← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

وآداب وعقوبات، فإنما هو شرع ديني خالص لله تعالى، ولمصلحة البشر الدينية لا غير. وسيان بعد ذلك أن تتضح لنا تلك المصالح الدينية، أم تخفى علينا، وسيان أن يكون منها للبشر مصلحة مدنية، أم لا، فذلك ما لا ينظر الشرع السماوي إليه، ولا ينظر إليه الرسول". يقول المؤلف في هذه الفقرة: إن ما جاء به الإسلام من معاملات وعقوبات غير قائم على رعاية المصالح المدنية، ويقصد بهذا: أنها لا تصلح لأن تتمسك بها الدولة في سياستها، وما هو إلا الهوى تزوج بالعقيدة الشوهاء، فكان من نسلهما هذا الرأي العنيد. أحكام الإسلام ترجع إلى: عبادات، ومعاملات، وعقوبات. أما العبادات، فالقصد منها: مصلحة البشر الدينية، وقد تتبعها مصالح دنيوية؛ كما قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ ﴿نوح: ١٠ - ١١]. وأما المعاملات والعقوبات، فإنه يراد منها: إقامة المصالح في الدنيا، وتترتب عليها مصلحة أخروية، وهي الثواب عليها في الدار الباقية، متى صحب العمل بها قصدُ الامتثال، وهذه المصلحة الأخروية لا تخرج المصلحة الدنيوية عن أن تكون هي المصلحة التي يبحث عنها أصحاب القوانين الوضعية، وإن شئت تحرير البحث في هذا الصدد، فإليك التحرير: للنفوس أربعة أحوال: لذة، وسرور، وألم، وغَمّ. فيلتذ الإنسان بالحكمة، ثم بالطيبات من طعام وشراب، وفراش لين، ونوم هادى"، ويسرّ بازدياد الولد وصلاحه، والانتصار على العدو، وأن يكون له لسان صدق في مجالس أهل الفضيلة. ويتألم من الوجع، ومذاق الطعام المر،

стр. 4097

والشراب الملح الأجاج، وأن يقرع سمعه أنكر الأصوات، أو يمس بدنه حرّ سلاح أو سياط. ويغتم لفقد مال أو مفارقة صديق، أو استبداد حاكم غشوم. ومن البديهي أن النفوس تحرص على ما فيه لذة أو سرور، وتنفر مما فيه ألم أو غم، فكل إنسان يسعى بفطرته إلى ما فيه لذته وسروره، ويحذر ما يلاقي به ألماً وغمّاً، ولا تكاد تصرفاته الصادرة عن إرادة وعزم تخرج عن أن يقصد بها نيل ما فيه لذة أو سرور، أو يحترس فيها عمّا فيه ألم أو غمّ، وإذا اعترض عما فيه لذة أو سرور، فلينال لذة وسروراً أعظم، وإذا اقتحم موقع ألم أو غمّ، فليخلص من ألم أو غمّ أشد أثراً، أو أطول أمداً. وحيث كان الإنسان مخلوقاً على فطرة تستدعي أن يعيش في جماعة من أبناء جنسه، وتألَّف الناس بالفعل شعوباً وقبائل، أصبحت أسباب اللذة والسرور، والآلام والغموم تتصادم، فربّ عمل فيه لذة شخص أو سروره، يجر لآخر غماً أو ألماً، ورب إحجام إنسان عن موقع ألم أو غمّ يحرم غيره لذة وسروراً. فنسمي اللذة والسرور وأسبابها: مصالح، أو منافع، ونسمّي الآلام والغموم وأسبابها: مفاسد، أو مضار، ونقول: إن تعارض الدواعي في جلب المصالح ودرء المفاسد يفضي بطبيعته إلى تنازع وتقاتل. فاقتضت الضرورة أن يكون للجماعة قانون يكبح القوى عن الاستئثار بمنافع الضعفاء، ويفصل ما ينتشب بين القوتين المتكافئتين من تدافع وخصام. فالشرائع السماوية، والقوانين الوضعية، تتحد في أن القصد منها: حفظ المصالح، ودرء المفاسد على وجه يجعل كل أحد يصل إلى ملاذّه

стр. 4098

ومسراته؛ بشرط أن لا يلحق بغيره ألماً وغمّاً، وتنفرد الشريعة السماوية بأن تجعل لتطبيق أحكامها بإخلاص مصلحة أخرى، وهي رضوان الله، أو نعيمه الدائم في الآخرة، وتمتاز بعد كون قوانينها أعدل وأشد مطابقة لمكارم الأخلاق، بأن الطائع لها إنما يطيع أمر ربه الأعلى، لا إرادة مخلوق قد يكون أقل منه علماً، أو أحطّ أخلاقاً، أو أسفه رأياً. وهذا المعنى الذي تختص به الشريعة السماوية، يجعل كثيراً من الناس يمتثلون قوانينها بباعث من أنفسهم، وإن أمنوا من عقوبة السلطان على مخالفتها. وقد عقد أهل العلم خناصرهم على أن أحكام الشريعة معللة بمصالح العباد في هذه الحياة وفي تلك الحياة، وأن المصالح التي تقصدها الشريعة السماوية ترجع إلى حفظ النفس والدين والعقل والعرض والنسب والمال، فالقصاص -مثلاً- مشروع لحفظ النفس، وحدّ الزنا لصيانة النسب، وحد القذف لصيانة العرض , وعقوبة شارب الخمر لصيانة العقل، والجهاد لحفظ الدين، بل الاستعمار الأجنبي دلّ على أن الجهاد مشروع لحفظ الدين والنفس والعرض والمال، ويرشد إلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]. وكل ما شرع من أحكام المعاملات والتعازيز لا يخرج عن الاحتفاظ بهذه الحقوق. وقد قال ابن الحاجب (١) في "مختصر منتهى السول" (٢): إجماع الفقهاء

стр. 4099

على أن أحكام الشرائع معللة، وأن التعليل يشمل كل فرد من الأحكام .. وصرح عز الدين بن عبد السلام بأنها معللة بجلب المصالح ودرء المفاسد، قال في "قواعده" (١): "فصل في مناسبة العلل لأحكامها، وزوال الأحكام بزوال أسبابها، فالضرورات مناسبة لأباحة المحظورات جلباً لمصلحتها، والجنايات مناسبة لإيجاب العقوبات درءاً لمفاسدها". وقرر أبو إسحق الشاطبي في كتاب: المقاصد من "موافقاته": (٢) "إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً". ولبناء أحكام الشريعة على مصالح العباد في الدنيا، خاض أهل العلم في البحث عن هذه المصالح، وعقدوا الموازنة بينها وبين المفاسدة ليبنوا الحكم على الراجح منهما عند التعارض، كما فعل أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته"، وعز الدين بن عبد السلام في "قواعده"، وتجدهم ينظرون إليها كما ينظر إليها أصحاب القوانين الوضعية؛ من حيث عظمها وصغرها، ومن حيث ما يترتب عليها في الخارج من آثار نافعة، أو عواقب سيئة، فهذا عز الدين بن عبد السلام يقول: "فصل في اجتماع المصالح مع المفاسد: إذا اجتمعمت المصالح مع المفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فعلنا ذلك؛ امتثالاً لأمر الله تعالى فيهما، وإن تعذّر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، درأنا المفسدة، ولا نبالي بفوات المصلحة. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]. وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة،

стр. 4100

حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة ... والضابط: أنه مهما ظهرت المصلحة الخلية عن المفاسد، سُعي في تحصيلها، ومهما ظهرت المفاسد الخلية من المصالح، سعي في درئها؛ وإن التبس الحال، احتطنا للمصلحة بتقدير وجودها، وفعلناها، وللمفسدة بتقدير وجودها، وتركناها". ومن جهة التعليل بالمصالح انفتح باب القياس في الأحكام، وهو إلحاق الوقائع بنظائرها المنصوص عليها حيث اشتركتا في علة الحكم، كما قاسموا القضاء في حال المرض على القضاء في حال الغضب المنصوص عليه في قوله ﷺ : "لا يقضي القاضي وهو غضبان"؛ لأن علة المنع من القضاء متحققة في حال المرض، وهي قلق الفكر واضطرابه. قال المؤلف في (ص ٨٥): "قد نخاف أن يخفى عليك أمر ذلك التباين الذي نقول: إنه كان بين أمم العرب زمن النبي ﷺ . وأن تخدعك تلك الصورة المنسجمة التي كان يحاول المؤرخون أن يضعوها لذلك العصر، فاعلم أولاً: أن في فن التاريخ خطاً كثيراً، وكم يخطئ التاريخ، وكم يكون ضلالاً كبيراً! ". شأن الباحث المحقق أن يحدّ رأيه من كل جهة، ثم يتعرض لما عساه أن يقع في سبيله من روايات المؤرخين، وينقده بحكمة، فيبين مخالفته لسنن الكون، أو لطبيعة حال الأمة التي يقص من أنبائها، أو يعارضه برواية هي أصح سنداً، وأرجح وزناً. كل إنسان يعلم أن في التاريخ حقاً وباطلاً، ولكن وراء التاريخ علوماً وقواعد تميز حقه من ياطله، وصحيحه من سقيمه. فهل نقل المؤلف الروايات التي حاول المؤرخون أن يضعوا بها لعهد

