← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حديقة الشعر- خماسيات الحسيني - وكتب أخرى، وعمل على إعداد وطبع مؤلفات والده زين العابدين بن الحسين، وعمِّه اللغوي محمد المكي بن الحسين، وخال والده العلامة محمد المكي بن عزوز. كما أصدر: أعلام الهداية الإسلامية - أعلام المهاجرين التونسيين - روائع مجلة الهداية الإسلامية، وغيرها. وسّمه الرئيسُ زينُ العابدين بنُ علي رئيسُ الجمهورية التونسية بوسام الجمهورية لخدمة التراث في حفل عام بـ (قصر قرطاج) بتاريخ ٧ أوت آب ١٩٩٦ م. متأهل، وله أربعة أبناء: ثلاثة ذكور، وبنت واحدة.

стр. 37

مَوسُوعَةُ الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين (١) «أسَرارُ التَّنزِيْل - تَفسِيرُ آيَاتٍ قُرآنِيَّة كَرِيْمَةٍ» للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به ابْنُ أخِيهِ المحامي علي الرّضا الحسيني دَارُ النَّوادِرِ

стр. 38

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥) أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م نُوْرُ الدِّين طَالِبْ المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة ما إن ارتقى فضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه - المرتبة العلمية الرفيعة التي انتهى إليها في قمة مجده العلمي، وفي أواخر حياته المليئة بالجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وما إن أضحى بحراً لا ساحل له في مختلف العلوم الإسلامية واللغوية، باشر في وضع تفسير محكم لكتاب الله العزيز، ينبع من صفاء علمه وعرفانه، وهدايته وتقواه. وبقلمه البليغ بدأ ﵀ نشر التفسير الذي وضعه في مجلة "لواء الإسلام" التي كانت تصدر بالقاهرة، وكان رئيساً لتحريرها، بدءاً من العدد الأول الصادر بتاريخ الأول من شهر رمضان المبارك لعام ١٣٦٦ هـ الموافق التاسع عشر من شهر يوليو تموز ١٩٤٧. واستمر في هذا العمل الجليل، حتى أثقلته السنون، وقد قارب عمره الطاهر على الثمانين عاماً، وتحت وطأة الشيخوخة، توقف عن متابعة هذا الجهد الرائع، والإنتاج الفكري العظيم، وكانت آخر الصفحات من التفسير هي تلك التي نشرها في العدد الثاني عشر من السنة الرابعة لمجلة "لواء الإسلام"، والصادر في شهر شعبان لعام ١٣٧٠ هـ الموافق شهر مايو أيار لعام ١٩٥١ م. قام المؤلف بتفسير القسم الأكبر من سورة البقرة حتى الآية ١٩٥،

стр. 40

بالإضافة إلى سورة الفاتحة، وبتفسير آيات قرآنية كريمة من سور مختلفة، وهي: آية من سورة آل عمران - آيات من سورة الحج - آيات الصيام - ثلاث آيات من سورة الأنفال - أربع آيات من سورة يونس - خمس آيات من سورة ص. وقد ضممنا في هذا الكتاب تفسير آيات سورة البقرة من ١ - ١٩٥، والمنشور في أعداد مجلة "لواء الإسلام"، ودروس التفسير التي ألقاها في بعض النوادي والجمعيات الإسلامية، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" التي كان يصدرها المؤلف في القاهرة. والله نسأل السداد والتوفيق في خدمة رسالة الإسلام. على الرّضا الحسيني

стр. 41

تَفْسِيْرُ سُوْرَةِ الفَاتِحَةِ

стр. 42

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ١ - ٧]. قد اشتملت هذه السورة بوجه إجمالي على مقاصد الدين؛ من توحيد، وتعبد، وأحكام، ووعد ووعيد. ولهذه المزية سميت: أم القرآن، وافتتح بها الكتاب المجيد، وأمر الناس بقراءتها في كل صلاة، وهي مقولة على ألسنة العباد لتعليمهم كيف يناجون البارئ تعالى، ويحمدونه، ويتضرعون إليه. وذهب بعض أهل العلم إلى أنها أول ما نزل من القرآن، وروي هذا عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -. وجمهور أهل العلم على أن أول ما نزل سورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]. ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: الاسم: اللفظ الذي يدل على ذات أو معنى. (والله): علم على ذات الخالق تعالى، والباء في (باسم): متعلقة بفعل مقدر، والمعنى: أبتدئ القراءة متبركاً باسم الله، لا كما يفعل المشركون من البداية بأسماء آلهتهم متبركين بها، فيقولون: باسم اللات، باسم العزى. وإنما حذف الفعل العامل

стр. 43

في (باسم الله)؛ ليكون المبدوء به في اللفظ اسم الله دون شيء آخر. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: هما صفتان مشتقتان من الرحمة، والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضي الإحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله تعالى، ففسرها بعض العلماء بارادة الإحسان، وفسرها آخرون بالإحسان نفسه، والموافق لمذهب السلف أن يقال: هي صفة قائمة بذاته تعالى لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذي هو الإحسان. وليست الصفتان - أعني: الرحمن الرحيم - بمعنى واحد، بل روعي في كل منهما معنى لم يُراع في الآخر، فالرحمن بمعنى: عظيم الرحمة؛ لأن فَعْلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته، ولا يلزم منه الدوام؛ كغضبان، وسكران، والرحيم بمعنى: دائم الرحمة؛ لأن صيغة فَعيل تستعمل في الصفات الدائمة؛ ككريم، وظريف، فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمها (١). وذهب ابن قيم الجوزية في الفرق بين الصفتين إلى أن الرحمن دالٌّ على الصفة القائمة به تعالى، والرحيم دالٌّ على تعلقها بالمرحوم، فالرحمن دالٌّ على أن الرحمة صفته، والرحيم دالٌّ على أنه يرحم خلقه، فيكون الرحمن من صفات الذات، والرحيم من صفات الأفعال (٢). ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار؛ من

