وينفخ فيها من روح الباطل، ثم يرسلها على النفوس الزاكية؛ لتخمش وجه عقائدها وآدابها.
ومن أجرأ تلك الجمل: قوله: "ولعل جميعهم لم يكونوا في الواقع مرتدين كفروا بالله ورسوله".كأنه يريد أن يجعل عدم ارتداد جميعهم رأياً ظهر له وحده، مع أن علماء الآثار والتاريخ يقولون: إن من قاتلهم أبو بكر طائفتان: طائفة تبدلت الكفر بعد الإيمان، وهؤلاء المرتدون، وأخرى قالت: نقوم بشرائع الإسلام إلا الزكاة، وهؤلاء يسمونهم: "مانعي الزكاة"، وهم الذين عارض الفاروق لأول الأمر في قتالهم.
وأما أن محاربة أبي بكر في سبيل الدين ووحدة المسلمين، فلأنه قاتل فرقتين يوجب عليه الدين أن يقاتلهما، وهما: أهل الردة، ومانعو الزكاة.
أما أهل الردة، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، ولقتال المرتد حِكَم، منها ما نعلم، ومنها ما لا نعلم، والذي نعلم: أن المشاهدة الطويلة، والتجارب الصادقة أرتنا أن أشد الطوائف عداوة للامة الإسلامية، وأحرصهم على محاربة الدين بما ملكوا من كيد وتضليل، هم الذين جاهروا بالخروج على الدين، وناصبوه العداء بعد أن كانوا يسمون أنفسهم المسلمين، ودلّ الاختبار الصحيح على أن المرتد عن الدين لا يمشي إلا مكبّاً على وجهه، فلا يرعى للفضيلة عهداً، ولا للناس حقاً، ولا ترى له من شأن سوى أن يقذف في طريق تقدّم الإنسان، وانتظام حال الاجتماع سموماً قاتلة للعفاف والسكينة، وكذلك يجب إماطة الأذى عن الطريق.
стр. 4132
* حكم مانعي الزكاة:
وأما مانعو الزكاة، فإن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء نصيباً مفروضاً، وعيّن لهذا النصيب مصارف، ومن هذه المصارف ما يرجع إلى مصالح عامة؛ كالاستعداد لمحاربة الأعداء المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]، ومنها ما يرجع إلى مصالح أفراد غير معينين؛ كالفقراء والمساكين، وعلى كل حال، فللإمام النظر في هذا النصيب المفروض، وله الحق في جبايته وصرفه في وجوهه المشروعة، وإذا امتنع الغني من دفع ما فرضه الله عليه، وجب على صاحب الدولة انتزاعه منه ولو بالقوة، وإذا أشهر السلاح، جاز قتاله، وكذلك كان قتال أبي بكر الصديق ﵁ لمانعي الزكاة.
* سبب حروب أهل الردة ومانعي الزكاة:
قال المؤلف في (ص ٩٧): "كم نشعر بظلمة التاريخ وظلمه، كلما حاولنا أن نبحث جيداً فيما رواه لنا التاريخ عن أولئك الذين خرجوا على أبي بكر الصديق، فلقبوا: المرتدين، وعن حروبهم تلك التي لقبوها: حروب الردة".
لم يكن في تاريخ الحروب ظُلمة، ولا في محاربة أبي بكر لمن لقبوا المرتدين ظلم، وحقيقة الحال: أنه عندما ذاع نبأ وفاة النبي ﷺ في أنحاء الجزيرة، رفع المضللون رؤوسهم، ونشطوا لإلقاء الوساوس في قلوب السذج من الأعراب، وأخذ الذين انحشروا في الإسلام رياء يعودون إلى جاهليتهم، فأصبح العرب على ثلاث طوائف:
طائفة استمرت على إسلامها الخالص وهم الجمهور.
وطائفة بقيت على الإسلام كذلك، إلا أنها جحدت الزكاة على زعم
стр. 4133
أنها خاصة بزمن النبي ﷺ ؛ وهؤلاء كثير، ولكنهم أقل من الطائفة الأولى عدداً.
وثالثة الطوائف انسلخت من الإسلام، وجاهرت بالردة، وهي قليلة بالنظر إلى جاحدي الزكاة وحدها.
ذهب الذين ارتدوا في طغيانهم يعمهون، وأرسل منكرو الزكاة وفوداً إلى المدينة المنورة ليفاوضوا أبا بكر ﵁ حتى يقرهم على بدعتهم، فأبى لهم ذلك، وصمم على مقاتلتهم إذا هم ظلوا في جهالتهم يتردّدون.
انصرفت الوفود غير ناجحة في وفادتها، وعرف أبو بكر أن تلك القبائل المتزلزلة العقيدة متحفزة للوثوب على المدينة المنورة. فأقام على أنقابها حرساً، "فما لبثوا إلا ثلاثاً حتى طرقوا المدينة مع الليل" (١)، فنهض المسلمون حقاً في وجوههم، وردّوهم على أعقابهم لا يلوون على شيء، ودارت رحى الحرب بين أبي بكر وبين رافعي راية الردة وجاحدي فريضة الزكاة، "فلم يحل الحول إلا والجميع قد راجعوا دين الاسلام (٢) ". وراحت ظلال الأمن والهداية تتفيأ في جزيرة العرب ذات اليمين وذات الشمال.
* واقعة قتل مالك بن نويرة:
قال المؤلف في (ص ٩٨): "دونك حوار خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة أحدِ أولئك الذين سمّوهم: مرتدين، وهو الذي أمر خالد فضربت عنقه؛ ثم أخذت رأسه بعد ذلك فجعلت أثفيةٍ لقدر. يعلن مالك في صراحة واضحة
стр. 4134
إلى خالد: أنه لا يزال على الإسلام، ولكنه لا يؤدي الزكاة إلى صاحب خالد "أبي بكر". كان ذلك إذن نزاعاً غير ديني، كان نزاعاً بين مالك المسلمِ الثابتِ على دينه، ولكنه من تميم، ويين أبي بكر القرشي الناهض بدولة عربية أئمتها من قريش، كان نزاعاً في ملوكية ملك؛ لا في قواعد دين، ولا في أصول إيمان".
يقول المؤلف فيما سلف: "إن في فن التاريخ خطأ كثيراً، وكم يخطئ التاريخ! وكم يكون ضلالاً كبيراً! ".
ذلك حكمه على التاريخ متى نقل ما لا يلتئم مع عواطفه وشهواته، فإن نقل ما يتخيل فيه شبهة على أن ليس في الإسلام مبادئ حكم وسياسة، أصبح في نظره القول الفصل، والشاهد العدل، دون أن يكلف نفسه بيان وجه الضلال في ذاك، أو وجه الصدق في هذا.
ونحن نقصّ عليك قصة مالك بن نويرة، وانظر ماذا ترى:
لما تنبأت "سجاح " (١) بنت الحارث بن سويد بعد وفاة النبي ﷺ ، راسلت مالكَ بنَ نويرة، وهو عامل على بني حنظلة من تميم، ودعته إلى الموادعة، فأجابها؛ "فاجتمع وكيع ومالك وسجاح وقد وادع بعضهم بعضاً على قتال الناس" (٢).