стр. 4101

النبوة تلك الصورة المنسجمة، وبيّن وجه مخالفتها للسنن الكونية، أو لطبيعة الأمة العربية، أو نقضها بروايات هي أمتن سنداً، وأوفى وزناً؟. كل ذلك لم يقع، ولم يزد المؤلف على مزاعم يلف حبلها على غاربها، ويرسلها سائبة في الورق كالضالة غير المنشودة، فلا شبهة تسترها، ولا دليل يقودها؛ كأنه يبعث بها إلى الصم البكم الذين لا يعقلون. ولو كان هذا المنطق نافعاً، لكان لنا أن نكتفي في نقض هذا الكتاب بأن نقول لقارئه: قد نخاف أن يخفى عليك أمر ذلك الكتاب الذي نقول: إن مؤلفه يجهل ما كان بين أمم العرب زمن النبي ﷺ ، وأن تخدعك تلك الصورة المزورة التي يحاول أن يضعها للحكومة النبوية، فاعلم أولاً: أن في الآراء خطاً كبيراً، وكم يخطئ الرأي، وكم يكون ضلالاً كبيراً!. قال المؤلف في (ص ٨٥): "واعلم ثانياً، أنه في الحق أن كثيراً من تنافر العرب وتباينهم قد تلاشت آثاره بما ربط الإسلام بين قلوبهم، وما جمعهم عليه من دين واحد، ومن أنظمة وآداب مشتركة". يدّعي المؤلف: أن النبي ﷺ لم يتعرض لتلك الأمم من حيث الحكم والسياسة، والطريق النافع لهذه الدعوى أن ينقد الروايات الشاهدة بأنه ﵇ كان يولي تلك الأمم أمراء يسوسونهم بالكتاب والسنّة والاجتهاد الصحيح، ولكنه بدل أن يأخذ في هذا الطريق العلمي، أخذ يتحدث بما لا يدخل في موضوع البحث، ولا يعود على تلك الدعوى بفائدة. من أي منفذ يدخل في الموضوع قوله: "أن كثيراً من تنافر العرب وتباينهم قد تلاشت آثاره بما ربط الإسلام بين قلويهم"؟ ومن الذي يلتبس عليه التنافر والتباين في بعض عادات وآداب بالتباين في الحكم ومرجع السياسة؟

стр. 4102

قال المؤلف فىِ (ص ٨٦): "ولكن العرب - على ذلك- ما برحوا أمماً متباينة، ودولاً شتى. كان ذلك طبيعياً، وما كان طبيعياً فقد يكفي أن تخفف حدته، وتقلل آثاره، ولكن لا يمكن التخلص منه بوجه من الوجوه". كأن المؤلف أخذ على عاتقه أن يملأ صحائف معدودة في الحديث عن الحكومة النبوية، وسيان بعد ذلك أن تكون معاينة متناسقة، أم متخاذلة. موضوع البحث: هل تعرض النبي ﷺ لتلك الأمم من حيث الحكم والسياسة، أم تركت كل أمة على ما هي عليه من فوضى أو نظام؟ وإذاً المؤلف يخرج إلى الحديث عن تنافر العرب، ولا يستأذن قارئي كتابه في هذا الاقتضاب، ثم يدّعي بعد هذا: أن كونهم أمماً متباينة، ودولاً شتى، أمر طبيعي، وما كان طبيعياً، لا يمكن التخلص منه بوجه من الوجوه. التباين في بعض عوائدَ وآدابٍ لا تنافي الفضيلة، شيء يغمض عنه الإسلام طرفه، ولا يهمه أن يزول، أو يبقى خالداً، والذي يعنيه، ويعمل على تنقية الحالة الاجتماعية منه، إنما هي العادات والشؤون التىِ لا تلتئم مع الآداب الرفيعة والمظاهر المألوفة. فالإسلام يجاهد كل تباين يقوم على عادات ينكرها الأدب، طبيعية كانت أم تقليدية، والدين الذي بلغ بحكمته أن يجعل الرجل طوع أمره، فيهجر من أجله وطنه، ويقاتل في سبيله أباه وأخاه وعشيرته الأقربين، في استطاعته أن يخرج النفوس المؤمنة من ظلمات الجاهلية إلى الشريعة العادلة والسياسة الحكيمة. * لماذا لم يسم النبي ﷺ من يخلفه ؟ قال المؤلف في (ص ٨٧): "وقد لحق ﷺ بالرفيق الأعلى من غير أن

стр. 4103

يسمّي أحداً يخلفه من بعده، ولا أن يشير إلى من يقوم في أمته مقامه. بل لم يشر ﵇ طول حياته إلى شيء يسمّى: دولة إسلامية، أو دولة عربية". إن لم يسمّ ﵇ أحداً يخلفه من بعده، ولم يشر إلى من يقوم في أمته مقامه، فليس معنى ذلك أنه لم يُبعث لإنشاء دولة إسلامية، ولم يأت بشريعة تنتظم سياستها. وإنما لم يسمّ أحداً يخلفه، ولم يشر إلى من يقوم مقامه، لمقصد بعيد المدى، وأصل من أصول الدولة يثبّت أساسها، ويزيدها حكمة على حكمتها، وهو: أن الإمامة حق من حقوق الأمة، هي التي تقلدها، وهي التي تنزعها، تقلدها من آنست فيه الكفاية، وتنزعها ممن عجز عن القيام بأعبائها، أو لعبت بقلبه أصابع الهوى، فجعل عاليها سافلها. وإن تعجب، فعجب قول المؤلف: إن النبي ﵇ لم يشر طول حياته إلى شيء يسمّى: دولة إسلامية. ولقد ذهب هذا القلم في الجرأة إلى مكان سحيق. يقول حفّاظ السنّة: لم نسمع كذا، أو لم يبلغنا كذا، ويقول من ينقل حديث رسول الله ﷺ عن "الكامل" للمبردّ: لم يشر ﵇ طول حياته إلى شيء يسمّى: دولة إسلامية! من مثل هذه العبارة يدرك قراء كتابه الأذكياء وأشباه الأذكياء: أنه يرمي بالكلام جزافاً، ويحاول أخذ قلوبهم، ولو على طريق غير معقول، ومنطق ليس له فروع ولا أصول. يرمي المؤلف هذه المقالة الخاطئة، وفي السنّة الصحيحة من أحاديث الإمامة ما فيه عبرة لقوم يفقهون، وقد قصصنا منها ما لا يمكن للمؤلف أن

стр. 4104

ينازع في صحته، أو يحرفه بالتأول عن مواضعه. قال المؤلف في (ص ٨٧): "فكيف إذا كان من عمله أن ينشئ دولة يترك أمر تلك الدولة مبهماً على المسلمين، ليرجعوا سريعاً من بعده حيارى يضرب بعضهم رقاب بعض؟! وكيف لا يتعرض لأمر من يقوم بالدولة من بعده، وذلك أول ما ينبغي أن يتعرض له بناة الدول قديماً وحديثاً؟! ". ترك النبي ﵇ المسلمين على بينة من أمر إمام يقوم بحراسة الدين وسياسة الدنيا، ولم يبق سوى أنه لم يعهد بالخلافة لأحد بعينه. والحكمة في عدم تعيين من يقوم مقام: تعليم الأمة المسلمة أن منصب الخليفة يرجع إلى اختيارهم، وهذا مبدأ من مبادئ الإسلام المفرغة على قالب الحرية، ولكن المؤلف ينظر إلى سيرة الرسول ﵊ بمرآة تعكس الحقائق، وتريها له في صبغة غير صبغتها الحسنى. لم يترك النبي ﷺ أمر الدولة مبهماً على المسلمين، ولم يرجعوا سريعاً من بعده يضرب بعضهم رقاب بعض، وما هي إلا مناقشة دارت بينهم في سقيفة بني ساعدة، وسرعان ما طوي بساطها على وفاق وسلام. فإن كان المؤلف يلوّح إلى قتال أهل الردة، فأولئك قوم نزلت بهم ضلالة، أو استحوذت عليهم جهالة، ولو نص النبي ﷺ على إمامة أبي بكر، لنازع أولئك الضالون أو الجاهلون في صحة ما يروى لهم عن رسول الله ﷺ ، ثم لم يعدموا مغالطة يتملصون بها من عهدة ما تفرضه عليهم النصوص الصريحة، وكتاب "الإسلام وأصول الحكم" على ما نقول شهيد. * بحث لغوي في خلف واستخلف: حكى المؤلف مذهب ابن حزم في أن النبي ﵇ نص على