стр. 44

نعمة، أو غيرها. والجملة مفيدة لقصر الحمد عليه تعالى؛ نحو قولهم: الكرم في العرب. وإنما كان الحمد مقصوراً في الحقيقة على الله؛ لأن كل ما يستحق أن يقابل بالحمد إنما هو صادر من الله، وهذا يقتضي أن يكون الحمد لله وحده. فالقصد من جملة الحمد: إنشاء الثناء عليه تعالى بمضمونها الذي يتلخص في أن الله مستحق لجميع المحامد. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الرب: المالك، والسيد المربي، ولا يطلق على غير الله إلا مقيداً؛ نحو: ربّ الدار. والعالمين: جمع عالَم، والعالم: الخلق من ذوي العلم، وهم الإنس والملائكة والجن. وقيل: إن العالم اسم لكل مخلوق من العقلاء وغيرهم. وجمع في الآية بالياء والنون، وهما علامة جمع المذكر العاقل؛ لأنه أريد منه: ذوو العلم خاصة. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: وجه إعادة هذين الوصفين - وقد سبق تفسيرهما -: أن وصفه تعالى برب العالمين؛ أي: مالكهم، أو سيدهم، يثير في النفوس شيئاً من الرهبة، فقرن بوصف الرحمة؛ ليجعل بجانب الرهبة منه رغبة إليه، وفي ذلك استدعاء إلى الإقبال على طاعته، مع رجاء فضله وإحسانه. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: المالك: وصف من المِلك - بكسر الميم -. والدين: الجزاء؛ أي: إنه تعالى يتصرف في أمور يوم الدين تصرفَ المالك فيما يملك، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]، وقرئ:

стр. 45

﴿مَلِكِ يوم الدين﴾ من الملك - بضم الميم -، ومعناه: المدبر لأمور يوم الدين، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: العبادة: الطاعة البالغة للنهاية في الخضوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة ما تحقق فيها أمران: الإخلاص، وموافقتها للوضع الذي رسمه الشارع. وقدّم المعبود على العبادة، فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ لإفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص. والمعنى: نخصك بالعبادة، ولا نتجه بها إلى غيرك. وقال: ﴿نَعْبُدُ﴾ بنون الجماعة، ولم يقل: أعبد؛ ليدل على أنه يعبده في جماعة المؤمنين، ويشعر بأن المؤمنين المخلصين يكونون في اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم في الحديث عن شؤونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: الاستعانة: طلب المعونة، ومعنى الجملة: نخصك بطلب الإعانة، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى غيرك. ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال؛ ليشمل الطلب كل ما يتجه إليه الإنسان من الأعمال الصالحة. وجاء طلب الاستعانة بعد قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ ليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذي ييسر لهم أداءها. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الهداية: الإرشاد، والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، وتسند الهداية إلى الله، والنبي، والقرآن، وقد يراد منه: الإيصال إلى ما فيه خير، وهي بهذا المعنى لا تضاف إلا إلى الله - جلّ شأنه -. والصراط في أصل

стр. 46

اللغة: الطريق السهل المستوي، ومعناه في الآية: ما يدعو إليه الأنبياء ﵈ من العقائد والشرائع والآداب، ومن هدي إليها، فقد ظفر بأسباب السعادة في الدنيا والآخرة. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: الإنعام: إيصال الخير إلى الأحياء العقلاء، والمراد في الآية: الإنعام الديني، فالمنعَم عليهم: من عرفوا الحق فتمسكوا به، والخير فعملوا به. وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ بدل من ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ولم يقل: "اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم" مستغنياً عن ذكر الصراط المستقيم؛ ليدل على أن صراط هؤلاء المنعَم عليهم هو الصراط المستقيم. وقال ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ولم يقل: صراط الأنبياء أو الصالحين؛ ليدل على أن الدين نعمة عظيمة. ويكفي في الدلالة على عظمتها إسنادها إليه تعالى في قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: بدل من ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. والغضب ضد الرضا، وهو في أصل اللغة حركة في النفس تنزع بها إلى طلب الانتقام، وإذا أسند إلى الله، فسروه بمعنى: إرادة الانتقام، أو بمعنى: الانتقام نفسه. والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له تعالى لائقة بجلاله، لا نعلم حقيقتها، وإنما نعرف أثرها، وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم. وأتى في وصف الإنعام بالفعل المسند إلى الله تعالى، فقال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وفي وصف الغضب باسم المفعول، فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وفي ذلك تعليم لأدب جميل، هو أن الإنسان يجمل به أن يسند أفعال الإحسان إلى الله، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن كان كل من الإحسان والعقاب

стр. 47

صادراً منه. ومن شواهد هذا قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: الضالين: جمع ضالّ، وهو من لا يهتدي طريقاً يصل منه إلى المطلوب، فيمشي في غير طريقه، ويتخبط في عماية. وحرف (لا) في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ جاء لتأكيد معنى النفي المستفاد من كلمة: غير. والمعنى: اهدنا صراط المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين. وورد في حديث مرفوع إلى النبي ﷺ تفسير المغضوب عليهم باليهود، والضالين بالنصارى (١). ومن لم يروا الحديث بالغاً في الصحة الدرجة التي توجب الوقوف عنده، فسروا المغضوب عليهم بمن فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، وقالوا في تفسير الضالين: هم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالات، لا يهتدون إلى الحق. ومن هؤلاء من ذهب في تفسيره إلى أن المغضوب عليهم كل من أخطأ في الأعمال الظاهرة، وهم الفساق، وأن الضالين كلّ من أخطأ في اعتقاد، وهم فاسدو العقيدة. وقدَّم المغضوب عليهم على الضالين؛ لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعَم عليهم، فكان جديراً بأن يوضع في مقابلته قبل: الضالين.

стр. 48

تَفْسِيْرُ آيَاتٍ مِنْ سُوْرَةِ البَقَرَةِ

стр. 49

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥]. ﴿الم﴾: افتتحت سور من القرآن الكريم بأحرف مقطعة، وقد ذهب المفسرون فيها مذهبين: مذهب من يعدها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، ومذهب من يتناولها بالتفسير؛ كسائر الآيات التي هي مجال لأنظار الراسخين في العلم، وجمهور أهل هذا المذهب يعدونها اسماً للسورة، ويزاد على هذا: أنها اسم فيه إشعار بأن القرآن الذي تحداهم الله به هو من جنس الكلام المركب من هذه الأحرف التي يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، فذلك لبلوغه في البلاغة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم دونها بمراحل فسيحة، وتصدير السورة بمثل هذه الأحرف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم، إذ يطرق أسماعهم لأول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم، وذلك

