن أنظمة الدولة التي هي إصلاحات عارضة، وأوضاع مصنوعة لا تلائم بساطة الدين وبعده عن التكلف. وبعد أن أسهب في هذا المعنى، وحشر فيما يزيد على صحيفتين كلاماً متشابهاً وغير متشابه، وصفه بعدم الوجاهة والصحة.
وقال في (ص ٦٢): "حق أن كثيراً من أنظمة الحكومة الحديثة أوضاع وتكلفات، وأن فيها ما لا يدعو إليه طبع سليم، ولا ترضاه فطرة صحيحة، ولكن من الأكيد الذي لا يقبل شكاً أيضاً: أن في كثير مما استحدث في أنظمة الحكم ما ليس متكلفاً ولا مصنوعاً، ولا هو مما ينافي الذوق الفطري البسيط، وهو مع ذلك ضروري ونافع، ولا ينبغي لحكومة ذات مدنية وعمران أن تهمل الأخذ به. وهل من سلامة الفطرة وبساطة الطبع -مثلاً- أن لا يكون لدولة من الدول ميزانية تقيد إيرادها ومصروفاتها، أو أن لا يكون لها دواوين تضبط مختلف شؤونها الداخلية والخارجية، إلى غير ذلك -وإنه لكثير-، مما لم يوجد منه شيء في أيام النبوة، ولا أشار إليه النبي ﷺ ، إنه ليكون
стр. 4051
تعسفاً غير مقبول أن يعلل ذلك الذي يبدو من نقص المظاهر الحكومية زمن النبي ﷺ ، بأن منشأه سلامة الفطرة، ومجانبة التكلف".
لم يجئ في الشريعة تكليف بما لا يطيقه الإنسان قطعاً، ولا بما يطيقه وفيه مشقة فادحة؛ بحيث يتبرم منه ذو الفطرة السليمة، وينقطع دون المواظبة إعياء وكللاً. وأما ما فيه مشقة، عُهد من الناس احتمال أمثالها؛ بحيث يصبح بالاعتياد عليه كالأعمال التي تنساق إليها النفوس بطبيعتها، فهذا ما لا تتحاماه الشريعة، بل تأمر بما فيه مثل هذه المشقة، لا قصداً للإعنات، بل نظراً إلى ما يترتب على العمل من مصلحة في هذه الحياة، أو في تلك الحياة.
فسهولة الدين من حيث إنه وضع تكاليف يسهل على الناس القيام بها متى خففوا من طغيان الأهواء، وتدبروا في حكمة هذه التكاليف وحسن عاقبتها. وبهذا يتضح جلياً أن سهولة الدين تلتئم مع الحقائق العائدة إلى أصول الحكم، اْو نظم السياسة.
وأما بساطته، فمن جهة أنه خرج للناس في صورة موجزة جامعة، قال ﷺ : "بعثت بجوامع الكلم" (١)، ومعناه: أن شريعته جاءت بأقوال ذات ألفاظ وجيزة، ومعان واسعة، فِلوَجازتها يسهل حفظها، ولسعة معانيها كانت الحقوق والآداب ماثلة في تعاليمها، مأخوذة من جميع أطرافها.
ولهذه البساطة كان النبوغ في علوم الشريعة، والبلوغ فيها إلى مكانة الاجتهاد والإفتاء ليس بالأمر الذي يحتاج إلى زمن طويل، متى كان أسلوب
стр. 4052
تعليمها وتلقيها بنظام. ولا أضرب المثل بالعصر الأول يوم كانت وسائل العلم بها من لغة ونحو وبيان مطوية في ألسنة القوم فطرة، بل أضرب المثل بالعصور التي أصبحت فيها هذه الوسائل علوماً تدرس كما يدرس التفسير والحديث، والعقائد.
بلغ حجّة الإسلام الغزالي في العلم مكاناً عالياً، وصار من الأعلام المشار إليهم بالبنان في عهد أستاذه إمام الحرمين، وعمره يوم توفي إمام الحرمين نحو ثمان وعشرين سنة.