стр. 4105

استخلاف أبي بكر بعده، وأن معنى الخليفة في اللغة هو الذي يستخلفه، لا الذي يخلفه دون أن يستخلفه. ثم قال في (ص ٨٨): "والذهاب مع هذا الرأي تعسف لا نرى له وجهاً صحيحا، ولقد راجعنا ما تيسر لنا من كتب اللغة، فما وجدنا فيها ما يعضد كلام ابن حزم، ثم وجدنا إجماع الرواة على اختلاف الصحابة في بيعة أبي بكر، وامتناع أجلّة منهم عنها". أما كلام ابن حزم، فلم يكن المؤلف أول ناقد له، فقد قال ابن تيمية في "منهاج السنّة" (١): "إن الخليفة إما أن يكون معناه: أن يخلف غيره، وإن كان لم يستخلفه؛ كما هو المعروف في اللغة، وهو قول الجمهور، وإما أن يكون معناه: من استخلفه غيره؛ كما قاله طائفة من أهل الظاهر، والشيعة، ونحوهم". وقال أيضاً: "قالوا: والخليفة إنما يقال لمن استخلفه غيره، واعتقدوا أن الفعيل بمعنى المفعول، فدل ذلك على أن النبي ﷺ استخلف على أمته، والذين نازعوهم في هذه الحجة قالوا: الخليفة يقال لمن استخلفه غيره، ولمن خلفه غيره، فهو فعيل بمعنى فاعل". وأما ما ذكر من امتناع أجلّة من الصحابة عن مبايعة أبي بكر، فقد كان ذلك في مبدأ الأمر، ثم أطبقوا على مبايعته، ولم يبق سوى سعد بن عبادة ﵁، قال شيخ الإسلام في "منهاج السنّة" رداً على أحد الرافضة في مقالة له تشبه مقالة المؤلف: "وأما الذين عدهم هذا الرافضي أنهم تخلفوا عن بيعة الصديق من أكابر الصحابة، فذلك كذب عليهم، إلا على سعد بن عبادة؛ فإن مبايعة هؤلاء لأبي بكر وعمر أشهر من أن تنكر، هذا مما اتفق عليه أهل

стр. 4106

العلم بالحديث والسير والمنقولات، وسائر أصناف أهل العلم خلفاً عن سلف. وقد علم بالتواتر أنه لم يتخلف عن مبايعته إلا سعد بن عبادة. * تحقيق أنه ﵇ جاء للمسلمين بشرع يرجعون إليه في الحكومة بعده: قال المؤلف في (ص ٨٩): "بل الحق أنه ﷺ ما تعرض لشيء من أمر الحكومة بعده، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون إليه". جاء النبي ﷺ للمسلمين بشرع يرجعون إليه في الحكومة بعده، أما كونه ﵇ جاء بشريعة ذات أصول قضائية، وأخرى سياسية، وأن هذه الأصول لم تفرط في شيء من جلب المصالح ودرء المفاسد، فحقيقة يراها عين اليقين كل من تدبر في القرآن، وتفقه في الدين على طريقة الباحث الحكيم. وقد بصر علماء الإسلام بهذه الحقيقة، وتضافرت كلمتهم عليها، وإن كانوا يختلفون في بعض طرق الاستنباط، ذلك الاختلاف الناشئ عن التفاوت في الفهم، والتفاضل في العلم، والحق قد يخفى على بعض الأفراد، ولكنه لا يستتر عن عيون الجماعات المبثوثة في كل واد. وأما الدليل على أن هذه الشريعة عامة، لا يختص بهدايتها عصر دون عصر، ولا قوم دون آخرين، فهو الكتاب، والسنّة، والإجماع، والنظر صحيح. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله تعالى. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]. وهذا يقتضي أن كل ما تقرر بوحي من عقائد وآداب وشرائع، يعم بخطابه جميع الأمم، ولا يختص بزمان, دون زمان، وكذلك تجد الوعيد على الحكم بغير

стр. 4107

ما أنزل إليه مصنوعاً في صورة العموم، تجده في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وفي آية أخرى: ﴿فأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، وفي آية ثالثة: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وأما السنّة، فقوله ﷺ : "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" (١). وأما الإجماع، فأوضح من نار على علم، وممن تعرض له أبو إسحق الشاطبي إذ قال في "موافقاته" (٢): "والثالث إجماع العلماء المتقدمين على ذلك -كون الشريعة عامة- من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولذلك صيّروا أفعال النبي ﷺ حجة للجميع في أمثالها .. وتقرير صحة الإجماع لا يحتاج إلى مزيد؛ لوضوحه عند من زاول أحكام الشريعة". وأما النظر، فإن الأحكام "إذا كانت موضوعة لمصالح العباد، فالعباد بالنسبة إلى ما تقتضيه من المصالح سواء، فلو وضعت على الخصوص، لم تكن موضوعة لمصالح العباد، فثبت أن أحكامها على العموم، لا على الخصوص" (٣). * * *

стр. 4108

الباب الثاني الدولة العربية * ملخصه: قال المؤلف في أول الباب: "إن زعامة النبي ﷺ دينية، وزعم أنها انتهت بموته، وما كان لأحد أن يخلفه في زعامته، وادعى على غير خجل: أن زعامة أتباعه من بعده غير قائمة على الدين، وأنها نوع لا ديني، ثم تعرض لتأثير دعوة الإسلام في الأمم العربية، ولتهيئهم لإقامة دولة سياسية على أساس الوحدة الدينية، وأتى على بيعة أبي بكر ﵁، وباهت التاريخ بزعمه: أنها قامت على أساس القوة والسيف، وأنها لم تخرج عن أن تكون دولة عربية أيدت سلطان العرب، وروجت مصالح العرب، وخاض في شبه تنبئك: أنه "يرى النملة جملاً، وإذا رأى غير شيء ظنه رجلاً "، وانقاد في حديثه إلى أن أبا بكر وغيره من خاصة القوم لم يزعموا أن إمارة المسلمين كانت مقاماً دينياً، ووصل حديثه بأن هناك أسباباً كثيرة ألقت على أبي بكر شيئاً من الصبغة الدينية، ثم قال: وكذلك وجد الزعم بأن الإمارة على المسلمين مركز ديني. وانصرف عن الباب بدعوى: أن أهم أسباب هذا الزعم: ما لقّب به أبو بكر من أنه "خليفة رسول الله". * النقض: قال المؤلف في (ص ٩٠): "طبيعي ومعقول إلى درجة البداهة أن

стр. 4109

لا توجد بعد النبي زعامة دينية. وأما الذي يمكن أن يتصور وجوده بعد ذلك، فإنما هو نوع من الزعامة جديد ليس متصلاً بالرسالة، ولا قائماً على الدين. هو إذن نوع لا ديني. وإذا كانت الزعامة لا دينية، فهي ليست شيئاً أقل ولا أكثر من الزعامة المدنية أو السياسية، زعامة الحكومة والسلطان، لا زعامة الدين، وهذا الذي قد كان". * حكومة أبي بكر وسائر الخلفاء الراشدين دينية: هذه حلقة من سلسلة الآراء التي يسطو بها المؤلف حول شريعة الإسلام؛ ليزيحها من المحاكم، ومن مظاهر الدولة، حتى لا يرى للسياسة العفيفة وجهاً، ولا للإباحية المتهتكة زاجراً. ذهب إلى أن التنفيذ غير داخل في وظيفة الرسول ﵇ السماوية، وأنه لم يكلف بأن يحمل الناس على ما جاءهم به، وترامى في هذه الجمل على حكومات الخلفاء الراشدين، يطعن في عفافها، ويقذفها بسنة اللادينية. هل للمؤلف أن يغسل قلمه من المواربة، ويحدثنا عن قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ﴾ [النور: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، ويدلنا على المكلف بتنفيذ هذه الأحكام؟. ليس بجائز -في نظره- أن يكون المكلف بتنفيذها الرسول ﵇؛ لأنه "لم يكلف شيئاً غير ذلك البلاغ، وليس عليه أن يأخذ الناس

стр. 4110

بما جاءهم به، ولا أن يحملهم عليه". ثم هو ينفي أن يكون المكلَّفُ بتنفيذها ملوك العرب: أبا بكر، وعمر، وخلفاءهم؛ لأن النبي ﷺ "ما تعرض لشيء من أمر الحكومة بعده، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون إليه". وحكومات أولئك الملوك "نوع من الزعامة جديد، ليس متصلاً بالرسالة، ولا قائماً على الدين، هو إذن نوع لا ديني". ولعله يجيب: بأن الخطاب بها مصروف إلى الأمة، وأنها تتولى دون أولئك الملوك إقامة هذه الحدود على أولئك الجناة، وهي فوضى لا يرضى عنها المستر "أرنولد"، ولا الفيلسوف "لك". ولم يبق للمؤلف مخلَص سوى أن يقول: إن هذه الآيات نزل بها الأمين على أكمل الخليقة؛ ليتهجد بها الناس، وليرتلوها ترتيلاً! .. استهتر المؤلف بمبدأ اللادينية، ولم يقنع بأن يجاهد لإعلاء كلمته في الحاضر والمستقبل، حتى صعد نظره إلى الحكومة النبوية، وحكومة الخلفاء الراشدين، فرمى الأولى بما رمى، وحاول أن ينزع عن الثانية لباس التقوى، والله يشهد أن أولئك القوم بآياته يوقنون. كانت حكومة أبي بكر الصديق ﵁ حكومة إسلامية، تحكم بما أنزل الله، وتسير في سياستها على السبيل التي رسمتها حكمته البالغة، والأدلة على ذلك كثيرة، ولنكتف منها بالكتاب العزيز، والتاريخ الصحيح. أما الكتاب، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ

стр. 4111

وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، وفي هذا دليل واضح على أن حكومة أبي بكر ﵁ لم تكن من نوع اللاديني؛ إذ الحال الذي ينطبق عليه معنى الآية إنما وقع في عهد خلافته، فإن الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة النبي ﷺ إنما قاتلهم أبو بكر بمن معه من الصحابة الأكرمين، وقد أخبر الله تعالى أنه يحبهم، وشهد لهم بأنهم يحبونه، ولو كان يحكم بغير ما أنزل الله، لكان ظالماً، أو فاسقاً، والله لا يحب الظالمين، ويبغض الفاسقين. وليس لأحد ادعاء أن الآية مسوقة في غير المرتدين بعد وفاة النبي ﷺ ؛ فإن تاريخ الإسلام لم يقصّ علينا أن قوماً قاتلوا المرتدين الموجَّه إليهم خطاب هذه الآية غير أبي بكر وجنده الغالبين. ومما يشهد بأن حكومة الخلفاء الراشدين دينية إسلامية: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦]. فإن قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ كلام لم يعين فيه "الفاعل الداعي لهم إلى القتال، فدل القرآن على وجوب الطاعة لكل من دعاهم إلى قتال قوم أولي بأس شديد، يقاتلونهم أو يسلمون، ولا ريب أن أبا بكر دعاهم إلى قتال المرتدين، ثم قتال فارس والروم، وكذلك عمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وعثمان دعاهم إلى قتال البربر ونحوهم، والآية تتناول هذا الدعاء كله" (١). "فإن قال قائل: يجوز أن يكون النبي ﷺ هو الذي دعاهم، قيل له:

стр. 4112

قال الله تعالى: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، فأخبرهم أنهم لا يخرجون معه أبداً، ولا يقاتلون معه عدواً (١) ". فانظر كيف أوجب الله طاعتهم، ومن لم يحكم بما أنزل الله، فهو ظالم، أو كافر، والله لا ينزل قرآناً في إطاعة الظالمين أو الكافرين. وأما التاريخ الصحيح، فهذه سيرة الخلفاء الراشدين محفوظة في الكتب الموثوق بروايتها، فلا تراها إلا شاهدة بأن الخليفة كان يحكم بالكتاب والسنّة، ولا يرجع إلى اجتهاد رأيه إلا إذا أعوزه الدليل منهما، في "صحيح البخاري": "كانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنّة، لم يتعدوه إلى غيره؛ اقتداء بالنبي ﷺ ". وقال أبو عبيد في كتاب "القضاء": "كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم، نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله، نظر في سنّة رسول الله ﷺ ، فإن وجد فيها ما يقضي به، قضى به، فإن أعياه ذلك، سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنّة سنّها رسول الله ﷺ ، جمع رؤساء الناس، فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء، قضى به، وكان عمر يفعل ذلك (٢) "! وتجد هذه السنّة في وصية عمر بن الخطاب ﵁ إلى شريح حين ولاه

стр. 4113

قضاء الكوفة: "انظر ما يتبين لك في كتاب الله، فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبين لك في كتاب الله، فاتبع فيه سنّة رسول الله ﷺ ، وما لم يتبين لك فيه السنّة، فاجتهد فيه رأيك (١) ". فقول المؤلف على حكومة أبي بكر: إنها نوع لا ديني، إنما نشأ عن نظرة لا دينية، فهو إذن قول لا ديني. * أصحاب رسول الله ﷺ خير أمة أخرجت للناس: قال المؤلف في (ص ٩٠) يصف الأمة المسلمة في عهد النبوة: "حتى استحالوا أمة واحدة من خير الأمم في زمانهم". قال الثه تعالى يخاطب هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٢)، ولم يوافق ذوقَ المؤلف أن يكون أصحاب رسول الله ﷺ خير أمة أخرجت للناس، وما سمحت نفسه إلا بأن يجعلهم من خير الأمم في زمانهم، ولعله جعلهم من خير الأمم في زمانهم؛ لأنه لا يراهم من خير الأمم في كل زمان، ولو نظر إليهم كأمة عربية فقط، وأصغى إلى ما يمليه عليه التاريخ وحده، لاعترف كما اعترف بعض المؤرخين من غير المسلمين بأن الأزمنة لم تخرج للناس أمة كتلك الأمة عدلاً ورحمة وعفافاً. قال جرجي زيدان في "تاريخ التمدن الإسلامي" (٣) يصف حكومة الخلفاء الراشدين: "خلافة دينية، أساس أحكامها

стр. 4114

التقوى والرفق والعدل، بما لم يسمع بمثله في عصر من العصور". * أسباب سيادة الإسلام لعهد الخلفاء الراشدين: قال المؤلف في (ص ٩١): "واستعدوا بمثل ما يستعد به شعوب البشر لأن يكونوا سادة ومستعمرين". لكل شيء سبب، والمسببات تجيء على حسب أسبابها في القوة والغرابة، وتلك الأمة المسلمة بلغت أشدها، وبسطت أجنحتها على تلك الممالك المترامية الأطراف؛ لأسباب فوق الاتحاد، وفوق ما بأيديهم من قوة مادية. وأحد هذه الأسباب: اعتقادهم بأنهم يمتثلون أمر الله فيما يفتحون من البلاد، وأنهم يفيضون على العالم هداية وإصلاحاً، وهذا ما يجعلهم على ثبات لا يتزلزل، وإقدام لا يلوي على شيء. ثانيها: أن حكمة القرآن وسيرة الرسول ﵊ فتحت بصائرهم، فجعلتهم أبعد الأمم نظراً، وأحكمهم رأياً، وأنجحهم تدبيراً. ثالثها: سمعة عدلهم ولينُ سياستهم تطير إلى الأمم المحاربة، فتكسر من شدة عزمهم في الدفاع، وتخفف عليها أمر الاستسلام لأولئك الهداة الفاتحين. فارتفاع شأن الأمة الإسلامية لعهد الخلافة الرشيدة، له أسباب معتادة، وأسباب غريبة، ولهذا كانت سيادتهم باهرة في سعة مظهرها، وحكمة نسجها، وسرعة تكونها؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. * بيعة أبي بكر اختيارية إجماعية: قال المؤلف في (ص ٩٢): "وإذا أنت رأيت كيف تمت البيعة لأبي

стр. 4115

بكر، واستقام له الأمر، تبين لك أنها كانت بيعة سياسية ملكية، عليها كل طوابع الدولة المحدثة، وأنها إنما قامت كما تقوم الحكومات على أساس القوة والسيف". أخذ المؤلف على قلمه ميثاقاً غليظاً، وفرض عليه أن لا يضرب خطوة إلا أن يخالف قرآناً، أو سنّة صحيحة، أو تاريخاً صادقاً. جرى عقب وفاة الرسول الأعظم - صلوات الله عليه - مناقشة في أمر الإمامة كما هو الشأن في كل المسائل المهمة تطرح على بساط المفاوضة، وانتهت هذه المناقشة أو الجدال بمبايعة أبي بكر الصديق، وبعد أن انعقدت له المبايعة على اختيار من أهل الحل والعقد، وتبوأ منصب الخلافة، صار له جند وسلاح، وكذلك دين الحق، وسياسته الرشيدة، تقوم على الحكمة والبيان، ويحرسها السيف والسنان، ولكن المؤلف يخطئ التاريخ الحق، ولا يصيب في فهم ما تقتضيه السنن الكونية. والتحقيق: أن النبي ﷺ عرف أن أصحابه لا يختلفون في فضل أبي بكر، وتفوقه عليهم دراية واستقامة، وهذا ما يجعل الآراء متطابقة على تعيينه للخلافة، ففوّض الأمر إلى اختيارهم لتبقى سنّة إلى الأبد، وذلك ما كان، "ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار؛ طمعاً في أن يكون من الأنصار أمير، ومن المهاجرين أمير ... ثم الأنصار جميعهم بايعوا أبا بكر، إلا سعد بن عبادة؛ لكونه هو الذي كان يطلب الولاية ... ولا قال أحد من الصحابة: إن في قريش من هو أحق بها من أبي بكر، لا من بني هاشم، ولا من غير بني هاشم، وهذا كله مما يعلمه العلماء العاملون بالآثار والسنن والحديث" (١).