стр. 50

مما يلفت أنظارهم؛ ليتبينوا ماذا يراد منها، فيستمعوا حكماً وحججاً قد تكون أسباب هدايتهم. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: الكتاب: المكتوب. والمراد: القرآن المجيد، فإنه كان يكتب حين نزوله في الألواح ونحوها. وأتى به معرَّفاً، ولم يقل: ذلك كتاب؛ تنبيهاً لكماله في المعنى الذي تتفاضل فيه الكتب، وهو الهداية والحكمة، كما تقول: زيدٌ الرجلُ؛ أي: الكامل في الرجولة. وأشير إلى الكتاب باسم الإشارة المقرون بالكاف الدالة على بعد المشار إليه؛ تنزيلاً لعلو مرتبته، وبعدها في الكمال منزلةَ البعد المحسوس. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: الريب: الشك. والقرآن لروعة حكمته، وسطوع حجته، لا يرتاب ذو عقل متدبر في كونه وحياً سماوياً، ومطلع هداية وإصلاح. فالآية تنفي الريب في القرآن عمّن شأنهم أن يتدبروه، ويقبلوا على النظر فيه بروية، ومن ارتاب في القرآن، فلأنه لم يقبل عليه بأذن واعية، أو بصيرة نافذة. ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾: الهدى في الأصل: مصدر هدى يهدي، واستعمل هنا بمعنى: هادٍ، مبالغة في الوصف بالهداية. والعرب يستعملون المصدر في معنى اسم الفاعل، مبالغةً في وصف الشيء بما صدر منه من الأفعال، أو قام به من الصفات. والمتقون: جمع مُتَّقٍ؛ أي: متصف بالتقوى. والتقوى درجات، أدناها: اجتناب الشرك، وأعلاها: اجتناب ما نهى الله عنه، والقيام بما أمر به، حسب الاستطاعة. وأشار إلى هذا من قال: "التقوى أن لا يراك حيث نهاك،

стр. 51

ولا يفقدك حيث أمرك". ومعنى كون القرآن هدى للمتقين: أنه يزيدهم هدى على ما لديهم من الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]. ويصح أن يكون المعنى: هدى للناس الذين صاروا متقين بهذه الهداية، كما لو قلت: هديت مهتدياً، أو كتبت مكتوباً، على معنى: أني هديت شخصاً صار مهتدياً بهذه الهداية، وكتبت خطاباً صار مكتوباً بهذه الكتابة، وهو أسلوب عربي صحيح، كما ورد في حديث: "من قتل قتيلاً، فله سَلَبُه" (١). ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: الغيب: مصدر غاب يغيب، وكثيراً ما يستعمل بمعنى: الغائب، وهذا المعنى هو الظاهر من الآية، ومعناه: ما لا تدركه الحواس، ولا يعلم ببداهة العقل؛ كذات الله تعالى، وصفاته، وملائكته، واليوم الآخر. والإيمان بالغيب: التصديق به على وجه الجزم، والتصديق الجازم لا يحصل إلا عن دليل، وقيام الآيات على صدق من أخبر بالغيب يجعل المؤمن بهذا الغيب مصدقاً به عن دليل، فلا يحتاج في الإيمان بالملائكة والكتب التي نزلت قبل القرآن، والرسل الذين بعثوا من قبل، واليوم الآخر، إلى دليل زائد على الآيات التي قامت على صدق الرسول ﵊. أما الإيمان بالله، فإنما يحصل من الأدلة العقلية، ذلك لأن صدق الرسول في دعوى الرسالة لا يثبت إلا بعد الإيمان بالإله الحق.

стр. 52

﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: الصلاة في اللغة: الدعاء، واستعملها الشارع في العبادة ذات الركوع والسجود؛ لاشتمالها على الدعاء. وإنما تقام الصلاة بأدائها في أوقاتها المقدرة لها، وتعديل أركانها، وإيقاعها مستوفية لواجباتها، وآدابها. والصلاة المقامة بحق هي التي يصحبها الإخلاص، واستحضار جلال الله في الركوع والسجود، وهي التي تترتب عليها الآثار العظيمة من تزكية النفس وعفافها، وسلامة الناس من إيذائها؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: رزقُ الله الناس: إعطاؤه لهم ما ينتفعون به من المطعومات والملبوسات ونحوها من مرافق الحياة. والإنفاق من الرزق: إنفاذ جانب منه في وجه من الوجوه الحيوية، وقد جاء في الآية مطلقاً، ووروده في مقام مدح المتقين يدل على أنه إنفاق في وجوه الخير. وقال: ﴿يُنْفِقُونَ﴾، ولم يقل: أنفقوا؛ ليفيد أن الأنفاق يتجدد منهم المرة بعد الأخرى، والعرب تعبر بالمضارع ليفيد أن الفعل يحدث ويتجدد مرة بعد أخرى، والإنفاق في الآية مطلق، فيبقى على إطلاقه شاملاً للواجب والمتطوَّع به. وإيراد (من) في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ إشارة إلى أن إنفاق بعض المال مع تجدد الإنفاق يكفي لدخول صاحبه في زمرة المهتدين المفلحين. وعني القرآن الكريم بمدح المنفقين، والحث على الإنفاق؛ إذ كان من أعظم الوسائل إلى رقي الأمم وسلامتها من كوارث شتى؛ مثل: الفقر، والجهل، والأمراض المتفشية، فببذل المال تسد حاجات الفقراء، وتشاد

стр. 53

معاهد التعليم، وتقام وسائل حفظ الصحة، إلى ما يشاكل هذا من جلائل الأعمال. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: هذا الوصف للمتقين بالإيمان بالقرآن وغيره من الكتب السماوية، بعد وصفهم بالإيمان بالغيب. والإيمان بما أنزل على الرسول إيمان برسالته، وموجب للعمل بما تضمنته شريعته، وإيجاب العمل بما تضمنه الكتاب المنزل على خاتم النبيين - صلوات الله عليه -، باق على إطلاقه. أما الكتب الأخرى، فيكفي الإيمان بأنها كانت وحياً وهداية، أما العمل، فإنما يتمسك فيه بما تضمنه القرآن المجيد، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. ويصح أن يراد من الآية: من آمنوا بالكتب المنزلة قبل الإسلام، ثم لما جاء القرآن، وعرفوا أنه الحق، آمنوا به كذلك، والجمع بين الإيمانين على هذا النحو مزية أشار إلى فضلها الحديث الصحيح الوارد فيمن له أجران، ومن بينهم: "رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بمحمد ﷺ ". ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: الآخرة تجيء وصفاً للدار الباقية، كما قال تعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ [الأنعام: ٣٢]، ثم كثر استعمالها بدون ذكر الموصوف، حتى صارت اسماً يفهم منه الدار الباقية خاصة؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤]، وقال هنا: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ و ﴿يُوقِنُونَ﴾: من الإيقان، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع بحيث لا يطرأ عليه شك، ولا تحوم به شبهة.