وتلقى القاضي أبو بكر بن العربي مبادئ العلوم بالأندلس، ثم رحل إلى المشرق، وقد أدرك السابعة عشرة من عمره، فدخل مصر والحجاز والشام والعراق، ثم انصرف بعد ثمانية أعوام وهو بحر في علوم الشريعة، إمام في فنون اللغة العربية، حتى قالوا: إنه قدم الأندلس بعلم غزير لم يدخل أحد قبله بمثله.
ولا أطيل في ضرب الأمثلة من أنباء الرجال الذين دخلوا في زمرة العلماء الراسخين، وامتلأت الحقائب من نفائس تحريراتهم، وهم لا يزالون في عهد شبيبتهم، فإن الغرض بيان معنى بساطة الدين، وكون أصوله تحمل أحكاماً وآداباً لا يحيط بها حساب.
والبساطة بهذا المعنى من مزايا الإسلام، ودلائل نبوة المبعوث به، ولكن المؤلف يقلب الحقائق، أو تنقلب في نظره الحقائق، فلم يقدر هذه البساطة حق قدرها، ونزع إلى إنكار أن يكون الإسلام شريعة وسياسة، بدعوى أنه أهمل ما ينبغي للحكومات من أركان وأنظمة. وقد كان بعض الغربيين من غير المسلمين أصفى خاطراً، وأقربَ إلى الإنصاف منه؛ حيث شهدوا للإسلام
стр. 4053
بهذه المزية؛ كما قال (أرغوهارت) في كتاب "روح الشرق" (١):
"إن الإسلام منح الناس قانوناً فطرياً بسيطاً، غير أنه قابل لأعظم الترقيات الموافقة لرقي المدنية المادية. إنه منح الحكومة دستوراً يلائم الحقوق والواجبات البشرية أشد الملاءمة، فقد حدد الضرائب، وساوى بين الخلق في نظر القانون، وقدس مبادئ الحكم الذاتي، وأوجد الرقابة على الحاكم؛ بأن جعل الهيئة التنفيذية منقادة للقانون المقتبس من الدين والواجبات الأخلاقية.
إن حسن كل واحد من هذه المبادئ التي يكفي كل واحد منها لتخليد ذكرى واضعه، قد ضاعف في أهمية مجموعها، وأصبح للنظام المكون منها قوة ونشاط تفوق أي نظام سياسي آخر.
إن هذا النظام، مع أنه وضع في أيدي قوم أميين، استطاع أن ينتشر في ممالك أكثر مما فتحته روما، في عهد لا يتجاوز عمر الفرد، ولقد استمر منتصراً لا يمكن إيقافه، مدة محافظته على شكله الفطري".
هذا ما يقوله غير المسلم، وذلك ما يقوله القاضي الشرعي (٢)، وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب ...
يقول المؤلف: "إلى غير ذلك مما لم يوجد منه شيء في أيام النبوة، ولا أشار إليه النبي ﷺ .
إن القارئ ليبتسم لهذه الجملة عجباً، بل يتمزق لها قلبه أسفاً؛ فإن
стр. 4054
هذه المقالة إن صح أن تخرج من فم عالم، فإنما تصدر من حافظ حجة خاض في علم السنّة، وعرف الصحيح والضعيف والموضوع، ونقد الأسانيد بقانون علمي مستقيم، ولكن المؤلف لم يزل في طبقة من ينقلون الأحاديث من "الكامل" للمبرد (١)، وأصحاب هذه الطبقة لا يدخلون في حساب علماء الشريعة، وإن وضعوا على رؤوسهم عمائم، وجلسوا مجلس الفتوى أو الحكم بين الناس.