стр. 4116

"وأبو بكر بايعه المهاجرون والأنصار الذين هم بطانة رسول الله ﷺ ، والذين بهم صار للإسلام قوة وعزة، وبهم قُهر المشركون، وبهم فتحت جزيرة العرب. فجمهور الذين بايعوا رسول الله ﷺ هم الذين بايعوا أبا بكر ... ولو قدر أن بعض الناس كان كارهاً للبيعة، لم يقدح ذلك في مقصودها؛ فإن نفس الاستحقاق لها ثابت بالأدلة الشرعية الدالة على أنه أحقهم بها (١) ". فقول المؤلف: إن البيعة لأبي بكر قامت على السيف والقوة، إنما هو وليد نظرة عجلى، وسقطُ فكر لا يفرق بين من يستولي على الأمة بخيله ورجله، ومن تبايعه الأمة أو جمهورها، ثم تكون له جنداً وظهيراً. * كلمة في سيرة أبي بكر: قال المؤلف في (ص ٩٢): "كانت دولة عربية قامت على أساس دعوة دينية، وكان شعارها: حماية تلك الدعوة، والقيام عليها. أجل، ولعلها كانت في الواقع ذات أثر كبير في أمر تلك الدعوة، وكان لها عمل غير منكور في تحول الإسلام وتطوره، ولكنها -على ذلك- لا تخرج عن أن تكون دولة عربية أيدت سلطان العرب، وروجت مصالح العرب، ومكنت لهم في أقطار الأرض، فاستعمروها استعماراً، واستغلوا خيرها استغلالاً، شأن الأمم القوية التي تتمكن من الفتح والاستعمار". نصوغ من سيرة أبي بكر كلمة يتذكر بها القارى": أن ذلك الخليفة الأتقى، إنما كان يعمل لإعلاء كلمة الله، وإقامة شريعته الغرّاء، وإذا نال العرب من وراء هذا العمل مصالح دنيوية، فذلك ما لا يبخس من عمله الصالح نقيراً، ولا يمس نيته الخالصة بسوء.

стр. 4117

اعتنق أبو بكر الإسلام عن يقين كفلق الصبح، وإخلاص لا يحوم عليه رياء. أسلم يوم قام النبي ﷺ يدعو إلى دين الحق، وأولئك القوم الغلاظ الشداد ينغضون إليه رؤوسهم، ويسومون أتباعه سوء العذاب. أسلم يوم لا يخطر في خيال أحد أنه ﵇ سيكثر تابعوه، ويعتز جانبهم، حتى تكون لهم دولة يخضع لسطوتها الجبابرة. رمى أبو بكر وطنه وراء ظهره، وهاجر رفيقاً لرسول الله ﷺ صابراً على مضض الاغتراب، ولم يغترب ليستدرّ عيشاً، أو لينهض من خمول، وإنما هي نفس أشربت إيماناً صادقاً، وتجردت لنصرة الحق وطمس معالم الباطل ما وجدت لذلك سبيلاً. لا يسع المقام لأن نبحث عن سيرة أبي بكر في عهد النبوة أكثر من أن نقول: إنه هاجر إلى الله بقلب سليم، وكان مثال الزهد في غير بؤس، والحلم في غير ضعف، والعزّة في غير عظمة، وما برح يجاهد في الله حق جهاده إلى أن اشتد بالنبي ﷺ مرض الوفاة، وقال لهم: "مروا أبا بكر فليصلّ للناس" (١). صعدت الروح النبوية إلى الرفيق الأعلى، فأخذت الدهشة من الصحابة مأخذاً اضطربت له الأفكار، ونطقت فيه الألسنة بما لا تنطق به في حال وقار وسكينة، فجاء أبو بكر غيبة قريبة، وخطب بما دل على ثبات جنانه، ورسوخ علمه، فقال: "من كان يعبد محمداً، فإن محمداً ﷺ قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت". وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ

стр. 4118

مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. فكان له في هذا الموقف حكمة أعادت الحائر إلى يقينه، والمضطرب إلى سكينته. جاء أبو بكر الخلافة إذ كانت له قدراً، ولم يبسط القوم أيديهم إلى مبايعته ليسوسهم بما يسوس به بعض الملوك رعايتهم من القوانين الوضعية، وإنما قلدوه تلك الرياسة على أن يقودهم بكتاب الله وسنّة رسوله، والاجتهاد الذي يلتئم بأصول الشريعة، وعلى أن يقوم بحراسة الدين، والدعوة إليه بحكمة وعزيمة. والأدلة على أنه كان يتحرى في أحكامه وسياسته الكتابَ والسنّة مبثوثةٌ في كتب السنّة والآثار، وبالغةٌ في الكثرة إلى أن يحصل بها علم لا تخالجه ريبة. وأقرب مثل لهذا: محاورته لعمر بن الخطاب في قتال مانعي الزكاة؛ فإنها كانت تدور على فهم حديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله". ولم يقدِم أبو بكر على قتالهم حتى التمس الحجّة من قوله في الحديث: "إلا بحقها"، وقال: "فإن الزكاة من حقها، والله! لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ ، لقاتلتهم عليه". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قد ذكر غير واحد، مثل منصور بن عبد الجبار السمعاني (١) وغيره، إجماعَ أهل العلم على أن الصدّيق أعلمُ الأمة،

стр. 4119

وهذا بيّن؛ فإن الأمة لم تختلف في ولايته في مسألة إلا فصلها هو بعلم يبينه لهم، وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنّة" (١). وأما حراسته للدين، فمن شواهدها: أمره بجمع القرآن في المصاحف حين استحر القتل بالقرّاء في واقعة اليمامة، وقد كان أولئك الخلفاء يعاقبون من خرج عن الدين، ولو في مسائل العبادات، ومثال هذا: أن عمر بن الخطاب لما ثبت عنده حديث: "إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل" توعّد على عدم الاغتسال من المباشرة الخالية من الإنزال وقال: لا أسمع برجل فعل ذلك، إلا أوجعته ضرباً (٢) ". وأما قيامه بنشر الدعوة وحمايتها، فإن قتاله لأهل الردة لم يكن إلا لتثبيت دعائم الدين، وأخذه في فتح الشام والعراق لم يكن إلا في سبيل الدعاية إلى الإسلام، ورفع لوائه. ومن شواهد هذا: قول أحد رجال الدولة الفاروقية المغيرة (٣) بن شعبة لرستم (٤) قائد جيش الفرس: "فنحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله، وتدخل في ديننا، فإن فعلت، كان لك بلادك: لا يدخل عليك فيها إلا من أحببت، وعليك الزكاة والخمس، وإن أبيت ذلك، فالجزية، وإن أبيت

стр. 4120

ذلك، قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك (١) ". وهذه سيرة أبي بكر وسيرة النبي ﷺ بعد نزول آية الجزية. وإذا كان أبو بكر وغيره من الخلفاء الراشدين، يتحرى مقاصد الشريعة، ويسوس الأمة بأصولها، ويحرس الدين من أن تعبث به يد الجهالة أو الأهواء، ويقوم على أمر الدعاية جهد استطاعته، فذلك معنى كون دولته إسلامية، وذلك معنى الخلافة، ولكن بعض الناس لا يفقهون. يقول المؤلف: "لا تخرج عن أن تكون دولة عربية أيدت سلطان العرب، وروجت مصالح العرب ... إلخ". الذي وقع أن أولئك الخلفاء رفعوا منار الإسلام حتى ضربت أشعته في قلوب أمم كثيرة، وليس من السهل على المؤلف أن يضع على فم التاريخ كمامة، وينكر خدمتهم للإنسانية، وإنقاذهم لتلك الأمم من عماية في العقائد، وسماجة في العادات، وجهالة بطرق السياسة الرشيدة، وإذا انجرّت إلى العرب مصالح، وتمكنوا في أقطار الأرض، فذلك من أثر قيامهم بالدعوة إلى الدين الحنيف، واعتصامهم بحبل شريعته الحكيمة؛ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]. ولم يسعَ أولئك الخلفاء لترويج مصالح العرب، ولا للتمكين لهم في الأرض، فإن من يزهد في الدنيا زهدَ أبي بكر وعمر، فيقنع منها بالثوب المرقع، والرغيف الخشن، ويعود إلى منزله بضواحي المدينة ماشياً على