стр. 54

وإيراد الضمير ﴿هُمْ﴾ قبل قوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾ تعريض بغيرهم ممن كان اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة، أو غير بالغ مرتبة اليقين. وللإيمان باليوم الآخر أثر عظيم في اجتناب الشر، والاستكثار من الخير، ففي وصف المتقين به تنبيه على الوجه الذي أحرزوا به الغاية من تقوى الله في السر والعلانية. ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾: هذا كلام مستأنف لبيان أن أولئك المتقين في المنزلة العليا من الكمال الإنساني، فقد وصفهم بأنهم على هدى عظيم، وإنما يتفاوت الناس في الكمال على قدر تفاوتهم في الهداية. ويدل على عظيم هذا الهدى: إيراده نكرة، فهو في معنى: هدى عظيم، على ما هو المعروف في علم البلاغة من أن التنكير يدل بمعونة المقام على التعظيم. ويضاف إلى هذا وصفه تعالى للهدى بأنه منه، فقال: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾، فدل على أنه ضرب من الهدى عظيم؛ حيث إن الله تعالى هو الذي وفقهم إليه، ويسر لهم أسبابه. وقال: ﴿عَلَى هُدًى﴾؛ ليفيد أنهم ظاهرون بالهدى ظهور من تمسكوا به، وتمكنوا منه تمكن من استعلى الشيء، وصار في قرار راسخ منه. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: هذه الجملة بيان لما يظفر به المتقون الحائزون لتلك الخصال من سعادة الدنيا والآخرة، والمفلحون: مأخوذ من الفلاح، وهو الفوز بالبغية. وبغية المتقين في الدنيا: أن تكون أوقاتهم مصروفة في الأعمال الصالحة ما استطاعوا، وتكون نفوسهم راضية بما قسم الله لها من رزق، وبغيتهم في الآخرة: السلامة من فزع يوم البعث، والفوز بنعيمي الروح والبدن في

стр. 55

دار الخلود. وتعريف الخبر ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ مع إيراد ضمير الفصل ﴿هُمُ﴾ يفيد أن الفلاخ مقصور على أولئك المتقين، فمن لم يؤمن بالغيب، أو أضاع الصلاة، أو قبض يده عن أداء حق المال، فاته الفلاح، فلا يحيا الحياة الطيبة في الدنيا، ولا يستحق السلامة من الفزع في الأخرى.

стр. 56

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٦ - ١٠]. اشتملت الآيات السالفة على وصف حال المتقين، وبيان ما ينالون من هدى وفلاح، والشأن أن تتشوف النفوس عند سماع تلك الآيات إلى وصف أضدادهم، وبيان مصيرهم، وهم فريقان: الفريق المجاهر بكفره، والفريق الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، فأشار إلى الفريق الأول، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: الكفر في أصل اللغة: الستر والإخفاء، ثم شاع في جحود النعمة، كأن المنعَم عليه قد غطى النعمة بجحودها، ويستعمله الشارع في عدم الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما يجيء به الرسول نصاً صريحاً، ويصير معلوماً من الدين بالضرورة.

стр. 57

وسمى من لم يؤمن بما يجب الإيمان به بعد الدعوة إليه: كافراً؛ لأنه صار بجحوده ذلك الحق وعدم الإذعان إليه كالمغطي له. وسواء: اسم مصدر بمعنى: مستوٍ. والإنذار: الإعلام بالأمر مع التخويف في مدة تسع التحفظَ من المخوف. ومعنى الجملة: إن الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارُك وعدم إنذارك. ويفهم من هذا: أنهم لا ينتفعون بالإنذار في الاهتداء إلى الإيمان، فقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ جملة مفسرة لمعنى الجملة قبلها، وهو استواء إنذارهم وعدم إنذارهم. والمعنى: أن هذه الطائفة لا يحصل منها إيمان البتة. وحرف (لا) إذا دخل على الفعل المضارع؛ نحو: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، أفاد أن الفعل لا يقع في المستقبل أبداً حتى تقوم قرينة تقصر النفي في المستقبل على وقت محدود. وليس المراد من الذين كفروا: كل من اتصف بالكفر؛ فإن كثيراً من الكافرين ينتفعون بالإنذار فيؤمنون، وإنما المراد منه: طائفة اعتلت قلوبهم، وانطمست بصائرهم، فأعرضوا عن الحق، والنظرِ في أدلته بعد إبلاغهم الدعوة، أو جحدوا الحق بعد إقامة الحجة عليهم. والحكمة في الإخبار بعدم إيمان هذا الصنف من الكفار: تسلية النبي ﷺ ، حتى لا يكون في صدره حرج من تمردهم وعدم إيمانهم بعد أن قام بواجب دعوتهم، وفي هذا تذكرة لكل داع مصلح بأن لا يحترق قلبه أسفاً على قوم دعاهم إلى سبيل من الحق، وبذل جهده في دعم دعوته بالحجة، فنأوا بجانبهم، وانحطوا في أهوائهم. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾: هذا بيان للمانع لهم من الاهتداء للإيمان فيما يستقبل، كما أنهم لم

стр. 58

يهتدوا له فيما سلف. والختم: الوسم بطابع ونحوه؛ كضرب الخاتم على الكتب والأبواب. والقلب: المضغة الواقعة بالجانب الأيسر من الصدر، ويستعمل في القوة العاقلة التي هي محل الفهم والعلم. والسمع: مصدر سمع، ويطلق على القوة التي يقع بها السمع. ولما كان الختم يمنع من أن يدخل في المختوم عليه شيء، استعير لإحداث هيئة في القلب والسمع تمنع من خلوص الحق إليهما. وورد السمع في الآية مفرداً، مع إضافته إلى جماعة، وهو أسلوب عربي سائغ، وبلاغة اللغة تسع استعمال المفرد في معنى الجمع عند أمن اللبس، تفنناً في العبارة، وأخذاً بطريقة الإيجاز، فإن السمع أقل حروفاً من الأسماع. قال سيبويه: وحد لفظ السمع، إلا أنه ذكر ما قبله وما بعده بلفظ الجمع، وذلك يدل على أن المراد منه الجمع أيضاً. ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾: الأبصار: جمع بصر، وهو في الأصل: الإدراك بالعين، ويطلق على القوة التي يقع بها الإبصار، وعلى العين نفسها، وهذا المعنى أقرب ما تحمل عليه الأبصار في الآية، وهو الأنسب لأن تجعل عليه غشاوة؛ أي: غطاء. ومفاد الآية: أن تصير أبصارهم بحيث لا تهتدي لأن تنظر في حكمة المخلوقات وعجائب المصنوعات نظر اعتبار، كأنما جعلت عليها غشاوة. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: هذا بيان لما يستحقونه من الجزاء على إغراقهم في الكفر، واستحبابهم للمعاصي، والعذاب: الألم الفادح، ووصف بالعظيم على معنى أن سائر ما يجانسه من العذاب يكون بالنسبة إليه حقيراً هيناً.

