الأنعام: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿الأنعام: ١٠٧]، وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦]، وقوله في سورة الإسراء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤]، وقوله في سورة الفرقان: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]، وقوله في سورة الزمر: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١]، وقوله في سورة الشورى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، وقوله في سورة ق: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار﴾ ﴿ق: ٤٥]، وقوله في سورة الغاشية: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢].
ثم قال: "القرآن -كما ترى- يمنع صريحاً أن يكون النبي ﷺ حفيظاً على الناس، ولا وكيلاً، ولا جباراً، ولا مسيطراً، وأن يكون له حق إكراه الناس حتى يكونوا مؤمنين، ومن لم يكن حفيظاً، ولا مسيطراً، فليس بملك؛ لأن من لوازم الملك: السيطرة العامة، والجبروت سلطاناً غير محدود".
من الكلام البليغ ما يسلك معناه في قلب السامع غير متوقف على شيء سوى العلم بمدلولات الألفاظ المفردة، وقانون النظم والتركيب، ومنه ما لا يصل السامع إلى معناه، ولا يلمُّ به من جوانبه، فيستقر في نفسه على الوجه الذي يقصده المتكلم، إلا إذا وقف على أحوال زائدة على العلم بوضع المفردات والتراكيب، ولهذا ترى أذكى الناس قريحة، وأرسخهم علماً باللغة ومذاهب بلاغتها، قد يعجز عن فهم بيت من الشعر البليغ، ولا يجد طريقاً إلى بيان ما يراد منه حتى يعرف الحال التي ورد فيها، والسبب الحامل على نظمه.
стр. 4062
وعلى هذين النوعين من فنون الكلام نزل القرآن الكريم، فمن الآيات ما هو بين بنفسه، ومنها ما لا يدرك معناه إلا من شهد وقت الوحي به، وعرف أسباب نزوله، وهذا ما دعا الذين أوتوا العلم إلى أن يعتمدوا على بيان الصحابة ﵃، ويرجحوه على بيان غيرهم، ولا سيما بياناً أجمعوا عليه.
وقد عقد موضح أسرار الشريعة أبو إسحاق الشاطبي في"موافقاته" فصلاً (١) في تحقيق أن معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، وبسط القول في أن بيان الصحابة يقدّم على بيان غيرهم، وعدّ في مؤيدات هذه القاعدة المتينة: "جهة مباشرتهم للوقائع والنوازل وتنزيل الوحي بالكتاب والسنّة"، وقال: "فهم أقعد في فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك".
فكثير من الآيات لا ينكشف معناه، ولا يستقر في النفس على وجه محكم، إلا بعد معرفة سبب نزوله، وحال نزوله، ثم القيام على غيره من الآيات التي ربما وجد فيها ما يخصص عمومه، أو يقيد مطلقه، أو يغير حكمه؛ لزوال علته، وقيام الحاجة الداعية إلى تبديله بحكم آخر.
إذن لا ينبغي لأحد أن يهيئ رأياً، ثم يصبّ عليه الآيات صبّاً، قبل أن يبحث عن حال نزولها، وينظر فيما عساه أن يخصصها، أو يقيدها، أو يرشد إلى تبدل حكمها.
فهل حافظ المؤلف على هذا الأصل الأصيل، فرجع في فهم هذه الآيات إلى حال نزولها، وجال بنظره في القرآن جولة لعله يهتدي السبيل إلى الرسوخ في علمها؟
стр. 4063
الظاهر أنه لم يفعل ذلك، وإنما أمسك المصحف الشريف بيده، ونقل منه هذه الآيات مرتبة ترتب سورها، فحرّفها عن مواضعها، وتأولها على غير بينة من أمرها.
من المعلوم لدى المسلمين: أن النبي ﷺ مكث بمكة نحو عشر سنين، وعمله مقصور على الدعوة بالحجّة والموعظة، وأنه كان يحزن لإعراض المشركين وعتوّهم عن سبيل الهداية، ويأخذ منه الأسف كل مأخذ، حتى كأنه مأمور بتصريف قلوبهم من الغي إلى الرشد، ويزيد على هذا: ما كانوا يعترضونه به من الأذى، ويسومون به أصحابه من سوء العذاب، فكانت الآيات تذكره ببيان وظيفته لذلك الحين، وهي مجرد البلاغ والإنذار، حتى إذا كانت منه على ظهر قلب، وعرف أنه قام بوظيفته كما يراد منه، خفّ عليه ما يجده من الحزن والأسى.
وبعد هجرته إلى المدينة المنورة، وإقامته بها نحو سنة، قضت حكمة الله بأن يكون للإسلام مظهر غير مظهره الأول، ونزلت آيات الجهاد وحدود العقوبات تترى، والذي قال له: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧]، وقال له: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، هو الذي أنزل عليه قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]، وقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣ - ١٤]، وقولى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ
стр. 4064
فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].
والآيات التي سردها المؤلف كلها من سور مكية، ما عدا الآية الأولى؛ أعني: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، فإنها من سورة النساء، وهي مدنية، وعرفت أن الجهاد شرعّ بعد أن قضى النبي ﷺ بالمدينة نحو سنة، فيجوز أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الجهاد، قال ابن جرير الطبري في" تفسيره": (١) "ونزلت هذه الآية -فيما ذكر- قبل أن يؤمر بالجهاد".
ومن أهل العلم من يذهب إلى أن هذه الآيات محكمة، ويأتي في تفسيرها بوجوه تسير بها مع آيات الجهاد جنباً لجنب، واستقصاء البحث عنها في هذه الصحائف آية آية يخرجنا إلى إسهاب لا حاجة بنا إليه، وأضرب لك مثلاً تشرف منه على شيء مما قيل في سائرها، وهو قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦]، فقد قال أبو جعفر النحاس (٢) في تأويلها: "هذا خبر لا يجوز أن ينسخ، ومعنى وكيل: حفيظ ورقيب، والنبي ﷺ ليس عليهم حفيظاً، إنما عليه أن ينذرهم، وعقابُهم على الله تعالى، والآية الثانية نظيرها، ويعني بالآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاوَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦].
وخلاصة المقال: أن المؤلف سرد هذه الآيات على غير بصيرة، وصرف نظره عن آيات الجهاد التي يذهبُ رأيه أمامها عبثاً، فجلس كما قام، وسكت كما تكلم، بل جلوسه خير من قيامه، وسكوته أنفع من كلامه،
стр. 4065
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
* خطأ المؤلف في حمل آيات على القصد الحقيقي:
عاد المؤلف فأخذ يلتقط من القرآن آيات: ﴿إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ﴾ ﴿الأعراف: ١٨٨﴾ , ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٨]، ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج: ٤٩]، ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠]. وأضاف إليها آيتين وهما قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
ثم قال في (ص ٧٣): "القرآن -كما رأيت- صريح في أن محمداً ﷺ لم يكن إلا رسولاً قد خلت من قبله الرسل، ثم هو بعد صريح في أنه ﵊ لم يكن من عمله شيء غير إبلاع رسالة الله تعالى إلى الناس، وأنه لم يكلف شيئاً غير ذلك البلاغ، وليس عليه أن يأخذ الناس بما جاءهم به، ولا أن يحملهم عليه".
يتساءل الناس أحياناً عن الحال الذي لبس قلب المؤلف، حتى أصبح يقول على الله غير الحق: هل اقتحم هذه الخطيئة لقصور في الفهم؟ أم لداعية افتتانه بملّة أخرى؟
إذا صح للقارئ أن يتردد في بعض المباحث السابقة، فإن هذا المبحث لا يبقي له ريبة في أن المؤلف قد يقصد إلى قلب الحقائق، حيث لا يصح أن تنقلب في نظره.
يعرف كل طالب علم في الأزهر، أو في غير الأزهر: أن في العلوم العربية علماً يقال له: علم المعاني، وأن في المعاني باباً يقال له: باب
стр. 4066
القصر، ولا شك أن من اطلع على هذا الباب يعلم أن القصر ينقسم إلى:
قصر حقيقي، وهو تخصيص شيء بشيء بحسب الحقيقة، وفي نفس الأمر؛ بحيث لا يتجاوزه إلى غيره أصلاً.
وقصر إضافي، وهو تخصيص شيء بشيء بحسب الإضافة إلى شيء لآخر؛ بأن لا يتجاوزه إلى ذلك الشيء، وإن أمكن أن يتجاوزه إلى شيء آخر.
ويعلم بعد هذا: أن القصر الإضافي ينقسم إلى:
قصر إفراد، والمخاطب به من يعتقد شركة صفتين في موصوف واحد، أو موصوفين في صفة.
وقصر قلب، والمخاطب به من يعتقد عكس الحكم الذي يتصدى المتكلم لإثباته.