* * *
стр. 4055
البابُ الثَّالثُ
رسالة لا حكم, ودين لا دولة (في زعم المؤلف)
* ملخصه:
خاطب قارئ كتابه يذكره بتلك العقبات التي أقامها في وجه من يعتقدون أن النبي ﷺ كان رسولاً، ومؤسساً لدولة سياسية، ويوحي إليه بأن هؤلاء القوم كلما حاولوا أن يقوموا من عثرة، لقيتهم عثرات، وزعم أنه لم يبق إلا مذهب واحد خالٍ من المشاكل، وهو القول بأن محمداً ﷺ ما كان إلا رسولاً، وأنه لم يكن له مُلْك ولا حكومة، ولكن الرسالة لذاتها تستلزم للرسول نوعاً من الزعامة.
وبعد أن أطال الحديث عن هذه الزعامة وما لها من السلطان، قال: ولاية الرسول على قوله ولاية روحية، وولاية الحاكم ولاية مادية. وذهب إلى أن الإسلام إنما هو وحدة دينية، وأن من أراد أن يسمّي تلك الوحدة الدينية ملكاً، أو خلافة، فهو في حل من أن يفعل. وزعم أن ظواهر القرآن تؤيد القول بأن النبي ﷺ لم يكن له شأن في الملك السياسي، وساق على هذا بعض آيات تخيل أنها تسعده فيما يدّعي، وقال: إن هذه الآيات صريحة في أنه ﵊ لم يكن من عمله شيء غير إبلاع الرسالة إلى الناس، وليس عليه أن يأخذهم بما جاءهم به، ولا أن يحملهم عليه، وادّعى أن الأمر في السنّة أصرح، والحجة فيها أقطع، واستشهد بحديثين
стр. 4056
من "السيرة النبوية" لزيني دحلان، وتخلص من هنا إلى أن أخذ العالم بدين واحد معقول، وأما أخذه بحكومة واحدة، وجمعه تحت وحدة سياسية، فيوشك أن يكون خارجاً عن طبيعة البشرية.
وزعم أن السياسة من الأغراض الدنيوية التي خلّى الله بينها وبين عقولنا، والتي أنكر النبي ﷺ أن يكون له فيها تدبير. واستخلص من البحث: أن القرآن والسنّة، وحكم العقل، وما يقضي به معنى الرسالة وطبيعتها، كل ذلك من اعتقاد: أن النبي ﷺ كان يدعو مع رسالته الدينية إلى دولة سياسية.
* النقض:
قال المؤلف في (ص ٦٤): "رأيت إذن أن هنالك عقبات لا يسهل أن يتخطاها الذين يريدون أن يذهب بهم الرأي إلى اعتقاد أن النبي ﷺ كان يجمع إلى صفة الرسالة أنه كان ملكاً سياسياً، ومؤسساً لدولة سياسية. رأيت أنهم كلما حاولوا أن يقوموا من عثرة، لقيتهم عثرات، وكلما أرادوا الخلاص من ذلك المشكل، عاد ذلك المشكل عليهم جذعاً".
يعتقد المسلمون أن النبي ﷺ كان رسولاً نبياً، ومؤسس دولة سياسية، وساروا على هذه العقيدة ألفاً وثلاث مئة سنة، فلم يجدوا في طريقهم مشكلاً تتعثر فيه أفهامهم، أو قتامَ شبهةٍ يثور في أذهانهم، فضلاً عن عقبات تقوم في وجوههم.
ولكن المؤلف بين خطتين: إما أن يكون تلقى الدين بصورة جامدة، ولم يدرك أنه يرشد إلى الحقائق والمصالح، ويدع كثيراً من وسائلها إلى اجتهادات العقول، وما يقتضيه حال الشعوب، وإما أن يكون عرف الحقيقة، وأثار حولها هذه الضجة؛ ليكتم صوتها؛ حتى لا يسمع الناس إلا
стр. 4057
نغمة الإباحية الفاسقة.