ولما دارت الدائرة على "سجاح"، وانصرفت إلى الجزيرة، ارعوى مالك، وندم، وتحير في أمره، حتى دنا منه خالد بن الوليد، وأرسل إليه سرية
стр. 4135
فيها أبو قتادة، فجاؤوا به وبأصحابه إلى خالد، واختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة أنهم أذنوا وصلَّوا، فحبسهم عند ضرار بن الأزور، وكانت ليلة ممطرة، فنادى مناديه: "أن ادفئوا أسراكم"، وكانت في لغة كنانة كناية عن القتل، فبادر ضرار بقتلهم، وكان كنانياً، وسمع خالد الواعية (١)، فخرج متأسفاً وقد فرغوا منهم ... ويقال: إنهم لما جاؤوا بهم إلى خالد، خاطبه مالك بقوله: فعل صاحبكم، شأن صاحبكم، فقال له خالد: أو ليس لك بصاحب؟ ثم قتله، ثم قدم خالد على أبي بكر، وأشار عمر أن يقيد منه بمالك بن نويرة، ويعزله، فأبى ... وودى مالكاً وأصحابه، ورد خالداً إلى عمله" (٢).
هذا ما يحكيه ابن خلدون، وهو خلاصة ما رواه ابن جرير الطبري وغيره، ويتلخص منه أن في قتل مالك روايتين:
إحداهما: أن قتله وقع خطأ من جندي لا شأن له إلا أن ينفذ ما يأمر به رئيسه الأعلى.
ثانيتهما: أن خالداً قتله؛ لكلام دله على أنه لا يعترف بخلافة أبي بكر.
وقد رأيت كيف أعرض المؤلف عن الرواية الأولى؛ لأنها لا توافق ما يخالط نفسه "من عواطف وشهوات".
ولنساير المؤلف في هنه الرواية الراجحة عنده، ونبحث فيها من وجهين:
هل كان خالد محقاً في قتل مالك بن نويرة، أم لا؟ وهل ما فعله الصدّيق من معذرة خالد صواب أم لا؟
стр. 4136
الجواب عن السؤال الأول؛ أن كلّاً من عمر بن الخطاب وأبي بكر يرى أن خالداً مخطئ في قتل مالك بن نويرة، غير أن عمر بن الخطاب رأى أن خالداً قتله عمداً بغير حق، فيؤخذ بالقصاص، وأبا بكر رأى بعد أن اجتمع بخالد أنه قتله على خطأ في التأويل، ولهذا دفع أبو بكر الصديق ﵁ إلى أولياء القتلى دياتهم.
والجواب عن السؤال الثاني: أن كل أحد -أستاذاً كان في السياسة أو تلميذاً- يعلم أن لوقت الحرب أحكاماً غير أحكام وقت السلم، فالإمام يتصرف في شؤون الحرب على ما يقتضيه التدبير الناجح، ويتطلبه الانتصار الفاصل، ومن المتعين على الإمام أن يعطي لأمير الجيش الذي وثق بكفايته سلطة واسعة، وكذلك فعل أبو بكر عندما وضع لواء الإمارة في يد خالد، وكان لخالد الأثر العظيم في إطفاء فتنة المرتدين، وإخماد ثورة المنشقين، وإنما وقعت منه هذه الحادئة- قتل مالك بن نويرة- على الرواية المختارة لدى المؤلف، وأبدى عذراً يجعله متأولاً في قتله، فمن السياسة الشرعية أن يقول أبو بكر: "ما كنت أقتله؛ فأنه تأول فأخطأ".
وما ادعاه المؤلف من أن النزاع بين مالك التميمي وأبي بكر القرشي نزاع في ملوكية ملك، لا في قواعد دين، فأمر اشتهته نفسه، ولذَّه قلمه. والواقع: أن أبا بكر "خليفة رسول الله" كان يدعو مالكاً المسلم لإقامة قاعدة من قواعد الدين، وهي الزكاة، ومالك المسلم يأبى إقامة هذه القاعدة. ومما يدخل في وظيفة أبي بكر: أن يحمل كل طائفة مسلمة على القواعد الشرعية، ومما يدخل في وظيفته: أن يجمع شمل المسلمين تحت راية واحدة.
ولو كان للمؤلف ذوق في الإسلام، وإنصاف للتاريخ، لقدر نتيجة
стр. 4137
تلك الحروب حق قدرها، واعترف بما كان لها من فضل على العالم أجمع، فإنها الوسيلة لإحكام عُرى دولة إسلامية خدمت حقوق الإنسان، ورفعت منار العلم، وأرت الناس المساواة والحرية في أحسن تقويم.
* محاورة عمر وأبي بكر في قتال مانعي الزكاة:
قال المؤلف في (ص ٩٩): "ثم ألسنا نقرأ في التاريخ أيضاً: أن عمر ابن الخطاب ﵁ قد أنكر على أبي بكر قتاله المرتدين، وقال: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله".
لم ينكر عمر قتال المرتدين عن الإسلام؛ فإن قتالهم جائز بإجماع، وإنما أنكر قتال مانعي الزكاة، واستشهاده بالحديث صريح في أنه يعارض في قتال قوم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وقد قطف المؤلف من محاورة الشيخين ﵄ إنكار عمر، وترك أمرين، وهما: جواب أبي بكر، ورجوع عمر إلى رأي أبي بكر، وكلاهما ثابت في الصحيح.
قال شيخ الإسلام في "منهاج السنّة" (١): "وأما قول الرافضي: إن عمر أنكر قتال أهل الردة، فمن أعظم الكذب والافتراء على عمر، بل الصحابة كانوا متفقين على قتال مسيلمة وأصحابه. ولكن كانت طائفة أخرى مقرين بالإسلام، وامتنعوا عن أداء الزكاة، فهؤلاء حصل لعمر شبهة في قتالهم، حتى ناظره الصدّيق، وبيّن له وجوب قتالهم، فرجع إليه.
والقصة في ذلك مشهورة.
стр. 4138
وفى "الصحيحين" عن أبي هريرة: أن عمر قال لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماء هم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله"؟ قال أبو بكر: ألم يقل: "إلا بحقها"؛ فإن الزكاة من حقها، والله! لو منعوني عناقاً (١) كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، قال عمر: فو الله! ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. وعمر احتج بما بلغه أو سمعه من النبي ﷺ ، فبيّن له الصدّيق أن قوله: "بحقها" يتناول الزكاة؛ فإنها حق المال".
* حكمة رأي أبي بكر في تلك الحروب:
قال المؤلف في (ص ١٠٠): "لا نريد البحث فيما إذا كانت لأبي بكر صفة دينية صرفة جعلته مسؤولاً عن أمر من يرتد عن الإسلام، أم لا".
لأبي بكر صفة دينية سياسية جعلته مسؤولاً عن أمر من يعلن الردة عن الإسلام، وقد أوفى بعهد الخلافة، وألقى عن عاتقه عبء هذه المسؤولية، فحمى الجزيرة من وباء الردة، وطهرها من رجس الجاهلية، فأصبحت أمة مسلمة قوية الحجة، بديعة الحكمة: إذا حاربت، ظفرت، وإذا حكمت، عدلت.