وقصر تعيين، والمخاطب به من يتساوى في نظره أمران، فيقصر له المتكلم الحكم على أحدهما.
هذه المباحث من بديهيات علم البلاغة، ومن مبادئه الملقاة على قارعة الطريق؛ بحيث لا يمتاز بمعرفتها الذكي عن الغبي، ولا قارئ الكتب المبسوطة عن قارئ المختصرات.
ومن عرف أن من فنون القصر ما يسمّى: قصراً إضافياً، عرف بوجه إجمالي أن الآيات التي ساقها المؤلف إنما هي من هذا القبيل، ولا يصح حملها على القصر الذي يراد به نفي كل صفة ما عدا الإنذار حتى يدخل في هذه الصفات المنفية القضاء الفصل والتنفيذ.
ولنضرب لك مثلاً تشهد به أن هذه الآيات منسوجة على منوال من البلاغة بديع، وأنها بريئة من نفي صفة التنفيذ عن النبي ﷺ ، كما يزعم مؤلف
стр. 4067
كتاب "الإسلام وأصول الحكم".
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٢ - ٢٣]. وبيان سر هذا القصر بلاغة: أنه جاء بالنفي والإثبات؛ لأنه لما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ]، وكان المعنى في ذلك: أن يقال للنبي ﷺ : إنك لن تستطيع أن تحول قلوبهم عما هي عليه من الإباء، ولا تملك أن توقع الإيمان في نفوسهم، مع إصرارهم على كفرهم، واستمرارهم على جهلهم، وصدهم بأسماعهم عما تقوله لهم، وتتلوه عليهم، كان اللائق بهذا أن يجعل حال النبي ﷺ حال من قد ظن أنه يملك ذلك، ومن لا يعلم يقيناً أنه ليس في وسعه شيء أكثر من أن ينذر ويحذر، فأخرج اللفظ مخرجه إذا كان الخطاب مع من يشك، فقيل: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ ,ويبين ذلك أنك تقول للرجل يطيل مناظرة الجاهل ومقاولته: إنك لا تستطيع أن تسمع الميت، وأن تُفهم الجماد، وأن تحول الأعمى بصيراً، وليس بيدك إلا أن تبين وتحتج، ولمست تملك أكثر من ذلك" (١).
فانظر إلى فيلسوف البيان عبد القاهر الجرجاني (٢) كيف فهم أن الآية من نوع القصر الإضافي (٣)، وأن قصر النبي ﷺ الإنذار في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ لم يرد به نفي كل ما عدا الإنذار، وإنما أريد به نفي صفة معينة، وهي كونه ﷺ يملك تحويل قلوبهم عما هي عليه من الإباء. وذكر ذلك
стр. 4068
الفيلسوف: أن هذا الوجه من البلاغة يجري في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، فقصر النبي ﷺ على الإنذار والبشارة في هذه الآية، إنما يعني به: نفي أن يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأن يكون عالماً بالغيب.
وسائر الآيات المفزعة على قالب القصر مما أورده في الصفحتين (٧٤ وه ٧) لا تخرج عن أن يراد منها القصر الإضافي، وهو لا يتعرض لصفة التنفيذ بحال.
ولا يستطيع المؤلف أن ينكر هذا الفن من البلاغة، إلا إذا تناهى به العناد إلى إنكار ما يضرب في الأفق من بياض النهار أو سواد الليل.
يقول المؤلف: "وإنه لم يكلف شيئاً غير ذلك البلاغ، وليس عليه أن يأخذهم بما جاءهم به، ولا أن يحملهم عليه".
هذه الفقرة تنادي بصراحة أن المؤلف يريد أن يلصق بعقول الأطفال والسذج، الاعتقادَ بأن جهاد النبي ﷺ ، وتصرفه في أموال الزكاة قبضاً وإنفاقاً، وحكمه بين الناس، وإقامته الحدود، لم يكن من عمله السماوي، فإن هذه الحقائق شيء غير ذلك البلاع، ومنها ما فيه حمل للناس على ما جاءهم به. والقرآن يشهد بأن جهاده ﵊، وتصرفه في أموال الزكاة، وحكمه بين الناس إنما كان بوحي سماوي. ولا أحسب المؤلف يترك قلمه سائباً، حتى يقول على آيات الجهاد والزكاة والحكم بين الناس، كما قال على أحاديث في "الصحيحين": "لنا أن ننازع في صحتها".
* خطأ المؤلف في فهم حديثين:
قال المؤلف في (ص ٧٦): "إذا نحن تجاوزنا كتاب الله تعالى إلى
стр. 4069
سنّة النبي ﵊, وجدنا الأمر فيها أصرح، والحجة أقطع، روى صاحب "السيرة النبوية": أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ لحاجة يذكرها، فقام بين يديه، فأخذته رعدة. شديدة ومهابة، فقال له ﷺ : "هوِّن عليك؛ فإني لست بملك ولا جبّار، وإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة ... "، وقد جاء في الحديث: أنه لما خير على لسان إسرافيل بين أن يكون نبياً ملكا، أو نبياً عبداً، نظر ﵊ إلى جبريل ﵇ كالمشير له، فنظر جبريل إلى الأرض، يشير إلى التواضع، وفي رواية: "فأشار إلى جبريل أن تواضع، فقلت: نبياً عبداً، فذلك صريح أيضاً في أنه ﷺ لم يكن ملكاً، ولم يطلب الملك، ولا توجهت نفسه ﵇ إليه".
لو التزم أحد على وجه المزح أن لا يقول إلا خطأ، ثم تحدث بمقدار ما تحدث المؤلف في ذلك الكتاب، لسبق لسانه إلى الصواب مراراً، وربما لا يكون خطؤه أكثر من خطأ كتاب "الإسلام وأصول الحكم".
بعد أن ساق المؤلف آيات: ﴿إنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وما جاء على شاكلتها مساقَ الاستشهاد على نفي أن يكون النبي ﵇ منفذاً، أتى بهذين الحديثين يبتغي منهما أن يشهدا له على باطل، ولم يرع حرمة الأحاديث النبوية، فيكف قلمه عن إيرادها؛ حيث يدّعي على مقام الرسالة غير الحق.
خذ أيَّ عالم أو شبه عالم أو عامي ذي فطرة سليمة، واقرأ عليه الحديثين، وخذ معه بأطراف الحديث في معنى"ملك" الوارد فيهما، فإنه ينظر إلى مساق الكلام وما يقتضيه حال الخطاب، فلا يفهم من قوله: "لست بملك"
стр. 4070
من الحديث الأول إلا ما هو الغالب على الملوك من البطش وقلة الأناة؛ ولا يفهم من قوله: "ملكاً" في الحديث الثاني إلا مظهر العظمة الأبهة.
وذلك المعنى هو الذي ينحو نحوه شرّاح الحديث، قال الشهابي الخفاجي (١) في تفسير: "لست بملك" من الحديث الأول: "من الملوك الجبابرة الذين تخشى بوادرهم (٢) ". وقال في تفسير "ملكاً" من الحديث الثاني: "أن يكون شؤونه كالملوك في اتخاذ الجنود والحجاب والخدم والقصور (٣) ".
وأما معنى الرياسة السياسية، وتدبير الشؤون العامة، وهو ما يعنيه المؤلف، فإنه لا يقع في ذهن من يتلقى الحديث بروية، ولا يكاد يخطر له على بال.
ولو كان المؤلف يتنبه إلى معنى الحديث قبل الراده، لسبق إلى اختيار المعنى الذي يسبق إلى فهم كل سامع، واحتفظ على مذهبه من أن الرياسة السياسية تنافي طبيعة الرسالة، فإن حمل الملك على الرئيس السياسي في قوله: "خيِّر بين أن يكون نبياً ملكا" يجعل الحديث حجّة على أن الرسالة والملك لا يتنافيان.
ولقد ذكّرنا المؤلف بتأويله لتلك الآيات والأحاديث رجلاً من أهل مكة كان يؤوّل الشعر، قال ذات يوم: ما سمعت بأكذبَ من بني تميم،
стр. 4071
زعموا أن قول القائل:
بيت زُرارةُ محتبٍ بفنائه .... ومجاشعٌ وأبو الفوارس نهشلُ
في رجل منهم، قيل له: فما تقول أنت فيه؟ قال: البيت بيت الله، وزرارة الحج، قيل: فمجاشع؟ قال: زمزم، جشعت بالماء، قيل: فأبو الفوارس؟ قال: أبو قبيس، قيل: فنهشل؟ فصمت ساعة، ثم قال: نعم، نهشل مصباح الكعبة؛ لأنه طويل أسود، فذلك نهشل.