قال المؤلف في (ص ٦٤): "لم يبق أمامك -بعد الذي سبق- إلا مذهب واحد، وعسى أن تجده منهجاً واضحاً، لا تخشى فيه عثرات، ولا تلقى عقبات، ولا تضلّ بك شعابه، ولا يغمرك ترابه، مأمون الغوائل، خالياً من المشكل. ذلك هو القول بأن محمداً ﷺ ما كان إلا رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك، ولا دعوة لدولة، وأنه لم يكن للنبي ﷺ ملك ولا حكومة، وأنه ﷺ لم يقم بتأسيس مملكة، بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها. ما كان إلا رسولاً كإخوانه الخالين من الرسل، وما كان ملكاً، ولا مؤسس دولة، ولا داعياً إلى ملك.
الرأي الذي يقصده المؤلف -حسبما تصرح به ألفاظه وما يسوق عليه من الشبه- هو: أن النبي ﷺ مبلّغ فقط، ولم يكن من وظيفته تنفيذ ما أوحي إليه بتبليغه، وأنه لم يأتِ بشريعة لها مساس بالقضاء وسياسة الدولة. وهو رأي لم ينسج على أصل شرعي، ولم يقم على بحث علمي، ولكن الافتتان بزخرف الحياة الإفرنجية يخامر العقل، فإذا الخيال ينقّر بالقلم ما شاء أن ينقر، ويقلب صور الحقائق إلى ما لا يخطر على قلب أفاك أثيم.
* المؤلف يُدخل في الإسلام ما يتبرأ منه التوحيد الخالص:
قال المؤلف في (ص ٦٧): (قد يتناول الرسول من سياسة الأمة مثل ما يتناول الملوك، ولكن للرسول وحده وظيفة لا شريك له فيها، من وظيفته: أن يتصل بالأرواح التي في الأجساد؛ وينزع الحجب ليطلع على القلوب التي في الصدور. له، بل عليه أن يشق عن قلوب أتباعه ليصل إلى مجامع الحب والضغينة، ومنابت الحسنة والسيئة، ومجاري الخواطر ومكامن
стр. 4058
الوساوس ومنابع النيات، ومستودع الأخلاق، وله عمل ظاهر في سياسة العامة، وله أيضاً عمل خفي في تدبير الصلة التي تجمع بين الشريك والشريك، والحليف والحليف، إلخ".
علم المؤلف أن الرأي الذي حام عليه في الأبواب الماضية، وشمّر عن ساقه ليخوض مستنقعه في هذا الباب، رأي لا يتلقاه قراء كتاب الله إلا بالرفض، ولا يعدّون صاحبه إلا في زمرة من يتخذون آيات الله هزؤاً، فكان من دهائه، ولطف سحره: أن أطلق قلمه في مدح رسول الله ﷺ ، والثناء عليه من جهةٍ يرى أن الإطناب فيها لا يمس برأيه، وبمثل هذا الرياء يمكنه اقتناص بعض المستضعفين من الأطفال والبله، ولعله لم يمد حبالته إلا قانعاً بمن يقع فيها من أمثال هذه الطائفة، أما الذين ينظرون بنور الحكمة، فإنهم يزنون الكتاب بروحه المطلة من خلال سطوره.
وإنك لتجد في هذه الجمل من الغلو في الوصف، ما لم يذكره النبي ﷺ عن نفسه، وإنما علق بقلم المؤلف من أثر ديانة أخرى "كقوله: "الرسالة تقتضي لصاحبها حق التصريف لكل قلب تصريفاً غير محدود"، والتصريفُ للقلوب من صفات الألوهية التي لا يشاركها فيها مخلوق.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١) عند الكلام عن حديث: "لا ومققب القلوب"، وآية: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] "والتقلب: التصرف، وتقليب الله القلوب والبصائر: صرفُها من رأي إلى رأي ... وقال المعتزلة: معناه: نطبع عليها فلا يؤمنون، والطبع عندهم: الترك، وليس هذا معنى التقليب في لغة العرب، ولأن الله تعالى تمدّح بالانفراد
стр. 4059
بذلك، ولا مشارك له فيه ... وقال البيضاوي: في نسبة تقليب القلوب إلى الله إشعار بأنه يتولى قلوب عباده، ولا يكلها إلى أحد من خلقه".