стр. 4121

قدميه، وهو قادر على أن يتمتع بملاذها كما تتمتع الملوك، لا تحمل مساعيه إلا على مقصد أسمى وأشرف من خدمة القومية وحدها، وهو امتثال ما أمر الله به من مدِّ ظلال هذا الدين حتى لا تكون فتنة. وهذا عمر بن عبد العزيز -الذي كان ينسج في سياسته على منوال الصدّيق والفاروق- كتب إليه عدي بن أرطاة (١) يقول له: "إن الناس قد كثروا في الإسلام، وخفت أن يقل الخراج"، فكتب إليه عمر: "فهمت كتابك، والله! لوددتُ أن الناس كلهم أسلموا، حتى أكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا (٢) ". فالمؤلف يريد أن يقبض روح الإخلاص من سيرة الخلفاء الراشدين، ويبخس أعمالهم الجليلة قيمتها. وإذا التقت الضمائر النقية بالتاريخ الصحيح، يحدثها بأن أولئك السراة رفعوا لواء الحق، وجدعوا أنف الباطل، فجعل الله لهم لسان صدق في الآخرين، وكانوا واسطة عقد القوم المصلحين. قال المؤلف في (ص ٩٣): "كان معروفاً للمسلمين يؤمئذٍ: أنهم إنما يقدمون على إقامة حكومة مدنية دنيوية. لذلك استحلوا الخروج عليها، والخلاف لها، وهم يعلمون أنهم إنما يختلفون في أمر من أمور الدنيا، لا من أمور الدين، وأنهم إنما يتنازعون في شأن سياسي لا يمس دينهم، ولا يزعزع إيمانهم". الاختلاف في المسائل العلمية ينشأ من اختلاف الآراء فيما يصلح،

стр. 4122

أو فيمن يليق، فقد يتفق الناس على أن الرياسة العامة غير منفصلة عن الدين، ويختلفون في تعيين من يتولاها وكفايته لها اختلافاً ناشئاً عن تفاوت في النظر، أو هوى في النفس. ومن شأن المؤمنين التنافسُ فيما يكون عمله أشق، وثوابه عند الله أوفى، فلا عجب أن يقع التنافس في الخلافة، أو لا يرضى أحد عن ولاية شخص بعينه، مع اتفاقهم جميعاً على أنها سياسة ذات صبغة دينية. قال المؤلف في (ص ٩٤): "وما زعم أبو بكر ولا غيره من خاصة القوم أن إمارة المسلمين كانت مقاماً دينياً، ولا أن الخروج عليها خروج على الدين". ربما لم يخطر على بال أحد التردد في أن إمارة المسلمين مرتبطة بالدين حتى يحتاج أبو بكر إلى التصريح بذلك، ومع هذا، فإن خطبته التي ألقاها في مشهد المبايعة العامة ناطقة بهذا المعنى؛ إذ يقول فيها: "لا يدعْ أحد منكم الجهاد في سبيل الله؛ فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيعُ الفاحشة في قوم، إلا عمّهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم (١) ". فقد آذنهم بأنه سيجاهد في سبيل الله، ولا معنى لإطاعته الله ورسوله إلا اقتداؤه بما جاء في الكتاب والسنة من آداب وأحكام. والخروج على الخليفة بغير حق يعد في نظر الشارع معصية، ولا يسمّى خروجاً على الدين، إلا إذا صح أن يقال لكل مرتكب جريمة: إنه خارج على الدين، وهم لا يقولونه إلا لمن يرتكب المعصية على عمد واستحلال.

стр. 4123

الباب الثالث الخلافة الإسلامية * ملخصه: ابتدأ الباب بالحديث عن لقب: "خليفة رسول الله"، وقال: إنه لم يستطع أن يعرف على وجه أكيد ذلك الذي اخترعه، وزعم أن خلافة أبي بكر لرسول الله ﷺ لا معنى لها، سوى أنه أصبح كما كان رسول الله ﷺ زعيماً للعرب، ومناط وحدتهم، وتطاول إلى دعوى: أن أبا بكر اختار هذا اللقب؛ ليجمع به القوم حوله؛ لأن فيه روعة، وعليه جاذبية. وادّعى: أن هذا اللقب حمل جماعة من العرب والمسلمين على أن ينقادوا لأبي بكر كانقيادهم لرسول الله ﷺ ، وأن الخروج على أبي بكر عند هؤلاء خروجٌ على الدين، وارتداد عن الإسلام. وزعم: أن محاربة أبي بكر لمانعي الزكاة لم تكن باسم الدين، وإنما هي السياسة والدفاع عن وحدة العرب، وادعى: أن تاريخ تلك الحروب لا يزال مظلماً، وأن قبساً لاح من الحقيقة، وهو حوار خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة (١)، وذهب إلى أنه نزاع بين مالكٍ المسلمِ، وأبي بكر القرشيِّ، وأنه كان نزاعاً في ملوكية ملك.

стр. 4124

وتعرض إلى إنكار عمر بن الخطاب ﵁ على أبي بكر قتاله المرتدين، وعاودته طبيعة التشكيك في المعلوم بالبداهة، وقال: لا نريد البحث فيما إذا كانت لأبي بكر صفة دينية جعلته مسؤولاً عن أمر من يرتد عن الإسلام أم لا. وزعم: أن ظروفاً خاصة بأبي بكر قد ساعدته على خطأ العامة، وسهلت عليهم أن يُشربوا إمارة أبي بكر معنى دينياً، وفسر هذه الظروف بما كان للصديق ﵁ من منزلة ممتازة عند رسول الله ﷺ ، ثم ما كان من حذوه حذو رسول الله ﷺ في خاصة نفسه، وعامة أموره. وانساب بعد هذا في الحديث عن السلاطين، وترويجهم الاعتقاد بأن الخلافة مقام ديني، حتى أفهموا الناس: أن طاعة الأئمة من طاعة الله. وأصبحت الخلافة تلصق بالمباحث الدينية، وجزءاً من عقائد التوحيد، وترامى به التخبط في البحث حتى صاح صيحته الكبرى قائلاً: إن الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا، ولا القضاء، ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما هي خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها. ثم أشار على المسلمين بأن يهدموا نظامهم العتيق، ويبنوا قواعد مسلكهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم. ثم أغلق الباب، وانصرف شامخاً بأنفه، مصّراً على عناده، كأنه لا يؤمن بيوم تُنشر فيه صحف ذلك الكتاب، ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. * النقض: قال المؤلف في (ص ٩٥): "لم نستطع أن نعرف على وجه أكيد ذلك الذي اخترع لأبي بكر ﵁ لقب: خليفة رسول الله، ولكنا عرفنا: أن أبا بكر

стр. 4125

قد أجازه، وارتضاه". خلافة رسول الله ﷺ : القيام مقامه في حراسة الدين، وسياسة الناس بمقتضى شريعته، وهذا المعنى تحقق في أبي بكر على ما سنوضحه بمكان قريب، ولتحقق معنى الخلافة في أبي بكر أطبق أصحاب رسول الله ﷺ على ندائه، وخطابه بهذا اللقب. ولكون خطابهم بهذا اللقب صادقاً، رضي عنه أبو بكر، وآثره على أن يلقب بالملك، أو السلطان. وقد وجدنا في حديث النبي ﷺ تسمية القائمين بالأمر بعده: خلفاء، ففي"صحيح مسلم" (١): قال رسول الله ﷺ : "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما"، وفي "صحيح مسلم" (٢) أيضاً: أن النبي ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء، فتكثر"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فُوا ببيعة الأول فالأول". فلم يبق سوى أننا "لم نستطع أن نعرف على وجه أكيد ذلك الذي اخترع لأبي بكر ﵁ لقب: خليفة رسول الله"، وعدم استطاعتنا لأن نعرف ذلك عجز لا ناصف له، وجهل لا يمس تلك التسمية بسوء. قال المؤلف في (ص ٥٩): "وجدنا أنه استهل به كتابه إلى قبائل العرب المرتدة وعهده إلى أمراء الجنود، ولعلهما أول ما كتب أبو بكر، ولعلهما أول ما وصل إلينا محتوياً على ذلك اللقب". يريد المؤلف: أن يلوح منذ الآن إلى أن هذا اللقب مخترع؛ لاصطياد "الذين رفضوا الإذعان لحكومة أبي بكر".