стр. 59

وبعد أن ذكر قصة الفريق الثاني من الناس، وهم الكافرون بألسنتهم وقلوبهم، عطف عليها قصة الفريق الثالث، وهم الذين يبطنون الكفر في قلوبهم، ويظهرون الإيمان بأفواههم؛ أعني: المنافقين، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: الناس: اسم لجماعة الإنس. واليوم الآخر: هو الوقت الذي يبتدئ بالبعث، ولا ينقطع أبداً، وقد يراد منه: اليوم الذي يبتدئ بالبعث، وينتهي باستقرار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. واقتصر هؤلاء المنافقون في إظهار الإيمان على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر؛ ليموهوا على المؤمنين بادعاء أنهم أحاطوا بالإيمان من جانبيه؛ فإن من يؤمن بالله واليوم الآخر إجابة لدعوة الرسول، شأنه أن يكون مؤمناً برسل الله وملائكته وكتبه. وقولى تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ رد لما ادعوه من الإيمان، ونفي له على أبلغ وجه؛ إذ جاء النفي مؤكداً بالباء في قوله: ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾. إن الجملة نفث عنهم الإيمان بإطلاق، فافادت أنهم ليسوا من الإيمان في شيء، لا من الإيمان بالله واليوم الآخر، ولا من الإيمان بغيرهما. ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: هذا بيان للغرض الذي دعاهم إلى أن يقولوا: آمنا بالله وباليوم الآخر وهم كاذبون. والخداع في أصل اللغة: الإخفاء والإبهام، ويستعمل في إظهار ما يوهم السلامة، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير، أو التخلص منه. ويخادعون بمعنى يخدعون، وكثيراً ما يجيء فاعَلَ بمعنى فعل، نحو: عافاه الله، وعاقبت المجرم.

стр. 60

والله لا يخفى عليه صنيع المنافقين حتى يصح أنهم يخادعون الله على الحقيقة، وإنما سمى إظهارَهم الإيمان وإبطانهم الكفر خداعاً لله؛ لأن صورته صورة خداع. وأما خداعهم للمؤمنين، فبإظهارهم لهم أنهم إخوانهم في الإيمان يبتغون إرضاءهم، وهم يضمرون لهم العداوة، ويتربصون بهم الدوائر، أو بمجالستهم حتى يطلعوا على أسرارهم، فينقلوها إلى أعدائهم. ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾: الأنفس: جمع نفس بمعنى: ذات الشيء وحقيقته؛ أي: إنهم لم يخادعوا الله؛ لعلمه بما يسرون، ولم يخدعوا المؤمنين؛ لأن الله يدفع عنهم ضرر خداع المنافقين. وإنما يخدعون أنفسهم؛ أي: ذواتهم؛ لأن ضرر المخادعة عائد عليهم، ووبالها لاحقٌ بهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: الشعور: العلم الحاصل بالحواس، ومنه: مشاعر الإنسان؛ أي: حواسه، والمعنى: ما يعلمون أنهم في الواقع إنما يخدعون أنفسهم، مع أن لحاق ضرر المخادعة بهم واضح وضوح ما لا يخفى إلا على فاقد الحس، ويستعمل الشعور بمعنى: إدراك الشيء من جهة تدق، وهو الفطنة، ومنه أُخذ الشاعر؛ لإدراكه دقائق المعاني، فإن حمل الشعور في الآية على هذا المعنى، كان قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ في معنى: لا يدركون أنهم في الحقيقة يخادعون أنفسهم دون من سواهم؛ لأن ظلام الغي ضرب في قلوبهم، وجعلهم أغبياء لا يفطنون لمعاني دقيقة لو فطنوا لها، لرجعوا عن خداعهم، وأقلعوا عن نفاقهم.

стр. 61

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: هذا بيان لعلة خداعهم، والمرض: العلة في البدن، ونقيضُه الصحةُ، وقد يستعمل على وجه الاستعارة فيما يعرض للمرء، فيخل بكمال نفسه؛ كسوء العقيدة، والحسد، والبغضاء، والرعب، وعلى مثل هذا يحمل المرض في قلوب المنافقين. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾: هذا إخبار بمعنى أن الله ضاعف حسدهم بزيادته النعم على رسوله ﵊ والمؤمنين، أو كثر خوفهم ورعبهم بما يجدده لهما من مظاهر القوة والنصر. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: العذاب: الألم الفادح، والأليم: المؤلم، وقد جاء فَعيل بمعنى مُفْعِل؛ نحو: الوجيع، والسميع، والنذير، والبديع، بمعنى: الموجع والمسمع والمنذر والمبدع. والكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع، وكذب المنافقين في قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم غير مؤمنين. وجعلت الآية العذاب الأليم مرتباً على كذبهم، مع أن القوم كفرة، والكفر أكبر معصية من الكذب، لتشير إلى قبح الكذب، وتنفر منه بأبلع وجه؛ حيث خصته بالذكر، ويفهم أن هذا العذاب جزاء على الكفر أيضاً من سياق الكلام. أو يقال: إن جزاء الكفر دل عليه قوله تعالى في قصة الكافرين المجاهرين: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ إذ المنافقون يشاركونهم في الكفر الذي استحقوا به ذلك العذاب، ويساوونهم فيه، وهذه الآية جاءت لتدل على جزاء ما امتازوا به عن الكافرين

стр. 62

المجاهرين، وهو الكذب في دعوى الإيمان، فللمنافقين عذابان: عذاب عظيم على كفرهم، وعذاب أليم على كذبهم الذي يرتكبونه المرة بعد الأخرى خداعاً لله والمؤمنين. والدليل من الآية على أن كذبهم كان يتجدد حيناً بعد حين صيغة: ﴿كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. وقرئ: (يُكَذّبونَ) من التكذيب؛ أي: يكذبون الرسول فيما يدعو إليه.