ولولا أن أبابكر فصد عرقاً ارتجف في جسم الأمة بدم فاسد، لانحرف مزاجها، واختل نظامها، ولم يجد الخلفاء من بعده أساساً يقيمون عليه سياستهم العادلة.
стр. 4139
* معنى طاعة الأئمة من طاعة الله:
قال المؤلف في (ص ١٠٢): "حتى أفهموا الناس أن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله".
لم يُفهم السلاطين الناس أن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله، وإنما فهموا ذلك من الآيات والأحاديث التي تفرض على أولي الأمر الحكم بما أنزل الله، ثم تحتم على الناس أن يطيعوهم في غير معصية. وإذا كان الحاكم يقتدي في أحكامه وسياسته بأصول الشريعة، ولا يخرج في سياسته عن مقاصدها، كانت طاعته من طاعة الله، وعصيانه من عصيان الله، ويرشد إلى هذا قوله ﷺ : "من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن عصاني، فقد عصى الله، ومن أطاع أميري، فقد أطاعني، ومن عصى أميري، فقد عصاني" (١).
* السلطان ظل الله في الأرض:
قال المؤلف في (ص ١٠٢): "بل جعلوا السلطان خليفة الله في أرضه، وظله الممدود على عباده. سبحان الله وتعالى عما يشركون".
ينكر المؤلف أن يقال: "السلطان ظل الله"، ويشير إلى أنه من الشرك، مع أنه ورد: "السلطان ظل الله في الأرض" في أحاديث ترفع إلى النبي ﷺ ، وهي مروية بطرق متعددة: منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف، تجد هذه الأحاديث في الكتب المتداولة؛ كالجامع الصغير، وغيره.
стр. 4140
فإن كان المؤلف لا يدري أن هذه الكلمة: "السلطان ظل الله في الأرض" جاءت في الأحاديث النبوية، فقد ألقى بنفسه في بحث ديني، وهو لا يملك من وسائله سوى القلم والدواة. وإن كان قد اطلع على أنها وردت في الأحاديث المرفوعة إلى رسولالله ﷺ ، فليس من شأن العالم المحقق أن يعد ها من أثر الشرك، إلا بعد أن يفحصها بطريق علمي، وينقيها من الأحاديث النبوية.
ولا شبهة للمؤلف في إنكار أن يقال: السلطان ظل الله، فإن معناه صحيح، وحكمته ملموسة باليد؛ إذ الكلام وارد على سبيل التشبيه، ووجه تشبيه السلطان بالظلّ: أن الناس يحتمون به من الظلم والأذى، كما يأوون إلى الظل تفادياً من حر الشمس، ولا يكون السلطان ظلاً ينسب إلى الله إلا إذا كان يسوس الناس بعدل وحكمة.
* وجه ذكر مسألة الخلافة في علم الكلام:
قال المؤلف في (ص ١٠٢): "ثم إذا الخلافة قد أصبحت تلصق بالمباحث الدينية، وصارت جزءاً من عقائد التوحيد، يدرسه المسلم مع صفات الله تعالى، وصفات رسله الكرام، ويلقنه كما يلقن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله".
يقول علماء الكلام بأصرح عبارة وأجلى بيان: إن مبحث الخلافة من الأحكام الفرعية، وليست من العقائد في شيء، ويبدون لوضعها عقب مسائل الكلام عذراً بيناً.
قال الكمال بن أبي شريف (١) في "حواشي السعد على العقائد النسفية":
стр. 4141
"والتحقيق: أن مباحث الإمامة من الفقهيات، لكن لما شاع بين الناس اعتقادات فاسدة، وظهر من أهل البدع والأهواء تعصبات فيها، تكاد تفضي إلى رفض كثيرمن العقائد الإسلامية، ونقض بعض العقائد الدينية، والقدح في الخلفاء الراشدين، ألحقت تلك المباحث بالكلام، وجعلت من مقاصده".
فهذا، وما نقلناه في (ص ٣٣) (١) من كلام السعد في "شرح المقاصد"، والسيد في "شرح المواقف"، يشهد لكم بأن علماء الإسلام يصرحون بأن الإمامة ليست من العقائد، وإنما أوردها بعضهم في علم الكلام؛ للوجه الذي قرره السعد، والسيد، والكمال. فما ينبغي للمؤلف أن يرمي أولئك العلماء بأنهم جعلوا مبحث الخلافة جزءاً من عقائد التوحيد، ويضع للبحث صورة مشوهة، كأنه يصوّت في واد لا ينبت إلا أغبياء أو جهالاً.
* تعسف المؤلف وغلوُّه في إنكار فضل خلفاء الإسلام وملوكه:
قال المؤلف في (ص ١٠٢): "تلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين، أضلّوهم عن الهدى، وعمّوا عليهم وجوه الحق، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين، وباسم الدين أيضاً استبدوا بهم، وأذلوهم، وحرّموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم، وضيقوا على عقولهم، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعاً، حتى في مسائل الإدارة الصرفة، والسياسة الخالصة. وقد ضيقوا عليهم أيضاً في فهم الدين، وحجروا عليهم في دوائر عيّنوها لهم، ثم حرموا عليهم كل أبواب العلم التي تمس حظائر الخلافة".
стр. 4142
اندفع قلم المؤلف ينقر بشوكته في أساس الإسلام؛ ليجرده من جميع مميزاته، ويخرجه عن فطرته، حتى إذا أصبح ديناً ضئيلاً خاملاً، اندمج في الملة التي افتتن المؤلف بتقاليدها.
اخترع للخلفاء الراشدين تاريخاً غيرالتاريخ الذي يحكيه علماء التاريخ والآثار، وحشر في هذا التاريخ المخترع فلسفة المتهالك على أن يقطع صلة أصحاب رسول الله ﷺ بالإسلام، إلا أن تكون صلاة أو صياماً.
ذلك القلم الذي انتهك حرمة الشريعة، وساعده أدبه على أن يضع لتاريخ أولئك العظماء صورة مزورة، هو الذي يحثو على سمعك تلك الجمل التي يهجو بها خلفاء الإسلام وملوكه من غير استثناء.
نحن نعلم أن في بعض خلفاء الإسلام وملوكه استبداداً، وسيراً بالأمة إلى وراء. ولكن الذي عرف أن في الفضائل فضيلة يقال لها: الأمانة، وأن فيما يدرسه الأطفال علماً يقال له: التاريخ، لا يسمح لقلمه أن يلتقط من بين مآثرهم الفاخرة الخالدة سيئات يضيف إليها ما يقرؤه في لوح عواطفه وشهواته، ثم ينظم ذلك كله في خيط، ويقول للناس: خذوا سيرة خلفائكم وملوككم.
لم يحك التاريخ أن خلفاء الإسلام وملوكه حرّموا على الناس النظر في علوم السياسة، أو حرموا عليهم باباً من أبواب العلم التي تمس حظائر الخلافة، بل كان الناس يؤلفون الكتب في السياسة، فيتلقونها منهم بكل طمأنينة وارتياح، وترى كثيراً منهم كانوا يظهرون بمظهر الحكمة والرصانة، ويطلقون لدعاة الإصلاح حرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكانوا يقرّعون أسماعهم بالإنكار على ما يصدر عنهم من تصرفات غير لائقة، فيحتملونها بروية وأناة، وربما قابلوها بالشكر والإقلاع.