وبمثل هذا تفقه أن قلم المؤلف يدس في الدين الإسلامي من عقائد الوثنية، ما يتبرأ منه التوحيد الخالص، وتأباه الفطرة السليمة.
* الاعتقاد بحكمة الأمر لا يكفي للعمل به:
قال المؤلف في (ص ٦٩): "ولاية الرسول على قومه ولاية روحية، منشؤها إيمان القلب، وخضوعه خضوعاً تاماً يتبعه خضوع الجسم، وولاية الحاكم ولاية مادية، تعتمد إخضاع الجسم من غير أن يكون له بالقلوب اتصال. تلك ولاية هداية إلى الله، وإرشاد إليه، وهذه ولاية تدبير لصالح الحياة وعمار الأرض، تلك للدين، وهذه للدنيا. تلك لله، وهذه للناس. تلك زعامة دينية، وهذه زعامة سياسية، ويا بعد ما بين السياسة والدين! ".
للرسول ولاية على قلوب أمته، من أجل ما تحمله من تصديق رسالته، وإجلال مقامه، ومن مقتضيات التصديق برسالته: الاعتقاد بحكمة ما يجيء به من أوامر ونواه، والاعتقاد بحكمة أمره ونهيه شأنه أن يبعث الجوارح إلى الإقدام على الفعل، أو الإحجام عنه. ولكن ترتب الإقدام أو الإحجام على الاعتقاد بحكمة الأمر والنهي من باب ترتيب السبب على مسببه، ومن المعروف أن تأثير السبب في وجود المسبب يتوقف على تحقق الشرط، وفقد المانع، ومن موانع العمل على مقتضى العقيدة: تغلب الأهواء، وإيثار اللذة أو المنفعة العاجلة، وليست هذه الأهواء، ولا هذا الإيثار ناسخاً للتصديق بالرسول، أو للاعتقاد بحكمة ما يامر به أو ينهى عنه، وإنما هو حال يعرض للنفس حتى تصغر في نظرها صورة ما يترتب على ترك المأمور، أو فعل
стр. 4060
المنكر من عاقبة خاسرة، وعذاب أليم.
والدليل على أن ارتكاب الجنايات قد يدفع إليه طغيان الشهوة، أو تخبط الغضب، مع بقاء أصل الإيمان: أن الجاني بعد أن يشبع شهوته، أو يشفي غيظه، قد يعض سبابته ندماً، من غير أن يجدد النظر في أصل إيمانه، أو في حال ما ارتكبه من منكر أو فحشاء.
فالنظر يقضي بأن الولاية على القلوب لا تكفي في صيانة الحقوق وحفظ النفوس والأموال والأعراض، وأنه لا بد من ولاية يكون شأنها تنفيذ قوانين المعاملات والعقوبات، فيمن يطغى به الهوى، أو يتخبطه الغضب، وإن كان من المؤمنين.
فولاية الرسول ﷺ كانت على القلوب، ثم على الأجسام، وكانت ولاية هداية وتدبير لصالح الحياة، وكانت رياسة دينية وسياسية، وكلاهما من عند الله، ولا بعد بين السياسة والدين إلا في نظر قوم لا يكادون يفقهون حديثاً.
* خطأ المؤلف في الاستشهاد بآيات على أن وظيفة الرسول لا تتجاوز حدود البلاغ:
قال المؤلف في (ص ا ٧): "ظواهر القرآن المجيد تؤيد القول بأن النبي ﷺ لم يكن له شأن في الملك السياسي، وآياته متضافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان".
ثم ساق في الاستشهاد على هذا: قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، وقوله في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦]، وقوله في سورة
стр. 4061
الأنعام: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿الأنعام: ١٠٧]، وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦]، وقوله في سورة الإسراء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤]، وقوله في سورة الفرقان: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]، وقوله في سورة الزمر: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١]، وقوله في سورة الشورى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، وقوله في سورة ق: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار﴾ ﴿ق: ٤٥]، وقوله في سورة الغاشية: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢].