* الشريعة فصلت بعض أحكام، ودلت على سائرها بأصول يراعي في تطبيقها حال الزمان والمكان:
قال المؤلف في (ص ٧٨): "معقول أن يؤخذ العالم كله بدين واحد، وأن ينتظم البشرية كلها وحدة دينية، فأما أخذ العالم كله بحكومة واحدة، وجمعه تحت وحدة سياسية مشتركة، فذلك مما يوشك أن يكون خارجاً عن طبيعة البشرية، ولا تتعلق به إرادة الله".
أجمع المسلمون على أن إصلاح السياسة شطر من مقاصد الاسلام، وهل ادّعوا -مع هذا- أن الإسلام رسم للسياسة خطة معينة، ووضع لكل واقعة حكماً مفصلاً؟
الحق أنهم لم يفعلوا ذلك، بل ملؤوا كتبهم ببيان أن الشريعة فصلت بعض أحكام لا تختلف فيها أحوال البشر، ثم وضعت أصولاً ليراعى في تطبيقها على الوقائع حال الظروف الحافة بها، ومن هذا الأصول قاعدة: "رعاية المصالح المرسلة"، وقاعدة: "العادة محكمة"، وقاعدة: "سد الذرائع"، وقاعدة: "المشقة تجلب التيسير"، وقاعدة: "ارتكاب أخف الضررين"، وقاعدة: "الضرر يزال".
стр. 4072
قال شهاب الدين القرافي في "قواعده": "إن الأحكام تجري مع العرف والعادة، وينتقل الفقيه بانتقالها، ومن جهل المفتي جمودُه على المنصوص في الكتب غير ملتفت إلى تغير العرف؛ فإن القاعدة المجمع عليها: أن كل حكم مبني على عادة، فإذا تغيرت العادة، تغير الحكم، والقول باختلاف الحكم عند تبدل الأحوال لا يستلزم القول بتغيره في أصل وضعه، والخطاب به، وإنما الأمر تدعو إليه الحاجة عند قوم، أو في عصر، فيكون مصلحة، وتتناوله دلائل الطلب، فإن لم تقتضه عادتهم، ولا تعلقت به مصلحتهم، دخل تحت أصل من أصول الإباحة أو التحريم".
وقال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات" (١): "واعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد، فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوع على أنه دائم ... وإنما معنى الاختلاف: أن العوائد إذا اختلفت، رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها".
ومما يوضح أن أحكام الشريعة تجري بحسب اختلاف الزمان والمكان: قول عز الدين بن عبد السلام في "قواعده": "تحدث للناس أحكام بقدر ما يحدثون من السياسات والمعاملات والاحتياطات".
وقال شهاب الدين القرافي أيضاً: "إن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفاً للشرع، بل تشهد له القواعد، ومن جملتها: أن الفساد قد أكثر وانتشر بخلاف حاله في العصر الأول، ومقتضى ذلك: اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع" (٢).
стр. 4073
ومن مثل هذه النصوص تعلم أن أخذ الأمم الإسلامية بحكومة واحدة يقتضي توحيد قانونها السياسي أو القضائي، بل يوكل أمر كل شعب إلى أهل الحل والعقد منه، فهم الذين ينظرون فيما تقتضيه مصالحه، ولا يقطعون أمراً حتى يشهدهم من أوتوا العلم بأصول الشريعة؛ لئلا يخرجوا عن حدود مقاصدها.
* الاجتهاد في الشريعة وشرائطه:
ومن أجل ما لوحت إليه الشريعة؛ من بناء الأحكام على أساس رعاية المصالح، ذكر الفقهاء في شروط الحاكم أن يكون بالغاً رتبة الاجتهاد.
ومدار شرائط الاجتهاد على أمرين:
أحدهما: فهم مقاصد الشريعة، وهذا يتحقق بمعرفة جملة القواعد التي نصبتها، والتفقه في قسم عظيم من الأبواب التي فصلت أحكامها، وقد بصر مجتهدو الصحابة ﵃ بهذه القواعد والأحكام من النظر في القرآن، وما يشهدون من سنّة الرسول- ﵊, وتلقى عنهم التابعون ما استنبطوه من الفروع، وتعلموا منهم كيف انتزعوها من مآخذها، فازدادت القواعد وضوحاً، وتمهدت طرق الاستنباط، وتسنى للذين أوتوا العلم من بعدهم أن ينظروا في الحوادث، ويفصلوا لها أحكاماً تأخذ بمجامع المصالح، وتنطبق على ما تستدعيه طبيعة الزمان والمكان.
ثانيهما: القدرة على انتزاع الأحكام من دلائلها المبثوثة في الكتاب والسنّة، ولا سبيل للقدرة على الاستنباط إلا بمعرفة هذه الدلائل، وطريق إثباتها، وضروب دلالتها، وتفاوت مراتبها، ووجوه الترجيح عند تعارضها.
والتحقيق: أن الاجتهاد لا يتجزأ، فإن أكثر علوم الاجتهاد يتعلق بعضها
стр. 4074
ببعض، فمن أحرز الشروط المشار إليها آنفاً، تمكن من الاستنباط في كل حادثة تعرض له، وإن فاته بعضها، أو كان نصيبه منه أقل من المقدار الكافي، لم يستطع أن يستنبط للواقعة حكماً تطمئن له نفسه، أو يثق به غيره.
فمن أدركه النقص من جهة التفقه في مقاصد الشريعة وعدم إحكام قواعدها، فلا يصح له الاجتهاد، ولو في المسائل التي يجد لها بين الدلائل اللفظية منزعاً؛ فإن القواعد القطعية قد تدعو إلى التصرف في أقوال الشارع بنحو تخصيص العام، أو تقييد المطلق، أو عدم الأخذ بالمفهوم.
وكذلك من عرف مقاصد الشريعة، وأنس من نفسه القدرة على إلحاق الوقائع بأشباهها، ولكنه لم يصل في معرفة اللسان العربي إلى المرتبة الكافية للاستنباط، فاجتهاده غير موثوق به؛ إذ يشترط في المجتهد أن يكون عارفاً بأحوال الأحكام عن نظر مستقل، وتلك الأحوال مبثوثة في موارد الشريعة، فلا بدّ من رسوخ القدم في فهم تلك الموارد، ومعرفة وجوه دلالتها.
فالتشريع الإسلامي قائم على رعاية المصالح، وما هي إلا المصالح التي توضع في ميزانه المستقيم، وهذا الميزان المستقيم لا يبخس شعباً من الشعوب مصلحته التي يشهد بها العقل السليم، ولا يفصّل حكماً واحداً يجريه على كل شعب وفي كل زمان، إلا إذا لم تختلف فيه مصالح الشعوب، فإن اختلفت اختلافاً يعقله العالمون، فلكل شعب حكم وسياسة، وذلك تقدير العزيز العليم.
فمن يذهب إلى أن أخذ العالم بحكومة واحدة، وجمعه تحت سياسة مشتركة خارجٌ عن طبيعة البشر، إنما هو مثال الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة، ولم يرفعوا رؤوسهم إلى الكتب التي أمتعت البحث عن أسرار
стр. 4075
الشريعة، وفصلت القول في أصولها العالية تفصيلاً.
* فتوى منظومة لأحد فقهاء الجزائر:
ولا يزال علماء الإسلام في سائر الأقطار، يشهحون أن أحكام الشريعة تدور على مقتضى الحاجات والمصالح، وهذا أحد الفقهاء (١) الناشئين في قرية (٢) من صحراء الجزائر في المئة الثالثة عشرة، كان يفتي بجواز استناد الحاكم إلى آثار الأقدام في نحو السرقة، حيث كان لأهل بلاده حذق زائد في معرفة آثار أقدام الأشخاص، فأنكر عليه علماء بلد يقال لها "الخنقة"، فأجابهم بقصيدة لوح فيها إلى مستنداته في الفتوى، وقال فيها:
إلى السادةِ الأشرافِ من أهل "خنقة" .... لهم في ندور الواقعاتِ نُقولُ
تمسكتم بالأصل والحقُّ واضحٌ ..... ولا ينكر المعلومَ إلا جهول
ولكن إذا عمّ السداد بحادثِ ... تقدم أصلاً والقياسُ دليل
كتضمين سمسارِ وتغريمِ صانعِ ... وما هو إلا مودع ووكيل
ومن ذاك ما قد جوزوا في سفاتج ... إذا عمَّ بالخوف الشديد سبيل
وفي كلها خلف الأصول لأنها ... مصالحُ عمّت والصلاحُ جميل
ومن أدب المسؤول قبلَ سؤالهِ ... إذا وردت يوماً عليه سُؤول
تعرف عرف السائلين بأرضهم ... ليعلم ما يفتي به ويقول
وما أنتم منّا بأعلم بالذي ... به الضرّ يكفي عندنا ويزول
стр. 4076
فلو أهملت آثار سرّاق أرضنا ... لكان فساداً للخراب يؤول
وفي الأخذ بالآثار إصلاح أمرنا ... وفي الترك عن قصد السبيل عدول
وما الأثر إلا كالخطوط شهادة ... كذا قال قومٌ في القياس عدول
فعرفانك الخطَّ الذي غاب ربُّه ... لعرفان إثر المستراب عديل
وفي ولدي عفراء لما تنازعا ... جهاز أبي جهل وهو جديل
بأثر دم في السيف كان نبينا ... قضى أنه للسيدين قتيل
وكان السلف يكرهون السؤال عن النوازل قبل وقوعها حسبما نقله الحافظ ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (١)، ولعلهم كرهوا ذلك حذراً من أن يفرضوا لصورة النازلة حكماً، فتبرز للخارج، فيتصل فيها بعض أحوال لو شاهدها المفتي، لغيّر حكمه، وفصله على ما تقتضيه طبيعة النازلة محفوفة بتلك الأحوال.