стр. 63

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٦]. وصفت هذه الآيات المنافقين بثلاث قبائح، مضافة إلى ما وصفتهم به الآيات السابقة من الكذب والخداع، وهي: الفساد، والسفه، والاستهزاء بالمؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾: والفساد: خروج الشيء عن كونه منتفَعاً به، وفسر هذا بالكفر، والعمل بالمعصية، ومن كفر بالله وعصاه، فقد أفسد في الأرض، وإنما تصلح الأرض بالتوحيد والطاعة. ومن أكبر معاصي هذا الصنف من المنافقين: ما كانوا يدعون إليه في السر من تكذيب الرسول ﵊، وجحد

стр. 64

الإسلام، وإلقاء الشبه في سبيل الدعوة، ومن أكبر معاصيهم: مظاهرةُ المشركين كلما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، والظاهر أن القائلين لهم: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هم بعض المؤمنين الذين اطلعوا على شيء من سوء أعمالهم. وكان جوابهم أن ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، والإصلاح: فعل ما فيه صلاح، والصلاح: الصواب في الأمر: ودلّوا بكلمة: ﴿إِنَّمَا﴾ على أنهم لا يفعلون إلا ما فيه صلاح، فلا يقع منهم الإفساد البتة. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: هذا تكذيب لهم في دعوى أنهم مصلحون، ووصف لهم بالإفساد على أبلغ وجه؛ فقد افتتحت الجملة بكلمة: ﴿أَلَا﴾، وهي إنما تستعمل لتنبيه المخاطب، وإحضار ذهنه لما يرد بعدها من الحديث حتى لا يلقى إليه وهو غير متهيئ لسماعه، ووصل ﴿أَلَا﴾ بإنَّ الدالة على تأكيد الخبر وتحقيقه، وأورد الخبر بعدهما مؤكداً بوجه من أقوى وجوه التوكيد، وهو تعريف المسند ﴿الْمُفْسِدُونَ﴾، وتوسط ضمير الفصل ﴿هُمُ﴾ بينه وبين المسند إليه، إذ قال: إنهم هم المفسدون، ولم يقل: إنهم مفسدون، ثم وصفهم بالجهل الفاحش، فنفى عنهم الشعور بما يصدر عنهم من الفساد، ومن أفظع الجهل أن يكون الرجل مفسداً، ولا يشعر بذلك، مع أن أثر فساده ظاهر في العيان، مرئي لكل ذي حس؛ فعدم شعورهم بالفساد الواقع منهم منبئ باختلال آلات إدراكهم، حتى صاروا يحسبون الفساد صلاحاً، والشر خيراً. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾: السفهاء: جمع سفيه، مأخوذ من السَّفَه الذي هو في الأصل بمعنى: الخفة، وقيل لضعيف الرأي وسخيف العقل: سفيه؛ لأنه خفيف لا رزانة

стр. 65

له، وبهذا المعنى يفسر ﴿السُّفَهَاءُ﴾ في الآية. والمراد من ﴿النَّاسُ﴾: المؤمنون بالرسول، الصادقون في إيمانهم. والقائل لهم: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: الرسول، أو بعض المؤمنين. ثم إن بعض هؤلاء المنافقين يقول لبعضهم: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ يريدون: أتباع الرسول بحق. وروي أنهم كانوا يقولون: أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان، وسفيه بني فلان؟ فأوحى الله إلى النبي ﷺ بهذا الذي يقولون. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: هذا ردٌّ منه تعالى، وقلبٌ لصفة السفه عليهم؛ ذلك أنهم أعرضوا عن النظر في الدليل، وباعوا آخرتهم بدنياهم، وهذا أقصى ما يبلغه الإنسان من سفه العقل. وقد تضمن هذا الرد تسفيههم وتكذيبهم في دعوى سفه الصادقين في إيمانهم؛ فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ يفيد أن السفه مقصور عليهم، فلا يتجاوزهم إلى المؤمنين بحق. وإنما قال في الآية السابقة: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ , وقال في هذه الآية: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ لأن الآية السابقة وصفتهم بالإفساد، وهو من المحسوسات التي تدرك بأدنى نظر، فيناسبه نفي الشعور الذي هو الإدراك بالمشاعر؛ أي: الحواس، أما هذه الآية، فقد وصفتهم بالسفه، وهو ضعف الرأي، والجهل بالأمور، وهذا لا يدركه الشخص في نفسه إلا بعد نظر وإمعان فكر، فيناسبه نفي العلم. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾: لقيه: إذا استقبله قريباً منه. ومعنى ﴿آمَنَّا﴾: أخلصنا الإيمان بقلوبنا؛ لأن الإقرار باللسان معلوم منهم. و ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾: انفردوا بهم،

стр. 66

وشياطينهم: زعماؤهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم وصدهم عن سبيل الحق. والمعية في قولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ يراد منها: موافقتهم في دينهم. وأكدوا ما خاطبوا به شياطينهم بحرف التأكيد إذ قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾؛ ليزيلوا ما قد يجري في خواطرهم من أنهم فارقوا دينهم، وانقلبوا إلى دين الإسلام بقلوبهم، ولم يؤكدوا ما خاطبوا به المؤمنين إذ قالوا لهم: ﴿آمَنَّا﴾، ولم يقولوا: إنا آمنا؛ ليوهموهم أنهم بمرتبة لا ينبغي أن يتردد في إيمانهم حتى يحتاجوا إلى تأكيد. ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: هذا وارد مورد الجواب عما قد يعترض به عليهم شياطينهم إذ يقولون: كيف تدعون أنكم معنا، وأنتم توافقون المؤمنين في عقيدتهم، وتشاركونهم في مظاهر دينهم؟ فقالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. والاستهزاء: الاستخفاف والسخرية. والمعنى: أننا نظهر للمؤمنين الموافقة على دينهم؛ استخفافاً بهم وسخرية، لا أن ذلك صادر منا عن صدق وجد. ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾: ذهب فريق من أهل العلم إلى أن الاستهزاء هو التحقير على وجه شأنُه أن يتعجب منه، وهذا المعنى غير مستحيل على الله، فيصبح إسناده إليه تعالى على وجه الحقيقة. ورأى أكثر أهل العلم أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس؛ كأن يظهر المستهزئ استحسان الشيء، وهو في الواقع غير حسن، أو يقر المستهزأ به على أمر، وهو غير صواب، وهذا المعنى لا يليق بجلال الله، فيجب حمل المسند إليه تعالى على معنى يليق بجلاله، فيحمل على ما يلزم

стр. 67

الاستهزاء من الاحتقار والإهانة، أو على ما يترتب عليه من الجزاء، والمعنى: يجازيهم على هزئهم بالعذاب. وتسمية جزاء الذنب باسم الذنب معروفة في الكلام العربي، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال: ﴿يَسْتَهْزِئُ﴾؛ ليفيد بصيغة الفعل المضارع أن استهزاءه بهم - أي: احتقارهم، أو مجازاتهم على استهزائهم - يتجدد، ويقع المرة بعد الأخرى. ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: المدّ: الزيادة. والطغيان: الغلو في الكفر، والإسراف في العتو. والعَمَه: الضلال والعمى عن الرشد، أو أن يركب الإنسان رأسه، فلا يبصر الحق حقاً، والباطل باطلاً. ومدّ الله في طغيانهم: زيادته فيه بتمكينهم من المعاصي، أو بإملائه لهم؛ أي: إطالته لهم ما هم فيه من نعمة ورغد عيش، أو بإمهاله لهم. والمعنى: يمكنهم من المعاصي، أو يملي لهم، أو يمهلهم، حالَ كونهم يعمون عن رشدهم، أو يركبون رؤوسهم فلا يبصرون. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: المشار إليهم هم المنافقون الموصوفون في الآيات السابقة بالكذب، والمخادعة، والفساد في الأرض، ورمي المؤمنين بالسفاهة، واستهزائهم بهم. ومعروف في علم البلاغة أن اسم الإشارة إذا أشير به إلى أشخاص وصفوا بصفات، يلاحظ فيه تلك الصفات، فهو بمنزلة إعادة ذكرها وإحضارها في أذهان المخاطبين، فتكون تلك الصفات - وهي هنا: الكذب، والمخادعة، وما عطف عليها - كأنها ذكرت في هذه الآية؛ ليعرف بها علة الحكم الوارد