стр. 4143
* معنى الرجوع إلى أصول الشريعة في الحكم والسياسة:
يقول المؤلف: "وباسم الدين خدعوهم، وضيقوا على عقولهم، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعاً، حتى في مسائل الإدارة الصرفة، والسياسة الخالصة".
هذا كله رجم بجهالة، ورمي بسهام خاسئة؛ فإن القوانين التي يفصل بها بين المتخاصمين، لا مرجع لها سوى أصول الدين، مع مراعاة مقتضيات الأحوال. وأما الإدارة الصرفة، والسياسة الخالصة، فشرطُ الدين فيها: أن تكون دائرة على المصلحة، ملائمة للآداب التي شرعها، أما الطرق التي تؤخذ لاتباع الأصلح واللائق، فإنها موكولة إلى نظر أولي الأمر، فيستنبطونها من عقولهم أو تجاربهم، أو يقتدون فيها بصنيع غيرهم، وهذا هو المبدأ الذي يعرفه العلماء، ويسير عليه خلفاء الإسلام وملوكه، غير أنهم يتفاوتون في القيام عليه، فمنهم من يمشي فيه على صراط سويّ، ومنهم من يخلّ به في بعض تصرفاته، فينحرف عنه إلى اليمين أو إلى اليسار.
ومجمل القول: أن انسياب المؤلف في الطعن على خلفاء الإسلام وملوكه بهذه اللهجة التي قرأتم أو سمعتم، أوضح مثال، وأصدق شاهد على أنه لا يكتب عن علم وروية وأمانة، بل يكتب عن شهوة وعاطفة غير إسلامية، وغير عربية.
* الخلافة والقضاء من الخطط الدينية السياسية:
قال المؤلف في (ص ١٠٣): "والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلّا، ولا القضاء، ولا غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها،
стр. 4144
ولم ينكرها، ولا أمر بها، ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا؛ لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة".
أتى المؤلف بهذه الكلمات كالنتيجة للأبواب التسعة، وما حشاها به من شبه ومزاعم، وقد نبهنا على منشأ هذه الشبه والمزاعم، فتخاذل أمرها، وذهبت جُفاء.
بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على ما حاول الطعن به في أدلة الخلافة، وقد عرفت أن الخلافة من الأحكام العملية التي يكتفى فيها بدلالة حديث، أو قاعدة، أو إجماع، وقد قامت هذه الأدلة الثلاثة: السنّة، والقواعد، والإجماع على وجوب نصب الخليفة، فكانت الخلافة ثابتة بما يفيد علماً قاطعاً.
بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على أن النبي ﷺ لم يولّ على الناس من يقوم بالحكم فيما ينشب بينهم من الخصومات. وقد سقنا إليكم الروايات الصحيحة على أن القضاء كان داخلاً فيما يناط بعهدة الأمراء، وأن من الروايات ما نُصّ فيه على القضاء باسمه الخاص؛ كحديث علي، وعمر، ومعاذ ﵁.
ينى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على أن النبي ﷺ مبلّغ فقط، وليس عليه أن يأخذ الناس بما جاء به، وقد فندنا هذا الزعم تفنيداً بما أقمناه من الأدلة على أن النبي ﷺ كان مرشداً واعظاً، وإماً منفذاً، وأن التنفيذ داخل في وظيفته السماوية، وأنه كان ينفذ الأحكام عملياً، ومما جاء في "صحيح البخاري" (١): والله! ما انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه قط حتى
стр. 4145
تنتهك حرمات الله، فينتقم الله".
بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على أن ما شرعه الإسلام من أنظمة وقواعد وآداب، لم يكن في شيء قليل ولا كثير من أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة المدنية، وأنه لا يبلغ أن يكون جزءاً يسيراً مما يلزم لدولة مدنية. وقد أريناك أن قواعد الإسلام وأنظمته قائمة على رعاية المصالح التي يبحث عنها أصحاب القوانين الوضعية، فيصيبونها تارة، ويخطئونها تارة أخرى، وأن الواقف على روح التشريع الإسلامي يرى عين اليقين أنه يوافق طبيعة كل زمان ومكان، وأنه لا يهمل مصلحة يقتضيها حال شعب من الشعوب، ولكن المؤلف"من أولئك الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة"، ولقد كان علمه بأساليب الحكم السياسي وأنظمة الدول المدنية يشابه علمه بانظمة الإسلام وقواعده وآدابه. ولكون بضاعته في العلم والسياسة مزجاة، خرج كتابه مزيجاً من آراء دينية، وأخرى سياسية؛ فابتسم من نوادرها رجال العلم ازدراء، ونغض إليها السياسيون برؤوسهم هزءاً.
بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على زعمه: أن النبي ﷺ لم يشر إلى أمر الحكومة بعده، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون إليه. وقد عرفت أن أحاديث الخلافة وغيرها؛ كحديث خطبة الوداع: "ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، فاسمعواله، وأطيعوا (١) ". ثم وردت آيات الأحكام في صيغ العموم؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] , كل ذلك يدل على أنه جاء بشريعة يرجع إليها المسلمون في حكومتهم بعده، كما كان ﷺ يسوسهم بها في حياته.
стр. 4146
بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على أن حكومة أبي بكر كانت لا دينية. وقد سقنا لكم الدليل إثر الدليل على أن أبا بكر ﵁ لم يكن ظالماً، ولا فاسقاً، ولا كافراً، وأنه كان يحكم بكتاب الله، وسنّة رسول الله، فإن لم يجد نصاً في الكتاب والسنّة، استشار العلماء من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأخذ بالرأي الذي يرشده روح التشريع إلى قول الحق.
فدعوى المؤلف: "أن الخلافة والقضاء وغيرهما ليست في شيء من الخطط الدينية، وأن الدين لم يعرفها، ولم ينكرها" هي من سلالة آراء لا دينية، فلا دليل يركن إليها، ولا شبهة ظنّ تقوم بجانبها.
* لا حرية للشعوب الإسلامية إلا أن تساس على مقتضى شريعتها:
قال المؤلف في (ص ١٠٣): "لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له، واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم".
ليس في الإسلام نظام عتيق يمنع المسلمين من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة، وليس في الإسلام نظام عتيق يعد الخاضع له مهاناً أو ذليلاً، وإن في أصول شريعتهم ما يثمر لهم قوانين تفوق قوانين البشر، وتأخذ بمصالحهم أخذ حكيم مقتدر.
فالمسلمون حقاً لا بدّ أن يكونوا أرجح عقولاً، وأرفع همماً من أن يسلوا أيديهم من أصول شريعتهم الفسيحة المجال، الناسجة على أحكم مثال، ويضعوها في تقليد أمم ليسوا بأصوب نظراً، ولا أدرى بالمصلحة.
стр. 4147
فنصوص الشريعة متضافرة على أن الرياسة العامة، وما يتفرع عليها من نحو القضاء، خطط دينية سياسية. فصاحب الدولة إذا ساس الناس بمقتضى نظر الشريعة، كانت سياسته قيمة، وسمّي عند الله عادلاً، فإن خرج في سياسته عن النظر الشرعي، أصبح مسؤولاً بين يدي الأمة في الدنيا، ومؤاخذاً بها يوم يقوم الناس لرب العالمين.