قال المؤلف في (ص ٧٨): "ذلك من الأغراض التي أنكر النبي ﷺ أن يكون له فيها حكم أو تدبير، فقال ﵇: "أنتم أعلم بأمور دنياكم".
كيف ينكر النبي ﷺ أن يكون له في سياسة الأمة حكم أو تدبير، ونحن إذا قلبنا نظرنا في سيرته، نجده كان يحكم فيما شجر بين الناس، ويقيم الحدود والزواجر على من يجني على نفس أو مال، أو عرض أو عقل، ويجمع المال من حيث أمره الله، وينفقه في وجوه المصالح، وإسعاد ذوي الحاجة، ويتولى عقد التحالف والمعاهدات والصلح وإعلان الحرب، ويدبر أمرها، ويرسم لها الخطط مع المشاورة في هذا السبيل والأخذ بأرجح الآراء.
стр. 4077
يتولى هذه الأمور بنفسه، وقد يندب للقيام بها من فيه الكفاية والخبرة، وهل بعد هذا التصرف الثابت كتاباً وسنة متواترة يخرج كتاب "الإسلام وأصول الحكم" في واد حافل بعلماء الشريعة، ويصيح بأن النبي ﷺ أنكر أن يكون له في شؤون الأمة حكم أو تدبير؟!.
وأما حديث: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، فإنه وارد في واقعة تأبير النخل، فيحمل على هذا المعنى، وما شاكله من فنون الزراعة والصناع وغيرها من وسائل العمران المادية.
قال المؤلف في (ص ٧٨): "ذلك من أغراض الدنيا، والدنيا من أولها لآخرها، وجميع ما فيها من أغراض وغايات، أهونُ عند الله تعالى من أن يقيم على تدبيرها غير ما ركب فينا من عقول، وحبانا من عواطف وشهوات، وعلّمنا من أسماء ومسميات، هي أهون عند الله تعالى من أن يبعث لها رسولاً، وأهون عند رسل الله تعالى من أن يشغلوا بها، وينصبوا لتدابيرها".
ننظر في الكتاب العزيز، فنجده طافحاً بما يدل على أن إرشاده لا يقتصر على العقائد والعبادات، فنجد فيه نصوصاً في بيان ما يحلّ أكله أو شربه، وما لا يحل فيه ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
ونجد نصوصاً في بيان من يحل نكاحهن، ومن لا يحل، ونصوصاً تحرم مباشرة الزوجة في بعض الأحوال؛ كما قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢﴾
стр. 4078
ونجد نصوصاً في قسمة تركات الهالكين على ورثتهم؛ كما قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١﴾ الآية.
ومن البين بنفسه: أن الأكل والشرب والنكاح والأموال الموروثة عن أولي القربى، كل ذلك من أغراض هذه الحياة وغاياتها.
إذن، فالمؤلف يريد بهذه المقالة استدراج السذج والأطفال إلى إنكار كل ما زاد على العقائد والعبادات، حتى يتسنى للإباحية السائبة أن تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، وتضرب خيامها في كل واد، فإذا أصبح الناس يدخلون في دينها أشتاتاً، قام الشيطان مرة أخرى، واستفز من استطاع منهم لتأليف كتاب يسمى الإسلام وأصول العبادات.
قال المؤلف في (ص ٧٩): "لا يريبنك هذا الذي ترى أحياناً في سيرة النبي ﷺ ، فيبدو لك كأنه عمل حكومي، ومظهر للملك والدولة، فإنك إذا تأملت، لم تجده كذلك، بل هو لم يكن إلا وسيلة من الوسائل التي كان عليه ﷺ أن يلجأ إليها تثبيتاً للدين، وتأييداً للدعوة، وليس عجيباً أن يكون الجهاد وسيلة من تلكم الوسائل، هو وسيلة عنيفة وقاسية، ولكن ما يدريك، فلعل الشر ضروري للخير في بعض الأحيان، وربما وجب التخريب ليتم العمران".
أريناكم أن من مقاصد الإسلام: إصلاح السياسة، وإقامة دولة، وأنه وضع لهذه الدولة أركاناً وأصولاً، وأن ما يحسبه المؤلف من مظاهر الحكومة النبوية هيناً، هو عند ذوي العقول الراجحة والآراء الرصينة عظيم، وإنما نقلنا لكم هذه الفقرة من فقرات الكتاب؛ لنريكم مثلاً من أمثلة تخاذل نسجه، وصورة من صور موارباته.
стр. 4079
يقول المؤلف فيما سلف: "وإنما يكون الجهاد لتثبيت السلطان، وتوسيع الملك". وأخذ يقرر هذا المعنى، ويسوق في تقريره كل ما يملك من شبهة، ولم يزد هنالك على أن قال عقب البحث: "فذلك سر الجهاد عندهم".
وقال هاهنا: إن الجهاد وسيلة من الوسائل التي كان النبي ﷺ يلجأ إليها تثبيتاً للدين، وتأييداً للدعوة، وبعد أن وصفه بأنه وسيلة عنيفة وقاسية، أتى بعبارة يتقرب بظاهرها إلى آراء أهل العلم، ويدس في لحن خطابها تشكيكا لقوم لا يتفكرون، فقال: وما يدريك؛ لعل الشر ضروري للخير في بعض الأحيان.
وهل من الذوق الملائم للإيمان، أن ينعت المسلم عملاً مشروعاً بأنه شر، ثم يقول على سبيل الاعتذار منه: وما يدريك؛ لعل الشرّ ضروري للخير في بعض الأحيان!!
ومن يأخذ قول المؤلف في (ص ٥٢): "من أمثلة الشؤون الملكية التي ظهرت أيام النبي ﷺ : مسألة الجهاد" إلى قوله هنا: "إن الجهاد من الوسائل التي كان النبي ﷺ يلجأ إليها تثبيتاً للدعوة"، وضم إلى هذا قوله في (ص ٧١): "إن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاع المجرد من كل معاني السلطان"، قام له شاهد عدل يناجيه بأن المؤلف يريد أن يضع في ذهن قارئ كتابه: أن جهاده ﷺ من الأعمال التي ما أنزل الله بها من سلطان.
قال المؤلف في (ص. ٨): "ترى من هذا: أنه ليس القرآن وحده الذي يمنعنا من اعتقاد أن النبي ﷺ كان يدعو مع رسالته الدينية إلى دولة سياسية. وليست السنّة هي وحدها التي تمنعنا من ذلك، ولكن مع الكتاب والسنّة حكم العقل، وما يقضي به معنى الرسالة وطبيعتها".
стр. 4080
قد رأيت أن استشهاد المؤلف بتلك الآيات والأحاديث مبني على قصور في فهمها، أو قصد إلى تحريف الكلم عن مواضعها، فالكتاب والسنّة لا يمنعان "من اعتقاد أن النبي ﷺ كان يدعو مع رسالته الدينية إلى دولة سياسية،، بل يدلان بصراحة كفلق الصبح، على أنه ﵊ كان مبلّغاً ومنفّذاً، وأن قيامه على التنفيذ داخل في حدود وظيفته السماوية.
ودعوى المؤلف: أن حكم العقل، وما يقضي به معنى الرسالة وطبيعتها يمنعه من اعتقاد أن يكون التنفيذ داخلاً في وظيفة الرسول ﵇ السماوية، قد أريناك فسادها، وأنها كلمة هو قائلها، فلا العقل يمنع من أن يؤمر الرسول بالتبليغ والتنفيذ، ولا الأمر بإبلاغ شريعة يمنع بطبيعته من أن يضاف إليه الأمر بتنفيذها.