ثم قال: "القرآن -كما ترى- يمنع صريحاً أن يكون النبي ﷺ حفيظاً على الناس، ولا وكيلاً، ولا جباراً، ولا مسيطراً، وأن يكون له حق إكراه الناس حتى يكونوا مؤمنين، ومن لم يكن حفيظاً، ولا مسيطراً، فليس بملك؛ لأن من لوازم الملك: السيطرة العامة، والجبروت سلطاناً غير محدود".
من الكلام البليغ ما يسلك معناه في قلب السامع غير متوقف على شيء سوى العلم بمدلولات الألفاظ المفردة، وقانون النظم والتركيب، ومنه ما لا يصل السامع إلى معناه، ولا يلمُّ به من جوانبه، فيستقر في نفسه على الوجه الذي يقصده المتكلم، إلا إذا وقف على أحوال زائدة على العلم بوضع المفردات والتراكيب، ولهذا ترى أذكى الناس قريحة، وأرسخهم علماً باللغة ومذاهب بلاغتها، قد يعجز عن فهم بيت من الشعر البليغ، ولا يجد طريقاً إلى بيان ما يراد منه حتى يعرف الحال التي ورد فيها، والسبب الحامل على نظمه.
стр. 4062
وعلى هذين النوعين من فنون الكلام نزل القرآن الكريم، فمن الآيات ما هو بين بنفسه، ومنها ما لا يدرك معناه إلا من شهد وقت الوحي به، وعرف أسباب نزوله، وهذا ما دعا الذين أوتوا العلم إلى أن يعتمدوا على بيان الصحابة ﵃، ويرجحوه على بيان غيرهم، ولا سيما بياناً أجمعوا عليه.
وقد عقد موضح أسرار الشريعة أبو إسحاق الشاطبي في"موافقاته" فصلاً (١) في تحقيق أن معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، وبسط القول في أن بيان الصحابة يقدّم على بيان غيرهم، وعدّ في مؤيدات هذه القاعدة المتينة: "جهة مباشرتهم للوقائع والنوازل وتنزيل الوحي بالكتاب والسنّة"، وقال: "فهم أقعد في فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك".
فكثير من الآيات لا ينكشف معناه، ولا يستقر في النفس على وجه محكم، إلا بعد معرفة سبب نزوله، وحال نزوله، ثم القيام على غيره من الآيات التي ربما وجد فيها ما يخصص عمومه، أو يقيد مطلقه، أو يغير حكمه؛ لزوال علته، وقيام الحاجة الداعية إلى تبديله بحكم آخر.
إذن لا ينبغي لأحد أن يهيئ رأياً، ثم يصبّ عليه الآيات صبّاً، قبل أن يبحث عن حال نزولها، وينظر فيما عساه أن يخصصها، أو يقيدها، أو يرشد إلى تبدل حكمها.
فهل حافظ المؤلف على هذا الأصل الأصيل، فرجع في فهم هذه الآيات إلى حال نزولها، وجال بنظره في القرآن جولة لعله يهتدي السبيل إلى الرسوخ في علمها؟
стр. 4063
الظاهر أنه لم يفعل ذلك، وإنما أمسك المصحف الشريف بيده، ونقل منه هذه الآيات مرتبة ترتب سورها، فحرّفها عن مواضعها، وتأولها على غير بينة من أمرها.