والقاضي إذا صاغ حكمه على أصول الشريعة، كان قضاؤه صحيحاً، ووجب الإذعان له في السر والعلانية، فإن استند حكمه إلى قانون ما أنزل الله به من سلطان، كان حكماً جائراً، ولا يحتمله المسلم إلا أن يوضع عليه بيد قاهرة.
وإذا كانت القوانين لا يخضع لها المسلمون بقلويهم، ولا يتلقون القضاء القائم عليها بتسليم، كان تقريرها للفصل بينهم غير مطابق لقاعدة الحرية؛ إذ المعروف أن الأمة الحرة هي التي تساس بقوانين ونظم تألفها، وتكون على وفق إرادتها، أو إرادة جمهورها.
فالشعوب الإسلامية لا تبلغ حريتها إلا أن تساس بقوانين ونظم يراعى فيها أصول شريعتها. وكل قوة تضرب عليها قوانين تخالف مقاصد دينها، فهي حكومة مستبدة غير عادلة.
فالذين ينقلون قوانين وضعها سكان رومة، أو لندرة، أو باريز، أو برلين، ويحاولون إجراءها في بلاد شرقية؛ كتونس، أو مصر، أو الشام، إنما هم قوم لا يدرون أن بين أيديهم قواعد شريعةِ تنزل من أفق لا تدب فيه عناكب الخيال أو الضلال، وأن في هذه القواعد ما يحيط بمصالح الأمة حفظاً، ويسير بها في سبيل المدنية الراقية عَنَقاً فَسيحاً.
стр. 4148
ولو قيض الله للشعوب الإسلامية رؤساء يحافظون على قاعدة حرية الأمم، لألّفوا لجاناً ممن وقفوا على روح التشريع الاسلامي، وكانوا على بصيرة من أحوال الاجتماع ومقتضيات العصر، وناطوا بعهدتهم تدوين قانون يقتبس من أصول الشريعة، ويراعى فيه قاعدة: جلب المصالح ودرء المفاسد. وبغير هذا العمل لا يملك المسلمون أساس حريتهم، ولا يسيرون في سبيل سعادتهم آمنين.
قام في زمن قريب بعض من تخبطه الجهل والغرور، وصاح في وجه حكومة شعب مسلم صيحة المعربد، منكراً عليها ما قررته في قانونها الأساسي؛ من جعل الإسلام ديناً رسمياً للدولة، وقد ردّد المؤلف في نتيجة أبوابه التسعة هذه الصيحة؛ إذ حاول أن يقطع الصلة بين الدين والسياسة، ويحارب آداب الإسلام القاعدة للإباحية الفاسقة في كل مرصد، ولكن الفرق بين ذلك الصائح وهذا الصدى: أن الأول وثب على المسألة وثوب أهبل لا يعرف يمينه من شماله، أما المؤلف، فقد أدرك أن الأمة مسلمة، وأن الإسلام دين وشريعة وسياسة، وأن هاتين الحقيقتين يقضيان على الدولة أن تضع سياستها في صبغة إسلامية، فبدا له أن يعالج المسألة بيد الكيد والمخاتلة، ويأتيها باسم العلم والدين، فكان من حذقه أن التقط تلك الآراء الساقطة، خلطها بتلك الشبه التي يخزي بعضها بعضاً، وأخرجها كتاباً يحمل سموماً، لو تجرعها المسلمون، لتبدلوا الكفر بالإيمان، والشقاء بالسعادة، والذلّة بالعزّة، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
стр. 4149
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(١٦)
«جَبْهةُ الدِّفَاعِ عن إفْرِيقيَا الشَّمَالِيَّة»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 4150
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 4151
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
من أجل التوثيق السليم لتاريخ تونس في العصر الحديث، ونظراً إلى أن تأريخ الحركة الوطنية الاستقلالية -سواء داخل التراب التونسي، أو خارجه- بحاجة إلى قلم حر منصف، يكتب بصدق طوية، ويؤرخ بنزاهة، ودون ميل إلى أهواء وأغراض.
أقدم هذا الكتاب إلى المؤرخ والباحث كوثيقة من وثائق التاريخ التونسي، لعله يجد فيها واقعة، أو خبراً، أو حتى كلمة يستخلص منها الحقيقة التي نريدها مسطرة في سجل البلد الذي أحببناه، وأردناه أن يكون في طليعة الدول التي تتطلع إلى مستقبل مشرق بقدر ما تعتز وتفاخر بماضٍ مشرق.
إن حصر الجهاد التونسي في زعيم، ونسيان أولئك الأبطال والشهداء والعاملين في الساحة الوطنية، أو وضعهم وتصنيفهم في مراتب ثانية أو ثالثة من مراتب الجهاد، إنّه طعن في صدر الأمة، وامتهان لكرامتها وشرفها، ومن الواجب علينا أن نصحح مسيرة الخطأ، ونعطي كلَّ واحد من المخلصين مكانته في التاريخ دون تزييف.
أقدم -في سبيل هذه الدّعوة الصادقة- كتاب: "جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية" التي أسسها وقام على تحقيق مبادئها في تحرير المغرب الإمام محمد
стр. 4152
الخضر حسين في القاهرة، ولا أقول: إنها الحركة الوحيدة العاملة في ميدان الجهاد المغربي، أو إنها المنفردة بانتزاع الاستقلال من براثن الفرنسيين، بل نسجل بكل تواضع أنها عمل مجيد صنعه رجال أمجاد، فاستحقوا من الوطن كل تعظيم وإعزاز.
ومن المفيد للتاريخ التونسي وكاتبيه ومؤرخيه ومصنفيه ومنصفيه أن أعرض في هذا الكتاب لمحات عن جهاد الإمام محمد الخضر حسين، ودوره الكبير في الحركة الاستقلالية التونسية والمغاربية والإسلامية. وأقول:
من أبرز وأهم ما يتصف به الإمام محمد الخضر حسين في حياته المباركة: تعدد المواهب والخصائص التي كرمه الله بها، وهي ميزات جليلة يضعها الله في بعض عباده الصالحين المخلصين؛ ليكونوا القدوة في كل موهبة تساموا بها إلى أعلى الدرجات علماً وعملاً، وليكونوا مثالاً في عصرهم يحتذى بهم -فيما بعد- من الأجيال التي تحمل رسالة الإسلام، الرسالة التي ستبقى منار العلم إلى يوم الدين ....
فإذا قيل: إنه داعية إسلامية مصلح، وإذا قيل: إنه فقيه عليم، وإذا قيل: إنه مفسر محدّث حافظ، وإذا قيل: إنه شاعر كاتب ناقد، وإذا قيل: إنه لم يسلك إِلا طريق الجهاد في الإسلام، وإذا قيل: إنه جمع في فكره النيّر كل المعاني السامية في الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وضم بين أصابعه قلماً عبقرياً يجول في كل ميدان خدمة للإسلام.
كل هذه الأقوال الصادقة نجدها في صحف الإمام وسيرته - رضوان الله عليه -.