стр. 4081
الكتاب الثالث
الخلافة والحكومة في التاريخ
стр. 4082
الكتاب الثالث
الخلافة والحكومة في التاريخ
الباب الأول
الوحدة الدينية والعربية
* ملخصه:
افتتح المؤلف الباب بأن الإسلام وحدة دينية، وأن الله اختار لدعوته محمد بن عبد الله ﷺ ، وقال: لله- جلّ شأنه- حكمة في ذلك بالغة، قد نعرفها، وقد لا نعرفها.
وأتى على وجه ابتداء الدعوة بين العرب، وذكر عقب هذا: أن البلاد العربية كانت مختلفة الشعوب والقبائل، ومتباينة في مناهج الحكم والعادات، وأن هذه الأمم المتنافرة اجتمعت في زمن النبي ﷺ حول دعوة الإسلام، وأن وحدتها لم يكن فيها من معاني الدولة والحكومة. وزعم أن النبي ﷺ لم يتعرض لشيء من سياسة تلك الأمم، ولا غيّر شيئاً من أساليب الحكم عندهم، وذكر أن في الشرائع التي جاء بها النبي ﵇ ما يمس إلى حد كبير أكثر مظاهر الحياة في الأمم، ثم قال: ولكنك إذا تأملت، وجدت أن كل ما شرّعه الإسلام من أنظمة وقواعد وآداب لم يكن في شيء كثير ولا قليل من أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة المدنية، وزعم أنك إذا جمعته، لم يبلغ أن يكون جزءاً يسيراً مما يلزم لدولة مدنية
стр. 4083
من أصول سياسية وقوانين، وقال: إن كل ما جاء به الإسلام إنما هو شرع ديني، ولمصلحة البشر الدينية لا غير.
وأخذ يتكلم عن حال العرب يوم لحق ﵇ بالرفيق الأعلى، وزعم أنها وحدة دينية من تحتها دول تامة التباين إلا قليلاً، وتخلص من هذا إلى أن زعامة الرسول فيهم زعامة دينية، لا زعامة مدنية، فإذا ما لحق ﵇ بالملأ الأعلى، لم يكن لأحد أن يقوم من بعده ذلك المقام الديني، وزعم أنه ﵇ لم يشر إلى شيء يسمّى: دولة إسلامية، وأنه لم يكن في عمل النبي ﵇ أن ينشئ دولة، واستشهد على هذا بأنه لم يتعرض لأمر من يقوم بالدولة من بعده، وتعرض لما انتُقدت به دعوى ابن حازم: أن النيي ﷺ نصّ على استخلاف أبي بكر ﵁. وقال: بل الحق أنه ﷺ ما تعرض لشيء من أمر الحكومة بعده، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون إليه، وقفل الباب بقوله: مات ﵊, وانتهت رسالته، وانقطعت تلك الصلة الخاصة التي كانت يين السماء والأرض في شخصه الكريم ﵇ ".
* النقض - سياسة الشعوب وقضاؤها في العهد النبوي:
قال المؤلف في (ص ٨٣): "البلاد العربية -كما تعرف- كانت تحوي أصنافاً من العرب مختلفة الشعوب والقبائل، متباينة اللهجات، متنائية الجهات. وكانت مختلفة أيضاً في الوحدات السياسية: فمنها ما كان خاضعاً للدولة الرومية، ومنها ما كان قائماً بذاته مستقلاً، كل ذلك يستتبع بالضرورة تبايناً كبيراً يين تلك الأمم العربية في مناهج الحكم، وأساليب الإدارة، وفي الآداب والعادات، وفي كثير من مرافق الحياة الاقتصادية". ثم قال: "تلك الوحدة
стр. 4084
العربية التي وجدت زمن النبي ﷺ ، لم تكن وحدة سياسية بأي وجه من الوجوه، ولا كان فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، بل لم تعدُ أبداً أن تكون وحدة دينية خالصة من شوائب السياسة، وحدة الإيمان والمذهب الديني، لا وحدة الدولة ومذاهب الملك".
لا حرج على تلك الأمم المختلفة في عاداتها وآدابها ومناهج حكمها، أن تنتظم بشريعة الإسلام؛ فإن القوانين تكون محكمة، وتسير على وجه مطرد، متى اتفق لها أمران: أن لا تكون مخلة بالمصلحة، وأن يتلقاها الجمهور بسكينة واطمئنان. وفي الشريعة بعض أحكام مفصلة؛ وسائرها أصول كلية حسبما قررناه أنفاً، أما الأحكام المفصلة، فإنها قائمة على رعاية مصالح لا تختلف باختلاف الشعوب والعادات، وما لم يفصل حكمه، فذلك موكول إلى نظر الحاكم، فينظر فيما يقتضيه حال العادات والأخلاق وطبيعة الاجتماع، ويستنبط له من تلك الأصول العامة حكماً مطابقاً. ولا شك أن الخضوع لأحكام الشريعة، مفصلة كانت أو مأخوذة باستنباط مستوف للشروط، هو من مقتضيات الإيمان بحكمتها.
فأخذ تلك الشعوب والقبائل تحت حكومة الإسلام لا يخل بشيء من مصالحها، كما أنه لا يتوقع من الجمهور أن يلاقي قضاء هذه الحكومة وإدارتها، بغير السكينة والاطمئنان.
وما زعمه المؤلف من أن تلك الوحدة العربية لم يكن فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، زعم يضربه التاريخ الصحيح بيد عنيفة قاسية، "وما يدريك، فلعل الشر ضروري للخير في بعض الأحيان".
قال المؤلف في (ص ٨٣): "يدلك على هذه سيرة النبي ﷺ فما عرفنا
стр. 4085
أنه تعرض لشيء من سياسة تلك الأمم الشتيتة، ولا غيَّر شيئاً من أساليب الحكم عندهم، ولا مما كان لكل قبيلة منهم من نظام إداري أو قضائي، ولا حاول أن يمس ما كان بين تلك الأمم بعضها مع بعض، ولا ما كان بينها وبين غيرها من صلات اجتماعية أو اقتصادية، ولا سمعنا أنه عزل والياً، ولا عين قاضياً".
مما لا تحوم عليه شبهة، ولا تخالجه ريبة: أن كل أمة تعتنق الإسلام يأخذ الحكم فيها صورة غير صورته الجاهلية، فالقضايا كلها، سواء كانت جنائية أم مالية، أم راجعة إلى أحوال الزوجية، إنما تفصل بحكم القرآن أو السنّة، أو بالاجتهاد المستند إلى القواعد المركوزة في نفس الواقف على روح التشريع، ومن شواهد هذا: حديث معاذ، حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فقد تضمن الحديث: أنه يقضي بكتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله، فبسنّة رسول الله ﷺ ، فإن لم يكن في سنّة رسول الله ﷺ ، اجتهد رأيه، وقد صحح هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي"، وصححه ابن قيّم الجوزية في "إعلام الموقعين" (١).
وقال الإمام الشافعي ﵁: "بعث رسول الله ﷺ سراياه، وعلى كل سرية واحد، وبعث رسله إلى الملوك، إلى كل ملك واحد، ولم تزل كتبه تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي، فلم يكن أحد من ولاته يترك إنفاذ أمره" (٢).
وفي "صحيح البخاري": (٣) أنه ﷺ يبعث: "أمراءه واحداً بعد واحد،
стр. 4086
فإن سها أحد منهم، رده إلى السنّة" (١). وقال شرّاح الحديث: "فائدة بعث الآخر بعد الأول؛ ليرده إلى الحق عند سهوه".
وقال ابن حجر في "فتح الباري" (٢): "والأخبار طافحة بأن أهل كل بلد كانوا يتحاكمون إلى الذي أمِّر عليهم".
وروى مالك بن أنس (٣) في كتاب "الموطأ" (٤): أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم (٥) في العقول: "أن في النفس مئة من الإبل، وفي الأنف إذا ادّعى جدعاً مئة من الإبل، وفي المأمومة (٦) ثلث الدية، وفي الجائفة (٧) مثلها، وفي العين خمسون، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة (٨) خمس".
فهذه النصوص من رجال كانوا ينقدون الأخبار نقدَ الصيارف للدينار،
стр. 4087
تطعن في وجه ما يزعمه المؤلف من أن النبي ﷺ لم يعين قاضياً، وتدل على أن أمراء النبي ﷺ كانوا يتصرفون في شؤون تلك الأمم على مقتضى الكتاب والسنة. وإن كان المؤلف في ريب مما يقوله حملة الشريعة وحفاظها، فهذا جرجي زيدان يقول في "تاريخ التمدن الإسلامي" (١): "لما ظهر الإسلام، كان النبي ﷺ رئيس المسلمين في أمور الدنيا، وهو حاكمهم، وقاضيهم، وصاحب شريعتهم، وإمامهم، وقائدهم. وكان إذا ولى أحد أصحابه بعض الأطراف، خوله السلطتين: السياسية، والدينية، وأوصاه أن يحكم بالعدل، وأن يعلِّم الناس القرآن".