стр. 68

بعد اسم الإشارة، وهو في هذه الآية: اشتراء الضلالة بالهدى. ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها، واستبدالها به، وهذا لا يقتضي أنهم كانوا على هدى من ربهم فتركوه، بل يكفي فيه أن يجعل تمكنهم من الهدى؛ لقيام أدلته الواضحة، بمنزلة الهدى الحاصل بالفعل. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾: اختير في الآية السابقة التعبير بالاشتراء؛ للدلالة على اختيارهم الضلالة على الهدى، وزادت هذه الآية في تصوير الشراء أنه كان على وجه التجارة، والتجارة: التصرف في رأس المال ابتغاء الربح، والربح: استفادة مالٍ زائد على رأس المال، والمعنى: أنهم لم يحصلوا من اشترائهم الضلالة بالهدى على ربح، وإذا كانت التجارة الحقيقية قد يفوت صاحبها الربح، ولا يقع في خسارة؛ بأن يبقى رأس ماله محفوظاً, فإن التجارة المقصودة من الآية التي هي استبدال الضلالة بالهدى، لا يقابل الربح فيها إلا الخسران، فإذا نفى عنها الربح، فذلك معنى أنها تجارة خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: جاءت هذه الجملة عقب الحديث عن استبدال المنافقين الضلالة بالهدى، فيكون المعنى: وما كانوا مهتدين إلى سبيل الرشد وما تتجه إليه العقول الراجحة من الدين الحق. ويصح أن يراعى في هذه الجملة إخراج ذلك الاستبدال في صورة المبايعة التجارية، فيكون المعنى: وما كانوا مهتدين إلى طرق التجارة الرابحة؛ حيث باعوا الهدى الذي هو مطلع النجاح والسعادة، بالضلالة التي هي مهواة الخيبة والشقاء.

стр. 69

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٧ - ٢٠]. بعد أن وصف الله تعالى حال المنافقين في الآيات السابقة، ضرب لهم مثلين، أشار إلى الأول منهما بقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾: المثل في أصل الكلام: الشبيه والمثيل، ثم أطلق على القول السائر الذي شبه مضربه بمورده، ثم استعمل في الحال، أو الصفة، أو القصة إذا كان لها شأن، وفيها غرابة. وعلى هذا المعنى يحمل المثل في هذه الآية. وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفي، وتقريب المعقول من المحسوس، وعرض الغائب في صورة الشاهد، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل أوقعَ في القلوب، وأثبتَ في النفوس. واستوقد النار: أوقدها. وأضاءت

стр. 70

ما حوله: جعلت ما حوله مضيئاً، أو أشرقت فيما حوله. وذهب الله بنورهم: أذهبه؛ أي: سلبه منهم، وإسناد ﴿ذَهَبَ﴾ إلى الله مشعر بان أحداً لا يستطيع أن يرده إليهم، فما يمسكه الله لا مرسل له. وقال: ﴿بِنُورِهِمْ﴾، ولم يقل: بنارهم؛ لأن إيقاد النار يكون للإضاءة، وللإحراق، والمقصود من إيقاد النار الواردة في المثل إنما هو الإضاءة. وقال: ﴿بِنُورِهِمْ﴾، ولم يقل: بنوره، مع أن مرجع الضمير هو ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾، وهو بحسب الظاهر مفرد، إما لأن ﴿الَّذِي﴾ قد يطلق بمعنى الذين، وله شواهد من كلام العرب، ومن القرآن نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]، أو لأن ﴿الَّذِي﴾ أريد منه جنس المستوقد، لا مستوقد بعينه، فصار في معنى جماعة من المستوقدين، وصح أن يعود عليه ضمير الجمع في قوله: ﴿بِنُورِهِمْ﴾. ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾: الظلمات: جمع ظلمة، وهي عدم النور وانطماسُه. وإيرادها بصيغة الجمع للمبالغة في شدتها، فكأنها لشدة كثافتها ظلمات بعضها فوق بعض. وأكد هذا بقوله تعالى: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾؛ أي: إن الظلمات بالغةٌ في الشدة، حتى إن أولئك المحاطين بها لا يتأتى لهم كما لا يتأتى لمن طمس على أعينهم أن يبصروا. ولتطبيق هذا المثل على حال المنافقين وجهان: وجه على مذهب من يرى من السلف أن المثل ضرب في قوم دخلوا في الإسلام عند وصول النبي ﷺ إلى المدينة، ثم صاروا بعد الإيمان إلى كفر ونفاق، ووجه على مذهب من يرى من السلف أيضاً أن المثل ضُرب في قوم إنما دخلوا الإسلام من أول أمرهم نفاقاً.

стр. 71

فيقال على الوجه الأول: إن قصة هؤلاء الذين اكتسبوا بإيمانهم نوراً، ثم أبطلوا ذلك الإيمان بنفاقهم، ووقعوا في حيرة عظيمة، كقصة من استوقدوا ناراً، ولما أضاءت ما حولهم، سلب الله منهم ذلك الضوء، فراحوا في ظلام لا يهتدون إلى الخروج منه سبيلاً. ويقال على الوجه الثاني، وهو أن المثل مضروب في قوم لم يسبق لهم إيمان، وإنما دخلوا في الإسلام نفاقاً: إن قصة هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام نفاقاً، قد ظفروا بحقن دمائهم، وبغنائم الجهاد، وسائر أحكام المسلمين، فتمتعوا بذلك في الدنيا قليلاً، ثم صاروا إلى ظلمات العذاب الدائم في الآخرة؛ كقصة من استوقدوا ناراً لتضيء لهم، وينتفعوا بها، فأضاءت ما حولهم قليلاً، ثم طفئت، وصاروا إلى ظلمة شديدة مطبقة. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: هذا خبر لضمير مقدر يعود على المنافقين؛ أي: هم صم بكم عمي. ووُصف المنافقون بهذه الصفات؛ لأنهم - وإن كانت لهم آذان تسمع، وألسنة تنطق، وأعين تبصر - لا يسمعون خيراً، ولا يتكلمون بما ينفعهم، ولا يبصرون مسلكاً من مسالك الهداية، فقد صرف الله عنهم عنايته، ووكلهم إلى أنفسهم. ووردت هذه الصفات مجردة من حرف العطف، فلم يقل: صم وبكم وعمي، مع أنه يصح أن يقال: هو كاتب وشاعر وفقيه؛ لما عرف من استعمالات البلغاء أن تجريد أمثال هذه الأوصاف من حرف العطف يفيد تأكيدها؛ حيث إن المتكلم قد قصد إلى تقرير كل صفة منها على حدة. ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: أي: لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو لا يرجعون عن الضلالة