في هذه المقدمة لكتاب "جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية -صفحات
стр. 4153
من جهاد الإمام محمد الخضر حسين لما الذي نخصه للوثائق التي ارتبطت بأعمال الجبهة ونشاطها، والتي نشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" على صفحات أجزاء متعددة، رأينا أن في جمعها خدمة للتاريخ -ولتاريخ المغرب العربي خاصة-، ومن الوفاء للإمام أن نستعرض بإيجاز واختصار مشاهد ناطقة من جهاده الإسلامي الذي لم يفتر لحظة، على أمل العودة إلى دراسة مستفيضة لصفحات جهاده - إن شاء الله - في كتاب مستقل لنا أو لغيرنا من الكتَّاب الإسلاميين.
نستعرض في هذا الكتاب بإيجاز يفي بالغرض:
- الحرية في الإسلام - أول دعوة ومحاضرة نهض بها الإمام في تونس.
- في معتقل جمال السفاح في دمشق.
- جهاد الإمام في برلين.
- جمعية تعاون جاليات أفريقية الشمالية.
- جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية.
- الإمام محمد الخضر حسين والرئيس الحبيب بورقيبة.
- وثائق جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية.
- تصريحاته في مشيخة الأزهر بتأييد قضايا المغرب العربي وتنديده بالاستعمار.
ومن أجل التوثيق لتاريخ المغرب، وحفظاً لتلك الأعمال المجيدة التي قامت بها الجبهة برئاسة الإمام محمد الخضر حسين، والتي تعتبر بمجموعها وثائق هامة وجب علينا ضبطها وتبيانها للمؤرخ والباحث والإنسان العربي
стр. 4154
والمسلم. فجمعنا تلك الوثائق في هذا الكتاب. آملين أن نكون قد ساهمنا بهذا الجهد المتواضع في خدمة حركة الجهاد المغربي الإسلامي. والحمد لله على خدمة الإسلام، والحمد لله على نعمة الإسلام.
على الرّضا الحسيني
стр. 4155
الحرية في الإسلام
منذ أن سلك - رضوان الله عليه - طريق الرشاد، وقد راقبت عيناه الجنود الأغراب في تونس، يجوسون خلال الديار، ويعتدون على الأعراض والأموال والأرواح، وينشرون المهانة والمذلة. منذ الخطوة الأولى التي ضربها على الطريق، وفي ذلك الجو المرعب المخيف الذي كان مخيماً على المدن التونسية، وعلى المغرب العربي من حولها، والاستعمار الفرنسي القبيح بوحشيته الكاسرة وجرائمه البشعة التي تهز كل فؤاد هلعاً وخوفاً. نجد الإمام ينظر إلى تلك الأمة المنكوبة في دينها وحريتها وكرامتها، ويرى فيها السكون والركود، فيدعوه إيمانه القوي المتين إلى أن يخوض ساحة المقاومة والمجابهة من أول أبوابها. وهو باب تهيئة النفوس للثورة على الظلم، وشحنها بمهيئات الانتفاضة والتمرد على الطغيان بوجهيه الممثل بالاستعمار الفرنسي البغيض، والخونة من عبيد الحكم الذين مهدوا الطريق له، وأعانوه على شروره وآثامه، ودافعوا عن مصالحهم ومآربهم الخبيثة من خلال تثبيت رأسه وقدمه في البلاد، وكانوا أعوانه وأعضاده، وفي بعض الأحيان المدافعين عن وجوده وبقاء احتلاله المقيت، وكانوا بيده سوطاً على العباد.
من يجرؤ أن يقول كلمة حق في وجه مستعمر جائر؟!
من يستطيع أن يهمس -حتى إلى نفسه- بكلمات الحرية والعدالة الاجتماعية والجهاد؟!
стр. 4156
ويتقدم الإمام المؤمّن الصادق الصابر بخطا ثابتة وسط هذا الشعب الصامد الذي كاد أن يتمزق غيظاً، وفي أعماقه بركان مقفل عليه بالإرهاب.
ويعتلي منبر الخطابة ليفجر قنبلة طالما أقضَّت مضاجع الحكام الطغاة، وهزت عروش الممالك القائمة على الجماجم والأشلاء ... وهي (الحرية).
والحديث عن الحرية في دولة الاستعباد والاستبداد لا يسر المستعمر، ولا يرتاح إليه الطاغوت، ولا يقبل به نظام القمع والتعذيب، ومن أين لفرنسا المستعمرة أن تقبل مثل هذا الحديث؟.
وعندما يخاطر المرء بحياته في ذلك الجو المكفهر، ويزاحم الصفوف لينادي على الأشهاد بكلمات تطرق أسماعهم، وتأخذ بألبابهم، فتطرب لها القلوب، وتعلو بها الهمم، ويقوى بها الضعيف، وتنزل كالصواعق على أعداء الحرية.
لا نقول: إِلا أنه رجل شجاع كبير، لم يرض الامتهان، ورفض قيود العبودية، وخاض مخاضاً صعباً لا يقدر عليه إِلا من آمن بالله رباً، وبالإسلام دينا، وابتغى ما عند الله من بشرى وثواب.
كم هي مضيئة مشرقة تلك الليلة المشهودة في تاريخ تونس ومطلع كفاحها من مساء يوم السبت ١٧ ربيع الثاني ١٣٢٤ هـ، وقد انتظمت جموع الناس الظامئة إلى العدالة والحق في نادي "جمعية قدماء تلامذة الصادقية" في مدينة تونس؛ لينصتوا إلى عالم جليل (١)، يطرح على الجماهير (حقيقة الحرية ... الشورى ... المساواة ... الحرية في الأموال ... الحرية في
стр. 4157
الأعراض ... الحرية في الدماء ... الحرية في الدين ... الحرية في خطاب الأمراء ... آثار الاستبداد).
هذه العناوين الثائرة التي تضمنتها المحاضرة، وفي كل عنوان منها صفعة مؤلمة على رقاب المستعمر وأعوانه. ثم ما تبع المحاضرة من آثار عميقة وبعيدة في ضمائر الأمة، وتداول هذه الألفاظ في المسامرات والنوادي وعلى كل لسان، ثم بعد أن طبعت انتشرت بين الناس، "وأضاءت على الأمة شموس الحرية، وضربت أشعتها في كل واد" (١).
ومن المفيد أن نذكر في سياق المقدمة: أن بعض الحاضرين كانوا من الفرنسبين، الذين استمعوا إلى المحاضر. وقام الإمام محمد الطاهر بن عاشور مخاطباً المحاضر بقوله: "يا أيها الأستاذ النحرير؛ ويا أيها السادة! يسرني أن أقف موقفي هذا؛ لأمثل على مرأى من السادة الحاضرين مقدار الابتهاج والسرور بمسامرتكم الفائقة التي سمح لنا بها هذا النادي أو السامر الشريف، فسمعنا منه فلسفة حقيقية لمبدأ عظيم من مبادئ شريعتنا الإسلامية، وشاهدنا مثالاً صحيحاً للفصاحة والبلاغة العربيتين ... إلخ".
عالِم زيتوني شابٌ، هادئ الطبع، حسن السمت، ينطق همسًا، وثائر في فكره وقلبه، وبركان في صدره، يتحدث عن الحرية في بلد يسوده الظلام
стр. 4158
الدامس، ويطمسه سواد الاحتلال، ويغمز من قناة المستعمر وأخيه الحاكم العبد الذليل، إنه أمر جلل، وخطب كبير، ومشهد لا يطيقه الكابوس الجاثم على صدر الأمة (١).