وأما ما كان بين تلك الأمم بعضها مع بعض، أو ما كان بينها وبين غيرها من صلات اجتماعية أو اقتصادية، فمتى كان فيها ما لا يتفق مع المصلحة، أو ما يمس قاعدة من قواعد الدين الحنيف، فلا بد للحاكم المسلم من أن يغيره، ويجريه على ما يلائم القانون العادل، والأدب الجميل، والحجة على المؤلف في هذا قول جرجي زيدان: "وخوله السلطتين: السياسية، والدينية، وأوصاه أن يحكم بالعدل، وأن يعلم الناس القرآن".
يقول المؤلف: "ولا سمعنا أنه عزل والياً".
هذه كلمة لا فائدة لها سوى أنها تكثر سواد مزاعمه، فإن مدة بعث الأمراء في عهد النبوة لا تتجاوز ثلاث سنين، وهي مدة قصيرة قد يسير فيها الولاة على طريقة مثلى، فلا يقعون في زلة تستوجب عزلهم، فإن كان العزل عند المؤلف من أعلام الدولة، فقد ورد في الصحيح: أنه ﵇ عزل
стр. 4088
بعض قواد الجيش. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنّة" (١)؛ "فقد كان -يعني: النبي ﷺ يولي في حياته من يشتكي إليه، فيعزله؛ كما عزل الوليد ابن عقبة، (٢) وعزل سعد بن عبادة (٣) عام الفتح، وولّى ابنه قيساً" (٤).
* درة عمر بن الخطاب وإدارة البوليس:
قال المؤلف في (ص ٨٤): "ولا نظَّم فيهم عسساً".
نبهنا قبل هذا على أن عمل الحرس لذلك العهد، كان يقوم به كل مسلم عرف أن تمام إيمانه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الشهادة بالقسط، ولو على نفسه، أو والديه وأقربيه، ويضاف إلى هذا: تأثير مواعظ القرآن على تلك الفطر التي لم تتلوث بأوساخ المدنية الفاسقة، فتعقد بين القلوب تعاطفاً، وتطبع النفوس على أدب جميل، فلا يكون للبغي مظهر، ولا للفظاظة يد، إلا في أوقات نادرة.
واعتبرْ في هذا المعنى بالهرمزان (٥) ملك خوزستان، حين جيء به إلى عمر بن الخطاب ﵁ وهو نائم في المسجد متوسداً درّته، فقال: هذا هو
стр. 4089
الملك؟ قيل: نعم، فقال له: عدلت، فأمنت، فنمت، والله! إني خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة أصحاب التيجان، فما هِبْتُ أحداً منهم هيبتي لصاحب هذه الدرّة.
فإذا كانت الدرّة في يد النائم في المسجد تجعل في قلب البريء طمأنينة، وفي قلب المريب رهبة، فما هي الفائدة التي تجنيها الأمة من تشييد قصر يخرج منه ويعود إليه في كل يوم رجال يتقاضون في رأس كل شهر ما يتقاضون؟
* التشريع الإسلامي والزراعة والتجارة والصنائع:
قال المؤلف في (ص ٨٤): "ولا وضع قواعد لتجارتهم، ولا لزراعتهم، ولا لصناعتهم، بل ترك لهم ﵇ كل تلك الشؤون، وقال لهم: أنتم أعلم بها، فكانت كل أمة ومالها من وحدة مدنية وسياسية، وما فيها من فوضى أو نظام، لا يربطهم إلا ما قلنا لك، من وحدة الإسلام وقواعده وآدابه".
التشريع الإسلامي يتناول كل ما ينظر فيه رجال القضاء والسياسة، بمعنى: أن له في النوازل القضائية أحكاماً، وفي إدارة الشؤون السياسية مقاصد. والمنوط بعهدة أولي الأمر أن تُقرر تلك الأحكام بحق، وأن تُقام تلك المقاصد بنظام، والوسائل التي يصلون بها إلى أن تأخذ الأحكام مأخذها، أو تقوم المقاصد على وجهها، موكولة إلى اجتهادهم وأمانتهم.
فمن مقاصد الشرع: أن تكون مرافق الحياة ميسورة، وأن تكون القوة من الأموال ووسائل الدفاع متوفرة، وفوّض لأولي الأمر النظر فيما يجعل عيشة الأمة راضية، وقوتها كاملة، فهم الذين يضعون للتجارة والزراعة والصناعة نظماً لا تعترض أصلاً من أصول التشريع، بل يجب أن تكون في دائرته التي
стр. 4090
تسع كل قانون عادل، ونظام لائق.
هذا إذا كان قصد المؤلف من قواعد هذه الأشياء: الأنظمة العائدة إلى ترقيتها وتقدمها، أما إذا أراد بالقواعد والقوانين التي يرجع إليها عند الفصل بين المتخاصمين، فإن الشريعة قررت بعضها بتفصيل، وأودعت سائرها في ضمن أصول كلية؛ كبقية أحكام الحلال والحرام. هذا تحقيق النظر في المسألة من الوجهة الشرعية، أما إذا ثنينا عنان البحث إلى المسألة من حيث سيرة النبي ﷺ , فلنا نظران أيضاّ:
نظر من حيث الحكم في القضايا التي تنشب بين أصحاب التجارة أو الصناع أو الزرل، وهذا مما كان ﷺ ! يتولاه بنفسه، وقد يكل بعضه إلى من يقوم عليه؛ كما جاءت الرواية بأنه ﷺ كان يولي في بعض الأسواق من ينظر في شؤون المعاملات، ويراقب ما عساه أن يقع في غش أو مبايعة على غير وجه مشروع، وفي "السيرة الحلبية": "أن رسول الله ﷺ استعمل سعد بن سعيد ابن العاص بعد الفتح على سوق مكة، واستعمل عمر بن الخطاب ﵁ على سوق المدينة".
والنظر الثاني من ناحية العمل على إصلاح شأن هذه الفنون، وهذه الفنون من أمور الدنيا التي لا يدخل تعليمها في وظيفة الرسول ﵇ السماوية، إلا من حيث الأمر بإقامة كل ما يسد حاجات الأمة، ويكفل لها العزة والمنعة، وفي مثل هذا قال النبي ﷺ : "أنتم أعلم بأمور دنياكم".
والفرق بين النظرين: أن تقرير أحكام الوقائع القضائية وغير القضائية لا يصح إلا ممن تحققت فيه شروط الاجتهاد، وأما العمل على إصلاح وسائل الحياة؛ من نحو التجارة والزراعة، فيؤخذ فيها برأي العارف بها،
стр. 4091
وإن لم يكن مطلعاً على شيء من أصول الشريعة أو فروعها.
إذن، فالنبي ﷺ قام بوظيفته السماوية التي هي إبلاع ما أنزل إليه، وتنفيذ ما جاء به من أوامر ونواه، ولم يبق سوى أن يقال: لماذا لم يقم بذلك الأمر الذي هو خارج عن وظيفته السماوية؛ بأن يكلف ذوي الخبرة بإصلاح شأن التجارة والزراعة والصناعة؟
وجواب هذا السؤال: أن ما كان بين أيدي الأمة من هذه الوسائل كان ملائماً لمظاهر حياتهم البسيطة، وكافياً لسد حاجاتهم، وإحرازهم القوة التي تجعلهم في منعة من أعدائهم، ثم إن الحروب لم تزل -منذ طلع كوكب الدولة- حاملة أوزارها، فلم يأخذ القوم خلالها مهلة ينصرفون فيها إلى النظر في شأن الزراعة ونحوها، ولا سيما إذ كانت قلة عددهم بالنسبة لأعدائهم المتألبين عليهم من كل جانب، تضطرهم إلى أن يكون شبابهم وكهولهم وشيوخهم يتقلدون السلاح، ويظلون على أهبة القتال، بكرة وعشياً.
فالمؤلف رمى بنفسه في هذا البحث، وهو غير واقف على روح التشريع، ولا على طبيعة حال الأمة لعهد النبوة، فكان فيما نال به جانب الحكومة النبوية من المسرفين.
* التشريع الإسلامي والأصول السياسية والقوانين:
قال المؤلف في (ص ٨٤): "ولكنك إذا تأملت، وجدت أن كل ما شرعه الإسلام، وأخذ به النبي ﷺ المسلمين؛ من أنظمة، وقواعد، وآداب، لم يكن في شيء كثير ولا قليل من أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة المدنية، وهو بعد إذا جمعته، لم يبلغ أن يكون جزءاً يسيراً مما يلزم لدولة مدنية من أصول سياسية وقوانين".