من المعلوم لدى المسلمين: أن النبي ﷺ مكث بمكة نحو عشر سنين، وعمله مقصور على الدعوة بالحجّة والموعظة، وأنه كان يحزن لإعراض المشركين وعتوّهم عن سبيل الهداية، ويأخذ منه الأسف كل مأخذ، حتى كأنه مأمور بتصريف قلوبهم من الغي إلى الرشد، ويزيد على هذا: ما كانوا يعترضونه به من الأذى، ويسومون به أصحابه من سوء العذاب، فكانت الآيات تذكره ببيان وظيفته لذلك الحين، وهي مجرد البلاغ والإنذار، حتى إذا كانت منه على ظهر قلب، وعرف أنه قام بوظيفته كما يراد منه، خفّ عليه ما يجده من الحزن والأسى.
وبعد هجرته إلى المدينة المنورة، وإقامته بها نحو سنة، قضت حكمة الله بأن يكون للإسلام مظهر غير مظهره الأول، ونزلت آيات الجهاد وحدود العقوبات تترى، والذي قال له: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧]، وقال له: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، هو الذي أنزل عليه قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]، وقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣ - ١٤]، وقولى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ
стр. 4064
فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].
والآيات التي سردها المؤلف كلها من سور مكية، ما عدا الآية الأولى؛ أعني: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، فإنها من سورة النساء، وهي مدنية، وعرفت أن الجهاد شرعّ بعد أن قضى النبي ﷺ بالمدينة نحو سنة، فيجوز أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الجهاد، قال ابن جرير الطبري في" تفسيره": (١) "ونزلت هذه الآية -فيما ذكر- قبل أن يؤمر بالجهاد".
ومن أهل العلم من يذهب إلى أن هذه الآيات محكمة، ويأتي في تفسيرها بوجوه تسير بها مع آيات الجهاد جنباً لجنب، واستقصاء البحث عنها في هذه الصحائف آية آية يخرجنا إلى إسهاب لا حاجة بنا إليه، وأضرب لك مثلاً تشرف منه على شيء مما قيل في سائرها، وهو قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦]، فقد قال أبو جعفر النحاس (٢) في تأويلها: "هذا خبر لا يجوز أن ينسخ، ومعنى وكيل: حفيظ ورقيب، والنبي ﷺ ليس عليهم حفيظاً، إنما عليه أن ينذرهم، وعقابُهم على الله تعالى، والآية الثانية نظيرها، ويعني بالآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاوَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦].
وخلاصة المقال: أن المؤلف سرد هذه الآيات على غير بصيرة، وصرف نظره عن آيات الجهاد التي يذهبُ رأيه أمامها عبثاً، فجلس كما قام، وسكت كما تكلم، بل جلوسه خير من قيامه، وسكوته أنفع من كلامه،
стр. 4065
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
* خطأ المؤلف في حمل آيات على القصد الحقيقي:
عاد المؤلف فأخذ يلتقط من القرآن آيات: ﴿إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ﴾ ﴿الأعراف: ١٨٨﴾ , ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٨]، ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج: ٤٩]، ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠]. وأضاف إليها آيتين وهما قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
ثم قال في (ص ٧٣): "القرآن -كما رأيت- صريح في أن محمداً ﷺ لم يكن إلا رسولاً قد خلت من قبله الرسل، ثم هو بعد صريح في أنه ﵊ لم يكن من عمله شيء غير إبلاع رسالة الله تعالى إلى الناس، وأنه لم يكلف شيئاً غير ذلك البلاغ، وليس عليه أن يأخذ الناس بما جاءهم به، ولا أن يحملهم عليه".
يتساءل الناس أحياناً عن الحال الذي لبس قلب المؤلف، حتى أصبح يقول على الله غير الحق: هل اقتحم هذه الخطيئة لقصور في الفهم؟ أم لداعية افتتانه بملّة أخرى؟
إذا صح للقارئ أن يتردد في بعض المباحث السابقة، فإن هذا المبحث لا يبقي له ريبة في أن المؤلف قد يقصد إلى قلب الحقائق، حيث لا يصح أن تنقلب في نظره.
يعرف كل طالب علم في الأزهر، أو في غير الأزهر: أن في العلوم العربية علماً يقال له: علم المعاني، وأن في المعاني باباً يقال له: باب