لذا نجد أن الإمام محمد الخضر حسين - بعد هذه المحاضرة - أصبح مطلوباً من السلطة، ومراقباً من عيون الاستعمار الفرنسي الذي أعلن عليه حرباً تمثلت في عدد من الإجراءات الإدارية.
لم تكن فرنسا المحتلة عاجزة عن القبض عليه، ولم تكن يدها قصيرة عن اغتياله على غفلة، أو إعدامه كما فعلت بالآلاف من الناس، ولأسباب تفتعلها.
والرأي عندي أن كلاً من حكومة الاستعمار وحكومة العبيد، لم تلجأ إلى هذا الأسلوب؛ للمكانة العلمية الباهرة التي كانت تحيط بالإمام في أعين طلابه ومحبيه ومعارفه، وللمركز المرموق الذي كان يتمتع به بين علماء الزيتونة. وإن المستعمر الفرنسي والحاكم الذليل كانا حريصين على عدم المساس بالشعور الديني؛ لأن أية محاولة من هذا القبيل تشعل نار أحداث دامية هما في غنى عنها.
إذن لا بدّ أن تكون المجابهة مع الإمام المجاهد في الخفاء، وعلى مراحل يمكن تلخيصها وإيجازها بالحؤول دون وصوله إلى الطبقة الأولى من المدرسين في جامع الزيتونة، رغم كفاءته العلمية التي شهد بها شيوخه
стр. 4159
والعلماء المنصفون. إِلا أن بعض الذين انتدبوا لامتحانه، وبتوجيه من السلطة، منعوا قبوله في عداد الطبقة الأولى (١).
وأقوى سلاح يشهر في وجه العالم: أن يضيق به ميدان العلم، ويضرب الجهلة من حوله القيود والسدود، ولا يجد سبيلاً للانطلاق في الحياة العلمية إلى أقصى غاية .. وهذا من أهم الأسباب والدوافع التي شجعته للهجرة إلى دمشق، والعمل في البحث العلّمي والقضية الإسلامية بقدر ما يستطيع، والرحيل من مضايقات الاستعمار الفرنسي، والانتقال إلى أرض تتمتع بحرية أكثر، واستعباد أقل.
ولتكون دمشق مرحلة من مراحل العمر يتطلع منها إلى ميدان فسيح، وأفق رحيب لم يجدهما في تونس التي ضاقت بعلمه ومعارفه.
стр. 4160
في معتقل جمال السفاح بدمشق
صفحة أخرى من صفحات الجهاد الإسلامي التي نقرؤها في سجل حياة الإمام محمد الخضر حسين، حين وجد نفسه بين يدي السفاح التركي جمال باشا في مدينة دمشق. واعتقل في شهر رمضان سنة ١٣٣٤ هـ (١٥ أوت آب ١٩١٦ م) حتى ٤ ربيع الثاني ١٣٥٥ هـ (٢٩ جانفي كانون الثاني ١٩١٧ م)، وجرت محاكمته أمام المجلس العرفي العسكري، برئاسة فخري باشا، وطلب المدعي العام من هيئة المحكمة إنزال عقوبة الإعدام بالإمام بحجة "أني حضرت مجلساً أخذ فيه بعض المحامين يخوض في سياسة الدولة بعبارات جافية، حتى استفتى في نكث العهد من طاعتها، فأخذت أكافحه بالحجة، وأقاومه بالموعظة وضرب المثل، كما شهد بذلك الشيخ صالح الرافعي" (١). وقد سعى المحامي إلى تأسيس جمعية تدعو إلى الانفصال عن الدولة العثمانية، والخروج عنها، ثم إن إدارة البوليس "رأتني مسؤولاً
стр. 4161
عن عدم إبلاغ ما صدر من ذلك المحامي للحكومة في حينه، وأذنت باعتقالي حتى يرى المجلس العرفي رأيه" (١).
ودام الاعتقال ستة أشهر وأربعة عشر يوماً في (خان مردم بك) (٢) بمدينة دمشق، وهو مكان مخصص لاعتقال رجال السياسة في عهد جمال باشا. ومن رفاقه في السجن: الرئيس: شكري القوتلي الذي شغل منصب رئيس الجمهورية السورية، وفارس الخوري الذي أصبح رئيساً للوزراء، وسعدي بك ملا (٣) الذي أصبح رئيساً للوزراء في لبنان، وكان سكرتيراً لشكري الأيوبي وقت الاعتقال.
وحكم المجلس العرفي بالبراءة (٤). وقرر المجلس العرفي ما قدم له المدعي العمومي من مخاطبة جمال باشا بطلب مكافأة "ولكني لم أتشبث بهذ القرار، وقنعت بما ظهر للدولة والأمة من طهارة ذمتي، وعدم تسرعي إلى النفخ في لهيب الفتنة على غير هدى" (٥).
стр. 4162
ومن شعر الإمام في السجن:
غلّ ذا الحبس يدي عن قلم ... كان لا يصحو عن الطرس فناما
هل يذود الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعده الموت الزؤاما
أنا لولا همة تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرت الحِماما
ليست الدنيا وما يقسم من ... زهرها إِلا سراباً أو جَهاما
ومن شعره في السجن أيضاً:
ولقد ذكرتك في الدجى والجند قد ... ضربوا على دار القضاء نِطاقا (١)
وقضاة حرب أرهفوا أسماعهم ... وصدورهم تغلي عليَّ حناقا (٢)
والمدعي يغري القضاة بمصرعي ... ويرى معاناتي الدفاع سياقا (٣)
أتروع أهوال المنون متيماً ... جرّعْته بعد الوصال فراقا
стр. 4163
جهاد الإمام في برلين
تحت أزيز الرصاص، ومع دوي القاذفات والقذائف، وفي الأتون المشتعل لهباً ودماراً، وعجيج الحرب وضجيجها يملأ الأسماع ليل نهار، في ذاك الجو المرعب الرهيب، وقف الرجل المؤمن الصابر يدعو الجنود المغاربة الذين وقعوا أسري الألمان إلى الثورة ضد فرنسا.
لقد جنّد الاستعمار الفرنسي مئات الآلاف من أبناء شمال أفريقيا بالإرهاب والقسر في صفوف جيوشه، وساقهم سوق القطيع إلى مذابح الحرب، ودفع بهم إلى الخطوط الأولى من المعارك التي يخوضها مع ألمانيا، فوقع بالأسر عدد كبير من المغاربة، وخاصة من التونسيين والجزائريين. وكان الإمام يتصل بهم ويؤانسهم, ويحوضهم على القتال ضد فرنسا، وليس معها؛ لأن بلادهم تحتاج إليهم في هذا الموقف، ويدعوهم إلى التطوع والجهاد ضد فرنسا (١).
стр. 4164
أقام في ألمانيا تسعة أشهر في عام ١٩١٧ م، ثم أقام فيها مرة ثانية مدة سبعة أشهر في عام ١٩١٨ م، ومن رفاقه في الجهاد: الشيخ صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي، وعبد العزيز جاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، واللواء يوسف مصطفى، وغيرهم.