стр. 4092
تهافتت على المؤلف هذه الخواطرة لقلة تفقهه في الشريعة، وعدم وقوفه على تاريخ عهد النبوة وقوفَ الباحث البصير، وحذراً من أن تستدرج هذه الفقرة نفراً ينصتون لها على غير هدى، أسوق كلمة مقتصدة، يلقي عليها القارئ نظرة واحدة، فيشهد من روح التشريع، وتاريخ السياسة النبوية ما تتساقط عنده تلك الشبه صرعى، ويتسلل منه ذلك الرأي لواذاً.
لنبحث عن مبادئ الشريعة الاجتماعية السياسية، منذ طلعت إلى أن أغلق باب الوحي، ونعرّج على نبذة من سيرة النبي ﷺ في تدبير شأن السياسة؛ حتى تعلم أن الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم لم يخطئوا في فهم الدين، ولم يتفقوا على ضلالة.
نزل القرآن في نحو عشرين سنة، وكان معظم ما نزل بمكة إنما هو كليات الشريعة؛ من تقويم العقائد، وإصلاح الأخلاق والعادات، فتجد السور المكية طافحة بالدعوة إلى الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، وإقامة الحجج على ذلك، ودفع شبه الجاحدين، والأمر بالنظر في ملكوت السماوات والأرض، والاعتبار بقصص الأمم الخالية، ثم الإرشاد إلى مكارم الأخلاق؛ من نحو العدل والصدق والحلم والعفو والصبر، والوفاء بالعهد، وحسن الإخاء، وبر الوالدين، وإنفاق المال في طريق الخير، وإيفاء الكيل والميزان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإباية الضيم المنبه عليها بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩].
وهناك تجد محاربة المزاعم الباطلة، والعادات السمجة، والنهي عن البغي وقتل النفس والزنى، والتطفيف في الكيل والوزن، والخيلاء والإعجاب بالنفس، والرياء والكذب، والقول على الله بغير علم. كل ذلك تراه مصوغاً
стр. 4093
في أساليب تلذ الفطر السليمة مذاقها، وتلين القلوب القاسية لجزالتها، وشرع في أثناء ذلك أهم ركن في العبادات، وهي الصلاة، ثم بعض الأحكام الراجعة إلى قسم العادات؛ كبيان ما يحلّ أكله، وما هو حرام، وألقى في النفوس أن الشريعة تمشي بالناس على الطريقة الوسطى، فنزلت آيات في التذكير بنعم هذه الحياة، وأخرى في إباحة الأخذ بزينتها والتمتع بطيباتها. وهنالك وضعت القاعد؛ الاجتماعية السياسية، وهي قاعدة الشورى، ونزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨].
ويمثل هذه التعاليم الباهرة، والآداب الساطعة، تألف حول مقام الرسالة قوم يخالفون سائر القبائل العربية بعقائدهم وأخلاقهم وآدابهم، وكثير من عاداتهم، وأصبحوا بين يدي واعظ الإسلام آذاناً صاغية، ونفوساً لينة، يقف فيقفون، ويسير فإذا هم على أثره مقتدون.
ويعد هجرة صاحب الرسالة - صلوات الله عليه - إلى المدينة المنورة، جعل الوحي السماوي يشرّع ما بين الوعظ والتذكير أحكاماً عملية، وأصولاً اجتماعية، تلك الأحكام والأصول التي لا يسنّها إلا من قصد إلى بناء دولة تسلك في قضائها وسياستها شرعة خاصة، فترى في السور المدنية عقوبة السارق، والزاني، والقاذف، والساعي في الأرض فساداً، وآيات الجهاد، والقضاء العادل، وما يستند إليه من بينات، ثم الإرشاد إلى أصول المعاملات؛ مثل: البيع والقرض والرهن والوصية والتوكيل والحجر على القاصرين من سفيه أو يتيم، ثم أحكام النكاح والطلاق والخلع والنفقات والمواريث والإصلاح بين الأفراد والجماعة، ثم المعاهدات التي تعقد بين المسلمين وغير المسلمين، وهنالك شرعت الزكاة والجزية، وهي أموال تصرف في
стр. 4094
حاجات ومصالح يجب على الرئيس الأعلى النظر في شأنها، وهنالك فرض الحج، ومن حكمه التعارف والنظر في شؤون الأمم الإسلامية قاطبة.
وتجد في السنّة النبوية التي لا يملك المؤلف، ولا غير المؤلف أن ينازع في صحتها: أصول الشركة، والشفعة، والقسمة، والمزارعة، وإحياء الموات، والهبة، والفلس، إلى ما عدا ذلك مما هو بيان لبعض ما أجمله الكتاب العزيز في تلك الأبواب وغيرها.
ومن بعد نصّ الكتاب السنّة، تلك القواعد التي ساقنا البحث إلى التنبيه عليها فيما سلف، فإنها تتعرف في موارد كثيرة منهما، لا فرق بين مكي أو مدني، وسواء على المجتهد أن يتعرفها من آيات الأحكام، أم من غير آيات الأحكام؛ كالمواعظ، ومآخذ العبر، وقد تكون نتيجة استقراء جانب من القرآن، وأقوال النبي ﷺ ، وأفعاله؛ كما انتزعوا قاعدة: "ارتكاب أخف الضررين" من مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩﴾. وانتزعوا قاعدة سد الذراع من مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
والمقدار الذي يفيد القطع بأن هذا المعنى مقصود للشارع، فيجعل قاعدة، موكولٌ إلى أنظار المجتهدين الراسخين في العلم بروح التشريع، لكثرة تدبرهم في النصوص، وترددهم على ما فصل من أحكام.
وبالوقوف على روح التشريع، ساغ لهم أن يقرروا معاني بعض الآيات والأحاديث على حسب ما تقتضيه هذه القواعدة كما قيد الإمام مالك ﵁ حديث: "اليمين على من أنكر" بشرط الخلطة بين المدّعي والمدّعى عليه، وهو في الحقيقة إنما قيد نص الشارع بقاعدة مأخوذة من نصوصه، وهي
стр. 4095
قاعدة: سد الذرائع؛ إذ لو وُجِّه اليمين على كل مدّعى عليه، لتمكن أهل السفاهة من امتهان أهل الفضل، ولا يشاء أحد أن يحلف أحداً من أهل الخير والفضل إلا ادعى عليه دعوى يتوصل بها إلى تحليفه وامتهانه.
ولعلك تستخلص من هذا المقال، على ما فيه من الجاز: أن شارع الإسلام يقصد إلى أن يكون للمسلمين دولة ذات صبغة دينية، وأنه سنّ لهذه الدولة سبيلاً متى جمح عنه الحاكم يميناً أو شمالاً، كان مسؤولاً للأمة المسلمة في الدنيا، ولمنزّل الشريعة في الآخرة. وقد حررنا لك فيما سلف: أن الشارع يوجه عنايته إلى حفظ الحقائق أو المصالح، ويترك الوسائل إلى اجتهاد أولي الأمر، يفرض الشارع تنوير عقول الأمة بالعلوم والمعارف، أما أن تكون مدة الدراسة أربع ساعات في اليوم، أو خمساً، وأن يشتغل طلبة العلوم بالسياسة، أو لا يشتغلون، وأن يعقد لهم امتحان في أول السنة، أو آخرها، وأن يمنح التلميذ حرية البحث في نفس الدرس، أو لا يفسح له في البحث إلا بمقدار، فذلك كله، وأمثاله معه، مما ينظر فيه أولو الأمر، ويُجرونه على حسب ما يتراءى لهم من المصلحة.
فقول المؤلف: "إن كل ما شرعه الإسلام، وأخذ به النبي ﷺ من أنظمة وقواعد وآداب إلخ" إنما هو قول من لم يقف على روح التشريع، ولم يدر أن ما لم تنص عليه الشريعة من الأنظمة، إنما هو من النوع الذي يتبدل على حسب ما تقتضيه طبائع الشعوب، وأحوال الأزمنة.
* أحكام الشريعة معللة بالمصالح الدنيوية والأخروية والمصلحة الدنيوية منها هي ما يبحث عنه أصحاب القوانين الوضعية:
قال المؤلف في (ص ٨٥): "إن كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات
стр. 4096
وآداب وعقوبات، فإنما هو شرع ديني خالص لله تعالى، ولمصلحة البشر الدينية لا غير. وسيان بعد ذلك أن تتضح لنا تلك المصالح الدينية، أم تخفى علينا، وسيان أن يكون منها للبشر مصلحة مدنية، أم لا، فذلك ما لا ينظر الشرع السماوي إليه، ولا ينظر إليه الرسول".
يقول المؤلف في هذه الفقرة: إن ما جاء به الإسلام من معاملات وعقوبات غير قائم على رعاية المصالح المدنية، ويقصد بهذا: أنها لا تصلح لأن تتمسك بها الدولة في سياستها، وما هو إلا الهوى تزوج بالعقيدة الشوهاء، فكان من نسلهما هذا الرأي العنيد.