стр. 4126

وصل إلينا: أن أبا بكر شيع جيش أسامة (١) وهو ماش، وأسامة راكب، فقال له أسامة: "يا خليفة رسول الله! لتركبن، أو لأنزلن" (٢). وبَعْثُ أسامة وقع عند ابتداء حركة الارتداد، ولكن الذي يطالع تاريخ ابن جرير الطبري يفهم أنه بعث قبل أن يكتب أبو بكر كتبه للقبائل، وعهده إلى أمراء الجنود. قال المؤلف في (صحيفة ٩٥): "لا شك في أن رسول الله ﷺ كان زعيماً للعرب، ومناط وحدتهم على الوجه الذي شرحنا من قبل. فإذا قام أبو بكر من بعده ملكاً على العرب، وجمّاعاً لوحدتهم، على الوجه السياسي الحادث، فقد ساغ في لغة العرب أن يقال: إنه -بهذا الاعتبار- خليفة رسول الله، كما يسوغ أن يسمّى: خليفةً بإطلاق؛ لما عرفت في معنى الخلافة، فأبو بكر إذن بهذا المعنى خليفة رسول الله؛ لا معنى لخلافته غير ذلك". لا شك في أن رسول الله ﷺ -كان هادياً للعرب والعجم، ومناط وحدتهم على الوجه الذي شرحنا من قبل. فإذا قام أبو بكر من بعده إماماً للمسلمين، وجمّاعاً لوحدتهم على الوجه السياسي العادل، فقد ساغ في لغة العرب أن يقال: إنه -بهذا الاعتبار- خليفة بإطلاق؛ لما عرفت في معنى الخلافة، فأبو بكر كان إذن بهذا خليفة رسول الله، لا معنى لخلافته غير ذلك. * أبو بكر لا يخاع الناس بالألقاب الدينية: قال المؤلف في (ص ٩٦): "ولهذا اللقب روعة، وفيه قوة، وعليه

стр. 4127

جاذبية، فلا غرو أن يختاره الصدّيق، وهو الناهض بدولة حادثة، يريد أن يضم أطرافها بين أعاصير من الفتن، وزوابع من الأهواء العاصفة المتناقضة، ويين قوم حديثي العهد بجاهلية، وفيهم كثير من بقايا العصبية، وشدة البداوة وصعوبة المراس، لكنهم كانوا حديثي عهد برسول الله ﷺ ، والخضوع له، والانقياد التام لكلمته، فهذا اللقب جدير بأن يكبح من جماحهم، ويلين بعض ما استعصى من قيادهم. ولعله قد فعل". بحث المسلمون في تاريخ أولئك الرجال المشهود لهم بالصدق فيما يقولون، والإخلاص فيما يفعلون، وقلبوه ظهراً لبطن، فلم يجدوا فيهم من يخادع الناس بالألقاب الدينية، ووجدوا كثيراً منهم لا ينخدعون لمظاهر المرائين، أو بهرج المحتالين، فأبو بكر أفضل من أن يخاع الناس بلقب: "خليفة رسول الله"، وأمةٌ فيها عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، أعقل من أن تنخدع للقبٍ لا ينطبق على معنى في صاحبه، وأتقى لله من أن تترك الألقاب الدينية تُنصب حبائل لاصطياد أغراض دنيوية، ورياسة ملكية. ولو طالع المؤلف تاريخ أولئك الرجال بالعين التي طالع بها كتاب العلامة (المستر أرنولد)، لعرف أن في نفس الصدّيق شيئاً فوق "ما تستعد به شعوب البشر لأن يكونوا سادة ومستعمرين"، وذلك الشيء: يقينه بأن الله سيظهر دينه، وأن حركة الارتداد سحابة صيف لا تلبث أن تتقشع، يدرك هذا كل من وقف برهة على حالته النفسية، أو أطل عليها من الكلمات التي كانت تصدر عنه في ذلك الشأن. وقع إلى المسلمين نبأ الفساد الذي ضرب في القبائل العربية، قبل مسير جيش أسامة إلى بلاد الروم، فقالوا لأبي بكر: "إن هؤلاء جلّ المسلمين،

стр. 4128

والعرب -على ما ترى- قد انتقضت بك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال أبو بكر: والذي نفس أبي بكر بيده! لو ظننت أن السباع تخطفني، لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ﷺ ، ولو لم يبق في القرى غيري، لأنفذته (١) ". فهذه القصة تنبئك بقوة يقين أبي بكر، وأنه يستخف بكل ثورة لا دينية؛ فقد أنفذ جيش أسامة امتثالاً لأمر رسول الله ﷺ ، مع أنه لو أمر بإقامته، لوجد في المسلمين عاذراً، ومن الشرع مسوغاً. فالذي بلغت به قوة الإيمان هذا المبلغ العظيم، لا يحق لأحد أن يرميه باختلا لقب ديني؛ لينتفع به في تكوين دولة لا دينية. * هل يقال: "خليفة الله "؟ قال المؤلف في (ص ٩٦): "ولقد حسب نفر منهم: أن خلافة أبي بكر للرسول ﷺ خلافة حقيقية بكل معناها، فقالوا: إن أبا بكر خليفة محمد، وكان محمد خليفة الله، فذهبوا يدعون أبا بكر: خليفة الله، وما كانوا يكونون مخطئين في ذلك، لو أن خلافة الصدّيق للنبي ﵇ كانت على المعنى الذي فهموه، ولا يزال يفهمه كثير غيرهم إلى الآن، ولكن أبا بكر غضب لهذا اللقب، وقال: لست خليفة الله، ولكني خليفة رسول الله ". من أهل العلم من منع أن يسمّى بخليفة الله نبي أو غير نبي، وعلى هذا المذهب جرى شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنّة" (٢)؛ بعلة أن الخلافة لا تكون إلا عن غائب، والله مع الخلق أينما كانوا، وتأول آية:

стр. 4129

﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وآية: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، بمعنى: الخلافة عمن تقدمه من الخلق، وذهب آخرون إلى صحة إطلاقه على الأنبياء، وبهذا المذهب أخذ القاضي أبو بكر بن العربي، وقال في"عارضة الأحوذي": "وقيل: إن قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يريد: بعدَ منَ تقدمه من الأمم، ولم يثبت شيء من ذلك، فلا تعولوا عليه، وإنما هو خليفة لله؛ لأن الأمر والحكم له، فخلفه، وأجرى على يديه ما شاء من تدبيره، وسمّاه؛ بما أجرى على يديه من ذلك: خليفة". فإذا غضب أبو بكر من تسميته: "خليفة الله"، فلأنه لا يجوز إطلاقه على مخلوق، أو لأنه لقب لا يستحقه إلا نبي أو رسول. * الخليفة عند المسلمين غير معصوم: قال المؤلف في (ص ٩٦): "حمل ذلك اللقب جماعة من العرب والمسلمين على أن ينقادوا لإمارة أبي بكر انقياداً دينياً. كانقيادهم لرسول الله ﷺ ، وأن يرعَوا مقامه الملوكي بما يجب أن يرعوا به كل ما يمس دينهم". يعرف المسلمون سلفُهم وخلفهم: أن في الوحي الذي نزل به الروح الأمين على أكمل الخليقة عقائد وآداباً ومبادئ حكم وسياسة، وأن أبا بكر استحق اسم خليفة رسول الله، من أجل حراسته لهذه العقائد والآداب، وأخذه في سياسة الأمة بتلك المبادئ، ولقيامه على هذه الوظيفة بأمانة وحزم كان جديراً بذلك الانقياد الذي هو في الحقيقة انقياد للشريعة السماوية. وما كانوا ينقادون له انقيادهم لرسول الله ﷺ ، فإن جميعهم يعلم أن حجرته لم تكن مهبط وحي، وأنه لم يكن بالمعصوم الذي يصيب في كل أمر ونهي، فالخليفة "عند المسلمين ليس بالمعصوم، ولا مهبط الوحي، ولا من حقه الاستئثار

стр. 4130

بتفسير الكتاب والسنّة. نعم، شرط فيه: أن يكون مجتهداً؛ أي: أن يكون من العلم باللغة العربية وما معها مما تقدم ذكره؛ بحيث يتيسر له أن يفهم من الكتاب والسنّة ما يحتاج إليه من الأحكام، حتى يتمكن بنفسه من التمييز بين الحق والباطل، والصحيح والفاسد، وشمهل عليه إقامة العدل الذي يطالبه به الدين والأمة معاً" (١). * حكم المرتدين في الإسلام: قال المؤلف في (ص ٩٦): "لذلك كان الخروج على أبي بكر في رأيهم خروجاً على الدين، وارتداداً عن الإسلام. والراجح عندنا: أن ذلك هو منشأ قولهم: إن الذين رفضوا طاعة أبي بكر كانوا مرتدين، وتسميتهم حروب أبي بكر معهم: حروب الردّة. ولعل جميعهم لم يكونوا في الواقع مرتدين كفروا بالله ورسوله، بل كان فيهم من بقي على إسلامه، ولكنه رفض أن ينضم إلى وحدة أبي بكر لسبب ما، من غير أن يرى في ذلك حرجاً عليه، ولا غضاضة في دينه. وما كان هؤلاء من غير شك مرتدين، وما كانت محاربتهم لتكون باسم الدين. فإن كان ولا بد من حربهم، فإنما هي السياسة، والدفاع عن وحدة العرب، والذود عن دولتهم". زعم المؤلف أن الخروج على أبي بكر عند جماعة من العرب والمسلمين خروج على الدين، وارتداد عن الإسلام. وزعم أن محاربة أبي بكر لهم لم تكن باسم الدين. وكلا الزعمين من الصور التي يضعها المؤلف في هيئة الحق،