стр. 72

بعد أن اشتروها. وأشار إلى المثل الثاني بقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾: والصيّب: المطر، ويطلق على السحاب. والسماء: هذه المظلة المزينة بالكواكب، وكل ما علاك من سقف ونحوه. والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب. والبرق: الذي يلمع من السحاب. وفي الجملة إيجاز بحذف ما دل عليه المقام دلالة واضحة. والتقدير: أو كمثل ذوي صيّب ... إلخ. والمعنى: أن قصة هؤلاء المنافقين مشبهة بقصة الذي استوقد ناراً، أو قصة ذوي صيّب. ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: ﴿الصَّوَاعِقِ﴾: جمع صاعقة. والصاعقة: قصفة؛ أي: صوت هائل من رعد شديد، تنقض معه نار لا تمر بشيء إلا دمرته. و (من) في قوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ للتعليل. وإنما كانت الصواعق داعية إلى سدّهم آذانهم بأصابعهم، من جهة أنها قد تفضي بصوتها الهائل إلى موت. وجاء هذا صريحاً في قوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. يقال: صعقته الصاعقة: إذا أهلكته بشدة صوتها، أو بالإحراق. والمعنى: يسدون آذانهم من أجل الصواعق حذراً من أن تقتلهم بروعة صوتها. والمعروف أن الذي يجعل في الأذن عند الفزع من الصوت الرائع رؤوس الأصابع، وهي الأنامل، ولكنه قيل: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾ مسايرة للمألوف في اللغة من نسبة ما يكون لبعض الشيء إلى ذلك الشيء، حيث يكون المراد جلياً واضحاً، وهو معدود من سعة التصرف في اللغة.

стр. 73

﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: هذه جملة معترضة في أثناء ضرب المثل بذوي الصيّب. وإحاطته تعالى بالكافرين على معنى: أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاطُ به المحيطَ به، فهو قادر على النكال بهم متى شاء، وكيف شاء. وقال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾، ولم يقل محيط بهم، مع تقدم معاد الضمير، وهم أصحاب الصيّب؛ إيذاناً بأنهم إنما استحقوا ذلك العذاب بكفرهم. ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾: ﴿يَكَادُ﴾: من الأفعال التي تدخل على اسم يسند إليه فعل بعده؛ نحو: ﴿الْبَرْقُ يَخْطَفُ﴾، فتدل على أن المسند إليه - وهو البرق - قد قارب أن يقع منه الفعل، وهو خطف الأبصار. والخطف: الأخذ بسرعة. والأبصار: جمع بصر، وهو قوة مودعة في العين يدرك بها الألوان والأشكال. والمعنى: أن البرق لشدة لمعانه يقرب من أن يخطف أبصارهم. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: هذا وصف لما يصنعه أهل الصيّب في حالتي ظهور البرق واختفائه. وأضاء: لمع. وأظلم: ذهب ضوءه. وقاموا: وقفوا وثبتوا في مكانهم؛ أي: إنهم إذا صادفوا من البرق وميضاً، انتهزوا ذلك الوميض فرصة، فخطوا خطوات يسيرة، وإذا خفي لمعانه، وقفوا في مكانهم. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾: ﴿شَاءَ﴾: أراد؛ أي: لو أراد الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم، لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي ضوء البرق فأعماهم. أو يقال: إن قصف الرعد ولمع البرق المذكورَين في المثل سببان كافيان لأن يذهبا بسمع ذوي

стр. 74

الصيّب وأبصارهم لو شاء الله ذلك، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ﴾ إشعاراً بأن تأثير الأسباب في مسبباتها إنما يكون بإذنه تعالى. وورود السمع في الآية مفرداً، مع أنه مضاف إلى جماعة، سائغ في نظم الكلام العربي؛ فإن اللفظ الذي يكون في الأصل مصدراً، ثم ينقل إلى غير المصدر، ويراد منه أفراد متعددة، قد يختار عند استعماله مراعاة أصله، فيؤتى به مفرداً؛ اعتماداً على القرينة الدالة على التعدد دلالة واضحة. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: الشيء في أصل اللغة: كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه. ويحمل في هذه الآية على الممكن خاصة، موجوداً كان أو معدوماً؛ لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات دون الواجب والمستحيل. والقدير: الفعال لما يريد. وهذه الآية بمنزلة الاستدلال على ما تضمنته الآية السابقة من أن الله تعالى قادر على أن يذهب بأسماع أصحاب الصيّب وأبصارهم متى شاء. وتطبيق هذا المثل على حال المنافقين: هو أن أصحاب الصيّب لضعفهم وخورهم لا يطيقون سماع الرعد الهائل، وفتح أعينهم في البرق اللامع، فيجعلون أصابعهم في آذانهم فزعاً من قصف الرعد، وخوفاً من صواعق تجلجل فوق رؤوسهم، فتدعهم حصيداً خامدين. وكذلك حال هؤلاء المنافقين؛ فإنهم - لضعف بصائرهم وعقولهم - تشتد عليهم زواجر القرآن ووعيده، وتهديده، وأوامره ونواهيه، فتشمئز قلوبهم، ويصرفون عنه أسماعهم، يخشون أن تتلى عليهم آيات تقع على أسماعهم وقع الصواعق الرائعة. قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيراً

стр. 75

من الفرق المبتدعة إذا سمعوا شيئاً من الآيات أو الأحاديث المنافية لبدعتهم، أعرضوا عنها، وقالوا: سدوا عنا هذا الباب، واقرؤوا شيئاً غير هذا. وكذلك المشركون على اختلاف شركهم، إذا جرد لهم التوحيد، وتليت عليهم نصوصه المبطلة لشركهم، اشمأزت قلوبهم، وثقلت عليهم، ولو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم، لفعلوا.
следующие страницы →