أحكام الإسلام ترجع إلى: عبادات، ومعاملات، وعقوبات.
أما العبادات، فالقصد منها: مصلحة البشر الدينية، وقد تتبعها مصالح دنيوية؛ كما قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ ﴿نوح: ١٠ - ١١].
وأما المعاملات والعقوبات، فإنه يراد منها: إقامة المصالح في الدنيا، وتترتب عليها مصلحة أخروية، وهي الثواب عليها في الدار الباقية، متى صحب العمل بها قصدُ الامتثال، وهذه المصلحة الأخروية لا تخرج المصلحة الدنيوية عن أن تكون هي المصلحة التي يبحث عنها أصحاب القوانين الوضعية، وإن شئت تحرير البحث في هذا الصدد، فإليك التحرير:
للنفوس أربعة أحوال: لذة، وسرور، وألم، وغَمّ. فيلتذ الإنسان بالحكمة، ثم بالطيبات من طعام وشراب، وفراش لين، ونوم هادى"، ويسرّ بازدياد الولد وصلاحه، والانتصار على العدو، وأن يكون له لسان صدق في مجالس أهل الفضيلة. ويتألم من الوجع، ومذاق الطعام المر،
стр. 4097
والشراب الملح الأجاج، وأن يقرع سمعه أنكر الأصوات، أو يمس بدنه حرّ سلاح أو سياط. ويغتم لفقد مال أو مفارقة صديق، أو استبداد حاكم غشوم.
ومن البديهي أن النفوس تحرص على ما فيه لذة أو سرور، وتنفر مما فيه ألم أو غم، فكل إنسان يسعى بفطرته إلى ما فيه لذته وسروره، ويحذر ما يلاقي به ألماً وغمّاً، ولا تكاد تصرفاته الصادرة عن إرادة وعزم تخرج عن أن يقصد بها نيل ما فيه لذة أو سرور، أو يحترس فيها عمّا فيه ألم أو غمّ، وإذا اعترض عما فيه لذة أو سرور، فلينال لذة وسروراً أعظم، وإذا اقتحم موقع ألم أو غمّ، فليخلص من ألم أو غمّ أشد أثراً، أو أطول أمداً.
وحيث كان الإنسان مخلوقاً على فطرة تستدعي أن يعيش في جماعة من أبناء جنسه، وتألَّف الناس بالفعل شعوباً وقبائل، أصبحت أسباب اللذة والسرور، والآلام والغموم تتصادم، فربّ عمل فيه لذة شخص أو سروره، يجر لآخر غماً أو ألماً، ورب إحجام إنسان عن موقع ألم أو غمّ يحرم غيره لذة وسروراً.
فنسمي اللذة والسرور وأسبابها: مصالح، أو منافع، ونسمّي الآلام والغموم وأسبابها: مفاسد، أو مضار، ونقول: إن تعارض الدواعي في جلب المصالح ودرء المفاسد يفضي بطبيعته إلى تنازع وتقاتل. فاقتضت الضرورة أن يكون للجماعة قانون يكبح القوى عن الاستئثار بمنافع الضعفاء، ويفصل ما ينتشب بين القوتين المتكافئتين من تدافع وخصام.
فالشرائع السماوية، والقوانين الوضعية، تتحد في أن القصد منها: حفظ المصالح، ودرء المفاسد على وجه يجعل كل أحد يصل إلى ملاذّه
стр. 4098
ومسراته؛ بشرط أن لا يلحق بغيره ألماً وغمّاً، وتنفرد الشريعة السماوية بأن تجعل لتطبيق أحكامها بإخلاص مصلحة أخرى، وهي رضوان الله، أو نعيمه الدائم في الآخرة، وتمتاز بعد كون قوانينها أعدل وأشد مطابقة لمكارم الأخلاق، بأن الطائع لها إنما يطيع أمر ربه الأعلى، لا إرادة مخلوق قد يكون أقل منه علماً، أو أحطّ أخلاقاً، أو أسفه رأياً. وهذا المعنى الذي تختص به الشريعة السماوية، يجعل كثيراً من الناس يمتثلون قوانينها بباعث من أنفسهم، وإن أمنوا من عقوبة السلطان على مخالفتها.
وقد عقد أهل العلم خناصرهم على أن أحكام الشريعة معللة بمصالح العباد في هذه الحياة وفي تلك الحياة، وأن المصالح التي تقصدها الشريعة السماوية ترجع إلى حفظ النفس والدين والعقل والعرض والنسب والمال، فالقصاص -مثلاً- مشروع لحفظ النفس، وحدّ الزنا لصيانة النسب، وحد القذف لصيانة العرض , وعقوبة شارب الخمر لصيانة العقل، والجهاد لحفظ الدين، بل الاستعمار الأجنبي دلّ على أن الجهاد مشروع لحفظ الدين والنفس والعرض والمال، ويرشد إلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨].
وكل ما شرع من أحكام المعاملات والتعازيز لا يخرج عن الاحتفاظ بهذه الحقوق.
وقد قال ابن الحاجب (١) في "مختصر منتهى السول" (٢): إجماع الفقهاء
стр. 4099
على أن أحكام الشرائع معللة، وأن التعليل يشمل كل فرد من الأحكام ..
وصرح عز الدين بن عبد السلام بأنها معللة بجلب المصالح ودرء المفاسد، قال في "قواعده" (١): "فصل في مناسبة العلل لأحكامها، وزوال الأحكام بزوال أسبابها، فالضرورات مناسبة لأباحة المحظورات جلباً لمصلحتها، والجنايات مناسبة لإيجاب العقوبات درءاً لمفاسدها". وقرر أبو إسحق الشاطبي في كتاب: المقاصد من "موافقاته": (٢) "إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً".
ولبناء أحكام الشريعة على مصالح العباد في الدنيا، خاض أهل العلم في البحث عن هذه المصالح، وعقدوا الموازنة بينها وبين المفاسدة ليبنوا الحكم على الراجح منهما عند التعارض، كما فعل أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته"، وعز الدين بن عبد السلام في "قواعده"، وتجدهم ينظرون إليها كما ينظر إليها أصحاب القوانين الوضعية؛ من حيث عظمها وصغرها، ومن حيث ما يترتب عليها في الخارج من آثار نافعة، أو عواقب سيئة، فهذا عز الدين بن عبد السلام يقول: "فصل في اجتماع المصالح مع المفاسد: إذا اجتمعمت المصالح مع المفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فعلنا ذلك؛ امتثالاً لأمر الله تعالى فيهما، وإن تعذّر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، درأنا المفسدة، ولا نبالي بفوات المصلحة. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]. وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة،
стр. 4100
حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة ... والضابط: أنه مهما ظهرت المصلحة الخلية عن المفاسد، سُعي في تحصيلها، ومهما ظهرت المفاسد الخلية من المصالح، سعي في درئها؛ وإن التبس الحال، احتطنا للمصلحة بتقدير وجودها، وفعلناها، وللمفسدة بتقدير وجودها، وتركناها".
ومن جهة التعليل بالمصالح انفتح باب القياس في الأحكام، وهو إلحاق الوقائع بنظائرها المنصوص عليها حيث اشتركتا في علة الحكم، كما قاسموا القضاء في حال المرض على القضاء في حال الغضب المنصوص عليه في قوله ﷺ : "لا يقضي القاضي وهو غضبان"؛ لأن علة المنع من القضاء متحققة في حال المرض، وهي قلق الفكر واضطرابه.
قال المؤلف في (ص ٨٥): "قد نخاف أن يخفى عليك أمر ذلك التباين الذي نقول: إنه كان بين أمم العرب زمن النبي ﷺ . وأن تخدعك تلك الصورة المنسجمة التي كان يحاول المؤرخون أن يضعوها لذلك العصر، فاعلم أولاً: أن في فن التاريخ خطاً كثيراً، وكم يخطئ التاريخ، وكم يكون ضلالاً كبيراً! ".
شأن الباحث المحقق أن يحدّ رأيه من كل جهة، ثم يتعرض لما عساه أن يقع في سبيله من روايات المؤرخين، وينقده بحكمة، فيبين مخالفته لسنن الكون، أو لطبيعة حال الأمة التي يقص من أنبائها، أو يعارضه برواية هي أصح سنداً، وأرجح وزناً.
كل إنسان يعلم أن في التاريخ حقاً وباطلاً، ولكن وراء التاريخ علوماً وقواعد تميز حقه من ياطله، وصحيحه من سقيمه.
فهل نقل المؤلف الروايات التي حاول المؤرخون أن يضعوا بها لعهد