شارك في نشاط (اللجنة التونسية الجزائرية) لتحرير بلاد المغرب والدفاع عن قضاياها. وله في الصحف كتابات هامة، كما ألقى المحاضرات على الجنود المغاربة الأسرى في جيوش دول الحلفاء، والعمل على إمالتهم، وضمهم إلى جانب الثورة من أجل الاستقلال والحرية لأوطانهم.
تعلم اللغة الألمانية (١) وأجادها خلال إقامته في برلين وضواحيها،
стр. 4165
ودرس المجتمع الألماني وعادات الأمة وأحوالها وأخلاقها، كما درس علوم الكيمياء والطبيعة على يد البرفسور الألماني (هاردر) أحد العلماء الألمان المستشرقين (١).
وكتب عن مشاهداته في برلين (٢)، وله ذكريات مبثوثة في المقالات والبحوث التي نشرها فيما بعد، وله شعر بديع قاله في مناسبات مختلفة في ألمانيا ضمن ديوانه: "خواطر الحياة".
وزار سويسرا وإيطاليا لأغراض سياسية.
أصدرت السلطات الفرنسية حكماً عليه بالإعدام غيابياً؛ لتحريضه المغاربة على الثورة ضد المستعمر، كما صدر الأمر المؤرخ في ١٥ جوان ١٩١٧ م والذي تضمن: (حجزت بقصد بيعها أملاك الأخضر بن الحسين المدرس السابق في الجامع الأعظم، الذي ثبت عصيانه). ونشر الأمر في "الرائد التونسي" - النسخة الفرنسية - الصادرة في ٢٠/ ٦/ ١٩١٧ م.
стр. 4166
جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية
من صفحات الجهاد السياسي التي نطالعها في سيرة الإمام محمد الخضر حسين: حرصه على الدعوة إلى اتحاد الأمة، والعمل على جمع الأفراد في جمعيات تكسبهم قوة. وما تحققه الجماعة لا يحققه الواحد.
أسس الإمام "جمعية تعاون جاليات أفريقيا الشمالية" سنة ١٣٤٢ هـ - جوان حزيران ١٩٢٤ م، وسنَّ قانوناً لها. ويقول عنها الإمام: "تأسست هذه الجمعية لتنهض بجاليات أفريقيا الشمالية؛ حتى يسيروا مع إخوانهم المصربين جنباً إلى جنب، يسايرونهم في أفكارهم، في آدابهم، في معارفهم، في كل شأن من شؤون حياتهم الاجتماعية الراقية، وكذلك يجب على كل جالية تعيش بين قوم ناهضين، وكذلك يجب على كل جالية تعيش في بيئة هي أوسع من أوطانها حرية واحتمالاً للمشروعات الإصلاحية.
وللدعوة إلى المنافسة في الخير، والمسابقة في حَلْبة الشرف والسعادة، طرقٌ شتى، ومن أقربها، وأبلغها أثراً: إلقاء محاضرات تتمثل فيها سيرة رجال أدركوا بصفاء ألمعيتهم، وكبر هممهم مكانةً راسخة، وسمعة فائقة" (١).
стр. 4167
وقد ساهمت الجمعية في نشاط ثقافي (١)، وشكلت لجنة لنشر آداب أفريقيا الشمالية.
وكانت هيئتها الإدارية على الشكل التالي:
- الإمام محمد الخضر حسين - تونس - رئيساً.
- الأستاذ طاهر محمد التونسي - تونس - عضواً.
- المحامي محمد عبد الوهاب - المغرب - عضواً.
- الدكتور عبد العزيز قاسم - المغرب - عضواً.
- الأستاذ محمد الرزقي - الجزائر - عضواً.
- الدكتور محمد عبد السلام العيادي - الجزائر- عضواً.
- الأستاذ محمد التهامي نصر - ليبيا - عضواً.
- الأستاذ عبد الله الكافي - ليبيا - عضواً.
واتخذت من عيادة الدكتور عبد العزيز قاسم الكائنة في القاهرة - السبع قاعات البحرية بالسكك الحديدية مقراً لها (٢).
стр. 4168
جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية
من صفحات الجهاد الإسلامي التي خطها الإمام، وأضافها إلى سجله المشرق في مقارعة الاستعمار الفرنسي: دعوته لتنظيم جاليات المغرب العربي المقيمة في القاهرة في جبهة واحدة متراصة، غايتها الدفاع عن شعوب شمال أفريقيا: تونس، والجزائر، والمغرب، وليبيا (١).
نظر الإمام محمد الخضر حسين إلى حال دول شمال أفريقيا، وما آلت إليه الأمور على يد المستعمر الفرنسي من محاربة شرسة عنيفة للغة القرآن، ونشر ويلات الجهل والفقر، و (فَرْنَسة) المعاهد العلمية والمؤسسات الحكومية،
стр. 4169
ونقل البلاد إلى الجنسية الفرنسية من عروبتها وإسلامها، وتحويل المساجد إلى ثُكنات عسكرية، وجعل شعوبها في مذلة ومهانة الاحتلال البغيض، بعد أن كسرت فرنسا الأقلام الحرة، وكممت الأفواه، ولم تعد الآذان تسمع إِلا قرقعة السلاح، والدعوات إلى اعتناق الأفكار الأجنبية الخبيثة، وطرح مكارم الأخلاق، وفي اعتقادهم أن هذا الأسلوب يقود المغرب إلى أن يصبح قطعة من فرنسا، ولم يعلموا -قاتلهم الله- أن القرآن حافظ للغة، وأن الإسلام سيبقى إلى اليوم المشهود. نظر إلى هذا كله، فلم يطق صبراً، وخفقت الروح بين جنبيه تدعوه إلى العمل (١).
والإمام أكثر الناس شعوراً بإرهاب فرنسا وتعذيبها وجرائمها، وقد لاحقته من مطلع حياته في تونس، إلى دمشق، وإستنبول، وبرلين، ثم إلى دمشق والقاهرة، وحكمت عليه بالإعدام، وأمرت بمصادرة أمواله في تونس "ولم تكن لديه أموال".
لبت الجاليات المغربية دعوته المباركة، والتفت حول الإمام في مشهد رائع، وأنشأ جبهة تدعى (جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية)، ومقرها في
стр. 4170
دار "جمعية الهداية الإسلامية" في القاهرة (١)، ولم تتخذ لنفسها مكتبًا مستقلاً في البناءة حفظاً على مال الجبهة مع قلته، وفي بناء "جمعية الهداية الإسلامية" متسع لكل عمل إسلامي نبيل.
- عقدت الجبهة اجتماعها الأول في شهر ذي الحجة ١٣٦٣ هـ، وتم انتخاب هيئة المكتب والأعضاء كما يلي (٢):
هيئة المكتب
* فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين:
عضو مجمع فؤاد الأول للغة العربية - رئيس
* الأمير مختار الجزائري:
رئيس لجنة الدفاع العليا عن الجزائر - نائب رئيس
* نجيب بك برادة:
عضو مجلس الشيوخ - نائب الرئيس
* الأستاذ الفضيل الورتلاني:
سكرتير لجنة الدفاع عن الجزائر - سكرتير عام
* الأستاذ أحمد بن المليح:
ماجستير بكلية الآداب - سكرتير مساعد