стр. 4131

وينفخ فيها من روح الباطل، ثم يرسلها على النفوس الزاكية؛ لتخمش وجه عقائدها وآدابها. ومن أجرأ تلك الجمل: قوله: "ولعل جميعهم لم يكونوا في الواقع مرتدين كفروا بالله ورسوله".كأنه يريد أن يجعل عدم ارتداد جميعهم رأياً ظهر له وحده، مع أن علماء الآثار والتاريخ يقولون: إن من قاتلهم أبو بكر طائفتان: طائفة تبدلت الكفر بعد الإيمان، وهؤلاء المرتدون، وأخرى قالت: نقوم بشرائع الإسلام إلا الزكاة، وهؤلاء يسمونهم: "مانعي الزكاة"، وهم الذين عارض الفاروق لأول الأمر في قتالهم. وأما أن محاربة أبي بكر في سبيل الدين ووحدة المسلمين، فلأنه قاتل فرقتين يوجب عليه الدين أن يقاتلهما، وهما: أهل الردة، ومانعو الزكاة. أما أهل الردة، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، ولقتال المرتد حِكَم، منها ما نعلم، ومنها ما لا نعلم، والذي نعلم: أن المشاهدة الطويلة، والتجارب الصادقة أرتنا أن أشد الطوائف عداوة للامة الإسلامية، وأحرصهم على محاربة الدين بما ملكوا من كيد وتضليل، هم الذين جاهروا بالخروج على الدين، وناصبوه العداء بعد أن كانوا يسمون أنفسهم المسلمين، ودلّ الاختبار الصحيح على أن المرتد عن الدين لا يمشي إلا مكبّاً على وجهه، فلا يرعى للفضيلة عهداً، ولا للناس حقاً، ولا ترى له من شأن سوى أن يقذف في طريق تقدّم الإنسان، وانتظام حال الاجتماع سموماً قاتلة للعفاف والسكينة، وكذلك يجب إماطة الأذى عن الطريق.

стр. 4132

* حكم مانعي الزكاة: وأما مانعو الزكاة، فإن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء نصيباً مفروضاً، وعيّن لهذا النصيب مصارف، ومن هذه المصارف ما يرجع إلى مصالح عامة؛ كالاستعداد لمحاربة الأعداء المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]، ومنها ما يرجع إلى مصالح أفراد غير معينين؛ كالفقراء والمساكين، وعلى كل حال، فللإمام النظر في هذا النصيب المفروض، وله الحق في جبايته وصرفه في وجوهه المشروعة، وإذا امتنع الغني من دفع ما فرضه الله عليه، وجب على صاحب الدولة انتزاعه منه ولو بالقوة، وإذا أشهر السلاح، جاز قتاله، وكذلك كان قتال أبي بكر الصديق ﵁ لمانعي الزكاة. * سبب حروب أهل الردة ومانعي الزكاة: قال المؤلف في (ص ٩٧): "كم نشعر بظلمة التاريخ وظلمه، كلما حاولنا أن نبحث جيداً فيما رواه لنا التاريخ عن أولئك الذين خرجوا على أبي بكر الصديق، فلقبوا: المرتدين، وعن حروبهم تلك التي لقبوها: حروب الردة". لم يكن في تاريخ الحروب ظُلمة، ولا في محاربة أبي بكر لمن لقبوا المرتدين ظلم، وحقيقة الحال: أنه عندما ذاع نبأ وفاة النبي ﷺ في أنحاء الجزيرة، رفع المضللون رؤوسهم، ونشطوا لإلقاء الوساوس في قلوب السذج من الأعراب، وأخذ الذين انحشروا في الإسلام رياء يعودون إلى جاهليتهم، فأصبح العرب على ثلاث طوائف: طائفة استمرت على إسلامها الخالص وهم الجمهور. وطائفة بقيت على الإسلام كذلك، إلا أنها جحدت الزكاة على زعم

стр. 4133

أنها خاصة بزمن النبي ﷺ ؛ وهؤلاء كثير، ولكنهم أقل من الطائفة الأولى عدداً. وثالثة الطوائف انسلخت من الإسلام، وجاهرت بالردة، وهي قليلة بالنظر إلى جاحدي الزكاة وحدها. ذهب الذين ارتدوا في طغيانهم يعمهون، وأرسل منكرو الزكاة وفوداً إلى المدينة المنورة ليفاوضوا أبا بكر ﵁ حتى يقرهم على بدعتهم، فأبى لهم ذلك، وصمم على مقاتلتهم إذا هم ظلوا في جهالتهم يتردّدون. انصرفت الوفود غير ناجحة في وفادتها، وعرف أبو بكر أن تلك القبائل المتزلزلة العقيدة متحفزة للوثوب على المدينة المنورة. فأقام على أنقابها حرساً، "فما لبثوا إلا ثلاثاً حتى طرقوا المدينة مع الليل" (١)، فنهض المسلمون حقاً في وجوههم، وردّوهم على أعقابهم لا يلوون على شيء، ودارت رحى الحرب بين أبي بكر وبين رافعي راية الردة وجاحدي فريضة الزكاة، "فلم يحل الحول إلا والجميع قد راجعوا دين الاسلام (٢) ". وراحت ظلال الأمن والهداية تتفيأ في جزيرة العرب ذات اليمين وذات الشمال. * واقعة قتل مالك بن نويرة: قال المؤلف في (ص ٩٨): "دونك حوار خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة أحدِ أولئك الذين سمّوهم: مرتدين، وهو الذي أمر خالد فضربت عنقه؛ ثم أخذت رأسه بعد ذلك فجعلت أثفيةٍ لقدر. يعلن مالك في صراحة واضحة

стр. 4134

إلى خالد: أنه لا يزال على الإسلام، ولكنه لا يؤدي الزكاة إلى صاحب خالد "أبي بكر". كان ذلك إذن نزاعاً غير ديني، كان نزاعاً بين مالك المسلمِ الثابتِ على دينه، ولكنه من تميم، ويين أبي بكر القرشي الناهض بدولة عربية أئمتها من قريش، كان نزاعاً في ملوكية ملك؛ لا في قواعد دين، ولا في أصول إيمان". يقول المؤلف فيما سلف: "إن في فن التاريخ خطأ كثيراً، وكم يخطئ التاريخ! وكم يكون ضلالاً كبيراً! ". ذلك حكمه على التاريخ متى نقل ما لا يلتئم مع عواطفه وشهواته، فإن نقل ما يتخيل فيه شبهة على أن ليس في الإسلام مبادئ حكم وسياسة، أصبح في نظره القول الفصل، والشاهد العدل، دون أن يكلف نفسه بيان وجه الضلال في ذاك، أو وجه الصدق في هذا. ونحن نقصّ عليك قصة مالك بن نويرة، وانظر ماذا ترى: لما تنبأت "سجاح " (١) بنت الحارث بن سويد بعد وفاة النبي ﷺ ، راسلت مالكَ بنَ نويرة، وهو عامل على بني حنظلة من تميم، ودعته إلى الموادعة، فأجابها؛ "فاجتمع وكيع ومالك وسجاح وقد وادع بعضهم بعضاً على قتال الناس" (٢). ولما دارت الدائرة على "سجاح"، وانصرفت إلى الجزيرة، ارعوى مالك، وندم، وتحير في أمره، حتى دنا منه خالد بن الوليد، وأرسل إليه سرية

стр. 4135

فيها أبو قتادة، فجاؤوا به وبأصحابه إلى خالد، واختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة أنهم أذنوا وصلَّوا، فحبسهم عند ضرار بن الأزور، وكانت ليلة ممطرة، فنادى مناديه: "أن ادفئوا أسراكم"، وكانت في لغة كنانة كناية عن القتل، فبادر ضرار بقتلهم، وكان كنانياً، وسمع خالد الواعية (١)، فخرج متأسفاً وقد فرغوا منهم ... ويقال: إنهم لما جاؤوا بهم إلى خالد، خاطبه مالك بقوله: فعل صاحبكم، شأن صاحبكم، فقال له خالد: أو ليس لك بصاحب؟ ثم قتله، ثم قدم خالد على أبي بكر، وأشار عمر أن يقيد منه بمالك بن نويرة، ويعزله، فأبى ... وودى مالكاً وأصحابه، ورد خالداً إلى عمله" (٢). هذا ما يحكيه ابن خلدون، وهو خلاصة ما رواه ابن جرير الطبري وغيره، ويتلخص منه أن في قتل مالك روايتين: إحداهما: أن قتله وقع خطأ من جندي لا شأن له إلا أن ينفذ ما يأمر به رئيسه الأعلى. ثانيتهما: أن خالداً قتله؛ لكلام دله على أنه لا يعترف بخلافة أبي بكر. وقد رأيت كيف أعرض المؤلف عن الرواية الأولى؛ لأنها لا توافق ما يخالط نفسه "من عواطف وشهوات". ولنساير المؤلف في هنه الرواية الراجحة عنده، ونبحث فيها من وجهين: هل كان خالد محقاً في قتل مالك بن نويرة، أم لا؟ وهل ما فعله الصدّيق من معذرة خالد صواب أم لا؟
следующие страницы →